-منين تعرفي اني عيني عليكي أصلا؟ أنتي أكيد كنتي بتتوهمي. أنا طول عمري خطواتي ثابتة وتصرفاتي عكس اللي في قلبي، وعمري ما وعدتك. ابتسمت كاميليا قائلة: -كنت كل أما أقرب منك أحس إنك نار بتفور قدامي. فاكر السنة اللي قبل اللي فاتت في المصيف لما اتعاكست على البحر، أنت اللي اتصدرت لهم. هز كمال رأسه قائلاً:
-غلط. أنتي كنتي فاهمة كل ده غلط. أنا كان لازم أعمل الصح في غياب أكمل، خصوصاً إنه كان رافض يسافر معانا، وده اللي دفعني أكون معاكم. ابتسمت كاميليا قائلة: -ومين قال لك إني فهمت غلط؟ أنت بس كنت رافض تصرح بأي حاجة. مش عارفة إن كنت صح ولا غلط، بس لو كانت كملت كنت هضيعني.
-من فضلك يا كاميليا، بلاش نفتح في الجرح ده. أنا عارف إنك كنتي هتضيعي من إيدي، بس كان صعب أثور على والدي وأخويا. كان عندي استعداد أمشي من حياتكم ولا إني أكسر بخاطرهم. -أنت معاك حق، بس خد بالك أنت القدر كان معاك. وعشان بس في حياتنا قدام، الفرصة بتيجي مرة واحدة، يا تاخدها يا ترميها وتدوس عليها. وضع كمال يده على شفتيها حتى تتوقف عن الكلام ورد عليها قائلاً:
-الحمد لله إن القدر كان معايا. بتمنى يكون معايا ديما، وبتمنى إن عمري ما أخسرش أبويا وأخويا ولا أنتِ كمان. سامحيني يا قلبي، أنا استنيت اللحظة دي عمر بحاله. استيقظت من نومها تتمطى بنعومة، تتحسس المساحة من حولها على الفراش فلم تجده. وبلا جهد منها في البحث عنه وجدته يطل عليها بطلة مرحة تعكس طبيعته. وكأن طَلَّتَه الجديدة هذه تمنحها شيئاً أكثر خطورة عنه، شيئاً هتصبح غير قادرة على مواجهته مستقبلاً. -جميلة!
زفرت بحنق، خاصة وهو يمد يده إليها بقدح قهوة الصباح. فهي لا تعشقها مثله، تشربها فقط للضرورة. اضطر ليشرب بعضه لطالما هي رفضت احتساءه معه. وبعد انتهائه منه انتبه إليها وهي ترمقه في جمود. كاد أن يتحدث معها ولكن أتاها اتصال من والدتها للاطمئنان عليها، فاضطر لترك الغرفة لها والخروج إلى الشرفة لتناول سيجارة الصباحي. فتحت الاتصال وردت عليها:
-ماما وحشتيني من امبارح للنهارده. طمنيني عليكي أنتِ وبابا. فطرتوا وأخدتوا الدوا ولا نسيتوا نفسكم عشان أنا مش موجودة؟ قلقانة عليكم جداً. قدرية وهي تطهو الغذاء: -يا حبيبتي ما تشغليش بالك بينا. إحنا فطرنا وكلها ساعة وأبوكي يرجع من المحكمة ونتغدى. المهم بنوتي الحلوة عملت إيه؟ طمنيني عليكي. -دماغي لفت شوية وأنتِ عارفاني مش بطيق القهوة ولا ريحتها، وهو مصبح عليا بريحتها. أعمل إيه بقى؟ كنت براحتي باكل وبشرب اللي نفسي فيه.
-هيجي اليوم هتلاقي نفسك بتحبي كل حاجة هو بيحبها. التألف مش من يوم وليلة، بس تعرفي أنتِ هربتي من سؤالي بس رديتي عليه وطمنتيني. -ماشي يا حبيبتي، أهم حاجة إنك تطمني أنتِ وبابا. أنا مبسوطة جداً ومش ناقصني غير إني بعدت عنكم حبة صغيرين وبكرة أتعود زي ما قلتي. خرج من الشرفة بعد انتهاء مكالمتها، يبتسم لها ابتسامة جذابة جعلت قلبها يدق كثيراً. كان يريد إزالة نظراتها الجامدة عنه، فتحدث لها قائلاً: -عاملة إيه دلوقتي يا جميلة؟
أحسن؟ أنا هكلمهم يبعتوا الفطار أو غدا زي ما بتحبي. وشوفي حابة تشربي إيه. فكرت بتحبي القهوة زيي، بس أحسن عشان ننام بدري. كان الجمود من أثر احتباس دموعها، ولا يعلم لما تحتبس كل هذه الدموع في مقلتيها. ولكن فجأة فهم كل شيء. فهو كان يرتدي كنزة بحمالات عريضة أبرزت عضلاته، ولكن فوق العضلة بضع سنتيمترات كان هناك جرحاً ويبدو عليه أنه كان مخيطاً بعناية. هي تفهم جيداً إذا كان قديماً أم حديثاً بحكم عملها ودراستها كطبيبة.
-صدقيني الرصاصة مدخلتش دراعه زي ما أنتِ فاهمة. وطبعاً أنتِ دكتورة هتفهمي لو قربتي من الجرح. دي طلقة طايشة، كنت بنضف سلاحي. انقلبت ملامحها للعبوس، فأراد أن يغير مسار الموضوع، فتحدث في أمر آخر: -فاكرة لما اتخانقنا على فستان الفرح؟ كنت متغاظ منك يومها. وبعدين أنتِ عارفة إن الفترة دي لازم أأمن نفسي، فنضفت سلاحي والرصاصة جت فيه. مرة أخرى يكذب عليها. هي لا تريد رؤيته مصاباً بسببها. هتف بحدة بسيطة قائلاً:
-تعالي هنا. أنتِ قلتي هتجيبي فستان حشمة. هو حشمة بس كان حلو عليكي، بس برضه ضيق وضيق خلقي امبارح وأنا بساعدك تقلعيه. ما زالت صامتة تنظر له باندهاش. -لو كنت أعرف كده كنت خليتك في أوضتك وعملنا الدخلة فيها بدل ما تنزلي للكل بالفستان ده. وبعدين بطلي بصاتك دي، ما تنطقي بقى. أخذت تستوعب أمره، ومن ثم ردت عليه قائلة: -ليه مقلتليش إنك كنت بتنضف سلاحك وانجرحت؟ ده لو كلامك صدق فعلاً. ولو كدبت ليه تكدب عليا؟
أنا مش قلت لك مش بستحمل أشوف اللي بحبهم مجروحين. ابتسم أكمل قائلاً: -وأنا بحب أشوف اللي بحبهم فرحانين. وبعدين محصلش جريمة يا جميلة، دي مجرد رصاصة طايشة. وزي ما قلت لك محدش يقدر ياخد منك حاجة. -أصلاً أنا السبب في كل حاجة. أنا أصل الجريمة. ليه تعمل في نفسك كده وتستحمل كل ده عشاني؟ افرض كنت روحت مني ومن عيلتك، تفتكر كنت هسامح نفسي؟ اقترب أكمل منها قائلاً:
-مش هستحمل تكوني لغيري. عشان أنا حمايتك وأمانك وكل حاجة تخصك. وقلت لك متخافيش ومتتحمليش نفسك فوق طاقتها. وفرّي طاقتك ليا. نظرت له جميلة وحدّثت نفسها قائلة: -مش مصدقة. حاسة إن بيتهيألي. هو فعلاً فيه راجل كده؟ ولا ده كلام والسلام والفعل مفيش؟ يارب ما يزهقش من مشاكلي ويبيعني زي غيره.
بعد مرور أسبوع على زواجهم، أخذها في سهرة. وما إن انتهوا من سهرتهم حتى فاجأتهم سيارة دفع رباعي كان يستقلها غسان ورجاله. وفجأة وهم في قمة سعادتهم وجدوا من يحاصرهم. وإذا به غسان يشير لرجاله ألا يقتربوا، وألا يقوموا برد فعل عوضاً عنه، خاصة عندما رفع أكمل سلاحه عليهم. عاد غسان ومنح أكمل نظرة وحش ثابت على موقفه. وهو أخذ جميلة له. نظر لها نظرة موحشة حجرية، وكأنه قائد الشياطين يريد هدم قلعتها الصغيرة. صرخت جميلة بتوسل عندما رفع غسان سلاحه في مواجهة أكمل. وهنا أكمل ضغط على الزناد لتهزه. جميلة تترجاه بصوت متحشرج،
منهارة من البكاء: -لا يا أكمل متعملش كده، أرجوك بلاش. هو هيمشي لوحده، بلاش تضيع نفسك عشانه.
مال أكمل نحوها بنظرة كانت كافية لتوصيل إحساس أنها ستدمر كل شيء بينهم. نظرة باردة أشعرتها بالتعاسة. نظرة حزن منها وشعوره بالعجز في الدفاع عنها من هذا الأخطبوط. ثم تحولت نظراته إلى غضب فاجر، ولكن هيهات. جاءت سيارة أخرى تطلق النار على غسان ومن ثم الانقضاض عليه وأخذه. يبدو أنها تابعة لزعيم المافيا. تحرك أكمل نحو السيارة بهدوء واستقلها، وهي ذهبت لتجلس بجواره صامتة. إلى أن انتهى بهم الطريق لتتفاجأ أنها عند باب منزل أهلها. فهمت أنه الآن لا يريدها. هبطت بهدوء ودلفت منزلها في صمت.
-إيه ده يا جميلة؟ فستانك متبهدل كده ليه وطرحتك؟ وفين أكمل؟ أنتِ جاية غضبانه ولا إيه؟ أنتم لحقتوا وبتعيطي ليه؟ طمنيني قولي انطقي. ردت جميلة بخجل قائلة: -الفستان اتقطع من العربية وإحنا رايحين نسهر، ولقينا نفسنا قريبين من البيت. قلت أدخل أغيره عندكم من فساتين. أما أنتِ عارفة إن كل حاجة بعيط عليها. -مش معقول يا جميلة، لا مش مصدقاكي. طب لو كلامك صحيح فين جوزك؟
مش معقول يكون سبقك على المطعم وبعدين الوقت اتأخر. هتسهروا دلوقتي. -ما هو أنا قلت له يروح بقى وفرصة أبيّت معاكم الليلة دي. وحشتوني بقالي أسبوع بعيد عنكم وعن البيت وعن أوضتي. خلاص بقى يا ماما. -حركة غضوبة بس شيك قوي، بس مش عليا يا جميلة. اقعدي واحكي لي إيه اللي حصل بينكم. متخافيش مش هاجي عليه، أنا عارفة إنك متعبة. هبط هشام من على الدرج وهو يعلم كل شيء، حيث هاتفه أكمل وسرد له كل شيء.
-يلا يا قدرية روحي حضري لهم العشا وسيبي جميلة على راحتها. خلاص جوزها رجع من نص الطريق مقدرش إنها تبعد عنه ربع ساعة. -يالا يا حبيبتي روحي غيري الفستان وأنا هروح أحضر لكم العشا. أمري لله طالما سيادة المستشار حكم بكده. واضح إنه عرف كل حاجة. ذهبت قدرية إلى المطبخ، بينما جميلة ذاهبة إلى غرفتها ليستوقفها هشام قائلاً: -أكمل حكى لي على اللي حصل وإنك كنتي عايزاه يستسلم وميقفش في وش غسان. إيه يا جميلة؟ مش ده ضعف وغلط؟
ولا أنتِ شايفة إيه؟ عضت جميلة على شفتيها بخجل قائلة: -بابا، أنتم رجالة قانون وعلمتوني إننا مش في غابة والدفاع عن النفس مش بالطريقة دي. أنا خفت عليه يضيع نفسه عشان واحد زي غسان. دلف أكمل منزلهم واستمع إلى ردها ليبتسم قائلاً: -عاملة إيه دلوقتي يا جميلة؟ قلت لك كتير إننا هنبقى بخير. غسان لازم يتواجه بالطريقة دي، لو بينا له ضعفنا هنضيع بجد. ثقي فيا، قلتها لكِ كتير. التفتت إليه قائلة:
-أنا بخير طول ما أنت بخير. والله يا أكمل أنا خفت تقتله فعلاً وتدخل السجن وتسيبني. أنا ما صدقت حياتي تستقر معاك ومش حابة حاجة تفرقنا. ظل جامداً يرمقها في تعبير متفكر، قبل أن تتقدم نحوه قائلة بلطف: -أعمل لك قهوة تشربها مع بابا على بال ما أغير الفستان عشان ماما متحسش بحاجة. نظر لها بلا تعبير، فاستطردت ببساطة وهي تشير إلى غرفتها:
-مش هتأخر وحقك عليا، بس عشان خاطري خليك طبيعي قدام ماما مش عايزها تحس بحاجة. هي مش ناقصة قلق، هي فاهمة إننا اتخانقنا.
صمت قليلاً حتى أدرك مقصدها. وبالفعل كل شيء تم على ما يرام وانقضت ليلتهم في منزل والديها ورحلا إلى منزلهم مجدداً. صعدت من قبله إلى غرفتهم وارتدت قميصاً قطنياً ناعماً خفيفاً. صعد إليها ليجد الغرفة مظلمة، بينما انتعشت بضوء هادئ. نظر للمكان المنبثق منه الضوء ليجدها شفتيها تلمع بحمرة شفاه وردية خفيفة. ظل صامتاً يرمقها بلا تعبير، فهي الآن تمنح نفسها فرصة جديدة كالعادة. ركز عينيه على عينيها التي كانت أشبه بلون المحيط، وجدها تسدل أهدابها بخجل. تقدم منها قائلاً:
-ممكن تبصيلي يا جميلة؟ أنا عارف إن مكنش قصدك يحصل اللي حصل النهاردة، بس غصبن عني ما استحملتش أشوفك بتترجيني عشانه. أدارت جميلة وجهها بخجل له: -في حاجة لازم تعرفها كويس. أنا اترجيتك عشانك مش عشانه. هو مش فارق بالنسبة ليا. أنا ممكن أقتله بإيدي، بس ليه وهو روحه متسواش. زفر أكمل بقوة قائلاً: -في موضوع مهم لازم تعرفيه. غسان مش لوحده. غسان وراه الراس الكبيرة، بس لو ركزتي في اللي حصل هتفهمي إنه بقى كارت محروق.
نظرت له جميلة باستفهام: -إيه محروق؟ طب بيعترض طريقي وطريقك ليه طالما معدش ليه لازمة؟ بيلعب لصالح نفسه يعني؟ تقصد إن لسه في دماغه؟ طب والعمل؟ -هو عايزك أنتِ وأنا مش هسمح له بكده. على فكرة كل خطوة بيخطيها ناحيتنا أنا بنقلها صوت وصورة، وكنت عارف إنه مش هياخد غلوة. احمر وجه جميلة غيظاً وردت قائلة: -بس ده أنت كنت هتقتله. لا مش معقول. ها، أنت كنت بتمثل عليا؟ طب وأنا هعرف منين كل ده؟ غصبن عني هصدقك زي ما هو صدقك.
-أنا كنت هرجع وهقولك. أنا من أسبوع وأنا ببعت ليهم أخباره، لأني كنت حاسس إن شغله معاهم انتهى. بس هو رافض يرجع ليهم، ده اللي دفعني أنقل أخباره. اندفعت جميلة قائلة: -أسبوع وأنا مفكرة إنه نساني تماماً وأنت ما كلفتش خاطرك تفهمني حاجة. وطبعاً بعد ده كله المفروض النهاردة مكنتش أخاف ولا أتهز. تعالت ضحكات أكمل قائلاً:
-أنتِ قوية معايا أنما بس، وصغيرة وضعيفة قدام الكل. برضه مش بتتغيري. نفسي أشوف قوتك دي قدام الناس مش معايا. معايا عايزك ناعمة. زفرت جميلة بضيق قائلة: -عايزني بنوتة معاك وبره راجل بشنبات؟ بحس كتير إنك اتجوزتني للسبب ده إنك شايفني طفلة مع الناس ونفسك إني ألبس روح الطفلة وأنا معاك. -ومع ذلك وافقتي عليا؟ يعني أكيد في يوم هلاقي روح الطفلة اللي جواكي. أنا معاشرت بعض الصفات وهي العناد، بس أنا عايز أكتر من كده.
ردت عليه جميلة بحدة قائلة: -مش معني إنك شفت فيا عناد الطفلة إنك هتشوف بقيت صفاتي الطفولية. وبعدين أرجع بالذاكرة لورا وافتكر إني مكنتش موافقة عليك. ابتسم أكمل قائلاً: -بس بعدها جيتي مكتبي وطمنتِ قلبي إنك ليا، ودي حاجة كويسة جداً. حتى بعد ما شفتي أول عيوبي وهي السيجار. اقتنعي بقى إننا مكتوبين لبعض. جميلة بضيق قائلة: -إيه مكتوبين لبعض دي؟
محسسني إننا كنا عايشين لأمور من زمان. وبعدين أنا مطمنتلكش ولا حاجة، أنا وجهتك تقول إيه لبابا لأنه الوحيد اللي لازم يطمن. رد عليها أكمل بثقة قائلاً: -بس برضه مبقتيش لغيري بالرغم من رجعة غسان على آخر لحظة ومن قبل ما تعرفي إنه السبب في قتل أخوكي. كنت عارف إنك عايزاني زي ما أنا عايزك. شحب وجهها وتسارعت أنفاسها، ليمنحه هذا الشعور لذة. فحالتها هذه تشعره بالانتعاش.
-عرفت من النفس اللي بتطلعيها من صدرك إنك رافضة أي راجل غيري في حياتك. ساعتها هديت وقلت الصبر مسيرها تبوح في يوم من الأيام. كانت غير مستوعبة لما يقوله لها دفعة واحدة، وعجز لسانها عن الرد. بل شعرت أن الرد هو يعرفه جيداً من قبل ما تنطقه. يالا له من رجل أكمل صحيح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!