انتهى حفل الزفاف وغادر أدهم وشقيقته عائدين إلى القاهرة، بينما أخذ حمد عروسه إلى شقته بالطابق الثالث بالدوار. دلف بها الشقة وهو يسمي بسم الله، ثم أغلق الباب في وجه حماته التي كانت تصر على الدلوف مع ابنتها. وقفت صافية في منتصف الصالة وهي تطأطئ رأسها بخجل. فخلع حمد جلبابه وألقى به على أقرب كرسي، ثم وقف قبالتها ورفع رأسها لمستوى وجهه يتأملها بإعجاب، فقد كانت جميلة حقاً. "هتفضلي باصة للأرض كتير؟
أخذت تحرك عينيها في كل اتجاه عداه، غير قادرة على النظر في عينيه من فرط الخجل. "بصيلي يا صافية." بالكاد نظرت في عينيه، فابتسم بإعجاب من فرط خجلها، فابتسمت هي أيضاً حتى ظهرت غمازتها اليمنى. "تعالي ندخل قوضتنا نغير هدومنا." هزت رأسها بإيجاب، ثم قبض على كفها البارد ودلفا سوياً لغرفة النوم. "هتعرفي تقلعي الطرحة والحجاب ولا أساعدك؟ هزت رأسها ولم تتكلم. فزفر بملل ثم قال بحدة طفيفة:
"أنا لحد دلوقتي مسمعتش صوتك… أنا قربت أنساه أصلاً." جعدت ملامحها بضيق: "باه! أجول إيه عاد؟ رد بنفاذ صبر وهو يدير ظهرها نحوه: "ولا حاجة… لفي." أخذ ينزع دبابيس الطرحة والحجاب واحداً تلو الآخر، ثم أزال الحجاب حتى بدا لها شعرها الأسود الغجري. فقام بفك عقدته حتى انسدل على ظهرها ووصل إلى آخره، فحانت منه نصف ابتسامة إعجاباً به، ثم سألها بنبرة هادئة: "أفتحلك السوستة ولا هتعرفي تفتحيها؟ ردت بغباء:
"أمي جالتلي خلي عريسك يفتحلك سوستة الفستان." اصطكت فكيه بغيظ، ثم دون أن يتفوه بشيء، قام بازاحة شعرها جانباً وفتح السحاب. ثم تركها واتجه نحو الخزانة، استخرج ملابس للنوم، ثم قال بضيق: "أنا هطلع برا آخد شاور وأغير هدومي على ما تكوني غيرتي انتي كمان." لم ينتظر ردها، فهي لم تكن لترد من الأساس، ثم خرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه.
بعد حوالي نصف ساعة، عاد إليها مرتدياً بنطال وتيشيرت منزلي، فوجدها تجلس على حافة الفراش مرتدية قميص أبيض من الستان يعلوه روب أبيض من نفس الخامة، وشعرها منسدلاً على ظهرها وكتفيها. فابتسم بسخرية حين ورد على عقله أن بالتأكيد أمها من قالت لها ترتدي ذلك الرداء. تقدم منها حتى جلس بجوارها، ثم سألها بجدية: "انتي عارفة إحنا المفروض نعمل إيه دلوقتي؟ هزت رأسها بنفي. فتنهد بنفاذ صبر:
"قومي نبدأ حياتنا بالصلاة ونتعشى وبعد كدا ربنا يفرجها." نهضت معه، ثم ارتدت إسدال الصلاة وصلى بها المغرب والعشاء جماعة. ثم قامت بتجهيز الطعام وتناولا بعض لقيمات صغيرة في جو من الصمت التام.
انتهيا من الطعام، ثم دلف حمد الغرفة فلحقت به. وجدته يقف أمام المرآة يمشط شعره، فوقفت خلفه تفرك كفيها بتوتر وخجل. فبالطبع رأى حالتها تلك عبر المرآة، فاستدار لها يتأمل خجلها قليلاً. ثم مد يديه إلى كتفيها يزيح كمي الروب عنهما. فأبعدت كفيه وهي تغطي نفسها وتقول بغضب: "باه! بتعمل إيه عاد؟! رد عليها بسماجة: "إيه؟ أومال انتي لابسة كدا ليه؟! أجابته بعفوية: "أمي جالتلي البس الجميص الأبيض ليلة الدخلة."
ضحك حمد بملء فمه، فلم يخطئ حدسه. فعاد يمسك يديها التي تغطي بهما مقدمة صدرها وأنزلها إلى جانبيها، ثم أزاح الروب عن كتفيها مرة أخرى حتى أسقطه على الأرض. فهاله ما رأى من جمال بشرتها البيضاء الناعمة نعومة الأطفال. وأخذ يبتلع ريقه وهو يتحسس بشرة كتفيها بأصابعه ويقول بنبرة مثيرة: "وأمك مقالتلكيش إني هخلعك الروب؟
أطرقت رأسها بخجل من لمسته ونبرته التائهة وهي تهز رأسها بإيجاب. فابتسم بسخرية، ثم لف ذراعيه حول خصرها يضمها إلى جسده قليلاً وسألها وما زالت عيناه تتأمل بشغف ما يظهر من قميصها: "وقالتلك هعمل إيه تاني؟ انسحبت بغتة من أمامه، تاركة يديه معلقة في الهواء. ثم اتجهت نحو خزانة ملابسها، استخرجت منها قطعة قماش ناصعة البياض، ثم عادت له تمد يدها إليه بتلك القماشة وهي تقول بعفوية كعادتها:
"جالتلي ألفّك الجماشة دي لاجل ما تشوفها في الصباحية، وأبويا كمان عيشوفها لأجل ما يطمن عليا." تجمد جسد حمد وكأنها سكبت على رأسه دلواً من الجليد. هل ما زالت أمور الجهل هذه يهتمون بها؟! أثارت تلك الجملة غضبه البالغ وأخرجته من الحالة الرومانسية التي قد دخل بها. فالتقط منها قطعة القماش ثم ألقاها بعنف في سلة المهملات وهو يصيح بغضب بالغ: "طب والله ما أنا عامل حاجة، وابقي وريني أمك هتعمل إيه؟!
انكمشت صافية على نفسها خوفاً من غضبه التي لم تستطع فهم سببه. فعاد ينظر إليها بشر وهو يقبض على رسغها بقسوة ويصيح بانفعال بالغ: "انتي عارفة لو سمعتك تقوليلي أمي جالتلي دي تاني هعمل فيكي إيه؟! حسك عينك تحكيلها على أي حاجة بتحصل بينا، انتي فاهمة؟! ردت بخوف وهي تضع كفها أمام وجهها متخذة منه درعاً واقياً: "كيف يعني؟ أنا ما أعمل حاجة واصل من غير مشورة أمي.. لازمن توعيني وتعلمني."
غلّى الدم في عروقه أكثر. فكل كلمة تتفوه بها تنم عن جهلها وغبائها ما يثير عصبيته وغضبه. فأخذ يصطك فكيه من الغضب وهو يصرخ بها: "قسماً عظماً إن نطقتي معاها بحرف لتكوني طالق يا صافية… انتي فاهمة الكلام اللي أنا بقوله ولا أروح أجيبلك أمك تفهمك؟! ردت بنبرة باكية: "مبخبرهاش… مفهمهاش." ترك رسغها وجذبها من شعرها لترتفع رأسها لأعلى لا إرادياً فصرخت بألم ليقول بوعيد:
"لو عايزة ترجعي لأمك في يوم صباحيتك ابقي اعمليها واحكيلها إحنا عملنا إيه في ليلة دخلتنا… دي هتبقى ليلة طين على دماغك." ألقى بوعيده ثم دفعها بعيداً عنه لتسقط على الأرض وهي تبكي. فاسترسل زئيره الغاضب: "أنا هنا بس اللي تسمعي كلمتي… أنا اللي أقول تعملي إيه ومتعمليش إيه… محدش غيري هيعلمك ويوعيكي.. أنا عايزك تمحي أمك دي من قاموس حياتك.. دا لو عايزة تعيشي زي مخاليق ربنا وتبقي بني آدمة… انتي فاهمة ولا أعيد تاني؟!
أخذت تهز رأسها بإيجاب وهي تبكي منكسة الرأس وشعرها الطويل يحجب عنه وجهها الباكي. فأشفق عليها حمد وشعر بالغضب من نفسه أن قسى عليها لتلك الدرجة، ولكن هي من استفزته لتنقلب ليلتها الأولى إلى نواح وبكاء. ألقى عليها نظرة أخيرة متردداً أيحملها ويضعها على الفراش أم يتركها ولا يعيرها اهتماماً؟
… ولكن لم يطع قلبه الذي حثه على أخذها بين أحضانه والاعتذار إليها. فلم يكن ذنبها أنها بريئة ونقية لتحولها أمها إلى آلة تحركها كيفما شاءت. ثم ذهب من أمامها تاركاً الغرفة صافعاً بابها خلفه واتجه إلى غرفة أخرى ليقضي ما تبقى من ليلته بها. وصل أدهم بشقيقته إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل، وبمجرد دخولهما اتجه مباشرة إلى غرفة ندى. فاستوقفته ريم منادية عليه، فنظر لها باستفهام فقالت بجدية:
"البسي الكمامة قبل ما تدخل… وبلاش تنام جنبها.. معلش استحمل الأسبوعين دول كفاية علينا ندى… مش هتكون انت وهي عيانين ونايمين في السرير." هز رأسه بموافقة وهو يزفر أنفاسه بضيق، ثم دلف غرفته بدل ملابسه بسرعة وارتدى كمامة ثم ذهب لغرفتها مرة أخرى. دلف الغرفة ليجدها مستغرقة في النوم ولكنها تتنفس بسرعة نوعاً ما كأنها تركض، الأمر الذي أقلقه للغاية.
جلس على حافة الفراش بجوارها ثم أخذ يزيح غرتها عن جبينها ليتحسس حرارتها فوجدها طبيعية إلى حد ما. "ندى.. ندى.." همهمت بكلمات غير مفهومة ليبتسم وهو يقول: "عاملة إيه يا حبيبتي؟ هزت رأسها وما زالت مغمضة العينين لترد بصوت ناعس: "الحمد لله." "طب بتنهجي كدا ليه؟ فتحت عينيها وهي مقطبة الجبين وأخذت تتأمله وكأنها تحاول تذكره، إلى أن انتبهت أخيراً، فابتعدت عنه لآخر الفراش وهي تقول: "يا أدهم حرام عليك هتتعدي مني."
زم شفتيه بغضب مصطنع: "هي دي حمد الله ع السلامة اللي بتقوليهالي؟ تنهدت بضيق ثم قالت بجدية: "أنا طبعاً مش قصدي كدا… بس أنا خايفة عليك بجد… يعني ينفع إحنا الاتنين نكون تعبانين؟ جذبها عنوة حتى التصقت به غير مكترثاً بكلامها ليقول بنبرة هائمة: "يا ريت أتعب أنا كمان عشان أنام جنبك ومفضلش بعيد عنك كدا… يعني مش كفاية الأسبوعين اللي فاتوا؟! .. عايزة تحرميني منك كمان أسبوعين؟!
كانت تستمع إليه وهي تنظر له مشدوهة الملامح… ماذا تعني كلماته تلك إذن؟ … هل تعتبر هذا تصريحاً منه عن وقوعه بحبها؟! ابتلعت ريقها ثم قالت بنبرة مهزوزة من فرط الارتباك: "متقولش كدا.. وأنا مش هفرح بنومتك جنبي وانت تعبان."
أغمض جفنيه يحاول السيطرة على مشاعره التي تطالبه بتقبيلها، ولكن جذبها إلى حضنه لعله يهدأ قليلاً، بينما ندى كانت تقاومه لئلا تصيبه العدوى، ولكن أبى أن يتركها فاستسلمت بقلة حيلة حتى أنها أحست بنبضات قلبه التي كانت تضرب صدره كالمطرقة. وحين أحس بأن اشتياقه لها يزيد ابتعد عنها بغتة ثم قال وهو يبتسم نصف ابتسامة متنهداً بعمق: "كملي نومك بقى.. تصبحي على خير."
تركها بحالة هائمة سلبت النوم من عينيها وذهب إلى غرفته ثم أخذ حماماً بارداً وتقلب بفراشه حتى نام بعد معاناة. تمدد حمد بالفراش وهو يشعر بالذنب تجاهها، تقلب بالفراش لمدة طويلة وشيطانه على رأسه يلح عليه بعدم الذهاب إليها. وبعد عدة محاولات غفى أخيراً دون أن يشعر. استيقظ من غفوته على صوت أذان الفجر، فنهض يمسح وجهه من أثر النوم وهو يردد الأذان. ثم حسم أمره ليتفقدها ويطمئن عليها بعدما نامت باكية.
فتح باب الغرفة ليجدها نائمة على الأرض بمكانها كما تركها، فأخذ يؤنب نفسه ثم تقدم منها لينحني يحملها بخفة ثم وضعها بمنتصف الفراش وجلس بجوارها. أعاد خصلات شعرها التي التصقت بوجهها بسبب الدموع، ثم أخذ يمسد على شعرها بحنو وهو يتأملها بشغف. فلولا عفويتها الزائدة تلك لما انقلبت تلك الليلة لجحيم هكذا. انحنى يقبل وجنتها وهو يتمتم بهمس: "أنا آسف.. حقك عليا."
تنهد بعمق ثم دثرها بغطاء خفيف ونهض خارجاً من الغرفة متجهاً نحو المرحاض ليتوضأ ويصلي الفجر. عند تمام التاسعة صباحاً، ارتدى معتصم بنطال جينز وقميص يعلوه جاكت وانتعل حذائه والتقط هاتفه ومفاتيح سيارته، ثم صعد إلى شقة حمد بالطابق الذي يعلوه ورن جرس الباب عدة مرات حتى فتح له شقيقه وتبدو آثار النوم على وجهه. "صباحية مباركة يا عريس…" احتضنه وهو يضحك: "حد يصحّي عريس يوم صباحيته الساعة تسعة الصبح يا راجل." ضحك معتصم
ثم ابتعد عنه وهو يقول: "معلش بقى أنا عارف إني رخم." أفسح له حمد لكي يدخل، ولكن رفض قائلاً بجدية: "لا أنا مش داخل." "ادخل يابني هنتكلم ع الباب كدا؟! … وبعدين لابس ومتشيك كدا رايح على فين؟! "هقولك." ثم تحولت نبرته إلى همس: "بس قولي الأول عملت إيه؟ رد حمد بعدم فهم: "عملت إيه في إيه؟ "انت هتصيع عليا يلا… عملت إيه في ليلة دخلتك ياد انت؟! رد حمد بسماجة: "وانت مالك!! أنا كنت سألتك عملت إيه في ليلة دخلتك؟!
حقا ندم معتصم أن سأله، لو كان يعلم أنه سيذكره بنرمين حتماً ما سأله. "انت دايماً كدا بتحب تفكرني بنرمين… عملي الأسود." ضحك حمد بقهقهة ثم قال: "انت محسّتش إنها عملك الأسود غير بعد ما عرفت ريم." هز رأسه بموافقة: "فعلاً يا حمد معاك حق… عمري ما حسيتها عبء عليا غير بعد ما حبيت ريم…. المهم أنا مسافر القاهرة دلوقتي عشان عايز أخلص من حوار نرمين ده في أسرع وقت قبل ما أدهم أخو ريم يسأل عليا." رد حمد بجدية:
"متقلقش أنا مظبط الدنيا ومفهّم أفراد الأمن إنهم ميجيبوش سيرة لأي مخلوق غريب عن جوازك منها، ومفهّم موظفين الاستقبال إن مدام نرمين بالنسبالنا مجرد شريكة مش أكتر، ومأكد عليهم ميدوش أي معلومة لأي بني آدم برا الشركة… يعني لو لا قدر الله عرف عن جوازك حاجة هيكون من طريق بعيد عننا." هز رأسه عدة مرات وهو يتنهد بقلق: "ربنا يستر ويعديها على خير." ربت حمد على كتفه: "ربنا معاك يا حبيبي." احتضنه بحب وهو يقول:
"مكنتش عايز أسيبك كدا وانت عريس بس مضطر." ابتعد عنه وهو يبتسم بود: "ولا يهمك يا صاحبي." "مش هوصيك على صافية… طول بالك عليها شوية لحد ما تتأقلم على طباعك." هز رأسه بشبه ابتسامة دون أن يتحدث بشيء حتى لا يثير ريبة أخيه، ثم ودعه معتصم وانصرف نحو سيارته ليستقلها وينطلق إلى القاهرة.
في الطريق، قام معتصم بالاتصال بنرمين يخبـرها بعودته وطلب منها مقابلته في شقتهما. فتركت ما بيدها من أعمال بالشركة وأخبرت السكرتيرة بتأجيل كافة المواعيد مع العملاء، ثم استقلت سيارتها وانطلقت نحو شقتها التي تعيش بها مع معتصم منذ أن تزوجا.
حين وصلت إلى الشقة قامت بترتيبها سريعاً، ثم طلبت غداء فاخراً من أحد المطاعم الفاخرة، ثم اعتكفت بغرفتها لتشرع في تنظيف بشرتها باستخدام الماسكات وما إلى ذلك، ثم قامت بتصفيف شعرها ووضع مساحيق التجميل والزينة وارتدت قميصاً من اللون الأسود شبه عاري تقريباً مظهراً مدى بياض بشرتها. وحين انتهت ألقت نظرة أخيرة على مظهرها الذي يخطف الأنفاس أمام المرآة، ثم أخذت تنظر لنفسها بتباهٍ وافتخار.
قاربت الساعة على الثانية بعد الظهر، وكان الطعام قد وصل. نرمين قامت بتجهيزه على سفرة الطعام وقامت بسكب العصائر الباردة فجعلتها مميزة حقاً. كانت كل حين وآخر تنظر في ساعتها تنتظره على أحر من الجمر، فقد اشتاقت إليه كثيراً. بعد نصف ساعة، انفتح الباب ليطل عليها معتصم. فحين سمعت صوت الباب ركضت إليه وهي تبتسم بسعادة بالغة، ثم ألقت بجسدها على جسده تحتضنه باشتياق بالغ متمتمة بهيام:
"وحشتني أوي يا معتصم… حاسة إني بقالي سنة مشوفتكش." بادلها العناق على استحياء، ثم أبعدها قليلاً عنه وهو يقول بتجهم: "نرمين أنا تعبان وعايز أغير هدومي دي قبل أي حاجة." نظرت له بصدمة لوهلة، لكن سرعان ما ابتسمت وهي تأخذ بيده نحو غرفة النوم وهي تقول: "أنا آسفة يا حبيبي من كتر ما انت واحشني مقدرتش أستنى."
دلفا الغرفة سوياً، ثم قامت بمساعدته في خلع الجاكت. ثم وقفت في مواجهته تفك أزرار قميصه واحداً تلو الآخر حتى بدا لها صدره العضلي العريض، فأخذت تبتلع ريقها وهي تتحسس بشرة صدره. فتنهد معتصم بضيق. هو لا يريد ما تريده هي الآن. قبض على كفيها يقيد حركتهما لينزلهما إلى جانبيها، ثم قال ببرود: "أنا هغير لوحدي." نظرت له وهي تصطك فكيها من الغيظ، ولكنها تجاوزت ذلك وجلست بحافة الفراش تراقبه وهو يبدل ملابسه حتى انتهى.
انتبه لتوه إلى ذلك القميص الفاضح التي ترتديه وإلى زينتها وقصة شعرها، فابتسم بسخرية من تلك المرحلة التي وصل إليها. فقد كان سابقاً يشعر بالزهو حين تتزين له وتهتم به، إنما الآن لا يعنيه كل ما تفعله من أجله ولو افترشت له الأرض حريراً. ارتدى لتوه بنطال قطني رصاصي وتيشيرت أبيض ضيق أظهر عضلات جزعه العلوي، وكانت نرمين تتأمله بحب وانبهار.
نهضت لتقف خلفه وهو يمشط شعره أمام المرآة، ثم احتضنته من الخلف وهي تتنفس رائحة شعره، فقد كان طولها يصل لطوله تقريباً. "إيه يا عصوم؟ مالك؟ متغير عن كل مرة ليه؟ مش دا عصوم اللي أنا عارفاه." كان يستمع إليها وهو ينظر لوجهها عبر المرآة وملامحه متجهمة بضيق. ففك عقدة يديها من حول خصره ثم استدار لها وهو يقول بنفاذ صبر: "عايزة إيه يا نرمين؟ ردت بنبرة هائمة وهي تكاد تلتهمه بعينيها: "عايزاك يا حبيبي…"
أخذ يتنفس بعنف وهو بين نارين. يريد إنهاء ارتباطه بها وفي ذات الوقت يريد تلبية رغبتها لآخر مرة قبل أن ينفصل عنها، لعله يتخلص من شعوره بالذنب تجاهها. فليس ذنبها أن أحب غيرها كما أنها لم تقصر معه كزوجة قط.
حسم أمره بتلبية رغبتها ولتكن المرة الأخيرة، ثم يتحدث معها في أمر الانفصال بعد ذلك، فقبض على خصرها يضمها إليه ثم انقض عليها يقبلها، فتعلقت بعنقه وسحبته إلى الفراش لترتمي عليه وهو فوقها حتى اندمجا سوياً لوقت لم يشعر خلاله سوى بشعور الخيانة لحبيبته وكأنه يفعل جرماً محرماً. في تلك الأثناء تماماً، دلف آسر غرفة مكتب أدهم بمبنى العمليات الخاصة وبيده ملف، ثم جلس قبالته فتحدث بفخر واضعاً الملف أمامه على المكتب:
"اتفضل يا باشا جبتلك كل اللي طلبته وفي وقت قياسي… رغم إن العيال بتوع شركته متوصين ميطلعوش معلومة براها، بس الرجالة ظبطوهم." تطلع للملف ثم أعطاه لصديقه مرة أخرى: "خود اقرالي اللي فيه وهات الخلاصة… ماليش خلق للقراية." فتح آسر الملف ثم وضع ساقاً فوق الأخرى وهو يقول:
"أنا أصلاً قريته كله قبل ما أجبهولك… اسمع يا سيدي… معتصم حمدان البدري ٣٢ سنة خريج كلية اقتصاد وعلوم سياسية.. الأخ الأكبر عنده أخت أصغر منه متجوزة ومقيمة في القاهرة مع جوزها.. جوزها اسمه هشام وعضو في مجلس إدارة الشركة اللي صاحبها ومديرها معتصم…" "معتصم البدري متجوز من…" انتفض أدهم من مكانه حين سمع تلك الكلمة ليصيح بزمجرة: "متـ إيه ياخويا؟! نظر له آسر بدهشة قائلاً: "متجوز يا أدهم إيه الغريب في كدا؟!
ثم ضيق جفنيه بشك يسأله: "انت تعرفه منين وبتسأل عليه ليه؟ عاد أدهم ليجلس بمكانه وقد زادت وتيرة تنفسه من فرط الغضب، ثم حث آسر على إكمال ما بدأه: "كمل يا آسر وبعدين هعرفك كل حاجة." استرسل آسر بنبرة هادئة: "متجوز من واحدة اسمها نرمين الأنصاري بنت رجل أعمال وصاحب مجموعة شركات الأنصاري للمعمار، وأرملة رجل الأعمال المعروف عادل الزهار الله يرحمه بقى." هز أدهم رأسه بعصبية وهو يقول بغضب مكتوم: "وهو متجوز أرملة كمان؟!
رد آسر وهو يضحك: "أومال لما تعرف التقيلة بقى." انتبهت كامل حواسه ليقول آسر: "نرمين أكبر من معتصم بعشر سنين… يعني عندها ٤٢ سنة حالياً، ومعتصم متجوزها من حوالي خمس سنين… يعني تقريباً كان لسة عنده ٢٧ سنة بس لما اتجوزها." رد أدهم وهو يحاول السيطرة على أعصابه: "طب معرفتش إيه اللي لم الشامي ع المغربي؟ "عيب عليك يا باشا… عرفت طبعاً." رد بانفعال: "ماتقول علطول يا آسر أعصابي مش مستحملة." رمقه باستنكار ثم استرسل بجدية:
"اللي عرفته بس مش متأكد إذا كان الكلام ده صحيح ولا لأ إن نرمين اتعرفت عليه في مؤتمر لرجال الأعمال وكان ساعتها لسة بيبتدي مشواره في البيزنس، اتكلمت معاه عجبها عرضت عليه الجواز مقابل إنها تموله شركته وتكبرهاله…" أدهم رأسه بتفهم وهو يقول: "وطبعاً البيه وافق يتجوز ست أكبر منه بعشر سنين عشان يكبر على قفاها…" قاطعه آسر: "خاصة كمان إنها عقيم ومبتخلفش."
"يعني جوازة مش هتكلفه حاجة… فلوس ومفيش لا مسؤولية ولا عيال ولا وجع دماغ، وطبعاً شايف مزاجه معاها وهو مش قلقان من حاجة." رد آسر بسخرية: "والله يا جوازة زي دي يا بلاش… بس البنت فورتيكة يا أدهم لو شفتها مش هتصدق إنها معدية الأربعين… هضبة…" "وانت شفتها فين يلا؟! "المخبر صورها لي وهي داخلة الشركة وبعتلي الصورة ع الواتس." "مش عارف ليه شامم ريحة شبهة في الجوازة دي! "قصدك إيه؟
"يعني ست أرملة ومبتخلفش تلف على حتة عيل شكله حلو وجسمه رياضي وبتاع.. ط لا وكمان تدفعله.. عشان إيه؟ "عشان مزاجها طبعاً." "يعني من الآخر كدا جواز متعة… واللي يزهق من التاني يسيبه." أومأ آسر بتأييد: "طبعاً وسيادته مسيره هيزهق ويدور على غيرها… على الأقل عشان يستقر ويعمل أسرة وأولاد…" أخذ أدهم يصطك فكيه ويشدد من قبضته من شدة غضبه وغيظه، فاسترسل آسر وكأنه تذكر شيئاً:
"آه نسيت أقولك إنه صعيدي أصله من سوهاج ومقضيها بين هنا وهنا…. ووالدته متعرفش بموضوع جوازه من الست دي." رفع حاجبيه بتفاجؤ ليقول بانفعال: "كمان! دا كدا الحساب تقل أوي." قطب جبينه متسائلاً باستغراب: "إيه حكايتك مع الواد ده يا أدهم؟ نظر في اللاشيء بشرود لبرهة ثم عاد ينظر لصاحبه وهو يقول: "هقولك…………"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!