الفصل 34 | من 45 فصل

رواية مهمة زواج الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم دعاء فؤاد

المشاهدات
27
كلمة
3,151
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

عاد معتصم إلى القاهرة بسيارته الخاصة، وقد قام بتوصيل صافية إلى منزل شقيقته عائشة وانصرف مغادرًا إلى شركته بعدما أوصاها عليها. كان معتصم يحمل حقيبة اللاب توب في يده حين كان يعبر من بوابة الاستقبال الخاصة بالشركة، مرتدياً بدلة رسمية سوداء ونظارة شمس. تحيطه هيبة من الوقار. وقف موظف الأمن احتراما له، ليقف فجأة قبل أن يصل إلى المصعد بعدما ناداه أحد موظفي الاستقبال. "معتصم باشا." التفت ينظر له باستفهام،

فاسترسل الموظف باحترام: "الأستاذ ده جايب ظرف لنرمين هانم وبيسأل على مكتب السكرتيرة بتاعتها. ممكن حضرتك تاخده معاك في الأسانسير؟ هز رأسه بموافقة، فتتبعه الرجل وترجل معه المصعد. فسأله معتصم وهو يضغط على رقم الطابق: "حضرتك مندوب توزيع؟ "لأ يافندم. أنا جاي من طرف حسين باشا صاحب معرض الحسين للسيارات. باعتني بعقد العربية اللي نرمين هانم اشترتها امبارح." هز رأسه بإيماءة وهو يفكر باستغراب، لما ستشتري نرمين سيارة جديدة؟

وهل ستشتريها دون أن تخبره؟! ولكن، أضمر شيئًا في نفسه. حين وصل معتصم لطابقه قال: "مكتب نرمين هانم في الدور اللي فوق ده علطول. والسكرتيرة اسمها مروة. ممكن لو ملقيتش مدام نرمين تسيبهولها، وهي لما تيجي هتسلمهولها." أومأ الرجل بابتسامة ممتنة: "متشكر جدًا يافندم." أماء معتصم، ثم توجه مباشرة إلى مكتبه وألقى حقيبته ومعها نظارته على سطح المكتب، وهو ما زال يفكر بفعلة نرمين التي أخفتها عنه.

وقف خلف النافذة الزجاجية يراقب الطريق، وحين رأى ذلك الرجل يخرج من الشركة، أسرع بالاتصال بمروة، سكرتيرة نرمين، لترد عليه بعد ثوانٍ فيقول لها بنبرة صارمة: "مروة.. حسين صاحب معرض العربيات بعتلي ظرف فيه عقد عربية. ابعتهولي حالا." "يافندم الظرف جاي باسم مدام نرمين." "أيوه بعته بالغلط. حصل لبس وكان فاكر إن نرمين اللي اشترت العربية. حالا تنزليلي العقد." "تمام يافندم. ثواني وهكون عند حضرتك." "نرمين وصلت؟ "لأ لسة يافندم."

"تمام متتأخريش." بعد حوالي خمس دقائق، كان الظرف على مكتب معتصم وبين يديه، وبمجرد أن خرجت مروة من المكتب، قام بفتح الظرف وقرأ العقد ليجد أن اسم المشتري ليس نرمين، وإنما كان لشخص يدعى راغب، كما أن الفاتورة الملحقة بالعقد باسم نرمين. إذن، نرمين اشترت تلك السيارة الباهظة الثمن لذلك الشخص الغريب؟ لذلك أخفت عنه ذلك الأمر. بدأت الشكوك تساوره، ونيران الغضب تشتعل بصدره. هل قامت بالتعرف على رجل آخر وهي ما زالت في شهور العدة؟

والأدهى من ذلك، تشتري له سيارة باهظة الثمن من آخر طراز؟ هل جنت هذه أم ماذا؟ نقح عليه عرقه الصعيدي، وقام على الفور باستدعاء هشام وأعطاه العقد ليطلع عليه، الأمر الذي أيضًا أثار شكوك هشام. فقال معتصم بحدة: "هشام، الراجل ده عايز أعرف عنه كل حاجة. عرفها إزاي وإيه شغله وعلاقته إيه بيها بالظبط؟ وإزاي قدر يستغلها بالطريقة دي؟

معاك رقم بطاقته وتليفونه مكتوبين في العقد. في خلال كام ساعة تكون جبتلي الراجل ده بأي طريقة. عايزك لما توصله تستدرجه لمصنع 6 أكتوبر، وأول ما تجيبوه هناك كلمني وهكون عندك في خلال ربع ساعة. تمام؟ أومأ بموافقة: "حاضر يا معتصم. ربنا يقدرني وهحاول أوصله في أسرع وقت." "ضروري يا هشام تخلص الحكاية دي النهاردة. أنا في نار جوايا ومش هتنطفي غير لما أوصل للحيوان ده."

"ماشي، أنا هخرج حالا أبعت بطاقته لواحد حبيبي في السجل يجبلي كل بياناته. ولما أعرف هو بيشتغل إيه، هكلمه على أساس إني عميل وعايزه في شغل، وهحاول أجرّجره وأجيبهولك ع المصنع." أومأ بامتنان: "هعتمد على الله وعليك يا اتش." "حبيبي يا عصوم، أنت تؤمر."

انصرف هشام تاركًا صهره يفرك كفيه وهو يفكر ويتوقع ويرسم قصصًا في خياله عن علاقة نرمين بذلك الرجل، إلى أن صرف عقله قليلًا عن ذلك الأمر حتى يأتيه هشام بالخبر اليقين، واستكمل باقي أعماله واجتماعاته. أتت نرمين لاحقًا، وقد نسيت مروة أمر ذلك العقد تمامًا، وكذلك ظنت نرمين أن صاحب المعرض لم يرسله بعد، أو قد ربما يرسله في الغد. انقضى النهار سريعًا، حين اتصل هشام بمعتصم، وحين رد عليه قال ببسمة انتصار:

"تمت المهمة بنجاح يا عصوم." "احجزه عندك في المخازن يا هشام. ربع ساعة وهكون عندك." "حصل يا باشا. ومربطينه كمان ومعانا البودي جارد عشان لو لازم الأمر واضطرنا نستعمل معاه العنف." "وأنا رحت فين؟ أنا هعرف أجيب قراره كويس أوي." "وتوسخ إيدك ليه يا عصوم؟ تعالى بس وبعدين هنشوف." "تمام.. سلام." هبط معتصم عبر المصعد إلى الطابق السفلي، ومنه إلى سيارته. استقلها وقادها على أقصى سرعة إلى أن وصل إلى المخزن المحتجز به راغب.

كان راغب مقيدًا بالأغلال على كرسي متين، وهو في حالة من الذهول. لا يدري من الذي أتى به إلى ذلك المكان وما سبب وجوده. وحين أقبل عليه معتصم وملامحه لا تنذر بالخير، عرفه على الفور. فدب الرعب في أوصاله وأيقن أنه هالك لا محالة. فيبدو أنه اكتشف أمره. ولكن، ترى كيف اكتشفه؟ صُعق معتصم حين وجده شابًا يافعًا لا يتخطى الثلاثين حتى. فهل نرمين مغرمة بمن هم أصغر منها بعشرات السنوات؟ "انت مين يلا وتعرف نرمين منين؟ رد بنبرة مرتعشة:

"نـ نرمين مين بس يا باشا؟ صفعه بكفه صفعة قوية، ثم زمجر به بشدة: "انت هنا مش في نيابة يا روح أمك. وإن مقولتش على اللي عندك كله، يبقى قول على روحك يا رحمن يا رحيم." رد وهو يبتلع ريقه بصعوبة: "يا باشا فهمني بس أنت عايز تعرف إيه؟ رد بصوت كالفحيح: "كل حاجة. اتعرفت على نرمين امتى وفين وإزاي؟ وإيه اللي يخليها تشتريلك عربية آخر موديل تمنها مليون جنيه؟ ماسك عليها إيه يلا انطق."

يبدو أنه لا مفر من الاعتراف وإلا سيكسر عظامه، وقد أدرك ذلك جيدًا حين نظر لذلك الرجل العملاق الذي يقف خلف معتصم متأهبًا لأمر الهجوم في أي لحظة، فأخذ يبتلع ريقه بصعوبة، ثم قال بخوف: "هقولك يا باشا بس تطلعني من هنا سليم، ووعد مش هتشوف وشي تاني ولا هتعرض لسيادتك في أي حاجة." رد معتصم بنبرة مخيفة: "لما أعرف الأول أنت نيلت إيه وبعد كده هقرر."

نظر له راغب برعب، ثم التقط نفسًا عميقًا، وبعدها بدأ يسرد له طريقة تعرفه على نرمين عبر شقيقها نادر وما أسدى لها من خدمات ومساعدتها في تهكير هاتفه وهاتف ريم، وكيف أنها قامت باستغلال ذلك في التفريق بينهما. ولكن، لم يتطرق إلى استئجار السيدتين اللتين قامتا بالهجوم عليها حتى لا يزداد غضبه عليه، وأمر ذلك الفيديو الذي تم تصويره بين معتصم ونرمين حين كان مغيبًا عن الوعي.

كان يستمع وهو في حالة من الذهول. كيف لتلك الأفعى أن يصل تفكيرها لهذا المستوى من الشر؟ لقد ظن أنها قد استسلمت للأمر الواقع في مقابل بقائها بجواره كما طلبت منه في بادئ الأمر، ولكنها كانت تضمر شرًا وفيرًا وتخطط وتنفذ وهو لا يدري. أطلعه راغب على رسائل نرمين ومكالماتها المسجلة بينهما، ومكالماتها لريم أيضًا. فقد قام راغب بتهكير هاتف نرمين تحسبًا لأي غدر منها وحتى يضغط على نقاط ضعفها كما يشاء.

انكشفت كل الأوراق أمام معتصم وأصبح كل شيء واضح أمامه، واكتشف الآن أن ريم لم تكذب عليه تمامًا كما كان يشعر طوال الوقت. فقد كانت مشاعره تجاهها دومًا صادقة، وأنها ابتعدت عنه حين ظنت أنه كذب عليها بادعائه بأنه لن يعود لنرمين وفي ذات الليلة ينام بين أحضانها. تلك الملعونة نفذت الخطة وأحكمتها حبكة محكمة حتى وصلت لما أرادت. لقد جعلت كل منهما كاذبًا مخادعًا في نظر الآخر وبمنتهى السهولة. "هتعمل إيه يا معتصم؟

كان ذلك صوت هشام الذي انتزعه من صدمته ودوامة استنتاجاته. نظر له بتفكير، ثم نظر لذلك المذعور قائلًا بنبرة مخيفة: "اسمع يلا. زي ما ساعدتها في مراقبتي، هتساعدني في مراقبتها وهتهكرلي موبايلها وكل حساباتها. عايز أكون أنا المتحكم في كل حساباتها حتى حساباتها البنكية." ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال برجاء: "يا باشا أهكر موبايل آه، بس حساب بنكي مش شغلتي." رد بانفعال: "اتصرف. لو عايز تخرج من هنا على رجليك، اعمل اللي بقوله بالحرف."

"حـ حاضر يا باشا. هشوف حد من معارفي يساعدني. حـ حاضر." "ولو فكرت تغدر أو تهرب، هعرف إزاي أجيبك. لأني ببساطة هعين واحد يراقبك زي ضلك. وأي حركة كذا ولا كذا هيجيبك من قفاك ومش هيكون فيها سماح. أنت فاهم." رفع يديه أمام وجهه بخوف وهو يرتد للخلف قليلًا متمتمًا: "فاهم. فاهم يا باشا." نظر للحارس الضخم قائلًا: "خليه مرمي هنا لحد ما أقولك سيبه يمشي. وعينك متغفلش عنه."

أومأ الحارس بإذعان، ثم أخذ معتصم هشام وخرجا من المكان، وركبا سويًا السيارة. وبمجرد أن تحرك بها معتصم، تحدث إلى صاحبه: "هشام.. هتاخد العقد والفاتورة وتحطهم في ظرف جديد ومقفول كويس. وكنت كلمت المحامي يعملي توكيل عام من نرمين ليا، بس هي طبعًا متعرفش ولسه موقعتش عليه. عايزك تحطها في خانة اليك وتمضي ع التوكيل من غير ما تاخد بالها." قطب ما بين حاجبيه بتفكير متسائلًا: "و دي هعملها إزاي يا معتصم؟

"لما تدخل عليها بعقد العربية، هتخاف تكون فتحته واكتشفت لعبتها وهترتبك وتتلغبط. وفي عز لغبطتها هتحط التوكيل في وسط شوية ورق وتمضيها عليهم كلهم. طبعًا من ارتباكها وخوفها مش هتركز هي بتمضي على إيه أصلًا." "طب هقولها إيه على الظرف ده." "هتقولها إن مندوب المعرض قابلك وسألك على مكتبها، وأنت قلتله إنك طالع لها وأخذت منه الظرف عشان توصلوهولها." استرسل معتصم بمكر:

"عايزك توترها وتسألها كتير عن الظرف، وبكده هتمضي بسرعة عشان تخلص منك وتخرج وتسيبها." رمقه هشام بذهول ليقول بإعجاب: "يخربيت دماغك يا عصوم. إيه يا ابني الدماغ دي؟ "دي أقل حاجة أعملها فيها نظير اللي عملته فيا أنا وريم. ورحمة أبويا وغلاوة أمي عندي مش هخلي حيلتها حاجة. هشام بكرة الصبح تكون أنجزت المهمة دي. عايز بكرة ألاقي التوكيل متوقع عليه منها وموجود على مكتبي." "بسيطة إن شاء الله يا عصوم. طب وريم؟ هتعمل معاها إيه؟

تنهد معتصم بعمق وهو يقود ناظرًا أمامه إلى الطريق، ثم قال ويخالجه شعور بالعجز واليأس: "مش عارف. هي دلوقتي مخطوبة وأكيد بعد الفيديو اللي شافته ده كرهتني ومش طايقة تشوف وشي." "بصراحة ليها حق. نرمين لعبتها صح." رد بغضب بالغ وهو يعتصر المقود بيديه: "مش عايز أسمع اسمها تاني يا هشام. سيرتها بقت بتعصبني." قام بتوصيل هشام إلى منزله، ثم أدار سيارته واتخذ طريقه إلى شقته.

بمجرد أن دلف شقته، أتاه اتصال من عمر لينظر إلى اسمه باستغراب. لقد نسي أمره تمامًا. كما أنه نسي أن يعفيه من مهمته بعدما افترق عن ريم إلى أجل غير مسمى. ولكن، فتح الخط يجيبه بترقب. وبعدما تبادلا التحية، قال عمر بحزن: "معتصم باشا.. يؤسفني إني أقولك إني عرفت إن الدكتورة ريم طبعت دعوات فرحها. والفرح هيكون الخميس الجاي في فندق الفور سيزون." سكت معتصم مصدومًا يحاول استيعاب ما سمعه للتو، حتى أن عمر ظن أن الاتصال قد انقطع.

"ألو.. معتصم باشا." رد أخيرًا بنبرة مهزومة: "عرفت إزاي؟ "يافندم ما أنا متابع الدكتورة ومصاحب أفراد الأمن اللي على بوابة الاستقبال وهما اللي قالولي إنهم معزومين على فرح الدكتورة الخميس الجاي زي ما قولت لحضرتك. وكمان... سكت عمر قليلًا، فحثه معتصم على التحدث، ليحمحم قائلًا: "كتب الكتاب كان النهاردة."

بُهت معتصم وتجهمت ملامحه بصدمة كادت أن تودي بحياته. إذن، كُتبت على اسم رجل آخر. أصبحت ملكًا لغيره. ضاعت حبيبته من بين يديه ولا أمل في العودة. أُغلقت كل الطرق المؤدية إليها. أغلق عمر الاتصال حين سكت معتصم تمامًا مشفقًا على قلبه الجريح، بينما معتصم جلس على أقرب كرسي خلفه بعدما تخدرت حواسه من الصدمة، وأصبحت قدماه كهلام غير قادرتين على حمله.

آلمه قلبه كثيرًا وكأنه طُعن لتوه بسكين غليظة. لقد ذبحته حبيبته بلا شفقة. أخذ جسده يتصبب عرقًا وينتفض غير مصدق ما حدث وكأنه مذبوح وروحه تستعد لمغادرة جسده.

بقي على ذلك الوضع لوقت لم يعلم مدته، إلى أن عاد قليلًا إلى رشده وبدأ في لملمة شتات نفسه، فتوجه إلى المرحاض يأخذ حمامًا باردًا رغم برودة الجو، ليقف أسفل الماء الجاري البارد لوقت طويل وهو يتنفس بوتيرة سريعة وملامحه متجعدة بحزن قاتل، إلى أن خرج أخيرًا من المرحاض واستلقى على الفراش وهو يرتدي شورتًا قصيرًا فقط، فقد أفقدته صدمته شعوره ببرودة الجو وأيضًا إحساسه بالوقت.

توالت الذكريات على عقله وكأنه شريط سينمائي يُعرض أمام عينيه، يشعر بحنين جارف تجاهها خاصة بعدما عرف بالمكيدة التي حاكتها نرمين للتفريق بينهما. لقد كان قاب قوسين أو أدنى من عودتها له لولا ما فعلته تلك الأفعى. إنما الآن، وكأنه فقد قطعة غالية من قلبه. وكأن روحه غادرت جسده. لو اكتشف ما عرفه اليوم من يومين أو بالأمس فقط؟ ربما تغيرت الأقدار.

خانته دمعة فرت من جانب عينه، أزالها سريعًا، فالبكاء كالنساء ليس من شأنه. ثم نهض يبحث عن قرص منوم لينام ربما يهرب من تلك المشاعر القاتلة، إلى أن وجد شريطًا التقط منه قرصين تجرعهما بشربة ماء، ثم اعتدل بفراشه متخذًا وضعية النوم محاولًا عدم التفكير أو الإحساس بأي شيء إلى أن نام كيف ومتى لا يدري.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...