تحميل رواية «محسنين الغرام» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت نغم تستقل الترام كما جرت العادة كل يوم خلال عودتها من عملها، تقف شاردةً، لديها من الهموم ما يكفيها لكي تنفصل عن الواقع المحيط بها وتنخرط في عالم آخر لا يشاركها به أحد، هي وخيالها فقط! تفكر فيما سيؤول إليه حالها بعد أن تركت عملها الذي كان هو مصدر رزقها الوحيد والذي تعول من خلاله خالتها المريضة، بالإضافة إلى همها الأكبر والذي يجعلها تقضي الليل كله في شرود وحيرة، وهو عودة حسن، كابوس حياتها، والذي بالتأكيد سيفصل عنقها عن جسدها عندما يخرج ويعرف أنها من تسببت في سجنه! تنهدت وهي تعيد شعرها للوراء...
رواية محسنين الغرام الفصل الأول 1 - بقلم نعمة حسن
كانت نغم تستقل الترام كما جرت العادة كل يوم خلال عودتها من عملها، تقف شاردةً، لديها من الهموم ما يكفيها لكي تنفصل عن الواقع المحيط بها وتنخرط في عالم آخر لا يشاركها به أحد، هي وخيالها فقط!
تفكر فيما سيؤول إليه حالها بعد أن تركت عملها الذي كان هو مصدر رزقها الوحيد والذي تعول من خلاله خالتها المريضة، بالإضافة إلى همها الأكبر والذي يجعلها تقضي الليل كله في شرود وحيرة، وهو عودة حسن، كابوس حياتها، والذي بالتأكيد سيفصل عنقها عن جسدها عندما يخرج ويعرف أنها من تسببت في سجنه!
تنهدت وهي تعيد شعرها للوراء بعشوائية وإذ بها تصطدم فجأة بسيدة أربعينية كانت تستعد للنزول فصاحت بها صيحة معترضة وقالت بانفعال:
ـ مش تفتحي!! ماشية واخدة في وشك شبه القطر كده ليه؟!
لم تُعِرها الأخرى اهتمامًا ونزلت في محطتها، بينما ظلت هي واقفة تذهب بخيالها يمينًا وتغدو شمالا وتتمتم بقلة حيلة:
ـ طب وبعدين!
ارتفع رنين هاتفها فأمسكته بين يديها تطالع اسم المتصل بعجز، وفجأة التفتت إلى الواقف بجوارها لتجده يشرئب برأسه ويدس عينيه وأنفه الطويل في هاتفها لتنظر إليه متعجبةً وهي تقول:
ـ في حاجة؟
ـ موديل كام ده؟
سألها الرجل بتطفل فظ، يشوبه السخرية والتهكم، فبالتأكيد سيسخر من هاتفها قديم الطراز والذي يبدو كالقداحة في قبضتها، بينما السائد حاليًا هي الأجهزة التي يصل طولها وعرضها إلى طول وعرض كتاب الجيب!
ـ وإنت مال أهلك !!
أجابته بفظاظة تناسبه تمامًا، تصاحب تلك الفظاظة زاوية شفاه مرتفعة قليلة، لا.. بل كثيرا.. وهذا كان هو أسلوبها الاعتراضي الذي تلجأ إليه في المواقف المشابهة، وتبعت هذا الاعتراض بلهجة حادة حين قالت:
ـ وياريت ترجع بمناخيرك لورا شوية.
على الفور ابتعد الرجل، وفي غضون ثوان كان قد ترك لها الترام بأكمله وغادر، لتطلق هي زفرة حارة محملة بأعاصير نابعة من داخلها، ثم أخذت تتمتم بحنق فائض:
ـ ربنا يتوب عليا بقى.
ثم أسندت رأسها على القائم الحديدي من خلفها وراحت تتأمل، وكأنها تخطت الآمال وسافرت بخيالها الخصب إلى مكانٍ بعيد، ستكون فيه السيدة نغم، التي يفتح لها السائق باب السيارة، فتضع قدميها الممشوقتين بحذائها الفخم ذي الكعب العالي على الأرض، ثم تطل بجسدها الرشيق المغلف كقطعة الحلوى بأثمن الفساتين خارج السيارة، وتمسك بحقيبة يد من أشهر الماركات العالمية، وبعد ذلك بالطبع ستتقدم للداخل، نحو فيلتها الخاصة، حيث يستقبلها العشرات من الخدم والحشم يرحبون بها و يتهافتون لخدمتها وينثرون لها على الأرض وردًا.
ولكن للأسف، ذلك الخرتيت الذي اصطدم بها وهو يعبر للداخل كان كفيلًا بأن ينتشلها بقوة من خيالها الوردي ويلقيها على أعتاب واقعها الأسود وكأنه يزجرها ويقول لها انظري، أنتِ هنا!
طبعًا لقد نال الرجل نصيبه من السُّباب ولكن سرًا ، فهي لن تقوى على مجابهة ذلك الخرتيت، وجسدها النحيل لن يؤهلها لكي تخوض نِزالا معه، وبينما هي تتطلع يمينًا ويسارًا صعد إلى الترام شابًا في الثلاثين، وسيمًا بعض الشيء، ولكن مقارنةً مع الخرتيت فهو ملك جمال بالتأكيد، يرتدي بدلة مهندمة ويصفف شعره بطريقة تقليدية كموظف في الستينات، يحمل في يده حقيبة جلدية سوداء ساعدتها في تخمين ماهية عمله، فهو بالتأكيد موظف في إحدى الشركات الحكومية المحيطة، بالإضافة إلى أن ذلك الوقت هو بالفعل موعد إنتهاء جميع الخدمات الحكومية.
كان يمسح جبينه المتعرق من فينة لأخرى، على ما يبدو أنه كان لديه يومًا طويلا شاقا، ثم يتحسس جيبه بيده، وباليد الأخرى يمسك بأحد القوائم الحديدية متشبثًا بها، نظرًا لشدة الزحام فهو لن يكون محظوظا بالقدر الذي سيسمح له أن يحصل على مقعد شاغر.
نال هذا الرجل اهتمامها، وشغل بالها للحد الذي جعلها تتجاوز الركاب وتتسرب من بينهم كمن يعبر المتاهة للوصول إلى هدفه، حتى باتت قريبة منه للغاية، وفجأة التوت قدمها فترنحت ليتلقاها هو بين ذراعيه متفاجئًا، فنظرت إليه ونظر إليها، وتقابلت الأعين للحظات، دار خلالها حوارًا صامتًا، حينها تجزم أنها رأت القلوب وهي تنبعث من عينيّ ذلك الشاب الذي ظل ممسكًا بخصرها كهدية ألقت إليه من السماء وراح يردد بصوتٍ خافت:
ـ إنتِ كويسة؟!
لحظات حتى برز صوتها فتمتمت بخفوت مماثل:
ـ معلش يظهر إني دُخت.
ـ ولا يهمك..
رسمت ابتسامة بسيطة على ثغرها، ثم هزت رأسها في تحية صامتة، ونزلت من الترام فورًا وقلبها يدق كالطبل، تتسارع خطواتها حتى تحولت إلى هروله خفيف.
بينما الآخر يقف مبتسمًا ببلاهة وهو يشعر أنه كان يمثل للتو مشهدًا رومانتيكيًا من تمثيله وإخراجه ، ثم أخرج منديلا من جيبه ومسح جبينه، وأعاد المنديل إلى جيبه من جديد وأخذ يتحسس جيبه في حركة عفوية، وفجأة تحولت الابتسامة إلى صدمة، وجحظت عينيه وهو يدس يده إلى جيبه ليتأكد من وجود جزدانه، ثم يضع يده بالجيب الآخر، ثم يتحسس سترته، ويعود إلى الجيب الذي كان به الجزدان على أمل أنه يتوهم ضياعه، وعندها أدرك الحقيقة المُرة، ليصيح مستنكرًا متحسرًا:
ـ يا بنـــت الحراميــــة!!!!
” الجري نص الجدعنة ”
وهذه كانت القاعدة الأولى التي استطاع حسن أن يرسخها بذهنها، وهي تعتبر أولى المهارات التي ينبغي على أي نشال محترف تعلمها، وقد كان، ولأنها محترفة فعلا استطاعت أن تغيب عن الأنظار سريعا قبل أن يدركها الموظف ويضعها تحت عجلات الترام ويدهسها انتقاما منها على ما فعلته به.
بعد دقائق كانت قد دخلت إلى الحي الذي تقطن به، تقدمت من إحدى مكبات النفايات وأخرجت الجزدان، وفتحته لتتسع ابتسامتها عندما رأت المبلغ الموجود به والذي سيفي بالغرض بالتأكيد.
” النشل له أصول، وكذلك له مواعيد، والميعاد الأنسب على الإطلاق هو كل أول شهر، حيث تصاب جيوب الموظفين بالتخمة ”
تلك كانت القاعدة الثانية التي علمها إياها المبجل حسن، ولأنها تلميذة نجيبة مطيعة كان لزامًا عليها أن تتبع تلك القواعد وألا تحيد عنها لكي تأتي التجربة بثمارها.
دست المبلغ بجيبها، ثم ألقت بالجزدان في مكب النفايات، ثم أكملت طريقها نحو المنزل على الفور.
دخلت وهي ترسم ابتسامة عريضة على محياها، وتقدمت من غرفة خالتها التي كانت تنام على سريرها بتعب، فجثت على ركبتيها بجانب السرير وهي توقظها و تقول:
ـ خالتي، يلا عشان نروح المستشفى، اإتِ ناسية إن عندك جلسة النهارده ولا إيه؟
نظرت إليها عائشة بتعب بادٍ على ملامحها، ثم مسحت على شعرها بحنان وهي تقول:
ـ إنتِ جيتي يا نغم..
ابتسمت نغم بمشاغبة وهي تقول:
ـ لأ، لسه جاية في الطريق، مش عاوزة حاجة أجيبهالك وأنا جاية؟
ضحكت الأخرى بإرهاق وهي لازالت تمسح على شعرها بحنان لا ينضب وقالت:
ـ عاوزاكي طيبة.
أمسكت نغم بيدها تقبلها بحب صادق ولمعت عينيها بدموع لسماع تلك النبرة التي يغزوها الألم، وقالت بابتسامة مهزومة:
ـ طيب عشان أكون طيبة لازم إنتِ كمان تكوني طيبة، يلا ورانا جلسة.. وعلى ما تجهزي هطلب فتوح عشان منتأخرش.
قامت بالاتصال برقم فتوح جارهم سائق التاكسي الذي يقلهما للمستشفى كل مرة وطلبت منه أن ينتظرهما أمام المنزل، بينما نظرت إليها عائشة بتخمين وقالت:
ـ جبتي فلوس منين؟ صاحبة الكوافير وافقت تسلفك؟؟
أومأت نغم بتأكيد وقالت:
ـ أيوة..ونهضت وهي تحاول مساعدة خالتها في تبديل ملابسها، إضافة إلى أنها تهرب من نظراتها التي تخترقها وتكتشف مدى صدقها من عدمه.
ـ ست بنت حلال، ربنا يباركلها ويقعدلها كل الطيب اللي بتعمله.
كانت نغم تقف خلفها مبتسمة وهي تستمع إلى حديثها ذاك، مبتسمة بتهكم على طيبة وبساطة عقل خالتها التي اقتنعت فعلا بما قالته لها، مبتسمة بتهكم لأنها تعلم أن خالتها لو علمت بأن هذه السيدة بنت الحلال قد طردتها من العمل لأنها طلبت منها سُلفة ستلعن سابع أجدادها.
ـ كده تمـــام، فاضل الإيشارب و نبقى جاهزين.
ثم أتت بالوشاح ووضعته على رأس خالتها التي بدأ شعرها يتساقط نتيجة لجلسات العلاج الكيميائي، ثم ثبتته وهي تنظر إليها مبتسمة وتقول:
ـ يختي قمر ١٤.. أنا مش عارفة بس القمر دي تخلف عقرب زي حسن إزاي.
ضحكت عائشة من قلبها وهي تمسك بيديها وتتجه للخارج بمساعدتها وهي تقول:
ـ طب والله حسن ده مفيش أغلب منه، لولاش بس هو عصبي وحمبلي حبتين.
نظرت إليها نغم باستهجان وهي تقول:
ـ حمبلي أه، قدامي يا عيشة..
ـــــــــــــــــــــ
كما جرت العادة كل صباح يوم العطلة، لا بد أن يدخل إلى تلك الغرفة التي اتخذها مرسمًا خاصًا بمنزله، ويقوم برسم لوحة جديدة يستطيع معها أن ينسج خيوطًا من وحي خياله ممزوجةً بلمحات من الواقع الذي يحاصره.
كان يقف أمام لوحته التي فرغ من رسمها للتو، يراقب تفاصيلها عن كثب، ألوانها التي تميل إلى الأسود ، و مسحة الكآبة التي تغلفها، والدقة في توضيح تفاصيل اللوحة مما أظهر الصراع النفسي فيها واضحًا للأعمى، حيث رسم ثلاث أشخاص في ثلاثة أطوار مختلفة، طفل، مراهق، شاب.
الطفل ممسكًا بقلب.
بين يديه، والمراهق ممسكًا بقلب ونصف عقل، والشاب ممسكًا بعقل كامل .
ابتسم برضا وأخذ ينظر إليها بتقييم، ثم هز رأسه بتأني وتحرك متجهًا نحو الخارج، تقدم من ماكينة صنع القهوة، وأعد قدحًا من القهوة ثم أخذه ودخل إلى الشرفة، أخرج هاتفه وقام بالاتصال بشقيقه عبر خاصية الاتصال المرئي وفور أن أجاب الآخر الاتصال اتسعت ابتسامته وهو يقول:
ـ زي ما توقعت، كنت عارف إني هلاقيك نايم.. صح النوم يا عمر أفندي.
أشار إليه عمر بترحاب وهو يقول:
ـ Buen día من مدريد.
وعندما سمع ضحكات أخيه أردف:
ـ اوعى تسألني يعني إيه!
ـ لا مش هسألك خلاص حفظتها، صباح النور يا سيدي. ها طمني عليك ؟
اعتدل عمر بمرقده وجلس نصف جالسًا وهو يمسك بالهاتف بيد وباليد الأخرى يفرك عينيه ليزيل عنهما آثار النوم وقال:
ـ كله تمام، المفروض كنت هحجز في طيارة بكرة بس بفكر أفضل هنا يومين كمان.
كان يرتشف رشفة من قهوته فإذ به يقطعها ويسند الفنجان على سور الشرفة الزجاجي وهو يقول معترضًا:
ـ لا، كفاية عليك أسبوعين، أنا عندي افتتاح وحفلة وتحضيرات وليلة كبيرة واخدة كل تركيزي، والباشا في العزبة ومش هيرجع غير يوم الافتتاح، ده غير طلبات إخواتك اللي مبتخلصش وأنا بصراحة على أخري.
ضحك عمر برعونة لا تناسب سنوات عمره الخمس وعشرين ثم قال متسائلا باستغراب:
ـ إخواتي دول زي ما يكون عندهم ١٠ سنين ومتشعبطين في ديلك، فريد يا حبيبي انت اللي مشيل نفسك فوق طاقتك وشايل هم الكل ، إنت اللي مبتعرفش تريح دماغك وعاوز كل حاجه على المسطرة، ذنبي إيه بقا تقطع أجازتي وتخليني أسيب الانبساط والاستجمام اللي هنا ده وأنزل عشان أشوف إخواتي!!
كان فريد مستعدًا لرده، فهو يعرفه تمام المعرفة ويعرف بم سيجود به لسانه، فأجابه بهدوء مغلفًا بالحكمة:
ـ بلاش إخواتك، مش هتنزل عشان تكون جنبي يوم الافتتاح؟
ثم أضاف بعتاب صريح:
ـ كالعادة يعني لما أحتاجك جمبي مش هلاقيك؟
زم عمر شفتيه بأسف وقال:
ـ امممم.. اللورد فريد بيعاتبني بشياكة، طيب يا فريدو بيه أوعدك هنزل قبل الافتتاح بيومين، كده كويس؟
لم يجادله فريد أكثر وأجابه باقتضاب:
ـ زي ما تحب.
أومأ عمر بموافقة، ونهض من الفراش، ثم اتجه إلى الشرفة، ليقف موليًا ظهره إلى الخارج وهو يمسك بالهاتف ليعكس صورة البحر من خلفه وهو يقول مبتسمًا بسماجة قاصدًا مضايقته:
ـ شايف، متع نظرك يا حبيب أخوك.
رمقه فريد ببرود وقال:
ـ هما دول بقا اللي مش عاوز تنزل بسببهم؟
ـ إيه رأيك؟؟ شبه التحف فنية.
قالها عمر مشيرًا إلى النساء اللواتي يتمددن على الشاطئ بأطقم السباحة وكأنهن في عرض أزياء نهاري، ليصله رد فريد شديد اللهجة:
ـ دول مش شبه التحف الفنية، دول شبه التماثيل اليونانية .. دايمًا ملـــط !
ضحك عمر بقوة مضيفًا بحماقة :
ـ أهو أنا بقا بلاقي نفسي هنا، وسط الملط، بذمتك مش نفسك تخلع توب اللورد فريد مرسال اللي انت لابسه ٢٤ ساعة ده وتيجي هنا تفك عن نفسك، يمكن الزهر يلعب وترجع مصر بتحفة فنية من دول تحضر معاك حفل الافتتاح، متنساش بردو الحتة الطرية دي كمالة من ضمن الكماليات، وانت أبو الكماليات يعني مش أنا اللي هقولك.
ـ الحتة الطرية؟؟
تساءل فريد متقززًا، فهو شخص متحفظ جدًا ويكره العفوية والعشوائية بشدة، وأكمل:
ـ تصدق إنت فعلا مفيش منك رجا، رحت أسبانيا رحت كوكب المريخ حتى هتفضل سوقي وألفاظك متدنية كده، يلا وقتك خلص.
وأنهى المكالمة بالفعل، فلقد مرت الدقائق الخمس التي خصصها لمهاتفة عمر كل صباح، ومهما حدث لن يأخذ عمر ثانية إضافية عن الوقت المخصص له أبدا، ففي الثانية الجديدة بعد هذه الخمس دقائق بالتأكيد لديه شيئا ليفعله، وهو لن يكون فريد مرسال إن جار على دقيقة واحدة من يومه، فكل شيء لديه بميقات محددٍ لا يتجاهله أبدا.
على الفور اتجه إلى الحمام، فهذا هو وقت الحمام الصباحي له والذي يستغرق خمسة عشر دقيقة، الخمس الأولى منها لحلاقة ذقنه، والخمس الثانية للاستحمام، والخمس الأخيرة لتجفيف شعره.
وبعد أن أنهى هذه الجولة اليومية دخل إلى غرفة ملابسه لينتقي الملابس التي سيرتديها اليوم، وبما أن اليوم هو يوم عطلته سيتخلى عن البدل الرسمية، لذا اختار طقمًا بسيطًا ، وبعدها وقف أمام طاولة الساعات ليختار الساعة الملائمة، ثم وقف أمام المرآة ليصفف شعره ويتأكد من هندامه.
وبعد أن ألقى نظرة تقييمية على مظهره النهائي في المرآه عاد ليتأكد أن كل شيء في الغرفة في مكانه تماما، فهو رجل مرتب جدا ولا يقبل بالفوضى أبدًا حتى لو كان على حساب راحته. رجل دقيق وصارم لدرجة ضاغطة تجعل من يتعاملون معه مرة يفكرون ألف مرة قبل أن يعيدوا التجربة.
وأخيرًا عدل أزرار قميصه مجددا بعناية، وساعته حيث يكون قرص مؤشرات الوقت في منتصف الرسغ تمامًا، وربطة العنق في منتصف العنق تمامًا، والحجر الأسود بخاتمه في منتصف الأصبع تمامًا، وفي النهاية استطاع أن يمنح مظهره عشر علامات كاملة، حيث أنه بدا ـ كالعادة ـ في أعلى مستويات أناقته ووسامته، وسامة لا تغطي على الهيبة والوقار اللذان يملكهما أبدا.
ثم خرج من الغرفة بعد أن أطفأ الضوء، وجمع أغراضه الخاصة وهو يلقي نظرة أخيرة على غرفته المرتبة ثم أطفأ ضوءها وأغلق الباب وخرج.
ركب سيارته الرياضية السوداء والتي يفضلها في يوم العطلة بما أنه يتجول بها طويلا ويشعر أنها تمنحه شعورا بالراحة والحرية، أما في أيام العمل فيلجأ إلى سيارته الفارهة ماركة Mercedes Benz
انطلق متجهًا إلى أولى وجهاته اليوم، فبالنسبة لرجل منظم مثله بالتأكيد سيكون لديه جدولًا موضوعًا بعناية لقضاء يوم العطلة واستغلاله أحسن استغلال، وفي المقدمة زيارة مختبر التحاليل المعتمد من قِبله، والذي يزوره كل أول شهر ليقوم بعمل فحوصات طبية شاملة حرصًا على سلامته، فأشد ما يخشاه هو المرض، ومجرد التفكير بأنه من الممكن أن يمرض ويرقد بسريره عاجزًا يصيبه بالذعر الشديد.
ارتفع رنين هاتفه الموصل بالسيارة، فنظر إلى الشاشة ليجد اسم نسيم فأجاب الاتصال فورًا وقال مبتسمًا:
ـ نسومه حبيبتي..
ولكن ابتسامته تلك لم تدم طويلًا لأنه استمع إلى بكائِها وهذا ما جعله يتوقف عن القيادة وهو يسألها باهتمام يشوبه الارتباك قائلا:
ـ مالك يا نسيم في إيه؟ حد ضايقك؟
وهنا كانت الانطلاقة حيث صرخت نسيم وهي تشهق ببكاءٍ بين كلماتها المتدافعة وتقول:
ـ مين اللي هيضايقني؟ هو حد بيشوفني أصلا عشان يضايقني؟ أنا اتخنقت من الحبسة طول اليوم بين ٤ حيطان، بابا سايبني هنا وقاعد في العزبة مع الخيول بتاعته، حتى رفض إنه ياخدني معاه أشم هوا، عمر ولا في دماغه أصلا وقاعد في مدريد ولا بيكلمني حتى، جيلان مشغولة في الشركة طول الوقت وجوليا أغلب الأحيان في دبي.
ـ طيب يا حبيبتي أنا موجود، أنا عارف إن وقتي محدود بس انتِ اكيد متفهمة انه غصب عني، خصوصا في الوقت الحالي عشان الباشا وعمر مش موجودين.. لكن صدقيني أول ما أموري تتظبط هعوضك عن كل ده.
ـ فريد إنت مش مقصر معايا أبدا، بالعكس، أنا مفيش في حياتي غيرك أصلا، مش معنى اللي بقوله ده إنك مقصر أبدا، بس انت كمان وراك مليون حاجه بتعملها وأنا مش حابة أكون حِمل زيادة عليك.
وأخذت تبكي بحسرة وهي تقول:
ـ بس أنا مليش غيرك، إنت الوحيد اللي بتفهمني وبتسمعني .
تنهد فريد بتوتر، فأخته هي الوحيدة من بين نساء الأرض القادرة على بث التوتر والقلق والخوف في قلبه، هو في الأصل لا يكترث لأي شخص قريبًا كان أو غريب، ما عداها، حاول أن يبدو أكثر هدوءًا فقال:
ـ حبيبتي أنا عاوزك تهدي، وتبطلي عياط، أنا عندي مشوار مهم دلوقتي هخلصه كمان ساعة وهجيلك، وأوعدك هتكلم معاه وأحاول أقنعه يسيبك تيجي تقعدي عندي، اتفقنا؟
مسحت نسيم دموعها وهي تقول بهدوء:
ـ اتفقنا.
ـ تمام يا حبيبتي، أنا هقفل دلوقتي وكمان ساعة بالظبط هكون عندك، مع السلامه.
أنهى الاتصال وزفر زفرةً مطولة، وأكمل طريقه نحو المختبر لينهي تلك المهمة سريعا ومن بعدها سيذهب لشقيقته كما وعدها.
ـــــــــــــــ
دخل المختبر، وكالعادة تقدم من قسم سحب عينات الدم، ووقف أمام المقعد الذي سيجلس عليه ثم أخرج زجاجة الكحول التي لا يخلو جيبه منها، ثم رش منها على المقعد وقام بمسحه بمنديل ثم جلس، فإذ بالممرضة التي كانت تقف خلفه تقول:
ـ حضرتك إحنا عقمنا القسم كله أكتر من مرة النهارده..
أومأ مؤكدا وقال ببساطة:
ـ انتِ جديدة هنا؟ مش كده ؟
أجابت بتعجب وقالت:
ـ أيوة..
هز رأسه مؤكدا وقال:
ـ عشان كده متعرفيش إني لازم أعمل كده بنفسي، طقوس مش أكتر.
مطت شفتيها بتعجب وسحبت مقعدًا لتجلس أمامه، فإذ به يخرج تلك الكمامة من جيبه ويضعها على أنفه وهو يقول:
ـ إلبسي الماسك..
لمح الدهشة على معالمها ليقول بنفاذ صبر:
ـ فين سارة؟؟
هزت رأسها بتساؤل وقالت:
ـ عملت حادثة وواخدة أجازة شهرين.
ارتفع حاجبيه بدهشة وتأثر أسفًا على حالتها فإذ بها تتساءل بفضول:
ـ حضرتك بتسأل عليها ليه؟
فأجابها ببساطة تشبع فضولها:
ـ لأنه بقالي عشر سنين باجي هنا كل شهر ، على مدار العشر سنين دول سارة هي اللي كانت بتتعامل معايا وعارفه نظامي كويس جدا، واستحالة كانت تقعد قدامي بالقرب ده من غير mask .
أومأت بحرج وارتدت القناع، ثم أحضرت رباط سحب الدم وهمّت بربطه حول يده ليستوقفها قائلا:
ـ استني..
نظرت إليه باستغراب وهي تراه يخرج بخاخ الكحول من جيبه ثم يرش منه على يديها وعلى الرباط ثم قال:
ـ اتفضلي.
أثار تعجبها وجعلها تحنق عليه بشدة، ولكنها تجاهلته ووضعت الرباط حول يده وسحبت عينة الدم اللازمة، ثم همّت بوضع قطعة قطن صغيرة مكان سحب الدم ليتجاهلها هو ويسحب قطعة قطن أخرى من كيس القطن الموضوع أمامه ويضعها فوق مكان سحب الدم بنفسه، ثم هب واقفًا وهو يقول:
ـ المرة الجاية تتأكدي إن الرباط ده خاص بيا، ياريت تتواصلي مع سارة وهي هتفهمك الخطوات اللي تمشي عليها بالظبط وإلا فأنا مضطر أغير المكان.
وقبل أن يخرج كان قد اتجه إلى قسم الحسابات وترك لهم مبلغًا لا بأس به وأمرهم أن يتم إرساله إلى حساب سارة على الفور.
وغادر المختبر متجها إلى سيارته، وقبل أن يفتح باب السيارة كان قد أمطر يديه بالكحول وهو يلعن بداخله ذلك الوسواس الذي أهلكه وأصبح يشكل عائقا كبيرا في يومه.
••••••••••••••••••••••
كانت تقف في شرفة غرفتها والتي هي متنفسها الوحيد، فقلما تنزل من الغرفة إلى حديقة الفيلا لأنها لا تجد ما تفعله، فالكل لديه حياته ومسؤولياته إلا هي، الوحيدة بالمنزل التي تعيش من أجل اللاشيء.
تقف كفراشة في مهب الريح، تسند ذراعيها على السور مغمضةً عينيها، والنسيم يلاطف وجهها وشعرها الذي يتحرك بخفة على جانبي خديها، وكان هذا أقصى ما يمكن النسيم أن يفعل بها، فحتى وإن داعب وجهها وشعرها، ماذا سيفعل بقلب جمدهُ صقيع الاستسلام!
استسلامًا نتج بعد معاناة طويلة، وبعد محاولات عديدة باءت بالفشل، لتجد بعدها أن الاستسلام هو الحل، عليها أن تقبل خسارتها وتمضي.
ولمن لا يعرف ، فأن تتقبل خسارتك وتمضي هذا لا يعني أنك تعافيت من الندوب التي تركت أثرًا بالغًا بروحك، ثمة ندوب لا تبرأ مهما كلفك الأمر، ثمة أشخاص سيبقون هم اللعنة الأزلية بداخلك ولن تستطيع استبدالهم مهما فعلت، و ثمة خسائر ستظل تتجرع مرارتها مهما مرت بك الأيام، ولكن إما أن تظل أسيرًا لأحزانك وتموت كمدًا، و إما أن تلملم جروحك وتمضي.
لم تستمع نسيم إلى طرقات الباب، ولم تشعر بدخول فريد الغرفة، ولم يشعر هو بنفسه إلا وقد أخرج هاتفه والتقط لها صورةً وهي تقف في تلك الهيئة التي تفوح منها رائحة السلام والسكينة وقد قرر أنها ستكون لوحته المقبلة.
ثم أعاد الهاتف إلى جيبه واقترب منها بهدوء ليجدها مغمضةً عينيها وكأنها منفصلة عن الواقع تمامًا، فحمحم فإذا بها تفتح عينيها وتبتسم فور رؤيته، ثم عانقته بقوة وهي تقول بصوت مهزوز:
ـ وحشتني يا فريد.
أسندت رأسها على صدره وأحاطها هو بذراعٍ وبالآخر كان يمسح على شعرها وهو يقول مبتسمًا بحنان:
ـ وانتِ كمان وحشتيني، أنا آسف لأني مش المفروض أوحشك، المفروض أكون جنبك طول الوقت!
سالت دمعتها في الوقت المناسب والمكان المناسب تمامًا، وأردفت:
ـ مش ضروري تكون معايا طول الوقت، كفاية إن وقت ما بحتاجك بلاقيك.
ربت على ذراعها بحنو وقال:
ـ وأنا جنبك دايمًا، متقلقيش ولا تشيلي هم حاجه، أنا معاكي.
كانت هذه الكلمات كافية بالنسبة لها لكي تحصل على السكينة التي تفتقدها، أما بالنسبة له هو فلم تكن كافية أبدًا، فهو دائما ما يشعر بالتقصير نحوها، يشعر أنه عليه أن يفعل المزيد، بالتأكيد هناك طريقة لإسعادها وهو لم يكتشفها بعد، مهما فعل ومهما قال لا يكون راضيًا عن موقفه تجاهها أبدًا.. خاصةً وأنه شخص يسعى للكمال في كل شيء، لا يقبل أن يترك أمرًا ناقصًا أو معلقًا، فهذا أكثر ما يشعره بالعجز، وإحساس العجز بالنسبة إليه أخطر من الموت!
ـ نسيم إلبسي.
نظرت إليه نسيم بتعجب، ماذا يطلب منها؟ هي لا تسمع ذلك الأمر أبدا ، وعلى حسب علمها فإن هذا الطلب يتبعه الذهاب لمكان ما، فبالتأكيد لن تبدل ملابسها لكي تجلس على الأرجوحة بحديقة المنزل!!
ـ مالك متنحة كدة ليه؟ بقولك يلا غيري هدومك هنخرج.
ـ نخرج؟!!
قالتها بذهول فأومأ مؤكدًا وقال:
ـ أيوة، هنروح نزور ماما الله يرحمها.
تقوس حاجبيها وكانت على حافة البكاء والانهيار ليستوقفها هو حين قال:
ـ كفاية عياط بقا، يلا اجهزي بسرعة وأنا مستنيكي في العربية.
ـ طيب وبابا؟
تساءلت بترقب ليجيبها مبتسمًا:
ـ متقلقيش، أنا هتصرف.
وسبقها إلى السيارة، ليس لشيء إلا ليستجيب لحاجته الملحة في تعقيم يديه وملابسه بعيدا عن أخته، فبالطبع ستشعر بالحزن إن علمت أنه يعقم نفسه فقط لأنها احتضنته وتركت أثرها على يديه وملابسه، ولأنها لا تعرف أنه وصل إلى تلك الدرجة من الوساوس!!
حسنًا هي تعرف أنه يعاني من الوسواس القهري منذ عشر سنوات تقريبًا، ولكن كل ما تعرفه عنه أنه يحرص على النظافة الشديدة ويكره الاختلاط بالآخرين، إضافة إلى أنه يرفض رفضًا قاطعًا أن يلمس أحدًا ملابسه أو أي شيء يخصه، لذا فقد قرر الانفصال عنهم والعيش بمفرده في إحدى الوحدات السكنية الراقية ، ولكنها لا تعرف بعد أن الأمر قد ساء بذلك القدر الذي يجعله يرغب في تغيير ملابسه أو ربما إلقاءها في سلة المهملات فقط لأنها عانقته!!!….
تحمست نسيم كثيرا، فزيارة قبر والدتها يكون مرة كل عيد، وهذا ما جاد به والدها عليها، أما عن كونها ستذهب إليها في ذلك الوقت فهذا سيشكل فارقًا شديدًا في حالتها النفسية المحبَطة.
ارتدت ملابسًا سوداء ووضعت وشاحًا بسيطًا على رأسها، ثم ارتدت نظارتها التي تخفي ثلاث أرباع معالمها، وهذه أيضا كانت تعليمات والدها، فهي لا تخرج من البيت إلا وقد اتخذت جميع الإجراءات الاحترازية لكي لا يتعرف إلى ملامحها أحد ، حتى باتت تظن أنها مطلوبة في قضية ثأر أو ما شابه.
خرجت من الفيلا كالمسجون الذي خرج من السجن لتوّه، وأسرعت تختبأ بسيارة أخيها قبل أن يلمحها أحد الحراس ويخبر والدها، فبالرغم من بعده إلا أنه على علم بدبة النملة.
ركب فريد خلف المقود وهمّ بالخروج من الفيلا ليعترض طريقه ” منصور ” وهو الحارس الشخصي لوالده، وفي حالة وجوده خارج الفيلا ورغبته في الانعزال بمفرده تصبح نسيم هي مسؤولية منصور بدلاً من والدها.
نظرت نسيم إلى فريد بقلق، فضغط زامور السيارة لكي يفسح الطريق ولكنه ظل متسمرًا بمكانه مما جعل فريد ينزل من السيارة وينظر إليه بغضب قائلا:
ـ إيه مش شايف؟؟
ـ أنا آسف فريد بيه، عندي أوامر إن نسيم هانم متخرجش في غياب الباشا.
أجابه منصور بعملية شديدة ليصيح به فريد بعصبية بالغة ويقول:
ـ هو إنت مش شايفها خارجة معايا؟
ـ أنا آسف يا بيه، بس سالم باشا مشدد عليا، ممنوع تخرج حتى لو مع حضرتك.
امتلأت عينا نسيم بالدموع فورا، ليصيح بها فريد بضيق:
ـ متعيطيش إنتِ كمان، هتخرجي معايا حتى لو انطبقت السما على الأرض!
ثم نزل من سيارته واتجه نحو منصور الذي يقف كاللوح مستعرضًا عضلاته وهو ينوي أن يلجأ إلى الحيلة علها تجدي نفعًا معه، فأخرج من جيبه دفتر شيكاته وهو ينظر إليه ويقول:
ـ ٢٠ ألف كويس؟؟
نظر إليه الآخر بتعجب فقال فريد شارحًا:
ـ أظن مبلغ مش قليل، ده مرتب شهر كامل.
ثم وضع القيمة المرادة وأعطاه الشيك وهو يقول بنفاذ صبر:
ـ ممكن بقا تتفضل من قدامي؟ وأكيد مش محتاج أقولك بلاش سالم بيه يعرف حاجة!
تنحى الرجل جانبًا بصمت وهو يفسح له المجال؛ فركب فريد السيارة وهو ينظر إلى أخته بابتسامة لأنه أخيرا نجح في تحقيق شيئا ما بإمكانه إسعادها ولو للحظات بسيطة، فهو على استعداد أن يدفع نصف عمره فعليًا لكي يرى ابتسامتها فقط.
وتحرك منطلقًا نحو الخارج، نحو مدافن عائلة مرسال، حيث ترقد أمه المرحومة، ناهد مرسال.
•••♠♠♠•••
كانت نغم تجلس بقاعة الانتظار بينما تنتهي خالتها من جلسة العلاج الكيماوي، وكالعادة عندما تجلس بمفردها أو تشرد قليلا تجد نفسها غارقة في التفكير في الموضوع الذي يشغل كل تفكيرها واهتمامها في الوقت الحالي، ألا وهو خروج حسن، إضافة إلى الهم الجديد الذي انضم إلى قائمة همومها وهو تركها للعمل، أو بمعنى أدق طردها منه، وكيفية تدبير عمل آخر تستطيع من خلاله تدبير نفقاتها ونفقات علاج خالتها، دون أن تلجأ إلى نشل موظف مسكين كل أول شهر..
تلك المهارة الوحيدة التي نشأت عليها، لا تذكر أنها كانت تتعلم الرسم أو العزف مثلا كأي طفلة، حتى أنها لم تكمل تعليمها وقرر حسن أن بلوغها المرحلة الإبتدائية يكفي، طالما أنها تجيد الكتابة والقراءة فهذا يكفي، ليأخذها بعدها من عالمها الفطري النقي إلى عالمه المليء بالإجرام، والعجيب أنه إجرام مبرر دومًا، دائمًا ما كان يفلح في إيجاد ذريعة لفعلته، دائمًا ما كان يبرر بالغاية الوسيلة حتى وإن عظمت شناعتها. فكبرت وترعرعت على أن لكل شيء دافع، ولكل جريمة مبرر، وأن من يقول أن الغاية لا تبرر الوسيلة مخطئ وكاذب ويستحق الشنق في ميدان عام.
وبينما هي شاردة فإذا بها تتلقى اتصالاً من صديقتها المقربة نيهال، فأجابت الاتصال وهي تقول:
ـ فينك يا نيهال هانم، اللي اداكِ يدينا.
ـ إزيك يا بت يا نغم وحشاني.
ـ ولما أنا وحشاكي مبترديش على اتصالاتي ليه ؟
تساءلت نغم باستهجان لتقول الأخرى بجدية:
ـ مش هينفع الكلام في التليفون، أنا جيالك.
ـ أنا مش في البيت، خالتي ميعاد جلستها النهارده وأنا معاها في المستشفى.
ـ طيب أنا قريبة منك، هوصل وأرن لك تخرجيلي.
ـ ماشي، سلام.
بعد حوالي ربع ساعة تقريبا كانت نيهال قد وصلت أمام المشفى وأبلغت نغم التي خرجت لرؤيتها، وما إن وقعت عيناها عليها حتى كاد فمها يسقط أرضًا من الدهشة!
ـ إش إش إش…. إيه يا بت الحلاوة دي كلها؟
قالتها نغم وهي تدور حول نيهال التي بدت وكأنها ربحت في اليانصيب، فلقد تبدّل حالها تمامًا، مما جعلها تضحك بتفاخر وزهو وهي تستعرض ملابسها الأنيقة والحلى الذهبية التي تزين يديها وجيدها وهي تقول:
ـ ايه رأيك؟؟ شفتي الهنا اللي أختك فيه؟
نظرت إليها نغم بتعجب وهي تقول:
ـ شفت، قوليلي ايه اللي حصلك شقلب حالك كده؟ ده أنا لولا إني عارفاكي كنت قلت إنك سرقتي الست اللي بتشتغلي عندها.
أشارت إليها نيهال بسبابتها أن لا وقالت وهي ترفع حاجبيها بتلاعب وابتسامتها تكتسح وجهها:
ـ لأ.. سرقت جوزها.
قطبت نغم جبينها باستغراب لتستطرد نيهال قائلة:
ـ اتجوزته!
جحظت عيناها بصدمة ورددت بغير تصديق:
ـ إيه؟؟ اتجوزتيه؟؟ يا نهار أبوكي مش فايت!!
ـ إيه مالك، هو أنا عملت حاجه عيب ولا حرام، بقولك اتجوزته.
ـ اتجوزتي راجل قد أبوكي يا نيهال؟ قد أبوكي إيه ده قد جدك فوزي الله يرحمه.
ابتسمت نيهال بتهكم وقالت:
ـ وأنا يعني كنت لقيت غيره وقولت لأ ؟ اللي يلاقي الدلع وميتدلعش يبقا حمار.
ـ و ده بقا بيدلعك؟ ده منتهي الصلاحية! ده راجل عفا عليه الزمن.
أشارت إليها نيهال بالأساور الذهبية بيديها وهي تقول:
ـ كفاية عليا فلوسه مدلعاني.
لوت نغم شفتيها بنزق وتهكم وقالت وهي تشدد على حروفها:
ـ طيب، قال يا واخد القرد على ماله بكره يروح المال ويفضل القرد على حاله.
ـ لأ ي حبيبتي متقلقيش، اللي زي ده فلوسه مبتخلصش، كانز على قلبه كتير أوي. ما تيجي يا بت أجوزك واحد صاحبه، ده ليه معارف ياما وكلهم شبهه كده بيموتوا في البنات الصغيرة.
نظرت إليها نغم بانفعال وأجابتها بحدة:
ـ عاوزاني أخيب خيبتك؟ لا يا حبيبتي متشكرين، أنا يوم ما أتجوز مش هتجوز غير راجل من اللي بييجي في العمر مرة.
لوت الأخرى شفتيها بسخرية وغيرة مستترة وقالت:
ـ و ده بقا هيبص لك على إيه إن شاء الله ؟
لتجيبها نغم بثقة:
ـ يا عالم بكرة مخبيلنا إيه.. أنا هدخل عشان خالتي زمانها خلصت، أسلملك عليها ولا خلاص مبقيناش قد المقام؟
هزت نيهال رأسها بتعجب وقالت:
ـ بوسيهالي على ما اجي اشوفها، يارب بس وحيد يوافق أصل ده بيغير عليا موت.
رفعت نغم حاجبيها باستنكار وقالت:
ـ وهو جدو ده بيعرف يغير؟ عالعموم هنستناكي، ســـــلاام.
ودخلت إلى المشفى، بينما تركت صديقتها وراءها تنظر في أثرها بشرود وحزن، لطالما تفوقت عليها نغم في كل شيء، حتى في اختيار نوع الخطأ، دائما كانت نغم تلجأ للطريقة المثلى التي تؤهلها لكي تكون متميزة، حتى سلبياتها مميزة، وهذا أكثر ما يملؤها بالحقد تجاهها، فلطالما حاولت أن تجعلها نسخة طبق الأصل منها ولكنها كانت تفشل، فالأخرى حتى وإن كثرت أخطاؤها ولكنها ترفض بصرامة أن تكون تابعًا لأحد أو أن تكون دمية يحركها كيفما شاء.
كانت عائشة قد انتهت من تلقيها جلسة العلاج الكيميائي وبانتظار نغم التي ستساعدها في الخروج من المشفى، فبعد كل جلسة تشعر وكأنها جثة على قيد الحياة لا أكثر.
ولما استشعرت تأخرها نهضت من مقعدها وحاولت الخروج، ولكنها توقفت عندما رأت نغم التي تقف على بعد خطوات بسيطة وتتحدث مع الطبيب وقد بدا عليها التأثر حيث كانت تمسح دموعها وهي تستمع إليه إذ يقول:
ـ في الحالات اللي زي دي منقدرش نجزم المريض ممكن يعيش قد ايه، شهر، شهرين، سنة ، الأعمار بيد الله وحده ، إضافة لأن احتمالية الشفاء من سرطان المرحلة الرابعة مش معدومة، لأ دي موجودة بنسبة ٢٢ ٪ يعني في أمل.. كل اللي نقدر نعمله إننا هنزود الجلسات، بدل جلسة كل أسبوع هتكون جلسة كل ٣ أيام…
لم تستمع إلى باقي ما أخبرها به، بل وكأنها غابت عن الواقع وتم سحبها نحو هوةٍ سحيقة ابتلعتها بجوفها، هوةٍ لا يوجد بها سوى الفقد والحرمان والخذلان!
وهي التي عانت الحرمان بأنواعه، وطالتها ويلات الفقد من كل حدبٍ وصوب، حتى باتت ضعيفة، ذاويةٍ كقشة في مهب الريح.
أفاقت على تربيتة حانية من يد الطبيب الذي يبلغ ستون عامًا تقريبًا، والذي أبدى تعاطفه الشديد معها، ثم انصرف وتركها في صراعٍ أدمى قلبها وأنهك قواها فتشبثت بأقرب مقعد وتهاوت فوقه وهي تجهش بالبكاء المرير.
لقد ظنت أنها بما تفعله سواء بطرق مشروعة أو غير مشروعة تساعد خالتها على التشافي من هذا المرض الخبيث ، لم تكن تعلم أنه سينتشر في باقي أعضاء جسدها ليفترس القليل المتبقي من صحتها ويودي بحياتها، لم تكن تتوقع أنها ستختبر اليتم للمرة الثانية !
مسحت دمعاتها واتجهت نحو الحمام لكي تغسل وجهها عل آثار البكاء تختفي لكي لا تثير شك خالتها إذا ما رأتها، بينما عادت عائشة إلى مقعدها سريعا لكي لا تنتبه نغم إليها وتعرف أنها قد سمعت حوارها مع الدكتور.
عادت نغم إليها بعد قليل وهي تصبغ وجهها بابتسامة مزيفة فاترة جاهدت لكي ترسمها بثبات ثم قالت بصوت متهدج:
ـ اتأخرت عليكي؟
بادلتها الأخرى الابتسام بوهن وقالت:
ـ أبدا..
ـ طيب يلا عشان فتوح مستني بره.
وساعدتها وخرجتا سويًا متجهتين نحو التاكسي الذي سيأخذهما إلى البيت.
••••••••••••••••
♪♪
وقفت نسيم أمام قبر والدتها وهي في حالة سكون تام، تضع يدها على شاهد القبر وتتحسس اسمها بشرود وقد عادت بذاكرتها للخلف سنوات عديدة ، عندما كانت طفلة في سن العاشرة، حينها كانت لديها أمًا حنونة تعرف كيف تحنو عليها وكيف تطيب آلامها وتمسح على قلبها إذا مسه الضر، حينها كانت ملكة متوجة بين عائلتها الصغيرة، وفجأة داهم هذه العائلة الصغيرة طوفانًا عاتيًا جرف معه كل شيء، الحضن، الأمان، و الدفء.
فجأة وجدت نفسها فتاة شريدة، تحيا بين ربوع بيتها غريبة، وبين أحضان أهلها لقيطة، خسرت في ليلة وضحاها كل ما كان يميز حياتها وأصبحت تعيش في بيت تتعرف عليه لأول مرة، بيت لم تألفه أبدًا ولم تألف ساكنيه، فبعد أن كانت المدللة الوحيدة به أصبح يشاركها في اللقب أخريات، وبعد أن كان هذا البيت هو الملجأ الآمن أصبح كسجن بأسوار عالية يصعب بلوغها.
مسحت دموعها وهي تنفض عنها غبار الذكريات التي هاجمتها فجأة ووضعت باقة الورد التي كانت تحملها فوق ثرى القبر ثم استقامت لتقرأ الفاتحة.
بينما فريد يقف خلفها متجمدًا وقد غاص هو الآخر في بحر ذكرياته التي شاركته فيها أمه.
تلك الذكريات التي كونت شخصيته وجعلت منه رجلاً فريدًا، يملك قلبًا من الزجاج، وعقلًا من الحديد.
التقط تلك الدمعة الغادرة بزاوية عينه ورفع كفيه بدوره ليقرأ الفاتحة لوالدته، وبعدها كان بصدد الاستعداد للمغادرة ليتفاجأ بأخته التي باغتته بطلبها إذ قالت وهي تبكي:
ـ فريد، عاوزه أزوره، أرجوك.
نظر إليها متفاجئًا وقال بهدوء:
ـ مرة تانية يا نسيم، أوعدك.
هزت رأسها برفض وقد زادت حدة بكائها وقالت:
ـ مفيهاش مرة تانية، أنا مش ضامنة هعرف أخرج تاني ولا لأ، أرجوك يا فريد عشان خاطري.
تنهد بقلة حيلة وأومأ موافقًا ثم قال:
ـ طيب، يلا بينا.
اتجها إلى السيارة، ركبا وقبل أن ينطلق تفحص هاتفه ليتفاجأ بمكالمة فائتة من والده، فنظر إلى شقيقته وقال:
ـ الباشا اتصل!
نظرت إليه بفزع وقالت:
ـ يبقا أكيد عرف إني معاك.
ـ لا متقلقيش، أكيد عاوز يتابع الشغل.
ـ طيب بلاش نروح أي مكان، خلينا نرجع البيت أحسن.
زم شفتيه بأسف وهز رأسه موافقًا، ثم تحرك عائدًا نحو الفيلا.
في طريقه رن هاتفه مجددًا ليجيبه على الفور قائلا:
ـ مساء الخير.
ـ مساء النور يا فريد.
قالها والده بصوته المهيب الرخيم وأضاف:
ـ يظهر إنك مشغول.
ـ أيوة، كنت بتابع إيميلات مهمة، حضرتك محتاج حاجة؟
ـ محتاج أشوفك ونتكلم، ضروري.
أومأ ببساطة وقال:
ـ حاضر، بكرة إن شاء الله او بعده بالكتير هكون عندك.
ليجيبه والده بصرامة ويقول:
ـ بكره الصبح تكون عندي.
ـ حاضر، مع السلامة.
أنهى الاتصال وزفر زفرةً طويلة وهو ينظر إليها محاولا إخفاء ضيقه ويقول:
ـ متقلقيش معرفش حاجة، غالبا عاوز يكلمني في شغل.
تنهدت براحة قليلا وهزت رأسها بهدوء ثم أسندته على المقعد من خلفها وأغمضت عينيها وشردت، شردت مع خيالها الذي يعج بالصخب دومًا، شردت مع هؤلاء الحمقى الذين يشاركونها عالمها الخيالي ويقاسمونها فيه!
••••••••••••••••••••••
بعد أن أوصل نسيم إلى الفيلا عاد أدراجه إلى بيته، مملكته الخاصة التي يضع كل تفصيلة فيه حسب رغبته هو فقط، حتى أنه فرشه واختار كل قطعة فيه بنفسه.
دخل مسرعًا نحو الحمام، خلع ملابسه وألقاها بسلة المهملات الموجودة بزاوية الحمام وقد قرر أن يتخلص منها بعد أن اضطر لارتدائها اليوم بأكمله، ودخل إلى كابينة الاستحمام ووقف أسفل المياه الدافئة وهو يزفر باسترخاء وقد عاد لساحته الآمنة أخيرا.
خرج من الحمام بعد الخمسة عشر دقيقة المحددة، ثم اتجه إلى المطبخ لكي يعد عشاءه بنفسه، فهو نادرًا ما يتناول طعامًا خارج المنزل، إلا إذا اضطر لحضور عشاء عمل مع أحد شركاءه.
ارتدى مريول المطبخ، ثم أخرج شرائح اللحم المتبلة ووضعها بالمقلاة الهوائية وتحرك ليعد طبق السلطة الخاص به، وبعد أن أنهى إعداد العشاء أخذه ودخل إلى الشرفة ليتناوله في الهواء الطلق.
هم بوضع أول قطعة لحم في فمه ولكن اتصال من السيدة زينب مدبرة منزل والده جعله يتراجع، فأجاب سريعا وقال:
ـ نعم يا زينب؟
ـ فريد بيه، نسيم هانم من ساعة ما رجعت مع حضرتك من بره وهي عمالة تعيط ومش راضية تفتح لحد.. لا أنا ولا نادية هانم، ولا حتى جيلان هانم .. مش راضية تكلم حد.
فرّت تنهيدة عاجزة من بين شفتيه، ثم قال بصوتٍ مقتضب:
ـ محدش يضغط عليها، سيبوها تاخد وقتها وهتهدى.
وأنهى الاتصال وأسند جبهته إلى قبضته وهو يفكر بشرود في حالة أخته، وفي تحكم والده وتعنته الشديد، هل هذا فعلا طبيعيا ومن الممكن أن يحدث؟ أم أن والده طفرة في تاريخ الآباء؟!
نفض شروده، وهم باستكمال عشاءه ولكنه تراجع وهو ينظر لقطعة اللحم بالشوكة وهو يفكر بداخله.. بالتأكيد أصبح باردًا، إذًا عليه أن يعيد تسخينه، ولكن ربما يتسبب إعادة تسخينه في نمو البكتيريا به، وبالتالي سيصاب بالأمراض!! إذًا عليه أن يُعد طعامًا غيره ويحتفظ بما تلف لإطعام كلاب حراسة الكومباوند، وبعد دقائق قضاها في حوار صامت مع شريحة اللحم انتهي به المطاف وقد صرف تفكيره عن إعداد طعام آخر واكتفى بأن التقط ثمرة تفاح وقام بغسلها حتى صرخت طالبةً للنجدة من بين يديه ثم بدأ بأكلها وهو يتجه نحو فراشه استعدادا للنوم.
ضبط منبهه على الساعة السادسة صباحا، ثم نظر إلى ساعة الهاتف مجددا ليجدها قد تجاوزت العاشرة بعشر دقائق فأعاد ضبط المنبه على الساعة السادسة وعشر دقائق! بالطبع لن يتنازل عن ثمان ساعات كاملة من النوم والراحة والسلام قبل أن يخرج ليواجه معشر المرضى النفسيين!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في العاصمة الأسبانية .. مدريد
وبالتحديد في فندق‘ بويرتو ديل سول ‘ الذي يقع بقلب العاصمة، حيث يقيم عمر إقامة مؤقتة.
توقفت السيارة الخاصة بعمر والتي استأجرها لتصاحبه طوال مدة إقامته في الفندق، ونزلت منها فتاة في الثلاثينات تقريبًا، هيفاء الطول، صفراء الشعر، زرقاء العينين، لا داعي لوصف ما ترتديه لأنه غير موجود أساسًا ، دارت حول السيارة وفتحت الباب المجاور ثم التقطت ذراع عمر ولفتهُ حول رقبتها وهي تساعده للخروج من السيارة حيث كان في حالة مزرية بعد أن تناول الكحول الذي أفقده وعيه وتركهُ ثملا .
أعطت الفتاة مفاتيح السيارة للشاب المسؤول عن خدمة صف السيارات بالمرآب الخاص بالفندق، ثم اصطحبت عمر الذي كان يسير متراقصًا وهو يغني بصوت صاخب:
Cómo te llamas baby?
ما اسمك يا عزيزتي؟
Desde que te vi supe que eras pa’ mi
منذ أن رأيتك عرفت أنك لي
Dile a tus amigas que andamos ready
أخبري أصدقاءك أننا مستعدون
Esto lo seguimos en el after party
سنتابع هذا في الحفل التالي
كتمت ضحكاتها وهي تهمس إليه قائلة:
Omar, todos nos miran, cállate un poco.
( عمر، الجميع ينظرون نحونا، كن هادئاً قليلا )
توقف عمر في باحة الفندق وهو يصيح بثمالة ناطقًا بعربية جعلت نزلاء الفندق كلهم يلتفتون إليه:
ـ اللي يتفرج يتفرج… مش مهم .
لم تفهم ما قاله ، ولم يفهم المحيطون أيضا، فنظرت إليهم وتمتمت باعتذار واهٍ ، ثم ساعدته حتى دخلا إلى المصعد وصعدا إلى الطابق الموجود به غرفته، ثم توجهت نحو الغرفة ودخلا لتتفاجأ به وهو يحتجزها بينه وبين الحائط من خلفها وهو يقول بغير تركيز:
ـ إنتي إزاي جامدة كدة! أنا مشوفتش في جمالك قبل كدا.
ـ Qué
( ماذا )
ـ eres tan sexy
( أقصد أنكِ مثيرة جدا )
ضحكت وهي تحيط وجهه بيديها وتقول بمجون سافر:
ـ Tu también eres un hombre muy sexy, me encantaría probar tus habil ربidades como hombre.
( أنت أيضا رجل مثير جدا ، يسعدني اختبار قدراتك كرجل عربي )
استفزت رجولته بأنوثتها الطاغية ونعومتها المفرطة، ليقترب من أذنها هامسًا بكل ما يعرف ويحفظ من غزل فاحش استطاع به أن يفرض هيمنته عليها كليًا ويجعلها تخوض معه مغامرةً تُثري الخيال كانت هي الأولى من نوعها، مغامرةً كان يتوق إليها بشغف رجلًا لا يكترث لشيء أبدا، ولا ينتهي شغفه عند شيء إلا وقد ناله، رجلا لا يبالي إلا بما يريد، لينتهي به الأمر مستلقيًا غائبًا عن الوعي، غارقًا في نومٍ أسود، ولم يشعر بتلك التي تسللت من جواره والتقطت كل ما يملكه من مال وهاتف ، حتى ساعته الفخمة باهظة الثمن، وفرت بما سرقته هاربة وهي تتلفت حولها يمينًا ويسارًا بخوف من أن يلحق بها عمر قبل أن تهرب.
وبمجرد ما أن غادرت الفندق واستقلت تاكسي أخرجت هاتف عمر وقامت بنزع الشريحة منه وإلقاؤها أرضًا، ثم أخرجت هاتفها وقامت بالاتصال برقمٍ ما وقالت:
– No te preocupes, todo salió exactamente como lo planeamos y tengo el vídeo.
(لا تقلق، الأمور جرت كما خططنا لها تماما والفيديو بحوزتي.)
رواية محسنين الغرام الفصل الثاني 2 - بقلم نعمة حسن
في صباح اليوم التالي..
اتخذ فريد طريقه نحو محافظة الشرقية، حيث يمكث والده بالعزبة الخاصة به.
وبالرغم من أن الذهاب إلى هناك لم يكن مخططًا له بالمرة، وهو الذي يمقت أن يكون مجبرًا على فعل شيء لم يستعد له، ولكن عندما يأمر والده لا يكون عليه سوى الطاعة، حتى لو كلفه الأمر أن ينتقل في ذلك الوقت المبكر من محافظة لأخرى تبعد عنه مئة كيلومتر تقريبا.
بعد مرور حوالي ساعة ونصف كان يقف بسيارته أمام مدخل العزبة والذي يحسبه الزائر لأول مرة مكانًا تاريخيًا عريقًا لشدة فخامته، حيث الأسوار العالية التي تتوسطها بوابة ضخمة معلقًا على واجهتها لافتة عريضة جدًا دوّن عليها بخط كبير ” عزبة مرسال ”.
أسرع الغفير بفتح البوابة فعبر فريد بسيارته للداخل، ثم صفها وأكمل طريقه نحو مجلس والده سيرًا، وفي طريقه كان يتأمل المكان الذي يستحق التأمل عن كثب.
مساحة خضراء واسعة تمتد إلى ما يقرب من ستين فدانٍ، يتوسطها قصر الباشا سالم مرسال الذي ورثه عن والده وأجداده، وحول القصر حديقة واسعة، و بالجوار تجد مزرعة خيول تضم حوالي عشرين خيلًا عربيًا أصيلًا، يرعاهم سالم بنفسه، فلقد تربى ونشأ على حب الخيول حيث تعلم تدريبهم منذ أن كان يبلغ من العمر خمسة عشر عاما، وترعرع حب الخيول في دمه فأصبح أشهر مالك لأكبر مزرعة خيول تصدر خيولاً لرجال الأعمال وأمراء الخليج بآلاف الدولارات.
على مدد بصره رأى فريد والده الذي يجلس بالحديقة، يرتدي جلبابا فضفاضا يليق بالمكان المتواجد به، وبجواره النرجيلة، مما جعل فريد يضحك ضحكة خافتة متهكمة وهو يقول لنفسه:
ـ آخر روقان والله..
تقدم منه وألقى التحية بابتسامة رسمية وجلس على مقربة منه وهو يقول:
ـ صباح الخير يا باشا ..
أشار إليه سالم قائلا:
ـ صباح الخير، اقعد.
جلس فريد وعيناه لا تحيد عن والده فقال:
ـ خير، إيه الموضوع الضروري اللي جبتني بدري كده عشانه.
لم يُجبه والده، بل أخرح من جيبه الشيك الذي أعطاه فريد لمنصور الحارس وألقاه أمامه وهو يقول بنظرة غاضبة لائمة أرسلت الحرج في نفس فريد، وقال:
ـ ممكن أفهم إيه ده؟
نظر فريد إلى الشيك بحرج وحمحم قائلا بثبات:
ـ أكيد لما حضرتك تتعامل معاها كأنها في سجن بتقضي عقوبة ومحكوم عليها حكم مؤبد هلجأ لأني أتصرف بالطريقة دي.
نظر إليه والده باستنكار وقال بانفعال لم يُنقِص من هدوءه:
ـ تقوم تِرشي الحارس الشخصي بتاعي؟ تقل من نفسك قدامه بالطريقة دي؟ فاكر إنه مش هيبلغني؟ فاكر إنه هيخسر رضايا مقابل عشرين ألف جنيه؟
ـ مكانش قدامي حل غير كده !
صاح سالم بعصبية وهو يشيح بيديه باندفاع:
ـ إنت مالك أصلا ؟؟ دي بنتي وأنا حر أتعامل معاها زي ما أنا عايز، طول مانا عايش إنت ملكش حق تتدخل في أي حاجه تخصها!
نظر إليه فريد مستنكرا ما يقوله وقال:
ـ وتبقا أختي!! والمعاملة اللي بتتعامل بيها دي مش إنسانية أبدا ! كفاية اللي جرالها بسببك !
ألقاها فريد بغضب أعمى لتتقافز حمم الغضب بعيني والده الذي نهض واقفًا وقال بحزم مشهرًا سبابته بوجهه:
ـ إياك تتجاوز حدودك مرة تانية، مش عشان كبرت في السوق وبقالك إسمك هتكبر على أبوك، إوعى تنسى إني أنا اللي عملتك، أنا اللي عملتكوا كلكوا، و إياك تفكر إنك عشان رئيس مجلس كم شركة هتعمل راسك براسي، فوووق.. أنا بس اللي أقول إيه يصح و إيه مايصحش.. وإياك ثم إياك اللي حصل ده يتكرر، نسيم مسؤوليتي أنا وبس، متضرهاش بإيديك أنا بحذرك.
وتركه وهم بالانصراف ولكن فريد استوقفه حينما قال:
ـ نسيم هتيجي تعيش معايا.
عاد سالم إليه بنظره وقال بحدة:
ـ نسيم مش هتخرج من البيت.
ـ ده مش بيت، ده سجن!
ـ ميخصكش، إنت اخترت تعيش لوحدك وتبعد عن السجن ده من زمان وتهرب من المسؤولية وأنا وافقتك وعملتلك اللي يريحك، بأي حق جاي دلوقتي تعدّل عليا وعاوز تفرض رأيك في موضوع زي ده؟
وتركه وتحرك للأمام ولكن فريد لم يكن ليتراجع أو يؤثر الصمت فلحق به وهو يسير خلفه ويقول بمجادلة:
ـ أنا سِبت البيت لظروف خاصة، مش عشان أهرب من مسؤولية أختي زي ما بتعتقد، اخترت أكون في المكان اللي أبقى مرتاح فيه، وأظن ده أبسط حقوقي، ومن حق نسيم كمان تكون مرتاحة في المكان اللي عايشة فيه.
نظر إليه سالم بنفاذ صبر وقال:
ـ نسيم هتكون مكان ما أنا عاوزها تكون..
وأردف بانفعال غير مبرر؛
ـ جرا إيه مالـــك!! إنت دايما ناقم على كل شيء ومفيش حاجه عاجباك ليه؟ سبتها في دبي اعترضت، جبتها مصر اعترضت.. دايما شايف إني بأذيها وجاي عليها ليه؟
ليقاطعه فريد محتدًا عليه بغضب أسود قد لفظ معه آخر ما تبقى من طاقته:
ـ أنا فعلا غلطان لأني اعترضت لما سبتها في دبي لوحدها وهي طفلة لا راحت ولا جت، وغلطان لأني اعترضت لما جبتها مصر وقررت توديها دار أيتام مع إنها مش يتيمة ومن عيلة كبيرة تسد عين الشمس، الدار اللي صاحبها المحترم كان بيتحرش بالبنات وببنتك وكلهم شهدوا بكده، وغلطان لأني حاليًا معترض على وجودها في البيت اللي هي عايشه فيه زي اللي محكوم عليها بالسجن المؤبد، ممنوع تخرج، ممنوع تروح، ممنوع تيجي، ممنوع حد يزورها، دي حتى لو خرجت بتخرج متخفية وكأنها عليها تار.. أنا غلطان لأني خايف عليها وعاوز راحتها، المفروض أبقى أناني ومبفكرش غير في نفسي وبس !
للحظة خيم الحزن على عيني سالم الذي بدا متأثرًا للغاية ولكنه لم يكن ليُظهر ذلك فقال بصوت عميق وبارد:
ـ أنا أبوها وأدرى بمصلحتها، لما أموت ابقى اعمل اللي انت عايزُه.
هم فريد بالإجابة ولكنه أشار إليه بكفه في علامة مقاطعة معلنًا انتهاء الحوار، فصمت فريد مستسلمًا وهو ينظر لأبيه الذي اتخذ طريقه نحو القصر، ثم زفر وهو يمسح وجهه بكفيه بقلة حيلة ويقول:
ـ مفيش فايدة، هتفضل طول عمرك أناني وظالم.
وعاد أدراجه حيث صف سيارته وانطلق بها عائدًا إلى القاهرة!
لم تنم تلك الليلة ولم يعرف النعاس سبيلًا لجفنيها، تكالبت عليها الهموم وفعلت بها الأفاعيل، وكلما تخيلت أنها من الممكن أن تفقد خالتها في أي وقت دون إنذار انقبض قلبها وغصت روحها، فكيف لها أن تصارع الحياة بمفردها وهي التي تتكيء على خالتها وتستأنس بوجودها في حياتها، برغم مرضها ولكنها الداعم الوحيد والأساسي لها!
لقد كبرت وترعرعت بين أحضانها، لم تعرف لها أمًا ولا أبًا، كل ما تعرفه أن القدر فرق بينها وبين والدتها منذ لحظة لقاؤهما الأولى، حيث ماتت بعد ولادتها مباشرةً، ليتولى بعدها رعايتها والدها والذي كان يعمل سائق قطار ومات في حادث تصادم قطارين وهي تبلغ من العمر عامين فقط، لتنتقل بعدها إلى كنف خالتها، أمها الفعلية، التي احتضنتها وربتها وعاملتها كما تعامل ابنها وأفضل، ولولا وجودها لكانت آلت أمورها إلى أسوأ وأضل مآل.
حسنًا هي لن تنكر أن السيئة الوحيدة في حياة خالتها أنها أم حسن، كابوس حياتها الذي تطمح لأن تتخلص منه يومًا، والذي وضع بصمته الخاصة على حياتها وأعاد صياغتها فحولها إلى نسخة رديئة جدًا تمقتها وتكرهها وتشعر بالخزي منها، لذلك لم تتردد في الإبلاغ عنه عندما علمت بفعلته وكم شعرت بالحرية عندما علمت أنه قد تم الحكم عليه بثلاث سنوات، وقتها تمنت لو أنهم كانوا ثلاثين عاما لكي يفنى شبابه بالسجن أو يموت ويطلق سراحها للأبد.. ولم تشعر إلا وقد مرت السنوات الثلاثة وانقضت، وأوشكت فترة حريتها على الإنتهاء.
أطلقت تنهيدة حارة وهي تنظر إلى انعكاس صورتها الحزينة بالمرآة أمامها ثم رفعت كفيها وهي تتضرع إلى الله وتقول:
ـ يارب، أنا عارفة إني ماستاهلش، عارفة إني عملت حاجات كتير غلط، بس ساعدني عشان خاطر خالتي.. أنا ماليش غيرها.
استمعت إلى طرقات بسيطة على باب غرفتها ففتحت الباب وهي ترسم ابتسامة حانية على ثغرها وقالت:
ـ صباح الخير يا عيوش.
ـ صباح الفل يا حبيبتي، لقيتك رايحه في النوم صعبتي عليا قولت أسيبك تريحي النهاردة من الشغل.
ابتسمت نغم بتوتر، وهي تفكر كيف ستخبرها أنها قد حصلت على البطاقة الصفراء وتم طردها، ولكنها لم تُرد أن تضيف همًا فوق همومها فسكتت وقالت بابتسامة مهزومة:
ـ أنا واخدة أجازة يا خالتي، أسبوع بحاله قاعدة في أرابيزك.
نظرت إليها عائشة بتعجب وقالت:
ـ معقول؟ والست فيفي وافقت؟ دي متستغناش عنك!
نظرت إليها نغم بابتسامة مصطنعة وقالت بسخرية مبطنة:
ـ ليه ده أنا رحت ولا جيت بعمل مانيكير وباديكير، والبنات كتير هناك يعني لو واحدة مشيت مش هتخسر حاجة.
ـ مشيت؟؟ هو إنتِ سيبتي الشغل ولا واخدة أجازة؟..
تساءلت خالتها باستغراب ممزوج بالحيرة فتراجعت نغم فورًا ونظرت إليها بهدوء وابتسامة مزيفة وقالت:
ـ أيوة واخدة أجازة، قلت لازم أخلي بالي منك كده لأن صحتك مش عجباني ليها فترة..
ابتسمت الأخرى بوهن وهي تمسح على خدها بحنان وقالت:
ـ ربنا ميحرمنيش منك يا نغم يا بنتي وأشوفك عروسة وأفرح بيكي قبل ما أموت.
اهتز قلبها وكتمت دموعها رغمًا عنها وهي تقول بعتاب ممزوج بالخوف:
ـ متقوليش كدا عشان خاطري، ربنا يطول في عمرك وتشوفي أحفادي كمان.
ضحكت الأخرى بيأس وهي تمسح على خصلاتها المموجة وتقول:
ـ أحفادك !! بس أنا أطمن عليكي وأعرف إنك بقيتي في ضل راجل يحميكي ويحبك، وأنا وقتها مش هكون عاوزة حاجة من الدنيا، هموت وأنا مرتاحة وراضية.
ونزلت دمعاتها وهي تضيف:
ـ خايفه يا نغم، خايفة أموت وأسيبك لوحدك.
احتضنتها نغم وتشبثت بها بكل قوتها، تتمنى لو كان بإمكانها أن تحتفظ بذلك الحضن وتلك الرائحة حتى يفنى العالم بأكمله، ولكن مَن منّا بإمكانه تحريك دفة مصيره كيفما شاء؟!
ـ بعد الشر عليكي يا خالتي، عشان خاطري بلاش كلامك ده.
ابتعدت عنها عائشة وهي تنظر إليها بتركيز، ثم أمسكت بكتفيها في تصميم وهي تقول:
ـ اسمعيني يا نغم، محدش ضامن عمره، كلنا رايحين يا بنتي محدش هيخلد، الكلام اللي هقولهولك ده اعتبريه وصيتي ليكي..
نظرت إليها بدموع يملؤها الرجاء وقالت محاولةً ثنيها عما تقوله:
ـ خالتي عشان خاطري..
ـ اسمعيني وبلاش تقاطعيني، وصيتي ليكي اوعي تجبري نفسك على حاجة إنتِ مش عايزاها، إوعي تخلي الحاجة والعوزة تخليكي تعملي حاجة أو تقبلي بحاجة مش شبهك، متعمليش زيي وتغلطي نفس غلطتي يا نغم..
كانت ستقاطعها بالطبع عندما التهب فضولها ولكن الأخرى قاطعتها قبل أن تسأل حيث استطردت:
ـ لو بتحبيني بلاش تسألي عن حاجة، كفاية عذاب الضمير اللي عايشه بيه، وكفاية العذاب اللي مستنيني في الآخرة، لو مت افتكريني وادعي لي ربنا يسامحني ويغفر لي يا نغم، وافتكري كلامي دايما في كل حاجه هتعمليها، متخليش حد يغصبك على حاجة إنتِ مش عاوزاها، حتى لو الحد كان مين !
تنهدت نغم وقد أثار حديث خالتها ريبتها وجعل الظنون تعصف بها، ثم نظرت إليها وقالت بتوسل:
ـ طيب ريحيني وقوليلي مخبية عني إيه، متسبينيش لدماغي كدا.
مسدت ذراعيها بلمسة حنونة وابتسامة فاترة وهي تقول:
ـ هتعرفي كل حاجه في وقتها، متشيليش الهم من دلوقتي.
ومسحت آثار الدموع الراكدة بمحجريها وهي تقول:
ـ يلا عشان تفطري، وبعدها هسرحلك شعري وأضفرهولك زي ما كنت بعمل وانتِ صغيرة، عايزة أشبع منك..
نطقت بالأخيرة بدون وعي وشرود، ولكن نغم التقطتها، وحفرت الكلمة جرحًا غائرًا بأعمق أعماق قلبها الصغير الذي لم يذق طعم الفرح بعد.
بعد وصول فريد إلى القاهرة توجه على الفور نحو فيلا والده، صف سيارته ونزل منها متجهًا إلى منصور الذي كان يقف متأهبًا لأي طارئ ولكنه لم يتأهب جيدا لتلك اللكمة التي أتته بغتةً من قبضة فريد فجعلته يميل للخلف ويستقيم مجددا بمنتهى الثبات الانفعالي.
نظر فريد تجاه شرفة الغرفة الخاصة بنسيم ليجدها واقفة تطالعه بخوف وترقب وهي تشير إليه لكي يصعد إلى غرفتها، في تلك اللحظة ابتلع مرارة عجزه وغادر متجاهلا نداؤها وحتى مكالماتها لأنه لا يجد في الوقت الحالي ما يخبرها به.
ثم عاد بعدها إلى سيارته وهو يشعر بأنه تخلص من الكثير من توتره وعاد لرصانته وهدوءه المعتاد، وبتلقائية أخرج زجاجة الكحول وعقم يديه للمرة التي لا يعرف عددها، وتحرك صوب بيته.
بعد أن وصل إلى بيته أخذ حماما وبدل ملابسه وأعد كوبًا من القهوة يحتسيه وهو يجري الاتصال اليومي بعمر ولكن تلك الرسالة المسجلة هي من أخبرته أنه غير متاح حاليًا، فما كان منه إلا ابتسامة متهكمة وهو يردد بضيق:
ـ ليك حق تهرب وتقفل تليفونك ما انت مش شايل هم حاجة ولا هم حد.
وألقى هاتفه بإهمال على الفراش وراح يتمم على مظهره النهائي قبل أن يغادر إلى الشركة.
في مدريد..
بدأ عمر بالاستيقاظ، ففتح عينيه بتعب وهو يشعر بالألم يدق رأسه ويتخلل جسده من كل إتجاه، اتخذ الأمر لحظات حتى تذكر تلك الليلة الطالحة التي قضاها بالأمس، فنظر بجواره حيث كانت تستلقي ‘ لاتويا ‘ شريكة الليلة الماجنة، فهز رأسه ضاحكًا وهو يقول:
ـ نفدت بجلدها.
مال بجذعه ليلتقط الهاتف ينوي معرفة كم الساعة، ولكنه تعجب عندما وجد مكان الهاتف فارغًا، فنهض والتقط ثيابه الملقاة أرضًا وأخذ يفتش بها ولكنه تلقى الضربة القاضية.. جزدانه غير موجود !!!
أخذ يبحث بأرجاء الغرفة كالمجنون، يهرول يمينا ويسارا وينحني أسفل الفراش وبين الأغطية وفي الخزانة ولكن النتيجة صفر!! فبدأ بالسباب واللعن وارتدى ملابسه سريعا وغادر الغرفة متجهًا نحو قسم الاستقبال وسأل عنها فأخبرته الموظفة أنها غادرت ليلا بعد وصولهما الفندق بساعتين تقريبا.
ثار وكان على وشك ضرب الموظفة لأنها ترفض مراجعة الكاميرات، وبالطبع لو يملك المال لأعطاها وحقق غايته، ولكن لاتويا لم ترأف بغربته حتى وسلبته كل ما يملك.
ولأن المصائب لا تأتي فرادى أخبرته الموظفة أنه بضياع هويته فقد أصبح خارج نظام الفندق، وبالتالي سيتم طرده وسحب السيارة منه، ليستخلص من حديثها الأخرق شيئا واحدا هاما.. لقد أصبح بالشارع!!
حاول عمر أن يستدر عطف الموظفة، وأن يشرح لها ما فعلته حبيبته الخائنة التي سرقت كل ما يملك وهربت، إضافة لأنه ذكر لها أنه ابن عائلة غنية جدا في مصر، وأنه سيحاول التواصل مع أيًا من أفراد أسرته وجعلهم يرسلون إليه أموالا عوضًا عن التي سُرقت منه، وأنه سيرد لها الجميل فور عودته إذا وافقت وساعدته، حتى أنه يئس وحاول مواعدتها ربما حينها يستطيع الحصول على مساعدة، فقط كل ما يحتاجه هو فرصة للبقاء بالفندق ليومين إضافيين حتى يتسنى له إدارة تلك الأزمة وإيجاد حل لها، ولكن جميع المحاولات باءت بالفشل.
كانت نغم تجلس أرضًا وخالتها تجلس خلفها على الأريكة ممسكةً بشعرها تجدله كما كانت تفعل دومًا في صغرها وهي تقول بابتسامة وحنين للماضي:
ـ لما أمك الله يرحمها ولدتك وشفتها قد إيه فرحانة إنها خلفت بنت كنت مستغرباها، فضلت أكلم نفسي وأقول هي فرحانة على إيه؟ اللي مخلفتش ولد يبقى مخلفتش، الولد هو اللي هيكبر ويبقا راجل يسندها، انما البنات مشاكلهم كتير ومش بييجي من وراهم غير وجع القلب.
وعقدت جديلتها وراحت تمسح على رأسها بحنان وهي تقول:
ـ بس لما ماتت هي وأبوكي الله يرحمهم وخدتك أنا أربيكي عرفت كانت فرحانة بيكي ليه، عرفت يعني إيه ضحكة منك تنور الدنيا وحضن منك يداوي الروح والقلب، عرفت إن اللي مخلفش بنات يبقا هو اللي فعلا مخلفش.
أمسكت نغم بكفيها الموضوعيْن على كتفيها وهي تقول بابتسامة مشاكسة:
ـ معنى كده إنك مش معترفة بحسن ولا طيقاه!
ضحكت الأخيرة ثم تنهدت، واحدة من تلك التنهيدات التي تشطر القلب شطرين، جعلت نغم تشعر بالضيق من نفسها وهي ترى شعور بالهزيمة يضج بعيني خالتها مع قليل من الأسى:
ـ لأ يا نغم.. حسن حته من روحي، مقاسمني العذاب من يومه، الغُلب والمرار كان كاس وشربناه احنا الاتنين، من يوم ما وعي على الدنيا وهو محروم من إنه يعيش عيشة عادية زي أي حد، اوعي تكوني فاكرة إنه مبسوط بدور البلطجي اللي عايش فيه ده، أبدا.. حسن كبر ملقاش قدامه غير السكة دي، ولو كان مبقاش حسن العقرب اللي بيتهز له أجدعها شنب كان زماننا متداسين من الكل، هي الحياة ماشية كده يا بنتي، غابة واللي ملوش فيها ضهر يتاكل وملوش دية.
وراحت تتمتم بقلب أم لا يقسو ولا يكره أبدًا:
ـ ربنا يفك ضيقتك يا حسن انت وكل اللي زيك، وينتقم من اللي أذوك.
انقبض قلبها وشردت بعيدًا و أحست بما قالته خالتها وقد ترك أثراً لا يُمحى في قلبها، مع قليل من الشعور بالذنب لأنها هي من تسببت في سجنه وتسببت كذلك في حرمان خالتها منه وهي تمر بظروف صحية سيئة، ولكن سرعان ما استعادت وعيها وهي تخبر نفسها وبقايا ضميرها الحي أنه يستحق ما ناله، في النهاية هي لم تظلمه ولم تسجنه عبثًا، كل ما فعلته أنها أبلغت الشرطة بمكانه وساعدتهم في إلقاء القبض عليه.
انتشلتها خالتها من شرودها إذ ربتت على كتفها وهي تقول بنبرة يفوح منها الحنان:
ـ يلا يا ست البنات، قومي وأنا هقوم أدخل اوضتي أرتاح شوية.
ـ أنا هخرج أتمشى شوية.
ـ على فين؟
هزت كتفيها بحيرة وأردفت:
ـ مش عارفه، هتمشى شوية وأرجع.
ـ طيب خلي بالك من نفسك.
خرجت نغم من البيت وهي لا تدري أي وجهةٍ ستقصد، كانت تسير في الطرقات هائمةً، شاردةً تفكر فيما سيحدث بعد أيام، أو ربما بعد ساعات..
ساقتها قدماها إلى أحد مقاعد الاستراحة الموجودة على جانبي الطريق فجلست على إحداهن وشردت، تتذكر حديث خالتها والغموض الذي يلفه، ليصبح هذا الحديث عبئًا إضافيًا إنضم لقائمة أعباءها التي لا تنتهي.
بينما دخلت عائشة إلى غرفتها، أوصدت الباب خلفها بإحكام، وقبعت على فراشها ممسكةً بورقة وقلم وبدأت تكتب رسالة إلى ابنها.” ابني الحبيب حسن، مش عارفة ربنا هيكتبلي إني أعيش لحد ما تخرج بالسلامة ولا لأ، ومش عارفه هلحق أقوللك الحقيقة اللي مخبياها عنك بقالي خمسة وتلاتين سنه ولا لأ، عشان كده قررت أكتبلك الرسالة دي، هحكيلك فيها كل حاجة لازم تعرفها، عشان لما أموت تعرف تاخد حقك من مين وازاي، وأرجوك يابني متدعيش عليا وسامحني، مقدرتش أواجهك بالحقيقة ولا مرة، عارفة إني جبانة.. بس خلاص أنا مش ضامنة عمري…… ”
بعد حوالي ربع ساعة كانت قد انتهت من سرد الحقائق واحدةً تلو الأخرى، وقد أزاحت حجرًا ثقيلا من على قلبها بعد أن كتبت ما لم تجرؤ على قوله كل السنين الماضية، و ذيّلت رسالتها بكلمات يذوب لها القلب ” وقت ما تقرأ الرسالة دي هكون بين إيدين ربنا، ادعيلي ”
طوت الورقة التي روتها بدمعاتها، ثم وضعتها أسفل وسادتها وهي تنوي أن تذهب في الصباح قبل استيقاظ نغم لكي تعطي الرسالة لجارتها أم مرزوق وتطلب منها أن تبقى الرسالة بحوزتها أمانة حتى إذا جاء أجلها وتوفاها الله تسلمها إلى ابنها حسن.
وصل فريد إلى مقر الشركة،. حيث أنها واحدة ضمن مجموعة شركات باسم مرسال جروب للاستثمار العقاري.
دخل ليتلقى الابتسامات المجاملة من البعض والودودة من البعض الآخر، ثم سار خطوات نحو المصعد الخاص به والذي لا يستخدمه أحدا سواه، دخل وقبس زر الطابق الخامس حيث يكمن مكتبه فريد الطراز.
دخل المكتب والذي هو عبارة عن غرفة واسعة جدرانها باللونين الأبيض والأسود، وكل قطعة أثاث فيها إما باللون الأبيض أو الأسود لا تحيد عنهما، بالإضافة إلى تلك اللوحات المعلقة على جدران الغرفة والتي رسمها بنفسه، إضافة إلى لوحة سريالية تعلو الجدار الخلفي لمكتبه،
وتبتلع بشراهة مساحة واسعة منه، لرجل يرتدي معطفا أسودا، وقبعة بولر سوداء، يظهر من خلفه جزء من سور صخري يحول بينه وبين البحر، وتطل عليه من الأعلى سماء ملبدة بالغيوم، الشيء العجيب في اللوحة أن هذا الرجل يمسك بمخ إنسان بين يديه!!
هذه اللوحة كسائر التفاصيل في هذه الغرفة لا تخرج ألوانها عن الأبيض والأسود أيضا، فهو لا يعترف بالألوان أبدا، حياته عبارة عن لونين فقط، أما الأسود فهو يمثل الماضي الذي يحاول تجاوزه والنجاة منه ومن تبعاته العسيرة قدر الإمكان، وأما الأبيض فهو حاضره الذي لا يسمح لشائبة أن تشوبه، ومستقبله الذي يسعى بكل ما أوتي من قوة أن يجعله مستقبلا مشرفا بإمكانه أن ينزع اللون الأسود من قلبه للأبد.
كان بصدد التقدم من مكتبه ولكنه تراجع خطوتين للخلف وهو يرمق تلك اللوحة التي مالت قليلا عن موضعها الصحيح بضيق، واقترب منها وعدلها بحيث جعلها موازية للسقف والحوائط كما يفضّل، وبنظرة ثاقبة اتجهت عيناه صوب مكتبته الكبيرة والتي تغطي من الغرفة جدارين كاملين، فكان على وشك الإصابة بذبحة صدرية عندما رأى كتابًا يحيد عن الصف الموازي له قليلا، فاتجه نحو المكتبة متجهمًا وعدل الكتاب سريعًا، وعاد وهو يزفر بحنق، ثم جلس على مكتبه وأجرى اتصالا بمدير أعماله ( أيمن عز الدين ) وأخبره باقتضاب:
ـ صباح الخير يا أيمن، ياريت تبلغ العامل المسؤول عن تنضيف المكتب يرجع كل حاجة مكانها بالمللي بعد ما يخلص، وأهم حاجة اللوحات تكون في وضع أفقي والكتب كلها في نفس الصف بدل المنظر المستفز ده، وأضاف بحدة وانفعال خافت:
ـ هو أنا هشوف شغلي ولا هعدل وراه؟!
ـ تحت أمرك يا فريد بيه، حالا هبلغه.
أنهى فريد الاتصال وفتح درج من أدراج مكتبه والذي خصصه لقنائن العطر والكحول الخاصة به، وأخرج زجاجة كحول رش منها على يديه، وعلى أطراف سطح المكتب من أمامه وساء الأمر أكثر لدرجة أن طفق يرش من الكحول في كل أرجاء المكتب وفي كل مكان يعتقد أن يد العامل لمسته، ثم تنهد بيأس وشرد قليلا..
بالأساس هو غير راض عن وجود هذا العامل، لأن أشد ما يمقته هو أن يلمس أحدهم أي غرض خاص به، ويكون مضطرا بعدها لاستهلاك مخزون ضخم من عبوات الكحول لتعقيم وإزالة آثار هذا الشخص من على أغراضه، وأحيانًا يضطر آسفا لاستبدال هذه الأغراض بأخرى، لذلك فهو يقوم بتنظيف منزله بنفسه ويرفض رفضًا قاطعًا أن يلجأ لإحدى عاملات التنظيف، ولكن بالطبع لن يستطيع فعل نفس الشيء في المكتب، وهذا ما يشعره بالضيق.
منذ فترة وهو يفكر بجدية في زيارة طبيب نفسي وطلب المساعدة منه، بعد أن أرهقه هذا الوسواس وبدأ يعرقل كثيرا من خطواته، لقد كان مجرد أمرا عاديا في البداية، حتى أنه تجاهله ولم يبح به لأهله إلا بعد طول معاناة، وظل يعاني منه سرًا ما يقرب من سبع سنوات.
سبع سنوات كان يتعجب نفسه في كل مرة يفعل فيها طقوسّا متكررة، وغير منطقية، وحمقاء أحيانًا، ومهما جاهد في نفسه لكي لا يمتثل لتلك الرغبة الملحة في القيام بهذه الطقوس تكالبت عليه الوساوس وشعر بالخطر والتهديد بالضياع أو المرض، ليجد نفسه في النهاية خاضعًا لوساوسه، أسيرًا لأفكاره، وغارقًا بها.
نفض تلك الأفكار عن رأسه، ونهض متجهًا للغرفة الملحقة بالمكتب، دخل وقصد ركن القهوة الخاص به وأعد قدحًا بمعاييره الخاصة، ثم أخذه وخرج عائدًا إلى مكتبه وفتح حاسوبه وبدأ بمراجعة رسائل البريد الإلكتروني التي وردته اليوم، وبعد الانتهاء من مراجعتها عاود الاتصال بعمر ولكن يبقى الوضع على ما هو عليه.. الهاتف مغلق!
ثوانٍ وانفرج الباب ودخلت شابة لها إطلالة رائعة، ترتدي بدلة نسائية باللون الأبيض، وتحتها قميص من اللون السماوي، تعكص شعرها للخلف فينسدل على ظهرها مانحًا إياها هيئة كلاسيكية منمقة، تقدمت للداخل تطرق الأرض بحذائها ذو الكعب العالي وهي تحمل بعض الأوراق بين يديها وتقول مقبلةٍ عليه بابتسامة:
ـ جايلنا عرض هايل يا فريد .. مستثمر سعودي عاوز يدخل معانا شريك في مصانع الوادي الجديد..
كان ينظر إليها بسخط يطغى على أي أمر آخر، ثم أشار بقلمه نحو الباب مردفًا بهدوء:
ـ چيلان، اخرجي وخبطي ولما أسمحلك تدخلي ادخلي.
حملقت فيه بعينين تشبه الخرزتين الزرقاوين وقالت بغير تصديق:
ـ نعم؟ إيه اللي بتقوله ده؟!
ولكنه تجاهل نظراتها المذهولة وسحب قلم من كوب الأقلام المنحوت على شكل صبارة أمامه وهو يدون به شيئا في الأوراق المكدسة أمامه، وألقى إليها بدون اهتمام:
ـ مش هعيد اللي قولته.
تنفست الصعداء بهدوء نقيض النيران المتأججة بداخلها، وهي تنظر إليه بنزق ولم تجادل لئلا تهين كبريائها مجددًا، ثم نظرت إليه بتحدٍ واضح وهي تقول:
ـ وأنا مش فاضية لسخافاتك.. any way نتكلم بعدين.
أومأ ببساطة فغادرت بغيظ يغلفه الهدوء وأوصدت الباب بمنتهى الثبات وما إن عادت إلى مكتبها حتى أوصدت الباب بقوة وفتحته، وأوصدته بقوة أكبر، ثم عادت الكرّة عدة مرات كمحاولة منها للتنفيس عن غضبها وهي تتمتم بانفعال:
ـ إنسان تافه، مستفز وبارد.
خيّم الليل وهي لازالت تجلس في نفس المكان، حتى أنها تفاجئت بالظلام الذي لاحظته للتو فقط، لتدرك أنها قضت الساعات الماضية في شرود تام، أسقطت رأسها للخلف وحملقت بعينيها نحو السماء بتيه، هناك على مدد بصرها توجد نجوم! تتمنى لو أنها تلمسها، أو ربما يسعها الحظ فتمتلك إحداهن، وراحت تتخيل تلك النجوم وكأنها أمانيها، كل نجمة هي أمنية! تتوق للوصول إليها، أو حتى مجرد أن تنال شرف المحاولة بدلا من جلوسها هكذا مصفدة اليدين تنتظر بلوغ أمانيها بعصا سحرية.
وأثناء رحلة البحث عن النجوم والأمنيات والعصا السحرية اهتز هاتفها بجيبها ليسحبها من خيالها فنظرت به لتجد اسم نيهال فأجابت بهدوء يتخلله الإحباط:
ـ نعم يا نيهال؟
ـ نعم؟؟ هو إيه اللي نعم يا بت مالك؟ صوتك بيقول كتير.
ـ لا أبدا.. أصلي سرحانة مع نفسي حبة، خير في حاجه ؟؟
ـ أصلي قاعدة لوحدي وزهقانة، وحيد مسافر ومش لاقية حاجة أعملها، ما تيجي تقعدي معايا.
ـ لأ أنا إتأخرت وزمان خالتي قلقت عليا أصلا.. خليها مرة تانية.
ـ يا باي عليكي يا نغم، هو إنتِ مفيش فايدة فيكي، لازم أتحايل عليكي يعني عشان توافقي؟ طب يا ستي عشان خاطري تعالي.. أنا مخنوقة يا نغم ومش لاقية حد أفضفض معاه.
تنهدت الأخرى بضيق وقالت:
ـ ماشي يا نيهال، قوليلي عنوانك وأنا هاجيلك.
على الفور أملت عليها نيهال عنوانها فاستوقفت نغم سيارة أجرة وطلبت منه الذهاب للعنوان المنشود.
بعد قليل.. توقف التاكسي أمام مبنى فخم، نزلت منه نغم وأعطت السائق الأجرة بعدما تقاتلت معه وأقنعته أنها لا تملك سوى نصف المبلغ وأنه عليه أن يقبل به أو يضرب رأسه بعرض الحائط، ثم توجهت للمبنى من الداخل وهي تتطلع حولها بانبهار، فهذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها مكانًا بهذه الفخامة.
استخدمت المصعد لكي تصل إلى الطابق العاشر حيث شقة نيهال، فركب معها أربعة أشخاص من بينهم رجلا يبدو في السبعين من عمره، يرتدي قميصا مزركشا، وسروال قصير للركبة، رمقها باستحسان وأرسل إليها غمزة متصابية فقررت الانتقام منه على الفور إذ رمقته بوله مزيف، ورفرفت بأهدابها في غنجٍ مثير، ثم اقتربت منه أكثر مانحةً إياه وعدًا وهميًا بنظراتها التي تعلقت بعينيه ولم تُحِد عنه وهي تمد يدها وتنتشل جزدانه المنتفخ من جيبه الخلفي بخفة يد نشال متمكن ومتمرس، ثم سرعان ما غادرت عند الطابق السابع قبل أن يكتشف فقدان جزدانه.
خرجت وهي تدس الجزدان بحقيبة يدها، وأكملت الطريق نحو شقة صديقتها عبر الدَرَج وما إن وقفت أمام شقة ١٣ حتى ضربت جرس الباب ووقفت تنتظر نيهال التي سرعان ما فتحت وهي تقول بابتسامة عريضة:
ـ وحشتيني يا نغم.
عانقتها بحفاوة، ثم جذبتها للداخل وهي تقول:
ـ لازم يعني أتحايل عليكي عشان تيجي تقعدي معايا شوية؟ هي دي الصحوبية؟؟
قالتها وابتسمت بخبث وهي تراقب نظرات نغم التي تتفحص الشقة بكل ركن وتفصيلة فيها، ثم ألقت بتشفي مستتر خلف ابتسامة صفراء:
ـ الشقة عجباكي مش كده؟
انتبهت إليها نغم وقالت بحرج وهي تحمحم:
ـ أيوة ماشاء الله.. ربنا يهنيكي.
مالت عليها نيهال وقالت وبسمتها المزيفة تتسع:
ـ مش عارفه فيها إيه لو تليّني دماغك وتعملي زي ما بقولك، جوازة زي اللي أنا متجوزاها دي لمدة شهرين اتنين وهتلاقي الفلوس بتجري في إيديكي، صدقيني أنا عاوزة مصلحتك.
كانت هذه هي خطتها في الأصل، ولهذا السبب استدعت نغم للذهاب إليها، لكي تريها بأم عينيها ما ينقصها وما تملكه هي، وما كانت هذه إلا محاولة منها لكي تجعلها تلهث لهاثًا لكي تصير مثلها، نسخة طبق الأصل منها لكي تُرضي عقدة النقص بداخلها أولا، ولكي تضمن أنها لن تتزوج من حسن الذي تهيم به عشقا ثانيا.
على الجانب الآخر قابلت نغم كلام صديقتها بهدوء وقالت:
ـ مصلحتي عارفاها كويس، متقلقيش عليا.
ـ يا عبيطة افهميني، شغلك في الصالون ده مش هيجيبلك اللي نفسك فيه، احنا بنات زي بعض وفاهمين يعني إيه نفسك تروح لحاجة ومتقدريش تشتريها، ما أنا كنت مكانك في يوم من الايام وجربت الحوجة والفقر وعارفة طعمهم زي السم إزاي، بس الحمد لله ربنا كرمني واتجوزت راجل عرف يكفيني ويكفلني، انتِ بقا هتفضلي على ده الحال تغسلي رجلين الزباين وتعمليلهم باديكير ومانيكير لحد إمتا؟
اجابت نغم بغير تردد:
ـ لحد ما الحال يتعدل.
ـ وهيتعدل إزاي بقا من غير ما تسعي؟ فوقي لنفسك يا نغم إحنا اللي زينا عمر حالهم ما هيتعدل إلا لو لقيوا عصاية سحرية تحققلهم أمنياتهم، وأنا أخيرا لقيت، إنتي بقا اللي صعبانة عليا.
لا مشكلة في كذبة أخرى تكومها مع الأخريات، لذا رسمت ابتسامة عريضة على ثغرها وهي تقول:
ـ أنا زي الفل متشغليش بالك.
تصنعت الأخرى الابتسام، وتجاهلت شعورها باليأس، فشبكت ذراعها بذراع نغم وقادتها إلى نهاية الرواق حيث تكمن غرفتها، دخلت وفتحت الأنوار فظهرت معالم تلك الغرفة الأنيقة المجهزة بالكامل على أحدث تصميم، ثم فتحت خزانتها التي تستحوذ على عرض الحائط كاملا وقالت بابتسامة متربصة:
ـ إيه رأيك.؟ وحيد كل ما يسافر لازم يشتريلي فساتين جديدة..
وأشارت إلى الرف العلوي وهي تستعرض مقتنياته وتقول بفخر ساخر:
ـ ده غير الجزم والشنط اللي مش لاقيه مناسبات ألبسها فيها أصلا..
ابتسمت نغم وقد أدركت ما ترمي إليه صديقتها، وقالت برضا مزيف:
ـ حاجات حلوة أوي يا نيهال، ربنا يسعدك دايما.
التقطت نيهال فستانا من الخزانة، ووضعته على جسد نغم وهي تديرها إلى المرآة لكي ترى انعكاس صورتها وهي تقف خلفها وتقول بابتسامة ماكرة :
ـ يخربيت حلاوتك يا نغم، بذمتك مش هياكل منك حته؟!
شردت نغم وهي تطالع الفستان الذي يبدو متناغمًا مع جسدها الرشيق، وبشرتها الصافية، وملامحها الرقيقة، فخرج من فمها نفسًا مضطربًا، ساحبًا معه كل قواها وقالت:
ـ جميل.. بس مش ذوقي.
وهربت من أمام المرآة، وغادرت الغرفة، عادت إلى حيث كانت تجلس ورسمت على محياها ابتسامة رضا تفتقره بشدة، فإذ بها تجد نيهال وهي تتقدم منها وبيدها كيسًا وأعطته لها وهي تقول بابتسامة:
ـ امسكي يا نغم.
ـ إيه ده؟
ـ دول شوية فساتين من بتوعي مبقتش ألبسهم.
تجرعت نغم الإهانة بهدوء وضحكت دون أن تنفرج شفتاها وأضافت بثقة:
ـ وأنا من إمتى بلبس هدوم حد؟ وبعدين حسن قرب يخرج ولو شافني بيهم هيقلب الدنيا، ما انتِ عارفة انه بيغير عليا.
لأول مرة تستخدم حسن كوسيلة ضغط وأداة لاغاظتها، ولكنها فهمت ما تحاول صديقتها فعله، وهذا ما أثار حفيظتها وغضبها الشديد، وجعلها تضرب بكل شيء عرض الحائط، ولما رأت عيني نيهال وقد أظلمتا بغيرة عمياء أدركت أنها قد أصابت الهدف بدقة، فنهضت وهي تقول بابتسامة لم تتخلَ عنها:
ـ أنا كنت جاية على أساس إنك مخنوقة ومحتاجة حد تتكلمي معاه، لكن من ساعة ما جيت مفيش على لسانك غير سيرة الفلوس ويظهر كده إنك فاضية مش مخنوقة، وللأسف أنا مش فاضية.. خالتي عندها جلسة بكرة ولازم أنام بدري..
ووضعت يدها على كتفها وقالت:
خلي بالك من نفسك ولو احتاجتيني في أي وقت كلميني.
لم تتكبد نيهال عناء الإجابة، فقط شاهدتها وهي تغادر الشقة وعيناها تفيض بالحقد والغل، وفور غلق الباب ألقت بالكيس من يدها أرضاً وهي تغمغم بسخط:
ـ قال حسن بيغير قال.. واحدة غبية وخسارة فيها المعروف.
عادت نغم إلى البيت فوجدت خالتها في انتظارها كما كانت تتوقع، والتي بمجرد أن رأتها حتى نادتها بلهفة، وبنبرة صوت لا تقدر عليها سوى الأمهات:
ـ نغم..
على الفور اقتربت منها نغم وارتمت بأحضانها وانفجرت في بكاءٍ لعين، بكاء جعل خالتها تنخرط وسط حالة من الذعر والقلق فقالت:
ـ مالك يا حبيبتي ؟ فيكي إيه يا نغم ؟
لم تُجب نغم، فمالت خالتها برأسها تتفرسها بينما هي تكافح لكي توقف بكاءها وهي تقول:
ـ مفيش يا خالتي أنا كويسة.
ـ حدجتها باستغراب وشك، ثم قالت بلهجة العارف:
ـ لا والله مانتي كويسة.. قوليلي جرالك إيه؟ حد برا ضايقك؟ وإتأخرتي كده ليه اصلا، كنتي فين؟
عرفت نغم أنها لن تتراجع ولن تمرر الأمر قبل أن تخبرها الحقيقة، أو على الأقل تخبرها شيئا مقنعا يفسر حالتها المفاجئة تلك، وبدورها هي كانت ترغب في مشاركتها سبب حزنها علها تهدأ وتجد لديها ما يبرد قلبها؛ فحكت لها ما حدث خلال زيارتها لصديقتها وكيف أنها كانت تستعرض نفسها وممتلكاتها أمامها قاصدةً إثارة غيرتها وحنقها، لتنفعل خالتها وتهدر بصوتٍ غاضب :
ـ نست أصلها الرمة، الله يرحم أبوها كان غطاس مجاري.. مش عارفه فرحانة بجوازتها دي على إيه، تتلهي في خيبتها.. البت دي أساسا مبتنزليش من زور وانتِ عارفة، عارفة ولا مش عارفة؟؟
ـ عارفة يا خالتي.. بس دي صحبتي الوحيدة.
ـ بناااقص.. بناقص منها الصفرا الغلاوية، دي غيرانة منك.. نفسها تبقي زيها وترخصي نفسك لواحد قد جدك عشان يصرف عليكي، هتموت إنك مش شبهها أعوذ بالله من شرها بنت الشياطين دي.
تنهدت وهي تضع يدها على جبهتها، تحاول تدليكها لطرد بوادر الصداع، ثم أضافت بنبرة بائسة:
ـ كلامك للأسف صح، نيهال اتغيرت أوي يا خالتي، مبقتش شبهي ولا أنا شبهها..
هزت خالتها رأسها بكل تأكيد وقالت :
ـ أنا مش عارفه عاجبك فيها إيه، دي اللي في قلبها طافح على وشها ومن كتر السواد اللي جواها مبقتش أطيق أبص في خلقتها، وطالما هي اختارت سكة الفلوس يبقا سكتها غير سكتنا..
وأمسكت بذقن نغم وهي تحايلها بأمومة قائلة:
ـ وانتِ الحياة قدامك يا حبيبتي، والله ربنا هيراضيكي وهتشوفي.
ابتسمت نغم وعانقتها مجددًا، لتتلاشى ابتسامتها على صدر خالتها وهي تشرد في احتمالية فقدان هذا الملاذ الآمن في أي وقتٍ غادر !!
دقائق ودلفت غرفتها، أخرجت جزدان السبعيني المتصابي الذي نشلته بدون ذرة ندم، ونظرت به بتقييم دون أن تعد النقود وتمتمت وهي تخبأه على رف الخزانة أسفل ملابسها:
ـ ضمنّا جلسة بكرة والأسبوع الجاي.
بدلت ملابسها وألقت جسدها المنهك على السرير وطفقت تحملق بالسقف بشرود نحو اللاشيء.
تتذكر ما فعلته، وما تفعله، وما ستفعله طالما أنها تسلك نفس الطريق في كل مرة، إلى زاوية عينها فرت دمعة ترافقها تنهيدة حارة يملؤها اليأس.. إلى متى؟ هل ستقضي حياتها على نفس الوتيرة؟ بالأساس هي غير راضية عما تفعله ولكنها تقنع نفسها دومًا أن لا حل آخر.. لقد حاولت مرارا أن تجد عملا شريفا ولكنها إما أن تُقابل بالرفض لأنها لا تمتلك مؤهلا دراسيا، أو تجد شروطا تعجيزية تمنعها من القبول بهذا العمل، ما عدا عملها بصالون التجميل الذي حصلت عليه بسهولة، ولأنه لا يكفي احتياجاتهم فلجأت لموهبتها المدفونة، وكلما صرخ ضميرها مؤنبًا إياها أقنعته أن توفير ثمن علاج خالتها سيغفر لها ما تقوم به.
وبعد حوار مع النفس طال قليلا استسلمت ونامت، بعد أن ضبطت منبهها على الساعة السابعة استعدادا للذهاب إلى المستشفى.
في صباح اليوم التالي..
استيقظت نغم من نومها بعد أن رن المنبه، أوقفته ونهضت متجهة إلى غرفة خالتها لتوقظها، ولكنها لم تجدها؛ بحثت بالبيت والتعجب يعتريها وهي تنادي باسمها لتستمع فجأة إلى صوت طرقات على الباب فتنهدت بارتياح وتوجهت نحو الباب وفتحته وهي تقول:
ـ كنتي فين…
ولكنها لم تكمل كلامها حيث أنها شعرت بقلبها قد توقف لجزء من الثانية، وكأن الهواء يلف حول رأسها كسحابة سوداء عندما رأت الواقف أمامها يطالعها بنظرة جحيمية وهو يقول:
ـ وحشتيني يا نغم !!!!!
رواية محسنين الغرام الفصل الثالث 3 - بقلم نعمة حسن
وحشتيني يا نغم!
شعرت بالهواء يتبدد من حولها حتى كادت أن تختنق، الكابوس قد عاد! وعاد معه جحيمها من جديد.
أخذ رأسها يستدير رغم ثباته، ورؤيتها أصبحت مشوشة وهي تتفرس ملامحه التي لم تتغير عدا عن نحافةٍ بسيطة نحتت فكه وجعلت وجهه نحيلًا عما كان عليه. ووشمًا! لقد وشم عقربًا على جانب عنقه مما جعله يبدو أكثر إجرامًا، وجعلها تتساءل، هل هو فخور بلقبه إلى هذا الحد؟
"إيه، هتفضلي تبصيلي كده كتير؟ مش هتقوليلي وانت كمان وحشتني يا حسن؟"
بحثت عن كلمات ترقى لهذا الموقف، ربما عليها أن تقول شيئا الآن، وربما الصمت في الوقت الحالي هو أنسب الحلول، وربما لو فرت من أمامه الآن لكان هذا أفضل وأفضل!
"مالك يا بت، مش مصدقة إنك شيفاني قدامك دلوقتي مش كده؟"
جذب انتباهها ونظراتها إليه حيث كان يطالعها ببرود جعل دقات قلبها تتسارع، ثم رأت فكه المطبق يسترخي قليلا، وسرعان ما اتسعت ابتسامته وتحولت إلى ضحكات واقترب منها فجأة وعانقها بقوة وهو يقول:
"وحشتيني يا نغم، وحشتيني أوي."
"حسن.."
قالتها بنبرة مبتورة، حاولت قول شيء ما ولكن كأن الكلام قد تبخر فجأة، وظل تعبير وجهها المحايد الذي لا يفصح عن شيء. هل هي سعيدة، أم حزينة، أم مصدومة؟ كل ما يظهر عليها تعبير أجوف ليس له معنى أبدا.
فغرت فاها، ولكنها تلعثمت مجددا ولم تنجح في العثور على ما تقوله، فتنحنحت وهي تقتلع جسدها الهزيل من بين ذراعيه ثم قالت بنبرة مهزومة:
"حمدالله على السلامه!"
قرص وجنتيها بحماس وهو يدلف للداخل ويبحث بعينيه عن أمه أثناء قوله:
"الله يسلمك يا نغم. أمي فين؟"
"أما.. ياام حسن…"
نظرت حولها بضياع وتشتت وهي تبحث عنها كذلك وقالت بصوتٍ واهن:
"مش عارفه راحت فين، أنا لسه صاحية حالا وكنت بدور عليها."
التفت يواجهها بعينيه وقال باستغراب:
"هتكون راحت فين بدري كده؟"
"أكيد عند أي واحدة من الجيران.. هخرج أشوفها."
كانت بصدد الفرار من أمامه ولكنه قبض على معصمها بيده وهو يقول:
"تعالي هنا.."
توقفت أمامه، لا يفصلهما سوى سنتيمترات بسيطة، وبسبب طوله – غير البشري تقريبا – قابلها صدره العريض المغطى بقميص أسود، كانت ترغب بشدة في الإمساك به من تلابيب هذا القميص وتجعيده ولكنها أجبن من أن تفعلها.
أمسك ذقنها وهو يرفعها لتنظر إليه وقال بنبرة مهزومة:
"وحشتيني."
وابتسم وهو يقترب من نغم التي كانت تتراجع للخلف بعفوية، وهي تبتلع ريقها بتأهب وخوف، ثم قال:
"مش مصدق إزاي التلت سنين دول فاتوا، أنا مت في التلت سنين دول تلاتين ألف موتة، كل ما كنت بتخيل إني بعيد وإنتِ لوحدك انتِ وأمي كانت النار بتمسك في قلبي.."
كانت تقاتل لكي تُبقي جسدها تحت السيطرة، استنشقت نفسًا طويلا وعميقا، وهي تشعر بالبرودة تسري بأوصالها من فرط الخوف والرهبة، بينما هو ينظر إليها كما لو أنه يبحث عن ضالة له بوجهها ويقول:
"كل حبايبي و أصحابي اتخلوا عني يا نغم، اللي عملت عشانهم الواجب باعوني في شدتي، كان نفسي حد منهم يزورني عشان أوصيه عليكم وأقوله ياخد باله منكم ويشوف طلباتكم، لكن محدش زارني طول التلت سنين ولا سأل عني.."
وألقى بحدة وهو يرمقها بنظرات برزت من قاع الجحيم:
"حتى انتِ."
هل هو مختل؟ أم أنه يعاني من اضطراب ما؟ ربما الخيار الثاني هو الأرجح لأنه من غير المنطقي أن يتبدل من حال لآخر في جزء من الثانية هكذا!!
ابتلعت ريقها بتوجس من نبرته التي تصيبها بالخوف وأردفت بصوت ضائع:
"مكنتش بقدر أسيب خالتي لوحدها.."
"ليه؟ مالها أمي؟!"
همت بالإجابة ولكن دخول خالتها هو من قاطعها…. وأنقذها كذلك.
"حسن!!!"
هرول حسن صوب أمه واحتضنها بقوة وهو يقول:
"وحشتيني ياما.. وحشتيني يا أم حسن."
بَيْدَ أنها تكرهه، وتحقد عليه، وتمقت الوجود قربه، لكنها لم تفلح في منع دموعها التي تقاطرت من عينيها وهي تشاهده يعانق أمه ملتاعًا بعد طول فراق، وترى خالتها تستكين بين ذراعيه وكأنها عادت للحياة لتوها.
قبّل رأسها، وذراعيها، وعانقها مجددا وهو يقول:
"الأيام في بعدك مرة أوي ياما.. لولا دعواتك اللي كانت مصبراني مكنتش عارف هعيش ازاي."
تقهقرت نغم للوراء.. خطوة.. خطوتين.. حتى وطأت غرفتها بقدميها وأوصدت الباب من الداخل بإحكام، ثم زفرت وكأنها كانت تستولي على نصف هواء العالم برئتيها، وغمغمت بيأس:
"يا أيامك اللي مش فايتة يا نغم !!"
استيقظ فريد عند الثامنة، فقد قرر منح رأسه ساعة راحة إضافية كمكافأة لأنها تعمل بجد واجتهاد هذه الفترة، عملا بمنطق كافيء نفسك بنفسك، ولم يكن يعرف أنه بعد هذه المكافأة البسيطة سيتكبد عناء ساعات طويلة بسبب ما ينتظره من مفاجآت.
رن هاتف البيت! وهذا نادرًا ما يحدث، ففي الواقع هو يحمل هاتفين، أحدهما مخصص للعمل ويحوي كل ما يخص العمل، والآخر هاتفه الشخصي والذي لا يستخدمه إلا يوم العطلة، أما الهاتف المنزلي فلا يقصده أحد إلا أفراد عائلته وفي حالات الطوارئ والضرورة القصوى فقط.
على الفور التقط سماعة الهاتف ليصله صوت السيدة نادية والتي كانت تقول بصوت مضطرب:
"فريد.. شفت اللي عمله عمر؟!!"
"خير يا نادية هانم في إيه؟!!"
كان يشعر بالقلق الحقيقي حيالها، ويتلهف لسماع إجابتها التي وصلته بعد زفرة طويلة مرتبكة:
"من فضلك افتح موبايلك حالا.. إحنا في كارثة."
التقط حاسوبه وهو لا يزال يتحدث معها، فتحه وقام بتحديث الأخبار فظهر أمامه فجأة مقطعا رائجا كان من نصيب عمر بين أحضان فتاة شقراء ويبدوان في حالة انسجام تام.. والفيديو مذيّل بتعليق مخزي.. " عمر مرسال، شقيق رجل الخير فريد مرسال بين أحضان فتاة تعمل نادلة في فندق أسباني! "
"مش ممكن!!"
قالها فريد بذهول ولم يعقب، حيث كان يستمع لصوت نادية وهي تقول:
"اتفضحنا يا فريد، الغبي عمر حطنا في موقف زي الزفت ومش عارفه أتصرف إزاي، سالم لو عرف ممكن يموته!"
ابتلع بضعة سُباب، وسحب نفسًا عميقًا لكي يحافظ على هدوئه أطول فترة ممكنة، ومسح على وجهه بضيق وقال باستسلام:
"أكيد عرف.."
وتأكيدا على ما قاله رن هاتفه الشخصي برقم والده، فعرفت ضحكة قصيرة متهكمة طريقها إلى شفتيه، وأجاب الاتصال مستعدًا لسجال قوي مع والده فقال باقتضاب:
"صباح الخير."
"خير؟ هو اللي يعرفكوا يشوف خير؟؟ إنت نايم يا بيه وسيرتنا على كل لسان؟ شوف الحيوان أخوك ده فين وجيبهولي قدامي حالا."
تنهد فريد بضيق مردفًا:
"أنا بكلمه تليفونه مقفول، هحاول أتواصل مع الأوتيل اللي نازل فيه وهبلغ حضرتك لو وصلت لحاجه."
بدا من صوته أن ثمة ما قاله فريد قد أزعجه:
"هتحاول؟ بذمتك مش مكسوف من نفسك؟ إنت أخ كبير إنت؟؟ طب بأمارة ايه؟ أخوك يعمل مصيبة زي دي وانت مش داري بحاجة، طبعا وهو إنت هتاخد بالك من إيه ولا إيه؟ كفاية نسيم اللي مش مركز غير معاها، وكأن عمر ده مش أخوك هو كمان وله حق عليك."
كان فريد قد تسلل من سريره، وأغلق حاسوبه، وأنهى اتصال نادية، وخرج إلى الشرفة وهو يستمع لما يلقيه عليه والده بمنتهى الهدوء والثبات، لقد اعتاد ذلك الحديث وذلك الأسلوب، ويعرف أنه حتى لو أضاء أصابعه العشرة شمعًا سيظل مقصرًا في نظر والده.
" تهد الدنيا فوق دماغه وتجيبهولي أنا بقولك أهو، أنا مش عارف هلاقيها منين ولا منين.. خِلفه تكسف!"
ألقاها وأغلق الخط، فأغلق فريد الهاتف بدوره لأنه يعرف أن هاتفه سيعج بالاتصالات حالا، سيتصل به الأقارب والأصدقاء والأحياء والأموات أيضا لكي يستفهموا ويستنكروا ويدينوا ويشجبوا، وهو الآن ليس في مزاجٍ يسمح له بالتعاطي مع أيا منهم.
" خِلفة تكسف!! "
ربما كانت هذه الكلمة هي أكثر ما استوقفه وجعله يشعر بالضيق، هل يشعر أبوه بالخزي فعلا منه؟ ليس وهو يحاول بأقصى استطاعته أن يجعل أباه فخورًا به على الدوام. وهو يبذل قصارى جهده لكي يكون نموذجا مشرفا يحتذى به. فمنذ أن مد جذوره في سوق العمل وهو يسعى جاهدا لكي يكون رائدا في مجاله، وقد حقق غايته بالفعل وأصبح من أشهر رجال الأعمال وعمره الآن لا يتجاوز الخامسة والثلاثين عاما. استطاع في هذه السن المبكرة أن يحفر اسمه بالذهب ويجعل الكل يتشرفون بمعرفته. هل وبعد ذلك كله يخبره أبوه بكل بساطة أنه ابن يجلب الخزي؟
ضحك ضحكة قصيرة، ساخرة، متهكمة من كل شيء حوله، وهو يبتلع تلك الغصة التي توقفت كما الشوكة بحلقه، وبرأسٍ لا يتعطل كان قد حسب تبعيات هذا الحدث وتوقع كيف ستسير مجريات الأمور..
لقد تم نشر الفيديو تحت عنوان " عمر مرسال شقيق رجل الخير فريد مرسال…. "
لماذا لم يتم وصفه بابن العائلة الراقية مثلا، أو ابن رجل الأعمال سالم مرسال؟ أو ابن سيدة الأعمال نادية الصواف؟ لماذا شقيق رجل الخير بالتحديد ؟؟؟ إذًا المقصود هو رجل الخير نفسه وليس شقيقه، لذا يمكنه الجزم بأن هناك مؤامرة قد حِيكت ضده، وبالطبع هذه مؤامرة مدبرة وممنهجة تزامنا مع اقتراب موعد افتتاح الملجأ الخاص به.
ولم تكن شكوكه تلك من فراغ، فهو يعمل في وسط محفوف بالدسائس، وأساليب المنافسة غير الشريفة، يعلم أن هناك الكثير ممن يريدون تشويه صورته وللأسف أخاه الأرعن و المستهتر كان الطُعم الذي اصطادوه به.
تنهد وسار نحو الحمام، غمر رأسه بالماء لدقيقتين، ثم أوصد الماء ودخل إلى كابينة الاستحمام ليتناول حمامه الصباحي، وبعد خمسة عشر دقيقة خرج من الحمام متجهًا نحو ماكينة صنع القهوة وأعد قدحًا من القهوة المضاعفة بدون سكر.. وفي نفس الأثناء كان قد حصل على رقم الاستقبال بالفندق الذي كان ينزل به عمر وقام بالاتصال بهم فأخبروه أنه لم يعد على قيد نظام الفندق، مما أثار ريبته وجعل القليل المتبقي من ثباته يتهاوى، فزمجر ملقيًا بقدح قهوته على طول ذراعه فسقط على الأرض متناثرا.
في دبي "لؤلؤة الخليج"
استيقظت چوليا للتو، وأعدت قهوتها الصباحية ثم جلست تتناولها ريثما تنتهي من تصفح الأخبار، فهي مولعة بمتابعة كل ما يخص الموضة والجمال، حتى أنها كثيرا ما تحضر أسابيع الموضة بباريس، ونظرًت لشغفها بالجمال فقد افتتحت أكبر صالون تجميل بالمدينة، وأسست لها اسمًا معروفًا يقصده مشاهير الخليج والعالم العربي.
وبينما هي تطالع الجديد فإذا بها تُصدر شهقة مصدومة وهي تشاهد فيديو شقيقها عمر، ثم تضع كفها على فمها بغير تصديق وهي تتمتم:
"مش ممكن.. مستحيل يكون ده عمر!!"
على الفور وضعت الحاسوب على الأريكة، ونهضت لتلتقط هاتفها ثم قامت بالاتصال بشقيقتها من فورها والتي أجابت بصوتٍ مهموم:
"صباح الخير يا چوليا."
"چيلان هو اللي أنا شفته ده حقيقي؟! ده عمر فعلا!!"
"أيوة عمر، أكيد مش AI يعني.."
ألقتها چيلان بتهكم لتطلق الأخرى سبابًا بالإنجليزية وتابعت:
"و مامي عرفت؟?"
"بجد مش ناقصة غبائك يا چوليا، أكيد كلنا عرفنا والبيت مقلوب دلوقتي والبشمهندس أخوكي مطلوب للعدالة حيا أو ميتا."
كانت تمسك بالهاتف بيد، وتتخصر بالأخرى، ثم رفعتها إلى شعرها لكي تعيد خصلاتها خلف أذنها وأردفت باهتمام:
"و أونكل سالم خد خبر باللي حصل؟ مش متخيلة بجد عمر وهو واقف قدامه زي الفار وبيتعاقب… so funny"
وانفجرت ضاحكة مما أغضب الأخرى وجعلها تقول بانفعال حاد:
"تصدقي إنك تافهة، مش فارق معاكي شكلنا ولا شغلنا اللي هيتأثر، وثقة العملا اللي هنخسرها؟ مامي هيجرالها حاجة وضغطها واطي من ساعة ما شافت المصيبة اللي عملها الغبي عمر وانتِ واخده الأمور ببساطة وبتضحكي!"
تحمحمت الأخرى بحرج قليلا وحاولت أن تنحي المزاح جانبًا وقالت بجدية:
"طيب وفريد؟؟ أكيد لو عرف هيتصرف.."
تنهدت چيلان بحيرة وقالت:
"فريد مش فاضي أصلا لا لعمر ولا غيره ومش عارفه هنعمل إيه بس غالبًا مامي هتكلم شريف يتصرف."
عند ذكر اسمه اضطربت چوليا وشردت لثوان حتى استمعت لتكرار نداءات أختها فقالت:
"ok هكلمك تاني .. باي."
أنهت المكالمة وقامت بالاتصال برقم شريف الذي أجاب بعد لحظات وقال بصوتٍ ناعس:
"خير يا چوليا؟ في إيه عالصبح؟"
"شريف إنت ليك علاقة باللي حصل لعمر؟"
تساءلت والشك يخامرها ليجيبها هو قائلا ببساطة استفزتها:
"وأنا مالي ومال عمر؟ وإيه مصلحتي إني أورطه ورطة زي دي أصلا، إنتِ مجنونة؟"
"بس انت سألتني عن الأوتيل اللي هينزل فيه عمر وكنت مهتم تعرف!"
"وهل ده معناه إني ليا يد في اللي حصل يعني؟ أخوكي هو اللي عكاك ومنين ما يروح بيورط نفسه، ولو على موضوع إني سألتك عن الأوتيل لأني كنت ناوي استقبله عندي في الأوتيل بتاعي في ‘ فالنسيا ‘ لكن هو راح ‘ مدريد ‘ دي كل الحكاية."
لم تثق بما قاله تماما، فهي تعرفه جيدا وتعرف أنه يعد نفسه المنافس الأشرس لعائلة مرسال، ولكن في نفس الوقت هي لا تظنه حقيرا لهذا القدر الذي يسمح له باستغلال ابن عمته والإيقاع به في ذلك الشَّرَك من أجل إثارة البلبلة حول اسم عائلته فقط!
تنهدت وهي تتراجع عما قالته بنبرة لطيفة وقالت:
"sorry يا شريف أنا مش قصدي أتهمك، أنا بس قلقانة على عمر بعد اللي عمله."
تنهد شريف وهو يجيبها بخفوت واستياء:
"بقولك ايه يا چوليا، أنا شايف إننا مش هينفع نكمل بطريقتك دي، دي مش أول مرة تتهميني فيها إني السبب في مشكلة حصلت لكم، وأنا بصراحه مليت ومعنديش استعداد أستحمل اتهاماتك دي تاني."
"لا لا لا.. بليز يا شريف أنا مش قصدي أتهمك أبدا صدقني، أرجوك متزعلش مني."
تنهد هو مطولا قاصدا رفع توترها لأعلى مستوياته، ثم أضاف بإيجاز:
" ok يا بيبي، عالعموم أنا هقفل دلوقتي، أكلمك بعدين."
أنهى الاتصال سريعا، فتقدمت هي نحو النافذة الكبيرة التي تكشف مشهدًا رائعا لناطحات السحاب التي كشفت عن مدى عراقة الماضي الممزوج بروح المدينة العصرية.
انشغل عقلها عن الواقع المحيط بها وراحت تتذكر كل موقف جمعها بشريف، حب حياتها منذ كانت في الخامسة عشر من عمرها، حينها كان في الثامنة عشر، كان يقضي معهم أوقاتا طويلة بحكم زيارات خالها المتكررة لوالدتها، تتذكر كم كان مولعًا بها وكيف أهداها أول قبلة في حياتها وقال لها ‘ أحبك ‘ .. تلك الكلمة التي كانت كافية لبدء إعجاب دام عشر سنوات كاملة، فها هي تختتم الخامسة وعشرين عاما ولا زالت كلما رأته ترى نفسها الطفلة التي ذابت لقوله ‘ أحبك ‘ .
كانت نزواتهم على مر السنين متضاربة، لقد خانها وهو في العشرين من عمره مع صديقته في الجامعة، ثم عادا بعد سنة – وتبادلا قبلةً هي الأشرس من نوعها –، ثم انفصلا مجددا لأنه صرّح لها بإعجابه بصديقتها المقربة، فقررت أن تنتقم لكبريائها المجروح وواعدت شابًا تعرفت عليه عن طريق الإنترنت ولكن علاقتهما لم تتطور إلى علاقة حقيقية وانفصلا بعد شهر، لينتهي بها المطاف وقد سعت للعودة إلى شريف مجددا.. المسيطر الوحيد على عقلها.
وعلى مدار السنوات تبادلا المحبة المتذبذبة ذهابًا وإيابًا، وكأن إحدى قدميه في الداخل والأخرى في الخارج، محبة مرهقة استنزفت مخزون مشاعرها البِكر وجعلها تعاني مرضًا اسمه ‘ شريف الصواف ‘ .
مرضًا جعلها تسحق ذاتها وتهمش نفسها في حضرته، تتخلى هن كل ما يسعدها لأجله، تنسى احتياجاتها ورغباتها في سبيل تخمين احتياجاته ورغباته هو، وبمرور الوقت واصلت محو أجزاء من نفسها من أجل الحفاظ على علاقة لا جذور لها على أرض الواقع من الأساس.
تنهدت والحيرة تعيث فسادا برأسها، ثم جلست على حافة الأريكة والتقطت حاسوبها، تواصلت مع شركة الطيران وحجزت في أول رحلة جوية إلى مصر.
بعد مرور ساعة تقريبا قضاها في محاولات بائسة للوصول إلى عمر في أسبانيا، قرر أن يكتفي بهذا القدر من الوقت المهدور وينهض ليستعد وليغير ملابسه.
فبالتأكيد طالما أنه لا يزال يرتدي ملابس النوم ويلازم فراشه فلن يفلح في الوصول لشيء، هذا الأمر لن يتم إلا وهو يرتدي إحدى حلاته الفاخرة ماركة ‘ إمبوريو أرماني ‘ ويجلس فوق كرسي المكتب كما يتربع الملك فوق العرش، حينها فقط سيستطيع تحقيق غايته.
لذا نهض واستعد سريعا وغادر المنزل متجهًا إلى الشركة.
هو لا يعتقد بالمؤامرات الكونية، ولكن حين تنهمر زخات المطر فور خروجك من منزلك ويعقب ذلك طريقًا مسدودًا ممتلئًا بالسيارات المصفوفة عليه أن يقر أن الكون فعلا لا يحبه! " يادي القرف "
سب بصوت مكتوم وهو ينظر إلى قطرات المطر المتساقطة فوق الزجاج، وإلى السماء المدججة بالغيوم، وقاده ذلك المشهد إلى ومضة من الذاكرة..
قبل خمسة عشرة عاما تقريبا..كان شابا يافعا في مقتبل العشرينات، حينها لم يكن قد اشترى سيارة خاصة به بعد فكان يلجأ لاستعارة إحدى سيارات والده، ولسوء حظه تعرض لإحدى المؤمرات الكونية التي تشبه هذه التي يتعرض لها الآن، حيث توقف في إشارة وفجأة هبت عاصفة يذكر أنها استمرت لساعتين تقريبا.
طبعا لم يكن الموقف في صالحه أبدا لأنه كان على موعد هو الأول من نوعه، فكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي يواعد فيها إحداهن، ولأنه كان منذ صغره شابا ذو شرف و ذوق رفيع، يتصرف بنزاهة ونبل واحترام تجاه الآخرين، فكان يسعى جاهدا للوصول إلى المكان الذي سيلتقي فيه بالفتاة قبل أن تصل هي من باب اللباقة.
ولكن تلك العاصفة تسببت في تكدس السيارات وتوقف حركة المرور لما يقرب من ساعة تقريبا، فما كان منه إلا أن أرسل إليها رسالة يعتذر فيها عن تأخره وأرفق معها صورة للطريق المتوقف، ليتلقى بعدها رسالة منها تخبره أنها تقبل اعتذاره، ومرفق معها صورة لها وهي تجلس بجوار شابٍ آخر وترفع إصبعين كعلامة النصر.
تلك كانت الصفعة الأولى التي يتلقاها من إحداهن، والتي جعلته يعود أدراجه وهو يرغي ويزبد من فرط الغيظ، يومها اكتشف أنه يمتلك مخزونا من السُباب كان قد ادخره لوقت الحاجة، وبالفعل تم استهلاكه كاملا.
ومن باب أن " المصائب لا تأتي فرادى " اصطدم حين عودته بإحدى أعمدة الإنارة بسبب الرؤية الضبابية والسماء الغائمة وتعطلت السيارة، فاضطر آسفًا لإخبار والده الذي أخبره أنه بالقرب منه وسيمر به في خلال دقائق بعد أن أمطره بوابل من اللعنات،.
يذكر كيف كان يجلس بالمقعد المجاور لوالده كالطفل المذنب وهو يتلقى منه سيلًا من التوبيخات والإهانات التي لا يتحملها طفلاً في العاشرة، وليس شابا في العشرين من عمره ويملك كبرياءً وعزة نفس.
" فاشل، تافه ومفيش منك رجا، عاوز تبقا راجل إتعلم الرجولة الأول، غبي وملكش لزمة… "
كلمات لايزال صداها يتردد بأذنه حتى الآن. حتى بعد أن تخلى عن كل ما يملكه والده وبدأ ببناء نفسه بنفسه وأصبح له صيرورته، حتى بعد أن أصبح رجلا كفؤا وموثوقا ومدعاةً للفخر، حتى بعد أن أصبح اللورد فريد مرسال، لم تزُل هذه الكلمات من قلبه أبدا وظلت محفورة ومترسخة في وجدانه إلى الآن.
صعقهُ صوت البوق الهادر الذي يصرخ خلفه بتفاني جعله يصحو من شروده، لينظر سريعا أمامه فيتفاجئ أنه هو من أصبح يعيق مرور السيارات من خلفه، فصب كامل تركيزه على الطريق أمامه وتحرك مسرعًا يسحق الطرقات أمامه ومعها الذكريات الرديئة.
بعد نصف ساعة تقريبا كان قد توقف أمام مقر الشركة، ترجّل وأمر عامل المرآب أن يقوم بغسلها وتعقيمها، ثم دلف المقر متجهمًا، يبتلع الطريق نحو مكتبه سريعا، فلحق به أيمن مدير أعماله والذي وضع على مكتبه مجلدًا وهو يقول:
"دي صور الترتيبات النهائية للدار، وده كشف فيه أسماء ٢٥٠ طفل هيتم كفالتهم كفالة كلية. وده كشف تاني بأسماء الأسر اللي مستنيين موافقة على طلب الكفالة الجزئية."
ألقى فريد نظرة شاملة سريعة على الملفات أمامه ثم نظر إلى أيمن بشرود على غير العادة وقال:
"خلص كل حاجة انتَ يا أيمن أنا بالي مشغول حبتين."
أومأ أيمن موافقا وقال:
"تحت أمرك فريد بيه."
رفع فريد سماعة هاتف مكتبه ليجري اتصالا ولكنه نادى أيمن مستوقفا إياه قبل أن يخرج من المكتب وقال:
"أيمن، متنساش تبلغ الموظفين وانتَ معاهم.. إن ميعاد الـ check up بكرة."
أومأ الآخر موافقًا وغادر المكتب متجهًا إلى مكتبه، ثم جمع الموظفين وقام بإبلاغهم بما قاله الرئيس التنفيذي:
"فريد بيه بلغني أبلغكم في check up بكرة.."
لتعلو فورا صيحات الاستنكار وعدم الرضا بين الموظفين حيث قال أحدهم:
"أنا مش فاهم لزمته إيه، هو مش ال check up ده بيتعمل كل سنة؟ بعدين بقا كل ست شهور، ودلوقتي بقا كل تلت شهور .. إحنا لو شغالين في منظمة اليونسكو مش هيعملوا فينا كده."
ضحك أيمن بخفوت وأجابه بقلة حيلة:
"اللي عنده شكوى أو اعتراض يتفضل.. مكتب فريد بيه موجود."
أجابته ‘ زينة ‘ موظفة قسم الاستقبال بتذمر:
"وبالنسبة لأن أنا لسه عاملة ال check up ده من شهرين بس قبل ما أشتغل هنا ؟؟"
"كل الموظفين الجداد والقدام هيعملوه.. دي أوامر فريد بيه."
قلبت زينة عينيها بملل وهمست بحنق:
"إنسان مريض، وأنا اللي كنت مستغربة راجل زيه مش مرتبط ليه لحد دلوقتي، ماهو مفيش واحدة طبيعية هتستحمل واحد مهووس زي ده… مستحيل."
زجرها أيمن باستياء حين قال:
"آنسة زينة الزمي حدودك وبلاش تجاوز، قولتلكم مكتب فريد بيه موجود اللي حابب يعترض يروحله، أنا ببلغكم الأوامر وبس.. اتفضلوا."
……
في مكتب فريد، الذي كان يشاهد ما يحدث في مكتب مدير أعماله عبر الكاميرات المتصلة بحاسوبه، فهو لا يتابع ما يحدث إلا في تجمعات الموظفين حيث يدلي كل واحد منهم برأيه بمنتهى الصراحة، وبالرغم من أنه دومًا يستمع لكلمات مماثلة للتي سمعها الآن، ولكنه لا يغضب أو يستاء أبدا، فهو متصالح جدًا مع نفسه، ويعرف أنه يفرض على موظفيه قوانين صارمة، وأحيانا ما يقيدهم بأوامر إلزامية، لذا فهو يتوقع تذمرهم وضجرهم، ولكن ما لم يتوقعه هو أن تنعته إحدى الموظفات بالمريض!
هو فعلا مريض ويعرف ذلك، ولكنه لم يظن أن الأمر واضحًا بذلك القدر!
مهلا… هل قالت أيضا أنه مهووس ولا توجد من تتحمل هوسه لذلك هو لم يرتبط حتى الآن؟؟ هل هو لم يرتبط حتى الآن فعلا لأنه يخشى ألا تتحمله شريكة حياته ويشكل مرضه حائلا بينهما؟ هل مرضه أصبح عائقا كبيرا لهذا الحد ؟؟!!
لقد أقنع نفسه من قبل أنه يؤجل الارتباط للوقت الذي يكون فيه مستعدًا، فالارتباط حاليا ليس من أولوياته، فكل ما يشغله الآن هو تحقيق الكثير والكثير من النجاحات، أما خطوة الارتباط فقد أرجأها للوقت المناسب، ولكن بعد أن سمع ما قالته موظفة الاستقبال عليه أن يكون أكثر شفافية مع ذاته..
ليس الوقت المناسب هو ما يمنعه، ولكن خوفه، هواجسه، وسواسه القهري..
الموظفة على صواب.. لا توجد من ستقبل بأفكاره الوسواسية وأفعاله القهرية، من ستقبل بإجراء فحصٍ دوريٍ كل ثلاثة شهور؟ أو تعقيم يديها عشرين مرة في الساعة مثلا؟ أو الاستحمام خمس مرات أو أكثر يوميا؟ من ستتحمل نفوره من الاحتكاك المباشر؟ قلقه من التلامس الجسدي؟ قرفه من العناق أو تبادل القبلات ؟؟ من ستتحمل وساوسه الجنسية الغير مقبولة حتى بالنسبة إليه؟
بالطبع لا توجد من ستقبل بهذا كله، لذا فقد اختصر الطريق على نفسه وصرف نظره وانتباهه عن فكرة الارتباط، فهو إنسان مريض فعلا، يعيش حياته بالإكراه، يقضي أيّامه مُتعبًا، مُثقلًا بالمسؤوليات، يعيش في دوامة أبدية من الوساوس والشكوك ليس للفرار منها من سبيل.
~~~~~~~~~~~
في مدريد..
بالتحديد في مطبخ أحد المطاعم التي تطل على ساحل المدينة.
كان عمر قد انتهى للتو من غسل الصحون وبعض مهام التنظيف الموكلة إليه، وفي طريقه لرئيس العمال بالمطعم لكي يتقاضى أجره ويغادر، نظر بيده بعدم رضا بعد أن وضع بها الرجل حفنة نقود أقل من المتفق عليه ونطق معترضا بالإسبانية:
"ولكننا اتفقنا على عشرة يورو لليوم الواحد، هذه خمسة فقط!!"
هز الآخر رأسه مؤكدا ما قاله عمر وأضاف بامتعاض:
"هذا لأنك فاشل في غسل الصحون، ييدو أنك لست ناجحًا سوى في العهر، يمكنك العمل كعاهر للإيجار ربما حصلت على ما يكفيك."
طالعه عمر بصدمة، في البداية لم يعِ ما قاله ولكنه استوعب أن هذا الرجل قد علم بشأن تلك الليلة بطريقةٍ ما.
لم يرقه ما تفوه به مشكورا، لذا أمسك عمر بتلابيبه بانفعال وهو يقول:
"ماذا قلت يا وقح؟ من سيعمل عاهرًا للإيجار يا أخرق؟"
وكان بصدد لكمه بقبضته بقوة ولكن الآخر تفاداه وهو يقول باستهجان:
"هل تظن أن هناك من لم يشاهد فضيحتك مع الشقراء؟ عفوا منك ولكنك اخترت أشهر ممثلة إباحية في إسبانيا، لذا فكل إسبانيا والدول المجاورة أيضا باتوا يعرفونك تمام المعرفة."
ألجمت الصدمة لسانه، وزم شفتيه بصمتٍ مطبق وكأنهما حيكتا معًا، وظل يطالع الرجال بذهول وهو يحاول استيعاب الكارثة التي حلت به!!
هل لاتويا قامت بتصويره ونشرت الفيديو ؟؟ هل هذا يعني أنه قد تم فضحه على مرأى ومسمع الجميع ؟ كم شخص رأى الفيديو؟ هل وصل لأهله في مصر؟ والده ؟ هل رآه سالم مرسال؟ سالم مرسال الأب الذي لا يتهاون في العقاب، الذي يتقفى الأخطاء والسقطات، ويتجاهل كل ما هو جيد، هل رآه وهو في أحضان أشهر ممثلة إباحية في أسبانيا؟ لا يمكنه التخيل لأن مجرد تخيل رد فعله يصيبه بالهلع،
أخذ عمر النقود وخرج، نظر إليها مجددا فهي لا تكفي ثمن شراء وجبة عشاء، وهو الذي كان ينوي استعمال الهاتف العمومي لمهاتفة شقيقه وإبلاغه بما حدث له، ليبقى بين خيارين كلاهما ضروري.. العشاء أم استخدام الهاتف؟
تقدم دون حيلة نحو كابينة الهاتف العمومي بالطريق وقام بطلب رقم أخيه بعد أن وضع يورو معدنيًا ووقف ينتظر الجواب بفارغ الصبر.
……
بمكتب فريد…
لم تكن تلك عادته أن يستقبل مكالمات هاتفية من أرقام مجهولة، ولكن في ظل الظروف الراهنة فمن الضروري إجابة كل الاتصالات ربما يكون أحدها واردًا من عمر.
وبالفعل فور أن أجاب المكالمة استمع إلى صوت عمر الذي بدا مرهقًا وهو يقول:
"فريد.. أخيرااا.."
وبعدها استمع إلى نشيجه وهو يقول:
"أنا اتبهدلت يا فريد، اتبهدلت واتسرقت وبنام في الشارع وبغسل أطباق، تخيل.. تخيل عمر مرسال بيغسل أطباق!!"
"إنت فين يا عمر قلبنا الدنيا عليك.."
"أنا لسه في مدريد بس قاعد في الشارع، اتسرقت وطردوني من الفندق .. حتى بطاقتي والفيزا والرخص.. كل حاجه اتسرقت!"
"معقول؟؟ ومين اللي عمل فيك كده؟ وليه مكلمتنيش من ساعة ما ده حصل؟"
"موبايلي كمان اتسرق، وهنا الناس بشعة مستحيل يساعدوا حد بدون مقابل، اضطريت أغسل صحون في مطعم يومين عشان أقدر أستخدم التليفون العمومي وأكلمك.."
"طيب متقلقش قوللي عنوانك بالتفصيل وأنا هتصرف.."
كان عمر بصدد الإجابة ولكنه تراجع متسائلا بشك:
"فريد، هي الدنيا عندك تمام؟"
"لأ طبعا مش تمام.."
هبط قلبه أسفل قدميه بينما تابع فريد:
"الباشا ونادية هانم قلقانين عليك جداا.."
ابتلع ريقه بخوف وتوجس وسأل مجددا:
"بيسألوا عليا ليه؟ حصل حاجه؟"
"حاجة زي إيه؟"
تأفف الآخر بضيق وقال:
"يا باي عليك يا فريد هو إنت هتنقطني بالكلام يا أخي.."
"مالك يا عمر مرتبك ليه، وبعدين ما انت اللي بتتكلم بالألغاز."
"ولا ألغاز ولا فوازير، الأمن عندك مستتب يعني ولا في حاجة حاصلة؟"
تنهد فريد ثم قال بإيجاز:
"لا كله تمام متقلقش، اخلص انت بس وقوللي مكانك قبل الـ coins اللي معاك ما تخلص."
أملاه عمر العنوان بارتياح وأنهى الاتصال، بينما وضع فريد هاتفه على المكتب وهو يطالع والده الذي يجلس على المقعد أمامه يتابع المكالمة بصمت ثم قال:
"شكله عرف إنه متصور!"
أطلق الآخر ضحكة متهكمة وهو ينزل ساقه من على الساق الأخرى، ويشبك أصابعه ببعضها ويقول بتركيز:
"المهم ميعرفش إننا عرفنا، عاوزك تديله الأمان على الآخر لحد ما أطوله بإيديا."
أومأ فريد بطاعة، فنهض سالم و دسّ كلتا يديه بجيبي بنطاله وهو يلقي نظرة شاملة على أرجاء المكان بتقييم، ثم استقر ناظريه على هذة اللوحة التي تعلو الجدار الخلفي لمكتب فريد، وطالعها مليا ثم نظر لابنه وقال:
"مش عارف أنا إيه اللي بيعجبك في الرسومات العفاريتي دي، أنا لما كنت في بداياتي زيك فضلت معلق صورة أبويا خمستاشر سنة في مكتبي، وكانت صورته بالجلابيه كمان، كنت بفتخر إني ابن عمدة كوم الأشراف، إنما إنت عندك تلت شركات طوال عراض إلا ما فيهم صورة ليا بضهري حتى."
" حضرتك في القلب يا باشا."
ألقاها فريد بجمود، ضاغطا شفتيه لتبتسم بزيف، فهز سالم رأسه بهدوء لأنه يعرف أنها مجاملة جوفاء خالية من الصدق، وقال مختصرا:
"على العموم كويس إني جيتلك النهارده، أصل أنا عارف لو مكنتش موجود وانت بتكلم أخوك كنت حكتله كل حاجة وقولتله يخليه عنده، حظه الاسود إنه اتصل وأنا قاعد."
لم يحرك فريد ساكنا وظل يطالع والده بهدوء صامت وهو يطرق الملفات أمامه بالقلم بملل فقال الآخر:
"على العموم أنا كلمت شريف يتصرف في الفيديو ده ويحاول يمسحه من على النت نهائي.. مش عايز حاجة زي دي تفضل وصمة عار في تاريخ عيلة مرسال طول العمر، وانت اعمل اتصالاتك وبكره بالكتير الكلب ده يكون قدامي، وبنبهك تاني.. ممنوع يعرف إني عرفت."
هز الآخر رأسه وقد وصل الملل لديه إلى أعلى مستوياته وزم شفتيه بصمتٍ ليصيح الآخر مستنكرا:
" مالك كده زي ما تكون مش طايقني!"
" لا أبدا، العفو حضرتك.."
تفرسّا بعضهما البعض بنظراتهما، كما لو أنهما عاجزان عن فهم سبب تلك النظرات الباردة، و راودهما السؤال نفسه في الوقت نفسه،
" تلك النظرات، هل هي قسوة أم كره ؟! "
غادرت تنهيدة منهزمة شفتي سالم الذي غادر دون أن ينبس بحرف آخر، وترك ابنه شاردًا في أثره، يفكر في إجابة لسؤاله.
……
يبدو أنها لن تغادر غرفتها قبل أن يغادر هو المنزل، فلقد حل المساء وهي لاتزال مختبأة بغرفتها، تكتفي بالذهاب عند باب الغرفة ثم تسترق السمع لتجده يتحدث مع أمه فتعود وتجلس على سريرها بترقب. فهي تشعر بالخطر في وجوده، تشعر بالضياع بالقرب منه، لا تدري هل ذلك بسبب نظراته التي تفترسها وتأكلها بنهم في كل مرة يراها بها وكأنه يثبت لها أنها ملكية خاصة له مثلا؟ أم بسبب ما تخفيه عنه وعن خالتها وهو أنها من وشت به وأدخلته السجن قبل ثلاث سنوات؟؟
شعرت بألم يغزو رأسها فأخذت تحك جبهتها بقوة كمن يدعك الفانوس السحري آملا أن يخرج منه المارد ويحقق لها ثلاث أمنيات. ولو حاولنا تخمين ماهية الأمنيات الثلاث فبالتأكيد ستتربع على عرشهم شفاء خالتها، ثم اختفاء حسن من حياتها وكأنه لم يكن، ثم امتلاكها المال.. لا ليس المال فحسب.. بل المال الوفير.
وبينما هي تنتظر خروج المارد انتزعها من شرودها صوت ارتطام الكرة بنافذة غرفتها، والذي أصدر طنينا في أذنيها واضطرابا في قلبها، لتلعن بين أنفاسها هؤلاء اليافعين عديمي التربية الذين دائما ما يلعبون الكرة أسفل نافذتها ودائما ما يقتلعونها من عالمها الافتراضي بسبب فوضاهم.
فتحت النافذة وهي تنوي زجرهم وربما استطاعت سبهم كما تفعل في سرها دومًا. لتجد الجار المبجل الشهير بالمعلم جمال عضمة، رئيس نقابة الجزارين بالحي، والذي يجلس أمام محل جزارته، ممسكًا بالمنشّة التراثية والتي ورثها غالبا عن جده السابع، ويلوح لها بها في مشهد رومانسي مبتذل، وعلى وجهه ابتسامة صفراء كشفت عن أنياب كأنياب دراكولا، ثم راح يهندم شاربه المدبب الشبيه بقرنين خروف في طور البلوغ، وينفض مقدمة جلبابه الملطخ بالدم مما أثار تقززها وجعلها تلعن سلسال عائلته – في سرها طبعا -.
وفجأة.. انفرج الباب وظهر حسن الذي يقول بابتسامة:
"هتفضلي حابسة نفسك في الأوضة كده كتير؟"
طالعته نغم بغضب وقالت بانفعال:
"هو انت داخل سويقة؟؟ مش تخبط قبل ما تدخل يا بني آدم ؟!!"
ولكنه لم يعرها اهتمامًا فقد وقعت عيناه على النافذة خلفها، فمال برأسه قليلا فرأى المعلم جمال الهارب من أفلام الأبيض والأسود، وعلى وجهه ابتسامة عريضة لم يتخلَ عنها، وهو يثبت ناظريه على نافذة نغم ويشرأب برأسه لكي يراها.
اصطبغ وجه حسن بالغيظ وظهرت أمارات الغضب جلية عليه، مما جعل نغم تنقل عينيها بينه وبين النافذة حيث يوجد الجزار المعجب بخوف، وازدردت ريقها بخوف أكبر وهي تراه يقترب منها ويطالعها شزرًا، ثم أوصد النافذة بقوة وهو يقول بغضب:
"الشباك ده مفتوح ليه؟"
همت بالإجابة ولكنه قاطعها مردفًا بحنق:
"وإيه اللي موقفك قصاد الراجل ده؟"
رفعت حاجبًا واحدًا بتعجب، وقبل أن تنطق كان قد أمسك بمعصمها بقوة وهو يقول بتوعد:
"كان كله من ده وأنا مش موجود بقا، مش كده؟?"
دخلت عائشة التي ركضت نحوهما بلهفة وهي تقول:
"ايه اللي بتعمله ده يا حسن، سيب ايديها."
صاح بهما مستنكرا وقد استعاد سطوته وهيمنته من جديد وقال بعد أن أصدر زئيرًا عاليًا:
"إيه اللي بعمله ولا إيه اللي بتعملوه انتوا؟؟ أنا عايز أفهم هي الليلة كانت ماشية ازاي بالظبط وأنا مش موجود ؟"
كالعادة تقف أمامه صماء بكماء، خصوصا اليوم بعد أن تناست كيف يكون ترويض مجرم مثله، ولكن خالتها اقتربت منه ونزعت قبضته عن معصمها وهي تقف حائلا بينهما وتنظر بعيني ابنها بحزم وتقول:
"وانت مش موجود زي وانت موجود ايه اللي هيتغير يعني؟ سيب ايديها واختشي على دمك أحسن لك."
صك أسنانه ببعضها في غضب، وهو يحل وثاق معصمها من بين قبضته ويومئ بتوعد ويقول:
"ماشي، اللي تشوفوه، بس وكتاب الله لو شفت الشباك ده مفتوح تاني ما هيحصل طيب."
وخرج من الغرفة وهو يغمغم بانفعال:
"شكلكوا كده ناويين تخلوني أقضي عمري كله في السجن"
صفق الباب خلفه فانفجرت نغم باكية وهي تقول محاولةً درء الاتهام عنها:
"والله يا خالتي ما كنت واقفة قصاده، أنا بس…."
قاطعتها عائشة وهي تضمها إليها بحنان وتقول:
"عارفة يا بنتي، بس اسكتي متعيطيش.. حقك عليا أنا."
بكت نغم كما لم تبكِ منذ ثلاثة سنوات، يبدو أن مجيئه سيصحب معه الكثير من البكاء والقهر.. وبينما هي تبكي قاطع نحيبها صوت حسن الجهور وهو يتشاجر في الخارج مع الجزار المعجب، وعلى الأغلب قد تهجم عليه بالضرب مما جعل الجزار يثور كالثور الهائج ويشهر ساطوره معلنا عن استعداده لخوض نزال محسوم لصالحه، ثم أمر صبيانه بالإمساك بحسن الذي ظل في حالة كر وفر معهم.
إلى أن هرولت نغم إلى الجزار، ووقفت تستجديه وتتحدث معه لدقائق، فأعلن بعدها الجزار انتهاء العراك وطلب من صبيانه الكف عن ملاحقة حسن وهو يقول بتفاخر:
"سيبوه يا رجالة، الآنسة نغم اترجتني أسامحه وأنا عشانها أعمل أي حاجه."
ونظر إليها وهو يمسح على شاربه المدبب ويقول:
"انتِ تؤمري أمر يا ست البنات."
أجبرت شفتيها على الابتسام وشكرته، ثم عادت سريعا لتطمئن على خالتها التي انخفض ضغطها وكادت تفقد وعيها خوفا على ابنها من بطش الجزار، وجلست بجوارها وهي تقول:
"خلاص يا خالتي روقي، أنا استسمحت المعلم جمال وهو قاللي إن المشكلة اتحلت خلاص متخافيش."
"مفيش حاجه اتحلت يا نغم طول ما حسن بيدور على المشااكل بملقاط، أنا على قد ما كنت حزينة على رميته في السجن على قد ما كنت مرتاحة لأني عارفه إنه هناك في أمان، على يدك أهو من أول يوم خرج فيه من السجن عمل مشكلة مع الجزار، مش هيرتاح إلا لما يموتني بقهرتي عليه."
في الخلفية برز صوت حسن الذي ظهر فجأة من العدم وهو يقول بصوتٍ هادر يملؤه التهكم:
" متقلقيش، طول ما انتوا بتعاندوني هتشوفوا من ده كتير، يارب بس يا نغم هانم تكوني مبسوطة باللي جرى، المرة اللي فاتت اتسجنت تلت سنين في عيل خيخة ميسواش كان عاوز يخطبك قال، ومعنديش مانع اتسجن قدهم في سيد قشطه اللي بره ده.. معنديش مانع اقضي عمري كله في السجن بس تبقي عارفة إنك مش هتكوني لحد غيري أبدا."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد نوبة انهيار استغرقت حوالي ساعة كاملة قررت أن تستسلم وتغمض عينيها علها تحصل على الراحة ولو للقليل من الوقت، فأغمضت عيناها لتهاجمها كلماته المسمومة.. كلماته التي يظل يلقيها على مسامعها لكي تعتادها وتقتنع بها وتتخذها أمرًا مسلمًا به، كأنه يقول أنه لن يتركها وأنها لن تصبح لغيره، وأنه مستعد لقتل رجال الأرض والكواكب المجاورة أيضا في سبيل الحفاظ على ملكيته لها، وهذا أكثر ما أثار قرفها واستياءها، فهي لن تكون زوجة لذلك المجرم أبدا، لن تحكم على نفسها بالموت البطيء مع إنسان لا يمت للإنسانية بِصلة، إنسان لا يعترف لا بالقانون ولا بالمنطق ولا بالعاطفة، رجل مليء بالميول الانتقامية الحاقدة.
يقولون أن الخيال الجيد لا يستخدم للهروب من الواقع فحسب، وإنما لخلقه أيضا.
لذا سبحت بخيالها بعيدا، تخلق لها واقعا بعيدا عن كل السوء الذي يحيط بها، حياة أخرى تستحقها، تليق بها كفتاة محبة للحياة وللسلام، حياة تليق بفراشة مثلها تتنقل فيها من الترف إلى الأمل، ومن الاحتواء إلى الحب..
وبينما هي تسافر وتتنقل بين عوالمها الخيالية انتزعها حسن منها بقوة إذ فتح الباب بغتةً ودخل وهو يترنح يمينًا ويسارًا ويقترب من سريرها وهو يقول:
" نغم.. أنا جاي أتكلم معاكي.."
فتحت جفنيها مصعوقةً، رمشت بخوف، وأبصرت الإجابة نصب عينيها، هذا الكابوس الذي لا تجد له اسما مناسبا أكثر من ذلك يقتحم عليها الغرفة وهو ثملٌ وفي حالة يرثى لها.
انزوت في ركن فوق السرير والتصقت بالجدار بالخوف، وهي تراقبه يتقدم منها وهو يتراقص بغير ثبات ويهذي بكلمات مبهمة، ثم استلقى فوق فراشها فجأة ساكنًا دون حراك فشعرت بقلبها وقد تجمد أو توقف عن النبض وهي ترمقه يستقر بجوارها كالميت تماما.
تسللت من جواره بهدوء شديد وما إن وطأت قدمها الأرض حتى تفاجئت به يحيط خصرها من الخلف بقوة وهو يميل عليها ويهمس بشيء ما، وقبل أن تصرخ كان قد كمم فمها بكفه وهو يقول:
" متخافيش.. أنا مش هعضك."
حاولت مقاومته بكل ما تملك من شراسة، فكانت تركل بقدميها وهي تحاول الفرار من بين قبضته ولكنه كان ممسكًا بها بإحكام بسبب فارق الطول بينهما وتفوقه الجسماني عليها، ثم مال عليها وهو يهمس بكلمات لم تستطع تمييز سوى القليل منها:
" اهدي وأنا هسيبك."
أومأت بشدة وهي تذرف الدموع بخوف شديد، فنزع قبضته عن خصرها ولكنه ظل مكممًا فمها بقوة، فاستدارت لتواجهه بخوف فإذ به يرمقها بنظرة مرتخية بعض الشيء، ويقربها منه أكثر وهو يقول بوله سافر:
"أنا بحبك يا نغم، ليه مش حاسة بيا."
تهاوت دمعاتها بغزارة فأمسك بوجهها بين كفيه وهو يقترب منها بشدة ويلقي عليها لعنة أنستها كيف تصرخ حتى وجعلتها تنظر إليه برعب، قبل أن يميل نحوها ويحاول تقبيلها، حينها تناولت بيدها قنينة الماء الزجاجية المستندة على الطاولة من خلفها وكسرتها فوق رأسه بكل ما أوتيت من قوة، وخرجت تركض خارج غرفتها وخارج البيت بالكامل…
يتبع…
رواية محسنين الغرام الفصل الرابع 4 - بقلم نعمة حسن
رواية محسنين الغرام الفصل الخامس 5 - بقلم نعمة حسن
رؤوف خلف، طبيب نفسي.
وقف يرمق الاسم بتفكر، لقد لجأ لهذا الطبيب مسبقًا بشأن حالة نسيم، وهو صديق مقرب للعائلة، وتربطه بوالده صداقة قوية، ويعرف أنه من أكفأ الأطباء النفسيين. ولكن.. ما النفع الذي سيعود عليه بعد مقابلته؟ هل سينجح في مساعدته على التصدي للوسواس وكبحه؟ أم أنه سيسلك نفس طريق الطبيب النفسي الذي زاره قبل خمس سنوات ويصف له مضادات الاكتئاب والقلق التي لا تجدي نفعا!
وعى من شروده على صوت اتصال وارد من أيمن مدير أعماله فأجاب ليخبره الأخير قائلا:
ـ فريد بيه الاجتماع بعد نص ساعة بالظبط.. أعضاء مجلس الإدارة كلهم موجودين مش فاضل غير حضرتك.
ـ في الطريق يا أيمن، مع السلامة.
أنهى الاتصال وغادر الشقة سريعا، ليجد العامل في انتظاره بجوار السيارة التي أمره فريد بغسلها، ولكن فريد رمق السيارة بضيق وقال:
ـ هات التانية.
بعد دقائق أحضر العامل السيارة الأخرى فاستقلها فريد وانطلق نحو الشركة آملًا أن يصل قبل الموعد لكي لا تكون سابقة هي الأولى في تاريخه المهني، فهو دائمًا ما يكون أول المتواجدين على طاولة الاجتماعات ويعطي المتأخرين دروسًا عن الانتظام وتحري الدقة واحترام المواعيد، فكيف سيكون حاله عندما يصل متأخرًا بعد كل هذه الشعارات التي ينادي بها؟
أخرج الهاتف وقام بالاتصال برقم الطبيب النفسي، فأجابته مديرة المركز قائلة:
ـ أهلا يا فندم، مع حضرتك زهراء من مركز الدكتور رؤوف خلف، اتفضل.
ـ مساء الخير.. عايز أحجز ميعاد النهاردة مع دكتور رؤوف.
ـ تحت أمرك، الساعة ٨ مناسب؟
ـ تمام مناسب..
ـ تمام في انتظار حضرتك، مع السلامة.
أنهى الاتصال وأكمل طريقه شاردًا يفكر.. هل هذه هي الخطوة المناسبة الصحيحة التي كان من المفترض أن يأخذها منذ زمن؟ أم أنه يجوب دروب الوهم وسيعود في النهاية صفر اليدين؟
---
كانت نسيم تجلس فوق فراشها، شاردة عن واقعها، غارقةً في خيالها الحالم، وحياتها الوردية، حيث أنها تبني حياة كاملة في عالم آخر.. لديها زوج مُحب يُدعى حازم، أنجبت منه طفلتين جميلتين، إحداهما تشبهها، والأخرى تشبه والدها كثيرًا، تعيش في بيت يطل على مساحة واسعة خضراء، وفي كل صباح تخرج لكي تركض لنصف ساعة حول البيت في هذه الأرض اليانعة، ثم تجلس على الأرجوحة التي صنعتها بمساعدة زوجها لكي تأخذ قسطًا من الراحة، وبجوارها طفلتيها اللتين اختارت لهما اسم نور وأمل.
انفرج الباب الذي هوى بها من سماء خيالها العامر فوق أرض واقعها الخَرِب، وجعلها تنتفض وتضطرب وهي تنظر إلى التي اقتحمت عالمها هكذا فجأة وبدون مقدمات.
ـ أنا آسفة لو خضيتك.. وحشتيني.
هرولت چوليا نحوها، عانقتها بقوة وهي لا تعرف أن المسكينة لا تزال مشتتة بين عالمين الآن، لذلك لم تُبد نسيم رد فعل أو بمعنى أدق وصل رد فعلها متأخرًا حيث استوعبت عناق چوليا لها بعد لحظات طويلة.
ـ مالك؟ انتِ اتضايقتي إني دخلت من غير ما أخبط أكيد، بس أنا عارفة إنك بتكوني سرحانة ومش هتسمعيني.
ابتسمت نسيم بهدوء وأخبرتها وهي تزيل عنها الحرج:
ـ حصل خير.
أومأت چوليا بموافقة وهي تمد إليها يدها بعلبة كرتونية مربعة متوسطة الحجم وقالت بابتسامة:
ـ بوكس كل مرة..
ابتسمت نسيم وأخذته منها وهي تقول:
ـ ملوش داعي تكلفي نفسك كل مرة يا چوليا، أنا مش بستعملهم أساسًا..
ـ طيب قوليلي أجيبلك إيه بتحبيه؟
تساءلت چوليا برجاء فابتسمت نسيم وهي تمسك يدها وتقول بحب صادق:
ـ صدقيني مش محتاجة أي حاجة، كفاية إنك موجودة.
ابتسمت چوليا وهي تعيد خصلة من شعرها خلف أذنها وتقول وابتسامتها تتلاشى رويدًا رويدًا لتظهر خلفها انطباعًا مجردًا:
ـ عاملة إيه يا نسيم؟ كويسة؟
هزت نسيم رأسها وهي تحاول رسم ابتسامة راضية على محياها الباهت وقالت؛
ـ أنا بخير، متقلقيش.
تنهدت چوليا وقالت:
ـ شوفتي اللي عمله عمر؟
قطبت الأخرى حاجبيها بتعجب وقالت:
ـ عمل إيه؟؟
ـ أصلا ؟؟! ده انتِ في الضياع خالص.
وزفرت بتوتر ثم تربعت فوق الفراش وهي تبحث بهاتفها عن الفيديو الخاص بعمر ولكنها لم تستطع العثور عليه أبدًا فتهدج صوتها قائلةً:
ـ الفيديو اتمسح مش لاقياه، أكيد شريف مسحه.
ــ ڤيديو إيه بالظبط؟؟
هزت چوليا رأسها باستياء ونظرت إلى نسيم وقالت:
ـ Sex scandal‘ فضيحة جنسية ‘
فغرت الأخيرة فاها وهي تطالعها بصدمة، وتغلق فمها وتفتحه كالسمكة في محاولة لإيجاد ما تقوله، فاستطردت چوليا:
ـ أنا مش مصدقة إن عمر يعمل كده، ومش متخيلة أونكل سالم ممكن يتصرف معاه إزاي لما يشوفه؟
شردت نسيم وهي تتخيل عقاب والدها لعمر، فوجدت نفسها تلقائيًا ترتجف من شدة الخوف، بل وتنزوي حول نفسها بهلع وهي تتذكر تلك الحادثة قبل سنوات وصوت العيار الناري الذي لا يفارق خيالها حتى الآن.
فرت دموعها وهي تراه الآن، تتخيله أمامها مسجى على الأرض، غارقًا في دمائه، ووضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها ونحيبها وهي تقول بهيسترية:
ـ هيقتله!
اتخذ الأمر دقائق من چوليا حتى أدركت أن هذه هي حالة اللاوعي التي تنتابها من حين لآخر، فاقتربت منها أكثر وهي تحاول أن تنتزعها منها وتهدئها قائلةً:
ـ إهدي يا نسيم، متخافيش يا حبيبتي مفيش حاجة هتحصل.
كانت نسيم تنظر نحو نقطة وهمية، وكأنها ترى ذلك المشهد يتجسد أمامها الآن بكل تفاصيله فتتسع عينيها أكثر وهي تهز رأسها برفض وتقول:
ـ هيقتله، هيضربه بالنار..
أحاطتها چوليا بذراعها بقوة وهي تربت على خدها بلطف وتقول:
ـ نسيم حبيبتي إهدي.. مفيش أي حاجة هتحصل متقلقيش.
وضمت وجهها بين كفيها وهي تحاول جذب انتباهها لها وهي تقول:
ـ بصي لي.. نسيم بصي لي..
جابت نسيم كل الأركان بعينين مذعورتين قبل أن تستقر بناظريها على عيني چوليا الزرقاوتين، فقالت چوليا بهدوء وهي تضغط أحرف كلماتها مؤكدةً:
ـ مفيـــش حاجة هتحصل.. متخافيش.. عمر مش هيموت.. باباكي مش هيأذيه.. مفيش أي حد هيتأذي متخافيش.
هزت نسيم رأسها تباعًا وفجأة عانقت چوليا وأجهشت بالبكاء بقوة، فضمتها الأخيرة وظلت تمسح على رأسها بحنان وهي تحاول مواساتها ودعمها لكي تخرجها من تلك الحالة التي انتابتها إلى أن هدأت تمامًا وسكنت، فنهضت چوليا تنوي المغادرة وقالت:
ـ أنا هروح أشوف مامي، لو تحبي تعالي ننزل نقعد تحت شويه.
هزت نسيم رأسها برفض فأومأت الأخرى بهدوء وفتحت الباب لتجد سالم يقف أمامها فقالت:
ـ أنكل سالم.. إزي حضرتك؟
ابتسم سالم بأريحية وربت على خدها وهو يقول:
ـ إزيك يا چوليا، البيت نور.
ـ بنورك، عن إذنك.
أومأ بصمت، ودخل متوجهًا نحو نسيم التي كانت تطالعه باستغراب وتعجب شديدين، هل هو في غرفتها فعلًا؟ هل هو يتقدم نحوها الآن؟ ولكن لماذا؟ هي لم تخطئ ولم تتعدَ المسموح لها به في هذا البيت، لم تفعل شيئًا يثير حنقه وغضبه فيجعله يذهب إليها ليوبخها أو ليعاقبها، وأيضًا لم تفعل شيئًا يثير إعجابه فيجعله يذهب إليها ليثني عليها، هي تعيش هنا صماء، بكماء، لا تتفاعل ولا تتعاطى مع أيًا كان إلا عندما يطلب منها، تطيع الأوامر والتعليمات وتتجنب المحظورات مثلها مثل أصغر خادم أو عامل في البيت.. إذًا ما سبب تلك الزيارة المفاجئة يا ترى؟!
ـ عاملة إيه يا نسيم؟
قالها وهو ينظر إليها بهدوء مخيف، دائمًا ما تجد في هدوئه الهدوء الذي يسبق الموت وليس العاصفة، فطالعت هيئته المهيبة وهي تبتلع ريقها بتوجس، وقفته التي تشي بالجبروت، حيث ظهره مستقيمًا ويديه معقودتين خلف ظهره بثقة عالية، و قامته الفارعة وجسده الواقف كالوتد الراسخ في الأرض والذي يوحي بأنه يتقدم في العمر بشكل جيد…إنه والدها.. سالم مرسال.. وإن صح قول أن لكل زمان طاغية فسالم مرسال هو طاغية زمانها، الرجل الذي قتل حلمها وأجج نيران الفقد في وجدانها.
ارتفع حاجباه وقطّب جبهته وأردف بقوة:
ـ نسيم.. سامعاني؟
كان لابد أن تنتبه، فنبرته القوية تلك تحمل في طياتها تحذيرًا وتنبيهًا، فأومأت بترقب وخرج صوتها متذبذبًا:
ـ أيوة.. أنا بخير.. إزي حضرتك؟
تنهد برضا وألقى وهو يهز رأسه بهدوء:
ـ أنا زي ما انتِ شايفاني، زي الفل أهو.
وابتسم فابتسمت بمجاملة ابتسامة مهزوزة، وكأن الذبذبة قد انتقلت من شفتيها إلى قلبها الذي كان ينتفض وهي تراه يقترب أكثر حتى وقف أمامها وأخرج من جيبه ورقةً مطوية، نظرت بها فتبين أنها دعوةً ما.
ـ فريد بعتلي دعوة لحضور حفل الافتتاح، وأنا ماليش مزاج أحضر.
قالها وهو ينقل عينيه من الدعوة بيده إليها، فنظرت إليه بانتباه لتراه يقول مبتسمًا بارتياح:
ـ إيه رأيك لو نستفيد بالدعوة بدل ما تترمي؟
ومد يده إليها ببطاقة الدعوة، بينما هي لازالت تطالعه بغير تصديق وعدم فهم، فهز رأسه متسائلا باستفهام فانتبهت لبلاهتها وصمتها الذي طال، وانفرج فمها أخيرًا فقالت:
ـ آآ.. مش فاهمة؟ حضرتك تقصد إني أخد الدعوة أنا؟
أومأ وشفتيه ترسمان ابتسامة في خط مستقيم، فنظرت إلى يده مجددا وتساءلت بريبة:
ـ يعني هحضر الحفلة؟
هز رأسه وقال:
ـ أكيد مش جايبلك الدعوة تتصوري معاها يعني، مالك فهمك متأخر ليه النهارده؟
رمشت مرات متكررة وهي تمد يدها وتلتقط البطاقة، وظلت تنظر إليها للحظات بغير تصديق، ثم نظرت إليه وقالت بابتسامة هادئة:
ـ شكرًا…
انفرجت شفتاه مانحةً فرصة أكبر للابتسامة في الظهور، ثم ربت على ذراعها بلطف وهو يقول:
ـ أهم حاجة تفضلي تحت عنين منصور ومتظهريش مع فريد كتير.
أومأت رأسها وهي تراقبه بعينيها المذهولتين وهو يغادر الغرفة، ثم فتحت بطاقة الدعوة لتتأكد منها وابتسامتها تتسع أكثر وأكثر، وسرعان ما التقطت الهاتف لكي تتصل بفريد وتخبره بذلك الخبر السار.
---
في قاعة الاجتماعات، كان فريد قد أتى مبكرًا كالعادة، يترأس طاولة الاجتماع ومن حوله أعضاء مجلس الإدارة، وبعض مدراء الشركات الأخرى الذين يسعون لتعزيز الشراكة بين شركاتهم وشركات مرسال، والذين جميعهم يصبون كامل تركيزهم على چيلان والتي تقف أمام شاشة كبيرة وتقدم عرض عمل مهم، ولكنها لاحظت شرود فريد ونظره المثبت نحو نقطةٍ ما، مما جعلها تحاول استدعاء انتباهه بأي طريقة، كأن ترفع صوتها، أو تتحرك من مكانها وهي تحاول تخمين الشيء الغارق فيه لهذه الدرجة، حتى أنها شردت هي الأخرى عما تقوله وأخذت تنظر في وجوه الحضور إلى أن وقعت عيناها على فريال، سيدة أربعينية منتدبة من قبل إحدى الشركات، كانت تجلس على المقعد المقابل لفريد تمامًا، تفحصتها چيلان بدقة ونست العرض الذي كانت تقوم بتقديمه، شعرها المهندم ووجهها النابض بالحياة، ذراعيها المكشوفان ومقدمة صدرها الواضحة للكل، إلى هنا واشتعل فتيل غضب چيلان واحمرّ وجهها بغيظ وهي تهتف بحدة:
ـ فريد..
في حين أن فريد كان غارقًا في شروده، يكاد يقضم أظافره من فرط التوتر الذي يتآكله ببطء ويسيطر على تفكيره، وهو يرمق تلك المزهرية التي خرجت عن الإطار الدائري المخصص لها فوق الطاولة الممتدة بطول القاعة.
لو أنهم يقصدون قتله بالبطيء لما فعلوا ذلك، بالرغم من أنه يضع العديد من الشروط التي يجب مراعاتها عند تعيين العمال المسؤولين عن تنظيف المقر، والتي يكون في مقدمتها أن يكون العامل شديد الحرص على التنظيم والتدقيق، بل والمراجعة أيضًا.. بصرف النظر عن توافر شرط النظافة لأنه أمر مفروغ منه، وإلى الآن لم يجد من يستطيع أداء عمله على أكمل وجه.. أو بالأحرى ‘ كما يفضل هو ‘..
تنهد بيأس لازمه شعورًا قويًا بالتوتر وهو يستسلم مقهورًا، ثم قال:
ـ بشمهندس كريم..
طالعه كريم باستفهام وانتباه ليفاجئه الآخر بقوله:
ـ بعد إذنك اعدل الڤازة..
رفع كريم حاجبيه متعجبًا وقال:
ـ أفندم؟؟
أشار فريد بقلمه نحو المزهرية التي توجد أمام كريم، وهو يستطرد:
ـ الڤازة..
نظر كريم إليها بتعجب وأزاحها قليلا فتابع فريد:
ـ سنتي كمان.. أيوة كدة.
ثم نظر إليه مبتسمًا وشكره، وعاد بعينيه إلى چيلان التي ارتسمت الدهشة جلية على محياها عندما اكتشفت أنه كان شاردًا يحدق في المزهرية وليس في السيدة فريال كما ظنت.
تنهدت چيلان وهي تهز رأسها بيأس، وتابعت عرضها إلى أن انتهت، ثم عادت مكانها وبدأوا بالمناقشة حول العرض الذي قدمته للتو، وأدلى كلا منهم بدلوه وقدم اقتراحاته وملاحظاته عدا فريد الذي كان يطرق فوق حاسوبه بالقلم بشرود، فاسترعت انتباهه قائلة:
ـ إيه رأيك يا فريد؟
انتبه لذكر اسمه ونظر إليهم باستفهام فكررت ما قالته بحرج وتابعت:
ـ أنا اللي بكلمك..
نظر إليها بهدوء قائلا:
ـ بتقولي حاجة؟
زفرت زفرة مكتومة وقالت بهدوء يناقض الانفعال بداخلها، وهي ترغب لو أنها قامت وحملت المزهرية التي كان يحملق بها كالأبله ثم تحطمها فوق رأسه المصون لكي تحصل على كامل انتباهه وتركيزه، ثم تابعت باستسلام:
ـ كنت بسألك عن رأيك في الكلام اللي قاله بشمهندس رائد..
نظر إليه فريد وابتسم بترحيب رسمي، ثم شملهُ بنظرات سريعة وقال:
ـ أنا بعتذر يا بشمهندس، مسمعتش اللي قلته..
ابتسم الآخر برحابة صدر وهو يتحرك في مقعده بغير ارتياح ويكرر ما قاله:
ـ أنا كنت بقترح لو نخصص جزء من الميزانية المتفق عليها دي لتمويل مشروع جديد زي مشروع الخدمات السحابية مثلا.. أعتقد دي حاجة مهم يكون لنا بصمة فيها..
أومأ فريد بموافقة، وقال بإيجاز لأنه لم يركز فيما قاله أساسًا:
ـ أنا شايف إنها فكرة محتاجة دراسة، بس مش بطالة..
أومأ الآخر بتأكيد وأبدى استعداده لمناقشة رئيسه مقترحات الجميع، ثم أعلن فريد انتهاء الاجتماع وأسرع مغادرًا القاعة، ثم اتجه نحو مكتبه وهو يشعر برغبة ملحة وضرورية في تعقيم يديه بعد أن اضطر لمصافحة الشركاء الجدد.
انفرج الباب فجأة ودخلت چيلان، التي تقدمت والغضب بادٍ على وجهها، وهي تطرق الأرض بكعب حذاءها مصدرة صوتًا جعل فريد يشمئز ويشعر وكأن السوس ينخر في رأسه، وقبل أن ينتقد طريقتها المفتقرة للذوق في اقتحامها المكتب بهذه الطريقة كانت قد سبقته وهي تقول بانفعال:
ـ إنت بجد مش معقول، أنا بقيت بشفق عليك بسبب الحالة اللي وصلتلها، تقدر تقوللي إحنا اتكلمنا عن إيه طول مدة الاجتماع النهارده؟ أكيد مش عارف.. ماهو حضرتك قاعد مش مركز معانا، كل اللي مركز فيه الڤازة محطوطة ازاي، الحيطان لونها إيه، الأرضيات باركيه ولا سيراميك..
ألقت الأخيرتين بسخرية واضحة وتابعت:
ـ أنا تعبت لك.. ده حتى رائد مسلمش منك، كنت هتاكله بعينيك لأنه مش لابس كراڤات.. أنا عايزة أعرف إنت مالك، هو انت هتمشي الكون على مزاجك؟ للدرجه دي انت مهووس!!
كان غضبه قد تفاقم حتى بلغ الذروة، وصاح غاضبًا فيها لأول مرة منذ عملها في الشركة وقال:
ـ چيلان إلزمي حدودك واعرفي انتِ بتتكلمي إزاي؟ انتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ هو مين اللي شغال عند التاني؟ ما تاخديني قلمين أحسن!!
تراجعت حدتها واحمر وجهها بحرج، فنظرت إليه بتوتر وهي ترجع خطوة إلى الوراء بتلقائية ثم قالت بتوتر:
ـ فريد إيه اللي بتقوله ده؟ أنا نفسي أساعدك بجد، إنت محتاج دكتور.. لأن الموضوع كل مدى بيسوء أكتر.. النهارده كان إجتماع مهم وإنت مكنتش قادر تركز في ولا كلمة..
هدر بها بغضب وقال بأعلى طبقة صوت يملكها وقد بلغ ضيقه أعلى مستوياته:
ـ قولتلك من الأول متتدخليش في أي حاجه تخصني، وإذا مكانش نظامي وطريقتي على هواكي تقدري تروحي تشتغلي في أي شركة من شركات والدتك على الأقل مش هتضطري تتعاملي مع إنسان مهووس زيي!
ـ فريد أنا مكنتش قصدي..
ـ فريد بيه.
رفعت حاجبها بصدمة لتستوعب ما قاله، فكرر بحدة:
ـ فريد بيه.. انتِ هنا موظفة زيك زي أي موظف تاني، كون إني ابن زوج والدتك ومتربيين مع بعض ده ميدلكيش الحق أبدًا تتجاوزي حدودك وتتكلمي معايا بالأسلوب ده.
تنفست الصعداء بهدوء وهي تحاول لملمة بقايا كبريائها المهدور، وأومأت ببساطة ثم قالت:
ـ sorry.
استدار وأولاها ظهره معلنًا انتهاء الحوار إلى هنا، فغادرت المكتب وهي تشعر وكأنها قد تلقت منه صفعة قوية جرحت كرامتها، بينما أسند فريد كفيه على طرف المكتب وأسقط رأسه للأمام بيأس.. فما كان بصدده اليوم كافيًا للبرهنة على أن الأمور تنحرف عن مسارها الصحيح، چيلان ـ حتى وإن ساءت طريقة طرحها للمشكلة وعلاجها ـ محقة، ولكن هذا لا يمنحها الحق في انتقاده بهذه الطريقة التي جعلت صورته الكاملة ـ أو التي يسعى لجعلها كاملة ـ في نظر نفسه تهتز.
شعر بالتوتر والاضطراب الشديد، وأخذ يحك جبهته ومؤخرة رأسه بقوة وهو يبحث عن الخلاص، ثم أمسك هاتفه وقام بالاتصال برقم مركز الدكتور رؤوف فأجابته مديرة المركز مرحبة فقال:
ـ لو سمحتِ مضطر ألغي زيارة النهارده، وقت ما أكون جاهز هكلمك.
---
كانت نغم تجلس على الطاولة المستديرة بالمطبخ، بعد أن أعدت طعامًا سريعًا وجلست لتتناوله، وضعت أول ملعقة بفمها وأخذت تلوكها ببطء، وبالرغم من جوعها الشديد إلا أنها فقدت شهيتها، وأخذت تفكر في خالتها ودموعها تتساقط على خديها، فأبعدت الطعام من أمامها وأسندت جبهتها فوق قبضتيها وأجهشت في بكاءٍ مرير.
كل ما تفكر فيه الآن هو حالتها الصحية، وجلساتها المقررة؟ كيف ستذهب إليها وهي لم تخبر حسن من الأساس أنها مريضة بالسرطان، فقد طلبت منها خالتها ألا تخبره يوم خروجه من السجن، وأرجأت الأمر لوقتٍ لاحق، فهل أخبرته أم لا تزال تخفي عنه ما حل بها، بالطبع لم تخبره لأنها ستكون الآن مشغولة بالبحث عنها، ترى كيف تشعر؟ هل هي حزينة؟ بالطبع حزينة وفؤادها ينفطر عليها، فهي تعرف ماذا تعني بالنسبة لخالتها، هي ضياء عينيها كما تخبرها دومًا.
ودت لو أخبرت خالتها الآن أنها بالنسبة إليها أيضًا ضياء عينيها ومهجة روحها، وأنها بدونها كالقشة في مهب الريح، جسدًا بدون روح.
ـ منك لله يا حسن.. إنت أُس البلاوي.
نهضت من على الطاولة وحملت الأطباق ثم وضعتها بالحوض، غسلتها ثم خرجت من المطبخ لكي تتجه إلى غرفة المعيشة تبحث عن أي شيء يسليها حتى يحين الغد، ولكنها توقفت وهي تنظر لنفسها وتكتشف هيئتها العجيبة التي لا تزال عليها.
فكرت قليلًا ثم دخلت غرفة النوم، وقفت أمام الخزانة المحملة بالكثير من الملابس، ثم انتقت منامة سوداء عليها نقاط بيضاء دائرية كانت هي الوحيدة التي تصلح للارتداء بين كومة القصاصات المعلقة.
دخلت إلى الحمام وأوصدت الباب خلفها من الداخل، وأخذت تتفحصه بغرابة وهي تتمتم:
ـ يا لهوي، حمام ده ولا قاعة أفراح!!
أخذت حمامًا سريعًا وارتدت تلك المنامة التي وقع اختيارها عليها، ثم خرجت وهي تشعر بالراحة نوعًا ما. ثم دخلت غرفة المعيشة، ألقت بجسدها المنهك على تلك الأريكة الوثيرة وأخذت تفكر في يوم غد، واتفاقها الخيالي مع هذا المجهول، هل ستواتيها الجرأة لفعل ما طلبه منها؟ ولكنها وجدت نفسها تجيب: هي غير مخيرة من الأساس، هي مجبورة على فعل ذلك لكي تحصل على المال، ثم أنه لم يعرض عليها خمسة آلاف جنيه مثلًا، بل نصف مليون جنيه، مبلغًا من شأنه أن يغير حياتها تمامًا، سيحقق لها آمالها ويساعدها في الهروب من بطش حسن الذي بالتأكيد يبحث عنها الآن ليوقع بها أشد عقاب، ثم أنها ستكون قادرة حينها على مساعدة خالتها، وربما استطاعت إقناعها في ترك حسن والذهاب للعيش معها في الشقة التي ستشتريها لتسكن بها.
وأخذت تفكر وهي تطرق ذقنها بسبابتها:
ـ نص مليون جنيه يجيبوا شقة فين؟ أكيد مش في مكان زي ده، ولا شقة زي شقة نيهال مثلًا، أنا ممكن أأجر شقة وبالباقي أشتري عربية، بس الباقي مش هيجيبلي توك توك حتى!! وبعدين هتعملي بالعربية إيه يا نغم هو انتِ بتعرفي تسوقي أصلًا!!
عدلت وضعية جلوسها فوق الأريكة وهي تجمع شعرها للأعلى وتقول بتفكير:
ـ أنا ممكن أحطهم في البنك وأصرف من فوايدهم كل شهر!! فكرة برضو.. بس أنا معييش بطاقة!!
تنهدت بيأس وصمتت لثوان قبل أن تطرق إلى رأسها فكرة فقالت:
ـ بس.. أنا افتح بيهم مشروع، كوافير زي بتاع فيفي، وأسميه بيوتي سنتر نغم..
وابتسمت واتسعت ابتسامتها أكثر بحماس كلما تخيلت نفسها وقد أصبحت من سيدات الأعمال تأمر وتنهي كما يحلو لها.. ووصولًا عند هذا الخاطر وجدت نفسها وقد اقتنعت بما ستفعله، فهو سلاح ذو حدين، أولهما أنها ستحصل على النقود من خلاله، والثاني أنها ستساهم في كشف حقيقة هذا القذر المتحرش الذي يستغل البنات اليتيمات ويعتدي عليهن، وبالرغم من أنها غير متقبلة للطريقة التي ستفعل بها هذا ولكنها تطمئن نفسها بأن الغاية تبرر الوسيلة.
---
في اليوم التالي..
كانت چوليا قد استعدت للذهاب إلى الحفل، وكذلك والدتها، وفي انتظار نسيم التي خرجت من غرفتها وهي ترتدي فستانًا بسيطًا باللون الكستنائي لائمها كثيرًا..
ـ واوووو… تحفه يا نسومه.
قالتها چوليا وهي تمسك بكف نسيم وتجعلها تستدير حول نفسها ثم قالت لوالدتها التي تجاورها:
ـ إيه رايك يا مامي، برنسيس مش كده؟
ابتسمت نادية ببشاشة وقالت:
ـ زي القمر يا نسومه يا حبيبتي.
ابتسمت الأخرى برقة يشوبها الخجل وقالت:
ـ ميرسي يا طنط.
في هذه الأثناء خرجت چيلان من غرفتها وهي ترتدي فستانا أبيضا مقفولًا من الأعلى ولكنه ينحسر عن ركبتيها، وحذاءً عالي الكعبين بنفس اللون.
قطبت چوليا حاجبيها وهي تقول باستغراب:
ـ مش كنتي بتقولي مش جاية؟
طالعتهم چيلان بابتسامة عريضة وهي تقول:
ـ مينفعش أسيب فريد في يوم زي ده لوحده!
قلبت نادية عينيها بملل وغيظ، وانصرفت عنهم لكي لا تصاب بجلطة من رعونة ابنتها التي عادت من العمل بالأمس وهي في ذروة غضبها وأقسمت ألا تخطو شركة هذا المتعجرف بقدميها مرة أخرى، وها هي تتأنق وتتألق في أبهى صورها اليوم لكي تدعمه في هذا اليوم!
تحركت الفتيات الثلاث، ليلحقن بالسيدة نادية، التي مرت بمكتب سالم أولا فوجدته يجلس يتابع شيئًا ما بهاتفه فقالت:
ـ سالم، عمر نايم من ساعة ما وصل الصبح، أرجوك بلاش تصحيه لأنه جاي حالته سيئة جدًا..
أومأ بهدوء فتابعت:
ـ بردو مصمم متجيش معانا؟
ـ هحصلكم متقلقيش، ما انتِ عارفة أنا بمل من الأجواء دي، مش هتحمل أفضل متذنب هناك تلت أربع ساعات، روحوا انتوا وانبسطوا وخلي بالك من البنات وأنا هحصلكم.
أومأت بغير ارتياح، وخرجت لتستقل السيارة هي والفتيات مع منصور الذي سيقلهم إلى الحفل.
---
وقف فريد أمام مرآته يطالع المظهر النهائي، يبدو وسيمًا بحق في هذه البدلة السوداء، وهو لونٌ عدا عن أنه يكسبه وسامة فهو يكسبه أيضًا ثقة وشعورًا بالسيطرة، تمم على كل شيء قبل أن يغادر، ثم خرج متجها للأسفل ليستقل سيارته ويغادر، لم يستطع تجاهل انقباضات معدته التي هي ترجمة فعلية لما يشعر به من توتر وقلق الآن، فهو كثيرًا ما يكون قلقًا في مثل تلك المناسبات، والهواجس التي تعبث برأسه لا تكون هينة أبدًا، حيث يتخيل أن سيحدث شيء مفاجئ ويخرب كل ما خطط له وتعب من أجله، يتوقع الفشل ويخشاه كثيرًا، ويخشى المفاجآت أكثر، يخشى كل شيء مجهول ومبهم ويكون كثير القلق حياله.
تنهد وهو يحاول طرد كل تلك الأفكار السلبية عن رأسه، وأن يشغل نفسه بمراجعة الكلمة الافتتاحية التي سيلقيها في الحفل، كررها مرارًا وتكرارًا حتى أقر بأنه بات يحفظها عن ظهر قلب، ثم أمسك هاتفه ليقوم بالاتصال بمدير أعماله والذي أخبره أن كل شيء على ما يرام.
---
كانت نغم تجلس أمام الساعة المعلقة على الحائط والتي تشير الآن إلى السابعة والنصف، تترقب بخوف وقلق، لقد أخبرها ذاك المجهول أنه سيأتي ومعه الفستان الذي سترتديه وبعدها ستذهب لتنفيذ المتفق عليه.
وبينما هي تفكر استمعت إلى صوت المفتاح بالباب وبعدها دخل المجهول طويل القامة، وخلفه فتاة تحمل بيدها صندوقًا، وبيدها كيسًا تحمله على ذراعها، تقدمت منها ووضعت الكيس على الأريكة بجوارها، فأشار لها إلى الغرفة المقابلة فتوجهت نحوها بصمت، تحت أنظار نغم التي كانت تنظر إليهما بتعجب.
اقترب منها ثم أخذ يتفحصها وهو يقول بابتسامة متلاعبة:
ـ واضح إنك خدتي راحتك أهو ودورتي على هدوم وخدتي شاور كمان..
نظرت لما ترتديه بتلقائية وقالت بخوف وحرج:
ـ أيوة.. كنت محتاجة أغير الهدوم اللي كنت لبساها فأخدت بيچامة من الدولاب.
أومأ مؤيدًا وتابع وهو يتفحصها بخبث:
ـ البيچامة هتاكل منك حته بصراحة.
ابتلعت ريقها بخوف وانكمشت حول نفسها كردة فعل تلقائية، فضحك هو قائلا:
ـ متخافيش قوي كده مش هاكلك.
وأشار إلى ما أحضره وقال:
ـ قومي يلا غيري هدومك بسرعة معندناش وقت نضيعه، والبنت اللي جوه هتساعدك في كل حاجة.
أومأت بهدوء ممزوج بالارتياب، ودخلت الغرفة، فبدأت الفتاة معها بصمت، حيث وضعت لها لمسات قوية نجحت في تغيير ملامحها إلى حد كبير، ثم ساعدتها في ارتداء الثوب والذي لم يحصل على رضا نغم بتاتًا، حيث يصل طوله إلى ركبتيها، مما كشف عن جزءا كبيرًا من ساقيها وكان يرسم قسمات جسدها بوضوح.
في النهاية وضعت لها الفتاة الشعر المستعار بعناية وتممت على مظهرها باهتمام وقالت:
ـ خلصنا، دلوقتي تقدري تخرجي.
كان يقف في انتظار خروجها، يترقب بتوتر، هل ستنجح في هذه المهمة الموكلة إليها أم ستورطه في مصيبة أكبر. ولكنه تفاجأ بها وقد فتحت الباب وخرجت، وقفت أمامه بتوتر ترمقه باستفسار وتأهب، فلمحت نظرات الإعجاب باديةً على وجهه وعينيه اللتين يتفرسانها وأطلق صفيرا معجبًا وهو يقول:
ـ هايل.
ثم نظر إلى الساعة في معصمه وقال متعجلا:
ـ ورايا مفيش وقت.
خرج من الشقة وهي تلحق به، ثم أشار إليها لكي تركب سيارة الأجرة التي تنتظرها، ومن ثم توجه هو نحو سيارته وانطلق بها.
---
كان عمر قد استيقظ من نومه بعد اتصالات والدته التي طلبت منه أن يستعد ويلحق بهم إلى الحفل، فنهض وأخذ حمامًا وانتقى بدلة سوداء فخمة، ارتداها على عجالة ووضع زخات وفيرة من عطره الخاص، ثم وضع ساعته التي تبتلع معصمه ووقف يلقي نظرة أخيرة على هندامه برضا.
وفجأة انفرج الباب بقوة، فأجفل وهو يطالع والده الذي يقف أمامه يضم يديه خلف ظهره، وينظر إليه بهدوء وهو يقول:
ـ صحيت يا عموره؟
نظر عمر إلى والده وابتسم بقلق، وأومأ مؤكدًا وهو يقول:
ـ إزي حضرتك يا بابا.
تقدم سالم نحوه وهو لا يزال متمسكًا بهدوءه وهو يقول:
ـ بابا إيه بقا ده انت اللي بابا.
ونظر إليه بقوة مردفًا بصوته الذي يسطو على كل شيء بالمكان:
ـ ده انت عملت حاجات أنا معملتهاش في ٦٤ سنه.. مش سهل انت بردو.
انزلق ريق عمر بفمه لاإراديًا وكان على وشك التبول لاإراديًا أيضًا من فرط الرهبة التي يشعر بها الآن.
ـ ءآ… أنا مش فاهم حضرتك تقصد إيه؟.. هو حضرتك مش رايح الحفلة ولا إيه؟
ود لو غير مسار هذا الحديث المرعب ولكن والده قال بنظرة جحيمية ونبرة مستترة:
ـ لأ.. عندي حفلة تانية أهم.
وفجأة أظهر يديه من خلف ظهره والتي يحمل بها سوطًا جلديًا فدب الرعب في أوصال عمر الذي تصبب جبينه عرقًا وشعر بالهواء يتبدد من حوله، وهو ينظر إلى السوط بيد أبيه ويقول:
ـ إيه ده؟ إيه اللي حضرتك ماسكُه ده؟
نظر سالم بيده حيث السوط، ونظر إليه وهو يقول بهدوء:
ـ ده؟ ده كُرباج.. بنروض بيه الخيول العصيانه.. جبتهولك معايا مخصوص من العزبة وأنا جاي..
ابتلع ريقه مجددًا بخوف وهو يقول:
ـ ليه؟
ـ مانا قولتلك يا عمورة، بنروض بيه الخيول العصيانه.. اسمع كده بيقول إيه؟؟
وضرب الأرض بالسوط بقوة فأحدث صوتًا مفزعًا جعل عمر يقفز من مكانه ويلتجئ إلى آخر الغرفة، فقال سالم بنبرة يفوح منها الاستهزاء:
ـ خايف يا عمورة؟ لا متخافش.. ده حتى كُرباج صغير أوي.. عشان تعرف أبوك خايف عليك إزاي.
ـ بابا انت ناوي على إيه بالظبط؟
قالها عمر بصوت مرتجف ليصيح به الأخير بقوة أسكتت حتى العصافير على الشجر:
ـ متقوليش يا بابا !! هو انت بنت عشان تقوللي يا بابا؟ أدي أخرة الدلع اللي دلعتهولك أمك..
تكلم عمر وهو على وشك البكاء وقال:
ـ أومال أقول لحضرتك إيه؟
رفع الأخير رأسه وهو يرمقه بنظرات يملؤها الزهو والعنفوان قائلا:
ـ قوللي يا باشا زي ما أخوك بيقول.
ـ حاضر..
أومأ بطاعة وخوف فأشار إليه والده ليقترب فاقترب بخوف فقال سالم:
ـ لف!
نظر إليه باستفهام وتعجب فكرر وهو يضرب الأرض بالسوط مجددا بقوة ويقول:
ـ بقولك لف.
استدار عمر على الفور مذعنًا لأوامر والده، والذي أعقب ذلك بقوله:
ـ اقلع !!
استدار عمر ينظر لوالده بذعر وقال:
ـ ايه اللي حضرتك بتقوله ده؟؟
ـ قولتلك اقلع، ولا انت مبتقلعش غير قدام النسوان، اقلع يا حيلة أمك!
استدار عمر ثم خلع سترته سريعا، وأتبعها بالقميص، ووقف يترقب كجندي في الصف الأول ينتظر استقرار طلقة في منتصف رأسه.
وفجأة واتته الطلقة، والتي كانت متمثلة في جلدة من سوط والده جعلته يصرخ عاليًا فقال سالم بقسوة:
ـ صرخ شبه النسوان، أنا فضيتلك البيت عشان تصرخ براحتك..
وأعقب قوله بجلدة ثانية:
ـ عشان قبل ما تفكر تعمل عملتك دي تاني تفتكر اللي هيجرالك.
وباخته بالثالثة وقال:
ـ عامللي فيها راجل أوي، طب أنا هعلمك الرجولة من الأول وجديد.. عشان لما تفكر تعمل عملة زي دي تاني تفتكر اللي هيجرالك.
ـ بابا أرجوك…
قاطعه بالجلدة الرابعة وهو يقول:
ـ قولتلك متقولليش يا بابا، قوللي يا باشا.. أخوك طول عمره بيقوللي يا باشا..
ـ حاضر.. عشان خاطري يا باشا..
جلده للمرة السابعة وهو يقول بغضب أعمى:
ـ خاطرك؟ هو انت خليت فيها خواطر؟ ده أنا كنت متعشم فيك وبقول انت اللي هتفلح في عيالي.. طلعت وسخ ووسخت اسمي اللي فضلت سنين وسنين أكبر فيه..
وجلده مجددًا وهو يقول:
ـ عملت إيه أنا في دنيتي عشان يكون حظي زي الزفت في عيالي كده، ابني الكبير عيّان وبيشك في صوابع إيده وشكله كده ملوش في الستات، والصغير مقضيها سرمحة مع النسوان..
وهدر بالسوط فوق ظهره وهو يقول:
ـ وأنا اللي فاكرك مسافر في شغل، طلعت مستغفلنا كلنا.
انهمرت دموع عمر وهو يترجاه فأخبره سالم بنبرة صارمة:
ـ عيط يا روح أمك، يمكن تتعلم الأدب وتعرف إن الله حق.
ـ والله ما هعمل كده تاني، أنا آسف والله آسف..
ـ هشش اخرس خالص، مش عاوز أسمع صوتك ده تاني.
وقف عمر أمام والده يبتلع صرخاته ويكتمها تارة ويطلقها تارةً أخرى، إلى أن أنهى والده العد قائلا:
ـ مية..
وألقى السوط من يده أرضًا ثم ارتمى فوق المقعد المجاور له بتعب وأنفاسه تتلاحق، بينما ارتمى عمر فوق الفراش يبكي بقهر ويئن بتعب مميت.
---
وقف فريد متأهبًا، يبتسم بهدوء وهو يستقبل المشاركين في الحفل، قلبه يطرق بارتياب غير مبرر، ولكن وجود نسيم هو ما يبعث على القليل من الراحة، فكلما نظر إليها وجدها تهديه ابتسامة حنونة تهدئ من روعه.
أشار إليه مدير الدار أن الفقرة المتفق عليها جاهزة للعرض، وهي فقرة افتتاحية للحفل تم تصميمها وتدريب الفتيات اللواتي انضممن للدار ليقمن بها.
انخفضت الأضواء جميعها ما عدا من ضوء خافت مثبت على الاستعراض، والذي جذب أنظار الجميع إليهن وجعلهم يتفاعلون معهن بحماس.
انسلتت نسيم من جوار منصور تنوي الذهاب لفريد والبقاء بجواره، وبينما هي تحاول التحرك من جواره بدون أن يلاحظها اصطدمت بشخص ما وكادت أن تسقط فأمسك بذراعيها بقوة وهو يقول:
ـ حاسبي..
نظرت إليه نسيم بحرج، ولم تتعرف إليه إلا بعد لحظات بسبب خفوت الضوء حولهما. بينما هو تمتم بغير تصديق:
ـ نسيم؟
ـ شريف؟
قالتها وقد تذكرت ملامحه التي لم ترها منذ سنوات، فهي لا تتذكر آخر مرة رأته فيها، وبدوره هو لم يرها منذ زمن بعيد لأنها لا تظهر في أي مناسبة عائلية أو غير عائلية، وظل يتفحص ملامحها القريبة منه جدًا بتفرس وارتسمت على شفتيه ابتسامة لا إرادية وهو يقول:
ـ معقول أشوفك بعد السنين دي كلها؟ عاملة إيه؟
كانت هي قد اعتدلت واستقامت بوقفتها وهي تتطلع حولها بتوتر وتقول:
ـ كويسه، انت ازيك؟
ـ أنا كويس، انبسطت جدا اني شوفتك النهارده.
ابتسمت ابتسامة مجاملة وقالت بإيجاز:
ـ وأنا أكتر، عن إذنك.
تخطته سريعا وذهبت لتقف بجوار فريد الذي تفاجأ بوجودها قربه، فأحاطها بذراعه وهو يحاول دعمها معنويًا كما تدعمه هي بابتساماتها وقال:
ـ تعرفي إنك أحلى واحدة في المكان.
تألقت ابتسامتها بسعادة غامرة والتصقت به أكثر تحاول أن تستمد قوتها منه بعد ذلك الموقف المخجل الذي تعرضت له قبل قليل.
انتهى العرض وارتفعت أصوات التصفيق، فأشار أيمن مدير أعمال فريد إليه لكي يلقي كلمته فاقترب فريد من الساحة المخصصة له، وجذب انتباه الجميع فقال:
ـ أهلا وسهلا بالجميع.. في البداية حابب أشكركم كلكم على حضوركم ودعمكم ليا وللأطفال الموجودة سواء بتبرعاتكم أو حتى بكلامكم الطيب اللي أكيد هيسيب أثر جميل في نفسي وفي نفس كل طفل موجود النهارده، وبالمناسبة دي حابب أفرحكم بخبر حصري، قريب أوي إن شاء الله هيتم افتتاح مستشفى لعلاج مرضى السرطان بالمجان، وشكرا مرة تانية لحضراتكم.
في تلك الأثناء لاحظ وجود فتاة شقراء، ترتدي ثوبا ملفتا قد اقتحمت المجال، وتعجب أنها تقترب نحوه وهذا ما أثار قلقه وجعله يختتم كلمته الافتتاحية سريعا، وفجأة توقفت هذه الفتاة أمامه.. أمامه مباشرةً فأثارت تعجبه، وبالأخص عندما تساءلت:
ـ انتَ فريد مرسال؟
أومأ بصمت وهو مضيقًا عينيه باستفهام، فوقفت أمامه وأمسكت بتلابيبه بقوة وهي تطالعه بعينين غائمتين من فرط التوتر..
علت الصيحات والهمهمات من حولهما حيث أن الجميع انتبه للموقف الغريب!! وقبل أن يفتح فمه ويتسائل عما تفعله هذه المجنونة كانت قد لثمت ثغره بقوة تفتقر للخبرة، فألجمت يداه وعقدت لسانه وشوشت كل حواسه حتى أنه لم يستوعب ما يجرى الآن إلا بعد أن ابتعدت عنه ونظرت إليه فقابل نظرتها بعينين مستنكرتين حمراوتين، يخضبهما الذهول والصدمة، فلم يحصل منها سوى على نظرة مقهورة التقطها هو بعين خبير، وفي خضم ذهوله واستنكار المحيطين به كانت قد اختفت فجأة كما ظهرت فجأة!!
رواية محسنين الغرام الفصل السادس 6 - بقلم نعمة حسن
تعالى الهرج وتعالت الأصوات بين الحضور، وصُوبت أعين الكاميرات حيث يقف فريد، والذي لازال على نفس حالة الصدمة، ولم يعِ منها إلا عندما تفاجأ باندفاع لفيف من الصحافيين، والقنوات والشبكات الإخبارية، ووسائل الإعلام، كلهم يتكالبون عليه يحاولون تغطية الحدث.
نظر حوله وهو يشعر بالجنون الوشيك، الأعين كلها عليه، والهمهمات تكاد تصل إلى أذنيه من كثرتها، إضافة إلى عائلته الصغيرة التي التفت حوله لتستفسر عما حدث للتو.
كان في أسوأ حالاته، وتجاوز الجميع بانفعال وهو يتوجه نحو الخارج، ومدير أعماله يحاول اللحاق به بعد أن اعترض المتطفلين طريقه عندما فشلوا في انتزاع أي تصريح أو تفسير من فريد.
وقف في بهو الدار يتطلع حوله بغير تصديق وهو يبحث عن الشقراء التي اختفت بسرعة كما يذوب الملح، وأمر حرسه الشخصي بالبحث في محيط المكان فورًا والعثور عليها مهما كلف الثمن.
استمع لصوت چيلان التي كانت تهرول نحوه والقلق بادياً عليها، وتسائلت قائلا:
"إيه اللي بيحصل يا فريد بالظبط؟"
طالعها فريد بوجه متجهم، ولم ينبس بحرف، ثم نظر إلى أيمن الذي يدنو منه وأشار برأسه يساراً وقال:
"بسرعة على غرفة المراقبة.."
أومأ أيمن واتجه فوراً نحو غرفة خارجية ملحقة بمقر الدار والتي هي عبارة عن غرفة مراقبة بالكاميرات المزروعة في كل ركن في المكان، بدءاً من بوابة الدخول، مروراً بغرف الأطفال والمشرفات، وصولاً إلى غرفة مديرة الدار. فلقد كان من أولويات فريد عند تجهيز الدار أن يكون المكان محاطاً بكاميرات المراقبة لكي يتسنى له الإطلاع على كل كبيرة وصغيرة تحدث في الدار، ليضمن أن الأطفال لن يتعرضوا لأي أذى أو مضايقات أو معاملة سيئة من المشرفات، ويتمكن من التصرف سريعاً في حال حدث ذلك.
دخل أيمن الغرفة وأتبعه هو، وقاموا باسترجاع تسجيل الكاميرا المثبتة على بوابة الدخول منذ بدء الحفل. ونظر كلا منهما لبعضهما البعض بتعجب وقال أيمن:
"إزاي ده؟ دي مش ظاهرة خالص!"
اعتدل فريد من انحنائه ووقف مستقيماً، وهو يمسح على وجهه وجانبي رقبته بتوتر ويقول:
"إزاي يعني، أومال نزلت من السقف! رجع الفيديو تاني.. من أول اليوم."
عاود أيمن تشغيل المقطع من أوله وقاموا بمشاهدته ولكنها أيضاً لم تظهر، فقال فريد:
"يبقا أكيد دخلت من الباب الخلفي.."
قام أيمن بالانتقال إلى كاميرا مراقبة الباب الخلفي وقام باسترجاع تسجيل الكاميرا فإذ بهما يريا سيارة أجرة تتوقف أمام البوابة الخلفية ونزلت منها هذه الفتاة.
نهض أيمن من على المقعد وسمح لفريد بالجلوس، فجلس واقترب بعينيه يتفحص المشهد بدقة. نزلت الفتاة من السيارة وهي تتلفت حولها بريبة، وقفت لثوانٍ وهي تعدل فستانها بتوتر، تجذبه للأسفل مرات عديدة، ثم تتلمس شعرها بيديها بغرابة وكأنها تتأكد من شيئاً ما، وتقدمت نحو البوابة فقام شاب يرتدي نفس زي عمال التخديم بالتقدم من البوابة وهو يتلفت حوله بارتياب ثم فتح البوابة فعبرت للداخل في نفس اللحظة التي تم تقديم العرض فيها.
تحدث أيمن وهو يطلق روح المحقق بداخله:
"واضح جداً إنها مأجورة يا فريد بيه.. والشاب اللي فتحلها الباب هو كمان متفقين معاه! وطبعاً مدخلتش من البوابة الرئيسية لأن الدخول بالدعوة.."
أومأ فريد وهو يعيد الدقيقة التي تلت نزولها من السيارة بتركيز وقال:
"البنت دي كلها على بعضها fake.."
ثم نهض وهو يقول بإيجاز:
"هاتلي الولد اللي فتحلها البوابة ده وراجع كاميرات الشارع الخلفي وهاتلي نمر التاكسي.. حالا يا أيمن."
وخرج مسرعاً نحو البهو حيث يحتشد الجميع في انتظار تفسير لما حدث، فوقف مسترعيًا انتباههم ثم قال:
"طبعاً حضراتكم مش مستوعبين اللي حصل قبل دقايق، والحقيقة أنا كمان مش فاهم إزاي ده حصل وأؤكد لكم إنها مدبرة وهعرف اللي ورا اللي حصل ده مين حتى لو مستخبي تحت سابع أرض، أما بالنسبة لغرضه من اللي حصل فهو الفوضى اللي حاصلة دلوقتي واللي لا تعنيلي إطلاقاً لأني واثق إن إسم فريد مرسال فوق مستوى الشبهات.. وشكراً لحضراتكم مرة أخيرة."
***
كانت نغم بالسيارة، تسند جبهتها فوق كفيها المسندتين فوق ركبتيها، تتحسس بشرتها الملتهبة بخجل فطري، تلك الحرارة التي تسري في جسدها بعدما فعلته، لقد قبلت رجلاً قبل قليل!! لا تصدق أنها استطاعت فعل ذلك حقاً.
شعور مبهم يراودها الآن، لا بل عدة مشاعر. أولهما الخزي من نفسها، هل أصبحت رخيصة بذلك القدر لكي ترضخ لأي شيء مقابل المال؟ وهل المال الذي ستحصل عليه بعد قليل سينسيها الكارثة التي فعلتها؟
حسناً دعك من هذا. ذلك الرجل الذي اقتحمت مجاله ولثمت ثغره على حين غفلة. ماذا ستكون ردة فعله بعد أن تتسبب له في الفضيحة المرجوة؟ ولماذا تشعر الآن بالندم لأنها فعلت ذلك؟
"لأ يا نغم.. انتِ عملتي الصح، لو مش عشان الفلوس فعشان البنات الغلابة اللي بيستغلهم."
أومأت تؤكد ما جال في خاطرها وهي تحاول بث الطمأنينة في نفسها ولو قليلاً، ومسحت دمعتها التي غادرت عينها فجأة، وهي تثبت نظرها على الطريق من أمامها.
"ده مش نفس الطريق اللي جينا منه!!"
قالتها وهي تتحدث إلى السائق الذي لم يعرها أي اهتمام وتظاهر بأنه لم يسمعها، دب الرعب في قلبها ولكنها أبقت على تماسكها لآخر لحظة، ثم هتفت مجدداً بتوتر:
"انت… يا اسطى.. لو سمحت ؟؟؟"
نظر إليها بالمرآة فتحدثت إليه بتعجب والخوف يهتز بعينيها وينعكس على ارتجافة صوتها.
"بقولك مش ده الطريق اللي جينا منه، انت واخدنا على فين بالظبط؟"
لم تحصل منه على إجابة، فابتلعت ريقها بتوجس وتعرق جسدها من فرط الخوف، تمسكت بطرف المقعد الذي تجلس عليه بكلتا يديها وهي تنكمش حول نفسها بخوف، ولم تنطق ثانيةً، فإذ بها تراه وهو ينحرف عن الطريق العمومي ويتوجه نحو طريق صحراوي فصرخت به بانهيار:
"انت جايبني هنا ليه؟ وقف العربية حالا.."
لم يحرك ساكناً فهتفت به بخوف أكبر وازدادت ارتجافة صوتها وشفتيها وقالت:
"قولتلك وقف العربية حالا أحسنلك.."
يبدو أن الكلام لن يجدي نفعاً، لذا فعليها أن تجرب شيئاً آخر، فصرخت. صرخت بأعلى صوت وهي تحاول فتح أبواب السيارة المجاورة لها عن يمينها ويسارها وهي تهتف به باكيةً:
"انت قافل الباب ليه؟ انت هتعمل فيا إيه؟"
دخل بها إلى طريق مظلم، خاوي تماماً، موحش ويسري الرهبة في النفس. فتعلقت عينيها الباكية به وهو يتوقف فجأة، ارتجف جسدها بالكامل وشعرت بالدماء تتجمد في أوصالها. لا بد أنه سيقتلها الآن، ومن ثم سيقوم برميها في الطريق لتأكل جثتها الكلاب، ومن المحتمل أن يغتصبها قبل أن يقتلها، ومن الممكن أن يغتصبها ويتركها تواجه مصيرها في هذا المكان الموحش.
"انزلي.."
نظرت إليه بخوف وتعجب في آن واحد وقالت:
"انت هتسيبني هنا ليه؟ أنا معرفش حته هنا.."
"مش شغلي، البيه قاللي ارميها في أي حته."
اتسعت عينيها بفزع، وتحركت لتفتح الباب ولكنها نظرت إليه مجدداً وتجرأت برغم خوفها وقالت:
"طيب والفلوس؟"
استدار ينظر إليها بحدة وألقى بصوتٍ عميق:
"هتنزلي ولاااا.."
لم تنتظر أن يستكمل كلمته، لم تتردد. فنظرته أوحت بالكثير، فتحت الباب المجاور لها وركضت تحاول الابتعاد عنه قدر المستطاع، إلى أن رأته يبتعد حتى غاب عن مرمى بصرها، فتوقفت عن الركض وانحنت تستند على ركبتيها وهي تجهش في بكاء مرير.
بكاء نابع من القلب تماماً، بكاء تملؤه الحسرة. هي تشعر بالحسرة على كل شيء. بكاء يملؤه الخوف، يملؤه الخزي، يملؤه القلق من المجهول.
تشوشت رؤيتها من كثرة الدموع التي أغشت عيناها، لم تعد تثق بقدماها وشعرت أنهما على وشك الانهيار، تمنت لو أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة الآن، ربما سيكون هذا هو خلاصها من العذاب الذي لحق بها.
أحاطت ذراعيها المكشوفين بيدها وهي تتفحص ثوبها بصدمة، أين كان عقلها عندما وافقت على ارتدائه؟ هل كان كل ما يشغلها هو المال لهذا الحد؟ المال الذي لم تحصل منه على قرشاً واحداً، ولكم شعرت بغبائها الآن، وتكاد تجزم أنه لا يوجد من هو أغبى منها على وجه الأرض.
المكان من حولها مظلم، طريق مقطوع تماماً، ولكن على مدد بصرها هناك أنوار خافتة، إذا فعليها أن تسير حتى تخرج إلى العمار. حثت قدميها على الركض ولكنها أبت وكأنها تسمرت بالأرض، وكل الذي تمكنت من فعله هو أن تجرهما جرًا.
سارت كثيراً، لا تعرف المسافة التي قطعتها، ولا التي ستقطعها لكي تصل إلى النور، ولكنها تعرف شيئاً واحداً. أنها غبية وحمقاء. و نادمة.
نعم هي تشعر بالندم يعتصر فؤادها، ليس على ما فعلته بالحفل فقط. لا. لقد جاءت اللحظة التي تقر فيها أنها نادمة على الهرب من بيت خالتها. فمهما بلغ بها الحزن واليأس ولكنها كانت تتصبر بوجود خالتها، مهما بلغ الأذى الذي يلحقه بها حسن ولكنه في النهاية سيكون أحن عليها من الكلاب الضالة التي ستنهش جسدها الآن دون رحمة.
"لأ.. حسن مش أحن من كلاب السكك.. حسن زيهم بالظبط ميفرقش عنهم حاجة.."
قالتها وهي تكذب نفسها، وهذا ما جعلها تنفجر في نوبة بكاء ثانية، ولكنها أقوى من السابقة، فخارت قواها تماماً وسقطت أرضاً تبكي بندم وهوان. وشعور مميت بالخوف يعتريها.
***
عاد فريد إلى منزله. دخل وهو يحاول تجاهل ما حدث، عليه أن يريح عقله لساعات قليلة لكي يكون جاهزاً لما هو مقبل عليه، فهو يعرف ماذا سيحدث في الصباح، سيتصدر اسمه مواقع البحث وعناوين الصحف، ويسبق الخبر كلمات مفتاحية "شاهد قبل الحذف". هذه الكلمات التي تجذب اهتمام رواد مواقع التواصل وتستفز فضولهم.
التقط الهاتف من جيبه وقام بغلقه، يكفي إزعاج الهاتف الشخصي هذه الليلة. فهو لن يستطيع إغلاقه للأسف، لأنه يعرف ردة فعل والده كيف ستكون عندما يصله الخبر. سيقوم بالاتصال به فوراً وإن وجد هاتفه مغلقاً فلن يتردد في الذهاب إليه.
لذا فعليه أن يتحمل مكالمة والده بدلاً من زيارته التي هو في غنى عنها الآن.
مر بالردهة المؤدية إلى غرفته، وإذ به يتوقف أمام تلك المرآة المستديرة المعلقة على الحائط، نظر بها وأمعن النظر، أخذ يتفحص قسمات وجهه الواضح عليه التعب والإرهاق والإحباط. وفجأة نزع المرآة من على الحامل المثبتة به وألقاها أرضاً بكل ما أوتي من غضب وحقد.
تخصر بيديه ووقف يشاهد شذرات الزجاج المتناثرة هنا وهناك، وتخطاها وصولاً إلى الحمام. خلع سترته وألقاها أرضاً بغضب. لم يهتم بوضعها داخل صندوق الملابس المتسخة، أو سلة المهملات كالعادة، غضبه الآن يطغى على كل شيء. يغلب وسواسه القهري ويغلب كل الهواجس برأسه.
كل ما يشعر به الآن أنه غاضب، ويتمنى أن يجد طريقة لكي يتخلص بها من غضبه قبل أن ينفجر، فك أزرار قميصه وهو يتنفس بصوت مسموع، يحاول تخفيف ذلك الضغط من عليه. ووقف عاري الصدر يتطلع نحو صورته في مرآة الحمام. وأخذ يضرب صدره بقبضته وهو يزمجر بغيظ مكتوم يتمنى التخلص منه. ثم أسند كفيه على طرف الحوض الرخامي وأسقط رأسه باستسلام. ثمة شعور بالفشل يساوره الآن، بعد أن قضى أشهرًا طويلة يخطط ويسعى لكي يظهر مشروعه بأكمل صورة وعلى أكمل وجه جاءت هذه الشقراء المصطنعة وخربت كل شيء بقبلة!!
اشمئز وانتفض بدنه بضيق واستياء شديد، وخلع بقية ملابسه ودخل أسفل سيل الماء البارد فوراً. يغسل وجهه بقوة وخاصةً شفتيه، يحاول إزالة آثار تلك القبلة الدنيئة عنه بأقصى سرعة ممكنة. وكلما راودته فكرة أن إحداهن تجرأت وفعلت ذلك معه يشعر بالغثيان، وود لو رآها فينتقم منها أشد انتقام ويجعلها تتمنى لو ماتت قبل أن تفعل ما فعلت.
أوصد المياه، ثم خرج من كابينة الاستحمام وارتدى مئزره، واتجه نحو الغرفة ليستمع إلى هاتف المنزل يرن، فابتسم بسخرية وهو يهز رأسه بيأس، يعرف أن والده من يتصل به بالتأكيد.
أجاب دون أن يتحدث، فبالطبع لن يستقبله بمساء الخير، لن يثير حنقه أكثر. وحينها استمع إلى صوت والده يقصف بقوة:
"تكون قدامي حالاً.. حالاااااا.. متضطرنيش أجيلك بنفسي، إنت سامعني؟"
أنهى فريد الاتصال دون رد. لا يهم إن نعته والده بقليل الأدب. أساساً هو لم يعد مهتماً بما سيقوله، لم يعد مهتماً بشيء سوى إيجاد تلك اللعينة. الأمر أصبح مسألة ثأر بينهما، حتى ما سيُكتب عنه في الصحف والمواقع، والخسائر التي سيتكبدها لا يشكلون فارقاً لديه بقدر ما يهتم بإيجادها. لا بد أن تخبره لماذا فعلت ذلك ومن الذي طلب منها أن تفعل!
توجه إلى الحمام، جمع الملابس المتناثرة أرضاً، ثم رتب كل شيء وخرج، جمع حطام الزجاج وقام بالتنظيف مكانه، ثم دخل إلى غرفته وانتقى ملابس بسيطة، فبالطبع لن يتأنق وهو ذاهب ليتلقى وصلة توبيخ وتعنيف هي الأشرس في تاريخه.
وصل بعد حوالي نصف ساعة. صف السيارة ودخل لتستقبله مدبرة المنزل قائلةً بهدوء:
"الباشا في انتظارك في الصالون."
سحب نفساً عميقاً ملأ به رئتيه وهو يومأ بهدوء، ثم صوّب خطواته نحو الصالون حيث ينتظره سالم باشا، والذي كان يجلس متجهمًا، والغضب يعلو قسماته، يسند ساقاً فوق الأخرى ويضع يديه على فخذيه في وضعية استعداد وتأهب وكأنه يستعد لخوض نزال بعد قليل.
دخل فريد وألقى التحية مضطراً:
"مساء الخير.."
"خير؟"
حسناً هذا هو ما توقعه تماماً.
"هو انتوا ييجي من وراكوا خير؟"
زم فريد شفتيه بملل على وشك الإفصاح عنه. وتنفس بهدوء، وهو ينظر بصمت لوالده الذي نهض يقف في مقابله ويديه معقودتين خلف ظهره وهو يقول:
"بهدوء كده ومن غير ما أتعصب.. مين دي؟"
"مش عارف."
ألقاها فريد بهدوء كما طلب منه والده، وهو يدرك جيداً أن هذه الإجابة لن تُبقي على هدوئه أبداً.
"مش عارف إزاي يعني؟ واحدة دخلت الحفلة اللي محدش بيدخلها غير بدعوة، وقدرت تعدي الحرس اللي كل واحد منهم يسد عين الشمس، والكاميرات أم ملايين اللي بتتعرف على بصمة الوش قال.. ودخلت قلب الحفلة وجت مسكت فيك وراحت هوب باستك.. وتقوللي معرفهاش! مختوم على قفايا أنا."
زفر فريد بنفاذ صبر وهو يحاول التمسك بثباته لآخر ذرة وقال:
"دي الحقيقة. أنا معرفهاش فعلاً.. ولمعلومات حضرتك هي مدخلتش من البوابة الرئيسية، دي دخلت من البوابة الخلفية جواللي أنا متأكد منه إنها مزقوقه عليا."
"مزقوقة عليك؟"
ألقاها بتهكم وتابع بغضبٍ هادر:
"واحدة مزقوقة عليك وواحدة مزقوقة على أخوك !! أنا مبقتش عارف أتصرف معاكم إزاي يا جوز فشلة."
... في تلك الأثناء وصل صوته الجهور إلى الجميع، نادية، بناتها، نسيم.. جميعهن وثبن من غرفهن للخارج لكي يطالعن ما يحدث.
وعمر الذي خرج من غرفته يتحامل على آلامه ووقف يستمع لوالده وهو يتجبر على أخيه كما فعل به منذ قليل.
"أنا مش فاشل.. أنا عمري ما كنت فاشل، انت بس اللي عمرك ما شفتني فالح في أي حاجة، وبتترصد لي عشان تشوفني بغلط أي غلطة تعاقبني عليها.."
طالعه والده بصدمة حيث أنه لم يتوقع أن يخرج عن صمته ويحتج على ما قاله، وهو الذي اعتاد منه السمع والطاعة دوماً، فبأي حق يتمرد الآن؟
أشار سالم بيديه إلى نفسه وهو يقول بصوت تملؤه القوة:
"أنا بترصد لك؟ والله عال.. طيب.. بما إني بترصد لك عشان أعاقبك فاعتبر نفسك متعاقب.. إنت مسحوب منك كل الصلاحيات من النهارده، ومن اللحظة دي انت ولا حاجة في الشركة.. صورة عالفاضي."
التمعت عينا فريد بغضب، وحدق والده بنظرات تشي أنه لا يصدقه، ولكن تلك النظرة في عين أبيه المغلفة بالجبروت والزهو بالنفس أخبرته أنه لا يكذب.
"مش من حقك تعمل كده، دي شركتي وأنا اللي أسستها ووقفتها على رجليها.."
"إنت؟ إنت ولا حاجة.. شركة إيه وزفت إيه فوق لنفسك.. الشركة دي أنا اللي بنيتها وكبرتها وعملتها زي ما عملتك.. إنت عايش بإسم سالم مرسال.. اللي انت من غيره ولا حاجة!"
صاح بالأخيرة بمنتهى القسوة والعنف، مما جعل الجميع يشعرون بالخوف والقلق حيال تصعيد الموقف لهذا الحد. ونسيم التي كانت ترتجف وكأنها ستذوب في مكانها من فرط الخوف تنظر إليهم وكأنها تستحضر ذكرى لا تود تذكرها أبداً.
وهرعت إلى حيث يقف عمر مستنداً إلى باب غرفته بقلة حيلة، ووقفت أمامه تستجديه قائلة:
"عمر اتصرف، أرجوك اعمل حاجة.."
طالعها عمر بعجز، هو يعرف أنه لا يملك شيئاً ليفعله، لقد اكتشف مدى جبروت أبيه قبل قليل، ويثق أنه لن يقوى على مجابهته مرة أخرى، ولن يمكنه الوقوف هكذا مكتوف الأيدي وأخيه يتعرض لهذا الهجوم.
نزل درجات السلم متحفزاً فنادته والدته قائلة بتحذير يشوبه الخوف:
"عمر… دول أب وابنه اوعى تتدخل!"
لم يعرها اهتمام. وتقدم من غرفة الصالون حيث يتواجد والده وأخوه.
تنفس فريد بهدوء. وأومأ بهدوء أشد. ونظر إلى والده وهو يعود بالزمن إلى ماضٍ لا يريد تذكره، أو الإفصاح عنه مجدداً، ثم قال:
"والإسم ده أنا مستغني عنه.. مش عايزُه.. أنا مش ولد صغير عشان كل شوية تقوللي أنا اللي عملتك وأنا اللي سويتك.. أنا أكتر واحد تعبت عشان الشركة دي تنجح وأكتر واحد بدفع تمن النجاح ده.."
رمقه والده بغضب سافر وقال بقوة:
"اطلع برا.."
تلقاها فريد وكأنما تلقى سكين بمنتصف قلبه، وأظهر ردة فعل متماسكة وهو يحاول تجاهل شعور ذلك النصل الذي يعتصر فؤاده.
"البيت ده تنساه.. ومن النهارده اعتبر نفسك بره العيلة تماما."
كان ذلك أمراً رسمياً بالنفي من العائلة، ولكنه لم يهز شعرة من رأس فريد لأنها لم تكن تلك المرة الأولى التي يتعرض فيها لموقف مشابه. وقبل أن يجيب كان عمر قد سبقه فقال موجهاً حديثه إلى والده بتحدي:
"لو فريد مشي أنا كمان همشي.."
ابتسم سالم ابتسامة متهكمة وبترها فجأة وهو يقول:
"أوي أوي.. في ستين داهية انتوا الاتنين!"
فخرج عمر على الفور واستقل سيارته وهو غاضب، وغادر الفيلا لا يعرف أين سيذهب.
***
"يارب ساعدني، يارب مليش غيرك.."
قالتها نغم وهي ترفع ناظريها إلى السماء وتبكي، وإذ بها تستمع إلى أصوات عواء جعلتها تهب واقفة وهي تنظر حولها بهلع، وسرعان ما أطلقت ساقيها للريح وفرت مسرعة، انحنت وخلعت حذائها ذو الكعب العالي وركضت دون انقطاع وهي تلهث بعذاب.
وأخيراً. لاح النور من بعيد. وظهرت أعمدة الإنارة على جانبي الطريق، فوقفت تنقل بصرها من الجهة اليمنى إلى اليسرى حتى رأت سيارة على مدد البصر فتوقفت في منتصف الطريق تماماً، تلوح بكلتا يديها وتركض نحو السيارة بلا وعي. تريد أن تلاحق الزمن وتقطع الطريق على سائقها لكي لا يتخطاها أو يتجاهلها.
توقفت السيارة فأكملت ركضها نحوها ووقفت أمام النافذة التي تنزل أمامها بهدوء فأظهرت من خلفها رجلاً في عقده الرابع، نظر إليها متفرسًا فيها بنظراته وهو يقول:
"مين انتِ وبتعملي إيه في مكان مقطوع زي ده دلوقتي؟"
حاولت التقاط أنفاسها بهدوء وقالت:
"ممكن تساعدني؟ ربنا يستر طريقك والنبي تساعدني.."
طالعها بهدوء لثوانٍ ثم قال:
"اركبي."
استدارت وركبت بدون تفكير، هي تعرف أنها خطوة حمقاء ولكنها أقبلت عليها مرغمة، فأيًا كان ما سيحدث أهون من أن تبقى في هذا المكان المريب بمفردها وتواجه مصيراً مجهولاً.
"رايحة فين دلوقتي؟"
تساءل وهو يرمقها بتفحص، فقالت وهي تجذب ثوبها للأمام تغطي به ساقيها المكشوفتين بخجل:
"عاوزة أروح المهندسين."
قطب حاجبيه مستغرباً وقال وهو يرمقها بنظرة لم تستسغها:
"انتِ ساكنة في المهندسين؟"
وترتها نظراته المتفحصة أكثر وقالت وهي تقترب من الباب أكثر:
"رايحة أزور صاحبتي.."
هز رأسه بابتسامة متهكمة وهو يقول بإدراك:
"صاحبتك! مممممممم.. وصاحبتك دي بقا شغالة معاكي بردو ولا كل واحدة بتطلع لوحدها؟"
رمقته باستفهام وقالت:
"نعم؟ مش فاهمة قصدك؟"
ليصيح بها مستنكراً ويقول:
"انتِ هتستعبطي؟ واحدة واقفة في طريق مقطوع مفيهوش صريخ ابن يومين في وقت زي ده لوحدها هتكون بتعمل ايه؟ بتصطادي زبون طبعاً.."
نظرت إليه بصدمة وقالت:
"بصطاد زبون؟ اخرس قطع لسانك انت شايفني إيه؟"
شعرت بالسيارة تتوقف ببطء، ثم مال نحوها ونطق بفجاجة وهو يضع يده فوق ساقها العارية وعيناه تحاصرها:
"شايفك حلوة.. وحلوة أوي.. تتاكلي أكل.. وأنا بقا ناوي أكلك."
حملقت به والرعب يحتجز كلماتها بحلقها وأنفاسها بصدرها، وأبعدت يده عن ساقها فوراً وهي ترجع للوراء وتقول:
"انت اتجننت ولا إيه، اوعى تفكر تقرب مني بدل ما أموتك أنا بقولك أهو.."
اقترب أكثر وهو يحاول محاصرتها بذراعيه وهو يقول:
"تموتيني؟ تعرفي إني بعشق النوع ده من الستات أوي؟"
امتدت يدها نحو الباب وهي تدعو بداخلها ألا يكون مغلقاً، ولم تصدق حين انفرج الباب وسقطت أرضاً على ركبتيها. فتجاهلت شعورها بالألم القاتل وحاولت النهوض ولكنها تعثرت مجدداً وأخذت تتراجع للخلف وهي تزحف بمقعدها للوراء وهو يدنو منها كالوحش ويقول:
"متحاوليش.. انتِ وقعتي من السما وأنا استلقيتك خلاص.. هاوديني وصدقيني هنتبسط سوا.."
ركضت بعيداً عنه وحالة من الهلع تنتابها، لم تنظر خلفها وهي تركض حتى أنها لم ترَ تلك السيارة التي تقبل عليها بسرعة جنونية لم تستطع هي تفاديها واصطدمت بها بقوة كانت كافية لأن ترتد أرضاً وتفقد الوعي.
***
كان حسن يجلس بالمقهى المجاور لمنزله، يسند ذراعه فوق الطاولة المربعة ويمسك بيمناه قدحاً من الشاي، يحتسيه على مهل وهو يبحث داخل عقله المفكك عن شيئاً يمكنه فعله.
أين سيبحث عنها؟ وكيف؟ هل سيطبع صورتها ويعلقها على الجدران في الشوارع والطرقات ويكتب تحت الصورة رقمه فيتصل به من يعثر عليها؟ هل يبلغ عن اختفاءها؟ لا يدري لماذا انقبض قلبه عندما وردة ذلك الخاطر؟ فهو لا يضمن نغم. ليس متأكداً من أنها لن تنصب له فخاً كالذي أوقعته به في السابق.
فالغبية تظن أنه لا يعرف أنها من قامت بالإبلاغ عنه وإخبار الشرطة عن مكانه، ولا تعرف أنه يعرف ذلك منذ أسبوعه الأول في السجن عندما أبلغه صاحبه أنه رآها وهي تخرج من قسم الشرطة في نفس اليوم الذي تم القبض عليه فيه. وبالرغم من أنه صُدم أن تكون هي من فعلت به ذلك ولكنه التمس لها العذر، فما فعله لم يكن هيناً.
فلقد قام بخطف الشاب الذي تقدم لخطبتها والذي كانت قد أبدت إعجابها به، وأخبرته أنها توافق على الزواج منه، فلم يتمالك نفسه من فرط الغيرة والغضب، ولم يشعر إلا وقد خطفه وقام بالاعتداء عليه بطريقة وحشية حيث بتر رجولته بدمٍ بارد ثم هرب واختبأ ببيت أحد أصحابه. وبعد يومين اضطر لمهاتفتها لأنه كان يشعر بالقلق عليها وعلى والدته ولم يكن يعرف أنها ستبلغ الشرطة بمكالمته وتسعى معهم لإلقاء القبض عليه.
أفاق من شروده على صوت هاتف نغم الذي يهتز بجيبه، فأجاب لما رآه رقم مسجل باسم نيهال وقال:
"إيه يا نيهال، وصلتي لها؟"
"لأ أنا بكلمك أسألك عليها، مرجعتش؟"
زفر بضيق وأجاب باقتضاب:
"لأ.."
همهمت بهدوء ثم قالت:
"طيب ما تجرب تسأل مدام فيفي صاحبة الكوافير عليها، جايز راحت عندها؟"
هب واقفا وهو يشرب آخر ما تبقى من قدح الشاي جرعةً واحدة وقال:
"قوليلي عنوانها بسرعة.."
أملت عليه العنوان فقصده سريعاً، وقد عاد الأمل يدب بقلبه من جديد.
وصل أمام صالون التجميل بعد نصف ساعة، وتسائل عن مالكة المكان لتقابل إحدى العاملات سؤاله بسؤال:
"عايزها ليه؟"
رمق الفتاة باستغراب، حيث كانت تبدو كفتيات الليل من وجهة نظره، وتعجب كثيراً أن نغم كانت تختلط بمثل هذه الأشكال.
"عايز اسألها عن حاجة مهمة.."
"أيوة حاجة مهمة زي إيه يعني؟ عايز تحجز باكيدچ خطوبة ولا فرح؟"
قطب حاجبيه مستغرباً وقال:
"لأ ده ولا ده.."
تفحصته ملياً وقالت بتهكم:
"لأ ده ولا ده؟ يبقا سوري.. المدام مش فاضية."
تنهد بضيق واقترب منها وأردف بخفوت:
"عايز أسألها عن نغم.. يمكن تعرف عنها حاجة."
رمق أحدهم الآخر لدقيقة طويلة، ثم تشدقت هي وهي تمضغ تلك العلكة بطريقة عززت احتمالية كونها فتاة ليل لديه. وقالت:
"طب استنى هبلغها، اوعى تدخل أصل الصالون كله حريم.. هااا. اوعى."
هز رأسه وراح يضرب كف بالآخر بتعجب وهو يغمغم:
"معقول نغم كانت شغالة مع الأوباش دول؟"
دقائق وخرجت سيدة خمسينية تصبغ شعرها باللون الأحمر، ووجهها بالعديد من الألوان، ترتدي قميصاً منقوش على هيئة جلد النمر، وسروالاً من الجينز الذي من الصعب تخيل معاناتها وهي تحشر هاتين الساقين الممتلئتين بداخله، ثم نظرت إليه باستفسار وقالت:
"مين حضرتك؟"
حانت منه التفاتة سريعة متفحصة، وتسائل بترقب وقلق:
"كنت جاي أسأل عن نغم، مجتلكيش ولا حاولت تتصل بيكي؟"
طالعته السيدة بتفحص أكبر، قامته الطويلة ومنكبيه العريضين، ملامحه الرجولية، وقسمات وجهها التي تشي بالقسوة، ومنحته ابتسامته هادئة وهي تقول:
"أهلاً.. إنت قريبها؟"
"أيوة.. حسن ابن خالتها."
اتسعت ابتسامتها وألقت إليه بنغمة صوت رقيقة:
"أهلاً يا حسن.. لأ والله نغم سابت الشغل من حوالي أسبوعين ومشوفتهاش بعدها."
تهدلت ملامحه المتحمسة بإحباط وزفر بيأس فقالت:
"بس عالعموم لو كلمتني أو جتلي هبلغك على طول.."
"تمام كتر خيرك.."
وهم بالانصراف لكنها نادته قائلة:
"موبايلك؟"
نظر إليها مستفهماً فقالت بابتسامة:
"عشان لو عرفت عنها حاجة أبلغك."
أومأ موافقاً وقال:
"رقم نغم معايا.. وقت ما توصلي لحاجة رني عليا فورا.."
وانصرف عائداً أدراجه وشعور السخط ينهل منه ويتفاقم حتى بات يشعر بأنه على وشك الانفجار.
***
كان فريد قد عاد مجدداً إلى بيته. ولكنه قصد قاعة الرياضة فوراً لكي ينفس عن غضبه الذي يضغط على قلبه ويجعله معرضاً للتوقف في أي وقت.
دخل الغرفة والتي هي عبارة عن غرفة مجهزة ومزودة بكل الأجهزة الرياضية التي توجد في أي قاعة رياضية في أي مكان.
تلقى اتصالاً من أيمن الذي أخبره:
"فريد بيه، الشاب اللي كان بيفتح البوابة اللي ظهر في الفيديو ده مش تبع المكتب اللي طلبنا منه فريق الخدمة، أنا تواصلت معاهم من شوية وبعتولي بيانات وصور الشباب والشاب ده مش من ضمنهم."
زفر فريد بهدوء، زفرة مطولة طرد معها الكثير من الثقل الذي يشعر به، وقال بهدوء نقيض البركان الثائر بداخله:
"والسواق؟ قدرت توصل لمعلومة عنه؟"
"سواق التاكسي قدرت أوصله، لكن موصلتش معاه لحاجة، قاللي إنه خدها من طريق عمومي.. واضح إنه متقري كويس.."
صاح به فريد بانفعال قائلاً:
"شوفُه جايز عاوز فلوس، ادفعله اللي يطلبه يا أيمن، المهم يجيبلي قرار البنت دي، أنا متأكد إنهم عصابة كلهم متفقين مع بعض ومخططين كويس للي حصل ده، وسواء كانوا عصابة أو شخص واحد هو اللي ورا اللي حصل فأنا متأكد إن هو هو اللي اتسبب في فضيحة عمر.. و أنا متأكد إننا هنكشفه."
"إن شاء الله يا فندم، أنا مش هسيب طرف خيط إلا لما أدور وراه وأكيد هنوصل للحقيقة."
"إن شاء الله.. المهم كان في حاجة عاوز أقولهالك قبل ما أنسى، عاوزك تشوف شركة من المتخصصين في تفريغ البرامج والسوشيال ميديا وتتفق معاهم… عاوز تقرير عن كل اللي هيتقال عني وعن اللي حصل النهارده، يهمني أعرف."
"تحت أمرك يا فريد بيه، مع السلامه."
أنهى فريد الاتصال وزفر وهم بخلع قميصه ثم أسنده على المقعد الموضوع بزاوية الغرفة، وأمسك بزجاجة الكحول رش منها على يديه ومسح على وجهه، ثم صعد إلى جهاز المشي وبدأ بالمشي وهو شارد الذهن، إلى أن جذبه صوت رنين هاتفه باسم عمر، تجاهل الرنين لأول مرتين ولكنه اضطر للإجابة في المرة الثالثة فوصله صوت عمر مذعوراً يقول بانهيار:
"فريد أنا عملت حادثة وخبطت واحدة بالعربية!!"
رواية محسنين الغرام الفصل السابع 7 - بقلم نعمة حسن
أنا عملت حادثة وخبطت واحدة بالعربية!
توقف فريد عن الحركة فورًا، وهتف بصدمة يحاول التحقق مما سمعه:
ـ إيه؟ طيب حالتها إيه؟
أجابه عمر وهو يرتجف خوفًا:
ـ مش عارف، بس واضح إنها مش كويسة.. مش عارف ماتت ولا عايشة! أنا خايف.
كان فريد يتحدث وهو بصدد الخروج من قاعة الرياضة، متوجهًا نحو غرفته، ثم إلى الخزانة، وانتزع قميصًا ارتداه على عجالة، وهو يقول:
ـ طيب طلبت الإسعاف؟ الأول شوفها بتتنفس ولا قاطعة النفس؟
اقترب عمر من نغم المسجية أرضًا فاقدةً للوعي، وحاول تفقد أنفاسها ولكنه قال بانهيار:
ـ مش عارف يا فريد.. بس متهيألي إنها عايشة لسه.
ـ طيب حاول تهدى وابعتلي اللوكيشن فورا وأنا هبعتلك الإسعاف، أهم حاجة متحاولش تيجي جنبها ولا تحركها من مكانها.
ـ حاضر، بس بالله عليك بسرعة أنا مش ملموم على أعصابي ومش قادر أقف.
وأنهى الاتصال ثم قام بإرسال موقعه إلى أخيه الذي تحرك صوبه على الفور.
وقف عمر يتأملها مشدوهًا، هل كان ينقصه ما جرى؟ ومن أين ظهرت فجأة ذات الرداء الأزرق؟ وإلى أي مدى وصلت إصابتها؟
رأى هاتفه يرن باسم والدته مرات عديدة، ولكنه تجاهلها، وأخذ يعد الدقائق والثواني عدًا في انتظار شقيقه.
بعد دقائق استمع إلى صوت سيارة الإسعاف يعقبه صوت سيارة الشرطة، فوقف متأهبًا والقلق يدب في أوصاله ويجمد الدماء في عروقه… ماذا تفعل سيارة الشرطة هنا؟ ألم يخبره شقيقه ألا يقلق وأنه سيقوم بإرسال سيارة إسعاف لكي تنقل المصابة إلى المستشفى؟
استل هاتفه من جيبه فورًا وعاد يتصل بفريد ولكنه لم يجب، فأخفض الهاتف عن أذنه وهو ينظر إلى السيارة التي توقفت أمامه مباشرةً، وترجل منها مسعفان قاما بحمل نغم ووضعاها على السرير النقال بعناية، ثم حملاها إلى داخل السيارة.
وقف عمر ينقل عينيه بين سيارة الإسعاف حيث توجد الفتاة وبين رجال الشرطة والذين يقومون بفحص ومعاينة المكان، ثم إلى الرجلين الذين يتقدمان نحوه ويخبرانه أنه سيتم التحفظ عليه لحين التحقيق معه.
وأخيرًا إلى سيارة فريد التي ظهرت في الأرجاء وجعلت قلبه يطمئن نسبيًا…
ترجل فريد من سيارته وهو يضع قناعه الطبي، نظرًا لضرورة تواجده في مكان وقوع حادث لا يعرف ملابساته، ولا يعرف ما هي الأضرار الصحية الناجمة عن تواجده في مكان كهذا.
ركض نحو فريد الذي يقف بجوار سيارته مذعورًا ويقول بصوت مهتز:
ـ فريد.. الحقني دول هيقبضوا عليا.
وقف فريد أمامه عاجزًا عن ضمه، وترك مسافته الآمنة بينهما بدون وعي، وأخذ يخبره محاولًا تهدئته:
ـ متقلقش يا عمر أنا معاك ومش هسيبك..
ـ مش هتسيبني إيه بقول لك هيقبضوا عليا، انت هتسيبهم يقبضوا عليا؟
هنا برز صوت الضابط الذي كان يأتي من خلفهما وهو ينزع سيجارته من فمه ويلقيها أرضًا قبل أن يقوم بسحقها بقدمه وهو يقول بنبرة متهكمة:
ـ وهو في إيديه إيه يعملهولك؟ اللي انت دهستها بعربيتك دي بني آدمة مش قطة.. ولو ماتت اعرف إنك هتتحبس مدة متقلش عن سنة..
وتابع وهو ينقل بصره بين عمر وفريد بابتسامة متهكمة:
ـ أما بقا لو ثبت إنك متعاطي حاجة كده ولا كده دي فيها كلام تاني..
اتسعت عينا عمر بخوف وأخذ يهز رأسه بنفي شديد:
ـ لأ.. لا والله مش متعاطي حاجة.. أقسم بالله هي اللي ظهرت قدامي فجأة وملحقتش أتفاداها..
ـ هنشوف..
ألقاها الضابط باقتضاب وتحرك، ثم أشار لمعاونيه ناحية اليسار حيث تصطف سيارة الشرطة فسحبا عمر نحوها وهو يتطلع للوراء متعلقًا بعيني أخيه وهو يقول:
ـ فريد اعمل حاجه.. كلم بابا خليه يتصرف، متسيبنيش يا فريد.
وقف فريد يطالعه بقلة حيلة، ينقل ناظريه بين سيارتي الشرطة والإسعاف اللتان سارتا كلٌّ في طريقها إلى وجهتها.. وقبض على خصلاته بتوتر وهو يفكر في تصرف سريع وما لبث أن قام بالاتصال بوالده باستسلام…
***
كان سالم يجلس متمددًا فوق فراشه، يسند ذراعه خلف رأسه وباليد الأخرى ممسكًا بمسبحته الخاصة يسبح بها..
ونادية تجلس فوق الأريكة المقابلة للفراش، تطالعه بصمت وعيناها مشتعلتان متقدتان بالغضب ما انفك يتفاقم وهي تراه يسبح بمسبحته بهدوء وكأنه لم يقم قيامة البيت بأكمله منذ قليل!!
ـ سالم!
قالتها بصوتٍ ممشوق فنظر إليها نظرة راسخة بطرف عينيه وهز رأسه بهدوء فقالت وهي تحاول التحلي بالهدوء كالعادة:
ـ بقالي ساعة قاعدة قدامك مستنياك تنتبهلي عشان نتكلم..
ـ أيوة معاكي..
زفرت باستياء مكتوم وقالت:
ـ معايا إيه بس، إنت في ملكوت تاني مش سامعني ولا انت هنا أصلا.
ـ جربي تتكلمي وشوفيني هسمعك ولا لأ..
تنهدت مجددا وهي تريح ظهرها بالمقعد ثم قالت بهدوء:
ـ لو سمحت اتصل بعمر شوفه فين.
رمقها بنظرة جانبية مع رفعة حاجب تقول الكثير فنطقت بانفعال مقيد:
ـ متبصليش كده لو سمحت.. الولد حالته مش كويسة أبدا وإنت جيت عليه جدا وعلى فريد كمان، وانت عارف هو متحيز لفريد إزاي.
ـ الولد؟
كان هذا ما أثار انتباهه وسخطه، ولم يهتم من بين ما قالته سوى بهذه الكلمة فقال:
ـ أهي طريقتك دي اللي مبوظاه ومحسساه إنه لسه ولد فعلا.. إبنك المفروض إنه راجل يا نادية هانم.. لكن بدلعك ليه خليتيه ميسواش نكلة في سوق الرجالة.. ولا الحريم حتى!
واستطرد وهو يعتدل بمجلسه مائلا نحوها بتحفز:
ـ طبعًا مهو عموره حبيب ماما اللي بتلم وراه بلاويه وتداري عليه وكأنه بنت خايفة عليها من الفضيحة.. زي ما خبيتي عليا فضيحته مع البت إياها.. وعرفت بالصدفة من التليفون.
أجابته بانفعال:
ـ لأني حاولت أتصرف من غير ما أضطر أبلغك.. وفعليًا كلمت شريف وبلغته وهو اللي قدر يمسح الفيديو من على كل المواقع.. عشان كده كنت شايفه إن مفيش ضرورة إني أبلغك.
ـ آه تقومي تسيبيني نايم في العسل مش عارف إيه اللي بيدور حواليا بحجة إنك هتتصرفي، ليه هو كان ابنك لوحدك ولا إيه؟
ألقى الأخيرة بانفعال وصوت جهور، فتنهدت هي باستياء وهي تغلق جفنيها، تشعر كما لو أن الدم انسحب من جسدها كله واندفع بغتةً نحو رأسها، وهتفت به بنبرة حادة:
ـ لو سمحت.. لو سمحت بلاش الأسلوب ده معايا وبالذات دلوقتي لأني فعلا مستاءة من طريقتك دي..
ورمقته بعينين ضيقتين بتحذير وقالت:
ـ وافتكر إني مش عيل من عيالك هتكلمني بالطريقة دي وهسكت.
زم شفتيه بصمت ساد الأرجاء ثم نظر إليها مجددا وقال:
ـ قوليلهم يعملوا لي شاي.
حملقت به بغير تصديق، أحقًا يطلب الشاي وهما يتجاذبان أطراف موضوع مهم كهذا!!
أخذت تهز رأسها بغير تصديق وهي تطالعه بجنون وتقول:
ـ مش ممكن.. إنت كل ما بتكبر العِشرة بتستحيل معاك يا سالم، إنت بقيت بتضغط عليا بطريقة مش ممكنة بسبب برودك وتسلطك اللي بيزيد كل ما تكبر في السن. أرجوك إرحمني.
وقف سالم أمامها فأرغمها على رفع نظرها نحوه تطالعه، بينما هو يقف أمامها معلنًا الهيمنة الكاملة وقال:
ـ نادية.. متشغليش بالك بعمر، الواد ده لازمه رباية من أول وجديد.. لازم يبقى راجل بصحيح.. أنا مش هعيش لهم قد ما عِشت، عشان كده لازم أسيب ورايا رجالة.
واستدار ليغادر الغرفة فهتفت به بقوة:
ـ مستحيل.
توقف وهو لازال يوليها ظهره ويستمع إليها وهي تتابع بنبرة محتقنة:
ـ أسلوبك ده ميعملش منهم رجالة أبدا.. إنت موهوم!
احتدت ملامحه بانزعاج، وهربت من فمه تنهيدة واستدار يواجهها. على ما يبدو أنه يوم التمرد العالمي! فالجميع واحدًا تلو الآخر يعلنون تمردهم وعصيانهم بمنتهى الصفاقة دون الأخذ في الاعتبار أنه سالم مرسال.. الرجل الذي لا يُعارَض ولا يُجادَل.. ولا يُناقَش من الأساس.
بينما وقفت نادية في مقابله، بقامتها الفارعة تواجه قوته بقوة، وتحديه بتحدي، وترفض هيمنته التي ظن أنه حبس الجميع داخلها. وتابعت ما كانت تقول بمنتهى الحزم:
ـ بتوهم نفسك إنك الكل في الكل وإنك بتأمر تطاع، بس دي مش الحقيقة صدقني، الحقيقة إنهم هما كمان بيوهموك بكده. وفي النهاية كل واحد منهم بيعمل اللي هو عايزُه. استحالة الفجوة اللي بينك وبينهم دي هتتسد طول ما انت شايف إنك سالم مرسال بجلالة قدره وهما مجرد فريد وعمر.. اللي عايشين باسمك زي ما قلت. إنت غلطان.
ابتسم ابتسامة ساخرة مستاءة وهو يقول:
ـ عشان كده ابنك عمل عملته المنيلة، لأنه لاقي اللي بتدافع عنه وتبرر له.. أنا لو سبتهولك تربيه على كيفك هيطلع عيل خرع، طري.. معندوش إحساس بالمسؤولية وكل غلطة بيغلطها لها ألف مبرر.
وأشار بسبابته قائلا:
ـ خلاصة القول يا نادية.. ابني وأنا حر فيه.. أربيه زي ما أنا شايف إنه صح، هربيه زي ما اتربيت إن كلمة أبوه سيف على رقبته، يكون راجل ويستحمل نتيجة أفعاله ويكون قد كلمته ويواجه أخطاؤه..
وتابع بملامح ممتعضة ساخرة:
ـ مش كل ما أقوله بم يقولي هسيب البيت وأمشي زي فريد!! ياخي مع ألف سلامة هو هيهددني ولا إيه.
وصاح بمنتهى الديكتاتورية والتسلط وهو يشير بسبابته بزهو وثقة:
ـ اللي عايز يعيش في البيت ده لازم يعرف إن مفيش هنا كلمة فوق كلمتي، وإذا مكانش يعيش في بيتي باحترامه يبقى مع السلامه الباب يفوت مِية جمل.
وخرج من الغرفة تاركًا إياها في حالة ذهول.. ليس من أسلوبه، لا فهي تعرفه منذ خمسة وعشرين عامًا.. ولكن من تجبره الذي أصبح لا حدود له، وأخذت تغمغم وهي تنظر في أثره بريبة:
ـ إنسان مستبد!!
خرج سالم من الغرفة متوجهًا نحو حديقة الفيلا ولكنه تلقى اتصالا من فريد جعله يقف حائرًا وهو يفكر… بما أنه يتصل إذا فهناك أمرًا ضروريا.. فأجاب المكالمة على الفور بصمت فإذ به يصله صوت فريد وهو يقول بتوتر:
ـ عمر خبط بنت بعربيته وخدوه عالقسم.. وطلب مني أبلغك تكون جنبه.
ليصيح به والده في حدة؟
ـ والبنت ماتت؟
زفر فريد باستياء وقال:
ـ غالبًا عايشة لسه، الإسعاف نقلوها على المستشفى وأنا هتابع حالتها بنفسي بس الأول هبلغ أستاذ نادر وأخده ونروح لعمر.
شعر سالم بالدماء تندفع فجأة نحو رأسه بغضب، وأغلق عينيه مع شعور بالتهديد يخترق رأسه، ثم تمهل وهو يحاول أن يكون هادئًا لأبعد حد وقال:
ـ طيب، أنا هتصرف.. وبلغني هيحصل معاكم إيه أول بأول.
وأنهى الاتصال فجأة، واستدار متجهًا نحو غرفته ليرى نادية تجلس أمام طاولة زينتها، تضع بعضًا من كريمات قبل النوم ليقف خلفها وهو ينظر إلى وجهها في المرآة ويقول بسخط:
ـ اتفضلي يا نادية هانم يا صواف.. فضيحة جديدة من فضايح إبنك عمر.. خبط بنت بعربيته وشدوه عالقسم يحققوا معاه. والله أعلم الجاي فيه إيه!
طالعت انعكاس صورته أمامها بفزع، ونهضت لتتقدم منه بقلق بالغ وقالت:
ـ وعمر كويس؟ جراله حاجة؟؟
هدر بها بانفعال قائلا بنبرة يملؤها التهكم:
ـ لا متقلقيش خالص عمر بيه كويس.. إدعي إن البنت هي اللي تبقا كويسة و تقوم منها وإلا يبقا روحنا كلنا في داهية.
وتوجه نحو مكتبه يجري اتصالاته ليرى ما يمكنه فعله وتركها تحدق في أثره بريبة وهي تشعر بقدميها ترتجفان من فرط القلق، فجلست على طرف فراشها وهي تشعر بالرجفة تسري في كامل جسدها..
لحظات واستمعت إلى طرقات على باب الغرفة ثم دخلت چيلان التي يبدو عليها آثار النعاس وهي تقول:
ـ في إيه يا مامي أنكل سالم منفعل ليه كده، وبعدين أنا سمعاه بيتكلم على عمر، ماله عمر؟
ألقت نادية وهي تثبت مقلتيها نحو نقطة وهمية:
ـ عمر عمل حادثة وخبط بنت بالعربية وخدوه على القسم.
ـ معقول!! والبنت حالتها إيه؟
ـ مش عارفه يا چيلان.. أنا مابقتش عارفة ولا فاهمة حاجة.. أنا خلاص بفكر أخدكم ونرجع دبي.
قطبت چيلان حاجبيها بتعجب وقالت:
ـ دبي؟ ليه؟
ـ من غير ليه.. أنا خلاص مبقاش عندي طاقة أستحمل، أول ما تتحل مشكلة عمر هنرجع كلنا دبي مع چوليا.
صمتت چيلان لدقائق ثم قالت بحزم وحدة:
ـ بس أنا مش هرجع معاكم، أنا هفضل هنا.
ضيقت نادية عينيها ناظرة إليها، وزادت حدة نظراتها وهي تتساءل بالرغم من معرفتها الإجابة، ولكنها ترغب في مواجهتها بحقيقتها:
ـ ليه؟
ابتلعت الأخرى ريقها، وتسارعت أنفاسها، بينما كل كلمة تكلفها مجهودًا كبيرًا في نطقها:
ـ حضرتك عارفة السبب.
ـ فريد مش كده؟
رفرفت چيلان بأهدابها بتوتر، وحاولت تنظيم أنفاسها دون جدوى، وهمست بصوتٍ ضعيف؛
ـ أيوة.
ـ فريد عمره ما هيبص لك ولا هيشوفك!
ألقتها بحدة جعلت چيلان تنظر إليها بعينين زرقاوين مستنكرتين، وكأن ما قالته والدتها كان بمثابة صفعة قوية على جدار قلبها، وأخفضت كتفيها فيما يشبه الهزيمة، ثم طأطأت رأسها وأقرت:
ـ عارفة.
وصمتت للحظات، ثم نظرت إلى أمها بلوم صارخ واتهام مستتر وقالت:
ـ لأني بنتك.
حافظت نادية على نظرتها، ثباتها، هدوئها المزعوم. وازنت كلماتها ثم تساءلت ببطء:
ـ قصدك إيه؟
ـ قصدي إن الحاجز النفسي اللي بين فريد وبينك مستحيل يسمحله يشوفني أو يفكر فيا، انتِ وأنا وچوليا هنفضل بالنسبة لفريد السبب في موت مامته..
ـ اسكتي يا چيلان من فضلك..
هبطت دموع چيلان وقد تساقطت تلك الذكريات دفعةً واحدةً فوق رأسها لتشعل عقلها شبه المستفيق وقالت:
ـ ليه بتطلبي مني أسكت وأنا بواجهك بالحقيقة؟ ليه بتدي لنفسك الحق ده وتسلبيه مني؟ مش هي دي الحقيقة؟ إن وجودنا هنا هو السبب في موتها؟ لما أنكل سالم اتجوزك وقرر يجيبنا هنا ويواجه مامت فريد بجوازه منك.. ويومها هي مستحملتش الصدمة ورمت نفسها من شباك أوضتها..
ـ چيلان اسكتي…
ـ فريد عمره ما هيعرف يتخطى الموقف ده أبدا.. هيفضل طول عمره بيكرهك حتى لو مضطر يعاملك كويس، وحتى لو بيعاملني أنا وچيلان بلطف.. بس من جواه في حاجز نحيتنا هو محبوس وراه.. إستحاله هيقدر يتخطاه مهما حصل.. عرفتي ليه بقا عمره ما هيحبني؟ لأني بنتك.
وتابعت وهي تجاهد لكي يخرج صوتها ثابتًا:
ـ عشان كده بليز بطلي تواجهيني بحقيقة إنه عمره ما هيحبني، لأني وقتها هكون مضطرة أواجهك بحقيقة إنك السبب.
وغادرت إلى غرفتها بانفعال والدموع تغشى عينيها، بينما تركت أمها تستحضر تلك الليلة اللعينة، نعم هي تعرف أن ابنتها محقة، وعلى ما يبدو أن شعورها بالذنب طيلة السنوات الماضية تجاه ما حدث لم يكن كافيًا لكي تتحرر منه.
***
كانت عائشة قد غفت من شدة التعب، بعد وصلة بكاء دامت لأكثر من ساعتين، وهي تضم إحدى منامات نغم إليها وتشم رائحتها وتستأنس بها.. وإذ بها تصارع منامًا أسودًا، جعلها تشعر بالاختناق وكأنها تصارع الموت. حيث رأت نفسها مسجيةً فوق سرير حديدي، ويداها مقيدتان بجانبي السرير، وعلى جانبيها يقف عدة رجال يرتدون ملابسَ سوداء وكلاً منهم بيده آلة حادة يصوبها نحوها والشرر يتطاير من عيونهم، فصرخت بكل ما أوتيت من قوة لينهالوا عليها جميعهم بآلاتهم الحادة ويترك كلاً منهم جرحًا عميقًا في أنحاء جسدها المتفرقة.
فتحت عينيها فجأة وهي تلهث بفزع، وقلبها يطرق بعنف وكأنه سيتوقف حالًا.. ثم مسحت على وجهها وشعرها وهي تغطي وجهها بيديها وتشكر الله لأنه لم يكن سوى كابوسًا ومضى.
ولكن انقباضة قلبها تلك أخبرتها أنه لم يمضِ، وأنه ليس كابوسًا، ربما يكون واقعًا تعيشه ابنتها التي لا تعرف سبيلا للوصول إليها منذ أيام. وعند هذا الخاطر وجدت دموعها تنهمر وهي تقبض على تلك المنامة بيديها وتقول بلوعة:
ـ رُحتي فين بس يا نغم وسبتيني!
استمعت لصوت الباب فعلمت أن ابنها قد عاد، نادتهُ فدخل إلى غرفتها متجهمًا، وملامحه المنقبضة تفصح عما يشعر به، ثم نطق متسائلا بضيق:
ـ مين اللي دل نغم على شغلانة الكوافير دي؟
قطبت حاجبيها باستغراب وهي تجيب:
ـ نيهال، بس بتسأل ليه؟
هز رأسه باستياء وقد صدق حدسه، فلقد توقع أن تكون هي نيهال هي من ألقت بها في هذا المكان العجيب، ثم نظر إلى أمه التي تبدو متعبة بشدة وقال:
ـ أصلي رُحت وسألت عليها هناك، قلت جايز أوصل لحاجة، واستغربت لما شفت الناس هناك لا هما شبهنا ولا إحنا شبهم، مش عارف نغم كانت شغالة معاهم إزاي!
ثم أخذ يغمغم بغضب وعجز:
ـ دلوقتي مبقيتش أستغرب اللي هي عملته، واضح إن التلت سنين اللي غبت فيهم نغم بقت واحدة تانية غير نغم اللي أنا مربيها على إيديا، اختلاطها بالناس دي وشغلها في مكان زي ده وصحوبيتها لنيهال خلوها واحدة تانية، عملوا لها غسيل مخ.
نظرت إليه وطالعته مليًا باتهام غير ملفوظ، ثم قالت بنبرة قاسية:
ـ لو نغم مرجعتش مش هسامحك أبدا يا حسن.
زم حسن شفتيه وهو يرمقها بصمت، ثم زفر وهو يغادر غرفتها متجهًا إلى غرفته، وتركها تبكي وشعورًا بالضياع يغزو قلبها وراحت تتمتم:
ـ يا رب.. إحميلي بنتي.. يارب رجعها لحضني أنا مش حِمل إني أخسر تاني.
***
كان فريد ينتظر بسيارته أمام قسم الشرطة، لم يستطع الدخول إلى ذلك الوسط المليء بالبشر حيث كل واحدٍ منهم يشكل بمفرده بيئة خصبة مملوءة بالجراثيم.
وأخذ يفكر.. كيف سيكون مصير عمر لو لاقدر الله توفت الفتاة؟ وكيف سيتصرف والده في هذا الأمر، حسنا هو يعرف أن والده يملك معارفًا كثيرة ولكنه يظن أنه لن يغامر باسمه وهيلمانه ويطلب من أحدهم مساعدة أو تدخل في موقف غير مشرف بالمرة كهذا.
وبينما هو غارقٌ في أفكاره انتبه عند اقتراب المحامي منه، والذي طرق بإصبعه على زجاج النافذة ففتح له فريد باب السيارة ودعاه للداخل وهو يقول:
ـ ها يا أستاذ نادر عملتوا إيه؟
تنهد المحامي ثم قال بأسف:
ـ خد حبس أربع أيام لحين ورود التحريات.
زم الآخر شفتيه وأفرج عن تنهيدة كانت محتبسة داخل صدره بأسى، ثم نظر إليه نظرةً جانبية يملؤها الضيق وهو يقول:
ـ طيب في إيدينا إيه نعمله دلوقتي؟
لينظر إليه المحامي ويجيبه بابتسامة واثقة:
ـ ندعي للبنت تقوم منها.. لأنها لو ماتت الموضوع هيتعقد جدًا.
تنهد فريد وهو يومئ مؤكدا على ما قاله المحامي ثم تنهد وقال:
ـ ربنا يعديها على خير. على العموم أنا هروح دلوقتي المستشفى أطمن بنفسي. وحضرتك لو حصل معاك أي جديد بلغني.
هز نادر رأسه موافقا، ثم قال؛
ـ طبعًا يا فريد بيه، إن شاء الله خير.. عن إذنك.
وخرج من السيارة فأسرع فريد يلتقط زجاجة الكحول ويرش منها على يديه والمقعد حيث كان يجلس المحامي، وعلى زجاج النافذة حيث طرق الرجل بإصبعه، ثم تحرك منطلقًا نحو المشفى لكي يتابع حالة تعيسة الحظ التي صدمها أخيه بسيارته، ويقف فوق رأسها يدعو لها بالنجاة لكي لا يكون السجن مصيره.
***
وصل فريد المشفى، صف سيارته وأخرج قناعًا طبيًا وقفازَا طبيًا، ارتداهما وترجل من السيارة متجهًا نحو الداخل، قصد قسم الاستعلامات وسأل عن المصابة التي وصلت قبل ساعة تقريبًا فأخبرته أنها بغرفة العمليات بالطابق الثاني.
صعد حيث الطابق الثاني ووقف منتظرًا أمام غرفة العمليات لخمس دقائق تقريبًا حتى انفرج الباب.. وظهر بعدها بعضًا من طاقم التمريض وهم يسحبون سريرا طبيا للخارج، فنظر فوقه حيث تستلقي فتاة ضئيلة الحجم، لم يستطع التحقق من ملامحها نظرًا لتلك الرقبة الطبية التي كانت مثبتة بعنقها، وتلك الكدمات التي غطت وجهها تمامًا، والضمادة الطبية فوق رأسها، فجعلت التعرف عليها أمرًا مستحيلا.
انقبض قلبه بأسف وهو يراقب تلك الصغيرة التي لا ذنب لها سوى أنها ظهرت في طريق شقيقه الأرعن، وشعر حيالها بالشفقة وهو يراها تتجه نحو غرفة العناية المركزة ليتفاجأ بعدها بصديقه الدكتور يوسف البيهي وهو يغادر غرفة العمليات.
والذي يعرفه معرفة شخصية بعد أن تقابلا في فندق في فرنسا قبل سنة حيث كان الطبيب ذاهبا لحضور مؤتمرًا طبيًا هناك، وكان ينزل في نفس الفندق الموجود به فريد، وكان الطبيب قد تعرض للسرقة وفريد هو من ساعده في استرجاع أغراضه بالكامل.
تفاجأ الدكتور يوسف بوجوده وابتسم وهو يدنو منه ويمد يده إليه بعد أن خلع قفازاته الطبية ليصافحه، ولولا أن فريد قد اتخذ احتياطاته الاحترازية جميعها قبل الدخول لهذا المكان لكان اضطر لقطع يده التي ستصافح الطبيب حالًا..
ـ معقول فريد بيه.. إيه الصدف دي؟
رمقه فريد بود وابتسم وقال:
ـ إزيك يا دكتور يوسف.
ـ أنا بخير، حضرتك جاي ليه؟ كله على ما يرام ولا في مشكلة؟
تنهد فريد مردفًا باستياء وقد تعلقت عيناه بالغرفة التي دخلت إليها الفتاة وقال:
ـ البنت اللي خرجت من العمليات حالا.. للأسف أخويا اللي خبطها بعربيته.
رفع الطبيب حاجبيه بغرابة، مع زمة شفاه متأسفة وقال:
ـ معقول!
أومأ فريد بأسف وتنهد ثم قال؛
ـ ممكن أعرف حالتها مستقرة ولا لأ.
وضع الطبيب يديه بجيبي قميصه وهو يردف بعملية:
ـ إحنا الحمد لله قدرنا نسيطر على النزيف اللي كان موجود، ودلوقتي هننقلها على العناية المركزة والكام ساعة الجايين هما اللي هيحددوا مدى استقرار الحالة.
أومأ فريد بعد أن أطلق تنهيدة محبطة ثم قال:
ـ شكرا لحضرتك يا دكتور..
ـ تحت أمرك يا فريد بيه، لو احتجت أي حاجه اطلبني بس وأنا في الخدمة.
شكره فريد وانصرف الطبيب، وهم هو كذلك بالانصراف ولكن شيئا ما استوقفه.. تلك الممرضة التي غادرت غرفة العمليات وتحمل بيدها كيسًا بلاستيكيًا به شيئا ما لفت انتباهه. فاقترب منها على الفور وأشار للكيس بيدها باهتمام وهو يقول:
ـ إذا سمحتي.. إيه اللي في إيديكي ده؟
طالعته الممرضة باستغراب وقالت:
ـ دي الهدوم اللي كانت لبساها المصابة.
أصابه الارتباك للحظات وهو يلتقط ذلك الشعر المستعار بلونه الأصفر من الكيس بأطراف أصابعه ويقول:
ـ الباروكة دي كانت لابساها بردو؟
أومأت وهي تتفحص التعجب البادي على وجهه، ثم التقط ذلك الثوب بتقزز ويقول:
ـ والفستان ده بردو فستانها؟
ـ أيوة حضرتك، هو إنت تعرفها؟
نظر إليها بعد شرود لم يطل، ثم قال:
ـ لأ.. أقصد أيوة.. يعني معرفة سطحية.
وتركها وابتعد فورًا، ثم قام بفتح هاتفه ليراجع تلك المقاطع المرئية التي أرسلها إليه أيمن عن طريق تفريغ الكاميرات، حيث ظهرت بها نغم وهي تترجل من السيارة.. إنها هي!! هذا الثوب لها! وتلك الباروكة الشقراء اللعينة لها كذلك! إنها هي وليست سواها!
ـ مش ممكن! معقول هي نفس البنت بتاعة الحفلة؟!!
قالها فريد وهو يحدق بباب غرفة العناية المركزة بغير تصديق، هل يعقل أن تقع في طريقه وهو الذي كان مستعدًا قبل ساعات لدفع الملايين ليعثر عليها؟!! إنه إنصاف القدر.
أومأ يؤكد ذلك الهاتف برأسه، نعم.. إنه إنصاف القدر.. فبعد أن تسببت له في فضيحة مدوية وتسببت في طرده من بيته والعائلة، ها هي تلقى جزاءها بدون سعي أو أدنى مجهود منه.
جذبه من حالة التيه التي كانت تغمره اتصالا من والده فأجابه بهدوء:
ـ نعم؟
ـ إنت فين دلوقتي؟
ـ في المستشفى.
ـ والبنت حالتها إيه؟
ـ في العناية المركزة لسه مفيش أخبار أكيدة إذا كانت كويسة أو لأ.
صمت والده للحظات ثم قال:
ـ نادر بلغني إن أخوك هيتحبس أربع أيام..
ـ مظبوط.
فألقى بحدة وغضبٍ هادر:
ـ أنا مش عارف هلاحق على إيه ولا إيه، كل يوم بلوة جديدة.. كل يوم إيه ده كل ساعة، إنتوا لو ناويين على موتي مش هتعملوا كده.
لم ينطق فريد وآثر الصمت تمامًا حتى قال سالم بحدة خافتة:
ـ خليك جنب البنت لحد ما تفوق، لازم تقنعها بأي طريقة تتنازل عشان البيه يتهبب يخرج، لو طلبت فلوس اديها اللي هي عايزاه المهم نخلص.
أطلق فريد سراح ضحكة متهكمة ثم قال بنبرة مراوغة:
ـ متقلقش مش هتحرك من جنبها حتى لو قعدت سنه.
ـ تمام. وبلغني بالأخبار أول بأول.
وأنهى الاتصال فوضع فريد هاتفه بجيبه، ثم استعان بزجاجة الكحول للتخفيف من وطأة توتره والضغط الواقع عليه، رش منها الكثير على يديه ليلاحظ شيئا هاما.. لقد لاحظ ظهور بقع خفيفة مثيرة للحكة على ظهر كفيه.
***
أمعن النظر فيها باستغراب!! إنه يلاحظها للمرة الأولى وكأنها قد ظهرت للتو، لم يلحظها من قبل وبقدر ما حاول تجاهل الأمر إلا أنها شغلت تفكيره وبشدة.
تنهد بضيق، ثم نهض.. عليه أن يذهب للبيت حالًا ويأخذ قسطا من الراحة ويسترخي، فما حدث معه اليوم لا يحدث مع أحدٍ غيره في سنوات ولكنه سوء الحظ.
سار بالممر وفجأة توقف أمام الغرفة الموجودة بها المحتالة الصغيرة، وصكّ على أسنانه بتوعد هادئ ثم قال للمرضة التي خرجت من الغرفة للتو:
ـ بعد إذنك خلي بالك منها.. أوي!
شدد على كلمته الأخيرة بقوة وأردف بتحذير:
ـ ممنوع تخرج من هنا بدون علمي.
رمقته الممرضة بنفاذ صبر وقالت باستهجان:
ـ تخرج إزاي يا فندم بحالتها دي؟
وهزت رأسها في استنكار فقال بإيجاز:
ـ تمام.
غادر المشفى، واتخذ سبيله نحو منزله، دخل ومن فوره توجه إلى الحمام ليبدأ رحلته في تطهير وتعقيم نفسه من الجراثيم التي بالتأكيد علقت بجسده بعد أن تواجد في المشفى وسط حالات مختلفة من المرضى.
أنهى حمّامه وخرج وهو يرتدي مئزره، جلس على حافة الفراش وأخذ ينظر لتلك التقرحات على ظهر كفيه والتي آلمته ألمًا طفيفًا عند الاستحمام وخاصةً وقت استخدام سائل الاستحمام الممزوج بنسبة كحول عالية.
ولأنه حريص جدًا على ألا يصاب بأي مرض جلدي يغير من شكله، أو يسبب لديه حرجًا في التعامل مع الآخرين، أو يعيق أيًا من مهامه بأي شكل من الأشكال. قام بالبحث عبر الإنترنت عن أي معلومة مفيدة ريثما يستشير طبيب أمراض جلدية في أقرب فرصة متاحة، قام بتصوير تلك البقعة في يده وقام بالبحث عن الصورة فإذا به تظهر أمامه عدة صور مشابهة تمامًا وكانت نتائج البحث كالتالي:
" الإفراط في استخدام الكحول قد يتسبب في التهاب الجلد و ظهور بقع طفح جلدي "
أُصيب بالإحباط عندما قرأ تلك الجملة، وتنهد وهو يغلق الهاتف ويسنده فوق الكومود بجوار سريره في وضع أفقي.. ثم انتبه من شروده وهو ينظر نحو باب الغرفة ويحدث نفسه بشك، هل قام بإعادة ترتيب الحمام بعد أن انتهى من الاستحمام أم أنه تركه يعج بالفوضى؟
وبالرغم من أن عضلاته قد بدأت في الاسترخاء طلبًا للنوم إلا أنه نهض وعاد إلى الحمام مجددا.. يتفحص كل إنش به، الأرضيات هل هي نظيفة وجافة أم لا، المرآة لا بد أن تكون لامعة، كل شيء في مكانه، كل شيء في اتجاهه الصحيح.
وبعد أن تأكد أن كل شيء على ما يرام وهم بالخروج التقطت عيناه.. التي تشبه العدسة المكبرة المستخدمة في كشف الجراثيم والميكروبات.. مرذاذ الماء الذي يميل إلى اليسار قليلا، فدخل كابينة الاستحمام وعدله متنهدًا بأسى، ثم عاد إلى سريره، وقام بدهن ملطف للجلد على تلك البقعة بيده وهو ينوي استشارة طبيب مختص في الغد، ويأمل أن يخبره أن الأمر لا علاقة له بالكحول الذي يثق به أكثر مما يثق بالبشر من حوله، وراح يتمتم بقلة حيلة وهو يتمدد فوق الفراش ويسحب الغِطاء فوقه:
ـ إن شاء الله تكون بسبب أي حاجة تانية ويكون الكحول ملوش ذنب!
وتنهد وهو يثني ذراعه أسفل رأسه، وشرد قليلا يلقي نظرة على أحداث يومه بعقل لا يتوقف عن التفكير القهري، فوجد أنه يشبه شخصًا خرج حيًا من معركة ضارية.
تنهد وأغمض عيناه يحاول تجاهل كل تلك الخواطر التي تسيطر على تركيزه وتثنيه عن النوم، فإذا به يشعر بغصة تتعلق بحلقه وهو يتخيل حالة عمر الآن!
هل يعقل أنه السبب في ما حدث له؟ نعم هو السبب بشكل أو بآخر، فلولا تدخل عمر ودفاعه عنه لما كان والده طرده من المنزل واضطر للمغادرة وهو في تلك الحالة السيئة التي على إثرها كان يقود بسرعة جنونية جعلته يصدم الفتاة بسيارته!
نخر الشيطان برأسه كما ينخر السوس بالخشب وأخذ يصور له أنه المتسبب فيما حدث، وجعله يحيد بفكره عن كون أن الله وحده هو من يسبب الأسباب و يحركها بحكمته.. فاستعاذ من الشيطان وأخذ يردد عدة مرات علّه ينصرف:
ـ استغفر الله العظيم.
ولكن دون جدوى، لا يهدأ.. لا ينصرف.. الوساوس لا تتوقف، بل تكبر وتتضخم حتى أوشكت على قتله حيًا. تزيد.. وتتعمق.. وتأخذه حيث يكره.. تجعله ينفر من نفسه، من تفكيره، من الخواطر التي يتطرق إليها دون إرادة منه.. فيقشعر بدنه وهو يشعر بالخزي، يشعر بأنه على وشك الخروج عن إيمانه بالله من فرط الوسوسة والهواجس التي تعيث فسادًا برأسه..
ـ بس بقا.. بسسسس.
قالها وهو يمسك برأسه بكلتا يديه ويضغط على عقله لكيلا ينفجر، ثم فتح درج الكومود مجددا وأخرج تلك الأقراص المنومة وأخذ يطالعها بحسرة. لقد ظن أنه لن يلجأ إليها مجددا ولكن في كل مرة يسوء به الحال يكون مضطرًا لتناولها مقهورًا. فابتلع قرصًا، ثم أخذ يطالع الشريط بيده بضيق، وابتلع قرصا آخرا وأعاد الشريط حيث كان، ثم أطفأ الضوء ودس رأسه بين الوسادتين هربًا من تلك الوساوس التي تندفع أسفل فروة رأسه وخلف عينيه، تضربه بموجات من الحزن وتثير سخطه وتُفقده حواسه، وتتركه بقايا إنسان لقى حتفه على يد الشيطان.
رواية محسنين الغرام الفصل الثامن 8 - بقلم نعمة حسن
ها هي تتكئ على كتفه، يعلو صوت نبضاتهما مع كل نفس، كأنهما يتشاركان إيقاعًا واحدًا، إيقاعًا يروي حكاية أبدية عن الطمأنينة. العالم حولهما يذوب، يصبح مجرد خلفية رمادية لا تعني شيئًا، هما هناك، في مدار خاص بهما، حيث الزمن يتوقف، وحيث تُصبح لمسة الكتف والسكون والابتسامة الخافتة كُل الوجود.
ثم ينظر بعينيها بلوعة وعلى حين غفلةٍ منها يمنحها قُبلة عصية عن الوصف، سارت كالترياق بجسد كلا منهما.
تقبلت قُبلته بصدرٍ رحب، وبقلب لا ينبض سوى له، وابتسمت ابتسامة من أجمل ما يكون، ثم غادرت الحيز الذي تشغله، واختفت تمامًا، وتركتهُ موسومًا بعشقها.
وفجأة.. فتح عينيه بقوة، وحدق في سقف الغرفة بجمود، ثم انتفض من مرقده وأخذ يتطلع حوله ليتأكد أنه كان حلمًا!
أجل، لم يكن سوى حلمًا غريبًا.. ولكن.. لماذا يحلم بهذه الفتاة المحتالة خصيصا؟ إنه ينتظر أن تتحسن حالتها لكي يأخذ بثأره منها، يكِنُ لها عداوة شديدة ويبغضها كما يبغض شيطانه اللعين تماما! إذًا لماذا رآها في منامه، ولماذا رأى نفسه متيمًا بها لهذا القدر؟
أغمض عينيه.. يود استرجاع تلك اللمسات الدافئة التي شعر بها في منامه، واعتصر جفنيه وهو يتلمس أثر تلك القُبلة لا إراديًا، يقسم أنه لايزال يتذوق حلاوة الإحساس الذي غمره قبل قليل..
هل كل هذا لأنه نال منها قبلة في اللاوعي؟ هل هذا نفس الإحساس الذي يشعر به الآخررن عندما يتبادلون القُبلات؟ بالطبع لا.. لقد شعر بالاشمئزاز عندما اغتصبت تلك المحتالة شفتيه بالحفل، ولولا أنها باغتته بفعلتها لاتخذ نحوها أقسى رد فعل كان من الممكن أن تتوقعه.
ولكن.. قبل قليل.. أي في الحلم الذي رآه.. هذه القبلة لم تكن كتلك أبدا.. لقد كانت قبلة بمذاق العشق الخالص!
زفر ونفض رأسه من تلك الترهات ثم نزل من فراشه ينوي إتمام الكثير اليوم لكي يستعد ليوم العطلة في الغد بذهن صاف.
شرد في ظهر كفه حيث البقعة التي اكتشفها بالأمس وعلى الفور قام بالاتصال بمدير أعماله وطلب منه أن يأخذ له موعدًا لدى طبيب أمراض جلدية موثوق اليوم، ثم توجه نحو الحمام، وأنهى حمامه ثم خرج لينهي باقي خطوات استعداده للخروج.
وقف في النهاية أمام مرآة الغرفة يتمم على مظهره النهائي، ثم خرج من الغرفة ليعد قدحًا من القهوة، وفي تلك الأثناء قام بالاتصال بالمحامي الذي يتابع مسار قضية عمر، وتساءل:
ـ إيه الأخبار يا أستاذ نادر؟
ـ متقلقش يا فريد بيه، عمر بيه كويس جدا وبيتعامل معاملة سبيشيال.
تنهد فريد بضيق يغمره كلما تخيل شقيقه وهو ملقى على الأرض بين اللصوص والمجرمين، ثم قال:
ـ إنت متأكد؟
ـ متأكد يا فريد بيه، الباشا موصي عليه ناس ليها كلمتها ووعدوه هيشيلوا عمر بيه على كفوف الراحة الأربع أيام دول، إن شاء الله فترة وتعدي.
ـ والمكان اللي هو قاعد فيه نضيف؟ من فضلك اتأكد بنفسك، لازم يكون في مكان نضيف وبيتقدمله أكل نضيف ومضمون.. اعمل كده حتى لو كان التمن إيه.
أومأ الآخر بتأكيد وهو يقول:
ـ متقلقش خالص، الزنزانة اللي فيها عمر بيه زنزانة VIP .. بقوللك الباشا موصي عليه توصية جامدة.
أطلق فريد تنهيدة مرتابة ثم هز رأسه باستسلام وقال:
ـ تمام يا متر، وإمتا نتيجة التحليل هتظهر؟
ـ بكرة إن شاء الله.
ـ إن شاء الله.. طيب.. لو ثبت في التحاليل إن في مخدرات، إيه الوضع؟
ـ لا متقلقش يا فريد بيه أنا اتكلمت مع عمر بيه وهو أكد لي إنه ما تعطاش أي مخدرات، إضافة لأنه لو كان تحت تأثير المخدرات الأمر بيبقا واضح، لكن دي إجراءات روتينية لا بد منها، وعلى العموم حتى لو ثبت وجود نسبة مخدرات في التحليل إن شاء الله الموضوع يتحل بكفالة.. أهم حاجة إن البنت تتحسن وتتنازل.. ودي حاجة مضمونة إن شاء الله.
على ذكر سيرتها تصاعدت ألسنة اللهب داخل عقله واشتعل رأسه غيظًا، ثم أردف يؤكد:
ـ تمام يا متر ربنا معاك.. لو في أي جديد بلغني.
ـ تحت أمرك يا فندم، مع السلامة.
أنهى فريد المكالمة، ثم أخذ يقلب الهاتف بين يديه وهو يسبح بخياله بعيدا.. بالتحديد عند تلك الفتاة.. ثم أخذ يردد بتوعد:
ـ أهم حاجة تتحسن… لأن اللي مستنيها شديد.
***
كان حسن نائمًا، يشعر وكأنه يترنح بين دوامات من اللاوعي، تسحقه وتعبث به وتتركه خائر القوى، هائمًا، تائهًا وشريدًا..
استمع إلى صوت رنين الهاتف الذي جذبه من نومٍ عميق وجعله يفتح عينيه الضيقتين فجأة، ويحدق بهما لثوان دون أن يرف له جفن، تماما مثل بركة ساكنة لا تتحرك فيها المياه، وأخذ يحدث عقله، هل هذا الصوت كان ناجمًا عن الترنح بين دوامات عالمه الافتراضي؟ أم أنه رنينًا حقيقيًا؟ وعند سماع صوت الرنين مجددا قفز من فوق السرير بلهفة، ملتقطًا هاتفه بلهفة على أمل أن يكون الاتصال يتضمن أخبارًا عن نغم.
ثم أجاب الاتصال من الرقم المجهول وهو يقول:
ـ ألو.. مين معايا؟
ليستمع إلى صوت أنثوي رقيق يقول:
ـ السلام عليكم، ده رقم أستاذة نغم ناجي؟
ـ أيوة.. أيوة هو، مين انتِ؟
ـ أنا بتصل بخصوص التأخير عن ميعاد جرعات الكيماوي؟ مدام عيشة كده فاتها جرعتين. رجاءً الاهتمام بمواعيد الجرعات لأن الحالة مش مستحملة تأخير.
كان يستمع إليها بغير وعي، أو بالأحرى لقد فهم ما تقوله ولكنه يرفض تصديقه! ثم تساءل بعد أن أجبر لسانه المقيد على النطق:
ـ كيماوي إيه؟ هي أمي عندها سرطان ؟!!!
صمتت الممرضة لثوان بطيئة، ثم تساءلت بتعجب:
ـ حضرتك ابن الست عيشة؟
ـ أيوة.
ألقاها بتثاقل ثم سأل مجددا بخوف من أن تأكد إجابتها :
ـ هي أمي بتتعالج من السرطان ؟
ـ هو حضرتك مكنتش تعرف؟
هز رأسه وكأنها تراه، ولم ينطق لأن الصدمة ألجمت لسانه وجعلته يستدير في مكانه ويتطلع نحو باب غرفة أمه بتيه شديد، فإذا به يستمع إليها تقول:
ـ ضروري مدام عيشة تحضر بكرة، أي تأخير مش في صالحها.
وأنهت الاتصال فأخفض حسن الهاتف عن أذنه ثم جرّ قدميه نحو غرفة والدته، ودخل ليجدها ممسكةً بصورة تجمع ثلاثتهم وهي تبكي وتضم الصورة إلى صدرها بحنين أمومي وتبكي بقهر.
تقدم منها، ثم التقط الصورة من يدها وأخذ يتطلع نحوها والدمع يتلألأ بعينيه، هذه هي الصورة الوحيدة التي تجمعه بنغم، عندما كان في سن العاشرة يقف حاملًا نغم التي كانت في سن عامين على ذراعه ويضمها إليه بتملك. ويقف بجوار والدته على شاطئ البحر والابتسامة تعلو وجوههم.
قرب الصورة وأمعن النظر بها، ثم قام بتقبيل صورة نغم بتلقائية وهو يكتم دمعاته لئلا تغدره، وأعطى الصورة لأمه ثم جلس أمامها على المقعد، يسند ذراعيه فوق فخذيه، ويسقط رأسه بانهزام، يخفي نظراته وعينيه المخضبتين بالدموع عنها، ثم تساءل بصوت مرتجف:
ـ من إمتا وانتِ بتتعالجي من السرطان ؟
نظرت إليه بصدمة، لقد أخفت الأمر عنه، فمن أين عرف إذًا؟
وتهدل كتفيها بإحباط ملائم لهزيمته وقالت:
ـ عرفت إزاي؟
أجاب وهو لازال يتفرس الأرض :
ـ اتصلوا من المستشفى بيقولوا إنك إتأخرتي عن ميعاد الجرعة.. من امتا وانتِ بتاخدي كيماوي؟ وليه مخبية عني؟ وكنتي ناوية تفضلي مخبية عني لحد إمتا؟ اتكلمي ياما.
تعثر قلبها، وكأنها ركضت لمسافة ميل أو ميلين، ثم نطقت وهي تجاهد لئلا تبكي:
ـ من كام شهر عرفت اني تعبانة بالمرض الخبيث وبدأت أتعالج، ومن فترة صغيرة خالص سمعت الدكتور بيبلغ نغم إن خلاص المرض اتمكن مني وزي ما بيقولوا خلاص بقيت في الوقت الضايع، زودوا الجلسات على أساس تمنع السرطان يمشي في جسمي كله بس عالفاضي. أنا عارفة إنه خلاص مفيش من حالتي رجا.
اهتز بدنه وسقطت دمعة من عينه التقطها بسرعة، واستمع إليها وهي تكمل بانهزام:
ـ أنا خلاص مش ناوية أخد كيماوي تاني واللي يحصل يحصل..
حدجها بنظرات غاضبة، يملؤها القهر، وقال بحدة :
ـ إزاي يعني؟ طيب إذا مكنتيش عاوزة تعيشي عشاني، على الأقل عيشي لنغم !
رمقته فورا، وأغمضت عينيها والدموع تفر منهما باشتياق، ثم قالت بصوت خافت:
ـ هي فين نغم؟ قلبي بيقوللي إنه جرالها حاجة، نغم ملهاش غيري.. لو عايشة وكويسة استحالة تبعد عني كل ده.
نهض عن مقعده منتفضًا، معترضًا، يرفض تصديق ما سمعه، ثم ألقى كلامه بصوت حاد:
ـ نغم كويسة. وهترجع.. هترجع قريب أوي، هدور عليها وهقلب عليها البلد كلها، وهترجع هنا وسطنا. وانتِ هتكملي علاجك وهتخفي وتبقي مِية فل وعشرة.. سامعاني؟
لم تجب، ولم تسمع ما قاله أساسا، فكل ما كانت تفكر به وتوليه اهتمامها الآن هو العثور على نغم. ثم وقفت أمامه تطالع برجاء قائلة:
ـ اوعدني يا حسن.
هز رأسه مستفهما فقالت وهي تنظر بداخل عينيه، تناشد ذرة الضمير المتبقية بداخله، وتقول:
ـ لو ربنا أذن لعمري يخلص ومت وانت لقيت نغم في يوم من الأيام.. اوعى تأذيها ولا تجبرها على حاجة هي مش عايزاها.
صمت يستشف قصدها، يعرف أنها تلمح لزواجه منها، ويعرف أنها تعرف أنه يبحث عنها وينوي الزواج منها، طال صمته فقالت برجاء:
ـ اوعدني يا حسن.
لم يستطع أن يقطع ذلك العهد لها لأنه يعرف أنه لن يلتزم به، فهو إن رأى نغم لن يفلتها من قبضته أبدا.. سواء باللين أو بالقسوة، سواء أقبلت أم لم تقبل، وأشاح عن عينيها بتوتر ثم قال بإيجاز وهو يهرب من عينيها اللتان تحاصرانه:
ـ أنا خارج أشرب سيجارة وجاي.
فر من أمامها فورا وخرج من البيت، وقف أمام المنزل وأشعل سيجارة أخذ ينفث الغل من قلبه مع دخانها، وسرعان ما لقيت حتفها على يده فأعقبها بأخرى، وأخذ يفكر وهو يشعر أنه على حافة الجنون:
ـ انتِ فين يا نغم ؟!!
***
خرج فريد من منزله قاصدًا المشفى، وبعد أن وصل وصف سيارته لم ينس أن يرتدي القناع الطبي والقفازات، ثم ترجل ودخل إلى المبنى، ليتوجه بعدها على الفور نحو قسم العناية المركزة حيث تتواجد الغرفة الموجودة بها فتاة الحادث.
توقف أمام الغرفة، خلف الجدار الزجاجي والذي يظهر من خلفه سريرًا طبيًا، تستلقي فوقه فتاة صغيرة الحجم، وجهاز مراقبة المؤشرات الحيوية موصول بها عن طريق تلك الأقطاب المثبتة بين أضلاعها، وسبابة يدها اليسرى موصول بجهاز المراقبة.
وقف فريد يتأملها للحظات، يتخيلها بين يديه.. ماذا سيفعل بها؟ هل سيخنقها أولا ثم يقتلع ذلك الرأس الغبي من جذوره ويطعمه لكلاب حراسة الشركة؟ أم يقتلع رأسها وهي حية حتى يتلذذ بكل صرخة عذابٍ منها ثم يصوب النار نحو ما تبقى منها؟ ثم تنهد بتعجب من حاله.. ما كل تلك الميول الإجرامية يا رجل الخير؟ هل فتاة بحجم الكف كهذه استفزته لذلك الحد الذي سمح له باكتشاف ميولا جديدة لديه؟
وبينما هو يتخير طريقة التعذيب المثلى التي سيعتمدها في عقاب تلك المحتالة خطر على باله خاطر.. القُبلة التي تبادلاها في المنام!! وكم كان شعورًا حلو المذاق! ووصولا عند هذا الحد نفض رأسه من تلك الفوضى وحمحم يجلي حلقه بهدوء وهو يستقبل الدكتور يوسف الذي دنا منه مبتسمًا ببشاشة ثم قال:
ـ لورد فريد إيه الأخبار؟
ليجيبه فريد بابتسامة مهندمة:
ـ كله تمام، بالنسبة للبنت؟ إيه الأخبار يا دكتور يوسف؟
ـ الحمد لله الحالة مستقرة بنسبة كبيرة، وإن شاء الله في خلال من ٤ أيام لأسبوع هتكون قادرة تستعيد وعيها بالكامل وتخرج من العناية المركزة وتتنقل على عنبر خاص.. وبعدها هنعمل لها شوية فحوصات وأشعة نطمن بيها على سلامة الدماغ والنطق والذاكرة والكلام ده كله…
هز فريد رأسه باطمئنان قليلا، ثم تنهد وقال وهو يرمقها من خلف جدار الغرفة الزجاجي:
ـ إن شاء الله.. من فضلك يا دكتور تبلغهم ياخدوا بالهم منها كويس جداا..
ونظر إليها مجددا وأضاف بنبرة ذات مغزى خفية لا يعلمها سواه :
ـ البنت دي لازم تقوم من هنا على رجليها.
ربت الطبيب بعفوية على كتف فريد ثم أخبره بود:
ـ متقلقش إن شاء الله خير..
ـ إن شاء الله.
وألقى عليها نظرة أخيرة، ثم غادر ليتجه على الفور نحو شركته حيث ينتظره الكثير من المهام.
بعد حوالي نصف ساعة كان قد وصل إلى الشركة، توجه إلى الداخل ليستوقفه مشهدَا لم يستطع تجاوزه لموظف في قسم الاستعلامات. حيث كان يقف متكئا على الطاولة المستطيلة أمامه بمرفقه ويميل لليسار منشغلا بمحادثة زميلته ويتبادلان الضحكات.
لمحت الموظفة زينة رئيس الشركة وهو يتجه نحوها مستاءً فأخذت تنطق الشهادتين وهي تعدل هندامها وتخرج زجاجة الكحول المفروضة عليهم إجباريا، ثم رشت منها على أركان المكتب وعلى يديها لكي تثبت له عدم تقصيرها والتزامها بالأوامر، فإذا به يتخطاها ويتوجه بعينيه نحو الشاب الذي يجاورها ويرمقه بنظرة متفحصة، ثم يقول:
ـ إيه المنظر ده؟ ليه مش واقف منتبه وعمال تضحك وتهزر، سيادتك في شركة مش قاعد في الكافيه مع أصحابك.
أخفض الشاب رأسه إقرارا بأسفه وقال:
ـ بعتذر يا فريد بيه..
كان فريد يشخص ببصره نحو ربطة عنق الشاب المفكوكة بشكل فوضوي أثار اشمئزازه، فإذا به يشير إليها قائلا بنبرة مستاءة:
ـ و الكراڤات بتاعتك مش معدولة ليه؟ حضرتك لو مش ملاحظ فانت واجهة الشركة يعني مظهرك الخارجي أهم من مظهر رئيس مجلس الإدارة نفسه.
أومأ الشاب وهو يعدل ربطة عنقه فورا وهز رأسه مؤكدا على ما قاله فريد بصمت، فهمّ فريد بالانصراف ولكنه توقف قليلا و أضاف وهو يرمق زينة بضيق خفي، أليست هذه من نعتته سابقا بالمريض؟ على كل حال الأمر لم يعد يعنيه، فلتقل ما تشاء.. الجميع يقولون، ولكنه لن يغادر قبل أن يثبت لها أنه مريض فعلا كما قالت:
ـ يا ريت تلتزموا بالمسافة الآمنة بينكم .. الاحتكاك الزيادة ده مش كويس وممكن ينتج عنه عدوى تتنقل من حد فيكم للتاني. وحضراتكم شغالين في قسم مهم وحساس.. يعني أي عدوى تتنقل منكم للي داخل واللي خارج يبقا كل حاجه باظت.
رمق الشاب زميلته وهو يبتعد خطوات حذرة لليسار، بينما الأخرى تتلقى التعليمات بارتباك حتى رأته يبتعد متجهًا نحو مصعده الخاص، فزفرت بثقل وهي تتمتم:
ـ يا سااااتررررر…. إيه البني آدم ده! أقسم بالله أنا لولا المرتب اللي مش لاقيه زيه في أي شركة تانية ما كنت كملت ساعة في شركة المريض ده.
أشار إليها زميلها بالصمت وهو يلتزم بالمسافة الآمنة كما أخبره سيده، ثم تابع كلا منهما عمله في صمت.
***
وصل فريد مكتبه، رش الكحول على مقبض الباب قبل أن يفتحه، فهو يعرف أن العامل بالتأكيد ترك آثاره هنا.. تقدم نحو الداخل وهو يرش الكحول في كل ركن، ثم لجأ أخيرا لكرسي مكتبه، واستدعى مدير أعماله عن طريق زر الإنتركام، فدخل وهو يحمل كومة مكدسة من الملفات، وضعها أمامه على المكتب ثم جلس وقال:
ـ صباح الخير يا فريد بيه.
رمق فريد الملفات بضيق وقال:
ـ مش باين. إيه كل الورق ده يا أيمن على الصبح؟
أخرج أيمن ملفًا كبيرًا تبلغ عدد صفحاته حوالي عشرين ورقة، وضعه أمام فريد وهو يقول:
ـ ده الملخص اللي بعتته شركة تفريغ برامج التلفزيون يا فندم.
ـ كل ده وملخص؟؟
تساءل فريد بتعجب.. فهو يعرف أن هذا التقرير لا يتجاوز أربع ورقات مثلا، لذلك يلجأ رجال الأعمال والوزارات إلى التعاقد مع هذه الشركات لكي تلخص لهم كل ما يُقال عنهم في برامج التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي على هيئة ملف مكون من ثلاثة أو أربعة ورقات لأنهم بطبيعة الحال لا يملكون الوقت الكافي لمتابعة البرامج والمواقع، أما بالنسبة لهذا المجلد الموضوع أمامه الآن فهو لم يستفد شيئا على الإطلاق.
فأجاب أيمن قائلا:
ـ لأن الأخبار متلاحقة يا فندم.. موضوع عمر بيه، موضوع الحفلة، والحادثة..
وبتر كلماته ليهمهم فريد وهو يتطلع نحو الملف ويقول:
ـ قصدك الفضايح متلاحقة..
ـ العفو يا فندم.
بدأ فريد بقراءة تلخيص الأخبار الوارد عنه وعن العائلة وكلما قرأ خبرا ازداد عبوس وجهه وتقطيبة حاجبيه.
• رجل الخير في مأزق مع فتاة اقتحمت حفله الخيري وقبلته عنوة.
• قُبلة هوجاء في حفل افتتاح دار أيتام.
• فضيحة جنسية موثقة بالصوت والصورة لابن الطبقة الراقية عمر مرسال.
• تعرف على أسرار في حياة رجل الخير فريد مرسال وعلاقاته المشبوهة.
• من هي الشقراء التي تسللت لحفل الافتتاح وأعلنت علاقتها بفريد مرسال على العلن عن طريق قُبلة شفاه.
• حادث سير يتسبب في سجن شقيق رجل الأعمال فريد مرسال بعد ساعات من افتتاح دار الأيتام الخاص به
• فضيحة مدوية تتسبب في تفكك عائلة مرسال.
عند هذا الخبر أصابت فريد الصدمة، فنظر إلى أيمن وقد بلغ منه الغضب مبلغًا بعيدًا وقال:
ـ إيه ده !!! إيه كل ده يا أيمن ؟!!!
زم أيمن شفتيه بضيق ولم يعقب، فأضاف فريد بتعجب شديد:
ـ وإيه اللي مكتوب ده، يعني إيه فضيحة تسببت في تفكك عيلة مرسال، الأخبار دي مين بالظبط اللي بيتداولها؟
ـ مكتوب جنبه إنه عمود صحفي يا فندم، يعني نزل في الجورنال، عشان كده أنا برجح إن الشخص اللي مترصد لحضراتكم بيبلغ صحفي متواطئ معاه بكل الأخبار اللي بيعرفها عنكم أول بأول.
ـ معنى كلامك إنه حد قريب مننا؟
ـ ده احتمال كبير جدا يا فريد بيه، ومش قريب بس.. ده..
وامتنع عن الكلام فحثه فريد ليكمل وقال:
ـ ده إيه كمل كلامك.
ـ على الأغلب حد من جوه البيت يا فريد بيه.
قطب الآخر حاجبيه بتعجب وقال:
ـ لا مش ممكن.. محدش من العيلة ممكن يعمل كده أبدا. مين ليه مصلحة في كل ده أصلا؟
وشرد يفكر لثوان، هل هي نادية الصواف؟ بالتأكيد لا.. كيف وهي أول المتضررين من فضيحة ابنها؟ ووالده قطعا لا.. فهو يخشى الفضيحة أشد مما يخشى الموت.. ” كله إلا اسم العيلة ” وبالنسبة لنسيم فهي لا تعد من أفراد البيت أساسا، هي الحاضرة الغائبة. أما چوليا وچيلان؟ لا.. هو يثق بهما جيدا.. فتاتان تملكان قلبًا حنونًا لا يحمل أي بغض أو عداوة لأحد، إذًا لم يتبقَ سوى عمر! ليس من المنطقي أبدا أن يشهر عمر بنفسه بعد كل بلوة يفعلها.
ـ فريد بيه.. حضرتك سامعني؟
قالها أيمن وهو يحاول جذب انتباه فريد الذي غاب للحظات وظهر شروده، فنظر إليه فريد وقال:
ـ معلش كنت بتقول إيه؟
كرر أيمن ما قاله بتوتر، ولكنه لن يحيد عن الحق والشفافية أبدا مهما حدث:
ـ كنت بقول لحضرتك مش شرط الشخص اللي بيعمل كده يكون من جوه البيت، ممكن يكون على علاقة بحد من جوه البيت وهو اللي بيوصله الأخبار.. وممكن جدا يكون بيستدرجه ويعرف منه الأخبار بطريقة غير مباشرة.
سبح الأخير غارقا بأفكاره مجددا وقد شتت ذهنه ما قاله أيمن وجعل شكوكه ووساوسه تتفاقم وتصل لأقصى حد.
والده ويعرفه.. حريص جدا ولا يفصح عما بقلبه لجدران المنزل حتى، زوجة والدته أيضا لا تتعمق في حديثها مع أي شخص لأنها تلتزم بالقوانين التي وضعها سالم مرسال عملا بأحكام الخصوصية في هذا المنزل. وشقيقته لا تملك معارفا ولا أصحابا من الأساس، إذا الدائرة تدور حول الثلاثي أبناء نادية الصواف.. چيلان، چوليا، وعمر المستهتر!
أخذ يفكر مليًا، مَن مِن بينهم قد يكون سببا في وصول خبر طرده هو وشقيقه من البيت؟ وجعل هذا الخبر يتبلور في شكل عنوان بالبنط العريض في إحدى الجرائد ” فضيحة مدوية تتسبب في تفكك عائلة مرسال “.
أسقط رأسه للخلف باستسلام على مسند المقعد الوثير بعد أن أرهقه التفكير، ونظر لأيمن ثم قال:
ـ كل حاجه هتبان بس الصبر.
أومأ أيمن مؤكدا ثم قال وهو يقدم إليه ملفًا آخرا ويقول:
ـ ده ملف تعريفي عن دكتور نزار السويدي .. دكتور مختص أمراض جلدية وتجميل، حاصل على ماچستير الأمراض الجلدية من جامعة القاهرة، ودكتوراه من جامعة كامبريدج بإنجلترا.. حجزتلك ميعاد الساعة ٨.
أومأ فريد برضا وأردف:
ـ ممتاز.
أومأ أيمن مؤكدا:
ـ هو فعلا ممتاز يا فندم.
نظر إليه فريد مبتسمًا شبه ابتسامة لا تظهر سوى في المناسبات السعيدة وقال بنبرة يملؤها الرضا:
ـ أنا أقصد إنك إنت اللي ممتاز يا أيمن. إنت عارف إني بحب جدا تحري الدقة في كل تفصيلة بتجيبهالي.
ابتسم الآخر بسعادة لذلك الإطراء الذي لا يحصل عليه سوى نادرًا، ولكن هذا لا ينقص شيئًا أبدا من مقدار حبه وولاءه للسيد فريد، الذي كان ولا يزال أخًا ذا صدرٍ رحب يسهل اللجوء إليه في الشدائد.
نهض أيمن والابتسامة لاتزال موجودة على محياه البشوش، ثم مد يده إليه بالملف الأخير وقال:
ـ دي مواعيد النهارده.. عندنا اجتماع مجلس إدارة الشركة الساعة ٦ .. تحب نلغيه لو حضرتك مش مستعد ؟
أومأ فريد موافقا ثم فتح درج المكتب ووضع بداخله المجلد ذا العشرين ورقة، ثم ملف تعريف الدكتور الذي سيذهب إليه اليوم، وبعده جدول المواعيد وتنهد مطولا ثم قال:
ـ لأ ملوش داعي، خلينا نخلص كل الحاجات الضرورية لأني ممكن أمد أجازتي ليوم الاتنين.. محتاج أفصل.
هز الأخير رأسه بطاعة، ثم عاد إلى مكتبه، بينما أسند فريد رأسه على ظهر الكرسي وأخذ يتحرك به يمينا ويسارا وهو يفكر.. متى ستتعافى المحتالة لكي تحدث المواجهة وتعترف له عن الشخص الذي أمرها بفعل ذلك وتخلّصه من عبثية التفكير ؟!!
***
في المساء.. وفي تمام الثامنة. كان فريد قد وصل أمام عيادة الدكتور نزار السويدي، صف سيارته وتوجه للداخل بعد أن وضع قناعه الطبي، ثم دخل إلى مكتب الطبيب مباشرةً.
كان رجلا في الستين من عمره تقريبا، هذا السن الذي يشي بالخبرة والتمكن، والذي يبعث الراحة تلقائيا في نفس المريض. استقبل فريد بابتسامة مرحبة، ثم أشار له ليتفضل.. فألقى فريد التحية وجلس على المقعد المقابل للدكتور الذي بدأ كلامه قائلا بابتسامة لطيفة:
ـ أهلا يا بشمهندس فريد مرسال. الاسم ليه وقع مهيب على سمع أي حد الصراحة.
ابتسم فريد بود وقد شعر بالارتياح لهذا الرجل الذي يتعامل ببساطة وأريحية ثم قال:
ـ ده من ذوق حضرتك.
أسند الطبيب ذراعيه على المكتب وتشدق بنفس الهدوء واللطف:
ـ إتفضل .. إيه المشكلة بالتحديد؟
بسط فريد كفيه أمام الطبيب بهدوء، ثم قال:
ـ المشكلة في البقع دي. ظهرت إمبارح بس.. ولما عملت سيرش عنها لقيت إنه بسبب الكحول الكتير..
أومأ الطبيب مؤكدا وقال:
ـ بالظبط كده..
ونظر إلى فريد مشيرا بيده بتفكير وأردف بهدوء:
ـ معانا ocd أو حاجة ؟!
تعجب فريد لأنه فطن سريعا لكونه مريضًا بالوسواس القهري! وهز رأسه مؤكدًا وقال :
ـ صح. بس حضرتك عرفت إزاي؟
ابتسم الطبيب وأردف بنبرة وسطية:
ـ لأنك اتكلمت عن الكحول أول حاجة، وكنت مهتم جدا تعرف السبب قبل ما تزور طبيب مختص وواضح إنك مستاء جدًا من فكرة إن الكحول هو السبب.. وطبعا إحنا بنتعامل مع حالات زي دي كتير فبنقدر بسهولة نميز الشخص اللي معاه ocd عن غيره.
تنهد فريد وهو يهز رأسه بهدوء بينما قال الطبيب وهو يعدل نظارته الطبية:
ـ الموضوع على قد ما هو سهل طبيًا على ما هو صعب نفسياً ، وعلشان أكون صريح معاك.. الخطوة الأولى في العلاج مش إني أوصفلك مرهم ملطف أو معالج للقرح الجلدية زي كده.. لأ الخطوة الأولى والأساسية هتبدأ من عند دكتور نفسي.. لأني حتى لو كتبت علاج أو دهان والموضوع خف.. لكن مازالت المشكلة قائمة، وهي إفراطك في استخدام الكحول والمواد المطهرة وغسيل الإيدين بشكل هستيري.. و ده هيسبب مشاكل جلدية بصفة مستمرة، يبقا احنا مينفعش نعالج العرَض ونسيب المرَض!!
أومأ فريد موافقا باستياء، هو للأسف متفهم جدا ويعي أن كل ما يقوله الطبيب صواب. ولكنه لا يملك الشجاعة ليأخذ تلك الخطوة بعد.
بدأ الطبيب بوصف بعض الكريمات الملطفة والمهدئة للحكة، والمعالجة لاضطرابات الجلد، ثم أعطاها لفريد الذي شكره ووعده بالتفكير بجدية في أمر الطبيب النفسي ثم انصرف مغادرًا المكان، وما إن خرج حتى استدعى زجاجة الكحول وقام برش القليل منها على يديه وملابسه وعاد إلى البيت سريعا لكي يتخلص منها بعدما وُسوِس إليه أنها تُشكل الآن بؤرة استيطانية متنقلة من الأمراض الجلدية المعدية.
***
كان حسن يجلس بمقهاه المعتاد، شاردًا وما قالته والدته يتردد صداه بأذنه حتى اللحظة. وإذ به يتلقى اتصالا من رقم نيهال، فأجاب مسرعا:
ـ هاا.. في جديد؟
صمتت ولم تجب، ثم برز صوتها أخيرا وهي تقول:
ـ أيوة.
هب واقفًا من مكانه، ودق قلبه بلهفة وهو يتسائل:
ـ عرفتي مكانها؟
صمتت مجددا لقليل، ثم تنهدت وقالت:
ـ أيوة.
ليجيبها هو بضيق مفرط ونفاذ صبر:
ـ هو إيه اللي أيوة أيوة ما تتكلمي.. نغم فين؟
ـ مش هينفع نتكلم في التليفون يا حسن، هستناك كمان ساعة.
وأنهت الاتصال دون انتظار رده، مما جعله يسابق الريح وصولا لعندها، فاستعار دراجة بخارية من أحد الشباب الموجودين بالمقهى وأخذ يلتهم الطريق نحوها وهو يهنئ نفسه بعودتها أخيرا.
بعد مدة لا يعلم مقدارها كان قد توقف أمام العقار الذي تقطن به نيهال، استعمل المصعد وصولا للطابق الخامس، ثم وقف أمام بابها يقرع الجرس بطريقة جنونية.
ثوان وفُتح الباب، ولكنه لم يجد أحدا في استقباله. فتقدم على الفور للداخل وهو يهتف باستعجال:
ـ نغم فين؟
واستدار عندما استمع لصوت الباب وقد أُغلق وبرز صوت نيهال من خلفه وهي تقول:
ـ هنا مفيش نغم، هنا في أنا وإنت بس.
طالعها بصدمة وهو يراها ترتدي غِلالة شفافة قصيرة، تفصح عن أنوثتها بكرم، يصل طولها إلى أعلى ركبتيها فكشفت عن ساقيها الناعمتين.
وتقدمت منه بخطوات ثابتة متمهلة، حتى وقفت أمامه مباشرةً وأحاطت رقبته بيديها وقالت وهي تنظر داخل عينيه وتتمتع بنظرته الرجولية الخالصة:
ـ وحشتني يا حسن.
طالعها قليلا ينظر إليها من علوٍ بتجهم ثم قال بحدة:
ـ إنتِ هتتجنني عليا يا نيهال؟ جايباني المشوار ده كله عشان تقوليلي وحشتني وزفت؟ إنتِ مش قلتي كلمتي نغم؟
نظرت إليه بغيظ وابتعدت للوراء قليلا وهي تقول بغضب ممزوج بالحزن:
ـ أعمل إيه إذا كنت إنت مش بتفكر غير في الست نغم، وأنا عارفة إن مفيش طريقة غير دي أجيبك بيها.
رمقها بانفعال وفجر غضبه بها عندما قال:
ـ انتِ مخك مهوي منك ولا إيه؟ فاكراني فاضي للعب العيال بتاعك ده؟ وبعدين جوزك فين وسايبك كده لا ظابط ولا رابط؟
نظرت إليه بحسرة ومصمصت شفتيها بنزق وهي تقول:
ـ جوزي؟ بالله تسيبني ساكتة، هو ده جوز ده؟
واقتربت منه مجددا وهي تنظر بعينيه ترسل إليه ذبذباتها التي تفقده تركيزه وتشتت انتباهه وتجعله يستجيب إليها ويحاكيها وذلك بأن يمنحها الكثير مما يماثلها. ثم قالت:
ـ أنا معاه مش لاقيه نفسي يا حسن، مدفونة بالحيا.. شبابي وأحلى سنين عمري بيضيعوا عالفاضي.. أنا كنت غلطانة لما اتجوزته بس أنا كنت ضايعة، الكل كان طمعان فيا منين ما أروح، وهو نفسه كان بيحاول ييجي معايا سكة بس أنا وقفتله، ولما وقفتله كان هيتجنن عليا عشان كده طلب يتجوزني، قلت وليه لأ.. أهو ضل راجل زي ما بيقولوا. اتجوزته عشان ألاقي ضهر وأمان وحنية.. بس مش هكدب عليك، كل دول مش كفاية. أنا ست ومحتاجة أحس إني ست ومرغوبة. وحيد بمجرد ما اتجوزني رماني هنا بيزورني كل أسبوع مرة وبقية الأسبوع قاعدة بكلم الحيطان.. والوحدة شيطان. وشيطاني هفني عليك.. أنا بحبك يا حسن.
كادت أن تحاوط عنقه ولكنه استوقفها فأمسك برسغها يضغط عليه بقوة وهو يهتف بقسوة:
ـ انتِ مبتحبيش غير الفلوس اللي اتجوزتيه عشانها، واحدة شمال مجرد ما جوزها غاب عنها كام يوم رايحة ترمي نفسها تحت رجلين واحد تاني.
نظرت إليه بقسوة تماثل قسوته وألقت بحقد وغضب:
ـ وانت متفرقش عني كتير، عشان الفلوس تبيع أبوك.. لأ.. تبيع نغم ذات نفسها.
أفلت رسغها وقبض على شعرها بين أصابعه بغضب مردفًا:
ـ متجيبيش سيرتها على لسانك.. مغلولة منها ليه؟ عشانها مش رخيصة زيك وبترمي روحها عالرجالة مش كده؟
تلقت منه تلك الكلمات المهينة بغضب واقتربت تهمس أمام وجهه بحقد وغل:
ـ ولما هي مش رخيصة ومش بترمي نفسها على الرجالة تقدر تقوللي هي فين دلوقتي؟ طفشت منك وراحت فين؟ بتعمل إيه دلوقتي؟ أراهنك إنها رمت نفسها في حضن مية راجل من ساعة ما هربت وعلّم على كلامي يا حسن يا عقرب.
ازدادت قبضته حول شعرها قوة وفجأة هبط كفه على وجنتها مما جعلها تصرخ بفزع وصدمة، ثم همت بالنطق ولكنه قاطعها إذ هدر بها بغضب وقال بتحذير:
ـ أقسم بالله لو سمعتك بتتكلمي عنها ولا بتجيبي سيرتها بحرف تاني هقطعلك لسانك يا نهال، وانتِ عارفة حسن العقرب مش بتاع قول وبس. لا أنا لو قلت هنفذ.
أخرسها بكلماته ودفعها بعيدا عنه فسقطت على الأرض، واستمعت إلى صوت الباب وقد أغلقه وغادر وقد وصل غضبه ذروته، بينما هي تحيط جسدها المتألم بذراعيها، وتبكي بحسرة بعدما أضرم النيران بقلبها وتركها ورحل.
***
في منزل واسع. ينُم كل ركن فيه عن العصرية والأناقة، بطابق واحد أرضي، وله حديقة واسعة، يحتوي على رواق وشرفة أرضية، غرفة معيشة، غرفتا نوم، حمامين، وممر.
كان شريف يجلس بالحديقة، يضع حاسوبه على قدميه الممدودتين على طاولة خشبية مربعة، ويطالع آخر الأخبار الخاصة بشركته والتي تعد أكبر الشركات الرائدة في مجال البرمجيات، والتي لها ثلاثة أفرع في دبي في الإمارات، وفالنسيا بإسبانيا.. ومقرها الرئيسي في القاهرة.
انتبه لتلك السيارة التي يعرفها جيدا وقد دخلت إلى مرماه، فتنهد بضيق وهو يغلق الحاسوب ويضعه بجواره على المقعد، يستعد لمجادلة عقيمة مع الوافدة التي باتت تشكل عبئًا عليه.
نزلت چوليا من السيارة، تقدمت نحوه وهي تراه يتفحص تنورتها القصيرة بعينين نهمتين، وربما يكون هذا هو الشعور الوحيد الذي لم يختفِ كما اختفى كل ما كان بينهما.
توقفت أمامه تطالعه بضيق وهي تقول:
ـ مش بترد على موبايلك ليه مع إنه قدامك أهو يا شريف؟ وبعدين إيه أخرة المعاملة دي؟
رمقها بنظرة أخبرتها بمكنونات صدره، ثم فجأة جذبها لتقع فوق قدميه وقال وهو ينظر إليها عن قرب:
ـ ليه مقولتيش إنك جاية؟
تفحصتهُ عيناها الخائنتين اللتين تضعفان في كل مرة أمام سطوته، ولعنت ذلك الضعف في نفسها ومقتته، ثم نظرت إليه بحدة وتساءلت:
ـ والمفروض إني أستأذن قبل ما أجي أشوف جوزي؟
مسح بإبهامه فوق شفتيها بطريقة تسلبها جميع قواها وتتركها أمامه فتاة مطيعة تتلقى جرعات العطف التي يهبها إليها بامتنان.
فابتسم هو عندما رأى تأثير أقل لمسة عليها وارتفع جانب فمه الأيمن وهو يمسح على رأسها بحنان مزيف ويقول:
ـ مقولتش كده، بس كنت أحب أستعد لاستقبالك يا بيبي.
تظاهرت باللامبالاة وعدم الاكتراث بمحاولاته في استمالتها ونفضت يده عنها بقوة واهية وقالت:
ـ انت اللي ورا كل حاجة بتحصل لفريد وعمر، أنا إتأكدت خلاص.
لم يتغير تعبير وجهه المبتسم بمرونة، وأخذ يعبث بخصلاتها وهو يقول بهدوء :
ـ وعرفتي إزاي بقا؟
حكت جانب عنقها محاولة إخفاء توترها، ثم رمقته بخرزتيها الزرقاوتين وقالت :
ـ من الخبر اللي مالي الجرايد والسوشيال ميديا، والخبر ده محدش يعرفه غيرك.
مال عليها يقبل أعلى كتفها وهو يقول بطريقة أفقدتها النطق:
ـ وإيه هو الخبر ده اللي محدش يعرفه غيري ؟
ابتعدت عنه بضيق، ليس لشيء إلا لأنها باتت تمقت ضعفها في حضرته، ووقفت أمامه تطالعه بقوة وأردفت:
ـ الخناقة اللي حصلت بين أنكل سالم وفريد وعمر وإنه طردهم من البيت، أنا حكيتلك الكلام ده وإحنا بنتكلم يومها بالليل والصبح لقيت الخبر موجود.
نهض واقفًا أمامها، ثم ابتسم تلك الابتسامة التي لا تصمد بعدها طويلا، وأمسك بكفيها بين يديه وقال:
ـ شوفي مع إنك دايما بتوجهي شكوكك نحيتي، وحطاني في موضع اتهام طول الوقت، بس بردو مش عارف مش قادر أكرهك يا چوچي..
تنهدت بيأس من تلك التعويذة التي لا تستطيع تجاهلها ولا يمكنها في كل مرة إلا أن تقع تحت سحرها وقالت:
ـ متحاولش تكدب عليا المرة دي يا شريف، أنا متأكدة.. كل حاجة بتأكد إنك إنت اللي عملت كده..
قطب حاجبيه بتعجب مفتعل وقال:
ـ وليه يكون أنا اللي عملت كده؟ إذا كان أنا اللي مسحت فيديو عمر وفيديو الحفلة، وأنا اللي بعرض على عمتو نادية وأنكل سالم المساعدة، يبقا منين أنا عاوز أفضحهم أو أأذيهم ومنين بحاول أساعدهم؟ وبعدين ليه بتفترضي إني أنا اللي سربت خبر طرد عمر وفريد من الفيلا؟ ليه ميكونش حد من الخدامين، أو الحرس، أو السواقين، أو أي حد موجود في الفيلا والحد ده شغال لصالح أي حد من أعداء العيلة، ليه أنا اللي كل شوية توجهي لي الاتهامات الفظيعة دي؟!
زفرت باستياء، ثم تهدل كتفيها فيما يشبه التراجع، وعلى ما يبدو أنها قد اقتنعت بما قاله، ونظرت إليه لتجده ينظر أرضًا بضيق، ثم نظر إليها بحزن وقال :
ـ چوليا، أنا بحبك بس صدقيني مش قادر أكمل في علاقة كلها شك بالطريقة دي..
أصابها الذعر، بحثت في ذهنها عن شيء لتقوله، أي شيء لتبرر ما قالته، أي شيء لجعله يتراجع عما قاله فلم تجد، فدفعت جسدها نحو جسده تعانقه بقوة، تسند رأسها على صدره وهي تقول:
ـ شريف عشان خاطري متزعلش، انت عارف اليومين دول كل حاجه متلخبطة والمشاكل اللي ورا بعضها دي موتراني.. أنا آسفة حبيبي.
تنهد وهو يمسح على ظهرها بلمسات سحرية، تتغلغل داخل روحها ليس جسدها فقط، ثم أسند ذقنه على رأسها وقال:
ـ طيب چوچي هتصالح جوزها حبيبها إزاي؟
ابتسمت وهي تتشبث بخصره أقوى ثم نظرت إليه بابتسامة شغوفة وقالت:
ـ هسبقك على جوة..
أومأ وغمزها بعينه وقال:
ـ حالا جاي وراكي.
دخلت إلى البيت فأسرع هو يلتقط حقيبتها، ثم قام بالتقاط هاتفها سريعا، فتحه، وأخذ يبحث سريعا بين قائمة جهات الاتصال حتى وجد ما يبحث عنه.. نسيم!
رواية محسنين الغرام الفصل التاسع 9 - بقلم نعمة حسن
رواية محسنين الغرام الفصل العاشر 10 - بقلم نعمة حسن
كان حسن يقف مستندًا على باب الغرفة التي تجلس بداخلها والدته في المستشفى، حيث تتلقى اليوم أولى جلسات العلاج الكيميائي بعد انقطاع. وبالرغم من أنها طلبت منه أن ينصرف، ولكنه أصر على البقاء بجوارها.
ينظر إليها وهي تغوص بجسدها الضئيل الذي أنهكه المرض داخل مقعد جلدي كبير، وتتمدد فوقه وهي تسند رأسها إلى ظهره بيأس واستسلام، وبجوارها حامل معدني مثبت فوقه أنبوب صغير موصول بوريدها.
كانت عيناه مثبتة على كل قطرة تتهاوى من الأنبوب إلى وريدها وقلبه يطرق معها، يتخيل كيف يكون تأثيرها عليها؟ هل تتألم؟ أم أنه يسكن آلامها؟ هل تشعر بسريانه في عروقها؟ أم أنها لا تشعر بشيء؟
تنهد وأخذ نفسًا عميقًا أخيرًا وهو يحوّل ناظريه من عليها نحو الباب، فإذا بهما يقعان على فتاة في عمر العشرين، جذبت انتباهه لشدة شبهها مع نغم، من حيث الجسد الضئيل، والملامح الهادئة الرقيقة، ما عدا أنها ترتدي حجابًا، على عكس المتمردة خاصته التي كانت ترفض دومًا أن تغطي شعرها كلما أمرها.
ووجد نفسه يسبح نحو ذكرى بعيدة.
قبل خمس سنوات تقريبًا.
كانت نغم مستلقيةً فوق فراشها المهترئ الذي بالكاد يضم جسدها الصغير، تغط في نوم عميق، وفجأة انتفضت على صوت الباب الذي أحدث أزيزًا وهو ينفرج والضوء الذي تسلل من الخارج إلى غرفتها. وهبت واقفة عندما رأت حسن الذي اقتحم عليها الغرفة كالعادة، فصاحت به بغضب:
"هو أنا مش قولتلك متدخلش عليا كده تاني؟ إنت مابتفهمش؟"
كان يطالعها بحماس وابتسامته تعلو وجهه، ثم ألقى الكيس الذي كان يحمله بيده فوق فراشها، وأخذ يفرغ محتوياته وهو يثبت عينيه على عينيها اللتان تراقبان الكيس بيده، وينتظر رؤية رد فعلها. ثم عرض الثوب الموجود بالكيس أمامها وقال:
"كل سنة وانتِ طيبة، طقم العيد."
طالعت الثوب بيده ببرود، ثم نظرت إليه بنظرة غاضبة، ونظرت إلى الباب المنفرج على مصراعيه وقالت:
"إنت إزاي تدخل عليا كده؟ هو إنت مش ملاحظ إني كبرت ومبقاش ينفع تدخل من غير ما تخبط؟ إفرض بغير هدومي؟"
وضع الثوب على الفراش، وهم باستعراض شيئًا آخر وهو يردف ببساطة:
"مالك يا بت هو أنا غريب؟ قوليلي إيه رأيك في الإيشارب ده؟ هياكل من راسك الناشفة دي حته."
طالعته بقهر وقلة حيلة وسالت دموعها، فالتقطتها سريعا قبل أن يقترب هو منها ويزيلها بيده، فهي تعرف كل ردود أفعاله وتحفظها عن ظهر قلب. ثم نظرت إليه بتهكم وقالت:
"إيه ده؟ جايبلي إيشارب يا شيخ حسن؟ وده بعد ما نصصت معايا الفلوس اللي أنا نشلتها من جيب محفوظ الكمسري ولا قبل؟"
تغضن وجهه بضيق وانزعاج واضح، وأردف بنبرة مستهجنة:
"هرجعهملك يا بومة، أنا لولا إني عايز أوجب مع علي أبو حسين في فرحته مكنتش خدت منك مليم على فكرة."
ها هو يحيد عما تقصده مجددا، فبالرغم من أنه يعرف مقصدها من الحديث جيدًا إلا أنه دائمًا ما يدعي عدم الفهم ويتوجه نحو معانٍ أخرى تماما، لذا قلبت عينيها بملل وقالت:
"أخرج عشان أنام، وخد الهلاهيل دي معاك مش عاوزة منك حاجة."
رمقه بتحذير فتراجعت، وتخشبت بخوف وهي تراه يقترب منها وبيده ذلك الوشاح وهو يتمتم:
"أخنقك بيه وأرتاح منك ومن لسانك اللي بينقط سم ده؟"
ثم وضع الوشاح فوق رأسها ولفه بطريقة عشوائية وابتعد خطوات للخلف يطالعها بنظرة تقييمية، ثم اتسعت ابتسامته وهو يقول:
"زي العسل عليكي، حتى شوفي."
وأدارها لتنظر نحو المرآة، فطالعته وهو يقف خلفها مبتسما. وفجأة نزعت الوشاح عن رأسها وهتفت بحدة:
"بالعِند فيك مش لابساه يا حسن!"
واستدارت لتواجهه بالرغم من خوفها وقالت بنفس الحدة:
"وكفاية بقا عشان أنا قرفت.. إنت ناقص كمان تتحكم في الهوا اللي بتنفسه."
استمعا إلى صوت عائشة التي استيقظت من نومها على صوتهما، وتقدمت نحو غرفة نغم وهي تتسائل:
"فيه إيه؟ وبتعمل إيه عندك دلوقتي يا حسن؟"
نظرت نغم إلى عائشة وانهالت دمعاتها مجددا وقالت:
"قسما بالله يا خالتي لو ما قولتيله يحترم نفسه ويبطل يدخل أوضتي من غير استئذان لاكون ماشية وسيبالكم البيت وما هتلاقوني تاني."
وقبل أن تنطق خالتها كان حسن قد تقدم منها وقبض فوق ذراعها بقبضة من حديد وهو يطالعها بغضب ويقول:
"ده إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ هتمشي تروحي فين يعني؟ انتِ تعرفي حد غيرنا وأنا معرفش؟"
نظرت إليه فرأت الجحيم المستعر يتأجج في عينيه، ولكنه لم يُخِفْها ولم يجعلها تتراجع، فكررت ما قالته بغضب وقالت بتحدٍ صريح وهي تبكي:
"أي داهية إنت مش فيها يا حسن يا عقرب.. أنا عندي استعداد أرمي روحي لكلاب السكك بس أخلص منك."
كور حسن قبضته وكان على وشك لكمها فصرخت وهي تتقلص حول نفسها بخوف، فضرب الإطار الزجاجي المعلق خلفها على الحائط فسقط متهشمًا على الأرض. ونظر إليها حسن وهو يقول:
"آخر مرة أسمعك بتقولي الكلام الماسخ ده، وانتِ عارفة إن قلبتي وحشة ولدعتي والقبر."
طالعته نغم بعينين مذعورتين وهي تحتمي بخالتها التي دفعت ابنها للخلف بهدوء وهي تقول:
"شيل إيديك دي وإبعد عنها، مالكم فيه إيه بتاكلوا في بعض ليه، هو إنتوا متعرفوش تفوتوا يوم من غير خناق؟"
لف حسن ذلك الوشاح الذي أحضره لنغم حول يده التي تقطر دمًا بعدما كسر الزجاج بها، وأردف وهو يطالع نغم بحنق فائض وقال:
"قوليلها ياما.. ليه وليه عاوزها تغطي شعرها، الهانم زعلانة وعاملة حوار.. الحق عليا إني بغير عليكي ومش عاوز حد يشوف شعرك!"
حافظت عينا نغم على نظراتهما الغاضبة المستاءة، وقالت وهي تعود لتمردها من جديد:
"أديك قولتها، عاوزني أتحجب عشان غيران إن حد يشوف شعري، مش عشان حرام.. لأن انت متعرفش الحلال من الحرام أصلا! وهقولهالك تاني… بالعِند فيك مش لابساه يا حسن!"
احمرت عيناه وانتفخت أوداجه وكأنه على وشك الإصابة بنوبة من الجنون، ثم غادر الغرفة دون أن ينطق. وغرقت نغم بعدها في نوبة بكاء قاسية، فضمتها عائشة إلى صدرها وأخذت تربت عليها وتهدئها بكلمات واهية.
ليتفاجأ بها حسن في اليوم التالي وقد صبغت شعرها بالكامل باللون البني وبعض خصلات باللون الأصفر في رسالة شديدة اللهجة منها إليه وكأنها تخبره أنها ستفعل ما يحلو لها مهما حدث ولن تجعله يفرض حكمه وسيطرته عليها أبدا.
ابتسم حسن بحنين وهو يسترجع تلك الذكرى المحفورة بثنايا قلبه، وشعر بالشوق ينهش فؤاده لصاحبة تلك الذكرى، حتى أن هناك دمعة غدرت به وفرت إلى خده، فالتقطها سريعا وهو ينفض رأسه لكي يصرفه عن التفكير بها.
وانتبه إلى صوت الممرضة التي تتحدث إلى أمه وتقول:
"هانت، كلها نص ساعة ونخلص."
أومأت عائشة بعينيها، حيث أنها كانت فاقدة لقواها تماما في تلك اللحظة. غادرت الممرضة وعينا حسن لا تفارقها، يشعر وكأنه يرى شيئًا من نغم أمامه. وبينما كان شاردًا يحدق بها بتشتت انتبه إلى رنين الهاتف القابع في جيبه، فأخرجه ليجده اتصالا من رقم مجهول فأجاب:
"ألو، مين معايا؟"
استمع إلى صوت أنثوي ينبعث من الهاتف وصاحبته تقول:
"أستاذ حسن معايا؟"
"أيوة مين؟"
"أنا مدام فيفي."
قطب جبينه باستغراب وقال:
"مدام فيفي مين؟"
"جرى إيه يا حسن إنت لحقت تنساني؟ مدام فيفي صاحبة البيوتي سنتر اللي نغم كانت شغالة فيه."
اعتدل واقفا، متأهبا، وغادر الغرفة بالكامل متجها إلى الخارج وتساءل بلهفة:
"إنتِ عرفتي عنها حاجة؟"
"الحقيقة لأ، بس كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم."
تراجعت لهفته وحماسه، وحل محلهما الإحباط والضيق، ثم تساءل بفتور وقال:
"موضوع إيه ده؟"
"شغل، عاوزاك تشتغل معايا."
ظهرت ابتسامة ساخرة على شفتيه وهو يتساءل:
"هشتغل معاكي إيه بقا إن شاء الله؟ هعمل فتلة ولا هصبغ للحريم شعرهم؟"
نطقت السيدة بتمهل وهدوء وقالت:
"صبرك عليا بس يا أبو علي، تعالى لى السنتر النهارده ونتكلم ونتفق على كل حاجة، صدقني عندي ليك عرض هايل ومش هتلاقي زيه أبدا."
"تمام، هشوف."
وأنهى الاتصال بغتةً وأسند الهاتف إلى ذقنه وهو يفكر بشرود في ذلك العرض الذي لن يجد مثله أبدا!! ترى ماذا يكون؟
استدار ليعود إلى الغرفة الموجودة بها والدته ولكنه اصطدم فجأة بنفس الفتاة التي كانت تعبر الرواق وبيدها حاملا مثبت عليه محلولا طبيا فتعثرت واصطدمت بالجدار من خلفها ليهتف حسن بأسف وهو يقول:
"لا مؤاخذة مخدتش بالي منك.."
نظرت إليه الفتاة نظرة صامتة مطولة، ثم هتفت بتوتر:
"ولا يهمك."
"انتِ كويسة؟"
أومأت وهي لاتزال تحدق به بينما هو يطالعها باستغراب لكونها تنظر إليه بتلك الطريقة. ثم هز رأسه بصمت وتجاوزها ودخل إلى الغرفة، جلس على المقعد المقابل لوالدته التي تساءلت باهتمام:
"مين اللي كان بيكلمك؟"
أجابها وهو يضع يديه بجيبي سترته ويقول بمراوغة:
"دي الست صاحبة الكوافير اللي كانت شغاله فيه نغم، بتسأل إذا كنا وصلنا لحاجة ولا لأ."
شردت عائشة مجددا، وسالت دمعاتها بصمت، وأخذت تناجي الله بسرها أن يرد إليها نغم، وأن يحفظها أينما حلت خطاها.
***
شهقت نغم كالغريق الذي طفا فوق سطح الماء فجأة، وفتحت عينيها بتثاقل. رفرفت بأهدابها ببطء وهي تحاول الخروج من تلك الحالة المبهمة، لتبدأ الرؤية بعدها في الوضوح واندثر الضباب من أمامها شيئًا فشيئًا. همت بتحريك رقبتها لكي تستكشف المكان من حولها ولكنها شعرت بشيء ما لم تستطع تحديد ماهيته يثبت عنقها بمكانه وكأنه يطبق فوق أنفاسها ويمنعها من الحركة. ثم أخذت تحرك مقلتيها في أرجاء المكان ببطء فلم يكن من الصعب عليها أن تستنتج وجودها في المشفى، نظرًا لأنها تواجدت كثيرًا في أماكن مماثلة برفقة خالتها.
حاولت تحريك يديها وقدميها فشعرت بشيء ما مثبت بإصبعها باليد اليسرى، وثمة أشياء أخرى هي لا تعرفها موضوعة على صدرها، فبدأت بتخمين ما حدث لها. بالتأكيد هي هنا منذ يوم الحفل الملعون بعد أن اصطدمت بسيارة ذاك الأرعن الذي كان يسابق الريح.
وتذكرت ما كانت على وشك التعرض له عندما كان الحقير بصدد اغتصابها، فاهتز بدنها وشعرت بنبضات قلبها تتسارع وكأنها ركضت لمسافة أميال طويلة للتو.
حينها انفرج الباب ودخلت الممرضة التي كانت تراقب حالتها عبر أجهزة الإنذار، وتقدمت منها وهي تطالعها بابتسامة وتقول:
"حمدالله على السلامة، حالا الدكتور هييجي يطمن عليكي."
نظرت إليها نغم بطرف عينيها وقالت بتعب وهي تحاول تحريك لسانها الذي بدا وكأنه قد التصق بحلقها:
"هو أنا إيه اللي حصللي بالظبط؟"
أجابت الممرضة وهي تتفحص شاشة عرض المؤشرات الحيوية قائلة:
"عملتي حادثة ونقلوكي على المستشفى ومن يومها وانتِ في العناية، بس طالما اتحسنتي هننقلك على أوضة تانية النهارده."
دخل الطبيب فخرجت الممرضة التي أخرجت هاتفها على الفور وقامت بالاتصال بفريد حيث أمرها من قبل أن يكون هو أول من يصله خبر عودتها لوعيها.
***
في تلك الأثناء كان فريد مستسلمًا لنوبة نوم لا إرادية، فمنذ عودته بالأمس من الڤيلا وبعد مواجهته مع والده وهو يشعر باليأس والإحباط اللذين أصاباه بدوامة اكتئاب عنيفة، جعلته يستسلم لها وينعزل تمامًا، حتى أنه أغلق هاتفيه، وفصل سلك الهاتف المنزلي، ثم تناول قرصًا منومًا وغرق في حالة من اللاوعي استمرت لما يقرب من أربعة عشر ساعة متواصلة.
كان يرى والدته بمنامه، في مشهد تجسد أمامه وكأنه واقعٌ يعيشه، حيث كانت تجلس على حافة فراشه وتضمه إلى صدرها وتمسح على شعره وهي تغني له تهويدة قبل النوم، حيث كان مغمضًا عينيه وشعورًا بالدفء والأمان يغمرانه، قبل أن ينفرج الباب فجأة ويدخل والده حاملًا مسدسًا ويصوبه نحو والدته ثم أطلق عليها الرصاص بصمت، فسقطت أمه على فراشه الذي تلطخ كليًا بدمائها، ووجهه الذي نال نصيبه من دم والدته أيضا. ومع ذلك.. وبالرغم من حجم الخوف والرعب الذي كان يعيشه إلا أنه لم يتفوه بحرف خشية أن يطلق والده النار على رأسه مثلما فعل بوالدته، وكتم نحيبه بقلبه إلى أن اختفى ذلك القاتل من أمامه.
انتفض فريد من مرقده فورًا وأنفاسه تتوالى بصوتٍ عالٍ. أخذ ينظر حوله بضياع إلى أن أدرك أنه كان كابوسًا، فمسح وجهه بكلتا يديه، ثم أسند جبهته فوق كفيه وأخذ يتذكر تلك اللحظات.. ومنظر الدماء الذي لوث الفراش، ثم لطخ وجهه، فمد يده إلى وجهه لا إراديًا، ثم نهض من الفراش ووقف أمام المرآة يتفحص وجهه وكأنه يخشى رؤية الدماء عليه فعلا، ثم عاد وجلس على طرف الفراش.. ثم مد يده يتحسس المكان، حيث كانت أمه تجلس هنا تماما.. وفجأة انفجر باكيًا وأسند رأسه على يديه مجددا، وظل يبكي لدقائق وقد صنع عقله الباطن مزيجًا بين الواقع والخيال، بين الحاضر والماضي.. بين الوعي واللاوعي.. فجعله يتذوق ألم فراق أمه وكأنه حدث للتو، وكأنه لم يمضِ عليه خمسة وعشرون عاما.
بعد قليل.. رفع رأسه وتنهد بعد أن أفرغ مخزونًا لا بأس به من الطاقة السلبية، ثم مسح وجهه بكفيه ليزيل عنه آثار بكائه، ثم نهض متجهًا إلى الحمام، أخذ حمامًا كاملا، ثم خرج متجهًا إلى الغرفة، نظر إلى الساعة المعلقة على الجدار أمامه ليجدها قد تجاوزت الرابعة عصرًا، مما جعله يقترب منها أكثر، ووقف أمامها، ثم أخذ يحدق بها بغير تصديق، هل نام كل ذلك الوقت فعلا؟!!
تنهد وهو يستدير، يثبت نظره على الفراش، وتذكر دماء والدته الذي تخضب به في المنام، فقام بنثر الأغطية والملاءات جميعها على الأرض، ثم قام بفرشه وترتيبه من جديد، ثم خرج من غرفته واتجه نحو المطبخ، أحضر كيسا بلاستيكيا مخصصًا لوضع القمامة، ثم دخل غرفته ووضع به ملاءات السرير ورجع إلى المطبخ مجددا وألقاها بسلة المهملات.
ولج غرفته مرة أخرى، وجلس على المقعد المجاور للسرير ثم فتح درج الكومود وأخرج منه ذلك الدهان الطبي الذي وصفه له الطبيب وبدأ بدهنه فوق تلك التقرحات الجلدية بيده، ثم وضع أنبوبة الدهان بمكانها بعناية، وأغلق الدرج، وأخذ ينظر إلى هاتفيه الموضوعين أمامه بتفكير..هل يفتح الهاتف الشخصي؟ أم هاتف العمل؟ أم يبقيهما على حالتهما ويوفر عناء التنقل من خبر مزعج لآخر، ومن مكالمة مرهقة لأخرى.. أم أنه يجدر به أن يكون شخصًا مسؤولا أكثر من اللازم وأن يتوقف عن الهرب؟
وفي النهاية أذعن لذلك النداء برأسه، وهو أن هذه ليست تصرفات شخص مسؤول أبدا. لذا فتح الهاتفين، وأعاد سلك الهاتف الأرضي من جديد، وعلى الفور وصلته العديد من الرسائل ومحاولات الاتصال. وبينما هو يتفحص الرسائل سريعا وردتهُ مكالمة من رقم غير مسجل، فأجاب على الفور ليصله صوت الممرضة بقسم العناية المركزة التي تقول:
"إنت فين يا فريد بيه بكلمك بقالي ساعة، البنت فاقت والدكتور بيفحصها دلوقتي وهننقلها على عنبر خاص زي ما حضرتك أمرت."
وقف فريد متأهبًا، متحفزًا للغاية، وردد وهو يتجه نحو غرفة ملابسه لكي يستعد:
"حد عرف إنها فاقت؟"
"لأ لسه، حضرتك أول واحد تعرف زي ما طلبت مني."
"تمام، متبلغيش أي حد لحد ما أجي وأتكلم معاها."
وأنهى الاتصال سريعا، ثم انتقى بنطالا وقميصا باللون الأسود الذي يمده بالثقة، فهو بالتأكيد سيكون في حاجة للثقة والسيطرة في مواجهتها لكي يستطيع انتزاع ذلك الاعتراف منها في غضون ثوان، ثم بعدها سيتدبر أمر عقابها وما سيجده مناسبا لذلك.
خرج وأوصد الباب، ونزل بالمصعد بالرغم من أنه لا يلجأ إليه سوى نادرًا، ولكنه يرغب في الوصول إليها على جناح السرعة، ثم خرج واستقل سيارته وقبل أن يدير المحرك توقف وقد خطر له هاجسًا جعله يستغرق في التفكير… هل أوصد باب منزله أم لا؟!!
لذا خرج، ودخل المبنى من جديد، وصعد إلى منزله ليفحص الباب الذي وجده مغلقًا، فتنهد بأسى وهو يعود أدراجه نحو السيارة، ورفع صوت المذياع لكي يسيطر على صوت الهواجس برأسه التي تحثه على الرجوع وتفحص كل شيء هل هو في مكانه أم لا، ثم تحرك منطلقا نحو المشفى وهو يشحذ همته لمواجهة تلك المحتالة الرقيقة.. حسنا هو لن ينكر أنها تبدو رقيقة الملامح، ولكن هذا لن ينفي حقيقة أنها محتالة!
***
كان سالم يجلس بغرفة مكتبه، حيث قضى ليلته الماضية بها لأنه لا يرغب في التواجد مع نادية في نفس الغرفة منعًا للخوض في ذكريات تُشعر كلا منهما بالخزي.
ولولا الظروف المأساوية التي تمر به عائلته لما تردد في الفرار من هذه المدينة التي تعج بالفوضى والمآسي إلى عزبته ومملكته الخاصة، حيث يجد هناك النسخة المفضلة من سالم مرسال والذي يفتقدها حاليا وبشدة.
فهو رجل بالرغم من أنه ظاهريا يبدو متمدنًا وعصريًا لأبعد حد إلا أنه لم يستطع الانسلاخ عن تلك البيئة الريفية التي نشأ فيها وتجذرت أصولها في أعماق روحه، وبالرغم من أنه يدعي التفهم والتحضر إلا أنه لم يستطع قتل تلك الروح الرجعية المتعنتة بداخله.
كان ممسكًا بصحيفة الأخبار، يتابع أخبار اليوم، فهو لا يعترف بأخبار ما تسمى بمواقع التواصل الاجتماعي أبدا ولا يرمقها بعين الاعتبار، ففي كل صباح يحضر له الحارس الشخصي طبعة من كل جريدة ويجلس سالم يطالع كافة الأخبار بها وهو يرتشف قهوته الصباحية. وبعد أن انتهى من مطالعة الأخبار أخذ يحل الكلمات المتقاطعة كهواية متوارثة من الجد السابع، ولكنه توقف في المنتصف وألقى الجريدة بإهمال فوق الطاولة التي يمد قدمه فوقها وزفر بيأس وإحباط وضجر.
ثم نهض وتوجه ليجلس خلف مكتبه، واستجابةً لنداء جزء مهملًا في قلبه قليلا ما يستجيب له فتح خزنته السرية وأخرج منها ألبوم صور العائلة، وأخذ يحدق بالصور واحدة تلو الأخرى وهو يسترجع كل ذكرى تم التقاط الصورة بها.
ففي المقدمة كان والده، عبدالعظيم مرسال، عمدة قرية كوم الأشراف، وبجواره والدته السيدة توفيقة مرسال، فهذا كان نهج العائلة والذي لا يحيدون عنه أبدا، فكان كل رجال العائلة يتزوجون ببنات أعمامهم، فجرت العادة وتزوج هو كذلك من ناهد ابنة عمه. في هذه الصورة كان سالم طفلا في العاشرة، يقف بين والديه ويحمل شقيقته الصغرى ‘ ملكة ‘.
أغمض عينيه وأراح ظهره إلى ظهر المقعد من خلفه وهو يتذكر تلك الصغيرة التي توفت في سن الرابعة عشرة بعد أن صمم والدها على قيام إحدى السيدات بالقرية بإجراء جراحة الختان لها، وتوفت الصغيرة بعد مضاعفات خطيرة تعرضت لها بعد تلك الجراحة الخبيثة.
هذه كانت أولى دقات الفقد بحياة سالم، وبعدها وفاة والدته بمرض الفشل الكلوي، ومن بعدها تزوج والده بأختها، زاهية مرسال. والتي كان لديها أربعة أطفال من زوجها المرحوم، وعاش سالم بينهم غريب الدار، يتلقى الإحسان من والده كما لو أنه يُمنن عليه به، وتتفضل عليه خالته بالكلمة الطيبة والمعاملة اللطيفة كما لو أنها تتصدق عليه بهما.. ليجد سالم نفسه في نهاية المطاف منبوذًا، معزولا عن الجميع، إلى أن توفى والده وأُتيحت الفرصة أمامه لكي يصبح نسخة مستحدثة منه، بنفس جبروته وتعنته، فما كان منه إلا أن طرد خالته وأولادها من البيت وأصبح هو سيد البيت والآمر الناهي فيه.
تلك الذكرى بالتحديد جعلته يفكر، هل ملخص ما فعله وما يفعله أنه يحاول إعادة إنتاج ما فعله والده ولكن بطريقة تجعله راضيا وسعيدا على عكس ما كان في الماضي!
تنهد وهو ينتقل لصورة أخرى، صورته هو وناهد في حفل زفافهما، وهنا أطلق تنهيدة حارة آلمت صدره بحق، وأخذ يتلمس قسمات وجهها بإصبعه وهو يزم شفتيه باستياء ويتمتم:
"مقدرتش أعوضك يا ناهد، سامحيني."
خرجت تلك الكلمات منه بندم، وذلك الإقرار بالذنب لم يكن من عادته، ولكنه أراد أن يتخلى عن جموده وقسوته ولو لمرة، واعترف بذنبه، واعتذر عنه، ولكنه لا يعرف أن الاعتذار المتأخر كالقبلة على جبين الميت، لا فائدة منها بتاتًا لأنها لن تصله ولن تغير ما حدث.
الصورة التالية كانت من نصيب فريد، حيث كان سالم يضعه على ظهر الفرس ويثبته بيديه جيدا، وينظران بابتسامة نحو ناهد التي كانت تقوم بتصويرهم.
أغلق ألبوم الصور وأطلق زفرة مطولة مستاءة، أطلق معها خوفه الشديد وقلقه الدائم، والذي يحاول هو إسكاتهم عن طريق السخرية، التنمر، الهجوم والتقليل من كل من يخالفونه الرأي أو الرؤية، ويفرض عليهم سيطرته حيث أن التمتع ولو بقدر ضئيل من السيطرة على أمرٍ ما مبعث ارتياح بالنسبة له.
وأخذ ينظر للألبوم المغلق بيده وهو يفكر، لمَ لا توجد بداخله ولو صورة واحدة لنادية؟ هل لأن ذكرياته التي يفضل الاحتفاظ بها هي ليست جزءا منها؟ أم لأنها تشكل بالنسبة له الحاضر القاسي فقط؟
وبينما هو شاردٌ يفكر رن هاتفه برقم الطبيب المشرف على حالة نغم، فأجاب سالم على الفور والخوف يعيث بقلبه فسادا خوفا من أن تكون الفتاة قد ماتت..
"مساء الخير يا دكتور؟"
"مساء الخير يا سالم بيه، حبيت أبلغ حضرتك إن البنت اللي عمر بيه خبطها بعربيته فاقت من شوية صغيرين، حضرتك كنت طلبت مني أبلغك قبل ما نبلغ الشرطة وييجي حد ياخد أقوالها.."
هب سالم واقفا على الفور وقال:
"تمام يا دكتور، نص ساعه ونكون في المستشفى، متبلغش أي حد غير لما أجي."
"تحت أمرك يا فندم مع السلامه."
خرج سالم على الفور من مكتبه، وصعد للطابق العلوي ومنه إلى غرفة نادية، اقتحمها وهو يقول:
"اجهزي وقولي لبناتك يلبسوا عشان نروح كلنا نزور البنت في المستشفى."
"بنت مين؟"
تساءلت بعدم فهم ليجيبها بإيجاز:
"اللي ابنك داسها بالعربية."
وقفت بتأهب فورا وقالت:
"هي فاقت؟"
أومأ وقال وهو يخرج ملابسه من الخزانة:
"أيوة، ولازم تلاقينا كلنا فوق دماغها ومعانا ورد وشكولاته كمان، لازم تتنازل بأي طريقة."
"طيب ما تروح انت، لزمتها إيه أجي معاك أنا والبنات؟"
رمقها بطرف عينه وهو يقول بحدة:
"بقولك هندخل عليها شايلين الورد والشيكولاته وناخدها بالحنجل والمنجل عشان تتنازل، أنا مش واخدكم معايا أتعايق بيكم.. أنا عاوز أخلص وابنك هو كمان يخلص من الورطة السودا دي."
أخبرت نادية بناتها فاستعدت كلا منهما على مضض، وخرجوا أربعتهم إلى المشفى، بينما نسيم تقف بشرفة غرفتها تراقبهم بقلب منفطر، ثم دخلت غرفتها، وأوصدت باب الشرفة، وجلست فوق فراشها بإحباط وأخذت تتخيل نفسها وهي تمتطي ظهر الخيل برفقة حبيبها حازم، وهو يعبر بها كل الحواجز ويتخطى كل المعيقات، يسافران سويا إلى مكان لا يوجد به أحد سواهما، ينعمان فيه بالحب الخالص والعشق الأبدي.
وبينما هي غارقة في حلمها الجميل انتبهت إلى صوت رنين هاتفها بذلك الرقم المجهول الذي يزعجها برنينه المتكرر منذ أيام، فأجابت الاتصال بضيق واضح وهي تقول:
"ألو؟"
"نسيم؟"
صمتت لثوان تحاول معرفة صاحب النبرة الرجولية ذاك، ثم أجابت بتوتر:
"مين؟"
استمعت لتنهيدة مطولة منه، ثم تحدث وقال:
"مش لازم تعرفي مين، بس اللي عاوزك تعرفيه إني مش عارف أبطل تفكير فيكي من يوم ما شوفتك!"
انقبض قلبها للحظات، ثم ابتلعت ريقها بتوجس وتساءلت:
"شوفتني فين؟"
امتنع عن الإجابة، فقالت بصوت مرتجف:
"حضرتك مكلمني عشان تهزر؟ ياريت متتصلش تاني وبلاش لعب عيال."
"نسيم استني.."
استوقفها قبل أن تنهي المكالمة، فتراجعت واستمعت إليه بصمت، فقال:
"أنا مش بكلمك عشان أهزر صدقيني ولا أنا عاوز أزعجك، كل الحكاية إني عاوز أطلب منك طلب."
قطبت جبينها وتساءلت باستغراب:
"طلب إيه؟"
ليجيبها قائلا بنبرة حنونة لمست قلبها:
"ممكن متبخليش عليا إني أسمع صوتك؟"
ابتلعت ريقها وتساءلت:
"مش فاهمه!"
"أقصد لما أكلمك تاني ردي عليا من فضلك، صدقيني مش عاوز أزعجك أبدا.. كل الحكاية إني عاوز أسمع صوتك وأطمن إنك بخير."
وأنهى الاتصال فأمسكت بالهاتف بيدها تطالعه باستغراب شديد والعديد من علامات الاستفهام تتراقص برأسها..
مَن هذا المعجب الغامض؟ ومِن أين عثر على هاتفها الذي لا يعرفه سوى والدها وزوجته وشقيقيها وچيلان وجوليا؟ وأين رآها وهي لا تبرح أرض منزلهم أساسًا؟
تنهدت وهي تدلك جبهتها بحيرة، وأخذت تتذكر كلماته التي لم تتوقع أن تسمعها يومًا ما من رجل بعد حبيبها حازم الذي كان ولازال وسيبقى عشقها الوحيد والأبدي.
وعند ذلك الخاطر فتحت الهاتف مجددا، وقامت بحظر الرقم ثم مسحه من قائمة المكالمات وقد قررت ألا تلتفت لتلك الأوهام مجددا، فهي أرض قاحلة، من يطأها بقدميه يكون قد حكم على نفسه بالهلاك!
***
ساعدت الممرضة نغم لكي تصعد إلى فراشها في العنبر الخاص الذي أمر فريد بحجزه لها، والذي كان يبدو فخما للغاية ومثيرا لتساؤلاتها، فتساءلت نغم بفضول:
"هي المستشفى دي بالمجان؟"
رمقتها الممرضة باستغراب واتسعت ضحكتها وهي تجيب:
"مجان إيه إحنا هنا مستشفى خاصة."
فتحت نغم عينيها على آخرهما بصدمة وهي تردد:
"مستشفى خاصة؟ وإيه اللي جابني هنا؟!"
أجابت الأخرى بهدوء وهي تعدل وضعية السرير بحيث تناسب حالة عنق المريضة وقالت باقتضاب:
"الإسعاف."
زمت الأخرى شفتيها بنزق وهي تقول:
"أيوة مانا فاهمة، أقصد مين اللي طلب منهم يجيبوني على هنا؟ من الاخر مين اللي هيدفع تكاليف علاجي؟"
ابتسمت الممرضة بسماجة وقالت؛
"متقلقيش، انتِ متوصي عليكي من ناس علّيوي، متشيليش هم حاجة."
وقبل أن تسأل نغم مجددا عن هوية الناس العلّيوي كما أخبرتها كانت الممرضة تغادر الغرفة وهي تقول:
"هرجعلك تاني."
تنهدت نغم وهي تشعر بالاختناق بسبب تلك الرقبة الصناعية التي تحيط بعنقها، ثم أخذت تتلمس بشرتها وتلك الخدوش السطحية التي لم تبرأ بعد، وراحت تتذكر تلك الليلة المشؤومة بكل تفاصيلها، وصولا إلى المحتال الذي نقض عهده معها ولم يسلمها المال لينطلق لسانها قائلة بحنق:
"منه لله النصاب، يصرفهم على علاجه إن شاء الله."
تأوهت وهي تتحرك ببطء وقد قيدها التعب، ثم شردت في نقطةٍ وهمية وأخذت تتذكر خالتها، وابتسامة خالتها، ودفء حضن خالتها، وسالت دمعاتها لا إراديا وهي تتمتم:
"يا ترى عاملة ايه يا خالتي!"
جذبها من شرودها صوت طرقات على الباب، ثم انفرج ودخلت الممرضة التي قالت وهي تشير نحو الباب:
"أدي يا ستي فريد بيه جاي يقولك حمدالله على السلامه بنفسه."
وأشارت لفريد الذي دخل بخطوات ثابتة، وقد حددت عينيه الهدف ألا وهو عيناها، يريد أن يرى نظرتها الأولى إليه، دهشتها وذهولها وذبول وجهها عند رؤيته.
رأته يقتحم الغرفة بطلته المهيبة، يُقبل عليها بخطوات واسعة تتسم بالثبات، لم يأخذ الأمر سوى لحظات حتى استوعبت من هو؛ إنه رجل الخير الذي ساهمت في فضح دناءته. إنه هو وليس سواه، فريد مرسال. ولولا أن الممرضة ذكرت اسمه للتو لكانت شكت بالأمر، أو ظنت أنها تتوهم أو تشتبه به.
شعرت بالدماء تتجمد في عروقها وهي تحملق به وهو يقترب منها، وإذا كان وجهه مؤشرا لشيء فهو يشير لاقتراب موتها على يديه، فهي لم تغفل عن نظرة التوعد الواضحة بعينيه.
ابتلعت ريقها بتوجس وهي تدعو الله بداخلها أن تستيقظ حالا من ذلك الكابوس، ولكن عندما رأته يستدير ناظرا للممرضة، مشيرًا إليها بعينيه في صمت فانصرفت، فأدركت حينها أنه ليس كابوسا، بل هو واقع أسود وعليها أن تواجهه.
اهتز بدنها، وانقبض قلبها برعب، خاصةً بعد أن استدار يواجهها من جديد وظهرت فوق شفتيه ابتسامة متربصة وهو يقول:
"حمدالله على السلامه.."
اهتز قلبها الرابض بين ضلوعها وهي تحاول تجاوز نظراته المتجهمة التي لا تشي بالخير أبدا، بينما تابع وهو يدس يديه بجيبه ويقول:
"أعرفك بنفسي، أنا فريد مرسال.."
شعرت بقلبها يتهاوى أسفل قدميها، والبرودة تسري في أوصالها، تحولت تلك البرودة إلى جليدًا جمد حواسها كلها عندما سمعته يقول بهدوء:
"أظن الاسم مش غريب عليكي، مش كده؟"
شردت للحظات وقد هجمت عليها ذكرى ذلك اليوم، عندما تقدمت منه في الحفل وسألته، إنتَ فريد مرسال؟ ثم لثمت ثغره على حين غفلة وهربت، فشعرت برأسها يدور فوق عنقها كالكرة الدوارة، وبدأ وعيها ينخفض تدريجيًا إلى أن تراخى جفناها وترنح جسدها للخلف وقد فقدت وعيها بالكامل.
***
وصل سالم وأسرته إلى المشفى، ودخلوا وكلا منهم يحمل بيده باقة من الورد كما أمرهم سالم، ثم صعدوا حيث الطابق الموجودة به غرفتها، وتقدموا ليستوقفهم سالم قائلا:
"زي ما اتفقت معاكم، عاوزين نمشي من هنا والبنت راضية ومقتنعة إنها تتنازل.."
أومأت چوليا بموافقة بينما قلبت چيلان عينيها بملل، وطرق سالم الباب ثم دخل وهن يلحقن به فإذ به يتفاجأ بوجود فريد أمامه الذي يقف واضعًا يديه بجيبيّ بنطاله ويراقب الممرضة التي تفحص نغم.
"فريد؟!"
تفوه بها أربعتهم في نفس واحد، حيث أنهم لم يتوقعوا وجود فريد هنا، ثم تساءل سالم وقال:
"من إمتى وانت هنا؟"
ليجيبه فريد بهدوء وعيناه متشبثتان بالفتاة أمامه:
"من عشر دقايق."
قطعت حديثهم الممرضة وهي تقول:
"ضغطها وطي فجأة، أنا هعلق لها محلول ويا ريت يا جماعة بلاش ترهقوها بالكلام لأنها لسة تعبانة."
جلس سالم على تلك الأريكة الجلدية الوثيرة بزاوية الغرفة، وجلست نادية بجواره، وعلى الأريكة المجاورة جلست الأختان، بينما وقف فريد بمكانه راسخًا كالجبل وعيناه لا تحيد عنها، ينتظر أن تعود لوعيها بفارغ الصبر.
رآها تتمتم بكلمات غير مفهومة لم يتبين منها سوى كلمة ‘ خالتي ‘ فقطب جبينه يحاول استيعاب أيًا مما تتفوه به ولكن دون جدوى، لتبدأ بعدها في تحريك أهدابها ببطء، ثم فتحت عينيها تدريجيًا بدأت تنظر حولها وهي تدعو الله أن يكون قد اختفى من الأرجاء، ولكن عيناه الغاضبتين المتوعدتين كانتا أول من تصطدم به، فأغمضت عينيها على الفور بخوف وضربات قلبها تكاد تصل إلى مسامع كلا من بالغرفة.
وبينما هي مغمضةً عينيها استمعت إلى صوته الذي لا يمكنها أن تخطئه وهو يقول بنبرة تظن أنها تهديد:
"طالما فُقتي عاوزين نتكلم معاكي شوية، ضروري!"
شدد على كلمته الأخيرة وكأنها رسالة منه إليها، فظلت مغمضةً عينيها بقوة إلى أن استمعت إلى صوت رجلٍ آخر يقول:
"ماتضغطش عليها، واضح إنها لسه تعبانة."
انفرج الباب ودخل الطبيب المشرف على حالتها، رحب بالجميع ثم توجه نحوها وهو يفحص درجة الوعي لديها، ففرق بين جفنيها ثم قال:
"ممتاز، درجة الوعي عندها 4/4."
فتساءل فريد قائلا بتهكم:
"مش باين!"
ليجيبه الطبيب بعملية ويقول:
"ده لأنها لسه بتقاوم تبعات الحالة اللي كانت فيها، فهنلاقيها شويه كويسة وشويه تايهة، لكن هي حاليا زي الفل."
واقترب منها وتحدث بهدوء:
"آنسة، انتِ سامعانا؟ تقدري تتكلمي معانا شوية؟ سالم بيه وأسرته جايين بنفسهم يطمنوا عليكي."
لم تجد بدًا من المواجهة، ففرقت بين جفنيها بتثاقل وهي تشعر بالإعياء فعلا، وتعلقت بوجه الطبيب الذي يقف على مقربة منها ويقول مبتسما:
"حمدالله على سلامتك، طمنينا عليكي حاسة بإيه؟"
رفرفت بأهدابها قليلا ثم قالت بتوتر:
"صداع شديد، وجسمي كله واجعني."
هز رأسه بتفهم وقال:
"كل ده طبيعي لأن جسمك بيودع المسكنات والمخدر اللي كنتي تحت تأثيره الكام يوم اللي فاتوا، بس بالتدريج هتتحسني وتبقي زي الفل."
نهض سالم من مقعده واقترب منها وهو يرسم على وجهه ابتسامة بارعة ويقول:
"متتخيليش فرحت إزاي لما الدكتور بلغني إنك رجعتي لوعيك من تاني، كنت قلقان جدا عليكي وحزين إن ابني هو السبب في اللي حصلك."
لقد فهمت الآن، هم أسرة الشاب الذي صدمها بسيارته، ولكن.. هذا الرجل الذي يدعى فريد، ما علاقته بهم؟ هل يعقل أنه جاء لكي ينتقم منها خصيصا؟ حسنا ومن أين عرف طريقها والذي حدث لها؟ بالطبع معلومة كهذه لن تصعب عليه حيث أنه يبدو رجلا مشهورا جدا وذو كلمة مسموعة.
انتبهت إلى ذلك الرجل ذو الشعر الأبيض الذي تحدث مجددا وقال:
"ووالدته واخواته كمان كانوا قلقانين عليكي جدا وما صدقوا إنك بقيتي كويسة عشان كده جم بنفسهم يقولوا لك حمدالله على السلامه."
وأشار بعينيه لنادية التي نهضت هي وبناتها واقتربن جميعهن من نغم وقالت نادية بابتسامة مصطنعة وهي تضع باقة الورد بجوارها:
"حمدالله على سلامتك."
وتبعتها چيلان التي ابتسمت ابتسامة لم تصل إلى عينيها وقالت:
"حمدالله على السلامه يارب تكوني أحسن دلوقتي."
هنا برز صوت سالم حيث قال موجهًا حديثه نحو نغم:
"لما حصلت الحادثة مقدرناش نوصل لأي معلومة عنك أو نوصل لأي حد من أهلك عشان نكلمهم ونطمنهم عليكي، عشان كده لازم تعرفينا نوصل لهم إزاي، أكيد قلقانين عليكي ومعندهمش خبر باللي حصل."
شردت بصمت وقد ذهب تفكيرها كله نحو خالتها، هل هي قلقة عليها بالفعل؟ هل يبحثون عنها؟
قطع تفكيرها صوت فريد الذي قال بنفاذ صبر:
"أو عرفينا بنفسك وسيبي الباقي علينا واحنا نوصلهم، اسمك إيه؟"
نظرت نغم إليه بعفوية بالرغم من أنها كانت تمنع نفسها من النظر إليه لكيلا تفقد وعيها مجددا، وأخذت تفكر بخوف وكأن روحها تغادر جسدها ببطء، هل تخبره اسمها؟ ماذا لو أبلغ الشرطة وقام بزجها في السجن عقابا لها على ما فعلته به؟ أم تخبرهم اسمًا وهميًا لحين يمكنها الهرب منهم؟
وفيما هي شاردةً، مستغرقةً في تفكيرها، جاءها الحل السحري حين استمعت إلى إحدى الشقراوتين وهي تنظر إليها متعجبةً وتقول:
"انتِ مش فاكرة إسمك ولا ايه؟"
ونظرت إليهم وتساءلت:
"معقول تكون فقدت الذاكرة؟"
ابتلعت نغم ريقها ورددت بهدوء:
"أنا فعلا مش فاكرة أي حاجه، مش فاكرة غير ان في عربية خبطتني وبعدها أغمى عليا.. ده اللي فكراه."
نظر سالم باستفهام نحو الطبيب، وتعلق الأنظار جميعها به، ما عدا فريد الذي لم يرفع عينيه عنها وكأنه يسبر أغوارها وقال:
"يعني مش عارفه اسمك إيه؟ ساكنة فين؟ من عيلة ايه؟"
امتدت أناملها تضغط على جانب عقلها بألم وهي تقول:
"أنا مش عارفة أي حاجة ودماغي بتوجعني."
تحدث الطبيب قائلا بهدوء وهو يحاول احتواء الموقف:
"متقلقيش دي أعراض طبيعية بعد حادثة صعبة زي دي، وممكن يكون فقدان ذاكرة مؤقت، وممكن يكون تشويش على مركز الذاكرة ويختفي بالتدريج، عموما احنا هنعمل بعد شوية أشعة نطمن بيها على كل ده وإن شاء الله تكون حاجة بسيطة."
ونظر إليهم وقال ببساطة:
"بعد نص ساعة هنعمل أشعة مقطعية على المخ عشان نحدد لو في إصابة أو مشكلة من أي نوع، إن شاء الله الموضوع يكون بسيط متقلقوش."
غادر الطبيب الغرفة، بينما ظل فريد بمكانه يطالعها بنفس النظرة، وسالم وزوجته وبناتها يطالعونها وأمارات الدهشة ترتسم على وجوههم جليةً، ثم تحدث سالم وقال:
"زي ما قاللك الدكتور الموضوع بسيط إن شاء الله، ولحد ما تتحسني تماما اعتبري إن كل طلباتك أوامر واللي تأمري بيه هييجي لحد عندك، واعتبري ان دول عيلتك التانية لحد ما تتحسني إن شاء الله وتقدري ترجعي لأهلك."
ابتلعت نغم ريقها بارتباك وأومأت بموافقة فاستطرد سالم وقال:
"أنا بس كل اللي طالبه منك إننا نلم الموضوع ودّي وتتنازلي، وصدقيني عنيا ليكي في أي حاجه تطلبيها."
ثم رسم على وجهه ابتسامة ودية وقال:
"على العموم عمر ابني زعلان جدا عشانك ونفسه يعتذرلك جدا على اللي حصل لك بسببه.. وإن شاء الله أول ما تتنازلي ويخرج من الحبس هييجي يزورك ويطمن عليكي ويشكرك بنفسه."
أومأت بهدوء، فتابع قائلا:
"إحنا هنمشي دلوقتي وهجيلك بكره أطمن عليكي، مع السلامه."
دخلت الممرضة التي ستنقل نغم إلى غرفة التصوير المقطعي، فغادروا جميعهم الغرفة، بينما أطلقت نغم نفسًا عميقًا كان حبيسًا بصدرها وأخذت تتمتم:
"أنا إيه بس اللي عملته في نفسي ده!"
***
خرج سالم تتبعه نادية التي تنهدت وقالت:
"مش عارفه ليه حاسه إن البنت دي كدابة وإنها مش ناسية ولا حاجة!"
نظر إليها فريد باهتمام ثم إلى چيلان التي قالت:
"أنا بقا حاسة إن وشها مألوف بالنسبة لي وكأني شفتها قبل كده بس مش قادرة أحدد فين بالظبط!!"
هنا برز صوت سالم الذي قال القول الفصل:
"الأشعة هتحدد إذا كانت ناسية ولا فاكرة، أهم حاجة إنها تتنازل وعمر يخرج وبعدها نشوف هنعمل معاها إيه!"
نظرت إليه نادية باستفهام وقالت:
"يعني إيه نعمل معاها إيه؟ هو المفروض نعمل معاها إيه لو فعلا فاقدة الذاكرة؟"
"وقتها هنضطر ناخدها تقعد عندنا في الڤيلا لحد ما تفتكر هي مين وأهلها فين وتقدر ترجعلهم.. أكيد مش هنرميها في الشارع ولا هنسيبها هنا في المستشفى بعد اللي جرالها بسبب ابنك."
لم يرق حديثه أيًا من نادية وبناتها اللتان بدا الاستهجان واضحًا عليهن، أما فريد فانسحب من بينهم وغادر المشفى، خرج وركب سيارته وأغلق نوافذها، ثم أسند رأسه فوق عجلة القيادة بإرهاق وهو يفكر… كيف سيتمكن من الإمساك بتلك المحتالة وجعلها تعترف بالسبب وراء ما فعلته يوم الحفل؟ ليجد أمامه حلا واحدا.. سيعمل على تنفيذه على الفور!