ممكن أطلب منك طلب؟ أرجوكي وافقي على الطلب ده ومتخالفنيش فيه. ليه دايماً بتخالفيني وبتعانديني؟ جربي مرة واحدة تسمعيني فيها. طبعاً اتفضل اطلب، بس متخبيش عليا حاجة أبداً. مش انت عايز مني الصراحة؟ يبقى في مقابلها صراحة منك، وأنا أوعدك مش هخيب ظنك. أنا دايماً بزعلك من غير ما أقصد. أرجوك سامحيني. مش بقدر أشوفك غلط. ممكن تصدقيني في كل كلمة هقولها على غسان؟ وأن لا يمكن أكذب عشان أفوز بيكي؟ نظرت له بخوف قائلة:
أنت ليه حاسس إن اللي هتقوله على غسان هيتقلب ضدك؟ أكمل، أنا كبيرة وعاقلة ومش بفهم الأمور بسطحية زي ما أنت فاكر، يبقى ليه الخوف؟ مش عارف أنا خايف من إيه، بس أوعديني إن اللي هقوله مش هيتفهّم إني بوقع بينك وبينه. ممكن تقدر الخوف اللي أنا فيه؟ وإني مش عايز أخسرك؟ بصراحة، خوفك ده خوفني. هو إيه اللي هيحصل؟ غسان، أطلب منه يقتل حد نعرفه؟ أوعدك مش هقوله حاجة، واللي بينا مالهوش دعوة. يا أكمل. ابتسم أكمل قائلاً:
مش عايزك تخافي أبداً، طول ما أنا جنبك. اللي جاي كله خير ليكي، واللي فات مات. منقدرش نرجع اللي فات، بس نقدر ننقذ الباقي ونفوز ببعض. تمنت جميلة إن يكون ما سيقوله سار: إن شاء الله يارب خير. احكي بقى يا أكمل، قلقتني. مكنتش أعرف إنك بتتكلم كتير أوي كده، بعد ما كنت مسمياك "أكمل ناقص اللسان". نها، احكي يا شهريار.
جذبها بهدوء وتحرك بها نحو باب المنزل حتى لا تسمعهم قدرية. نظرت إلى عيناه وهو يجذبها، وكأنها أسطول من الحكايات، ولكنها مظلمة. ارتعش جسدها بتوتر، بالرغم من أنه وقف خلفها، لا يستطيع مواجهة عينيها وهو يسرد لها الأمر. التفتت تتأمل عيناه المظلمة الغامضة الغير واضحة. كان الموقف بالنسبة له أشبه بالمسمار الذي سيدقه في نعشه. عندها، كان حديثه متقطعاً، يبتلع الأشواك وهو يسرد الأمر. ومن بعد معاناة، أوضح لها ضخامة الأمر.
لتشعر أنها دخلت متاهات من الظلام، وتلفها الأسوار من كل اتجاه، وتضيق عليها جميع الأماكن. حتى أنها تركته بدون حديث. رحل إلى منزله، وانقضى اليوم بكل متاعبه ليولد يوم جديد. ذهب إلى عمله في المحكمة ليتقابل مع المستشار هشام. بدأ الحديث في حضرة والده وكمال شقيقه: أحم، كان في حاجة حابب أقولهالك يا سيادة المستشار. أنا مكنش ليا نية إني أعملها، بس أعمل إيه في والدي. رغم إني حذرته وقلت له مش هسامحك.
خير يا متر أكمل، أنا مش فاهم أنت بتتكلم عن إيه. هو في حاجة يا كامل أنا معرفهاش وحصلت؟ جاري تلقي الصدمات منكم. بلاش تمهيد. أنا قلت لأكمل لازم تصارح جميلة بحقيقة اللي عمله غسان. مش معقول تكون مفكرة إن ابني بيمنعها عنه عشان نفسه. غلط، أنا في كده يا هشام. هز هشام رأسه متفهماً أمام أكمل. تذكروا معي أنه كان اتفاقاً بينه وبين كامل، ولكن لابد من إخفاء الحقيقة عن أكمل حتى يتحرك ويصارحها بحبه.
تصدق بالله يا أكمل، هتصدق إن شاء الله إن كامل لأول مرة يتصرف صح. رغم اعتراضي إنه مشربك الغباء عنه، بس الشهادة لله المرة دي طلع صح. أنا اضطريت لكده، رغم رفضي إني أصارحها كده. جميلة هتتأكد إن جوازتي منها جوازة حماية مش أكتر. مش هتحس إن اللي كنت بعمله مع غسان عيرة. إحنا عايزين ده يا أكمل، يا أخويا. حسسها أنت إنك فعلاً بتغير عليها. صارحها بحبك وبطل بقى جوه إنها عمرها ما هتصدقك. ولو ده حصل، حقها.
بص يا كمال، لو كنت قلت لها برضه من الأول إني معجب بيها، مكنتش هتصدقني. وبعدين أنا مش عايزها تعيش في جو إن أي واحد ممكن يضحك عليها بكلمة. هز هشام رأسه متفهماً: عندك حق يا أكمل، وأنا مقدر قد إيه تعبت. لو ليا غلاوة عندك، ولو بتحبها فعلاً زي ما أنت بتقول، استحمل وبلاش تهملها الفترة دي بالذات. أنا آسف يا عمي لو كنت اتسببت ليها امبارح في زعل. بس والله ما كنت عايز. أنا إيه اللي خلاني أسمع كلام والدي؟
أنت صح، أنا طول عمري ماشي بتوجيهاته. بالعكس يا ابني، أنا ممنون ليك ولكامل. المرة دي معلش، اصبر جميلة. بكرة هتفهم أنت قد إيه ضحيت عشانها، وإن الموضوع مش موضوع حماية. لا يا عمي، عمرها ما هتفهم إن الموضوع أكبر من حماية. تقدر تقولي هي مردتش عليا ليه وسابتني ودخلت البيت؟ أكيد رفضت تصدقني. انتفض كامل بغضب: يعني إيه؟ كنت عايز تسيبها على عماها؟
ما ممكن كان ضحك عليها. أنت مكنتش معاها على الخط طول الوقت. أنت مش معاها في البيت ولا راصد مراسلتها ليه؟ كفاية بقى يا بابا، أنت على طول متحامل على أكمل كده. كنت سيبه يحل الأمر بنفسه، هو مش صغير. هو هيبقي عنده بيت قريب وأكتر واحد هيقدر يحميها. خلاص يا كمال، حصل خير. وبرضه يا أكمل، أنا بكرر كلامي، اللي أنت عملته صح. أنت بس محتاج جرعة تفاهم شوية، وأهو عندك كمال.
ماشي يا عمي، أنا تحت أمر أكمل يطلب، بس خبرة وأنا وربنا ما هتأخر. بس هو بيستهيفني زي جميلة. لو مكنتش مرتبط بكاميليا، كنا هنبقى ميكس. عالتاهت في الدروب رغماً عنها، دائماً يسيطر ويستحوذ على انتباهها بأفعاله. حان الوقت لتلقيبه بالوحش القاتم العينين. لا تستطيع التقاط شيئاً حسناً من صفاته. دائماً يبعث لها الكآبة والخوف. تشعر أنه محامي يسجن موكليه ولا يدافع عنهم. "يالها من زيجة معقدة، بدايتها تنم عن شرها."
عقلها دائماً يحدثها أن تعترض وتهرب، ولا قلبها يهاجمها أن تميل نحوه. ذهبت إلى والدها إلى المحكمة كي تتحدث معه بعيداً عن والدتها. وما إن اقتربت حتى انكمشت على نفسها كردة فعل عندما رأت يخرج أمامها بصحبة والده ووالدها. تبصق على هذا الالتصاق الذي يلتصقه بوالدها دوماً. ومع كل ذلك، تشعر بالدفء في محياه، ولكنّه دائماً يحاصرها بدون لطف منه، يجعل العالم من حولها مرتبكاً تماماً، وشعور بالقسوة من اقترابها.
أثناء خروجهم من المحكمة، قابلتهم جميلة وهي تتقدم منهم. فابتسم لها هشام قائلاً: أهلاً بجميلة الجميلات، اللي نورت المحكمة. على فين كده؟ وكنتي فين يا قمرى؟ أكيد جاية تعزميني على غدا بعيد عن الست والدتك. أحبك أنا. خجلت جميلة من مغازلة والدها، وتمنت أن يكون أكمل مثله. نظرت إليه ودقات قلبها تعلو، قائلة: طب إيه رأيك بقى إن ماما اللي بعتاني عشان سيادتك مفطرتش ولا أخدت الدوا اللي أخد عقلك يا سيادة المستشار؟
خد بالك قدرية قادرة، هتلبسك مصيبة. ماشي يا ست جميلة، هدديني أنتِ بيه وخوفيني منها أكتر ما أنا خايف. وعموماً، هصدقك زي ما الكل بيصدقك وبيصدق برائتك يا حبي. إنما إيه الجمال ده يا جميلة؟ بصراحة، بيتنا هينور لما تتجوزي أكمل. له حق يستعجل ويقعد النهارده ويصمم يحدد ميعاد للفرح بسرعة. دبسنا إحنا يا كامل في ابنك. أنت واحد عايز تخلص من ابنك ورخامته. مالك بيا وبنتي بقى؟ وبعدين أنا قلت آخر السنة في الفاكنس عشان أسافر معاهم.
عندك حق يا هشام، وأنا كمان شابط في أم السفرية دي معاهم. بس يا بختك معاك قدرية، أنا بقي هاخد مين؟ ممكن آخد كاميليا عشان تبقي تحت عيني. نظر هشام المرشدي إلى جميلة ووجه لها حديثه قائلاً: حضرتك عايز تقطع عليكم. شفتي قلت لك، كامل وأولاده. لا منه ولا كفاية شرهم. أنتِ اللي قلتي موافقة يا بابا. ماشي، هتمم الجوازة بقي قبل الفاكنس.
ابتسمت ابتسامة سمجة وتقدمت نحو سيارة والدها تريد الرحيل. ليستأذنهم هشام ويرحل معها. حاول طيلة الطريق جذب أطراف الحديث معها، ولكن دون جدوى. كانت تطلق عليه نظرات نارية، وكأنها تتهمه أنه سر تعاستها. هي ليست كذلك، ولكنها كانت تتخيل أكمل أمامها. ولكن تلك النظرات ذكرته بنظرات ابنه الراحل وكلماته المسمومة. "هاقتلك!
نيران القسوة التهمت عينيه، وكأن الشيطان يصفق له مع كل حرف من هذه الكلمة. وكأن اللحظة الأفضل لأولاده هي موته. ها هو ابنه يريد قتله، وابنته تقتله بسهام عينيها. "هاقتلك! كلمة لا تُنسى ومحفورة في ذاكرته للأبد. وصلوا منزلهم، قابلتها والدتها في حديقة المنزل: وديتي أبوكي يتغدى بره يا جميلة، ولا طنشتي كالعادة؟ أنا مطبختش حاجة. شكلك بيقول طنشتي. أنتِ مالك اليومين دول؟ انتي ناسيه إن أبوكي مريض؟
ابتلعت جميلة ريقها بمرارة، وهزت رأسها وهي تحاول تبرير موقفها قائلة: آه يا ماما، أنا روحت ليه المحكمة على هذا الأساس، بس هو اللي مرضاش ووصلني وراح يجيب أكل. حتى قلت له نطلب ديليفري، مرضاش. حملت قدرية صينية القهوة من على الطاولة وأخذت ترتبها لحين ما يأتي هشام ويتناولوا الطعام سوياً. ولكن وجدت ابنتها تود الرحيل.
طيب استني، حتى ظبطي معايا المكان ونجيب أطباق عشان لما يجي ناكل على طول. الجو هنا حلو، مفيش داعي ندخل جوه، خنقة، وأنا م صدقت إن فيه هوا. أصرت على طريقها، لا تريد لوالدتها أن ترى حالتها المزريّة عندما تتطلع في عينيها. معلش يا ماما، سيبي نايبتي. أنا ورايا بحث مهم، ناوي أقدم على الماستر بقى، كفاية تأجيل. ومعلش يا ماما، بلاش حد يزعجني، أنا هقفل فوني.
أنا هظبط الطربيزة لحد ما يجي أبوكي ويشوفله صرفة معاكي. أنتِ مش متظبطة من امبارح، وأكيد الباف أكمل اللي معكنن عليكي. وقتها تذكرت جميلة عينيه القاتمة مثل قلبه. وردت على والدتها قائلة: متضحكيش على نفسك يا ماما، هو منكدش عليا. أنتِ بس بتتلكك ليه؟ مش حباه، كارهه. من إمتى أنتِ بقيتي منطلقة ويهمك صحة بابا وبتخرجي من أوضتك؟ أظن من حقي أعزل نفسي زيك. عن إذنك. دلفت غرفتها وهاتفت جدائل. "تعالي نحيبها" لتحاول جدائل تهدئتها.
لترد جميلة قائلة: غصب عني، مقدرتش أصدقه. عيونه كلها بتقول إنه بيكذب، بس ليه يكذب؟ هيستفاد إيه لما يبعدني عن غسان؟ أنا أصلاً مش عايزة غسان. مش مستوعبة. ردت عليها جدائل قائلة: هتفضلي تعيطي كده كتير؟ خدي موقف يا جميلة. مش مصدقة أكمل خلاص؟ ارفضي ترتبطي بيه، هو مش هيجبرك على كده. أخويا وأنا عارفاهم. مسحت جميلة دموعها وهبطت برأسها على الوسادة قائلة:
لا مش هعيط، ومش هاخد موقف يا جدائل. أنا هسيبه، مسيرة يزهق من اللعبة اللي هو بيلعبها عليا. عارفة يا جدائل، أنا شكيت إنه بيحبني. تعالى صوت جدائل بسخرية قائلة: ههههه، يزهق من اللعبة؟ أنتِ مين قالك إنك لعبة؟ أبيه أكمل عمره ما بيلعب بحد. ده من وقت قريب كان خلاص هيتجوز كاميليا لغاية واتفاجئنا. بكت جميلة قائلة: وأنا هقدر أعيش معاه وهو كان هيتجوزها؟
غصب عني، مش قادرة أنسى ده. أنا حاسة إني بدوس على قلبي وبتعذب، وهو ولا على باله.
حقاً، هو رجلاً حار يثير كل غضبها. منحها الانفعال بعد أن كانت باردة. لا تقلق ولا تفكر في أي شيء. كل مشاهدة معها توحي ببداية ذوبانها في عشقه. حاولت مراراً وتكراراً أن تبتعد عنه، إلا أن حصاره لها كان مستحيلاً فكاكه. تذكرت لمساته لخصلات شعرها الهاربة، والتي كانت توضيح منه أن تداريها عن العيون. تلوت يومها باعتراض. وحينها دسها في حجابها بثبات وقسوة. وثبت عينيه عليها، حينها كانت نظراته كاسحة، أرهقتها عشقاً، وكأنه ذئب مفترس ولديه مزاجية في التعامل معها، وهي مقيدة أمامه مثل المتهم في المحكمة.
انتهت محادثتها لجدائل. حينها سمعت صوت والدها قد جاء. فخرجت له لتجده يبتسم ابتسامة جميلة قائلاً: ليه يا جيمي يا جميلة تزعليني منك؟ مش أنا قلت لك جهزي نفسك والطربيزة أنتِ وماما على ما أجيب أكل من بره؟ ده أنا جايب بيتزا. هي ماما بسرعة كده بلغت حضرتك؟ طب معلش يا بابا، أنا أكلت في المستشفى. وبصراحة، مهملة في شغلي وأبحاثي بقالي فترة، عايزة أنجز. أنتِ مش جيتي المحكمة وقلت إنك جعانة وجاية تاخدينا عشان ناكل كلنا سوا؟
ده أنا ما صدقت إن قدريه ترضي عليا وقلت أكافئها وأجيب الأكل البيت. والله يا بابا، كنت بقولك كده عشان ترضي ترجعي معايا، بس أنا أكلت في الشغل. أنت عارف إني مش بسيب نفسي ومخلصة فلوسي على السناكس. رد عليها هشام المرشدي بكل حزم قائلاً: من النهارده، معدش فيه سناكس، لأن كل ده بيجيب أنيميا. هتاكلي أكل صحي ومفيد. أنتِ داخلة على جواز، وبعدين جوزك مالهوش في الهلس ده.
ماشي يا بابا، هبدأ أكيف نفسي على الوضع الجديد. بس فوتها النهارده، أنا بجد ناوي أخلص جزء كبير من الماستر قبل الجواز عشان ميبقاش له حجة يرفض. جميلة، أنا ما صدقت إن أمك هتاكل معانا على طربيزة واحدة. متجيش أنتِ تعكّري اليوم. اطلعي معايا، ربنا يهديكي، وصدقيني كل شيء هيتحل. نظرت جميلة لوالدها وسألته بتجوس قائلة: حضرتك تقصد إيه بـ "كل شيء هيتحل"؟ أكمل حكى ليك إنه حكالي عن غسان، صح؟ طب ليه يا بابا مش المفروض كنت تقولي أنت؟
هو أنا كنت هكذبك؟ جميلة، أنتِ مش غبية. وعارفة إن لا يمكن كنت هقولك حاجة زي دي، خصوصاً وإنتي مخطوبة. كان لازم هو اللي يقولك ويصدمك بالواقع. حاولت كبت دموعها، ولكن لا مفر. أخذت تومأ برأسها: فهمت. أنت دورت على أكتر واحد أخد منه الصدمة واتخرس للأبد. أنت طول عمرك حتت، عمرك ما كنت هتقدر تصدمني بالشكل ده خالص.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!