الفصل 20 | من 45 فصل

رواية مهمة زواج الفصل العشرون 20 - بقلم دعاء فؤاد

المشاهدات
22
كلمة
4,337
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

انتهى معتصم لتوه من إحدى جلسات الصلح بين عائلتين متخاصمتين، ثم خرج من المضيفة بعدما انفضت الجلسة قاصداً مجلس أمه المعتاد بالدوار. انحنى يقبل ظهر يدها ثم جلس بجوارها متنهداً بتعب. فربتت أمه على فخذه باشفاق: ـــ تعبت يا ولدي، إني خابرة.. ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا حبة جلبي. ابتسم بحب وهو يقول: ـــ اللهمَّ آمين.. أيوه أكده إني ماريدش غير دعوتك الزينة ورضاكي عليا يا أمايا. ـــ راضية عليك يا وليدي ودعالك من كل جلبي.

قبل يدها مرة أخرى ثم أجلى حنجرته ليقول بتردد: ـــ إني يا مايا كنت ناوي أتحدت امعاكي في موضوع أكده مخابرش هيفرحك ولا… ـــ جول يا ولدي والله بدي أفرح. ابتلع ريقه بصعوبة ثم قال: ـــ إني طلبت الدكتورة ريم للچواز قبل ما تعاود لمصر. سكتت بصدمة لبرهة تحاول استيعاب ما تفوه به ولدها البكري، ثم أطرقت رأسها بحزن لتقول بملامح متجهمة: ـــ عتلهيك المصراوية عنينا كيف ما اتلهيت في شركتك اللي في مصر وبجينا نشوفك كيف الرّ‌َحالة.

رد عليها بلهفة: ـــ لاه يا أمايا لا عشت ولا كنت… إن حصل نصيب واتجوزتها مش هبعد عنيكي واصل.. هنعيش وياكي في الدوار وهاخدها في الكام يوم اللي هشتغل فيهم في مصر.. يعني هتروح وتيجي امعايا. نظرت له بحيرة ثم تحدثت باستنكار: ـــ يعني بنت البلد كلها خلصت يا ولدي؟! شدد من قبضته على يدها وهو يقول بنبرة هائمة: ـــ هي اللي الجلب دجلها يا أمايا.. هي اللي خلتني أفكر في الچواز بعد ما كنت ما أفكرش فيه واصل. أخذت تهز رأسها من اليمين

لليسار وهي تقول بجدية: ــــ إني خابرة إن البنت زينة.. چمال.. وأدب….. ونسبها يشرف…. بس كان بدي نسلك يبجى صعيدي أبا عن چد كيف ما بوك الله يرحمه كان بيحلم وبيتمنى يا ولدي…. لأجل ولدك ما يبجى الكبير من بعدك. رد عليها بجدية: ـــ وإني مناويش أخلع چلا بيتي الصعيدي مهما حصل.. وكيف ما أبويا رباني راح أربي ولدي.. ووعد يامايا ولدي هيعيش ويكبر في بلدي وهيبجى كبيرها من بعدي بإذن الله.

سكتت ومازالت ملامحها واجمة، فهي غير قادرة على إعطائه موافقة قاطعة من قلبها، لم يكن هذا ما تمنته ولا ما انتظرته منه… رغم حبها الكبير لريم كشخص، ولكنها لم تريدها كزوجة أبداً لولدها البكري وكبير العائلة. ـــ طَوَّل سكوتك يامايا… ردت بحزن وهي تتحاشى النظر إليه: ـــ اعمل اللي فيه الصالح واللي يسعدك.. إني بدي تكون مرتاح وفرحان.

حانت منه شبه ابتسامة وقام بتقبيل يدها بامتنان، يعلم جيداً أنها غير راضية تماماً عن ذلك الأمر، ولكنها ما هي إلا لحظات وستمضي… ثم ستبارك زواجه بالتأكيد. ـــ ربنا يخليكي لينا يامايا وما يحرمنا من حنيتك علينا واصل… إني كلمت أخوها وعزمتهم على فرح حمد لأجل ما نتعرفوا على بعض وبعدين هيبلغني جراره بعد كده. هزت رأسها بموافقة وهي تقول بقلة حيلة: ـــ يشرفوا يا ولدي. قبل مقدمة رأسها وهو يقول بتوسل: ـــ ادعيلي يامايا.

نظرت له بتمعن مندهشة من قلقه خشية عدم موافقة أخيها، ألهذا الحد يحبها؟! أهذا معتصم ولدها القوي الذي لا يخشى من شيء بل يخشاه الناس؟! متى أصبح ضعيفاً هكذا؟! ولكنها دعت له على أية حال: ـــ ربنا يريح جلبك يا معتصم وينولك اللي في بالك يا ضي عيني. احتضنها بشدة وهو يمني نفسه بأن يستجيب الله دعاءها عاجلاً غير آجل. مرت عدة أيام كانت ثقيلة على المحبين… فالأيام لازالت تفرقهم والقلوب ملتاعة من بعد المسافات.

لم ينفك أدهم عن مهاتفة ندى ولكن كان الأمر صعباً للغاية… فالشبكة سيئة، وحين يتمكن من الاتصال بها بالكاد يسمع منها كلمة "ألو" ثم ينقطع بعدها الاتصال. ذهب إلى كل مكان لعل الهاتف يلتقط الشبكة.. بعيداً في الصحراء.. أعلى مبنى العمل.. أعلى مبنى الاستراحة السكنية.. لم يترك مكان إلا وذهب له حتى كاد أن يُجن، وآسر يراقبه باندهاش.

مساءً دلف غرفة الاستراحة التي يتشاركها مع صديقه وهو يتأفف ويركل الباب بعصبية والهاتف بيده، فنظر له آسر باستنكار وكان حينها متمدداً بالفراش ثم قال مندهشاً: ـــ مالك يا أدهم بتشاكل دبان وشك ليه؟! ذهب وجلس بالفراش المقابل ثم قال بانفعال وهو ينظر للهاتف: ـــ مش لاقي شبكة في أي مكان… لا عارف أكلم ماما ولا ندى ولا حتى رسائل الواتس بتوصلهم… أنا قرفت. رفع حاجبيه بتعجب وهو يبتسم نصف ابتسامة ثم سأله بتوجس: ـــ إيه الجديد؟!

.. ما أنا وأنت عارفين الكلام ده كويس.. أول مرة أشوفك متعصب بسبب الشبكة في الكام مرة اللي جينا فيهم هنا. نظر له أدهم وهو يتنهد بعمق ومازالت ملامحه عابسة، فاسترسل آسر بنبرة متهكمة:

ـــ الأدوار اتبدلت يا أدهم.. زمان كنت أنا اللي بتعصب وبنفخ بسبب الشبكة لأني ما كنتش عارف أكلم ميري ولا قادر أطمنها عليا لما بتكون قلقانة ولا عارف أكلمها لما بتوحشني… وأنت كنت بتتفرج عليا وأنت في منتهى البرود لدرجة إني ما كنتش مصدق أبداً إنك ممكن في يوم من الأيام تحب زي ما أنا حبيت. أطرق أدهم رأسه وهو شارد في حديث صديقه، فاسترسل آسر بنفس النبرة: ـــ دلوقتي بقيت أنا اللي بتفرج عليك ببرود وأنت اللي شايط من الشبكة.

قالها ثم ضحك بمرارة، ولكن أدهم يستمع ولا يعقب على كلامه وكأنه يتمعن به ويديره برأسه، فاسترسل آسر بنبرة جادة بها لمحة من الشجن: ـــ أنت وقعت في حبها يا أدهم.. اعترف لنفسك بكده.. واضح أوي من عصبيتك قدامي دلوقتي… بس تصدق كنت فاكرك حجر وقفل زي ما محمود دايماً بيقول عليك… بس شايف في عينيك حنين ورومانسية ما كنتش متوقعها منك أبداً. أخذ نفساً عميقاً وزفره ببطء ثم قال وهو ينظر أمامه في اللاشيء:

ـــ الراجل اللي مش رومانسي هو اللي قلبه مدقش لبنت… ولا عمره حب ولا عرف يعني إيه حب. عشان كده كنتوا كلكم فاكرني قفل… أما بمجرد ما القلب يدق لحبيبه بيلاقي نفسه اتحول تلقائياً لشخص تاني مع حبيبه بس.. مبيعرفش يقسى عليه لو قسى على الدنيا كلها.. الحب بيلين القلب الحجر يا آسر.. بيغير نظرة صاحبه لحاجات كتير.. أي نعم أحياناً مراية الحب عامية.. بس أحلى عمى ممكن يصيبك بالذات لو كان حبيبك يستاهل.

ابتسم آسر مشدوهاً ناظراً إليه باندهاش ثم قال بنبرة مفتخرة: ـــ لا والله أنا مش مصدق إنك أدهم صاحبي.. دا انت عشرة 12 سنة يلا.. أول مرة أشوفك بتقول حكم وأشعار يخربيتك. ضحك أدهم بملء فمه وهو يقول: ـــ يخربيت الحب وسنينه يا صاحبي.. ما كنتش أعرف إن الحب بهدلة. أخذا يضحكان ويتمزحان إلى أن تناسى شغفه للتحدث إليها ولو مؤقتاً.

لم يكن حال ندى بأفضل من أدهم… فطيلة الوقت الهاتف في يدها لا يفارقها.. ترسل له عشرات الرسائل عبر الواتساب ولكن لا يصله أياً منها حتى كاد عقلها أن يطير… لقد اشتاقت إليه.. يكاد قلبها ينخلع من مكانه من شدة قلقها عليه… فقط لو يطمئنها بجملة تطفئ نيران الوساوس المنضرمة برأسها.. ولكنها تعود وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وتدعو الله له أن يحفظه ويعود إليها سالماً.

استدعت السيدة أم معتصم صافية خطيبة ابنها لكي تجالسها قليلاً حتى تعتاد الأجواء بالدوار وتشعرها بالاهتمام بدلاً من ولدها الذي وكأنه نسي أن له خطيبة. ـــ نورتي الدار يا غالية. ـــ منورة بأهلها يا خالة. قالتها بخفوت وهي مطأطأة الرأس من فرط انطوائها وعدم اعتيادها على مخالطة الناس ومخاطبتهم، الأمر الذي جعل القلق ينتاب حماتها… فهل حمد ولدها اللبق سيتحمل طباعها الصامتة أو بالأحرى الباردة تلك؟!

ـــ تشربي امعايا الشاي يا مرت ولدي يا زينة انتي؟! قالتها وهي تتودد إليها لعلها تتقرب منها وتفتح لها قلبها، فنهضت صافية بسرعة تسير باتجاه المطبخ، فنظرت لها السيدة باندهاش متمتمة: ـــ على فين يا بتي؟! ـــ هدلى أعالج ع الشاي يا خالة. ـــ تعالي يا بتي إني هنادم على نعمة تعالج عليه. ـــ لاه أمي جالتلي لازمن أولف ع الدار كأنها داري. سكتت السيدة مصدومة من قولها، ولكن ما لبثت أن ابتسمت ابتسامة مصطنعة وهي تقول:

ـــ بكرة تولفي لما تزهجي.. تعالي بس اجعدي چاري أهنيه. عادت إليها بانصياع ثم جلست بجوارها من جديد، فتحدثت السيدة مغيرة مجرى الحديث: ـــ جوليلي بجى.. حمد عامل إيه امعاكي وانتي قايمة؟! جعدت ما بين حاجبيها بعدم فهم: ـــ كيف يعني؟! تنهدت السيدة بنفاذ صبر ثم قالت: ـــ يعني يابتي بيكلمك في التلفون وبتكلميه و… قاطعتها بقولها: ـــ إني مش شايلة تلفون. ـــ باه.. كيف؟! .. يعني حمد لما بده يطمن عليكي بيكلمك كيف؟!

ـــ ما بيكلمنيش واصل… أمي جالتلي لازمن عريسك يشتريلك تلفون.. بس هو ما عملش كده.. وإني ما أشوفهوشي من يوم الشبكة. في تلك اللحظة دلف إليهما معتصم وقد سمع كلام صافية الأخير فحمحم ثم ألقى عليهما السلام ووقف قبالتها قائلاً بنبرة كاذبة: ـــ ما تاخذنيش يا صافية.. حمد كان موصيني أشتريلك تلفون بس إني اتلهيت ونسيت… بس إن شاء الله آخر النهار هبعتلك سمعان ومعاه واحد جديد بالخط بتاعه قايم. سكتت قليلاً لا تدري كيف عليها أن تشكره،

ثم قالت بخجل: ـــ بس إني ما خبرش هستعمله كيف.. أبويا محرم علينا التلفونات ومعرفشي فيهم حاجة واصل. تمتم معتصم مع نفسه بصوت خافت لم يصل إليها: ـــ يا وجعة مربربة!! ولكنه عاد يقول بجدية: ـــ إني هسجل لك عليه رقم حمد وهعلمك كيف تفتحي عليه لما يرن عليكي.. وبعد كده لما حمد يعاود من مصر يعلمك كيف ما بدك كل حاجة فيه. ابتسمت بسعادة ابتسامة أنارت وجهها الجميل وأظهرت غمازتها اليمنى.

تركهما معتصم واتجه إلى غرفته يضرب الأرض بقدميه من الغضب وهو يسب أخاه بخفوت، فكيف له أن يترك خطيبته هكذا دون أن يفكر في طريقة للتواصل معها… مر أكثر من خمسة أيام منذ أن خطبها… ألم يخطر بباله أن يحدثها حتى ولو لمرة واحدة… أفٍ لك يا حمد. بمجرد أن دلف غرفته قام بالاتصال به فوراً وبعد عدة ثوان أتاه صوته يرد عليه فتحدث بنبرة جافة: ـــ أنت بتكلم صافية يا حمد؟! سكت حمد مستغرباً سؤاله ثم سأله ببرود:

ـــ وإيه مناسبة السؤال المفاجئ ده؟! .. هي اشتكتلك؟! لوى فمه ببسمة ساخرة ثم قال بحدة: ـــ هي دي بتعرف تشتكي! … ياريتها تشتكي زي البنات يمكن كنت عملتلها قيمة أكتر من كده. أغمض حمد عينيه يكظم غيظه من أسلوب أخيه الساخر ثم رد بانفعال طفيف: ـــ في إيه يا معتصم؟! .. إيه اللي حصل لده كله؟! صاح فيه بغضب:

ـــ في إنك ما عندكش دم… كلها كام يوم وهتبقى مراتك وهيتقفل عليكم باب واحد وسيادتك مفضلها ومبتحاولش حتى تقرب منها… هتلاقي فين في أدبها وجمالها.. دا كفاية إنها خام متعرفش يعني إيه لوع… صافية وهي صافية فعلاً. تنهد حمد بنفاذ صبر ثم رد ببرود: ـــ خلصت؟! استشاط معتصم منه غيظاً وصاح بعصبية: ـــ أنت بارد كده ليه يا ابني؟! رد بانفعال:

ـــ أنا خايف أتكلم معاها تسد نفسي منها أكتر ما هي مسدودة.. مبتعرفش تقول كلمتين على بعض من دماغها.. عشان كده قولت خليني بعيد أحسن لحد ما ربنا يسهل ونتجوز وأبقى أشوف حل لموضوع كلامها ده… مش عايز أنكد على نفسي من دلوقتي يا أخي. زفر معتصم أنفاسه بضيق بالغ ثم أخذ يتمتم: ـــ ربنا يهديك يا حمد.. ربنا يهديك. تحدث حمد مغيراً مجرى الحديث: ـــ أمي عاملة إيه؟

ـــ أمي زينة الحمد لله… هي اللي بعتت لصافية قعدت معاها شوية والكلام جاب بعضه وقالتها إن مش معاها تليفون… المهم هبعت سمعان يشتري واحد دلوقتي مع الخط وهبعتلك رقمها وهسجل رقمك عندها.. ويا ريت يعني بمجرد ما يوصلك الرقم تكلمها. ابتسم حمد بامتنان لذلك الأخ الذي لا يتوانى أبداً عن التفكير في كل أفراد عائلته ثم قال: ـــ ماشي يا معتصم… تعبتك معايا. ـــ يا سيدي اتعبني أنت بس ومالكش دعوة. ضحك حمد فاسترسل معتصم بهدوء: ـــ حمد.

ـــ اممم. ـــ أنا طلبت ريم للجواز يوم ما رجعت القاهرة.. وكلمت أخوها وعزمته على فرحك عشان نتعرف على بعض. اتسعت عينا حمد بصدمة وهو يتمم: ـــ أنت.. أنت بتقول إيه؟! ونرمين؟! .. نرمين وريم مع بعض؟! طاب إزاي؟! اعتصر معتصم جفنيه بضيق ثم فتحهما قائلاً وهو يضغط فكيه:

ـــ الله يخليك يا حمد كفاية اللي سمعته من عيشة… أنا عارف كل اللي أنت عايز تقوله وفكرت في كل حاجة أنت فكرت فيها دلوقتي.. بس أنا بعون الله هحل كل حاجة.. هتتحل.. هتتحل يا حمد متقلقش. ـــ أنا قلقان عليك أنت… حلها صعب أوي يا معتصم دا إن ما كانش مستحيل. زفر أنفاسه بعنف وهو يقول بنفاذ صبر: ـــ خلاص يا حمد أخوك مش شوية وأنت عارف كده كويس.. أنا عايزك معايا وف ضهري مش عايزك تكسر مجاديفي. تنهد حمد بقلة حيلة:

ـــ معاك يا صاحبي مش هسيبك طالما سعادتك هتكون معاها.. أنا من الأول وأنا حاسس إنك غرقان لشوشتك في حبها بس أنت ما كنتش مبين… بس يا ترى هي كمان بتحبك؟! رد بنبرة ضائعة بعدما أسند رأسه على الوسادة: ـــ مش عارف… لا قولتلها ولا قالتلي. رفع حاجبيه باستنكار: ـــ نعم؟! .. اومال هي وافقت على أي أساس؟! رفع كتفيه لأعلى: ـــ عادي.. هو إحنا لازم نقعد نحب في بعض ونتصاحب ونقابل!

.. أنا راجل ضغري دخلت البيت من بابه على طول.. وأظن هي احترمت الحتة دي فيا.. بس أكيد برضه في إعجاب حسيته منها… بس حب مش متأكد. ابتسم حمد بحالمية ثم قال: ـــ بس أنا بقى متأكد. ـــ هي قالتلك؟! ضحك بملء فمه ثم قال: ـــ هو أنا مش عارف عصام أخويا… أي بنت تعرفه لازم تحبه.. ولا أنت نسيت ولا إيه؟! ابتسم معتصم بسخرية ثم قال: ـــ هو أنا حلو أوي كده؟! ـــ أنت مش حاسس بنفسك يابني؟!

.. ماهي حلاوتك دي اللي خلت نرمين ضحت بنص أملاكها عشان بس توافق إنك تتجوزها لحد ما أدمنتك ومبقتش عارفة تستغنى عنك. حين أتى بذكر نرمين أصابه ضيق بالغ وكأن جبلاً هال على صدره، تلك الخطيئة التي ستلازمه طول العمر: ـــ أوف.. ما بلااش السيرة دي بقى دلوقتي. ضحك حمد ثم قال بمواساة: ـــ ربنا معاك يا صاحبي ويتم مرادك على خير. ـــ يا رب يا حمد… يا رب.

كانت ريم قد قدمت طلب نقل لأقرب مستشفى لسكنها، وبفضل مكانة والدها ومعارف شقيقها تمت الموافقة بدون تعقيدات، وها هو اليوم أول يوم لها بمستشفاها الجديد. كانت تقوم بعملها في قسم الاستقبال، حيث تقوم بالكشف على سيدة تعاني من مغص شديد بالبطن وبعد إجراء الكشف الدقيق عليها قالت: ـــ أنا شاكة إن المغص ده بسبب الزايدة…. هشوف مين هنا تخصص جراحة يكشف عليكي. تركتها ثم خرجت من غرفة الكشف لتسأل إحداهن:

ـــ لو سمحتي مين معانا جراحة النهارده؟ أشارت لها الفتاة حيث أحد الغرف لتقول: ـــ الدكتور خالد هتلاقيه قاعد في الأوضة دي. شكرتها ثم ذهبت إلى حيث أشارت ثم طرقت الباب ودخلت لتجد شاباً وسيماً يرتدي نظارة طبية متوسط الطول شعره أسود قصير ونحيلاً نوعاً ما، وقف بمجرد أن رآها وهو يقول بذهول: ـــ ريم؟! … معقول؟! اتسعت بسمتها لتتقدم إليه وهي تقول بدهشة: ـــ إيه ده أنت شغال هنا يا خالد؟!

مد يده إليها ليسلم عليها فبادلته التحية وسحبت يدها فوراً من كفه، فقال بسرور بالغ: ـــ أيوه بقالي سنتين… أنت هنا من إمتى؟! ـــ النهاردة أول يوم ليا. ـــ بجد؟! يعني هنشوف بعض علطول. ضحكت وهي تقول: ـــ آه هزهقك مني… وبالمناسبة دي بقى معايا حالة اشتباه زايدة في غرفة السيدات ممكن تكشف عليها؟! أجابها مبتسماً: ـــ طبعاً انتي تأمري. ـــ شكراً يا خالد… هروح بقى أشرب قهوة عشان أنا خلاص فصلت. كادت أن تنصرف من أمامه ولكن

استوقفها يسألها بتردد: ـــ ممكن تستنيني هنا هخلص وأعزمك على القهوة نشربها سوا بمناسبة إن ده أول يوم ليكي معانا.

سكتت ملياً تفكر ثم أومأت بابتسامة سلبت أنفاسه، فغادر من أمامها على الفور قبل أن يتجرأ ويفعل بها ما لا يحمد عقباه.. فهذه ريم تلك الفتاة التي لطالما حلم باقتران اسمها باسمه ولكن دائماً كانت الظروف ضده، كما أنها لم تشعر به أبداً وتتعامل معه من باب الزمالة لا أكثر… ولكن ربما قد أعادها القدر إليه مرة أخرى لتتحقق أمنيته.. فهو لا يرى من البنات سواها ولم يستطع الارتباط بغيرها من شدة تعلقه بها.

مرت أيام أخر وريم منتظمة في عملها وتلتقي بخالد أغلب الأيام وهو لم يترك فرصة إلا ويتقرب منها ويحاول اختلاق المواضيع ليتحدث إليها أطول فترة ممكنة وريم تتعامل معه بحسن نية ولم تشك بمحاولات تقربه منها.. تظنه أنه زميلاً عزيزاً يقف بجانبها في مكان جديد عليها ولا تعرف به أحداً سواه.

اشتاق إليها معتصم كثيراً… كل ليلة يمسك بالهاتف يريد الاتصال بها وسماع صوتها الرقيق الذي يذهب عقله ولكن في كل مرة يتراجع… يريد أن يحصل على موافقة أخيها أولاً ثم بعد ذلك لن يتوانى عن إغداقها بوافر عشقه. بقي يومان على عودة أدهم من الانتداب اللعين.. فحتى تلك اللحظة لم تتمكن ندى من محادثته سوى مرتين وكانت مدة المكالمة لا تتجاوز الدقيقة أو الدقيقتين ثم ينقطع بعدها الاتصال.

استيقظت ندى صباح ذلك اليوم باعياء شديد فاقدة شغفها في كل شيء لا تدري أمن غيابه عنها تلك المدة وانشغالها به أم لشيء آخر. بقيت في غرفتها طوال اليوم ولم تستطع الخروج منها من شدة الاعياء الأمر الذي أقلق السيدة تيسير للغاية. وحين عادت ريم من عملها وجدت أمها تجلس مهمومة بمنتصف الصالة فأقبلت عليها بعدما ألقت التحية ثم جلست قبالتها تسألها بقلق: ـــ مالك يا ماما قاعدة زعلانة كده ليه؟! .. أدهم حصله حاجة؟!

ربتت على رأسها وهي تقول: ـــ لا يا حبيبتي أدهم بخير الحمد لله.. جاي بكرة إن شاء الله. ـــ طاب الحمد لله.. اومال مالك؟! تنهدت بحزن ثم قالت: ـــ ندى مخرجتش من أوضتها خالص النهارده وكل ما أدخل أشوفها ألاقيها نايمة.. يدوب تصحى تقولي أنا كويسة وترجع تنام تاني.. مش عارفة مالها.. خايفة تكون تعبانة ومش عايزة تقلقنا. سكتت ريم ملياً تفكر ثم قالت: ـــ ما يمكن حامل يا ماما.. ماهو الحمل برضه بيخلي الست همدانة وعايزة تنام علطول.

أضاء وجه تيسير بسعادة بالغة وهي تقول: ـــ بجد يا ريم؟! ازاي مخطرش الموضوع ده على بالي.. أيوه فعلاً هي همدانة خالص ووشها أصفر.. بس معقول هتخبي علينا؟! ـــ ما يمكن متعرفش أو مخطرش في بالها زيك كده برضه. ـــ أيوه صح… ياااه أخيرا يا أدهم.. ده هيفرح أوي لما يعرف. نهضت ريم ثم سارت باتجاه غرفتها وهي تقول: ـــ هدخل بس آخد شاور ع السريع وأغير هدومي وبعدين هكشف عليها بنفسي. ضحكت أمها وهي تقول: ـــ طبعاً.. في بيتنا دكتورة.

ثم تنهدت بسرور: ـــ يا رب يطلع كلامك صحيح يا ريم… يا رب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...