في تلك الأثناء تماما، تحديدا في الولايات المتحدة بمدينة نيويورك. يجلس رجل خمسيني في شرفة شقته ينظر إلى السماء والعبرات تتساقط من عينيه، وهو يحدث نفسه بحزن بالغ وكأنه ينعي فقيد:
"كان نفسي أسلمك بإيدي لعريسك يا ندى… كان نفسي أشوف فرحتك بفستانك وأنتي جنبه… كان نفسي أشوف لمعة عينيكي اللي بشوفها لما كنت بجيب سيرته أو أكلمك عنه… سامحيني يا بنتي إني كنت السبب في إن ليلة فرحك تكون بالشكل ده وبالطريقة دي وأنا مش معاكي… بس عزائي الوحيد إن سيبتك بين إيدين راجل هيعرف يحافظ عليكي ويحميكي من أعدائه وأعدائي… الراجل اللي أنتِ طول عمرك كنتي بتحبيه وبتتمنيه."
أخذ يكفكف عبراته الساخنة بيديه، ثم أراح ظهره للخلف يتذكر ما حدث منذ ستة أيام تقريباً…. فلاش باك….. "ألو… سامي.. الحقني يا سامي أنا في مصيبة." تحدث بهلع مع صديقه وزميله في العمل عبر الهاتف، فأتاه رد الآخر من بلده الحبيبة مصر: "في إيه يا أنور قلقتني." "المافيا رجعوا ينخوروا ورايا تاني وشاكين إني ورا الصفقة الأخيرة بتاعتهم اللي باظت بس مش متأكدين… وبيبعتولي رسايل تهديد بالاغتيال يا سامي… أنت متخيل؟!
.. هعيش أنا وبنتي نفس المأساة تاني… مش كفاية سمية راحت مني… هستنى كمان لما ندى تروح ولا لما يقتلوني أنا وأسيبها هي تواجه العصابة دي لوحدها؟! هوى قلب اللواء سامي في قدميه، ثم قال بقلق: "اهدى.. اهدى يا أنور… مفيش قدامنا غير إنك تجيب ندى وترجع على مصر.. إحنا هنقدر نحميك."
"يبقى أنت كده بتحكم علينا بالموت… أنت عارف كويس أوي إنهم مراقبيني وعايزيني أفضل تحت عنيهم عشان يضمنوا إني مش هأذيهم بالمعلومات اللي عندي… واللحظة اللي هيعرفوا فيها إني هرجع هيكونو موتوني قبلها." أخذ سامي يتنفس بعنف، فهو يشعر الآن بالعجز التام، وأخذ يردد بهلع: "أنت عندك حل تاني يا أنور؟! سكت أنور يزدرد لعابه بصعوبة، إلى أن قال:
"أنا مش خايف على نفسي.. أنا كل خوفي على ندى.. ندى مش قد العصابة دي… لو موتوني مش مهم.. إنما ندى… لأ.. ندى لازم أحميها منهم لو على حساب نفسي." رد سامي بقلة حيلة: "ابعتلنا ندى يا أنور… إحنا هنعرف نحميها كويس." "أبعتهالك بصفتك إيه يا سامي؟! .. وهتعيش معاك إزاي وأنت أصلا كل ولادك متجوزين وعايش لوحدك في البيت." "عيب عليك يا أنور… ندى دي بنتي."
"لأ بنتي مش هتقبل بالوضع ده أنا متأكد… أمها الله يرحمها مربياها على مبادئ وأخلاق الدين ومحفظاها كتاب الله قبل ما تستشهد." "طيب قولي أنت نعمل إيه… اللي تقول عليه هعمله يا أنور… ده أقل حاجة نقدر نقدمهالك بعد كل اللي ضحيت بيه في سبيل البلد." "اسمعني كويس… من آخر رسالة وصلتني منهم وأنا مبطلتش تفكير في مصير ندى… وملاقيتش غير حل واحد هو اللي هينقذ بنتي من بين إيديهم." "أنا معاك وهنفذ اللي تقول عليه بدون نقاش."
"مفيش قدامي غير إني أجوزها لأدهم برهام." "أدهم؟! … اشمعنى أدهم؟!
"لأن أدهم له تار بايت معاهم.. ما أنت عارف إنهم هما اللي اغتالوا العميد برهام بيه الكيلاني الله يرحمه.. وأدهم مش سايبهم وبينخور وراهم… وهما مرعوبين منه وبيحاولوا يبعدوا صفقاتهم عن مصر بأي طريقة عشان ميقعوش تحت رحمته… وندى لو اتكتبت على اسمه استحالة يفكروا يأذوها… لأن لو ده حصل… التار هيكون تارين وأدهم مش هيعديهالهم وهما عارفين كده…. أدهم الراجل الوحيد اللي هأتمنه على ندى." اقتنع اللواء سامي بحديث زميله وصديقه أنور،
وأجابه بلا تردد: "علم وينفذ يا سيادة اللوا." ابتسم أنور بارتياح، ثم قال بجدية: "أنا هسيبلك أنت المهمة دي يا سيادة اللوا.. بس يا ريت في أسرع وقت… مفيش قدامي وقت كتير… إحنا في خطر لا تتخيله." "متقلقش يا أنور… خلال أقل من أسبوع إن شاء الله ندى هتكون موجودة في مصر وهي حرم الرائد أدهم برهام الكيلاني." مازلنا في أحداث ما قبل ستة أيام من الوقت الحالي….
أغلق اللواء سامي الهاتف مع صديقه، ثم جلس ملياً يفكر كيف سيفاتح أدهم في ذلك الأمر، خاصة وأنه لم يكد يمر شهراً واحداً على خطبته من أخرى. ولكن ليس أمامه سوى أن يوافق أدهم على الزواج بندى ولو اضطر إلى إجباره على هذه الزيجة. رفع سماعة هاتف مكتبه متحدثاً بلهجة رسمية: "ابعتلي أدهم بيه يا ابني." وما هي إلا دقائق حتى كان أدهم جالساً قبالته ببدلته البيضاء الرسمية بعدما قام بأداء التحية العسكرية.
بدا التوتر على ملامح اللواء سامي، وراح يبحث عن الكلمات المناسبة ليبدأ بها حديثه، فاستشف أدهم بفطنته أن الخطب جلل، فتنحنح قائلاً بترقب: "مهمة جديدة دي ولا إيه يا سامي باشا؟! نظر له بتمعن، ثم قال بجدية: "اعتبرها مهمة جديدة." ضيق عينيه بعدم فهم متسائلاً: "قصد حضرتك إيه يافندم؟! أخذ نفساً عميقاً، ثم قال بنبرة حادة وكأن الحديث غير قابل للنقاش:
"سيادة اللوا أنور باشا عبد الحميد حياته هو وبنته في خطر في أمريكا… والمافيا بتبعتله تهديدات بالاغتيال." غامت عيني أدهم بغضب جامح، فقد ذكره ذلك الأمر بحادث اغتيال والده على يد تلك العصابة الغاشمة، وبدأت عروق رقبته في البروز من فرط الغضب، وهذا ما أراده تماماً اللواء سامي. استرسل اللواء حديثه بمزيد من الضغط العصبي: "الراجل اتصل بيا وبيستنجد بينا عشان ننقذ بنته بأقصى سرعة." رد أدهم باقتضاب: "والمطلوب؟!
نظر له اللواء نظرة مطولة، ثم قال: "أنت عارف إن دي نفس العصابة اللي اغتالت والدك برهام باشا الله يرحمه؟! رد وهو يتنفس بسرعة قائلاً باقتضاب: "عارف يافندم… وإن شاء الله آخرتهم هتكون على إيدي وحق أبويا هيرجع لو فيها موتي." "وإحنا معاك وفي ضهرك طبعاً يا أدهم… والدك الله يرحمه كان قيمة كبيرة جداً في العمليات الخاصة… وإحنا خسرنا كتير جداً بعد وفاته." قاطعه أدهم مصححاً: "استشهاده يافندم." أومأ سامي وهو يقول بتأثر:
"نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله…. نرجع لموضوعنا.. أنور باشا كان صديق والدك الأنتيم وأنت عارف كده وأفضاله على العمليات متقلش أبداً عن أفضال والدك رحمة الله عليه… عشان كده واجب علينا نردله شوية من جمايله علينا وأقل حاجة إننا نحمي بنته من شر المافيا دي." رد أدهم بجدية: "وأنا تحت أمرك يافندم وتقدر حضرتك تعتمد عليا… بس فهمني إيه المطلوب مني بالظبط." ازدرد سامي لعابه بتوتر، ثم ألقى بقذيفته: "مفيش قدامنا حل غير إنك تتجوزها."
انفرج ثغر أدهم ليعترض، إلا أنه استوقفه بإشارة من يديه أن انتظر، واسترسل قائلاً: "عارف إن المهمة صعبة وتكاد تكون مستحيلة لأنك خاطب وبتحب خطيبتك.. بس صدقني كل الطرق مقفولة وده الطريق الوحيد اللي فيه المخرج.. أنور مينفعش يرجع ببنته لأنهم هيقتلوه قبل ما يوصل المطار… ونفس الوقت البنت لو رجعت لوحدها لازم تعيش تحت حماية حد يقدر يحميها بجد منهم." هب أدهم من مقعده بانفعال صائحاً:
"وهي الداخلية كلها بجلالة قدرها مفيش فيها ظابط يقدر يحميها غيري." هب سامي بانفعال أشد مزمجراً به: "متنساش نفسك يا حضرة الظابط والزم حدودك وأنت بتتكلم مع رئيسك." أطرق أدهم رأسه بخجل قائلاً: "آسف يافندم مقصدتش طبعاً." رمقه شرزا، ثم أمره بحدة: "اتفضل اقعد يا بيه." انصاع لأمره، ثم جلس على مضض، فحاول اللواء أن يعيد ضبط انفعالاته مرة أخرى بعدما عاد لوضع الجلوس، ثم قال بنبرة أقل حدة:
"أدهم العصابة عاملالك ألف حساب عشان التار اللي بينك وبينهم.. وأنت الوحيد اللي هيتجنبوك حتى لو كانت ورقة ندى بنت أنور باشا معاك أنت.. ساعتها هيكون ورقة محروقة بالنسبة لهم." رد أدهم بملامح متجهمة: "أنا عندي استعداد أستقبلها في بيتي وتعيش مع أمي وأختي الصغيرة ومحدش هيقدر يدوسلها على طرف… بس من غير جواز." رد عليه اللواء بعقلانية:
"إن كنت أنت هتقبل بالوضع ده فهي لأ… البنت متدينة وعارفة إنها مينفعش تعيش مع ناس مفيش بينها وبينهم علاقة شرعية… ده غير إن ده برضه مش أمان بالنسبة لها… إحنا عايزين ندى تكون حرم الرائد أدهم برهام عشان محدش يفكر يهوب ناحيتها." "يافندم…" قاطعه سامي بحزم:
"خلاص يا أدهم وقتك خلص… وتقدر تروح البيت من دلوقتي لو حابب عشان تهيئ نفسك للمهمة دي… ندى أنور عبد الحميد هدف من ضمن الأهداف اللي بنكلفك بحمايتها والموضوع منتهي وغير قابل للنقاش لو حابب تحافظ على مكانتك في العمليات الخاصة." نهض أدهم وشرارات الغضب والسخط تنشب بمقلتيه، ثم قال: "حضرتك بتحطني في خانة اليك؟! ….تمام يا سيادة اللوا."
ثم انصرف مغادراً بعصبية مفرطة وهو يشعر أن أيامه القادمة ستكون ملطخة بالسواد، فإن وافق على ما يريده رئيسه فسيفقد حبيبته التي رسم مستقبله معها ولا يدري بعد كيف ستكون حياته مع تلك الدخيلة، وإن رفض فحتماً لن يمررها له اللواء سامي وسيفي بوعيده ويقوم بنقله لمكان نائي بعيداً عن شغفه الأساسي وثأره المرتقب في العمليات الخاصة.
بمجرد أن غادر أدهم، التقط اللواء سامي هاتفه من درج مكتبه ليطرق على الحديد وهو ساخن، ويقوم بالاتصال بالسيدة تيسير والدة أدهم.. "ألو.. تيسير هانم إزي حضرتك يافندم." أخذ يقص عليها كل ما حدث بداية من اتصال اللواء أنور به إلى جلسته المنتهية منذ لحظات مع أدهم، وبعدما انتهى قال بكياسة:
"حضرتك عارفة ندى كويس ويعتبر أنتِ اللي مربياها مع سمية هانم الله يرحمها، وطبعاً مش هيخفى عليا موضوع عدم ارتياحك لخطيبة أدهم ورفضك ليها… فأنا شايف إن ندى أكتر حد مناسب جداً ليه.. وفي نفس الوقت رد الجميل لأنور باشا وسمية هانم الله يرحمها." اللمعت عيني تيسير بالدموع وهي تتخيل حال تلك المسكينة التي فقدت أمها منذ نعومة أظافرها، وها هي الآن عرضة لفقدان أبيها أيضاً، وقالت بنبرة متألمة:
"كلامك كله مظبوط يا سامي بيه… ندى دي بنتي الثالثة ومبتروحش من بالي أبداً.. ومتربية أحسن تربية وشتان بينها وبين اللي اسمها دارين دي.. أنا أصلاً مش عارفة أدهم وقع فيها إزاي دي.. رغم إنها من نفس مستوانا الاجتماعي بس تربيتها وأخلاقها غيرنا خالص." ابتسم سامي بارتياح متسائلاً: "يعني أعتمد عليكي يا هانم في إقناع أدهم؟! اتسعت ابتسامتها مرددة:
"إن شاء الله يا باشا.. دي كانت أمنيتي إنهم يكونوا لبعض من قبل وفاة سمية الله يرحمها والحمد لله إن ربنا قدر وسهل الأمور." "تمام… أنا أصلاً هددته إنه لو معملش المطلوب منه ينسى منصبه في العمليات الخاصة." ضحكت السيدة تيسير بشدة، ثم قالت: "والله كأننا بنسايس طفل صغير يا سامي بيه.. ربنا يهديه ويقدرني على المهمة الصعبة دي." "إن شاء الله يا هانم… أنا كنت متأكد إنك هترحبى بجوازه من ندى عشان كده كلمت حضرتك."
"ربنا يقدم اللي فيه الخير سامي باشا." "ونعم بالله يا هانم… في رعاية الله." أغلقت السيدة تيسير الهاتف وهي تتنهد بقلق، لقد اشتاقت لتلك الصغيرة التي كانت تعشقها وتأثرت كثيراً لرحيلها، فرغم أن أدهم لم يلتفت إليها يوماً ولا حتى يتذكر ملامحها، إلا أنها تمنتها له كثيراً في دعائها وصلواتها وها قد حان لدعائها أن يُستجاب.
أما على الجهة الأخرى… كان أنور متوتراً للغاية لا يدري من أين يبدأ الحديث مع ابنته، يعلم جيداً أنها سوف تفرح بخبر زواجها من أدهم ولكن ليس بهذه الطريقة الغريبة. طرق باب غرفتها فأذنت له بالدخول، ومن ثم فتح الباب فوجدها تغلق مصحفها بعدما أتمت حفظ الآيات التي كانت ترتلها اليوم، فابتسم بفخر على هدية زوجته له، فلولاها ما كانت ندى على تلك الشاكلة، فهذا كله حصاد ما زرعته أمها فيها. جلس بجوارها بالفراش، ثم قبل رأسها قائلاً:
"ربنا يباركلي فيكي يا حبيبتي ويثبتك." ردت له البسمة متمتمة: "ويباركلي فيك يا حبيبي ويخليك ليا." أخذ يمسد على رأسها قليلاً، ثم بدأ حديثه بجدية:
"ندى أنتِ طبعاً عارفة إن شغلي وعصابة المافيا اللي كنت مكلف بمراقبتها هما السبب في موت والدتك الله يرحمها وإني أنا وأنتي ربنا نجانا من الحادثة المدبرة بأعجوبة… والحقيقة إن…. إن نفس الكرة بتتعد تاني اليومين دول وبتجيلي تهديدات من نفس العصابة.. وأنا معنديش استعداد أخسرك أنتِ كمان يا قلبي.. أنتِ مالكيش ذنب في كل ده و…" أخذت دموعها في الهطول بغزارة وهي تسمع مأساة جديدة لم يكد يستفيق من مثلها، وقاطعته قائلة بهلع:
"يعني إيه يا بابا.. أنت كمان هتسيبني؟! .. مش كفاية ماما… أنت كمان.. أنت كمان.." أخذت تردد تلك الكلمات بطريقة هستيرية، بينما أبوها قام باحتضانها بشدة يحتوي نوبة بكائها الحاد وهو يربت على ظهرها ويقول: "لأ يا ندى مش هسيبك يا حبيبتي… أنا بس خايف عليكي أنتِ اللي تتأذي وتسيبيني.. عشان كده اتكلمت مع القيادة في مصر وهما اتصرفوا ولاقولنا حل للأزمة دي." رفعت رأسها لتناظره بأمل قائلة: "حل إيه يا بابا طمني."
"أنتِ فاكرة طبعاً أدهم برهام ابن أونكل برهام وطنط تيسير… ما أنا دايماً بحكيلك عنه وعن شطارته وإنه دايماً بيفكرني بنفسي أيام ما كنت في سنه.." هزت رأسها بالإيجاب بعدما استطاع أن يسرق انتباهها بسيرته، فاسترسل قائلاً بكذب:
"هو كلم اللوا سامي صديقي وطلبك للجواز عشان يقدر يحميكي وتعيشي معاهم في البيت بصفتك زوجته وبكده هتبعدي عن مصدر الخطر اللي بيهددنا هنا في نيويورك وفي نفس الوقت هتعيشي في مصر وسط ناس بتحبك.. هتعيشي معززة مكرمة ومرفوعة الراس." رفعت رأسها تناظره بعيون ملتمعة ببريق الأمل وهي تقول: "هو في كده يا بابا؟! .. هيتجوزني عشان عايز يحميني بس؟! حمحم وهو يزدرد لعابه بصعوبة، ثم استرسل بكذب:
"لأ طبعاً يا حبيبتي… أدهم معجب بيكي من زمان ولما عرف إنك لازم ترجعي مصر طلبك للجواز فورا… هو كان مستني الفرصة دي من زمان.. ومنها تكوني في حمايته." ظهر شبح ابتسامة خجلى على ثغرها، سرعان ما أخفتها وهي تقول: "حضرتك متأكد يا بابا؟! … أنا مستحيل أفرض نفسي على حد." أسرع قائلاً: "لأ يا حبيبتي لا سمح الله… ده أنتِ تاج على راسي واستحالة أحطك في الموقف ده."
بعد الكثير من الحديث والتعهد بالعودة إليها في مصر حين تستقر الأمور، وافقت ندى على مضض، فشطر قلبها سعيد بزواجها ممن عشقته، والشطر الثاني يخشى فراق أبيها وعدم رؤيته مرة أخرى. بينما أنور انفطر قلبه عليها وتمزقت نياطه لكذبه وخداعه الغاشم لها، ولكن انكسار خاطرها فيما بعد أهون عليه من فقدانها للأبد، فلا بد وأن أدهم سيجبر ما سينكسر وسيُحميها بكل ما أوتي من قوة طالما أنها أصبحت تحمل اسمه.
عاد أدهم لمكتبه وأذنيه تطلقان نيران من الغضب، وارتمى على أقرب كرسي بإهمال وعشرات الأفكار تكاد تعصف برأسه. بعد قليل انفتح الباب دون استئذان ليدخل إليه صديقه المقرب وزميله "آسر سعيد" ليرمقه باستنكار هاتفا به: "مش تخبط يا حيوان قبل ما تدخل… إيه داخل زريبة." جلس آسر قبالته ببرود متجاهلاً توبيخه، فيبدو أنه معتاد على ذلك، ثم قال ببرود: "مالك يا باشا؟! .. شكل أمك غلط ليه؟! "ملكش دعوة بأمي يلا و خليك في حالك."
تجاهل توبيخه للمرة الثانية، ثم قال ساخراً: "إيه يا روميو؟! .. العروسة مزعلاك ولا إيه؟! لوى شفتيه لجانب فمه بتهكم مرير، ثم قال بنبرة مهمومة: "عروسة؟! … العروسة خلاص بح." اتسعت عيني آسر بصدمة مصطنعة وهو يقول: "العروسة بح؟! … أنت بتهزر." رمقه أدهم بنظرة حارقة هاتفا به بحدة: "أنت هتستعبط يلا! .. فاكرني مش فاهم إن سامي بيه اللي بعتك ليا عشان تقنعني؟! رمقه ببسمة واثقة وهو يقول: "حلو… قصرت عليا الطريق يا برهام يا صغير."
نظر أدهم له من جانب عينه، ثم عاد لينظر أمامه مسترسلاً بضيق: "نقطني بسكاتك يا آسر مش عايز أسمع أي حاجة." ضحك آسر وهو يقول: "أخيراً احترمتني وناديتني باسمي.. ماليه وهو يقول بغيظ: "تصدق يلا أنت اللي زيك ما يليقش عليه الاحترام." أخذ آسر يهز رأسه بالنفي وهو يقول باشمئزاز: "أنا مش عارف إيه اللي مصبرني على تقل دمك يا أخي."
وضع هاتفه على مكتب صديقه، ثم نهض من كرسيه متجهاً إلى ذلك الركن الصغير الذي يحوي مستلزمات صنع الشاي والقهوة، ثم شرع في إعداد كوبين من الشاي وهو يقول بمرح: "بزمتك يا دومي هتلاقي صاحب جدع يدلعك ويعملك شاي زيي فين." التوى فمه بسخرية مجيباً: "مستغنيين عن خدماتك يا خويا." لم يكد يرد آسر حتى صدح رنين هاتفه، فسأله آسر: "مين اللي بيتصل؟! نظر أدهم في شاشة الهاتف ليقول بتهكم: "قلبك." أخذ آسر لحظات حتى استوعب هوية المتصل،
ثم قال بضيق: "أبو تقل دمك يلا… هات." ناولاه أدهم الهاتف وهو يضحك، فقال آسر وهو يصب الشاي بالكوب: "خود يا خويا اطفح بالسم الهاري… وهسيبك بقى مع أفكارك السودة وأروح أكلم قلبي." أخذ منه كوب الشاي بحذر، ثم اتجه آسر مغادراً، فقذفه أدهم بأحد أقلامه مردداً بغيظ: "غور ياض مشوفش وشك هنا تاني."
ضحك آسر وهو يغلق الباب، فأدهم هو الشخص الوحيد الذي يتقبل منه أي كلام ومزاح، فهو بالنسبة له أخوه الذي لم تنجبه أمه ويحبه ويخاف عليه وكأنه قطعة منه. حين عاد إلى مكتبه، أعاد آسر الاتصال بحبيبته وخطيبته والمسجلة على هاتفه باسم "قلبي"… "صباح الورد يا قلبي… مال صوتك حاجة حصلت ولا إيه؟! "مودة تعبت امبارح بالليل وأنا بايتة معاها في المستشفى… قولت أعرفك عشان متزعلش." "تعبت تاني؟! ردت بمرارة: "قول عاشر يا آسر."
شفتيه بأسف بالغ وهو يقول: "معلش يا حبيبتي ربنا يشفيها يا رب." تنهدت بحرقة وهي تقول: "يا رب يا آسر." "خلاص هعدي عليكوا بعد الشغل أطمن عليها…" "لأ يا حبيبي متتعبش نفسك." "تعبك راحة يا قلبي… أومال عمو محمد فين؟! "بابا لسه ماشي من شوية راح على الشركة يشوف أشغاله وهيرجعنا بعد ما يخلص." "تمام يا حبيبتي سلميلي على مودة لحد ما أجيلكم… سلام."
أغلق الهاتف وهو يتنهد بحزن على حال تلك الفتاة ذات القلب الأطيب على الإطلاق والأضعف على أن يبقيها على قيد الحياة… إنها مودة الشقيقة الكبرى لخطيبته "ميريهان". يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!