الفصل 21 | من 45 فصل

رواية مهمة زواج الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم دعاء فؤاد

المشاهدات
28
كلمة
4,876
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

طرقت ريم باب غرفة ندى وكانت تحمل جهاز الضغط خاصتها والسماعة الطبية. لم يأتها رد، فاضطرت لفتح الباب والدخول لكي تطمئن عليها. وجدتها نائمة ووجهها شاحب للغاية. اقتربت منها تتحسس جبينها لتجد حرارتها مرتفعة قليلاً، فلم تجد بداً من إيقاظها للكشف عليها. "ندى.. ندى.. اصحي يا ندى. عايزة أقيسلك الضغط وأشوف مالك. ماما قلقانة عليكي أوي." حاولت النهوض وهي تفتح عينيها بصعوبة. أسرعت ريم تسندها لتساعدها في الجلوس. "هاتي دراعك كدا."

مدت لها ذراعها بضعف. قامت ريم بقياس ضغطها لتجده منخفضاً للغاية. تدخلت السيدة تيسير في تلك اللحظة لتسألها بقلق: "ها يا ريم؟! ضغطها عامل إيه يا حبيبتي؟ "ضغطها واطي أوي يا ماما." "أكيد من قلة الأكل، ماهي مأكلتش حاجة من الصبح." كانت ندى في عالم آخر من فرط الآلام المنتشرة بعظامها، وخاصة رأسها. أنفاسها كانت غير منتظمة وتلتقطها بصعوبة. جلست تيسير بجوارها، ثم ربتت على كتفها وهي تسألها بتوجس:

"هو التعب دا ممكن يكون سببه حمل يا ندى؟ انتبهت حواس ندى حين تفوهت حماتها بتلك الكلمة. اتسعت عينيها قليلاً بصدمة، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة لتقول بنبرة واهنة للغاية: "لا.. لا يا ماما مفيش حمل ولا حاجة." "متأكدة يابنتي؟ تدخلت ريم لتقول: "خلاص يا ماما، هي أدرى بنفسها. أكيد لو متأكدة هتقولنا." تهدلت كتفي تيسير بحيرة لتقول: "أومال مالك بس يا ندى؟ أخذت ريم تفكر قليلاً بعدما لاحظت صعوبة تنفسها واحتقان وجهها بالدم.

ثم سألتها بقلق: "وصفيلي انتي حاسة بإيه بالظبط يا ندى." ابتلعت ريقها ثم قالت بوهن: "حاسة إن جسمي كله متكسر وصداع جامد ومش قادرة آخد نفسي كويس وضربات قلبي سريعة." أجفلت ريم بقلق شديد حين سمعت شكواها. ثم قالت بإصرار: "قومي يا ندى حالا خودي شاور عشان نروح نكشف عليكي عند دكتور متخصص." أخذت تهز رأسها برفض: "لأ أنا هاخد قرصين بانادول وهبقى كويسة، متقلقيش." "مش هينفع، مش هيعملك حاجة. لازم تتشخصي وتاخدي علاج مظبوط."

ردت عليها باستعطاف: "عشان خاطري يا ريم سيبيني أنا مش قادرة أتحرك. هاتيلي أي حاجة تريحني دلوقتي وبكرة هكشف. عشان خاطري." سكتت ندى وهي تشعر بالعجز. تدخلت تيسير: "يابنتي إحنا خايفين عليكي وعايزينك تكوني كويسة. وبعدين عايزة أدهم ييجي يلاقيِكي تعبانة كدا ويتهمنا بالتقصير؟ ردت ندى بإصرار: "أنا حاسة إني بكرة هكون كويسة إن شاء الله. بس سيبوني دلوقتي مش قادرة أتحرك من مكاني." تنهدت ريم بإحباط. ثم قالت بإصرار:

"طالما انتي مش عايزة تقومي تكشفي يبقى تسمعي كلامي ونشوف لو اتحسنتي تمام. لو لا قدر الله فضلتِ تعبانة يبقى هنكشف يعني هنكشف يا ندى." أومأت ندى بقلة حيلة. نهضت معها بصعوبة إلى المرحاض لتستحم، لعلها تستعيد بعضاً من نشاطها. طلبت لها ريم مجموعة من أدوية البرد والمسكنات لترى إذا ما ستتحسن بهذه الأدوية أم لا. في اليوم التالي، دلفت ريم إلى غرفة ندى لتتفقد حالتها. وجدتها نائمة تتنفس بصعوبة ووجهها محمر للغاية من شدة الحرارة.

تحسست جبينها لتجده ملتهباً بحرارة بالغة. أصابها الفزع ونادت أمها على الفور لتساعدها في تبديل ملابسها. أسندتها مع وفاء الخادمة لتأخذها بسيارة أجرة إلى أقرب مشفى خاص لسكنهم بالتجمع الخامس. "ماما خليكي في البيت عشان أدهم لو رجع وإحنا بره ميقلقش." "طيب طمنيني يا ريم كل شوية بالتليفون." "حاضر يا ماما، ربنا يستر." انطلقت السيارة إلى المشفى فوراً. بقيت تيسير بالمنزل تدور به ذهاباً وإياباً من شدة القلق.

في تلك الأثناء تماماً، كان أدهم يضب أغراضه بحقائبه وهو يدندن بسعادة استعداداً لعودته إلى حبيبته. كان يتحرق شوقاً إليها، يُصبر نفسه بقرب لقائها. حينها لن يضيع لحظة واحدة ليعترف بعشقه لها حتى يجعلها تندمج مع جسده كعطره. كان آسر أيضاً يضب أغراضه ويراقبه وهو يضحك على أدهم الجديد الذي يراه لأول مرة. تمنى له السعادة على أية حال وألا يصيبه من الحب ما أصابه. قاربت الساعة على الثانية بعد الظهر ولم تعد ريم وندى حتى الآن.

كان أدهم قد اتصل بوالدته أخبرها بقرب وصوله، ولكنها لم تخبره لئلا ينزعج ويقلق في طريق العودة. بعد نصف ساعة، وصل أدهم ليلقي بحقائبه ويرتمي بأحضان والدته. شددت من احتضانه من شدة اشتياقها البالغ وتتمتم بسعادة: "الحمد لله يا حبيبي إنك رجعت بالسلامة. متعرفش أنا كنت قلقانة عليك قد إيه يابني. الحمد لله.. الحمد لله يا حبيبي." طال العناق لدقيقة أو دقيقتين. ابتعد عنها قليلاً وهو يبحث بعينيه عنها في أرجاء

الشقة ليتساءل بنفاذ صبر: "أومال ندى و ريم فين؟ لم تكد ترد عليه والدته حتى انفتح الباب لتطل عليهما ريم مرتدية كمامة وتسند ندى التي كانت أيضاً ترتدي كمامة وبيدها كانيولا صفراء بلاصق طبي. اتسعت عينا أدهم بصدمة وركض إليها ناسياً غيابه عنهم وهو يتمتم بقلق بالغ: "مالك يا ندى إيه اللي حصل؟ قبل أن يصل إليها، أسرعت بإيقافه بإشارة من يدها وهي تصرخ بإعياء: "متقربش، خليك عندك." وقف يناظرها باستنكار. أسرعت ريم موضحة:

"ندى اتشخصت اشتباه كورونا يا أدهم والدكتور قال لازم تتعزل في أوضة لوحدها لمدة أسبوعين على الأقل ومحدش يختلط بيها عشان ميعديش منها. ولازم كلنا نلبس كمامات." وقع قلبه بين قدميه ليسألها بقلق شديد: "إزاي؟! والكورونا هتجيلها منين؟ ردت ريم بجدية: "الكورونا موجودة يا أدهم مانتشتش. وفعلاً اليومين دول بيدخلنا المستشفى حالات اشتباه كتير. بس متقلقش الكورونا معدتش خطيرة زي الأول."

"طيب دخلي ندى أوضتها الأول عشان ترتاح وبعدين نبقى نتكلم." أسندتها ريم حتى دلفت غرفتها. ارتدى أدهم كمامة على عجالة ثم لحق بهما. أجلس ندى على حافة الفراش وأسندها جالساً بجوارها. استخرجت لها ريم بيجامة بأكمام طويلة ثم قالت: "ألبسها ولا تلبسها انت؟ نظر لندى بتردد فوجدها تهز رأسها بخجل. رفعت رأسها لتلتقط الملابس من ريم وهي تقول بتعب: "اخرجوا انتوا وأنا هغير هدومي لوحدي. أنا بقيت كويسة." غمز أدهم بعينه لريم لكي تخرج.

بالفعل خرجت بهدوء دون أن تتفوه معها بشيء. بمجرد أن انغلق الباب، قالت ندى بنبرة شبه باكية: "حمد الله على سلامتك يا أدهم. مكانش نفسي ترجع تلاقيني كدا بس الحمد لله على كل شيء." اقترب منها قليلاً فابتعدت بمجرد أن لمس فخذه فخذها. قالت برجاء: "عشان خاطري خليك بعيد أنا خايفة عليك." رد بحدة طفيفة: "ما أنا لابس الكمامة أهو يا ندى. متخافيش بقى. وبعدين هتفضلي قاعدة بهدومك دي لحد إمتى؟ "ما أنا مستنياك تخرج وبعدين هغير."

لم يكترث لكلامها. اقترب مجدداً حتى التصق بها، ثم قام مباشرة بفك الكمامة تحت مقاومتها واعتراضها. قبض على كفها بقوة ليوقفها حتى استكانت واستسلمت حين لمست إصراره وعدم تراجعه. فك حجابها بالكامل وفك أيضاً عقدة شعرها ونزع دبابيس غرتها لتنسدل الغرة على جبينها وينسدل شعرها حول وجهها. تسارعت دقات قلبه شوقاً لوجهها الجميل الذي أطفأ ضيّه المرض.

أخذ يخلل أصابعه بين خصلات شعرها تارة، وتارة أخرى يزيح الغرة جانباً لكي تتضح له عينيها الناعستين من أثر المرض. كان يتأملها بشغف بالغ وكأنه غاب عنها لسنوات. يلعن ذلك الحظ الذي سيحرمه منها وسيفسد كل مخططاته التي كان ينوي تحقيقها فور عودته سالماً إليها. كانت تنظر إليه بعينين مسبلتين بتيه. تبتلع ريقها بصعوبة من فرط توترها من حركاته الرومانسية المثيرة. لو كانت سليمة لما ترددت في تقبيله الآن والاستلقاء بين أحضانه الدافئة.

تنهد بثقل وهو يحاول السيطرة على ثورة مشاعره تجاهها. رأسه تنجذب للغاية نحو رأسها يريد تقبيلها وأخذها بين أحضانه لربما يقل اشتياقه لها ولو قليلاً. يعود ويلعن ذلك المرض الذي حال بينهما في وقت قاتل. "وحشتيني أوي. اليوم كان بيعدي عليا كأنه سنة بالذات وأنا مكنتش عارف أكلمك ولا أطمن عليكي." ردت بصوت متعب: "وانت كمان وحشتني وكنت بستنى تكلمني بفارغ الصبر وكنت بضايق أوي لما الشبكة بتفصل. بس الحمد لله إنك رجعت بالسلامة."

ظل يستمع إليها وهو يجاهد نفسه لألا يتجرأ ويعترف بعشقه لها وهي في تلك الحالة السيئة. أمر كهذا يتطلب أن يكونا على أتم استعداد له حتى يذيقها من رحيق حبه وتندمج روحيهما كروح واحدة في جسدين. حانت منه نصف ابتسامة. أخذ يمسد على ذراعيها صعوداً وهبوطاً وهو يقول: "طيب قومي يلا خودي شاور عشان حاسس إن جسمك دافي. والبسِ عشان لو لسة فيه دوا مأخدتيهوش تاخديه." أومأت بموافقة. نهضت بمساعدته وأسندها حتى دلفت إلى المرحاض.

أغلق بابه وتركها ليجلس بحافة الفراش يدفن رأسه بين كفيه ويخلل أصابعه بين خصلات شعره كناية عن ضيقه وتوتره. نهض ليخلع ملابسه، فقد آلتهى بحبيبته ونسي أن يبدلها. فتح الخزانة واستخرج تي شيرت وبنطال قطني وارتداهما على عجالة. جلس ينتظر خروجها بعدما ارتدى الكمامة مرة أخرى. في الخارج، أنهت ريم لتوها مكالمة مع معتصم يؤكد فيها على ضرورة حضورها مع عائلتها لحفل زفاف حمد. أخبرته أنها ستتحدث مع أخيها في ذلك الأمر.

لاحظت تيسير شرودها بعد تلك المكالمة. أدركت ما يدور بخلد ابنتها الحبيبة. ربتت على فخذها وهي تقول ببسمة مطمئنة: "متحمليش هم الموضوع دا. أنا هكلم أدهم." "مش هينفع نسيب ندى وهي في الحالة دي يا ماما ونسافر." "وأنا روحت فين؟! ندى دي بنتي التالتة وأنا عمري ما هقصر معاها أبداً. روحي يا حبيبتي انتي وأخوكي وأنا هخلي بالي منها وهديها أدويتها في مواعيدها بالساعة." "ما أنا خايفة عليكي برضه يا ماما تتعدي منها." ردت بنبرة قاطعة:

"سواء انتوا هنا أو لأ أنا مش هسيب ندى أبداً وأنا برضو اللي هراعيها وهديها أدويتها. لا أدهم هينفع يسيب شغله ويقعد جنبها ولا انتي برضه هتسيبي شغلك وتقعدي جنبها. في كل الأحوال ندى مهمتي أنا." تنهدت ريم بحيرة. نظرت لها أمها بنظرة مطمئنة مغذاها ألا تقلق. هزت رأسها باستسلام ثم احتضنتها بشدة وهي تقول: "ربنا يخليكي لينا يا ماما وميحرمنيش منك أبداً." شددت أمها من احتضانها وهي تدعو لها:

"ربنا يفرح قلبك يا حبيبتي ولو كان فيه خير ليكي يجعله من نصيبك." "يا رب يا ماما.. يا رب." بعد حوالي ساعة، خرج أدهم من غرفة ندى ليذهب إلى حيث تجلس أمه وأخته. بمجرد أن وقف قبالة أخته ابتسم لها قائلاً وهو يمد ذراعيه لها: "تعالي يا بت انتي هاتي حضن مسلمتش عليكي." وقفت ريم على الفور ترمي بين ذراعيه وهي تقول: "طبعاً من لقى أحبابه نسي أصحابه." ضحك أدهم وهو يربت على ظهرها:

"انتي الحب الأول والأخير يا ريمو. وحشتيني ووحشتني شقاوتك." ابتعدت عنه قليلاً ثم قالت بنبرة متأثرة: "وانت كمان يا حبيبي وحشتني أوي." كانت أمهما تراقبهما وهي في قمة سعادتها. جلس بجوار أمه ثم قال: "عايز أروح أشوف روان ومحمود، وحشوني من زمان مشوفتهمش." ردت ريم: "يا ريت تروح تسلم عليهم في بيتهم وبلاش تخلي روان تيجي هنا لحد ما ندى تخف بالسلامة. الحمل مخلي مناعتها وحشة وممكن تتعدي من البيت بسهولة."

قالت تيسير وكأنها تذكرت شيئاً ما للتو: "بمناسبة الحمل يا أدهم.. تصور كنا فاكرين إن تعب ندى من الحمل؟ تجمد جسده لوهلة بصدمة بالغة. سرعان ما ابتسم بحالمية وهو يفكر بجدية في ذلك الأمر ليقول مبتسماً: "قريب أوي يا ماما إن شاء الله." ربتت أمه على فخذه وهي تدعو: "ربنا يرزقك بالذرية الصالحة يا حبيبي." غمزت ريم لأمها لكي تتحدث بخصوص أمر سفرها لمعتصم في الغد.

هزت رأسها ثم توجهت لأدهم بالحديث في محاولة لإقناعه بالذهاب على أن تتولى أمه رعاية ندى. في بادئ الأمر طلب منها تأجيل الذهاب. مع عدة محاولات لإقناعه، أصرت والدته على ألا يكسر خاطر أخته. فلم يجد بداً من الموافقة مع إصرار والدته الشديد، على أن يذهبا ويعودا في نفس اليوم. بالفعل صباح اليوم التالي، اطمئن أدهم على ندى وأوصى أمه عليها كثيراً. استقل سيارته بصحبة شقيقته وانطلقا سوياً إلى محافظة سوهاج.

كان الجميع يقفون على قدم وساق يجهزون لحفل الزفاف بالقرية. كانت الأجواء احتفالية والطبل والمزمار لم يتوقف طوال اليوم في الدوار. وصل أدهم وشقيقته إلى البلدة عند منتصف النهار. كان معتصم وعائلته في استقبالهما. تعرف أدهم على معتصم ووالدته وأشقائه. لفت نظره وسامة معتصم الزائدة علاوة على بنيته الجسدية الملفتة وشخصيته الواثقة.

أقلقه خشية أن تكون ريم قد انبهرت به فقط لتلك الأمور السطحية من وجهة نظره، خاصة أنه استقبله بملابس عصرية أظهرت مدى وسامته وأناقته. تناول أدهم وليمة الغداء مع الرجال. ذهبت ريم مع وليمة النساء بصحبة عائشة ومارتينا. عندما حل المساء، بدأت الاحتفالات الحقيقية. انقسمت حديقة الدوار لقسمين كما كانت في حفل الخطبة. وصل حمد مرتدياً جلبابه الصعيدي وبصحبة عروسه الجميلة. وقف وسط الحفل بجوارها والجميع يصفق.

الرجال يرقصون بالعصا والخيول. أخذها إلى مجلس النساء وأجلسها بينهن. عاد لضيوفه بمجلس الرجال يرقص بينهم. يحاول أن يتجاهل قلقه من أيامه القادمة مع زوجته الصامتة. يحاول الاستمتاع بالأجواء وصرف تفكيره عن حياته التي تبدو وكأنها ستكون عسيرة عليه. لم يترك معتصم صهره المستقبلي أدهم ولا لحظة، مظهراً له اهتماماً شديداً لعله يخطب وده. تحدث معه في مواضيع شتى وحكى له مسيرته حتى أنشأ تلك الشركة.

لم يتطرق إلى الحديث عن نرمين ومساعدتها له حتى وقف على قدميه في مقابل زواجه بها. انبهر حقاً بحديثه ومسيرته الناجحة. رغم ذلك، لم يصدقه تماماً وأحس بوجود خطب ما ولم يشعر تجاهه بالارتياح الكامل. استدرجه أدهم في الحديث حتى يأخذ منه أكبر قدر من المعلومات عنه بما في ذلك عنوان شركته ومصنعه. اند.جت ريم كثيراً مع الفتيات حتى أن واحدة منهن جذبتها لترقص بينهن. استجابت لها وبدأت تتمايل بسعادة.

الأجواء مثيرة للغاية والأغاني الصعيدية التي يدندن بها ممتعة. بعدما تعبت من الرقص، جلست جانباً لتتفقد هاتفها. وجدت مكالمة فائتة من أمها لم ترد عليها. خشيت أن تكون ندى قد أصابها مكروه. تسللت من بين النساء حتى خرجت من المكان وابتعدت قليلاً حتى تتمكن من سماع الصوت. استندت إلى جذع شجرة كبيرة ثم اتصلت بأمها وأخذت تسألها على ندى. سمعان في تلك الأثناء يحرس الحفل بالخارج. رأى ريم وهي تبتعد عن الدوار.

خشي أن يحدث لها مثلما حدث في المرة السابقة حين ضلت الطريق. حسم أمره بإخبار معتصم عبر الهاتف وقد فعل. حين علم معتصم بذلك، استأذن من الحضور وكان من بينهم أدهم. خرج يتفقد ذلك الأمر خشية أن يفقدها مرة أخرى. استغل أدهم فرصة ابتعاد معتصم وقام في الحال بالاتصال بصديقه آسر:

"ألو.. آسر أنا هبعتلك ع الواتس بيانات واحد كدا معرفة وهبعتلك عنوان شركته. عايزك تعرفلي كل حاجة عنه من يوم أمه ما ولدته وكل حاجة عن شغله ومعارفه وشركائه. كل حاجة كبيرة وصغيرة مهمة أو مش مهمة يا آسر. هقولك بعدين. تمام مش عايز أستنى كتير يعني على بكرة بالليل لو أمكن. راضي المخبرين بتوعك وأنا هحاسبك لما أشوفك. تمام سلام." أنهى المكالمة وهو يبتسم بغموض ويتمتم لنفسه بخفوت:

"أنا من الأول قولت مش مرتاحلك يا سي معتصم. أما نشوف إيه اللي وراك." حين رآها تقف مستندة إلى جذع الشجرة وبيدها الهاتف، أخذ يهز رأسه بغيظ. سار نحوها ببطء حتى لا تشعر به إلى أن صار خلفها. باغتها بصياحه: "تاني يا ريم." صرخت ريم حين أتاها صوته بغتة. حتى الهاتف وقع من يدها وأصبح جسدها كالهلام من فرط الفزع حتى كادت أن يُغشى عليها. أسرع معتصم بمسكها من خصرها حتى لا تسقط على الأرض ويقول بنبرة مطمئنة:

"متخافيش يا ريم دا أنا.. أنا معتصم." نظرت له وهي تلتقط أنفاسها المتلاحقة بصعوبة وقد خرجت عن السيطرة تماماً. أخذ يمازحها قائلاً: "وبعدين بقى.. انتي شكلك مش هتهدي غير لما أحضنك." اقترب منها للغاية وكأنه سيحتضنها، ولكنها ابتعدت سريعاً للخلف. تراجع وهو يضحك بقهقهة. نظرت له بغيظ. سرعان ما تحولت تلك النظرات لإعجاب من ضحكته الجميلة التي أظهرت أسنانه البيضاء المتناسقة والتي تراها لأول مرة.

لم تكن ترى منه أكثر من ابتسامة فقط بشفتيه. لاحظ معتصم شرودها وتأملها لخلقته. تحولت ضحكاته لبسمة هائمة: "حلو أنا عارف." عادت ترمقه بغيظ وهي تقول: "وعارف كمان إنك مغرور؟ أجابها برقة بالغة: "لو هتغر ع الدنيا كلها، مش هتغر عليكي أبداً." ابتسمت بخجل. قالت بجرأة:

"انت عارف أول مرة شوفتك فيها استغربت إزاي في راجل بالجمال والهيئة والشياكة دي في البلد دي. اللي زيك بنشوفهم ع الشاشات بس. ساعتها قعدت أقول في سري سبحان من صورك. بس لما شوفت الحاجة والدتك عرفت إنك وارث ملامحك الحلوة دي منها." استند بذراعه إلى جذع الشجرة. نظر لها ببسمة هائمة سلبتها عقلها: "أومال أنا أقول إيه في جمالك ورقتك وشقاوتك اللي طيرت النوم من عيني! أسبلت جفنيها بخجل وهي ترفرف بأهدابها.

تحدث معتصم يسألها بجدية وكأنه تذكر شيئاً لتوه: "أيوه صحيح انتي مبتحرميش؟! إيه اللي خلاكي تبعدي عن الدوار. افرض توهتي زي المرة اللي فاتت؟ ردت بعناد: "ما أنا أكيد المرة دي هاخد بالي يعني." "ولو أنا مكنتش شوفتك كان مين هيدور عليكي ويلاقيكي." ردت برقتها المعهودة: "أدهم كان هيلاقيني. طول ما أدهم معايا أنا مبقلقش." ضيق عينيه وهو يتأملها بدهشة. قال بنبرة مغتاظة: "أنا بدأت أغار من أدهم." تبسمت ضاحكة بخجل.

استرسل يسألها بجدية: "بس قوليلي بقى إيه حكاية الـ panic attack اللي بتجيلك دي؟! وكم واحد حضنك غيري وقت النوبة؟ ضحكت ريم بملء فمها. اغتاظ معتصم من ضحكها. تمتم وهو يطبق فكيه: "اممم… شكلهم كتير." "لأ والله هو أدهم بس." سكتت ملياً ثم استرسلت بنبرة أليمة:

"أول مرة جاتلي لما شوفت بابا وهو بيتقتل قدام عنيا بعد ما المافيا ضربته بالرصاص في صدره. كان لسه خارج من البيت رايح على شغله وأنا جريت وراه عشان أحضنه قبل ما يمشي. ملحقتش أوصله. كان وقع ع الأرض وغرقان في دمه. ساعتها وقفت مكاني وجسمي ارتعش ونفسي ضاق لدرجة إني كنت حاسة إني بموت. كل اللي في البيت خرجوا ع صوت الرصاص وجروا ع بابا ومحدش خد باله من حالتي لحد ما حالتي ساءت وجالي انهيار عصبي. المشكلة إني مبعرفش أخرج من الحالة

دي بإرادتي. بعد ما أدهم اتأكد إن خلاص بابا مات بعد ما وقع ع الأرض انهار بس شافني أنا كمان منهارة وبطلع في الروح. جري عليا بسرعة وأخدني في حضنه وقعد يهديني بالكلام ويطبطب عليا لحد ما جسمي هدي وأغمى عليا بعدها. فضلت فترة كبيرة بعدها بتعالج نفسياً والكوابيس مكانتش بتسيبني. الحمد لله بقيت أحسن دلوقتي بس المشهد لسه سايب أثر جوايا. ندبة كبيرة مبتروحش."

تأثر معتصم كثيراً لما رأته حبيبته. يود لو يمحي ذلك الألم وتلك الندبة، ولكن ليته بيده. "كنتي صغيرة؟ مسحت دمعة فرت من عينها ثم هزت رأسها بإيجاب: "أيوه… كان عندي حوالي ١٢ سنة." سكتت ملياً ثم استرسلت بحزن:

"من ساعتها وأدهم بيخاف عليا من الضغوط النفسية وبيحاول بكل الطرق إنه ميزعلنيش عشان حالتي ماتسؤش. كان خايف يدخلني كلية الطب عشان مشوفش جثث في التشريح بس أنا صممت وقعدت أطمنه إن النوبة دي ملهاش علاقة بالجثث. مرتبطة أكتر بالخوف والقلق. وتاني مرة جاتلي فيها لما ماما جتلها أزمة قلبية ووقعت من طولها قدامي. خوفت تروح مني زي بابا ما راح. ساعتها مقدرتش أسيطر ع نفسي والحالة جاتلي وأدهم حضني وبرضو قعد يهديني بالكلام ويطبطب عليا ويطمني لحد ما بقيت كويسة."

رفعت كتفيها لأعلى وهي تقول بشبه ابتسامة: "وبس كدا. وتالت ورابع مرة بقى انت عارفهم." أمال رأسه قليلاً لمستوى رأسها ثم قال بنبرة هائمة: "وإن شاء الله مش هيكون فيه بعد كدا. ويوم ما هحضنك تاني… هحضنك وانتي مراتي." في تلك اللحظات، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة لتجد أخاها من يتصل. "دا أدهم. أكيد بيدور عليا. أنا هروح أشوفه." استدارت لتغادر من أمامه بخطوات أشبه بالركض. استوقفها منادياً بعدما ابتعدت عنه مقدار ثلاث أو أربع خطوات.

وقفت تنظر إليه باستفهام. سألها بهيام: "هو أنا قولتلك قبل كدا إني بحبك؟ ابتسمت حتى ظهرت نواجذها وهزت رأسها بنفي. اتسعت ابتسامته الهائمة. استدارت لتغادر مرة أخرى وهي تقول بصوت خافت لم يصل إليه: "وأنا كمان بحبك أوي يا معتصم." استند بجسده إلى جذع الشجرة. نظر للسماء وما زالت البسمة الهائمة تزين وجهه البهيّ. تمتم بهمس: "بحبها أوي. بعشقها يا ليل….. يا رب تمم فرحتي بيها على خير."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...