بدأت التجهيزات للعرس وجاء يوم إحضار ثوب الزفاف، ولكن الصدمة أنها رفضت تواجده أثناء شرائه. قال من شفتيه تهكم مرير، خاصة عندما قالت له إنه ليس له شأن باختياره. كيف لم يكن له شأن وهو زوجها، وعليه اختياره بدقة، يخشى جنونها في الاختيارات. ارتفعت عيناه بحدة يواجهها بها، ليشعر باحتراقهم المتمثل في غضبه. ظنت الأمر سيمر مرور الكرام، ولكن حدث العكس، فتراجعت بعفوية دمجتها بطفولة.
"معلش، كنت بسمع زمان إنه فال وحش ومش قادرة أنسى. أخويا ده كان شاريه لعروسته وكان فرحان ومحدد الفرح، فمش عايزة نبقى زيهم." تنهد بارتياح لدرجة استغربتها ولم تصدق ارتياحه. هل كان يخشى من أمر أكبر؟ هل يخشى من اختيارها لثوب خليع؟ اللعنة من تفكيره الآن. خمدت ناره لهذه الدرجة، يخشي تفكيرها. نظراتها أوحت له أنها فهمته، فأشاح ببصره عنها.
توجهت نحو بعض الكتالوجات التي بعثت لاقتنائهم كي تختار منهم، وقدمتهم له بعزم، وحادثته بتبرم عن وجوب الثقة فيها. "على فكرة، أنا هجيب فستان محتشم، وعلشان نكمل يا أكمل، لازم يكون في ثقة ما بينا." هذا المشهد، ومن بعدها توارت عنه حتى يوم الفرح. أخذ يسأل عنها الجميع، حتى وصل إلى قدرية. "أنا مش لاقي جميلة، هي فين يا قدرية هانم؟ كان لازم تصمم تتذوق في الفيلا، وكمان الفرح يكون هنا. أنا كنت ناوي أعمله في نادي المحامين."
نظرت له قدرية بعتاب وردت عليه قائلة: "أنا نفسي تقول لي يا أمي. أنا مامت جميلة ومامتك أنت كمان، طبعًا استحالة أقدر أحل محل المرحومة والدتك، ولا أنت هتحل محلها، بس نحاول نعوضهم." ابتسم أكمل لها قائلاً: "أنا نفسي يا أمي من لحظة ما خطبت جميلة، بس كنت مفكر إنه مينفعش. طبعًا بعد الكلام ده مقدرش أرفض لك طلب، بس برضه فين جميلة؟ جاء من خلفه هشام قائلاً:
"تعالي يا أكمل، جميلة مش هتنزل دلوقتي. الميكب آرتست لسه مخلصتش شغلها، وبعدين متستعجلش على إيه يا أخويا؟ بكرة تزهق زي ما كلنا زهقنا." نظر أكمل لقدرية قائلاً: "يرضيكي الكلام ده يا أمي؟ يالا بقي اقفشي فيه واتلهوا في بعض، وأنا هطلع آخدها من تحت إيدين الميكب آرتست حتى لو ما خلصتش." تعالت ضحكات قدرية قائلة: "لما جميلة تروح معاك، هيبقى حسابي مع هشام، مش كده يا هشام؟
إنما دلوقتي لا يا أكمل، لما جميلة تخلص هتنزل بنفسها، على رأي باباها." "أمري لله، يالا بينا يا عمي ننتظر طلّة القمر. والله أنا كنت هسلم عليها، بقالي أسبوع ماشفتهاش. أنا عارف هي قصدت تعمل الفرح هنا علشان تستخبي." "أهي هتبقى في بيتك وخلص حقك منها تالت ومتلت، وبعدين مفيش أحلى من أفراح البيوت ولمّة البنات مع بعض، دول فوق مهيّصين."
"يارب يا حبيبتي يفضلوا مهيّصين، وأنتي كمان اطلعي هيّصي معاهم. من حق أم الجميل تدلع، وابقي بوسيهالي على بال ما أنول الشرف." جاء موعد صعوده لها لكي يستقلها للأسفل، وما أن وصل وهو يحمل باقة الزهور المفضلة لها، حتى وجده أمامه حورية جميلة تأنقت بثوبها الأبيض. نظرت له بخجل من نظراته الشغوفة، إلى أن اقترب منها ليجد جدائل تحتضنه وتقبله، وهو عيناه مثبتة على جميلته، ليربت أكمل على ظهر جدائل قائلاً:
"يا حبيبتي يا جدائل، عقبالك، بس بلاش في البيت. أنا اتخنقت لغاية ما وصلت لهنا، بس لأجل الورد ينسّق العليق، لأ والميكب آرتست عاملة شغل." "إن شاء الله، أنا كمان مش بحب الخنقة يا أبيه، بس على رأي طنط قدرية، الرق على الهنا. ربنا يفرحكم، ومبروك يا حبيبي، يارب حياتكم كلها هنا." "يا قلبي أنتِ يا جدولة، بس هي الميكب آرتست خرّصت العروسة ولا اتعدت من الخرص اللي كان عندي، ولا أنا اللي بقيت رغاي أوي؟
مال على أذن جميلة هامساً وهو يخفض صوته حتى لا تسمعه جميلة: "هاخدها إزاي دي وأروح بيها البيت؟ هي مالها اتسمّرت كده ليه؟ أوعي تكوني حكيتي ليها عن موضوع الحادثة، شكل لسانك فلت منك يا جدائل." هزت جدائل رأسها نافية وقالت: "إحنا انشغلنا بحاجات كتير، متقلقش. كله تمام وهي تمام، بس هي شكلها مخطوفة حبّتين، أو يمكن لسه زعلانة من يوم الفستان وتفكيرك فيها." تعالت ضحكات أكمل قائلاً:
"ياربي، دي طلعت قلبها أسود أوي. طب أنا هعيش معاها إزاي بقى؟ يارب أنا على قد قوتي، بس من جوايا غلبان. تفكيري وحش لأني محامي." كادت أن ترد جميلة عليه، ولكن دلف والدها يستعجلهم للهبوط للأسفل وإتمام مراسم الزواج. وبالفعل تم كل شيء في هدوء تام، وانتقلت جميلة للعيش معه في فيلا والده.
صعدوا إلى غرفته سوياً، ومن ثم دلفا، وهو ما زال ممسكاً بفكيها، لا يريد إفلاته. ومن بعد إغلاقه للباب، احتضنها بذراعيه لدرجة أنها لم تستطع الإفلات منه. نظر إلى عينيها بقوة قائلاً: "فاكرة لما قلت لك إن الروح بتنادي الروح؟ انتي روحك نادتني من أول لحظة شفتك فيها في بيتنا، وحبيتك جداً فوق الوصف، وكنت مستني أقول لك مبروك." تلاحقت أنفاسها وخجلت من تصريحه، وردت قائلة: "حبتني؟ الله يبارك فيك، وكل حاجة. بس حبتني دي معقولة؟
انت أكيد بتقول كده علشان الليلة تمشي زي ما بتمشي بين أي اتنين، بس أنا مش بحب كده." لم يستطع أن يستمع لثرثرتها أكثر، حيث مال على شفتيها يوقفها، وينهل من شهدها وعسلها المصفى الذي طالما حلم به كثيراً. يا الله، كم حلمت بهذا! ولكن كانت تشعر أنها ستفتقد لهذه الرومانسية معه. لم تتوقع أن رائحة أنفاسه ستطغى عليها بهذا الشكل. أيعقل أن هذا الشخص الخشن يكون بهذه النعومة؟
كانت مغيبة وهو يردد لفظ "محبوبتي" في أذنيها. اهتزت بالرغم من أنه يتملكها بذراعه الصلب الذي لا يهتز بينه شيء. ارتجفت بين قبضته وارتعشت بين أحضانه، وبكت وهي تدفن نفسها بين ضلوعه، كأنها لا تريد للهواء أن يكون عازلاً بينها وبين أكمل. رفع أكمل رأسه لها في اندهاش، حيث صدمه رد فعلها، فهو لم يتوقعها ولم يستطع تفسيره. أهي خائفة أم عاشقة؟
هذا التعلق المفاجئ به لم يستطع فهمه ولا تفسيره. انتبهت لنظراته لدرجة أنها كرهت انفعالها معه وسخرت من نفسها. ودت لو شقت الأرض من تحتها وابتلعتها عوضاً عن أن تفاجئه بذلك. ولكن هو تأكد من شيء واحد، أنه على صواب، وأن مكان تلك المرأة بالتأكيد في قلبه، ليس في مكان آخر. تلك المرأة لم يكن يجوز بأي شكل من الأشكال أن تكون لغيره.
على الجانب الآخر عند غسان، الذي فشل في أخذ جميلة، حيث كان متوقعاً أنها ستصف في صفه لآخر لحظة. كان يجلس في مكان والنيران تتأجج في صدره الذي يعلو ويهبط بقوة. ليأتيه اتصال من الجميلة الحسناء الشقراء، كما قال عنها أكمل، المدعوة فيري. "في إيه حصل يا غسان؟ شكلك بيقول إنك عصبي اليوم. ممكن أعرف سبب، ليه مش بترد على اتصالات فيري؟ إحنا بينا اتفاق، لازم ترد في أي وقت."
"أنا عايز جميلة بأي شكل يا فيري، اتصرفي. اعملي أي حاجة. أنا مهتم بيكي من ساعة ما اتعرفت عليكي، وده باتفاق مع السيد الوالد، يبقى حقي آخد اللي أنا عايزه." "انت رجعت بلدك وسبت فيري؟ وفيري كونت صداقات مع غيرك، بخرج كتير يا غسان. انت فشلت، وميعاد رجوعك بعد بكرة بالكتير، وانت معرفتش تخلص." نظر لها غسان بحدة، ومن ثم رد عليها قائلاً: "يعني انتي عرفتي إن أكمل الزيات اتجوزها صح؟
وكده قعدتي في بلدي ملوش لازمة. أنا كنت النهاردة هبقى جوزها، بس معرفتش. ده يبقى جزاتي بدل ما تساعدوني." "نساعدك في إيه؟ مش فاهم. انت عصبي ليه أساساً؟ انت كنت بتكدب عليا لما قلت إنك بتكرهها وعايز تقتلها؟ إزاي كنت هتبقى جوزها واتفاقنا القتل؟ زفر غسان بغضب قائلاً: "هشام طلع أنصح مني ومنكم المرة دي. لعبها صح، وعرف يحمي بنته لما لزقها لحتة محامي، بس مش زي ابنه ده تربيته يا ست فيري." ردت عليه فيري بحدة قائلة:
"أولاً، إحنا قلنا تروح تنفذ قتل مباشر، وانت خدعتنا. كان ممكن مش تظهر لجميلة وتقتلها على الساكت. لكن اللي بتقوله معناه إنك كنت هتغدر بينا." "زي ما هي بقت لأكمل، لازم تكون ليا أنا. موافق آخد حتة من العسل، بس لازم آخده. دي حقي من زمان. مليش دعوة بيكم وبانتقامكم، إن انتقامي جميلة." ردت فيري بغضب قائلة:
"مشكلتنا مع هشام هنحلها إحنا. انت لازم ترجع، في حسابات بينا لازم تتصفي. لو مرجعتش هنيجي لك إحنا، أو هنجيبك، وبعدين ابقى كمل مع السينيورة." جز غسان على أسنانه بإصرار قائلاً: "لازم جميلة تكون ليا، وبعدين أبقى أصفّي حساباتي معاكم. أنا بحبها، عارفة يعني إيه حب يا فيري؟ مش مجرد رغبة. جميلة غيرك ومختلفة." "مش لايق عليك الجو يا غسان. انت فاكر إني مش عارفة إنك كنت في علاقات مع صحباتي كلهم؟
ولو مش مصدق، أبعتلك السيديهات، لأنه كله كان بعلمي." اضطرب غسان ورد قائلاً: "محصلش ده كله فيك؟ إيه اللي انتي بتقوليه ده يا فيري؟ أها فهمت، يا ولاد الـ***، فبركتوا ليا فيديوهات علشان تهددوني. منه لله ابن هشام هو السبب في كل ده." نهضت تتغنج في مشيتها أمامه عبر الإنترنت، وهي ترد عليه بدهاء قائلة:
"أنا سمعت ليك كتير اليوم، وما تخافش، البابا تبعي مش هيعرف اللي قلته يا حبيبي. بس اعقل انت واوزن الأمور، وتعالى أتينا حالاً. كل تأخير مش خير." أغلقت الاتصال، ومن ثم هاتفت والدها. "داد، انت فين؟ الأمر مستعجل. جميلة اتجوزت المحامي أكمل، وغسان مقدرش يعمل حاجة. غسان كان عايز يغدر بينا ويتجوزها ويهربها مننا." رد عليها والدها وهو ينفث بسيجاره: "نعم!!!
أدي آخرة تخطيطك يا فيري هانم. انتي اللي صممتي إن غسان ينزل يصفيها بنفسه. أنا قلت لك لو عايز يصفيها، هيصفيها وهو في حضنك." "كل حاجة هرجعها زي ما كانت داد. أنا بعترف إني جلبت فوضى عندك، بس أوعدك أنا هنضف كل حاجة بإيدي. وغسان انتهى بالنسبة ليا." "ماشي، أما نشوف يا ست هانم. كده بقى أنا هشوف حد تاني يوصل لجميلة، أو هقصر على نفسي الطريق وهاخد روح هشام بإيدي."
عودة إلى أكمل وجميلة. لم تكن واثقة للحظة أن هذا سيحدث بينهم. فهي كلما رأته كانت تشعر بالاختناق، وها هو الآن يحتضنها بشغف. وبعد وقت، رفعت وجهها الرقيق الجميل الذي انتعش نفسياً بعد أن كان محطماً بسبب شقيقها وغسان. حيث كانت تضحك فقط كعملية ديناميكية، وكأنها ستصور حالاً ولا بد لها من الضحكة. الكثير يعتقد أنها لا يهمها أي أحزان، ولكنها التبست تمثالاً حتى لا تحمل أحداً همها. وها هي المثالية التي لا يفهمها أحد، بل إنها ليس لها وجود في هذا العالم.
"كفاية يا أكمل." لهثت أنفاسه واشتعلت عيناه بالحب أكثر وأكثر من صوتها الرقيق العذب. لم يذعن لطلبها، بل زمجر منها، فهو الآن في حالة شوق شديد للتي يريدها منذ فترة. عاد ليثبت شفتيه فوق شفتيها بعناد، لترفع كفيها الرقيق تلامس ظهره، كأنها تعطيه التمام ليكتملوا معاً.
بالأسفل، بعد أن انتهت كاميليا من الثرثرة مع جدائل، قررت الذهاب إلى الملحق الخاص بها كي تخلد للنوم. قابلت كمال في ردهة منزلهم، ويبدو أنه سيخرج ليكمل سهرته بالخارج. "رايح فين بالشياكة والحلاوة دي؟ عيني باردة عليك النهارده. كنت مغطي على العريس، صحباتي فكروا كإنك أنت العريس، واتفاجئوا إنه أكمل." ابتسم كمال قائلاً: "أصحابك؟
قلتيلي. طب كا تشوفيلي عروسة وتكون واحدة من أصحابك دول اللي أعجبوا بيا النهارده، وأهو يبقى الفرح فرحين، واعتبرى نفسك معزومة." ضربته كاميليا على ذراعه بضيق قائلة: "وماله يا حبيبي، وعقبالي أنا كمان. أه نسيت أقولك، ابن خالتك لمح لي النهارده إن المرحومة والدتك كانت مرشحاني له، بس طبعًا ده قبل الوصية بتاعت عمو كامل."
"الله يرحمك يا أمي، كانت ديما بتحبك ونفسها تفرح بيكي قبل جدائل. بس عمرها ما سألت نفسها مين فعلاً بيحبك ومين ممكن يتجوزك أي جواز والسلام." "أهي راحت هناك عند بابا وماما، والظاهر إني هتأخر عليهم، وحشوني أوي. حاسة إن مليش ونيس حقيقي من يوم ما راحوا. بقيت بحسد أي حد لما بلاقيه في وسط أهله."
"إن شاء الله ربنا هيعوضك، بابا موجود، وكلها سنة وهتكوني ليا. الطريق انفتح بينا بعد ما أكمل ارتبط بجميلة، ومن هنا لوقتها ممنوع تجيبي سيرة راجل غيري." "يعني انت قررت ده من يوم ما جميلة دخلت العيلة؟ ولولا كده كنت هتسيبني لأكمل؟ طب إزاي، وانت في عينيك الغيرة عليا من أي راجل يبص ليا؟ اضطرب كمال قائلاً:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!