الفصل 33 | من 45 فصل

رواية مهمة زواج الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم دعاء فؤاد

المشاهدات
26
كلمة
5,552
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

بعد الكثير من الإقناع من قبل خالد وافق أدهم أخيرًا على تقديم موعد الزفاف لبعد أسبوعين من اليوم واتفقوا على بدء التحضيرات من الغد من شراء فستان الزفاف وحجز الفندق الذي سيقام فيه الحفل وطباعة الدعوات وما إلى ذلك.

حين غادرت أسرة خالد استأذنت ريم من أسرتها بالدخول إلى غرفتها لتنام فهي لم تنم بما فيه الكفاية حيث انشغلت بتجهيز نفسها لاستقبال خالد وأسرته، بالطبع كانت تلك حجتها للهرب منهم حتى لا يلاحظوا ندمها على قرارها المتهور، ولكن في كل الأحوال عنادها كان أقوى من أن يجعلها تتراجع. بينما ندى تحججت بالدخول إلى المطبخ لتعد لنفسها مشروبًا ساخنًا، فانتظر أدهم لحظات ثم دلف خلفها ليجدها واقفة أمام الموقد شاردة ولا تفعل أي شيء.

حتى أنها لم تشعر به حين وقف خلفها منتظرًا أن تلتفت له، ولكن لا حياة لمن تنادي. أحاط خصرها بذراعيه من الخلف ففزعت من لمسته وهمت لتستدير له إلا أنه ثبتها بجسده ثم همس بجوار أذنها: "متخافيش يا ندى.. دا أنا يا حياتي." توترت أوداجها لتقول: "أدهم ميصحش كدا.. ممكن حد يدخل علينا فجأة." قام بفك حجابها التي كانت ترتديه أثناء تواجد الضيوف ثم حرر عقدة شعرها ليتنفس رائحته الذكية باستمتاع وهو يقول بنبرة هائمة

ومازال محتضنها من الخلف: "متقلقيش محدش هيدخل.. ريم نامت وماما بتصلي القيام في قوضتها ووفاء مشيت." ترك خصرها وامتدت يديه ليمسكا يديها المتدلية بجانبها فشعر ببرودتهما، فتجعد جبينه باستغراب: "مالك يا ندى.. ايديكي باردة كدا ليه؟! لم ترد وبدا عليها التوتر الشديد فظن أن ذلك بسبب خوفها من لقائهما المرتقب. حانت منه ابتسامة عاشقة حين وردت على رأسه تلك الفكرة فضم جسده إليها أكثر ثم قال بنبرة زلزلت كيانها:

"ندى أنا بحبك.. ومن اللحظة اللي قلبي دقلك فيها وأنا مستني الليلة اللي هنكمل بعض فيها ونكون روح واحدة.. مينفعش تخافي مني أصلاً.. يعني المفروض انتي كمان تكوني حاسة باللي حاسس بيه دلوقتي." بدأت عينيها تتلألأ بالدموع، لو يعلم كم تمنت تلك اللحظة وانتظرتها لما ظن تلك الظنون الخاطئة. لو يعلم أنها تريد أن تندمج مع جسده كعطره بلا خجل أو حياء لما قال لها ذلك. ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، والفراق قادم لا محالة.

استرسل كلامه بمزيد من الاشتياق ويديه تضغط على كفيها: "ضيعنا وقت كتير أوي يا حبيبتي.. كفايا بعاد بقى.. قلبي معادش مستحمل بعدك عني.. دايما وحشاني رغم إننا عايشين تحت سقف واحد.. بس الظروف دايما بتبعدنا لدرجة إني ساعات بحس إن مش مكتوبلنا نكون لبعض.. بس برجع وأستعيذ بالله من الشيطان وبحاول أقنع نفسي إنها مسألة وقت مش أكتر."

كلماته أشعلت فتيل همومها المكبوتة بداخلها منذ تلك الحادثة اللعينة فجاهدت عبراتها لألا تسقط، فيبدو أن شعوره في محله تمامًا. تركها على مضض فاستدارت لتواجهه بعدما حاولت السيطرة على كآبتها لتبدو طبيعية، فتحدث بنبرة ذات مغزى: "أنا هدخل آخد شاور وأغير هدومي…" انحنى ليطبع قبلة على وجنتها ثم قال بغمزة عين: "هستناكي."

أومأت برأسها وانتظرته حتى خرج من المطبخ ودلف غرفته، فسقطت على الأرضية متكومة على نفسها ثم انخرطت في بكاء مرير. أبعد أن امتلكت قلبه وأصبح اللقاء وشيكًا تنهار آمالها لتذهب مجددًا إلى نقطة البداية؟! .. ولكن تلك المرة ستكون ذهابًا بلا عودة. بعد دقائق قليلة خرجت من المطبخ ثم ذهبت مباشرة إلى غرفتها وجلست قليلًا تفكر في حجة لتمرر بها الليلة دون أن يلتقيا كما أخبرها مسبقًا.

وفي تلك اللحظة رن هاتفها برقم غير مسجل فارتعش جسدها من الخوف ثم لمست أيقونة الإجابة بيد مهتزة لتجيب المتصل: "ألو.." رد عليها رجل يقول بنبرة مخيفة: "الباشا بيقولك قدامك يومين بالظبط وتنفذي اللي قولنالك عليه." انهمرت دموعها بغزارة لتقول برجاء: "لا لا مش هينفع والله… بالله عليك استنى بس بعد ما فرح أخته يعدي.. أنا مش ههرب منكم ولا عندي استعداد أخسر أدهم بس اديني بس أسبوعين على ما الفرح يعدي."

سكت الرجل قليلًا ينتظر رأي سيده الذي أومأ له بالموافقة، فرد عليها بنبرة تحذيرية: "الباشا بيقولك تاني يوم الفرح الصبح لو ما سيبتيش البيت وسلمتينا الحاجة يبقى انتي كدا بتحكمي بموت حبيب القلب." ردت باندفاع: "لا أدهم لا.. هسيب البيت ومش هيشوف وشي تاني ولا هيعرف أي حاجة وهعمل كل اللي هتقول عليه… بس الله يخليك متأذيهوش.." "تمام يا بنت أنور باشا." أغلقت الهاتف وتجعدت ملامحها باشمئزاز وهي لازالت تبكي بحرقة.

وفي الناحية الأخرى.. طال انتظاره لها حتى تسلل إليه الشعور بالضيق وبدأ يزفر أنفاسه بعنف من ملل الانتظار، ترى لما لم تأت بعد؟! حين ضاق ذرعًا من الانتظار لم يجد بد من تفقدها لعل هناك أمرًا ما. طرق الباب ودلف مباشرة فقامت بإخفاء الهاتف سريعًا أسفل الوسادة، فنظر لها باستغراب بعدما لمح وجنتيها المبللتين بالدموع وركض إليها مذعورًا ليحيطها بذراعيه وهو يقول بقلق: "مالك يا ندى بتعيطي ليه."

لم تستطع منع عينيها من البكاء مجددًا خاصة بعدما شعرت بدفئ حضنه التي ستحرم منه. أخذ يمسد على شعرها وظهرها وهو يضمها إلى صدره أكثر ويسألها بقلق: "مالك بس يا حبيبتي… في حاجة بتوجعك؟! فقط هزت رأسها بإيجاب فسألها وهو مازال يمسد على ظهرها: "طاب إيه اللي بيوجعك." وضعت يدها على قلبها فازداد نحيبها أكثر وهي تخفي وجهها بصدره ثم سرعان ما أنزلت يدها لبطنها وهي تقول ببكاء: "بطني بتوجعني." "بتوجعك من إيه؟!

يعني واخدة برد ولا إيه بالظبط؟! "عندي مغص.. مغص يا أدهم.." "طاب البسي وتعالي نروح لدكتور." ردت بتوتر وهي تقول بكذب: "لا المغص دا مش محتاج دكتور.. أنا عارفة سببه… هاخد حاجة مسكنة وأشرب حاجة دافية وإن شاء الله هبقى كويسة." رد بانفعال طفيف: "طاب عرفيني إيه السبب عشان أكون مطمن عليكي." نظرت له بخجل وهي لا تدري كيف تشرح له ذلك الأمر ولو بالكذب، فردت وبؤبؤي عينيها يتحركان بعشوائية: "مغص.. يعني… بيحصل لكل البنات."

سكت قليلًا يحاول فهم ما تقصده إلى أن فهم بالفعل ما ترنو إليه، فهز رأسه بإحباط وهو يقول بوجه متجهم: "آه فهمت… تمام.. ألف سلامة عليكي." نظرت إليه وهي تشعر نحوه بالذنب لتسأله بترقب: "انت زعلت يا أدهم؟! حانت منه شبه ابتسامة ثم نظر لها بملامح عادية وهو يقول: "لا أبداً يا حبيبتي.. دي حاجة انتي مالكيش ذنب فيها." عادت تدفن رأسها في صدره بينما هو يردد في نفسه "يا الله لسة مآنش الأوان…الصبر" باغتها بسؤاله بنبرة محبطة:

"فاضل كام يوم؟! بهتت من سؤاله ومن اضطرارها للكذب عليه للمرة التي لم تعد تعرف عددها… لترد عليه بضمير معذب: "خمس أيام." زفر أنفاسه على مهل محاولًا السيطرة على ضيقه ثم أسند ذقنه إلى رأسها وظلا على هذا الوضع إلى أن غلبهما النوم وسقطت رأسيهما على الوسادة. كان معتصم يتفقد خيوله في اسطبل الخيول حين أقبل عليه خفيره سمعان يخبره بأن حمد يضب أغراضه وملابسه مصرًا على المغادرة الليلة.

ترك ما بيده وركض إليه وهو يسب غباء شقيقه وتهوره الذي ليس له أي داعي. بعد دقائق فتحت له صافية الباب ليجد آثار البكاء على وجهها ليسألها: "انتي لساتك بتبكي يا صافية؟! ردت بعدما أجهشت في البكاء من جديد: "حمد بيلم هدوماته وهي يسافر برة البلد يا كبير؟! "برة البلد كيف يعني؟! تخطاها ليدخل إلى غرفة شقيقه، وراح ينهره بحدة وهو يجمع أغراضه بحقيبة كبيرة: "انت بتعمل إيه يا حمد؟! رد بلامبالاة:

"زي ما انت شايف كدا… هسافر القاهرة الليلة عشان من الصبح هبدأ في إجراءات السفر لـ لندن؟! "نعم ياخويا؟! .. لندن؟! .. إحنا هنرجع تاني للكلام الفارغ دا؟! ألقى بذلك القميص الذي كان يضعه في الحقيبة بعصبية ثم نظر له بحدة وهو يقول: "أنا خلاص خدت قراري ومش راجع فيه.. ومافيش قدامي وقت.. الدراسة بدأت بقالها أسبوعين." صاح به بانفعال:

"ماقولتلك ميت مرة حضر الماچيستير هنا وانت كنت اقتنعت.. إيه علاقة اللي حصل بينك وبين مراتك بقرارك دا يا حمد؟! "عشان أريحكم مني خالص.." سكت معتصم يناظره بغضب يود لو يكسر رأسه، فهتف به حمد برجاء: "معتصم عشان خاطري متقفش في طريقي… أنا لو مسافرتش مش هيحصل طيب.. والإنسانة اللي برا دي مش هخليها على ذمتي بعد اللي عملته النهاردة… فسيبني بقى أبعد بدل ما أعملها وأطلقها وأجرسكم في البلد." "هو لوي دراع يا حمد؟!

"مش لوي دراع ولا حاجة… بس أنا فعلاً اتقفلت منها ومن البلد كلها… سيبني أفصل شوية بقى وأحاول أنسى اللي حصل." "طاب ما انت كنت هتسافر مصر بكرة.. وأهو هتكون بعيد عنها برضو." "يا سيدي وأنا عايز أكمل دراسات عليا.. طموحي موديني على لندن والفرصة لسة قدامي والتقديم لسة مفتوح… ومش عايز أضيع الفرصة دي بعد إذنك يا معتصم." "أمك هتزعل ومش بعيد تتعب يا حمد." "هتزعل شوية وبعد كدا هتتعود.. وأنا هقنعها متقلقش."

كان ذلك الحوار دائرًا ويبدو على حمد الإصرار حيث لم يتوقف طيلة حديثه عن جمع ملابسه وأغراضه وأوراقه الضرورية. "طاب سافر الصبح.. يابني الصباح رباح." "يووه يا معتصم.. ياخي بقى سيبني براحتي.. قولتلك مفيش قدامي وقت كتير… وممكن تخرج عشان أغير هدومي؟! نظر له وهو يغلي من الغيظ ثم تركه وغادر غير راضٍ تمامًا عما هو مقدم عليه من تهور. هبط إلى أمه التي كانت تبكي منذ أن علمت بذلك الخبر، ليجلس بجوارها ثم انحنى يقبل

يدها ورأسها وقال بجدية: "متحزنيش نفسك يا امايا… حمد مجروح وف نفس الوقت محروق من الكلام اللي صافية قالته قدامنا.. مكانيش يصح منها تجول الكلام ده في وجودنا." أخذت تمسح وجهها من الدموع وهي تقول: "طاب خليه يجعد وينسى اللي حصل يا ولدي وإني مش راح أتحدت امعاه واصل فيه." ربت على كتفها:

"معلهش ياما خلي جلبك جامد اكده وسيبه يجرب يجعد بعيد عنها هبابة… يمكن يعجل وربنا يهديه… ما انتي خابرة إنه مكانيش رايدها من الأول… أهم حاجة تفضل على ذمته وتعيش وسطنا." أخذت تهز رأسها بحسرة وهي ما زالت تبكي، فاسترسل معتصم حديثه بنبرة جادة: "مجداميش حل يامايا غير إني أبعت صافية لعيشة في مصر تكمل مدرستها هناك كيف ما أبونا اللي يرحمه عمل امعانا… يمكن لما تتعلم ويبجى معاها شهادة كبيرة حمد يحس إنها اتغيرت وبجت تليق بيه بحق."

ردت أمه بذهول: "باه…هنعيده تاني يا معتصم…مصر عتاخدكم كلكم من حضني يا ولدي؟! قبل كفها وهو يقول برجاء: "على عيني والله يا ست الحبايب…بس حمد مش راح يجبل بصافية غير لما تبعد عن أمها ودماغها اللي زي الصرمة الجديمة دي تتنور وتفهم كيف الخلج…" نظر أمامه ليقول بتفكير: "أني خابر إنه مش هيكون سهل عليكي ولا عليها يامايا..بس هو تحدي ويا نكسبه يا نخسره."

بالفعل نفذ حمد ما نوى عليه وحين وصل القاهرة في الصباح الباكر بدأ مباشرة في إجراءات سفره إلى لندن كسائح على أن يكمل إجراءات تقدمه لدراسة الماجيستير هناك بعد وصوله الأراضي البريطانية. لم يخبره معتصم بنيته في استكمال صافية لدراستها في القاهرة، فقد أوصى عائشة بتقديم أوراقها في إحدى مدارس الثانوية العامة الدولية (international)

والاتفاق مع إحدى مدرسات الإتيكيت لتدريبها على التحدث والتعامل بلباقة لعلها تتحرر من قوقعة الجهل التي حبستها بها أمها وتليق برجل الأعمال المستقبلي حمد البدري. قضى معتصم أسبوعًا مع أمه محاولًا خلال تلك الأيام القلائل نسيان من أحبها ولكن كيف وكل مكان في البلدة تذكره بها. حتى تلك المهرة الصغيرة التي يقضي ساعات طوال بصحبتها أكثر ما تذكره بها، فقد أسماها على اسمها "ريمان". تنهد بعمق وهو يمسح على رأسها ويحدثها وكأنها تفهمه:

"مش قادر أصدق اللي حصل…عقلي لحد دلوقتي مش مستوعب إنها كانت بتمثل عليا عشان خايفة مني…ريم مستحيل تخاف مني…أنا حافظها أكتر من نفسي…معقول كانت بتقول كدا عشان تخليني أبعد عنها؟! …لا لا لا…كانت هتقولي في وشي عادي..مكانتش هتخاف…أيوة يا مهرتي الحلوة مكانتش هتخاف..أنا بالنسبالها الأمان…والذكريات اللي بينا تشهد بكدا."

أخذ يردد عبارته الأخيرة وهو ينظر أمامه شاردًا في اللاشيء إلى أن تعب وعاد إلى غرفته ليستعد صباح الغد للعودة إلى القاهرة ومعه زوجة أخيه. قام راغب بالاتصال بنرمين يطلب منها مقابلتها وحين راوغته وتهربت منه قام بتهديدها بإخبار معتصم بكل شيء فوافقت على الفور. تخفت ليلاً لتقابله في المحل الخاص بتجارته في الإلكترونيات. "ايه يا مدام نرمين… انتي فاكرة إنك هتعرفي تهربي مني؟! .. أنا كام مرة أكلمك وأقولك عايز حقي.."

ردت بحدة طفيفة: "حق إيه اللي انت عايزه… كل حاجة عملتها أخدت تمنها وزيادة." ضيق عينيه بشر: "تمن سكوتي يا هانم.. كل حاجة متسجلة عندي… مكالماتك ورسايلك حتى الفيديو اللي اتصور ليكي انتي والباشا واتبعت لحبيبته…" بهتت من كلامه وجف حلقها حين تخيلت أن يكتشف معتصم مصائبها في حقه، فنظرت له بتغيظ قليلًا ثم سألته بقلة حيلة: "عايز كام؟! رد بعنجهية وطمع: "عربية بورش موديل السنة." اتسعت عينيها بصدمة لتقول بذهول: "نعم؟!

.. انت اتجننت؟! .. انت عارف تمنها يبقى كام؟! بنبرة بها لمحة من التهديد: "يبقى زي ما يبقى.. انتي برضو مش شوية." سكتت قليلًا تنظر له بغضب بالغ وهي تشعر بالعجز. ثم قالت بحدة: "وأنا إيه اللي يضمنلي إنك مترجعش تهددني تاني؟! "متقلقيش أنا هصفي شغلي وهسافر برا ومش هتشوفي وشي تاني…" "كلامك دا مش كفاية." ذقنه بتفكير لبرهة ثم قال: "هفرمط موبايلي وكل اللي معايا ليكي قدام عنيكي… أظن كدا عداني العيب؟! هزت رأسها

بإيجاب ثم قالت باستسلام: "تمام… بكرة هبعتلك عنوان المعرض اللي بتعامل معاه وأنا هكلم صاحب المعرض عشان أشرحله اللي انت عايزه… اختار عربيتك واكتب عقدك وأنا هحاسبه." حانت منه ابتسامة انتصار بعدما وصل لما أراده وخطط له منذ التقى بها وشعر بمدى ثرائها.

استغلت نرمين فرصة سفر معتصم وعدم وجوده بالشركة وقامت بالاتصال بصاحب معرض السيارات وشرحت له الأمر ثم في الأخير طلبت منه إنهاء ذلك الأمر على وجه السرعة قبل عودة معتصم من بلدته وإرسال الفاتورة مع صورة من العقد إلى سكرتيرتها الخاصة بمكتبها وأكدت عليه عدم تسليمه لأي شخص سواها حتى لا تقع في يد الشخص الخطأ.

مر ذلك الأسبوع وكان أدهم ينتظر من ندى أن تفاجئه بطريقة ما ولكن يبدو أنها انشغلت كثيرًا بدراستها وانتهت المدة التي أخبرها بها ولكن لا جديد بأحوالهما. فما زال البعد قائم. تناولوا العشاء وتحدثوا في أحاديث جانبية تخص الاستعداد لزفاف ريم، وحين حان وقت النوم ذهبت كل من ريم وتيسير إلى غرفتيهما، بينما بقي أدهم يجلس قبالة ندى يناظرها بنظرات غامضة ينتظر رد فعلها القادم. لقد وضعها في مأزق صعب، ترى كيف عساها أن تتصرف؟

كيف ستهرب منه تلك المرة وبأي حجة؟ لقد انتهت كل حججها. ولكن أدهم أقسم بينه وبين نفسه أنه إن أحس منها رغبة في الابتعاد سيبتعد ولن يعاتبها حتى، فقد طفح الكيل. توترت ندى للغاية وأخذت تفرك كفيها بارتباك وهي تفكر في حجة جديدة تتحجج بها تحت نظرات أدهم المصوبة تجاهها ولسان حاله يقول "وماذا بعد؟! تظاهرت بالتعب وأخذت تتثاءب عدة مرات لتقول بتمثيل:

"تعبت أوي النهاردة في الكلية وكمان لفينا كتير أنا وريم في المولات… آه مش قادرة أفتح عينيا من الصداع." نظر لها بخواء، لأول مرة يعرف أنها تجيد التمثيل ولكن كذبتها لم تنطلي عليه وأيقن أنها بالفعل تحاول تأجيل اللقاء لا يدري لما… ولكن هو لن يموت شوقًا لها… وليكن لها ما أرادت. نهضت لتسير باتجاه غرفتها وهي تقول: "معلش بقى يا أدهم أنا هنام لأني خلاص مش قادرة أقعد أكتر من كدا."

لم يبدي أية ردة فعل الأمر الذي زادها قلقًا وتوترًا، وحين عبرت من جانبه وأدبرت عنه نهض ليسير خلفها ثم جذبها من معصمها بقوة فاستدارت إليه تلقائيًا ليرتطم جسدها بصدره، فنظر لها مطولًا نظرة غامضة وملامحه متجهمة وجبينه مجعد متنفسا بوتيرة عالية إلى أن نطق أخيرًا بنبرة حادة:

"مالهاش لازمة الحجج الفارغة دي كلها… إذا كنتي مش عايزاني قيراط… فأنا مش عايزك ٢٤… ويا ريت تعتبريني مش موجود معاكي في البيت دا.. وهنرجع تاني لنقطة البداية يا ندى." نزعت معصمها من يده وهي تنظر له بتحدي ظاهريًا ولكن قلبها يتمزق داخليًا ثم قالت بكذب: "يكون أحسن… أنا أصلاً مكنتش مستعدة للخطوة دي وكنت حاسة إنك عايز تجرب وبس.. وكلامك دا أثبتلي شكوكي."

أخذ ينظر لها بعدم تصديق من تغيرها الجذري في طريقة تفكيرها وكلامها… ترى ما الذي أودى بها إلى تلك الحالة الغريبة… اقترب منها بشدة ليقول بصوت كالفحيح: "انتي استحالة تكوني ندى اللي حـ…" بتر كلمته ثم ابتلع ريقه مسترسلًا بوجع: "امشي..امشي من قدامي….وانتي من النهاردة مجرد أمانة مسئووليتي إني أحافظ عليها وبس."

نظرت له باستجداء وعينيها ممتلئة بالدموع ولكنها لم تنكر كلامه.. لم تدافع عن نفسها… فهذا تمامًا ما أرادت أن تصل إليه وقد سهل عليها المهمة. تركها واقفة بمكانها وسار إلى غرفته بخطى سريعة وهو يشعر وكأنه على حافة الانهيار.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...