الفصل 18 | من 45 فصل

رواية مهمة زواج الفصل الثامن عشر 18 - بقلم دعاء فؤاد

المشاهدات
23
كلمة
4,949
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

جلس أمام الدوار وهو يضرب فخذيه بحسرة كل حين وآخر. أقبلت عليه زوجته وهي تراقب حالته الغريبة وسألته باندهاش: ـ أباه! مالك يا حمد؟ من عشية امبارح وأنت عمال تضرب كف بكف وحالك لا يسر عدو ولا حبيب، كأنك مفرحانش بالنسب اللي كنا بنحلمو بيه. رمقه بغل ثم نظر أمامه وهو يفرك فخذه بغيظ وتحدث مصع فكيه: ـ نسب الشوم يا حزينة، أهو إحنا طلعنا من المولد بلا حمص. هرولت لتجلس بجواره وتسأله باستنكار: ـ واه! كيف يعني يا أبو البنات؟

قال وهو مازال يضرب على فخذيه من فرط الحسرة: ـ الخمس فدادين اللي أخويا حمدان سابهملي أزرعهم والمحصول بيناتنا بالنص، معتصم ولده مضاني امبارح على عقد بيع وشرا بيهم وقالي دول مهر صافية. ضربت على صدرها بحسرة: ـ واه واه واه! يا مراري الطافح. استرسل حمد بمزيد من الغيظ:

ـ إني كنت جلت إنه نساهم والمحصول كله ببيعه وتمنه بشيله في جيبي كأنها أرضي وملكي، جلت إني أولى وهما حداهم أراضي ومزارع كتيرة، بس طلع واعر جوي يا أم كريمة، مينساشي حاجة واصل، جالي إني سايبلك الأرض بكيفي. صاحت بغيظ وحقد: ـ كيف يعني؟ يعني طلعنا أكده بولا حاجة؟ والمهر اللي كنا مستنين نتلايم عليه عشان نهد الدار ونبنيها من أول وجديد؟ أخذ يهز رأسه بتهكم مرير:

ـ بيعي الأرض بجى وهدي وابني يا خيتي كيف ما بدك، إني من الأول بجول إنك وش فقر. ثم هب من مقعده وفر من أمامها بعصبية وهو يكاد يصاب بالجنون. *** استيقظت ندى لتجد أن الساعة دقت الثامنة صباحًا، فأخذت تزفر بضيق، فقد فاتتها صلاة الفجر. ولكن كيف لم تسمع صوت المنبه؟ نهضت وهي تردد أذكار الصباح لتتفاجأ بأدهم يجلس على الأريكة المقابلة ويمسح وجهه من آثار النوم، ويبدو أنه أيضًا استيقظ للتو.

أخذت تنقل بصرها بينه وبين ذلك القميص القصير الذي بالكاد يصل لفوق ركبتيها. هل كان نائمًا هنا ورآها عارية هكذا أثناء نومها؟ شهقت بخفوت ثم ركضت من أمامه قبل أن ينتبه لها باتجاه المرحاض، ولكن كان قد توقع ذلك فكان أسرع منها وقبض على يدها وهي تركض من أمامه ليجذبها بقوة فوقعت جالسة على فخذيه. ومن فرط صدمتها من سرعته لم تقو على النطق، فقط تنظر له بصدمة. ـ أنتي بتجري مني ليه؟ إحنا مش اتفقنا إننا هنكون زي أي اتنين متجوزين؟

يعني المفروض تبطلي كسوف مني بقى. لم تستمع تقريبًا لما قاله، فقد كانت شاردة في ملامحه المثيرة. عينيه الناعسة، شعره الطويل الأشعث، صوته المتحشرج من أثر النوم، تفاحة آدم التي تتحرك مع حركة فمه. بالطبع لاحظ شرودها وتأملها له، فابتسم بجاذبية ليقول بنبرة مثيرة: ـ حلو.. مش كدا؟ ردت وكأنها في عالم آخر: ـ ها؟ ازدادت ابتسامته اتساعًا ليسترسل بمزيد من الإثارة: ـ وأنتي كمان حلوة.

كادت أن تفقد وعيها من فرط جاذبيته وجمال نبرته المثيرة التي جعلتها أسيرة له، ولكنها ابتلعت ريقها بصعوبة ثم أخيرًا عادت لوعيها لتقول بتوتر وتوسل: ـ أدهم أنا عايزة أدخل الحمام. ترك يدها فنهضت سريعًا لتركض مرة أخرى باتجاه الحمام وتغلق الباب ثم تستند عليه من الداخل وهي تضع يدها على موضع قلبها وتحاول تهدئة ضربات قلبها وأيضًا أنفاسها المتسارعة. بينما أدهم ضحك من مظهرها المرتبك ثم قال بصوت عال لتسمعه:

ـ مسيرك تقعي تحت إيدي يا ندى ومش هتعرفي تفلتي. كان يقصد فقط مشاكساتها لا أكثر حتى يقلل من خجلها وتوترها المستمر أمامه. بينما هي ابتسمت من عبارته وهي تتنهد بعشق خالص لذلك الذي سيفقدها عقلها يومًا.

تركها بالمرحاض وغادر الغرفة متجهًا إلى غرفته ليأخذ حمامه الصباحي ويصلي الصبح قضاءً، ثم ارتدى حلة سوداء بقميص أسود بدون ربطة عنق وانتعل حذاءه، ثم أخبر والدته أنه سيذهب لصديقه آسر ليكونا في استقبال حماه في المطار ومن ثم يحضر معه مراسم الدفن. بعد حوالي ساعتين كان كل من آسر وأدهم في مطار القاهرة يجلسان في مقاعد الانتظار، وقد كان آسر يرتدي حلة سوداء أيضًا بدون ربطة عنق تمامًا مثل أدهم في صدفة غير مقصودة.

بعد دقائق قليلة أقبلت عليهما والدة مودة وهي منهارة من البكاء وقد وصلت المطار لتوها قادمة من مدينة جدة حيث تقيم مع زوجها الثاني. وحين رأت آسر ركضت إليه وهي تبكي بشدة وتنوح إلى أن التقطها يسندها وهي تكاد تفقد وعيها وقد خارت قواها تمامًا من فرط الحزن والنواح. ـ ميريهان يا آسر ماتت؟ ماتت وهي زعلانة مني؟ يعني مش هشوفها ولا هكلمها تاني؟ مش هطلب منها تسامحني؟ آاااااه يا حرقة قلبي عليكي يا بنتي.

أخذ آسر يربت على كتفها بمواساة وهو في أشد الحاجة لمن يواسيه، ثم قال لها بنبرة باكية: ـ اهدي يا طنط بالله عليكي، مينفعش اللي انتي بتعمليه دا عشان خاطر ميريهان، هي مش هتكون مبسوطة بكدا، ادعيلها يا طنط، ادعيلها ربنا يرحمها ويصبرنا على فراقها.

كانت تبكي على كتفه ونياط قلبها تتمزق من الحسرة. فحتى أنها لم ترها قبل موتها ولم تعلم شيئًا عن تلك الحادثة التي أودت بحياتها. لم تودعها، ماتت دون أن تغفر لها. تبكي والندم ينهش بصدرها والحسرة تكاد تقتلها. دوى صوت المذيع الداخلي بهبوط الطائرة القادمة من برلين، لينتصب الثلاثة في وقفتهم في انتظار جثة ميريهان المحفوظة داخل صندوق خشبي لتظهر بعد قليل محمولة على أكتاف أربعة من الرجال منهم أبوها في مشهد يدمي القلب.

لتخرج صرخة مدوية من فم أمها، فقام آسر سريعًا يتكمم فمها بكفه حتى يمنعها من مزيد من الصراخ وهو يقول لها بحدة: ـ من فضلك متصوتيش، عيطي من غير صوت كدا مينفعش. هزت رأسها بإيجاب والدموع تنحدر من مقلتيها بدون توقف، فتركها وأخذ أدهم ليحملا الصندوق بدلًا من اثنين من عمال المطار حتى أوصلوه إلى سيارة الإسعاف التي كانت تنتظرهم خارج المطار.

انطلقت السيارة إلى المسجد لإقامة صلاة الجنازة وركب كل من آسر بجوار أدهم ومحمد وزوجته بالمقعد الخلفي، فقام آسر بالاتصال بوالده ليخبره أنهم في طريقهم للمسجد، فقد كان ينتظرهم هناك.

تمت صلاة الجنازة ومن ثم أخذوها للمقابر الخاصة بعائلتها ليقوم آسر بخلع سترته وشمر عن ساعديه وقام بدفنها بمساعدة عامل المقبرة وأبيها، ولكن لم يستطع تحمل ردمها بالتراب وانسحب بعيدًا ليسنده أدهم وهو يربت على ظهره دون أن يتفوه بحرف، فكل الحروف قد عجزت عن صياغة الكلمات التي يمكن أن تواسيه بها. *** عودة لسوهاج. مازال معتصم بمكانه في اسطبل الخيول بعدما غادرت ريم لتضب ملابسها وأغراضها بحقيبة السفر. قام بالاتصال بشقيقه لأمر

ما ليرد حمد بصوت ناعس: ـ أيوة يا عصوم. ـ أنت لسة نايم يا حمد؟ ـ الساعة لسة تسعة، هصحى دلوقتي أعمل إيه؟ ـ آه يا خويا عامل فيها عريس. ـ ولا عريس ولا نيلة، الله يسامحك على اللي عملته فيا. ضحك معتصم ليقول بمزاح: ـ بكرة تدعيلي. ـ أتمنى ذلك. ـ المهم قوم فوق كدا وجهز عشان هتاخد ريم معاكوا وانتو مسافرين توصلوها لحد بيتها في القاهرة. ـ إيه دا هي ريم برضو مصممة تمشي؟ ـ أيوه مصممة، بس طبعًا مش هسيبها ترجع لوحدها.

ـ تمام يا عصوم، ساعة كدا وأكون جهزت. كلم بقى هشام وعيشة خليهم يستعدوا عشان نمشي علطول. ـ تمام، عايزك تخلص كل الشغل المتأخر اللي في الشركة في خلال الأسبوعين الجايين، عشان هتاخد إجازة شهر تقضيه مع عروستك وهكمل أنا مكانك. ـ شهر كتير أوي يا معتصم. ـ يا خي حد يطول ياخد إجازة شهر! ـ ماشي يا سيدي عقبالك وهديك شهرين. أوبس أنا نسيت إنك متجوز أصلًا. تجهمت ملامح معتصم بضيق ثم قال مغيرا مجرى الحديث: ـ أخلص مفيش وقت، سلام.

أغلق الهاتف وهو يزفر بضيق من تلك الزيجة التي تلاحقه كاللعنة. لو يدري أنه سيقع في شباك الحب ما قبل بها أبدًا. عاد إلى الدوار ليبحث عن ريم فانقبض قلبه خشية أن تكون قد سافرت بمفردها، فقام بالاتصال بها: ـ ألو ريم. أنتي فين؟ ـ أنا في الأوضة اللي في المضيفة بجهز شنطتي. ـ طيب تعالي أنا مستنيكي برا، عايز أتكلم معاكي في حاجة مهمة. ـ حاضر ثواني.

ارتدت حجابها على عجل ثم خرجت له ويخالجها شعور بالخجل منذ أن طلبها للزواج، ولكنها حاولت التظاهر بحالة طبيعية لتجده يجلس بغرفة الجلوس ينتظرها. استقبلها بابتسامة حالمة تجاوزتها حتى لا يزداد خجلها ثم جلست بالأريكة المقابلة له لتقول: ـ خير في إيه؟ حاول التحلي بالجدية وهو يقول: ـ كل خير إن شاء الله. حمد وعيشة وجوزها مسافرين القاهرة بعد شوية، فأنا عرفت حمد ياخدك معاه ويوصلك لحد البيت. هزت رأسها بالنفي:

ـ أنا آسفة يا معتصم مش هينفع. زفر أنفاسه بضيق بالغ ثم قال بانفعال طفيف: ـ هو مفيش حاجة تقولي عليها ماشي من أول مرة أبدًا! هبت من جلستها لتقول بذات الانفعال: ـ أنت بتزعقلي كدا ليه؟ مش من حقك تزعقلي على فكرة. أخذ يمسح وجهه من الغضب وهو يستغفر بخفوت ثم قال بهدوء نوعًا ما: ـ يا ريم أنا خايف عليكي إنك تسافري لوحدك، وهكون مطمن أكتر لما أخويا يوصلك. ردت بتحدِ: ـ متنساش إني جيت هنا لوحدي وزي ما جيت لوحدي هقدر أرجع لوحدي.

نهض بعصبية من مجلسه ليقترب منها ويصيح بانفعال: ـ ممكن أعرف إيه وجهة نظرك في الرفض؟ ولا هو عند وخلاص؟ لوحت بيديها بعشوائية: ـ وأنا هعند معاك ليه؟ كل الحكاية إن أدهم لو عرف إني ركبت عربية حد غريب المسافة دي كلها هيزعل جدًا مني. أمال رأسه إليها ليقول بغيظ: ـ ما قولتلك عيشة أختي هتكون معاكم، يعني مش هتسافري لوحدك في عربيته. ربعت ذراعيها أمام صدرها لتقول بإصرار: ـ لأ برضو مش هينفع.

اقترب منها للغاية مميلًا رأسه للأسفل لأنها أقصر منه قامة حتى كادت أن تختلط أنفاسهما، ليصيح بنبرة قاطعة: ـ بقولك إيه، أنتي هتسافري مع أخواتي يا إما ووديني ما أنتي متحركة من هنا، فاهمة؟ أجفلت من قربه الشديد ومن نبرته العالية لتقول بتوتر وكأنها قد ارتعبت منه: ـ هسأل أدهم الأول. حانت منه بسمة انتصار أخفاها سريعًا ثم قال بجدية: ـ تمام، كلميه وجهزي. رفعت حاجبيها باندهاش لتقول بسخرية وهي تغادر من أمامه:

ـ بتتكلم كدا كأنك واثق إنه هيوافق. أخذ يهز رأسه بيأس وهو يبتسم، وما إن ابتعدت عنه مقدار خطوتين عاد يناديها بنبرة حانية على النقيض تمامًا من نبرته الحادة منذ قليل. نبرته جعلت دقات قلبها تتسارع، فالتفتت له مهمهمة: ـ امممم. ـ هتكلمي أخوكي على طلبي؟ سكتت مليًا تلملم شتات نفسها ثم قالت بجدية: ـ أكيد طبعًا، موافقة أدهم قبل موافقتي. هز رأسه بموافقة ثم قال بنبرة راجية: ـ تمام هستنى ردك على أحر من الجمر.

أطرقت رأسها وهي تبتسم بخجل ثم استدارت لتغادر من أمامه سريعًا، بينما هو بقي ينظر في أثرها بعشق بالغ وهو يُمني نفسه بقرب اللقاء. قامت ريم بالاتصال بأدهم عدة مرات ولكن لم يجب ولا مرة، فهو كان في ذلك الوقت في جنازة ميريهان وكان هاتفه على وضع الصامت. تأففت بضيق ثم لم تجد بدا من الذهاب مع حمد وسوف تقوم بالاتصال به لاحقًا أثناء سفرها بالطريق.

قامت ريم بتوديع الحاجة أم معتصم ومارتينا ومعتصم ذاته الذي كان يودعها بحزن لفراقها ولو مؤقتًا. كان يومًا عصيبًا للغاية على محمد والد ميريهان ووالدتها وآسر الذي كان في أشد حالات البؤس، إلى الآن لا يصدق أنه فقدها للأبد. انتهت مراسم العزاء وعاد محمد في المساء إلى ألمانيا مرة أخرى للحاق بمودة، فقلبه يؤلمه كثيرًا عليها ويخشى فراقها هي الأخرى.

بينما قام أدهم بتوصيل آسر ووالده إلى منزلهما، أما والدة مودة أقامت بفندق لتعود في الصباح الباكر إلى جدة بالمملكة العربية السعودية. في تمام الثامنة مساءً عاد أدهم إلى المنزل وتتجلى علامات الإرهاق على ملامحه، وبمجرد أن رأته ريم تدلف من باب الشقة صرخت باسمه ثم ركضت إليه تحتضنه بشدة وهو أيضًا يشدد من احتضانه لها وهو يضحك ويقول: ـ وحشتيني يا شقية انتي، وحشتيني أوي. ـ وأنت كمان يا حبيبي وحشتني أوي.

ابتعد عنها ثم أحاط كتفها بذراعه وسارا سويا لغرفة الاستقبال وهو يسألها بدهشة: ـ أنتي جيتي امتى؟ وإزاي معرفتنيش؟ أجابته بغضب مصطنع: ـ ما سيادتك مبتردش يا بيه، شوف موبايلك كدا هتعرف رنيت ولا لأ؟ استل هاتفه من جيب بنطاله وهو يقول بتذكر: ـ أيوه صح أنا كنت عامل silent عشان العزا بس نسيت خالص أبص عليه.

أخذ يتفقد سجل المكالمات الفائتة ليجد عدة مكالمات من ريم وأخرى من والدته وأيضًا مكالمة واحدة فائتة من ندى، فابتسم بسخرية لذلك فيبدو أنها لم تحاول إعادة الاتصال به حين لم يرد عليها. وصلا إلى الغرفة ليجد والدته وندى يجلسان سويا في انتظاره، انحنى يقبل يد والدته ثم اتجه إلى ندى وألقى عليها تحية السلام ثم جلس بجوارها ليهمس لها: ـ ازيك عاملة إيه؟ أومأت وهي تقول ببسمة خجلى: ـ كويسة الحمدلله. حمحم ثم قال محاولًا

تبرير عدم رده عليها: ـ على فكرة الفون كان صامت لما رنيتي عليا ولسه شايفه حالا. هزت رأسها عدة مرات ثم أجابته بخفوت: ـ أنا كنت بطمن عليك بس لما اتأخرت أوي. أومأ وشعور بسعادة لا يعرف سببها يغمره، أو ربما راحة نفسية لا يدري. أن تهتم به ملاك كـ"ندى" فهو شيء يدعو للارتياح.

كانت والدته وأخته يراقبان ويتغامزان عليهما، فريم لأول مرة ترى شقيقها يتحدث بتلك الرقة ويبرر دون أن يوجه إليه اللوم. حقًا رأته شخصًا آخر، فحتى حين كان مرتبطًا بـ دارين لم يكن بتلك الحالمية بتاتًا البتة. ـ سيدي يا سيدي على أدهم باشا الحبيب. التقط الوسادة من جانبه فألقاها بها وهو يقول: ـ امشي يا حقودة انتي. ضحكت ريم وهي تلتقط الوسادة ومن ثم ضحكوا جميعًا، فنهض أدهم وهو يقول:

ـ أنا هدخل آخد شاور وأغير هدومي وأرجعلك يا دكتورة ريم عشان تحكيلي على اللي حصل معاكي في الصعيد. أومأت ريم وهي تفكر من أين تبدأ له حكايتها مع معتصم وبأي كلمات سوف تصفه بها وكيف ستسرد له طلبه الزواج بها. ـ قومي مع أدهم يا ندى. قالتها السيدة تيسير لتنظر ندى لها بتردد في بادئ الأمر ثم لم تجد بدا من الاستجابة لأمرها. دلف أدهم غرفته وكاد أن يغلق الباب فتفاجأ بندى تدفعه، فنظر لها باستفهام فقالت له بارتباك:

ـ دي ماما تيسير قالتلي أجيلك عشان لو احتاجت حاجة. أغلق الباب من خلفها ثم سبقها ليجلس بتعب على حافة الفراش، ولكن ندى مازالت واقفة متسمرة بمكانها بجانب الباب ليهتف بها: ـ ندى ممكن بعد إذنك تدلكي رقبتي؟

أومأت وهي تبتلع ريقها بصعوبة من فرط التوتر، فقربه الزائد يربكها للغاية، أما هو بدأ في فك أزرار قميصه ثم خلعه لتعتلي ندى الفراش وتجلس خلفه ثم تبدأ في تدليك كتفيه. تشنجت عضلاته أثر لمستها الأولى لتشعر بتيبسها تحت يديها، ولكن أخذ نفسًا عميقًا يحاول تهدئة مشاعره التي تولدت بداخله إثر قربها منه ثم بدأت عضلاته ترتخي رويدًا رويدًا تحت لمساتها الحنونة وبقيا على ذلك دقيقة أو دقيقتان. ـ أنتي شاطرة أوي في المساچ. ضحكت

رغما عنها ثم قالت بجدية: ـ اممم… كنت بعمل مساج لبابا دايما لأكتافه ورقته لحد ما بقيت خبرة. ضحك أدهم ثم باغتها بمسك يديها وهي خلفه ثم قبل باطنهما: ـ شكرًا، تسلم إيديكي.

تسمرت ندى من فعلته، بينما هو نهض وهو يحاول السيطرة على مشاعره التي تدفعه لاحتضانها وسحقها بين ذراعيه، ثم التقط ملابسه من الخزانة واتجه مباشرة إلى المرحاض دون أن يلتفت إليها، بينما بقيت هي تهدئ من نبضاتها المتلاحقة. إنه يسحبها إلى دوامة عشقه بأفعاله دون أن يشعر. وهل كان ينقصها عشق فوق العشق الذي يغمر قلبها!

بعد قليل خرج من المرحاض مرتديًا ملابس بيتية مريحة، وكانت ندى حينئذٍ تمشط شعرها أمام المرآة، فوقف خلفها وكان أطول منها قامة والتقط فرشاته وأخذ يمشط شعره وهو ينظر لها بتأمل في المرآة، الأمر الذي أربكها، فوضعت فرشاتها وتنحت لتفسح له ولكن قيدها بذراعيه يوقفها ثم تحدث إليها عبر المرآة وهو خلفها:

ـ مش عارف ليه حاسس إنك مش قادرة تتعودي عليا، مع إني اتعودت عليكي بسرعة مكنتش متوقعها من نفسي، بس يمكن عشان انتي إنسانة نقية أوي وتتحبي بسرعة. استدارت لتواجهه ولكنها بمجرد أن نظرت إلى عينيه المسلطة في عينيها تاهت منها الكلمات. إلى متى سيطغى حبه على قلبها ويعجز عقلها حتى عن التفكير؟ فقط دقاته تتسارع في حضرته وعينيها تتعطش لرؤيته. ـ اتكلمي يا ندى، ساكتة ليه. أجلت حنجرتها ثم حاولت أن تتحلى بالجدية:

ـ أدهم سبق وقلتلك إنك شخصية مميزة وأي بنت تتمناك، بس اعذرني ظروف جوازنا غريبة شوية ومن ناحية تانية بحاول أتأقلم على الحياة بدون بابا. بابا كان ومازال هو كل حاجة بالنسبالي وفراقه مأثر فيا جدًا. هز رأسه عدة مرات بتفهم: ـ أنا مقدر الظروف دي طبعًا وإن شاء الله الفراق ميطولش و… لم يكد يكمل عبارته حتى قاطعه رنين هاتفه، فذهب ناحية الفراش والتقطه ثم فتح الخط ليجيب: ـ ألو… أيوه يا باشا. انتداب؟ بكرة؟ وحضرتك بتبلغني دلوقتي؟

تمام تمام… تمام. شكرًا مع السلامة. أقبلت عليه ندى لتستفسر منه بقلق: ـ خير يا أدهم. مال شكلك اتغير كدا ليه؟ رد بملامح متجهمة: ـ بلغوني إني طالع انتداب لجنوب سينا لمدة أسبوعين. انفرج فمها بصدمة وتجهمت ملامحها بحزن بالغ حتى كادت أن تبكي، فكيف ستتحمل فراقه بعدما تقربت منه حتى كاد حلمها باندماجها معه أن يتحقق. لاحظ شرودها وتجهم وجهها فاقترب منها وقام بلف ذراعه حول خصرها ليضم جسدها إلى جسده قليلًا ثم قال وهو

ينظر لها بحزن حاول إخفاءه: ـ عادي يا ندى أنا متعود على كدا، مش أول مرة يعني. هزت رأسها وهي تجاهد عينيها لألا تبكي ثم قالت بصوت متحشرج: ـ تروح وترجع بالسلامة إن شاء الله. قبل مقدمة رأسها ثم تركها واتجه نحو الخزانة ليستخرج منها حقيبة سفر، فأقبلت عليه: ـ أنا ممكن أساعدك في تجهيز الشنطة. هز رأسه بالإيجاب وقاما معًا بترتيب الملابس وغيره من متعلقاته الشخصية.

بعد حوالي ساعة انتظرته ريم خلالها لإخباره بأمر معتصم، أقبل عليها أخيرًا وجلس بجوارها لتقول له بتأفف وضيق: ـ إيه يا أدهم؟ كل دا بتاخد شاور وبتغير؟ نهرتها أمها بنظرة زاجرة: ـ بنت عيب كدا. ضحك أدهم وهو يقول: ـ سيبيها تتكلم براحتها يا ماما. ثم قرصها من وجنتها بمزاح: ـ كنت بجهز شنطتي عشان مسافر بكرة يا غلباوية انتي. شهقت بخفوت ثم سألته بحزن: ـ مسافر فين؟ هو أنا أرجع انت تسافر؟

ـ لسه جايلي مكالمة من الإدارة بلغوني بأمر انتداب مؤقت لمدة أسبوعين في جنوب سينا. تهدل كتفاها بإحباط بالغ ثم تمتمت بحزن: ـ تروح وتيجي بالسلامة يا حبيبي. أمنت أمها على دعائها ثم قالت: ـ خلي بالك من نفسك يا أدهم وطمنا عليك طول الوقت يابني. ـ حاضر يا ماما، وأنتو كمان خلوا بالكم من نفسكم وخلي بالك من ندى يا ماما. ـ ندى في عيني يا حبيبي. وكزته ريم بكتفها: ـ أيوه يا عم بقى ليك حد نوصلك عليه. ـ عقبالك يا حقودة.

ـ جينا بقى لمربط الفرس. ـ خير. اعتدلت في جلستها لتكون بمواجهته ثم أجلت حنجرتها لتتحدث بتوتر طفيف مع قليل من الخجل: ـ طبعًا أنت عارف معتصم اللي كلمك قبل كدا عشان يطمنك إن حادثة السرقة دي مش هتتكرر تاني، فاكره؟ سكت لوهلة يتذكره ثم ضيق عينيه بترقب: ـ اممم. آه افتكرته، كبير البلد اللي قولتيلي عليه. أخذت تلوح بيديها بحركة دائرية: ـ هو مش كبير أوي يعني، أقصد كبير مقامًا بس مش كبير سنًا، هو تقريبًا قدك في العمر.

ـ اممم. آه وبعدين. أخذت تفرك كفيها بتوتر ملحوظ ثم استرسلت: ـ هو على فكرة خريج كلية اقتصاد وعلوم سياسية وعنده شركة ومصنع بيديرهم هو وأخوه هنا في القاهرة وشخصية متحضرة جدًا، وفي نفس الوقت هو يعتبر حاكم البلد بتاعته وعنده أملاك كتير فيها. ـ اممم. جميل، وإيه تاني. ـ هو كان طلب يتقدملي وأنا طبعًا مقولتلهوش رأيي واستنيت لما أقولك وفهمته إن موافقتك قبل موافقتي.

سكت أدهم مليًا يدير حديثها عنه في رأسه، وقرر أنه لن يسلم أخته الغالية لمجهول مهما كان رأيها وقناعتها فيه. ـ واضح من طريقة كلامك عنه إنك ميالة ليه. ـ بصراحة يا أدهم هو لما حكالي عن مشوار حياته انبهرت بيه وحسيته شخصية من الشخصيات النادرة والناجحة رغم صغر سنه. انتفخت أوداجه بغضب ثم قال بنبرة مخيفة: ـ اممم. واضح كمان إنك كنتي بتقعدي معاه وتحكي له ويحكيلك. ابتلعت ريقها بصعوبة لتقول بتوضيح:

ـ لا يا أدهم أنت عارفني كويس، دي كانت مرة واحدة بس اللي حكالي فيها عن نفسه لما استضافني في مضيفة بيته بعد حادثة السرقة ومقعدتش بعدها غير يومين تقريبًا وقررت النهاردة إني أرجع. وعلى فكرة هو لسه مكلمني على موضوع طلب الجواز دا النهاردة قبل ما أسافر. هز رأسه عدة مرات ثم قال بجدية:

ـ وأنا لو مش واثق فيكي يا ريم كان هيكون ليا تصرف تاني. أنا من حيث المبدأ معنديش اعتراض طالما أنتي شايفاه كويس، بس دا ميمنعش إني لازم أقابله وأتعرف عليه وعلى عيلته وبعدين نبلغه برأينا النهائي. أحست بقليل من الارتياح، فهو محق في قراره تمامًا وطالما أدهم وكيلها بعد الله فلا مجال للقلق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...