قبل الظهيرة، كانت ندى تجلس بالميكروباص برفقة رجل ضخم تابع لتلك العصابة في طريقها إلى محافظة الإسماعيلية. قبل الوصول إلى الوجهة المقصودة، استوقف ذلك الرجل السائق ليقف به في طريق خالٍ تماماً من المباني السكنية، كما أنه حرص ذلك الرجل على خلوه أيضاً من الكاميرات بما فيها كاميرات الرصد. نزل الرجل ونزلت خلفه ندى، ثم سار بها بضع خطوات حتى اختفت السيارة، ثم أوقفها على جانب خالٍ قائلاً بنبرة غليظة: ـ اطلعي بالأمانة يلا.
فتحت حقيبة يدها واستخرجت فلاشة، ناولته إياها، فأخذها ودسها في جيب سترته ليقول بنبرة تحذيرية: ـ الباشا بيقولك لو في يوم اكتشفنا إنك سايبة نسخة منها سواء على اللاب بتاعك أو أي لاب تاني أو حتى طبعها على ورق هيولع فيكي وفي بيت أدهم باللي فيه، ومحدش هيقدر يكتشف إنها حريقة بفعل فاعل. ابتلعت ريقها بخوف ثم هزت رأسها وهي تقول: ـ لا أنا منسختهاش خالص، لأنكم سبق وحذرتوني من كدا، وأنا عملت كل حاجة بالحرف. أومأ وهو يعطيها شريحة
اتصالات ثم قال بغلظة: ـ خدي الشريحة دي، بمجرد ما توصلي الشقة اللي قولنالك عليها هتكسري شريحتك وتحطي دي مكانها، وحذاري تحتفظي بأي أرقام غير أرقامنا إحنا بس، دلوقتي هتمشي من الاتجاه دا حوالي نص كيلو هتلاقي طريق رئيسي هتاخدي من هناك تاكسي وتقوليله على عنوان الشقة في القصاصين، ومت حاولييش تتصرفي من دماغك لأن إحنا عينينا عليكي ومراقبينك.
هزت رأسها بإيجاب، ليتركها الرجل ويسير في اتجاه معاكس. شعرت حينها أن الأرض تهيم بها وكأنها في كابوس مزعج تتمنى لو ينتهي سريعاً وتعود لحصنها الآمن وحضنها الدافئ مع أدهم. فعلت كما قال لها وأشارت لتاكسي كانت به فتاة في نفس عمرها تقريباً تجلس في الكرسي الأمامي بجوار السائق، فركبت بالمقعد الخلفي بعدما أملته العنوان، وقد كانت نفس وجهته.
بعدما ركبت ندى، شعر السائق المسن الذي كان قد تجاوز الخمسين عام بأن هناك سيارة سوداء مفيمة بالكامل تتتبعه منذ ركوب ندى، الأمر الذي أثار قلقه وشكوكه حول تلك الفتاة، ولكن حاول تجاوز الأمر واستمر في طريقه. حينها أسندت ندى رأسها للخلف وأغمضت عينيها وكأنها تحاول النوم لتعود بذاكرتها إلى أحداث ذلك اليوم المشؤوم، اليوم الذي فكرت فيه أن تعود لاستكمال دراستها بكلية الصيدلة، وليتها لم تفعل.
فتحت عينيها بعدما استردت وعيها لتجد نفسها مقيدة بكرسي خشبي متين في غرفة خالية تماماً بها ضوء خافت للغاية وأمامها شاشة كبيرة وسماعة معلقة. ليأتيها صوت غليظ قائلاً: ـ أهلا يا بنت أنور عبد الحميد، فين الفلاشة اللي أبوكي مسيف عليها بياناتنا. ردت بنبرة واثقة: ـ فلاشة إيه؟ أبويا الله يرحمه مسابش معايا حاجة، ومكنش بيعرفني أي حاجة عن شغله. صاح الرجل بانفعال:
ـ الفلاشة معاكي يا بنت، إحنا متأكدين إنها معاكي، إحنا قلبنا بيتكم اللي أمريكا حتة حتة ومش لاقيينها، ده معناه إنها معاكي انتي. ردت بثقة متناهية: ـ قولتلك مش معايا حاجة. أتاه صوته الذي قد تحول لفحيح أفعى: ـ تمام يا بنت أنور، أنا مش هتعب نفسي معاكي، ومعنديش وقت أضيعه أكتر من كدا، بس انتي كدا اللي جبتيه لنفسك. ردت بنبرة واثقة شجاعة: ـ إيه؟ هتعملوا فيا إيه يعني؟ هتقتلوني زي ما قتلتم بابا وماما؟
عادي اقتلوني، معادش عندي حاجة أبكي عليها ومش فارق معايا، على الأقل هموت شهيدة. رد الآخر بنبرة ذات مغزى: ـ متأكدة إنك معندكيش حاجة تبكي عليها؟ ردت بثقة: ـ أيوه معنديش، أغلى اتنين عندي راحوا خلاص. ـ ولا حتى أدهم؟ انقبض قلبها حين أتى بذكره، ما معنى ذلك؟ هل سيساومها على حياته؟ تحدث بانتصار بعدما استطاع أن يرى ملامحها الثابتة تتحول للخوف: ـ اعرض الفيديو. لتضيء الشاشة الكبيرة
بذلك المقطع سابق الذكر: "أدهم يترجل من سيارته بعدما وصل مبنى العمليات، وهناك أعلى مبنى مرتفع مقابل لمبنى العمليات الخاصة رجل ملثم يصوب سلاح الكلاشنكوف ناحية رأس أدهم، وتلك النقطة الحمراء تتحرك مع حركة رأسه إلى أن اختفى داخل المبنى". اسود وجه ندى حين رأت ذلك المقطع وبهتت ملامحها، بعدما استطاع ذلك الرجل هزيمتها وكسر عنادها بذلك المقطع، ليأتيها صوته البغيض قائلاً بتهديد ووعيد:
ـ القناص اللي انتي شايفاه ده مستني بس إشارة مني عشان يفرتك دماغ حبيب القلب، فكري كدا بالعقل، مش هتخسري حاجة لو سلمتينا الفلاشة، إنما لو فضلتِ معاندة يبقى تقري الفاتحة على روح أدهم. حاولت قدر الإمكان أن تستعيد ثباتها لتقول: ـ انتو لو عايزين تقتلوه كنتوا قتلتوه من زمان، مش هتقتلوه لمجرد إنكم تهددوني. رد الرجل بجدية:
ـ قتله مش هيهمنا في حاجة، بالعكس هيفتح عين الحكومة علينا وإحنا مش عايزين ندخل في مهاترات ملهاش داعي معاهم، بس لو لزم الأمر إننا نقتله في سبيل حصولنا على الفلاشة دي هنقتله، لأن السبب يستاهل المناوشة مع الحكومة، طبعاً انتي عارفة الفلاشة دي فيها إيه؟ ردت بنبرة مليئة بالكره والغل لتلك العصابة الجائرة:
ـ طبعاً، رجال أعمال وموظفين مهمين في الدولة بيدعوا الفضيلة وحب البلد والمساهمة في تعميرها، وهما في الحقيقة أكتر ناس بتهدم وبتفسد فيها، ناس مش بتفكر غير في نفسها وبس، عايزين يكبروا بأي طريقة، سواء كانت مشروعة أو لأ، مش فارق معاهم الحلال من الحرام، تجارة أعضاء ماشي، تجارة سلاح ومخدرات ميضرش، قتل وتهديد وعمليات قنص كله شغال، أهم حاجة. قاطعها بصرخة قوية أجفلت منها:
ـ اخرسي، خلي خطبك ومحاضراتك لنفسك يا ست الحكيمة، صحيح تربية أنور عبد الحميد، بس شكلك نسيتي الفيديو، شغله تاني يابني. ظهر المقطع مرة أخرى ليسترسل الرجل بنبرة شريرة للغاية: ـ انتي يا اللي اسمك ندى، إحنا مبنهددش، إحنا بننفذ علطول، هتسلمينا الفلاشة ولا أكلم القناص قدامك حالا ينفذ القنص، ومش هتمشي من هنا غير لما تشوفي أدهم باشا وهو بيضرب بالكلاشنكوف وبيطلع في الروح. صرخت بفزع: ـ لااااا، أدهم لااااا. ابتسم الآخر بانتصار:
ـ يعني أفهم من كدا إنك هتسلمينا الفلاشة؟ ابتلعت رمقها وهي تشعر بالحسرة والهزيمة، فقد قاموا بالضغط على نقطة ضعفها بدهاء، لتنكس رأسها بانكسار وهي تقول: ـ هسلمهالك. رفعت رأسها لتقول بشراسة: ـ بس حذاري تقرب منه، إنت فاهم. ـ تمام، لو انتي فعلاً خايفة عليه ومش عايزانا نقرب منه هتنفذي اللي هنقولك عليه بالحرف.
فهزت رأسها بموافقة وهي متجهمة الملامح ليسرد لها أوامره بالاختفاء من حياة أدهم إلى الأبد، وكان هدفه من ذلك هو ضمان عدم حصوله على ما بالفلاشة من معلومات من شأنها القضاء على رجال المافيا المستترين خلف قناع النزاهة والوطنية، وأمرها بعدم ترك أي دليل خلفها يدل على تواصلها معهم حتى لا ينبش عشهم، وبالطبع مع التهديد المستمر بقتله إن أخطأت أو خالفت التعليمات.
عادت ندى إلى البيت متهدلة الكتفين بعدما عصبوا عينيها مرة أخرى وأعادوها إلى الجامعة، وطيلة الطريق تفكر في كيفية تنفيذ تلك الأوامر المجحفة، كيف ستتحمل فراقه. بعدما ضحكت لهما الدنيا وكادا أن يندمجا كما الأزواج الطبيعيين، تحدثت تلك المصيبة وافترقا؟
إذن إن كان الفراق محتوماً حفاظاً على حياته، فلا بد ألا يتعلق بها، فإن حدث وتم زواجهما ثم افترقت عنه فحتماً سيصعب الفراق وستتفاقم الحسرة في قلبيهما، خاصة وإن حملت في قطعة منه، لا تدري حينها كيف ستسير الأمور. لا هي لن تتهور ولن تسمح لنفسها بحمل طفل بين أحشائها إن خرج للحياة ربما يرى العذاب لاحقاً. لا بد وأن تحافظ على مسافة جيدة بينهما حتى لا تقتلهما الحسرة حين يحين الانفصال.
عادت من ذكرياتها المؤلمة لتنحدر دموع الحزن من مآقيها فتنتبه أنها مازالت بالتاكسي. ازداد قلق السائق أكثر حين كان يغير اتجاهاته ومازالت السيارة أيضاً تسير خلفه أينما اتجه وكأنها تطارده، فتوجه بالحديث لندى قائلاً بحدة: ـ خير يا أستاذة، انتي عاملة عملة ولا قاتلة قتيل ولا انتي حكايتك إيه بالظبط؟ شهقت الفتاة بجواره وهي تقول بعتاب: ـ إيه الكلام ده بس يا اسطى، دي البنت شكلها غلبانة وفي حالها. حمحمت ندى لترد بتوتر:
ـ في إيه ياسطى ليه كدا؟ رد بغلظة: ـ ماهو من ساعة ما ركبتي وفي عربية متفيمة ماشية ورايا، لا يا بنتي كدا مش هينفع، أنا راجل على باب الله وبربي في كوم لحم ومش ناقص لبش. قال جملته وقد بدأ في تقليل سرعته استعداداً للوقوف: ـ أنا هنزلك على الطريق هنا و خدي تاكسي تاني ولا انتي حرة. ردت الفتاة الغريبة: ـ استهدى بالله ياسطى هتنزلها فين، ده طريق زراعي وشبه مقطوع. ـ خلص الكلام يا أستاذة، أنا عايز أروح لعيالي سليم.
وحين وقفت السيارة على جانب طريق زراعي من الناحيتين، وقفت الأخرى ليقول أحدهم من داخلها: ـ نفذ. لم تكد ندى تفتح باب السيارة وتنزل بقدمها على الأرض وبيدها حقيبتها حتى انفجر التاكسي في الحال مُصدراً دوياً عالياً واختفت ملامح السيارة ومن بها داخل غيمة كبيرة جداً سوداء تتخللها ألسنة من اللهب، فادار الآخر السيارة السوداء وانطلق بها سريعاً قبل أن تلتم حولها السيارات الأخرى ويكشف أمرهم.
حين ابتعدت تلك السيارة كثيراً عن مكان الحادث، قام السائق بالاتصال بسيده وحين أتاه رد الطرف الآخر قال ببسمة شريرة: ـ تم يا باشا، التاكسي ولع باللي فيه ومحدش هيقدر يتعرف عليهم أساساً لأنهم ببساطة كدا اتفحموا، اتصلوا بالمطافي والإسعاف بس على ما يوصلوا العربية هتكون بقت تراب.
اقتربت الشمس من المغيب ولم تأتي ندى بعد وكانت تيسير في غاية القلق، خاصة أنها اتصلت بها عشرات المرات ولم ترد، وحين لم تجدا بدا من إخبار أدهم اتصلت به وأخبرته، فقام بالاتصال بها أيضاً عشرات المرات إلى أن رد أخيراً رجل غريب فقال له: ـ مع حضرتك النقيب محمد مصطفى من قسم القصاصين. قطب جبينه بدهشة، ما الذي أتى بهاتف زوجته إلى هذا المكان ومع ذلك الرجل؟ فرد بقلق بالغ:
ـ أنا الرائد أدهم من العمليات الخاصة، حضرتك التليفون ده بتاع مراتي، أنا عايز أفهم إيه اللي وصله للقصاصين وهي فين دلوقتي؟ سكت الضابط الغريب قليلاً ثم قال بأسف: ـ الحقيقة يا فندم إحنا لقينا شنطة المدام جنب تاكسي مولع بالسواق والراكب اللي فيه، للأسف الجثتين متفحمين ومش عارفين إذا كانت الشنطة دي تخص الجثة اللي كانت راكبة جنب السواق ولا لأ، فيا ريت حضرتك تيجي بنفسك تعاين الجثة وتأكدلنا هي ولا لأ.
كاد الهاتف أن يسقط من يده من فرط رعبه عليها، لا يصدق ما يسمعه بأذنيه، وكأنه داخل كابوس مزعج ليقول أخيراً بعدما ابتلع غصة مؤلمة بحلقه: ـ العنوان فين بالظبط؟ أملأه الضابط العنوان بالتفصيل ثم خرج راكضاً من غرفة مكتبه ليصطدم بآسر في الرواق الخارجي فاوقفه يسأله بقلق: ـ على فين يا أدهم، بتجري كدا ليه؟ رد عليه وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: ـ سيبني دلوقتي يا آسر، رايح أدور على ندى.
تركه وركض إلى خارج المبنى ليلحق به آسر ويركب السيارة بجواره ليصرخ أدهم بنفاذ صبر: ـ انزل انت رايح فين، انت عارف أنا رايح على فين دلوقتي؟ ـ مش هسيبك لو هتدور عليها في المريخ. لم يجادله أدهم كثيراً فقد كان في حالة رثة لا تسمح له بذلك وانطلق بالسيارة على أقصى سرعة مرتاداً طريق القاهرة الإسماعيلية. ـ إيه اللي حصل يا أدهم؟ رد وهو يقود:
ـ معرفش، أنا لقيت ماما بكلمني وبتقول إن ندى لحد دلوقتي مرجعتش من الجامعة وبترن عليها كتير ومبتردش، رنيت عليها كذا مرة لحد ما ظابط في قسم القصاصين رد عليا وقالي إنهم لقوا شنطتها مرمية جنب عربية تاكس مولعة باللي فيها ومش عارفين إذا كانت صاحبة الشنطة كانت في العربية ولا لأ. انقبض قلبه حين تخيل أنه فقدها تماماً كما فقد حبيبته، ثم سأله باستغراب: ـ طب إيه اللي هيوديها المكان البعيد ده؟ أخذ أدهم يضرب تارة
القيادة بكفه وهو يصرخ: ـ معرفش، معرفش، ماهو ده اللي هيجنني، ندى ماتعرفش تروح أي مكان لوحدها، متعرفش غير الطريق من البيت للجامعة ومن الجامعة للبيت، مكانتش بتخرج أصلاً من يوم ما اتجوزنا. أشفق آسر عليه وعلى ما أصابه من ذعر ورعب، بينما أدهم قد انفلتت أعصابه للغاية حتى أنه كاد أن يصطدم بما حوله من سيارات عدة مرات فصرخ به آسر في آخر مرة:
ـ وقف العربية يا أدهم، وقفها وسيبني أنا أسوق، انت أعصابك بايظة ومش مركز أساساً في الطريق. أوقفها بطريقة مباغتة على جانب الطريق حتى أن احتكاك الإطارات بالأسفلت أصدر صريراً عالياً فارتد أدهم للخلف وهو يغمض عينيه متنفساً بوتيرة عالية من فرط قسوة التوقعات التي ترد على عقله، ولكن نزل سريعاً في الوقت الذي نزل فيه آسر ليستقل مقعد السائق ويجلس أدهم مكانه، فأدار السيارة وانطلق بها بسرعة عالية ولكن كان أكثر تركيزاً على الطريق.
أثناء سيرهما بطريقهما إلى محافظة الإسماعيلية قام أدهم بعدة اتصالات منها اتصاله باللواء سامي مديره لكي يساعده في تلك الورطة ربما يأتي له بمعلومة يفك بها شفرة الأحداث المبهمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!