في مساء إحدى ليالي أغسطس الدافئة، يقف بحلته السوداء الأنيقة التي جعلته أميراً من أمراء حكايا ألف ليلة وليلة. يقف بساحة الانتظار بمطار القاهرة الدولي، ينظر إلى ساعته النفيسة بتأفف كل حين وآخر في انتظار وصول الطائرة القادمة من نيويورك. وهناك خارج المطار تنتظر أسرته في سيارة أخرى، وهم والدته وشقيقته وزوجها ليستقبلوا العروس.
بعد عدة دقائق أعلن المذيع الداخلي عن هبوط الطائرة القادمة من نيويورك، وحينها انتابته حالة من التوتر. لا يدري كيف سيكون شعوره حين يقابلها، بالأحرى كيف سيعرفها وهو لم يلتقِ بها سوى مرة واحدة منذ عشر سنوات حين كانت في الرابعة عشرة من عمرها. ولكن لحظة… لقد أخبره والدها بأنه سوف يرسلها إليه بفستان الزفاف الأبيض. حتماً سيتعرف عليها من خلال هذا الفستان.
اطمئن قليلاً حين تذكر ذلك الأمر، فعلى الأقل سيتخطى إحدى المواقف المحرجة التي يتوقع حدوثها لاحقاً. وما هي إلا لحظات حتى أقبلت عليه وهي ترتدي فستان زفاف بسيط، ذو أكمام واسعة يتناسب مع ذلك الحجاب الرقيق الذي ترتديه وتعلوه طرحة الزفاف المزرقشة من أسفل ذلك التاج الصغير الذي بالكاد يظهر على رأسها. وخلفها أحد عمال المطار يجر حقائبها الكبيرة.
انتابته الدهشة حين رآها مقبلة عليه مباشرة دون أن تبذل أدنى مجهود في البحث عن هويته، وكأنها تعرفه جيداً. ولكنه نحى ذلك الشعور جانباً ورسم ابتسامة يجاملها بها حتى لا يشعرها بأنها عبء عليه. ولكن لحظة… لمَ تتلثم بهذه الكمامة السوداء؟ فرغم أنها أعطتها مظهراً أنيقاً مع تلك الهالة البيضاء التي تحيطها، إلا أنه لم يجد تفسيراً لارتدائها. أما من ناحيتها، انحبست أنفاسها حين رأته واقفاً هناك في انتظارها.
حمدت الله في نفسها أنها ارتدت تلك الكمامة والتي استعملتها خصيصاً لتواري بها خجلها وسعادتها بلقائه في آن واحد. فلا ينبغي له أن يعرف أنها تحبه منذ أمد بعيد حفاظاً على كرامتها. لابد له أن يعترف هو أولاً بحبه لها ولو بعد حين. حين وقفت أمامه، التقت عيناها البنيتان بلون القهوة بعينيه البنيتين المائلتين للسواد. في لحظات كانت قد طبعت ملامحه الرجولية الحادة برأسها. ثم أخفضت عينيها للأسفل سريعاً ودقات قلبها تعلو وتتسارع.
يا إلهي… لقد أصبح أكثر جاذبية ووسامة منذ آخر مرة رأته فيها قبل أن تغادر البلاد مع أبيها إلى الولايات المتحدة. "حمد الله على سلامتك يا دكتورة ندى." قالها بابتسامته الساحرة، ولكن رغم ذلك امتعضت ملامحها حين نعته بالدكتورة. إنها زوجته الآن، لمَ يستخدم الألقاب إذن؟ أجابته بنبرتها الرقيقة التي تتناسب مع جسدها الضئيل وقالت: "الله يسلمك يا أدهم بيه." "اتفضلي من هنا، ماما في انتظارك برا في العربية."
أومأت بتجهم وسارت خلفه بشيء من الضيق. فلم يكن في حسبانها أبداً أن اللقاء سيكون بهذه الطريقة الرسمية للغاية. لم يبارك زواجهما، لم يسألها عن أحوالها، لم يسألها كيف كانت رحلتها. ترى هل هذه طباعه؟ أم أنه… نفضت تلك الفكرة عن رأسها سريعاً. فهي غير مستعدة لفكرة أن زواجه بها مجرد مهمة من مهماته أو حتى خدمة لوالدها.
بمجرد أن رأتها تلك السيدة الوقور تطل عليهم بالفستان الملائكي، حتى ترجلت من السيارة على الفور وابتسامتها الفرحة تشق وجهها الجميل. وحين اقتربت العروس، فتحت تيسير ذراعيها على آخرهما وكأنها تدعوها لتلقي بنفسها بينهما. وبالفعل لم تكذب ندى خبراً وارتمت بتأثر بين ذراعي تلك السيدة الحنونة التي تذكرها بأمها الحبيبة.
"حبيبتي يا ندى… وحشتيني وحشتيني وحشتيني أوي يا حبيبة قلبي… عشر سنين متنزليش مرة تطلي عليا وتخليني أشوفك وأطمن عليكي! ابتعدت ندى عن حضنها بشق الأنفس ثم قالت بتأثر شديد: "وانتي كمان وحشتيني أوي يا طنط تيسير… حضرتك عارفة الظروف… يا ريت كان ينفع أنزل وأشوفك… مكنتش هتأخر أبداً." ظلت تيسير تربت على كتفها بحنو وتناظرها بنظرات مشتاقة، إلى أن انتبهت إلى تلك الكمامة السوداء. فلم يكن يظهر من وجهها سوى عينيها وجبهتها.
"لابسة كمامة ليه يا حبيبتي؟؟ … انتي تعبانة ولا إيه؟ قامت ندى بنزعها على الفور ثم قالت بابتسامة واسعة: "لا أبداً… كنت لابساها تحسباً عشان تغيير الجو." التمعت عينا تيسير ومن خلفها أدهم بإعجاب واضح بملامحها المريحة المتناسقة. فرغم أنها خمرية البشرة، إلا أن ملامحها ملفتة وتقاسيم وجهها متسقة ووجهها مستدير وصغير. فهي تشبه كثيراً الممثلة المعتزلة حنان ترك وهي محجبة في شكلها وطولها وقوام جسدها.
"بسم الله ما شاء الله….كنتي جميلة وبقيتي أجمل لما كبرتي يا ندى…كأن سمية الله يرحمها هي اللي واقفة قدامي دلوقتي." أخفضت رأسها بحزن وهي تترحم على أمها المتوفاة، والتي ترى حنانها المفقود في تلك السيدة الماثلة أمامها الآن والتي كانت صديقة أمها المقربة. رفعت رأسها حين أتاها صوت روان شقيقة أدهم وهي تقول لها بود: "حمد الله على سلامتك يا ندى… نورتي مصر يا حبيبتي." قامت ندى باحتضانها بحب بالغ وهي تقول:
"الله يسلمك يا حبيبتي… انتي أكيد ريم.. صح؟! ابتعدت عنها قليلاً وهي تقول ببسمة صافية: "لا يا حبيبتي.. أنا روان… ريم في شغلها في الصعيد… كانت نفسها تكون في استقبالك بس للأسف لسة مستلمة شغلها امبارح ومكانش ينفع تاخد إجازة بالسرعة دي… بس هي بعتالك معايا السلام وفي أقرب وقت هتيجي عشان تشوفك وتسلم عليكي." "الله يسلمك ويسلمها يا حبيبتي.. ربنا يوفقها." اتسعت ابتسامة روان أكثر وهي تعاينها بإعجاب واضح وتقول:
"بس انتي صغنونة أوي يا ندا…عارفة انتي شبه مين؟! "مين؟! "شبه حنان ترك الممثلة… سبحان الله نسخة منها… بس انتي شكلك أصغر وأحلى كمان." ضحكت ندى، كما ضحك أدهم أيضاً وقال: "فعلاً يا روان أنتي لماحة أوي… من ساعة ما شالت الكمامة وأنا عمال أقول حاسس إني شوفتها قبل كدا." ثم أطلق ضحكة بسيطة. ولكنها نظرت له بألم، فقد أوجعتها تلك الكلمات وذكرتها بالحقيقة المرة التي لطالما تحاول تجاهلها.
ياللعجب هي زوجته وفي نفس الوقت يراها للمرة الأولى. تدخل محمود زوج روان سريعاً ليغير مجرى حديث صديقه القفل كما ينعته دائماً ليقول بود: "حمد الله على سلامتك يا دكتورة ندى..نورتي مصر…أنا محمود زوج روان وأنا والقفل…احم.. أقصد أدهم أصدقاء وزمايل في الشغل." استنبطت أنه ضابط طالما أنه زميل أدهم، فحَيّته بأدب جم قائلة: "الله يسلمك يا محمود بيه…مصر منورة بأهلها." حمحم أدهم ليقول بجدية:
"أنا بقول كفاية سلامات بقى ويلا نروح على البيت عشان ندى أكيد تعبانة من السفر." نظرت له أمه بحدة وهي تقول باستنكار: "بيت؟! .. لأ طبعاً.. الليلة ليلة فرحكم وطالما الظروف مسمحتش إننا نعمل فرح، على الأقل نحتفل مع بعض في مكان راقي يليق بعروستنا الحلوة." قالت كلمتها الأخيرة وهي تنظر لندى ببسمة محبة. بينما في تلك الأثناء قام محمود بوكز أدهم في كتفه وهو يقول بصوت مكتوم:
"انت غبي يابني…احنا مش متفقين إننا هنعملها حفلة صغيرة بدل الفرح." رد عليه بهمس: "نسيت يا بني آدم..إيه مبتحصلش." نظر له شرذاً وهو يردد: "صحيح قفل." نظر أدهم لندى بابتسامة مقتضبة وهو يقول بحرج: "احنا أصلاً حاجزين مركب شيك جداً في النيل.. بس حسيت إنك تعبانة من السفر فقولت نأجلها." ردت روان بدلاً عنها: "لأ مفيش تأجيل.. يلا يلا يا أدهم خود عروستك على عربيتك واحنا هنحصلك على هناك."
قالتها وهي تدفعه نحوها، فقام أدهم بدوره بمسك يدها المتدلية بجانبها برقة متناهية وكأنها يخشى أن تنكسر بين يديه. ولكن الحق أنه لا يريد لمسها، فهو مازال لا يتخيلها زوجته وعليه لمسها. بينما ندى أصابها الدوار وشعرت بأن الهواء يقل من رئتيها. فمنذ أن ولدتها أمها لم يلمس يدها من جنس الرجال سوى أبيها. ولكن من الذي يلمسها الآن؟ إنه ليس أي رجل، إنه معشوق روحها. سارت بجانبه باستسلام تام وقلبها يرفرف بين أضلعه من فرط سعادتها.
أخيراً من انتظرت اقتران روحها بروحه منذ سنوات طويلة يسير بجانبها وهي زوجته وحلاله. ولكن ترى ستستمر فرحتها طويلاً؟ أم لأدهم رأي آخر؟ تماماً في تلك الأثناء… في منزل واسع أشبه بالفيلات، تقبع دارين بغرفتها وهي تعتلي كرسيها الهزاز وتتحرك به بشدة فيهتز بها بقوة لعلها تفرغ بتلك الحركات شحنة غضبها. فكيف ومن يُدعى خطيبها قد استغنى عنها وتزوج بغيرها وفي غضون ستة أيام فقط وبطريقة مفاجئة وبدون سابق إنذار.
يالها من زيجة سريعة حقاً. لقد حفت ورائه عدة أشهر لعله يراها ويشعر بها حتى كادت أن تيأس. وحين حدث ما تمنت وخطبها يتخلى عنها بهذه السهولة وبعد شهر واحد من الخطبة! يالحظك العاثر دارين… لم تكد تهنأ بفوزها به حتى أتت أخرى واختطفته من طريقها وبمنتهى السهولة. راحت تكفكف عبراتها وهي تفكر كيف لها أن تستعيده بطريقة تحفظ كرامتها ولا تجعله يشعر أنها تريده لها وتحترق شوقاً إليه.
كان يقود السيارة وهي قابعة في المقعد الأمامي بجواره، يسود بينهما الصمت المطبق. فلا هي لديها الجرأة على فتح مواضيع معه، ولا هو يمتلك شغف الحديث معها. فجل تفكيره منصب في هذه اللحظات على من خذلها وترك قلبه معها وأجبر على الذهاب لغيرها بدون قلب. وعلى ذكرها أتته رسالة على هاتفه الجوال. ، فقام بتقليل سرعته لكي يتمكن من قراءة الرسالة. ربما تكون من حبيبة القلب دارين، فهو مشفق عليها وعلى قلبه المكلوم إلى أقصى حد.
لم يكذب حدسه حيث كانت تلك الرسالة منها حيث كتبت: "مبروك يا عريس… مبروك عليك عروستك الحلوة." أغلق الهاتف وهو يتنفس بعنف. ، فالتفتت له تناظره بدهشة من تبدل حاله رغم صمته، ولكنها أيضاً لم يكن لديها الجرأة لتسأله. فقط لمست منه الجفاء وحسب. الأمر الذي جعل مخاوفها تتفاقم. بينما كانت لتلك الرسالة تأثيراً قوياً عليه، جعلته يضرب بنصائح أمه وتنبيهاتها عرض الحائط.
يشعر بسخط من تلك المخلوقة الجالسة بجواره أن كانت سبباً في التفريق بينه وبين حبيبته وحتى وإن كانت لا تدري أن له حبيبة وخطيبة من الأصل. لقد ذكرته بمعاناته وتخبطه خلال الستة أيام الماضية، كانت أسوأ ستة أيام مرت عليه منذ حادث اغتيال والده. حاول قدر الإمكان أن يتحلى بالثبات، ففي كل الأحوال هي ليس لها ذنب فيما حدث ويحدث الآن. فهي مثله تماماً مجبرة على ذلك… أو هكذا يظن ذلك.
بعد حوالي نصف ساعة من القيادة الصامتة تماماً وصل إلى الباخرة النيلية التي كانت مجهزة خصيصاً لهما. ترجل من السيارة ودار حولها ليفتح لها الباب وهو يقول بابتسامة مصطنعة: "اتفضلي." حاولت أن تترجل من السيارة دون أن تتعثر بفستانها، ولكن الأمر كان صعباً للغاية. انتظرت أن يمد يده لها لكي يسندها حتى تستطيع الترجل، ولكن لم يفعل. لقد كانت في أقصى درجات الغضب ولكنها كتمت ذلك بنفسها. وكرد فعل طبيعي قامت بالصياح
به بحدة دون أن تشعر: "انت مش شايفني مش عارفه أنزل؟! .. هتفضل واقف تتفرج عليا كدا كتير!! وصل صوتها لمحمود الذي ترجل من سيارته لتوه، فأسرع إليهما، فقد توقع أن صديقه القفل قد فعل خطباً ما بها. "انتي بتعلي صوتك عليا كدا ليه؟! .. أنا مسمحلكيش على فكرة." رد عليها بنبرة تخطت نبرتها بكثير. كادت أن ترد عليه إلا أن صوت محمود سبقها حين قال: "في إيه بس استهدوا بالله." راحت تردد بصوت منخفض: لا إله إلا الله. ثم قالت بنبرة عادية:
"مفيش حاجة حصلت يا محمود بيه… أنا بس كنت بحاول أنزل من العربية ومش عارفة أنزل لوحدي بسبب الفستان وأدهم بيه واقف ساند ايده ع الباب وواقف بيتفرج عليا." لمس في حديثها السخرية، ولكن سيطر على غضبه. بينما محمود رمقه بغيظ شديد وهو يقول بنبرة عادية حتى لا يزيد الأمور تعقيداً: "لأ ملكش حق يا أدهم… اعذريه يا دكتورة ندى.. أصله متعاملش مع أميرات قبل كدا… كل تعاملاته مع المجرمين وقتالين القتلة."
اتسعت عينا أدهم بغيظ وهو يناظره بغضب، الأمر الذي أثار ضحكها ولكنها كتمتها سريعاً حتى لا ينظر لها نفس النظرة. تحامل أدهم على نفسه وتنحنح بأسف قائلاً: "أنا آسف يا ندى مقصدش اللي حصل طبعاً.. بس أنا فعلاً أول مرة أتحط في الموقف دا ومأخدتش بالي إني لازم أساعدك." هزت رأسها بإبتسامة بسيطة وهي ما زالت جالسة بالسيارة.
، فقام أدهم بدوره بمد يده لها وهو يبتسم ابتسامة ساحرة ويكأنما يصالحها بتلك الابتسامة التي كادت تفتك بها فتكاً. فقامت بدورها بوضع كفها الصغير البارد بكفه. ليته لم يفعل، لقد ازدادت لديها الأمور تعقيداً. فلم تستطع أن تلملم فستانها من فرط الخجل والتوتر أثر لمسته المهلكة. فانحنى عليها حتى أصبحت أنفاسه قريبة للغاية من وجنتها المشتعلة بحمرة مخلوطة بلونها الخمري.
علت دقات قلبها حتى أنه قد سمعها وهو يحاول لملمة فستانها لكي تستطيع النهوض. ولكنه لم يبالي كثيراً لهذا الأمر، فقد كان يبادلها مشاعر باردة حد الجليد. وأخيراً خرجت من السيارة وهي لا تستطيع أن ترفع عينيها بعينيه من فرط الخجل. فتأبط ذراعها بعدما أخبره محمود بأن يذهب هو بعروسه إلى الباخرة وسوف يتولى هو أمر السيارة. كانت الباخرة فاخرة للغاية، مزينة بعناية. زينتها تليق بضابط كفؤ في العمليات الخاصة مثل أدهم.
كان في انتظارهما بعض الأصدقاء المقربين من العائلة وبعض من زملاء أدهم وزوجاتهم، وصديقات روان أيضاً. كان أدهم قد أقنع الجميع آنفاً بأنه لم يوفق في خطبته بدارين. وحين علم أن ابنة صديق والده المقرب على وشك العودة لمصر لتستقر بها، أصر على الزواج بها، متحججاً أنه كان يحبها وينتظرها منذ كانت في الرابعة عشرة من عمرها وقبل أن تغادر البلاد مع أبيها. قامت السيدة تيسير بلكز ابنتها لكي تفعل أمراً ما.
فأسرعت إلى أدهم حين كانت ندى تقوم بتلقي التهاني. واستغلت روان ذلك وتحدثت إليه في أذنه بهمس قائلة: "أدهم ماما بتقولك يا ريت تفرد وشك دا شوية… المفروض الناس عارفة إنك بتحبها من زمان وكنت مستنيها ترجع… بزمتك دا منظر عريس ليلة فرحه؟! تنهد أدهم بنفاذ صبر ثم قال بابتسامة مصطنعة: "حاضر يا روان… حلو كدا." قالها وهو يرسم تلك البسمة الصفراء على شفتيه. فلوت شفتيها متحدثة بحنق:
"لأ طبعاً مش حلو… و الله أنا مستغرباك يا أدهم… بقى البسكوتاية دي متتحبش؟! .. طاب و الله أحلى من دارين ميت مرة… و روحها و دمها و كلها على بعضها كدا تعدي دارين بمراحل." رمقها بنظرة تحذيرية مزمجراً بخفوت: "روااان.. الزمي حدودك ومتجبيش سيرة دارين على لسانك." هزت رأسها بيأس وهي تقول بهمس: "ربنا يهديك يا أدهم.." ثم تركته بنيران الغضب والسخط تشتعل بسريرته وعادت إلى حيث تجلس والدتها بملامح متجهمة. "وشك ميبشرش بالخير."
قالتها السيدة تيسير بقلق. لترد روان بضيق: "ماما من فضلك أنا مش هتكلم مع أدهم في الموضوع دا تاني… هو مش صغير واللي عايز يعمله يعمله." "إيه اللي حصل بس قوليلي." "مش وقته يا ماما… الناس بتبص علينا." كانت العروس خجلى والعريس ساكن قلما يتحرك ويتحدث مع عروسه، الأمر الذي أصاب أسرته بالغضب البالغ، ولكنه لم يبالي لهم. فيكفيه تظاهراً بالراحة والسعادة إلى هذا الحد. كان آسر صديقه يرمقه بغيظ ويتوعد له.
فقد أشفق كثيراً على عروسه المسكينة والتي لم تلقى منه سوى التجاهل حتى الآن. "العروسة أمورة أوي ما شاء الله.." كانت تلك كلمات خطيبة آسر والتي كانت تقف بجواره وبينه وبين شقيقتها “مودة”. رمقها ببسمة هائمة مردداً: "عقبالنا يا قلبي." ابتسمت له بخجل ثم أدارت نظرها لشقيقتها ترمقها بإشفاق بالغ ثم قالت لها بحذر: "عقبالك يا مودة." لوت شفتيها لجانب فمها بتهكم مرير ثم قالت بأسى:
"اللي زيي ميتقلهاش الكلمة دي يا ميري…انتي كدا بتحكمي عليا بالموت المؤكد." ربتت على كتفيها بحنو وهي تردد بلهفة: "بعد الشر عليكي يا حبيبتي متقوليش كدا…" ربتت على كفها المستقر على كتفها وهي تقول بنبرة راضية: "متقلقيش يا حبيبتي أنا مش زعلانة…أنا راضية بنصيبي من الدنيا الحمد لله."
اغرورقت عينا ميري بالدموع حزناً على شقيقتها الكبرى والتي تعاني من مرض مزمن في القلب يمنعها من ممارسة حياتها بشكل طبيعي ويجعلها صريعة بالمستشفى كل حين وآخر. قام محمود بالتحدث إلى رجل الدي چي لكي ينهي ذلك الحفل السخيف كما يرى بسبب صديقه القفل، فقام بدوره بتشغيل أغنية هادئة لإليسا. عادة يتم تشغيلها في حفلات الزفاف وهي أغنية (ع بالي حبيبي)
تقدم محمود بابتسامة ماكرة إلى حيث يجلس العروسين وقام بجذب أدهم من مقعده إلى منتصف الباخرة وأشار لندى لتأتي إليه وقد فعلت. وقال لأدهم بمكر: "يلا يا عريس… ارقص مع عروستك رقصة سلو عشان تختم حفلتك." اصتك فكيه بغضب وهو يرمقه بغيظ، ولكن سيطر على انفعالاته سريعاً واستدار لندى التي كانت في قمة توترها. فهي أصبحت تخشى لمساته كثيراً. والتي تفضحها وتفضح خجلها وعشقها له.
قام أدهم بلف ذراعيه حول خصرها ولكن بتحفظ، محافظاً على مسافة كافية بينهما وكأنه يخشى الاقتراب منها. بينما هي حمدت الله أنه لم يقترب أكثر من ذلك، وإلا حتماً كان سيسمع دقات قلبها للمرة الثانية. اغتاظت السيدة تيسير منه حين بدأ يتمايل معها على أنغام الأغنية المؤثرة وهو مازال بعيداً عنها على هذه الشاكلة حتى أنها همهمت بضيق: "دول مش منظر عرسان أبداً… الله يسامحك يا أدهم… بقى هو دا اللي فضلت أدرسهولك من امبارح لحد النهاردة!!
وما هي لحظات حتى أشارت لندى لكي تقترب هي منه أكثر. وقد فهمتها وبالفعل اقتربت منه خطوة وقربت كفيها من رقبته حتى كادت أن تلفهما حوله. تفاجئ أدهم من تلك الحركة، فقام بدوره بإحاطة خصرها بذراعيه أكثر من ذي قبل، حتى اختلطت أنفاسهما. لم تستطع منع نفسها من النظر إليه وهو قريب منها لهذه الدرجة. وتجرأت ودارت بعينيها في ملامحه الوسيمة. وهو أيضاً شعر بمحاصرته لها بعينيه فبادلها النظرات.
عينيها جذبته إليها، رغم أنها تبدو عادية اللون ولكنها عن قرب تبدو ساحرة بلون القهوة محاطة بدائرة ذهبية اللون وتلك النقطة الصغيرة التي تتوسط العدسة والتي يطلق عليها إنسان العين أيضاً ذهبية اللون. لقد جذبت انتباهه تلك اللوحة الفنية حتى أنسته سخطه الذي كان يغمره منذ قليل. "ندى…. أنا آسف إني كنت فظ شوية معاكي.. بس للأسف دي طبيعتي.. مبعرفش أذوق الكلام." قالها بصوت هامس رقيق جعلها تتأمله بوله أكثر. حتى أنها لم تفهم ما قال.
يكفيها فقط طريقة نطقه لاسمها. لم ترد عليه، فهي لم تفهم ما قال من الأساس. فاعتقد أنها ما زالت غاضبة منه. "يبقى انتي أكيد لسة زعلانة مني." أخيراً فهمت قصده فأسرعت لتقول: "لأ لأ لأ طبعاً مش زعلانة ولا حاجة… عادي احنا لسة بنستكشف بعض ومسيرنا هنفهم بعض كويس." أومأ ببسمة صافية جعلته أكثر وسامة. الأمر الذي جعلها تتنهد بسعادة بالغة وكأنها تحلق فوق السحاب.
شردت ندى في كلمات الأغنية التي تصدح في الأجواء، فقد لمست قلبها كثيراً وتتمنى لو كان يبادلها نفس المشاعر. تستمع إليها وهي تنظر إليه بعشق بالغ وكأنها تغنيها له. بينما هو أحب نظراتها له، أحب الرقص معها واستمتع به رغم استيائه في بادئ الأمر حين فاجئه محمود بها. انتهت الأغنية وصفق الجميع بحرارة. فابتعدت عنه بشق الأنفس، ثم شكر الجميع وقبض على كفها بتملك وسارا سوياً إلى حيث سيارته.
تلك المرة تعلم الدرس وقام بمساعدتها حتى استكانت بالمقعد. ثم استلقى بمقعد السائق وأدار السيارة إلى حيث بيته الراقي الكائن بأرقى مناطق التجمع الخامس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!