بالكاد استطاع أدهم أن يصل المقهى بالموعد المحدد ليجد دارين تشير له، فسار تجاهها ومن ثم تبادل معها التحية وجلس قبالتها. أخذت تنظر له باشتياق بالغ لم يخفى عليه، ولكن لم ينزعج من ذلك، فهو يدرك جيدا مدى حبها له ويعلم أن حبها له أضعاف مقدار حبه لها، هذا إن كان قد أحبها بالأساس. "ازيك يا أدهم… انت وحشتني اوي." أجابها بنبرة عادية حتى لا يعطي لها أملا في الرجوع: "وانتي كمان… اخبارك ايه واخبار والدك ووالدتك."
"احنا تمام الحمد لله." "ها؟! .. ايه بقى الموضوع اللي كنتي عايزاني عشانه؟! زمت شفتيها بانزعاج لتقول بحزن مصطنع: "ايه دا علطول كدا؟! … طاب مش هعزمك الأول على حاجة نشربها؟! لم تنتظر رده حتى لا تترك له حرية اختيار المشروب فأسرعت تقول وهي تشير للنادل: "هطلبلك عصير فراولة.. انا عارفة انك بتحبه.." أومأ موافقا ليأتي النادل يقف أمامهما بتوتر لاحظه أدهم الأمر الذي أثار دهشته، فطلبت منه دارين كوبين من العصير فأومأ وانصرف بسرعة.
بعد قليل أتى النادل بالكوبين ليضع كوب أدهم أمامه ويديه ترتجفان حتى كاد أن يسقط الكوب، فأخذت دارين تصطك فكيها من الغيظ، فأحس أدهم بوجود خطب ما، ويبدو أن دارين على معرفة بهذا النادل، فقد لمح تلك النظرة المحذرة التي صدرت منها تجاهه وبحنكته وذكائه أيقن أنها نصبت له فخا ما والعصير هو الوسيلة. رفع أدهم رأسه ليشكر النادل لينظر له بنظرة ثاقبة قرأ فيها خوفه وتردده لتؤكد له تلك النظرة شكوكه.
نظر لـ دارين نظرة تحليلية غامضة في انتظار سرد طلبها، فحمحمت بتوتر ثم قالت: "طاب تعالى نشرب العصير الأول.." قالتها وهي تأخذ رشفة من كوبها ولكن رفع حاجبيه قائلا ببسمة مصطنعة حتى لا تشعر أنه اكتشف أمرها: "هشرب طبعاً يا داري.. بس حابب اسمعك الأول.." ابتلعت ريقها ثم أردفت بنبرة مهتزة:
"في واحدة صاحبتي أخوها داخل الجيش داخلية ولما عرفت ان في بينا سابق معرفة اترجتني تتوسطله عشان تجيبه في مكان قريب من اقامته.. فأكدتلها اني هكلمك وان انت اكيد مش هترفض تقدم لي الخدمة دي.." كانت تتحدث ويديها أمامها على الطاولة تفركهما بتوتر مستمر فامتدت يده ليضعها على يديها يوقف بها رجفتهما، الأمر الذي جعل عينيها تجحظ من الدهشة ليقول بنبرة رقيقة مع ابتسامة تبدو حالمة: "اهدي.. الموضوع مش مستاهل التوتر دا كله."
ثم سحب يده لترتطم بالكوب وكأنه بدون قصد ولكن في الحقيقة فعل تلك الحركة خصيصا ليسكب الكوب بطريقة تبدو عفوية، وما إن انسكب الكوب على الطاولة حتى ابتعد سريعا قبل أن تبتل ملابسه بينما دارين شهقت بصوت عال حسرة على ضياع خطتها اللئيمة، فأخذ أدهم يقول بلا اكتراث: "مش مهم… حصل خير.. ماليش نصيب فيه." أخذت تهز رأسها وهي تكاد تبكي، ولكنها حاولت أن تبدو طبيعية، فنهض ادهم ثم وضع بضع ورقات مالية على الطاولة وهو يقول:
"انا مضطر امشي يا داري لأني تعبان اوي وعايز انام… ابعتيلي بس بيانات اخو صحبتك ع الواتس واعتباري الموضوع خلصان… باي.." انصرف مغادرا من أمامها على عجل بينما هي بقيت تنظر في أثره بضياع ولم تقوى على التفوه بأي كلمة من فرط الصدمة.
أما أدهم ركب سيارته وسار بها بضع خطوات بعيدا عن المقهى ثم وقف بضع دقائق يراقب خروجها، وبمجرد أن تأكد من خروجها وابتعادها بسيارتها عن محيط المقهى، صف سيارته ثم ترجل منها عائدا مرة أخرى إلى المقهى لينادي ذلك النادل الذي قدم له العصير، وبمجرد أن أتاه قبض على ذراعه ثم استخرج من جيب قميصه بطاقة التعريف خاصته ليشيرها في وجهه وهو يسدد إليه نظرة نارية ويقول بنبرة شديدة اللهجة:
"انا الرائد أدهم برهام.. بهدوء كدا وبدون ما تضطرني اني استخدم معاك العنف قولي بالظبط الانسة اللي كانت قاعدة معايا كانت متفقة معاك على ايه؟! ارتجفت أوصال النادل وتعرق جسده من الخوف ثم قال بصوت متلجلج:
"والله يا باشا انا معرفهاش… هي جات وقالتلي عايزاك تحط من الازازة دي على العصير بتاعك… و و و قالتلي انك جوزها ودا سحر عايزاك تشربه عشان ترجعلها.. واترجتني اساعدها… و و و عرضت عليا ٢٠٠٠ جنيه… و و انا أخدتهم وعملت زي ما قالتلي…" نظر له أدهم بصدمة، فلم يخطر بباله أن دارين قد تلجأ إلى تلك الطرق المتخلفة البعيدة كل البعد عن تحضرها ومستواها الاجتماعي العالي.
ركب سيارته وانطلق إلى حيث لا يدري. دارت بذاكرته أحداث قديمة ربطها بما حدث اليوم، إذن إعجابه بها وخطبته لها سابقا كان مدبرا، هل تلك المشاعر المتناقضة تجاهها بفعل ما سقته له من قبل؟ وكيف وهو أدهم أدهى ضابط في العمليات الخاصة الذي تخشاه أعتى عصابات المافيا يقع في ذلك الفخ التافه من فتاة تافهة كـ دارين؟ وكانت تلك الفكرة أكثر ما جعلته يكاد يجن. كيف استطاعت خداعه بتلك السهولة؟ أين كان عقله ودهائه؟
أين كانت عيناه اللتان تلتقطان أبسط الأشياء وتلفت نظره أدق التفاصيل؟ وألف سؤال يسأله لنفسه وهو يأكل نفسه من الغضب ويدور في الطرقات بلا وجهة محددة. في محافظة سوهاج. دلف بها سريعا إلى غرفتها بالمضيفة تحت أنظار السيدات بالدوار ومنهن أمه وأخته ومارتينا، ثم وضعها برفق بالغ على الفراش وكانت حينئذ قد فقدت وعيها. "مارتينا بسرعة شوفي رجليها فيها عضة كلب." شهقت مارتينا برعب بالتزامن مع صدمة أمه وأخته، وأخذت تقول بقلق:
"لازم نغسل مكان العضة بمية وصابون.. وفي عندنا في الوحدة مصل لعضة الكلب لو ممكن حد ييجي معايا افتح وأجيب لها حقنة بسرعة أديهالها.." رد عليها بلهفة: "طاب بسرعة روحي وهبعت معاكي سمعان واتنين كمان من الرجالة.." بينما عائشة تدخلت بقولها: "على ما ترجعي بالحجنة هكون فوجتها وساعدتها تتحمم وتغير خلجاتها اللي كلها طينة وترابة دياتي." أومأت ثم خرجت مسرعة بعدما قام معتصم باصدار أوامره لخفيره. نظر لأمه ثم قال بارهاق:
"أني طالع أتحمم وأغير خلجاتي يامايا… وهبابة أكده وهعاود أطمن عليها." أومأت أمه بصمت وهي تتأمله بنظرة ذات مغزى، فلم يخفى عليها تحوله مع تلك الفتاة وخوفه الزائد عليها. تهرب من نظراتها ثم استدار مغادرا المضيفة.
بعد نصف ساعة كان قد أنهى حمامه ثم صلى المغرب والعشاء ومن ثم سجد شكرا لله أن نجى ريم من الهلاك. جلس على الأريكة الصغيرة الكائنة بركن الغرفة وبعد عدة دقائق قضاها في التفكير في ريم وما مر به من أحداث معها منذ أول يوم رآها، أتاه صوت طرقات خفيفة على الباب ليأذن للطارق بالدخول فإذا بها عائشة أخته. "تعالي يا عيشة…" أقبلت عليه حتى جلست جواره بالأريكة وقبل أن تفتح فمها سألها بلهفة: "ريم عاملة ايه دلوقتي؟! نظرت له
نظرة مطولة ثم قالت بحدة: "انت مالك ملهوف عليها كدا ليه يا معتصم… دا انت كنت هتموت روحك عشانها." نهض بعصبية ليوليها ظهره هاتفا بحدة: "ضيفة في داري يا عيشة.. واي حاجة تمسها هتبقى في وشي انا." نهضت لتقف خلفه وتسأله بسخرية: "ضيفة برضو يا معتصم؟! .. انت فاكر ان انا هصدق الكلام دا؟! استدار ليكون بمواجهتها ثم هتف بجدية: "ايوة ضيفة….. وعشان تستريحي اه اللي في دماغك صحيح وانا بحبها." اتسعت عينيها بصدمة لتقول بترقب: "ونرمين؟!
.. مراتك؟! رد عليها بنبرة منهزمة: "انا عمري ما حبيت نرمين وانتِ عارفة كدا كويس… اه اتجوزتها بكامل ارادتي بس عمري ما حسيت انها تخصني زي ما حسيت مع ريم… عمري ما قلبي اتلهف عليها زي ما اتلهف على ريم… عمري ما استنيت اشوفها بفارغ الصبر زي ما بيحصل مع ريم.. ريم هي اللي قلبي دقلها يا عيشة.. هي اللي ملكت قلبي بجد." هتفت به بانفعال بالغ: "أومال اتجوزت نرمين ليه من الأساس؟!
.. احنا كلنا كنا ضد الجوازة دي من الأول… انا وهشام وحمد حذرناك وقولنالك مسيرك هتقابل اللي تحبها… انت اللي كنت واثق في نفسك اوي وقولت ان الحب دا كلام فارغ مش سهل تقع فيه… جاي دلوقتي تقولي بحبها؟! أجابها بانفعال مماثل: "واظن انتي عارفة كويس سبب جوازي من نرمين… قولتك ميت مرة اتجوزتها عشان أعف نفسي وعشان معملش حاجة في الحرام… نرمين بالنسبالي كانت جوازة سهلة بدون مسؤوليات ولا خلفة ولا وجع دماغ…"
"بس اللي خلانا نوافقك انك أقنعتنا انك هتتجوز بنت من بنات الأعيان في البلد وهتخليها في الدوار مع امي وانت هتنزلها كل شوية البلد وهتكون هي مراتك قدام امك والعيلة وناس البلد كلها… وحتى لو عرفت انك متجوز مش هتكون مشكلة كبيرة لأن تعدد الزوجات مقبول في الصعيد… انما الدكتورة ريم بجلالة قدرها هتقبل بكدا يا سي معتصم؟! سكت مليا يفكر بملامح مهمومة ثم قال بنبرة يشوبها الشجن: "قبل ما اتجوزها هكون طلقت نرمين.." "نعم؟!
.. بالسهولة دي؟! .. وانت فاكر انك لما تطلقها هتكون كدا خلصت منها؟! سكتت تراقب ردة فعله ثم استرسلت بمزيد من الضغط: "نرمين مش سهلة يا معتصم.. دي هتقلب الدنيا عاليها واطيها لو عرفت انك هتطلقها عشان بتحب واحدة تانية.. خاصة بعد ما حبتك واتعلقت بيك.." صاح بها بغضب: "وانتي فاكراني هخاف من حشرة زي دي؟! "متنساش ان الحشرة دي هي اللي وقفت شركتك على رجليها… وفي ايديها تخسف بيك الارض." رد بثقة زائدة وهو يناظرها بتحدي:
"لسة متخلقتش اللي يقدر يهزم معتصم البدري يا عيشة… وان كان على الشركة… انا هعرف إزاي أقومها بدون ما أعتمد على شراكتها." سكتت تصتك فكيها من الغيظ ثم ما لبثت أن اقتربت منه وأسندت كفها على كتفه لتقول بحنو:
"أنا خايفة عليك يا معتصم… علاقتك بريم هتخسرك كتير ومش هتستمر… ارجع لعقلك واعمل زي ما كنت ناوي… شوفلك بنت حلوة وصغيرة من بنات العمدة ولا من أي عيلة كبيرة واتجوزها… صدقني هتنسيك ريم ودنيتك هتمشي زي ما كنت مخطط.. وجوازك من نرمين مش هيأثر على حياتك… كدا كدا هي عقيم ومش هتجيبلك عيال تساومك بيهم… دا غير إن هي متقبلة جوازكم بكل ما فيه ومعندهاش مشكلة لو اتجوزت بنت بلدك طالما مش هتحرمها منك…"
تنهد بعمق ثم رفع عينيه للسماء وكأنه يناجيها لتتركه وشأنه ثم عاد لينظر لها مجددا بتوسل: "عشان خاطري يا عيشة سيبيني دلوقتي… انا بجد تعبان ومتلخبط وحاسس ان الدنيا بتلف بيا من كتر التفكير… مش قادر أفكر ولا آخد قرار.. عايز ابقى لوحدي شوية." هزت رأسها بايجاب بعدما أشفقت على حالة التخبط التي أصابته ثم قالت وهي تربت على كتفه: "أنا بس حبيت ألفت نظرك للي هيحصل… والقرار بعد كدا في ايدك انت…"
ثم تركته تائها هكذا وغادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها. عودة للقاهرة. عاد أدهم في ساعة متأخرة من الليل وكانت أمه في استقباله، فلم تستطع النوم من فرط قلقها عليه. "حمد الله على سلامتك يا حبيبي.." قبل مقدمة رأسها وهو يقول: "الله يسلمك يا حبيبتي… صاحية ليه لحد دلوقتي؟! "كنت مستنياك… مالك يا أدهم شكلك متغير كدا ليه.. في حاجة مزعلاك يا حبيبي؟! أخذ يتهرب من مرأى عينيها وهو يقول:
"مفيش حاجة يا ماما… دا عشان بس آسر لسه مكلمني وقالي ان ميريهان اتوفت وباباها هيرجع بالجثة بكرة من ألمانيا عشان يدفنها… وطبعا آسر منهار على الآخر ومش قادر أعمله حاجة." أخذت تهز رأسها بحزن وهي تردد الحوقلة وتدعو له بالصبر. "بعد اذنك يا ماما.. انا داخل أنام." سار باتجاه غرفته فاستوقفته هاتفة: "رايح فين يابني… ندى نايمة في أوضتها." هز رأسه بلا اهتمام متمتما: "تمام براحتها… انا هنام في أوضتي." هزت رأسها بعدم رضا وهي تقول:
"ايه الكلام دا بقى… انتو زعلانين من بعض ولا ايه؟! "لا أبدا يا ماما أنا بس مش عايز أقلقها وأصحيها." "خلاص روح نام انت في أوضتها المرادي… انا والله مش عارفة ايه اللي غير رأيك وسيبتو الأوضة اللي كنا مجهزينها ليكو ورجعت لأوضتك." "عادي يا ماما بنغير." ربتت على كتفه بحنو وهي تقول: "خلاص يا حبيبي نام جنبها عشان متفتكرش انك زعلان منها… اسمع مني أنا عارفة الستات بتفكر إزاي.." ضحك أدهم ثم قال بقلة حيلة:
"حاضر يا ست الكل… انتي أدرى." ثم تركها واتجه إلى غرفة ندى ومن حسن حظه أن خزانتها بها ملابس له منذ أول ليلة لهما. فتح الباب بهدوء ليجدها نائمة في وسط الفراش بأريحية فلا مكان له بجوارها، الأمر الذي جعله يبتسم بسخرية، فدلف وأغلق الباب خلفه بهدوء ثم خلع ملابسه وأخذ منشفة واتجه مباشرة إلى الحمام الصغير الملحق بالغرفة.
بعد عدة دقائق خرج من المرحاض مرتديا ملابس النوم ثم وقف أمامها حائرا، فإنها تحتل أكثر من ثلاثة أرباع الفراش… هل يوقظها لتنام على الحافة؟! .. ولكن في النهاية أشفق عليها، فإن استيقظت ستقيد نفسها عند حافة الفراش ولن تنعم بنوم هانئ كما حالها الآن… فاهتدى لأن ينام بالأريكة المقابلة للفراش فهي أيضا واسعة تستوعب جسده. وبمجرد أن تمدد عليها حاول نسيان كل ما مر به بذلك اليوم الطويل ليسقط سريعا في النوم دون أن يدري.
لم ينم ليلته من فرط التفكير وحين بدأت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر السماء لتنير الأرض ارتدى تيشيرت وبنطال منزلي ثم هبط إلى اسطبل الخيول ليختلي بنفسه بعد ليلة عسيرة قضاها في التفكير في أسوأ الاحتمالات التي قد تحدث لاحقا خاصة بعد حديث أخته الخطير ليلة أمس.
استند بظهره إلى النافذة التي تطل منها رأس مهرته الصغيرة ثم شرد في ملكوت آخر لبعض الوقت لدرجة أنه لا يدري كم مرت عليه من الدقائق أو ربما ساعات وهو على تلك الحالة من الشرود. ثم فجأة ظهرت له ريم من العدم مقبلة عليه بملامح ذابلة وتسير ببطء بسبب جرح كاحلها أو ربما من فرط هزالها، فأطرق رأسه بخجل وكأنه هو سبب ما يحدث لها أو ربما لأنه دائما كان يصل متأخرا.
حين وجدته مطرق الرأس حين رآها فهمت أنه يشعر بالذنب تجاهها، فوقفت أمامه تماما وهو مائلا بظهره على الحائط من خلفه ثم قالت بملامح خاوية: "صباح الخير يا معتصم بيه.." رفع عينيه لينظر لها بحزن وينقبض قلبه حين ظهر له شحوب وجهها ثم تحدث بنبرة متعبة: "أولا صباح النور… ثانيا قولتلك قبل كدا قوليلي معتصم بس." أخذت تفرك كفيها بتوتر ثم قالت ببسمة تبدو مصطنعة: "مش هتفرق كتير لأننا مش هنتقابل تاني."
قطب جبينه باستنكار في انتظار توضيحها، لتأخذ ريم نفسا عميقا ثم تقول بحزن طغى على نبرتها: "أنا هرجع القاهرة والمرادي هقدم طلب نقل بجد.. وقبل ما تقول أي حاجة أنا بشكرك على حسن ضيافتك ومساعدتك ليا… مش عارفة لو مكنتش لحقتني سواء في الحادثة الأولى أو التانية كان ممكن يجرالي ايه.. أنا مش هنسى اللي عملته معايا طول عمري.. انت مالكش ذنب في اللي حصلي ومتحملش نفسك فوق طاقتها.."
لم يتفاجأ كثيرا بكلامها فهو توقعه تماما وهذا أكثر ما آلمه وجعل النوم يجافيه، فكيف يُكن لها كل ذلك العشق وفي ذات الوقت ترحل عنه… أترحل بعدما امتلكت قلبه وكيانه… أترحل بعدما تعلقت روحه بها؟ رد عليها بذات النبرة البائسة وكأنه يتوسل إليها: "طاب خليكي لحد ما رجلك تبقى كويسة وتخلصي مدة الحقن… عشان حتى أهلك ميقلقوش عليكي." أطرقت رأسها مليا ثم عادت تنظر له: "هعالج نفسي… انت نسيت اني دكتورة ولا ايه؟!
… وإن كان على أهلي مش هقلقهم وأقولهم على اللي حصل طبعاً… هقولهم اني وقعت واتعورت." أشاح بناظريه للجهة الأخرى ينظر بعشوائية كناية عن انهياره داخليا ثم عاد ينظر إليها مردفا بوجع: "للدرجادي مش طايقة تقعدي معانا؟! أجابته بلهفة: "لا طبعاً متقولش كدا… بس أنا فعلا خلاص اتقفلت من الشغل هنا ومش هقدر أكمل شغل تاني اللي هو أساس وجودي في البلد." هز رأسه عدة مرات دون أن يتفوه بشيء، فأردفت تودعه وهي تتحاشى النظر في عينيه:
"أشوف وشك بخير يا معتصم… وشكرا مرة تانية.." قالت عبارتها واستدارت سريعا لتغادر قبل أن توقفها نظرته الراجية، بينما هو لم يتحرك قيد أنملة وكأنه تحول لصنم، يفكر في نهاية طريقه معها الذي لم يبدأ من الأساس… هل انتهى كل شيء هكذا بسهولة؟ وكأنه استفاق لتوه من حالة السكون التي أصابته، فهتف بعلو صوته حين ابتعدت عنه مقدار ثلاث خطوات: "تتجوزيني يا ريم؟!
توقفت عن السير من فرط المفاجأة ولكنها لم تلتفت له، فاسترسل مردفا بجدية تامة بعدما اعتدل في وقفته ومازالت مدبرة عنه: "مش عايز رد منك دلوقتي… خدي وقتك في التفكير… حتى لو رجعتي بيتك هستنى ردك.. هيفضل الباب بينا موارب مش هيتقفل أبدا." من فرط مفاجأتها لم تدري بما عليها أن ترد، فاستدارت إليه ليسترسل حديثه بمزيد من الجدية حتى لا يترك لها فرصة للرفض:
"أظن انتي عرفتي عني كل حاجة.. وأنا قدامك أهو لو عايزة تعرفي أي حاجة تانية.. ولو على الإقامة.. هتكون إقامتنا في البلد قليلة وأكتر الأيام هنقضيها في القاهرة.." هزت رأسها عدة مرات ثم أجابته بتوتر ملحوظ: "هفكر وأرد عليك." ثم استدارت لتغادر سريعا بارتباك قبل أن يتفوه بالمزيد.
بينما معتصم بقي ينظر في أثرها بملامح مهمومة، فرغم تخطيطه لذلك الطلب الذي طلبه منها إلا أنه لم يكن يريد التسرع في ذلك الأمر قبل تسوية أموره مع نرمين حتى لا يخدع ريم… ولكن أمر رحيلها هو ما فرض عليه أن يبكر بذلك قبل أن يفقدها تماما… لقد أصبح موقفه أمامها صعب بالفعل… موقف لا يحسد عليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!