تحميل رواية «محسنين الغرام» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت نغم تستقل الترام كما جرت العادة كل يوم خلال عودتها من عملها، تقف شاردةً، لديها من الهموم ما يكفيها لكي تنفصل عن الواقع المحيط بها وتنخرط في عالم آخر لا يشاركها به أحد، هي وخيالها فقط! تفكر فيما سيؤول إليه حالها بعد أن تركت عملها الذي كان هو مصدر رزقها الوحيد والذي تعول من خلاله خالتها المريضة، بالإضافة إلى همها الأكبر والذي يجعلها تقضي الليل كله في شرود وحيرة، وهو عودة حسن، كابوس حياتها، والذي بالتأكيد سيفصل عنقها عن جسدها عندما يخرج ويعرف أنها من تسببت في سجنه! تنهدت وهي تعيد شعرها للوراء...
رواية محسنين الغرام الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نعمة حسن
كانت تجلس بالسرير وبجوارها الممرضة تطعمها بعض الحساء، تفتح فمها وتغلقه كسمكة في الماء وهي شاردة تماما، وحالة من الخوف والترقب تحيط بها، ماذا سيحدث حينما ينكشف أمرها ويعرفون ـ أو يعرف هو بالأخص ـ أنها كانت تكذب عليهم وأنها لم تفقد ذاكرتها وأن تلك لم تكن سوى ذريعة لكي تهرب بها من المواجهة الحتمية؟!
تنهدت وهي تجزم بداخلها أنها كانت مخطئة حين لجأت لتلك الخدعة، لأنها أزادت الطين بلة كما يقولون وغرقت بالكذب حتى أخمص قدميها، ولكنها لم تكن على علم بأمر تلك الأشعة وظنت أن الأمر سيمر مرور الكرام وأنها ستنقذ نفسها عن طريق تلك الكذبة البيضاء إلى أن تتدبر أمرها وتغادر المشفى!
من أين لعقلها البسيط أن يعرف أن الطب من حولهم تطور لدرجة أنهم يستطيعون تحديد ما إذا كانت قد فقدت الذاكرة أم لا؟
ونظرت إلى الممرضة التي تنتظر أن تفتح فمها بصبر لكي تطعمها، وتساءلت باهتمام:
ـ هو أنا إمتا أقدر أخرج من المستشفى؟
ـ دي حاجة الدكتور لوحده اللي يحددها، وبعدين هتخرجي تروحي فين وانتِ فاقدة الذاكرة ومفيش معاكي أي إثبات هوية؟ أسلم حل هو إنك تفضلي في المستشفى لحد ما تتحسني أو أهلك يظهروا.
تنهدت نغم بضيق ثم تساءلت مجددا وقالت وهي تشير إلى الرقبة الصناعية التي تحيط عنقها:
ـ طيب هشيل الرقبة دي إمتا؟
لتجيبها الأخرى بصبر وهي تطعمها ملعقة أخرى:
ـ مش قبل أسبوع.. وبعدها هتعملي أشعة تانية ونشوف.
زفرت نغم مجددًا بيأس وهي تتمتم بتفكير:
ـ أسبوع!! هو أنا لسه هقعد هنا أسبوع؟
ـ متقلقيش، فريد بيه متكفل بحالتك وهيدفع كل مصاريف علاجك، أنا شايفة إنك تفضلي هنا على قد ما تقدري لحد ما تتحسني تماما وبعدين تخرجي، حد طايل جناح زي اللي انتِ فيه ده ولا الأكل والعلاج اللي ببلاش، استغلي الفرصة.
نظرت إليها نغم بترقب، وابتلعت ريقها بتوتر وهي تتساءل:
ـ فريد بيه مرسال قصدك؟
أومأت الممرضة بنعم وقالت:
ـ أيوة، بيني وبينك هما بيعملوا كل ده عشان تتنازلي وابنهم يخرج، أنا بقا شايفة إنك تماطلي معاهم على قد ما تقدري وتطلعي من وراهم بأي فلوس.. بس ده طبعا بعد ما تقعدي هنا أسبوع واتنين وتدفعيهم دم قلبهم مصاريف للمستشفى عشان يعرفوا إن أرواح الناس مش لعبة.
قطبت نغم حاجبيها بتعجب وهي تحاول استيعاب ما سمعته، ثم سألت:
ـ ابنهم مين اللي يخرج؟ هو مال فريد ده بالشاب اللي خبطني مش فاهمة؟
ـ أخوه.
ألقتها الفتاة ببساطة، بينما جحظت عينا نغم التي رددت بغير تصديق:
ـ أخوه؟؟ يعني فريد مرسال ده يبقا أخو الواد اللي شاطني بعربيته؟
هزت الأخرى رأسها مؤكدةً وهي تقول:
ـ أيوة.. فريد وعمر اخوات، ولاد سالم مرسال اللي زارك بنفسه امبارح.
الآن اتضحت الصورة بالنسبة إليها وفهمت سر تواجده معهم!! واتضح أنها تملك حظًا عثرًا بالقدر الذي جعلها تقع في أيدي ذلك الرجل دون أدنى مقاومة!
كانت الفتاة قد انتهت من إطعامها، ثم مسحت فمها بالمنديل، ونظرت إليها بابتسامة وهي تقول:
ـ ربع ساعة وهرجعلك عشان الدوا.
وغادرت الغرفة على الفور وتركت نغم جالسةً بمكانها تفكر فيما سيؤول إليه حالها؟ وهل من الممكن أن تستطيع الاستفادة من وضعها الحالي لكي تهرب من الجحيم الذي ينتظرها على يديه، والذي رأته يتأجج بعينيه بالأمس، وتنهدت وهي تتمتم:
ـ يا ترى ناويلي على إيه يا فريد يا مرسال؟
وبغتةً انفرج الباب ورأته أمامها، حتى أنها حملقت به بصدمة وظنت أنها تتوهم وجوده، ولكن لا.. إنه يقف أمامها بالفعل، بأناقته المعهودة وحضوره المرعب، ورائحته التي علقت بأنفها منذ الأمس، فهي تمتاز منذ الصغر بأنها تملك حاسة شم قوية، وهذا ما يؤهلها للاحتفاظ بالروائح في ذاكرتها، لذلك فبإمكانها من الآن فصاعدا أن تتعرف عليه وهي مغمضة العينين.
ابتلعت ريقها بخوف وهي تراه يتقدم منها ووجهه خالٍ من التعبيرات، وامتدت يداها تتمسك بطرفي السرير الذي ترقد فوقه وكأنها تستمد منه الدعم، وبالرغم من أنها كانت تحاول صرف نظرها عنه إلا أنها لم تستطع، وظلت تحدق به تحديق البلهاء وكأنه أسَرَ عينيها واستولى على انتباههما.
ـ صباح الخير.
ألقاها بهدوء وهو ينظر إليها، وطاف بعينيه على ملامحها سريعا، ثم استقر بناظريه على عينيها اللتين تتسمان بالحزن، وكونه رجلا يستطيع سبر أغوار من حوله بنظرة واحدة تمكن من إدراك ذلك الحزن الكامن بعينيها منذ اللحظة الأولى التي رآها بها، حين قبّلته وهربت، يومها كان يشعر أنها أُرغمت على فعل ذلك، والآن بعد تلك النظرة البائسة أصبح متأكدا، وعليه أن يعرف لماذا فعلت؟
هز رأسه باستفهام لمّا طال صمتها وتحديقها به، وهذا ما أكد له أنها تدعي فقدان الذاكرة، لأن الخوف بعينيها يعني أنها تتذكره جيدا وتتذكر ما فعلته يومها.
ـ صباح الخير.
قالتها بهدوء وهي تشعر بالدماء تغادر جسدها من جديد، وظهر ذلك جليًا على وجهها الشاحب الهزيل، وتلك التنهيدة التي غادرت شفتيها أخبرته عن مدى الضغط النفسي الواقع عليها، وهو أول من يشعر بذلك لأنه يعاني من الضغط النفسي المزمن، مما جعله يتراجع عن نظرته المتفرسة في وجهها والتي ترهقها وتربكها أكثر، ثم قال بنبرة مرنة لا توحي بشيء:
ـ عاملة إيه النهاردة؟
ابتلعت ريقها مرة ثانية بتوتر أكبر، هل يسألها عن حالها فعلا؟ أم أنه تمهيدًا للعاصفة القادمة التي ستضرب وجدانها بكل قوة؟
ـ الحمد لله.
ألقتها بإيجاز وهي تراقب نظراته، فرأت رأسه يهتز في إيماءة بسيطة، ثم قال وهو يترقب ردة فعلها:
ـ لسه بردو مصممة انك مش فاكرة أي حاجه؟
شحب وجهها ونظرت إليه بصدمة فقال مصححًا قوله:
ـ أقصد لسه مش قادرة تفتكري؟ على فكرة أي معلومة ولو بسيطة ممكن تساعدك توصلي لأهلك!
هذا هو بالتحديد ما لا ترغب فيه أساسا، فهي تعرف الجحيم الذي ينتظرها حال عودتها لحسن، فهي لا تستبعد أن يقيدها ويعقد قرانه عليها رُغمًا عن أنفها وأنف خالتها، ولا يمكنها تخيل إلى أي مدى من الممكن أن يصل إجرامه معها، لذا فاحتمال عودتها لأهلها مرفوض تماما، إضافة إلى أن كونها فاقدة للذاكرة فذلك سيحميها من مواجهته والاعتراف بفعلتها، خاصةً أنها تخشى أن يسلمها للشرطة إذا اعترفت بما فعلته ومن المؤكد أنه لن يصعب عليه شيء كهذا.
فنظرت إليه وهزت رأسها بنفي وقالت:
ـ لأ.. مش فاكرة حاجة خالص.
دس يده بالجيب الداخلي لسترته الجلدية الفخمة، ولم يُشِح بنظراته عنها وبداخله كان يشعر بالزهو لأنه يعرف أنها ستنفي، فهو متأكد من أنها ستتمسك بفقدان الذاكرة كحاجز يمنعها من مواجهته، وربما يكون ذلك جزء من مخطط لا يعرفه بعد، ولكنه مهتم جدا لمعرفته، ومهتم جدا لكي يصل إلى ذلك الشخص المجهول الذي يحاربه ويحارب عائلته، وهذه المحتالة هي طرف الخيط الوحيد الذي سيوصله إليه، ولا بد أن يظل متحفظًا عليها مهما كلفه الأمر.
قاطعه صوت الباب ودخول الممرضة التي دخلت ثم منحت فريد ابتسامة ترحيبية، ومن ثم وقفت بجوار نغم تناولها دوائها و أعقبته بكوبًا من الماء، فتناولته نغم بأيدي مرتجفة وهي تتجرعه وتختلس النظر إليه، فرأته يميل رأسه للأمام ويشبك ذراعيه فوق صدره، وكأنه يخبرها أن لا مفر من المواجهة!
مما جعلها تتشردق وأخذت تسعل بقوة وهي تشعر بأنها على وشك الاختناق.
فك ذراعيه وخلل شعره بيده وهو يتنهد بحيرة، لمَ عليه أن يشعر بالشفقة حِيالها الآن بالرغم من أنه ينوي معاقبتها بأقسى طريقة ممكنة! ولمَ عليه أن يشعر بالشفقة حِيالها أصلا؟ أليست تلك هي المحتالة التي خربت حياته ونزعت استقرارها؟ وعليه فلا يجدر به أن تأخذه بها رأفة أبدًا وعليه ألا ينسى أنها محتالة والوجه البرئ المسكين الذي يراه الآن ما هو إلا قناع من بين أقنعة كثيرة ستسقط تباعًا.
انتهت الممرضة من إعطائها الدواء ومالت لكي تضع كوب المياة بحوار سرير نغم، فتشبثت بها نغم وهمست إليها:
ـ عشان خاطري بلاش تسيبيني معاه لوحدي.
استقامت الممرضة وهي تنقل ناظريها بينهما ببطء، ورأت نظرة الرجاء الواضحة بعينيها فقالت موجهة حديثها نحو فريد:
ـ معلش هستأذنك تخرج عشان تغير هدومها.
لم يظهر عليه أي تعبير، بل ظل يرمقها بنفس النظرات و يتلذذ برؤية عينيها المذعورتين اللتين تنظران في كل مكان ماعدا الحيز الذي يقف به، ثم تنهد وقال:
ـ تمام، أنا منتظر برة لحد ما تخلصوا.
***
ـ حسن.. انت فين؟
تردد صوت عائشة وهي تبحث عن حسن عندما وجدت سريره فارغًا، بينما حذاؤه أمام الباب وهذا دليلا قاطعا على أنه لم يغادر بعد.
شيئا ما قادها نحو غرفة نغم، ففتحت الباب وأنارت الضوء لتتفاجأ به ينام متكومًا فوق فراش نغم الذي لا يسع سوى نصفه العلوي فقط، ويتقلص أسفل ثقله.
تقدمت منه وهي تهز رأسها بحسرة وشفقة على حال ابنها، وهكت بإيقاظه ولكنها توقفت عندما رأته يعانق منامة نغم، فنزعتها من حضنه بهدوء وضمتها إليها وهي تبكي وقالت:
ـ وبعدهالك يا نغم، روحتي فين وسيبتي خالتك تآسي لوحدها يا بنتي.
ونظرت إلى حسن الذي يغط في نوم عميق وتمتمت بأسى لحاله:
ـ يا عيني عليك يا ابن بطني، ملكش حظ في الدنيا لا في أب ولا أم ولا أخ.. عايش وحيد ملكش ضهر، حتى البنت اللي حبيتها مش قادرة تحبك.
وجلست على طرف الفراش بجواره وأخذت تمسح بأناملها فوق جبينه المتعرق وخصلاته وهي تقول بشرود:
ـ ماهو الحب مش بالعافية يا حسن، لو بالعافية كنت قدرت أخلي أبوك يحبني، الحب ده من عند ربنا احنا ملناش يد فيه، القلوب بإيد ربنا وحده.
صمتت فجأة عندما أدركت أنها تفوهت بأكثر مما كان ينبغي عليها أن تقول، وحمدت الله لأن حسن لايزال نائمًا ولم يستمع لتلك الحماقات التي تفوهت بها، ثم مسحت دمعاتها وأجلت حلقها وهي تربت على كتفه بحنو وتقول:
ـ حسن.. قوم يلا الضهر أذن.
تململ بكسل فكررت نداؤها مجددا وقالت:
ـ يلا يا حسن أنا مش حِمل مناهدة معاك عالصبح.
ـ قوليلهم يستنوا.
استمعت لما قاله بتعجب وتساءلت وهي تظن أنه يهذي:
ـ هما مين دول؟
ليفتح هو طرفي عينيه قائلا بتهكم:
ـ الموظفين اللي واقفين عاوزين امضتي، قوليلهم يستنوا.
ـ انت بتتريق عليا يا حسن؟
ألقتها بلوم فنظر إليها بضجر وقال:
ـ اومال هقولك إيه يعني؟ عماله تقوليلي الضهر أذن لا الهصر أذنت محسساني إني ورايا أملاك وأشغال عطلانه.
ـ محدش قاللك اقعد عاطل، بدل ما بتتريق اخرج شوف ورشة الاسطى عمارة أقف فيها زي ما قاللك أهو قرش يجيلك تصرف منه.
ـ ميكانيكي؟ أخرتها هشتغل ميكانيكي؟
رفعت حاجبيها بتعجب وتسائلت بتهكم يماثل أسلوبه الساخر:
ـ وانت يعني كنت وكيل وزارة قبل كده؟ ما انت جول عمرك صنايعي.
هز رأسه بسخط وتأفف وقال:
ـ طول عمري صنايعي صح، عشان كده نغم هربت، عيشتنا مبقتش عجباها مش كده؟ تلاقيها لافت على واحد مِقرش وهربت معاه، مستنية إيه من ورا صحوبيتها للو*** نيهال يعني.
نظرت إليه بتقزز واستياء وأخذت تضرب كتفه بقبضتها وهي تقول:
ـ اخرس، إيه اللي انت بتقوله ده، إزاي تتكلم على بنت خالتك بالطريقة دي، وازاي تفكر فيها كده أصلا واحنا مربيينها على ايدينا وعارفين إنها مش كدة.
نهض من على السرير والتقط علبة سجائره، ثم أشعل واحدة وأخذ ينفث دخانها بغِل وهو يتمتم بشرود:
ـ مبقاش حد عارف حاجة، مبقاش في حاجة مضمونة ياما، اللي يخلي نغم تبلغ عني وتسجني يخليها تهرب، ويخليها تصاحب راجل واتنين، يظهر إني كنت غلطان لأني مصدقتش نيهال، نغم لو كانت عاوزة ترجع كانت رجعت من يومها، تلاقيها ولفت على واحد غني مجايب نيهال وأمورها بقت تمام، واحنا هنا حاطين ايدينا على خدنا وبنغني ظلموه.
نظرت إليه عائشة بغضب وهتفت به بانفعال:
ـ أنا مش هقولك غير حسبي الله ونعم الوكيل فيك لأن نغم متستاهلش تظلمها بالشكل ده، أنا أينعم مش عارفة هي فين ولا إيه اللي منعها ترجع من يومها لكن اللي متأكدة منه إن بنتي نضيفة واستحالة توسخ نفسها أبدا مهما حصل.. والأيام كفيلة تثبت لك إن كلامي صح.
ونهضت لكي تغادر الغرفة ولكنها توقفت وقالت:
ـ وخليك عارف، لو اتكلمت على نغم بالطريقة دي تاني لا انت ابني وا أعرفك.
وخرجت وصفقت الباب خلفها وتركتها يموج في حالة من الغضب، وأخذ ينفث دخان السيجارة وهو يتذكر حديثه مع فيفي بالأمس.
~ استرجاع زمني ~
كان يجلس على المقعد الجلدي بمكتبها يستمع إليها بإنصات، بينما هي تقف خلفه وتسند كفيها المدججين بالخواتم والأساور الذهبية، ثم مالت للأمام وتحدثت بالقرب من أذنه وهي تقول:
ـ عاوزة أقولك يا حسن إن من خلال عشرتي لنغم إنها طموحاتها عالية أوي، ودي حاجه أنا كنت بشوفها في عنيها كل يوم في الشغل، مش عيب إن الإنسان يكون عنده طموح، لكن العيب إن طموحه ده يخليه يحاول يوصل بأي طريقة سواء كانت مشروعة أو لأ.
ودارت لتجلس على المقعد المجاور له ثم قالت وهي تسدد نظراتها نحوه:
ـ ونغم من النوع التاني، ممكن تعمل أي حاجة عشان توصل، كان نفسها تغتني ويكون معاها فلوس بأي طريقة، لدرجة إنها كذا مرة تسرق شنط الزباين، ومرة سرقتني أنا شخصيا، ومرات كتير كانت تسرق الخزنة، وعشان أنا كنت عارفة ظروفها كنت بتغاضى عن كل ده، لكن اللي مقدرتش أتغاضى عنه هو سمعة السنتر، اعذرني.. أنا راس مالي هو سمعاي وسمعة مكاني.
ضيق عينيه وهو يطالعها بتعجب ويقول:
ـ مش فاهم قصدك إيه؟
تنهدت، ثم أخرجت علبة سجائرها واستلت منها واحدة قدمتها إليه فأخذها، ثم استلت واحدة أخرى وضعتها بين شفتيها وقالت:
ـ تولع ولا أولع أنا؟
لم يظهر عليه أي تعبير سوى التجهم، ثم أخرج قداحته من جيب قميصه وقربها منها فأمسكت بيده وهي تميل للأمام بوجهها حتى أشعلت السيجارة، فأشعل خاصته ثم أعاد القداحة إلى جيبه ونظر إليها فإذ بها تقول:
ـ تعرف أنا ليه طردت نغم من السنتر؟
هز رأسه مستفهمًا وتحرك بروز عنقه بتوتر وهو يسأل:
ـ ليه؟
سحبت نفسًا عميقًا من السيجارة ونفثته أمامها ثم قالت بثبات:
ـ لطشت جوز عميلة مميزة عندي.
احتقن وجهه وفارت الدماء بعروقه وأصدر صوتًا مستنكرا ثم قال:
ـ إيه اللي بتقوليه ده؟
ـ عارفة إنك صعب تصدق، بس دي الحقيقة، نغم كانت بتشوف الزباين عندي هاي كلاس أوي ومعاهم فلوس كتير فكانت بتبص لهم وتقول ياه لو أبقى مكانهم، وبالفعل ده اللي عملته، لافت على جوز عميلة عندي وخطفته منها ولما مراته عرفت طلبت الطلاق وهو طبعا جاب ورا وقطع علاقته بنغم و اداها استمارة سته، وأنا لما عرفت كده طردتها فورا.. مانا معنديش استعداد أخسر زبونة مهمة زي دي عشان نغم أو غيرها.
وقف حسن بغضب وهو يشعر بجسده كله ينتفض من هول الموقف وكان على وشك الثوران كبركان غاضب، فوقفت فيفي واقتربت منه، ثم وضعت يدها على صدره وهي تقول:
ـ أنا مش قصدي أضايقك أو أسخنك عليها صدقني، أنا كل اللي عاوزاه إنك تفوق لنفسك ولحياتك وتبطل تدور عليها، صدقني هي لو عاوزة ترجع كانت هترجع، هي مش عيلة صغيره، وزي ما قولتلك في الأول خالص، أنا عاوزاك معايا، هتبقى السواق الخاص بتاعي وهتيجي معايا أي حفلة أو تكريم.. يعني منك سواق ومنك بادي جارد.. وكل اللي انت تأمر بيه هيكون تحت رجليك، بس انت تقول موافق.
خرج حسن من مكانها وهو مكفهر الوجه، يشعر بالغضب يسيطر على حواسه وكامل جوارحه.
~ عودة للحاضر ~
وبينما هو يسترجع ما حدث للأمس وجد نفسه تلقائيا يلتقط هاتفه ويقوم بالاتصال بها، فأجابته بصوت ناعم ناعس مغوي للغاية وقالت:
ـ صباح الخير يا حسن؟ يارب تكون فكرت.
ليجيبها حسن بعدما أطلق تنهيدة طويلة:
ـ أيوة فكرت، أنا موافق.
***
كان فريد لايزال منتظرا أمام باب الغرفة بالرواق، ثم أخرج زجاجة الكحول من جيبه وأخذ يرش على يديه وملابسه وهو يشعر بالاستياء والضيق، وبينما هو يمارس طقوسه الوسواسية تفاجأ بوالده الذي يتقدم عليه وعلى وجهه ترتسم أمارات التعجب ثم قال:
ـ غريبة، متوقعتش إنك موجود هنا، مكنتش أعرف إنك مهتم بالبنت أوي كده.
صمت فريد لقليل، ثم أضاف وهو يدس يديه بجيبه مجددا وينظر نحو الغرفة بلا اكتراث:
ـ مش مهتم بالبنت، مهتم باخويا.
كانت تلك الكلمات بمثابة تذكير من فريد لأبيه أنه لازال يمارس دوره كأخ أكبر ولم يتنصل منه كما أخبره سابقا، فأطلق سالم زفرة مستاءة ثم قال:
ـ البنت كويسة؟
رمقه فريد بنظرة جانبية وقال:
ـ أيوة.
ـ اتكلمت معاها؟
نظر إليه فريد وهو يعقد ذراعيه خلف ظهره كما يفعل والده تماما وقال:
ـ بخصوص إيه؟
ـ بخصوص التنازل! أومال إحنا بنعمل كل ده ليه؟
ارتفع حاجبي فريد وهو لايزال محافظًا على برودة نظراته وهدوئه، ثم قال:
ـ متقلقش، كده كده هتتنازل.
انتبها لاقتراب الأستاذ نادر منهما، فنظرا نحوه باهتمام، إلى أن توقف أمامهم وهو يقول:
ـ صباح الخير يا جماعة، ها.. البنت فاقت ولا لسه؟
تحدث سالم قائلا:
ـ أيوة فاقت.
ـ تمام إحنا لازم نتكلم معاها دلوقتي حالا ونتأكد من موقفها لأنهم هياخدوا أقوالها النهاردة أكيد وبناءً عليه يا إما المحضر يتقفل وعمر بيه يخرج، أو يتنقل للنيابة وتبقى قضية.. خصوصا إن عاصم بيه اللي كنا ضامنينه وشبه حاطينه في جيبنا اتنقل فجأة والظابط اللي جه مكانه راجل رزيل وعنده حقد طبقي رهيب، وطبعا مش قادر أوصفلك يا سالم بيه معاملته ازاي مع ولاد الناس الأغنيا، بيكرههم كأنه ليه تار بايت عندهم.
زفر سالم وهو يمسح وجهه ويتمتم مستغفرًا ثم قال:
ـ أصل الحكاية كانت ناقصة!! طب وبالنسبة لحمدان الأسيوطي، ده وعدني إنه هيتدخل ويحل المشكلة.
زم المحامي شفتيه قائلا:
ـ حمدان الأسيوطي لو اتدخل وحل مشكلة المخدرات مش هيقدر يعمل حاجه تاني، الموضوع لازم يتحل من بابه والبنت تتنازل رسمي.
أومأ سالم مركدا ثم قال:
ـ أنا هعتمد عليك في النقطة دي يا متر، قوللها اللي اتفقنا عليه.
ـ متقلقش حضرتك أنا مظبط كل حاجه.
لم يصب فريد كامل تركيزه معهم، لأن ما كان يشغله شيئا آخرا تماما.
ثوانٍ وانفرج الباب وخرجت الممرضة التي حانت منها التفاتة سريعة نحو فريد، ثم قالت:
ـ تقدروا تتفضلوا.
دخلوا ثلاثتهم ففزعت نغم وأجفلت بمكانها، حتى أنها كانت على وشك الاعتراف بالحقيقة لكي تتخلص من ذلك التوتر الذي يصيبها كلما رأت أحدا منهم، ولكن الابتسامة المرسومة على وجه هذين الرجلين طمأنتها قليلا خاصةً عندما تحدث أحدهما وقال:
ـ ها يا بنتي أخبارك إيه النهارده؟
نظرت نغم إلى الرجل ذو الشعر الأبيض الذي يحدثها بود بالغ، ثم قفزت عينيها تلقائيا نحو الآخر الذي يطالعها بتحفز، وتسارعت دقات قلبها بتوتر وهي تقول:
ـ الحمد لله.
تمتم سالم بهدوء وقال:
ـ الحمد لله.
ونظر إلى فريد متسائلا:
ـ نتيجة الأشعة ظهرت ولا لسه؟
وقبل أن يجيبه فريد انفرج الباب ودخل الطبيب الذي ابتسم مرحبًا بهم وقال:
ـ صباح الخير، إيه الأخبار؟
وجه سؤاله إلى نغم التي قالت بهدوء:
ـ كويسة.
هز رأسه بتفهم، ثم نظر إلى تلك الورقة المعلقة على حامل بمقدمة السرير، وقرأ تلك الملاحظات المدونة بها، ثم نظر إليهم وقال:
ـ للأسف صورة الطبقي المحوري أثبتت وجود ضرر بنسبة كبيرة في مركز الذاكرة في المخ، و ده يعني إن المريضة بتعاني من فقدان ذاكرة جزئي، وطبعا زي ما حضراتكم أكيد عارفين في الحالة دي المريض بيبقا مش قادر يتعرف على هويته ولا قادر يسترجع ذكرياته القديمة، بس بيبدأ مع الوقت يفتكر مواقف وأشخاص بصورة عشوائية، يعني ممكن بكرة تفتكر موقف من وهي طفلة عندها عشر سنين، وبعد بكرة تفتكر زميلة ليها كانت معاها في المدرسة، والأسبوع الحاي تفتكر يوم الحادث، وهكذا بتبدأ تستعيد ذاكرتها واحدة واحدة لكن بشكل عشوائي، وفي الحالة دي المقربين من المريض بيكون ليهم دور مهم جدا انهم يساعدوه عن طريق انهم يفكروه بمواقف بينهم، أو يعرفوه على ناس كانت بتربطه بيهم صداقة قديمه، كل دي حاجات بتساعد إن المخ يعمل فلاش باك.. وده بيساهم بصورة كبيرة في سرعة تماثل المريض للشفاء.
كانت نغم تستمع إلى ما قاله الطبيب بصدمة! كيف أثبتت الأشعة أنها فاقدة للذاكرة وهي تتمتع بذاكرة جيدة تستطيع من خلالها تذكر أحداث حدثت بالقرون الوسطى!! هل هذا يعني أنه أدرك خدعتها وقرر أن يجاريها؟ لذلك سألها هل هي مصممة أنها فاقدة للذاكرة؟ لأنه يعلم أنها تكذب؟ لا تفسير لما يحدث أقرب من هذا التفسير بصراحة!
أكمل الطبيب حديثه الذي لم تفهم منه نغم شيء على الإطلاق، وكل ما استوعبته في هذه اللحظة أنها وقعت بين شقيّ الرحى، فبعد أن كانت تواجه مشكلة واحدة وهي كيفية الهروب من قبضة ذلك الفريد الذي يتوعدها بصمت، والهروب من حسن الذي ينتظرها لكي يسفك دمها أو يتزوجها عنوة، انضم إلى قائمة همومها هم آخر وهو كيفية التعامل كفتاة مهذبة فاقدة للذاكرة بشكل واقعي لكي لا تثير شكوكهم التي هي موجودة بالفعل.
لم يغفل فريد عنها وعن الصراع الرازحة تحت وطأته، وود لو أنه يجلس معها جلسة مصارحة لدقيقتين اثنتين، ويعرف منها المعلومة التي ي يرغب في معرفتها، وهي… من وراء كل ذلك؟ من الذي دفعها لفعل كل ذلك؟ وما الفائدة التي ستعود عليه من تشويه صورته وصورة عائلته؟ الأمر بسيط للغاية، هذا كل ما يود معرفته.
بالأساس هو لم يكن راغبًا في خوض كل تلك الأكاذيب والمهاترات، ولكنها من بدأت.. إذًا فلتستعد لخوض مباراة مسلية جدًا سيكون هو الحَكَم الوحيد فيها، وهو من سيطلق صافرة البداية، وصافرة النهاية، والبقاء للأصدق!
خرج الطبيب، فنظر إليها سالم قائلا:
ـ طبعا بعد كلام الدكتور فانا عايز أقوللك متقلقيش من أي حاجه، بيتي هو بيتك تقدري تقعدي عندي لحد ما تتحسني وتوصلي لأهلك، ومصاريف علاجك أنا متكفل بيها كلها بس أهم حاجة نلم الموضوع.
لقد كان عرضًا مغريًا بحق، هي في الواقع لن تستفيد شيء إذا قررت التمسك بحقها، بالإضافة إلي أنها حتى لو حاولت ستفشل لأنها ستكون ضدهم بمفردها، يعني أنها ستخوض حربًا غير متكافئة بالمرة، وستكون هي الخاسرة الوحيدة.
وبما إنها لن تفلح في إيقاف الأمواج فعليها ركوبها، طالما أنها لن تستطيع تغيير الأمر الواقع فعليها استغلاله لمصلحتها، وبما أنه يعرض عليها البقاء بمنزله فلمَ لا؟ على الأقل ستكون قد ضمنت وجود منزل من أربع جدران يأويها لحين ميسرة، حسنًا هي ستضطر للوجود مع صاحب العينين المتوعدتين تحت سقف واحد ولكنه لن يفلح في إيذائها وهي موجودة بين عائلته، إضافة إلى أنها تملك الآن حصنًا وهو فقدان الذاكرة، ويمكنها الاختباء خلفه بصورة مؤقتة ريثما تنقشع الغمة.
ـ آنسة.. انتِ معانا؟
استمعت إلى صوت المحامي ينبهها فنظرت إليه، ثم نقلت عينيها بينهم سريعا، ثم تنهدت وقالت:
ـ أنا موافقة أتنازل.
تنهد سالم بارتياح وظهرت فوق وجهه أمارات الرضا والارتياح، ثم تمتم:
ـ عال أوي، ودلوقتي المتر نادر هيقولك تقولي إيه بالظبط عشان نضمن إن المشكلة تتحل بسرعة.
هزت رأسها باستسلام فحمحم نادر ثم قال:
ـ بصي يا آنسة، دلوقتي حالة فقدان الذاكرة اللي معاكي جزئية، يعني وارد تكوني فاكرة يوم الحادثة واللي حصل فيه فقط ومش فاكرة أي حاجه تانية حصلت قبله.
توترت فور أن ومض عقلها بما حدث في الحفل، ونظرت إليهم بارتباك وقالت مسرعةً وكأنها تنفي تهمة التصقت بها:
ـ بس أنا مش فاكرة أي حاجة حصلت يوم الحادثة.
حاول فريد أن يُبقي تركيزه مُنصبًا على كلام المحامي وألا ينفجر ضاحكًا بسبب ذلك الهلع الذي تسبب في اتساع بؤبؤي عينيها البنيتين، واستمع إلى المحامي وهو يقول:
ـ أنا عارف، بس انتِ هتقولي إنك فاكرة اللحظات اللي قبل الحادثة كويس، انتِ كنتي بتجري وبتعيطي والدنيا سودا قدامك وفجأة العربية دي كانت جاية على بعيد ولقيتي الشيطان قفلها في وشك ورميتي نفسك قدامها وعمر ملحقش يتفاداكي!
نظر فريد إلى المحامي ووالده بصدمة! ماذا يطلبون منها؟ أن تقل شيئا لم يحدث في سبيل خروج عمر؟ ألا يكفيهم أن تتنازل؟ يريدون أن تظهر وكأنها هي من ألقت بنفسها أمام السيارة وحاولت الانتحار؟! ما كل هذا التجبر والظلم؟
ـ أنا موافقة.
قالتها باستسلام فنظر إليها فريد مصعوقًا، هل ستعترف بما يطلبونه فعلا بكل تلك السهولة؟ حسنًا إذا كانت قد قبلت أن تحتال عليه هو شخصيا مقابل المال بالتأكيد فلا عجب أن تقبل بأي شيء آخر، حتى لو كان ذلك الشيء هو أن تفتري على نفسها وتعترف بشيء لم تفعله.
نظر المحامي إلى سالم بانتصار وتنهد الآخر بارتياح نسبيا، ثم قال المحامي:
ـ عظيم، وكلمة شرف من سالم بيه، أول ما عمر بيه يخرج من الحبس ويرجع البيت انتِ كمان هتخرجي من المستشفى وأنا بنفسي هوصلك بعربيتي على ڤيلا سالم بيه وهناك هيكونلك غرفة لوحدك وهيوفرلك كل اللي تحتاجيه من أكل وشرب وعلاج ولبس لحد ما تتعافي تماما وانتي بنفسك اللي تطلبي إنك تمشي.
أومأت نغم بعدم ارتياح، ونظرت إلى فريد الذي يغادر الغرفة دون كلام، وشعرت أنها الآن فقط قادرة على التنفس، بينما نظر سالم إليها وقال:
ـ احنا لازم نمشي دلوقتي بس هنتابع معاكي أول بأول متقلقيش، أهم حاجة متنسيش اللي اتفقنا عليه.
هزت رأسها بموافقة، فغادرا وفور أن أُغلق الباب أطلقت سراح تنهيدة كانت محتبسة برئتيها منذ بداية اللقاء، ثم أسندت رأسها على الوسادة من خلفها وأغمضت عينيها، وسالت دمعتها على جانب خدها وهي تتسائل:
ـ الأيام لسه مخبية ليكي إيه يا نغم!!
رواية محسنين الغرام الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نعمة حسن
لا تنسَ أن راعي قطيع الخراف يحميهم من الذئاب ويطعمهم، ثم إذا حان وقت الحاجة يذبحهم دون أن يرف له جفن، لذا فعليك أن تحدد موقعك من البداية، إمّا أن تكون راعيًا تتحكم في مصير قطيعك، أو ذئبًا تتحين الفرصة للفتك بمن هم أضعف منك، أو خروفًا يتم تسمينه ليصير كبش فداء في النهاية.
دوّن فريد هذه الكلمات على مدونته الإلكترونية، ثم أغلق حاسوبه ووضعه إلى جواره على الفراش.
نهض لكي يستعد ويذهب إلى الشركة، فلقد انقضت إجازته الأسبوعية سريعًا وعليه أن يستأنف عمله بهمة ونشاط.
رتب فراشه جيدًا، ثم قام بتعقيمه بواسطة آلة التنظيف بالبخار.
دخل إلى الحمام، خلع ملابس نومه وقام بطيّها قبل أن يضعها بصندوق الملابس المتسخة.
دخل كابينة الاستحمام ووقف أسفل مرذاذ الماء، وأسقط رأسه للخلف وهو يعقد ذراعيه أمام صدره وكفيه المتقاطعان يرتكزان على عضديه.
أغمض عينيه باسترخاء وهو يشعر بقطرات المياه الساخنة تتسلل إلى عقله وتختلط بدماءه، مما جعله يشعر بذلك الضغط الذي يعانيه منذ فترة وقد بدأ يهدأ تدريجيًا.
رفع درجة حرارة الماء وهو لا يزال على نفس الحالة، فهو بحاجة ماسة إلى السيطرة على تلك الضغوط التي تعبث بحياته وتستولي على كامل اهتمامه وتركيزه.
رن منبهه الذاتي بعد خمس دقائق، فأوصد المياه.
التقط مئزره وارتداه وخرج ليتوجه نحو المرآة.
وقف أمامها وسحب مجفف الشعر من حامله المخصص، ثم بدأ بتجفيف شعره الذي قد بدأ يطول قليلاً عن المعتاد.
ترك المجفف والتقط ماكينة حلاقته اللاسلكية وبدأ بتقصير شعره ومن ثم حلق ما نما من لحيته.
أخذ يطالع مظهره النهائي بتقييم، وبعد أن منح نفسه عشر علامات كاملة قام بترتيب تلك الفوضى التي أحدثها وأعاد كل غرض إلى مكانه.
عاد ليأخذ حمامًا جديدًا عوضًا عن ذلك الذي أفسده.
بعد قليل..
خرج من الحمام ودخل إلى غرفة ملابسه، والتقط حلةً رمادية اللون، ثم ارتداها.
وقف أمام دُرج الساعات الخاصة به، وانتقى ساعة ذات إطار دائري بمينا زرقاء ماركة آرماني.
وقف أمام خزانة عطوره الخاصة والتقط زجاجة من ماركة ديور سوفاچ، نثر منها على جانبي عنقه، ثم على معصميه، وعلى مقدمة السترة، وأعادها حيث كانت.
أخذ ينظر إلى نفسه في تلك المرآة المطولة بزاوية الغرفة وعلى وجهه ترتسم علامات الرضا.
غادر الغرفة، التقط أغراضه وحقيبة حاسوبه، ثم خرج بعد أن أطفأ الضوء.
وقف أخيرًا يحتسي قهوته قبل المغادرة وهو يجري اتصالا بالمحامي.
"صباح الخير يا أستاذ نادر."
استقبل صوته على الجهة الأخرى وهو يقول متحمسًا:
"صباح النور يا فريد بيه، كنت هكلمك حالا."
"قوللي إيه الأخبار؟"
"الأخبار تمام وزي الفل، أنا في طريقي لقسم الشرطة، هخلص شوية إجراءات ونخرج أنا وعمر بيه إن شاء الله."
"تمام.. على خير إن شاء الله."
"إن شاء الله سعادتك، وأول ما نخرج هخليه يكلمك."
"طيب والبنت؟"
تساءل فريد بعد تردد، ليجيبه الآخر بنبرة الواثق:
"هوصل عمر بيه وهرجع لها المستشفى أخدها ونروح على الڤيلا، متقلقش أنا وسالم بيه مظبطين كل حاجه."
أومأ فريد بهدوء وهو يردد:
"تمام يا متر، ربنا معاك."
أنهى فريد الاتصال تزامنًا مع آخر رشفة من فنجان قهوته، ثم غادر المنزل واستقل سيارته متجهًا نحو مقر الشركة.
***
استيقظ حسن من نومه على إثر اهتزاز الهاتف أسفل رأسه، وأخذ يحدق به بنصف عين ليتبين هوية المتصل، فإذا به يجده رقمًا غير مسجل، فأجاب الاتصال فورا وقال:
"ألو.. مين معايا؟"
لم يصله الرد، فكرر سؤاله بقلق ولهفة:
"ألو؟؟ مين انتَ ولا انتِ؟?"
استمع إلى صوت أنفاس متهدجة ومن بعدها انتهت المكالمة، فأخذ يتطلع إلى الهاتف باستغراب وهو يقول:
"ده مين اللي بيستظرف على الصبح؟"
ثم وكأنه برق بخياله أملًا جديدًا، وراح يحدق بالهاتف بغير تصديق وهو يردد:
"معقولة تكون نغم؟?"
ارتسمت الابتسامة على شفتيه بغتةً، وقام بالاتصال بنفس الرقم من جديد وقال:
"نغم.. انتِ نغم مش كده؟"
استمع لنفس الأنفاس مجددًا دون إجابة، فقال والأمل يتراقص بقلبه:
"أنا عارف إنك نغم، وعارف إنك خايفة مني عشان كده مرجعتيش، بس أنا.."
تنهد ثم أردف بجدية:
"أنا بحبك يا غبية وعمري ما هاذيكي صدقيني، انتِ بس ارجعي وأنا أقسم بالله ما هاضايقك تاني ولا هاجي يَمك، بس عشان خاطري ارجعي."
انتهى الاتصال مجددًا فجأة، فكرر الاتصال ولكن وصلته تلك الرسالة المسجلة التي سمعها والتي كان مفادها أن الهاتف مغلق، مما جعله يدور في أرجاء الغرفة وهو يفكر بتيه وشرود، وأخذ يحدث نفسه قائلاً:
"بتلاعبيني يا نغم؟ معلش.. الصبر جميل وأنا متأكد إنك هترجعي."
أجفل عندما اهتز الهاتف بيده مجددًا، فنظر إليه مسرعًا ولكنه وجده اتصالا من السيدة فيفي، فأخذ يفكر بتردد قليلاً ثم أجاب:
"ألو؟?"
"صباح الخير يا حسن."
"صباح الخير يا مدام فيفي.."
"ها..؟ هتوصل إمتى؟"
صمت قليلاً يفكر، في الواقع هو غير متأكد من تلك الخطوة، صحيح أنه كان يفكر في العمل معها واستغلال عرضها المغري ولكنه لم يستطع تجاوز ما قالته عن نغم، وبالرغم من أنه لم يستطع الجزم بأن ما قالته حقيقيا مئة بالمئة، ولكنه كذلك لم يستطع الجزم بأنه كذب وادعاء. هو الآن مصاب بحالة متقدمة من التشوش والتخبط وليس واثقًا من أي قرار سيتخذه.
"أنا.. بصراحة يا مدام فيفي أنا كنت محتاج كام يوم أفكر في الموضوع تاني، وأخد وأدي مع نفسي كده لأن دماغي مشغولة في كام حوار ومش عارف أرسى على بر دلوقتي."
صمتت فيفي للحظات، ثم برز صوتها المغناج يقول مدعيةً التفهم:
"براحتك يا أبو علي، أنا مش هضغط عليك. بس في أي وقت تحب تشتغل معايا أنا موجودة في مكاني ورقمي معاك."
تنهد براحة لأنه استطاع التحرر من قبضتها، ثم شكرها وأنهى الاتصال.
التقط علبة سجائره وخرج من البيت، جلس على عتبة باب الدار وأشعل سيجارة ثم أخذ ينفث دخانها وهو يفكر، هل نغم هي من اتصلت قبل قليل؟ بالتأكيد هي، تلك التنهيدات المهمومة لن يخطئها أبدًا، هل اشتاقت إليه؟ بالطبع وإلا فلما اتصلت؟
"ما هي ممكن متصلة على أساس التليفون مع أمي، هي يعني هتعرف منين إن تليفونها معايا! بلاش توهم نفسك يا حسن."
قالها حسن وهو يلقي عقب السيجارة أرضًا، ثم دعسه بنعليه، ومن ثم أشعل واحدةً غيرها وهو يتمتم:
"طب وبعدين يا حسن، هتفضل حاطط إيدك على خدك كده زي الولايا ومستنيها ترجع؟ ماهي طول ما هي خايفة منك مش هترجع! وبعدين مش يمكن كلام فيفي دي صح وتكون شافت لها شوفه من ساعتها؟"
نفض رأسه يحاول نفي تلك الشكوك التي تساوره وهو يقول:
"ازاي بس تفكر بالطريقة دي، إيشحال ما كنت انت اللي مربيها وعارف هي على إيه، طيب وفيفي دي هتكدب ليه؟ إيه مصلحتها في كده؟"
أسند رأسه على يديه بحيرة وشتات، قبل يوم فقط كان مقتنعًا تمام الاقتناع بما قالته فيفي حتى أنه كان سيقبل بالعمل لديها، أما الآن.. وبعد سماع تلك التنهيدات من حبيبته الهاربة فهو لم يعد متأكدًا من شيء، تناسى ما قالته فيفي وتناسى كل الغضب الذي كان يشعر به، وما تبقى في النهاية هو عشقه الذي لا ينتهي لنغم، ثم تنهد وهو يغمغم بتخبط:
"أنا مبقيتش عارف حاجة، كل حاجة بقت مش مفهومة، المهم دلوقتي إن نغم ترجع والباقي مقدور عليه."
دخل المنزل مجددًا، ليجد والدته تجلس على الأرض بعد أن أنهت صلاتها، توقف أمامها للحظات، ثم استسلم وتوجه نحوها، مال على رأسها يقبله ثم قال:
"ادعيلي ياما، وحيات حبيبك النبي ادعيلي."
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه ولم يحصل منها على إجابة، فأدرك أنها لا تزال غاضبة منه بعد ما قاله بالأمس، ولكنه كالعادة لا يجيد الاعتذار، وهي تعرف ذلك لذا فهي لا تنتظر منه اعتذارًا، تعرفه صلب الطبع، صعب المراس، قلبه ميت منذ زمن، ولولا وجود نغم بداخله لكان قد تعفن واندثر أثره.
تركها حسن ودخل غرفته وأوصد الباب خلفه، فاستدارت تنظر إلى الباب الموصد بعينين مشفقتين وأخذت تردد بخفوت:
"ربنا يهديك ويجبر بخاطرك يا حسن يا ابن عيشة ويبعد عنك شياطين الإنس والجن."
ثم تنهدت واستطردت:
"ويحميكي يا نغم ويردك لحضني بالسلامة."
***
كانت نادية تقف أمام غرفة عمر حيث تقوم الخادمة المسؤولة عن التنظيف بترتيبها وتجهيزها لاستقبال عمر اليوم، ثم ابتسمت برضا وراحة، وذهبت إلى حيث غرفة چيلان.
طرقت الباب فسمعت صوت چيلان من الداخل تدعو الطارق للدخول، ففتحت الباب لتجدها جالسةً أمام طاولة زينتها وهي تضع قرطيها وعلى ما يبدو أنها قد استعدت للمغادرة.
"صباح الخير يا چيچي.."
"صباح النور يا مامي.."
"إيه ده انتِ خارجة النهارده؟ مش هتستني تشوفي عمر؟"
انحنت چيلان ترتدي حذائها وهي تقول:
"لأ عندي شغل كتير النهارده، أشوفه لما أرجع."
تجهم وجه نادية باستياء، هي تعرف ابنتها ذات الرأس الغبي، حتى لو تصارع الموت ستذهب إلى العمل، ليس لإخلاصها أو التزامها، ولكنها لا تفوت فرصة لرؤية السيد فريد أبدا. وتنهدت ثم قالت:
"اوكي بس أكيد الشغل مش أهم من اخوكي، الشغل يستنى."
كانت چيلان قد انتهت ووقفت تطالع هيئتها الساحرة أمام المرآة، وامتدت يدها تهندم خصلاتها الشقراء بعناية وهي تقول لوالدتها:
"دي مش أول مرة عمر يغيب عن البيت كام يوم يا مامي، كأنه كان مسافر في أي مكان ورجع.. لما أرجع هقعد معاه متقلقيش.."
التقطت حقيبتها وحقيبة الحاسوب خاصتها، ثم تقدمت من أمها التي تقف بجوار الباب، وطبعت قبلة على خدها ثم غادرت بصمت.
نزلت درجات السلم فاستوقفتها حركة غريبة بإحدى غرف الطابق الأرضي، والمخصصة لاستقبال الضيوف، فسألت مدبرة المنزل قائلةً:
"خير يا زينب؟ بتعملوا إيه كده!"
فأجابتها زينب بصوتٍ وقور:
"الباشا أمرنا نفتح أوضة من أوض الضيوف ونجهزها علشان في ضيفة جاية النهارده."
تغضن جبينها بضجر وانصرفت بصمت، وما إن غادرت الڤيلا واستقلت سيارتها حتى أخذت تتمتم بضيق واستنكار:
"مبقاش غير الجرابيع ييجوا يعيشوا معانا في بيت واحد كمان، إنسان متسلط وأناني."
قامت بالاتصال بفريد ولكنه كالعادة لم يجب اتصالها من أول مرة، فكررت الاتصال وهي تحاول تنظيم أنفاسها الحانقة وتعد بداخلها من عشرة إلى واحد، وما إن استمعت إلى صوت فريد يجيبها حتى هتفت بضجر:
"فريد إنت موافق على اللي هيعمله أنكل سالم؟"
لم تستمع سوى إلى صمت.. يعقبه زفرة مستاءة.. وبعد طول انتظار جاءها صوته الذي يشبه في بروده كرة ثلج وهو يقول:
"صباح الخير يا چيلان."
فقابلت هي بروده بغيظ أكبر وهتفت بحنق:
"مش خير، مش خير أبدا.. أنا بجد مش لاقيه داعي لوجود البنت دي في الڤيلا! هي مش خلاص اتعالجت وبقت كويسة؟ لزمتها إيه بقا تيجي تعيش معانا في الڤيلا! هي حياتنا ناقصة لخبطة!"
وسكتت وهي تسحب نفسا عميقا ليقابل انفعالها بنفس بروده السابق ويقول:
"البنت مش فاكرة أي حاجة فأكيد مش هنرميها في الشارع ونقولها خلاص شكرا كتر خيرك، ومتنسيش ان لولا هي تنازلت مكانش عمر خرج، تفتكري نرد لها الجميل ده إزاي؟ نسيبها في المستشفى مثلا لما يبان لها صحاب؟"
رفعت حاجبيها المنمقين بغيظ من رده الذي لم يواتِ توقعاتها أبدا، وهتفت بضيق أكبر:
"واضح إنك مرحب بالفكرة جدا!"
فأجابها بما أثار ضيقها وغضبها:
"جربي انتي كمان تكوني منصفة جايز وقتها ترحبي بالفكرة زيي."
وأنهى الاتصال لئلا يستسلم لكمية النقد اللاذع الذي يطوف فوق لسانه فيزعجها أكثر، بينما هي أخذت تنظر للهاتف بيدها وهي تحاول استيعاب أنه أنهى الاتصال دون أن يخبرها، وأنه تعامل معها بتلك الفظاظة فعلا، وصرت على أسنانها بغيظ وهي تتمتم:
"إنسان قليل الذوق.."
ثم ضربت المقود بيدها بغضب جامح وتابعت:
"بكرهك يا فريد."
قطعت المسافة المتبقية في صمت إلى أن وصلت أمام مقر الشركة، صفت السيارة وأخذت أغراضها ثم نزلت وصفقت باب السيارة بضيق، ودخلت تطرق الأرض بكعبي حذائها بانفعال واضح للجميع، مما جعل كل من يراها يتجنبها ويفسح لها المجال لكي لا تطاله عاصفتها منذ الصباح.
صعدت إلى الطابق الموجود به مكتب فريد وهي تنوي الدخول إليه ومراجعة تصرفه المفتقر للذوق والكياسة، وبينما هي تهم بفتح الباب اصطدمت بأيمن الذي كان يخرج من المكتب مما جعلها تهتف به بحدة وصوتٍ عال:
"انت مبتشوفش قدامك انت كمان؟"
نظر إليها أيمن بضيق وتمتم متأسفًا ثم تنحى جانبًا لكي يسمح لها بالدخول، فدخلت وصفقت الباب بوجهه وخطت للداخل حتى وقفت أمام مكتب فريد، ثم عقدت يديها أمام صدرها وقالت بانفعال:
"ممكن أعرف إيه اللي عملته ده؟ إزاي تقفل في وشي وأنا بكلمك؟"
رفع فريد رأسه ببطء من على الورق المكدس أمامه، ثم طالعها بوجه يرتسم العبوس الكامل على ملامحه وقال:
"كام مرة قولتلك تستأذني قبل ما تدخلي وتبطلي الفوضى اللي انتِ فيها دي؟"
تقدمت خطوة أخرى نحوه وقالت بصوت أشبه بالهزيمة:
"فريد إنت ليه بتعمل معايا كده؟"
هز رأسه مستفهمًا فأجابت بصوت مضطرب لأبعد حد:
"ليه مصمم تهزني وتفقدني ثقتي بنفسي؟!"
قطب حاجبيه متعجبًا قولها، ولم يعقب فاستطردت هي قائلةً:
"ليه مصمم تتجاهلني وتبينلي إني مش فارقة معاك؟"
ثم تابعت وهي تجاهد لئلا تعبر دمعاتها إلى خدها فخرج صوتها مهزوزا:
"ليه مش قادر تحبني زي ما بحبك؟!"
تنهد هو الآخر بضيق، فأكثر ما يمقته هو الضعف، والاستسلام لتلك المشاعر السخيفة.. أي حب وأي هراء؟ الحب سمة الضعفاء التافهين الأغبياء. هو لا يعترف بذلك الشيء الأحمق الذي يسمونه الحمقى حب أبدًا. كان يشعر بالضيق فعلا لأجلها، فبالرغم من أنه يكره والدتها ويكون مجبرًا على التعامل معها بلباقة لأنها زوجة والده، إلا أنه يشعر بود حقيقي نحو چيلان وچوليا.. يكفي أنهما شقيقات شقيقه.. ويكفي أن شقيقته تكن لهما الحب وهما كذلك تحبانها بصدق.. ولأنه يشعر بالود نحوها فهو يكره أن يراها بتلك الحالة المثيرة للشفقة!
تنهد ووقف من مكانه ثم سار خطوات نحوها ووقف على بعد سنتيمترات وهو يمد يده لها بمنديلٍ ثم قال:
"ممكن تهدي؟ اهدي وخلينا نتكلم بالعقل."
التقطت منه المنديل وأزالت آثار دموعها ثم نظرت إليه تتفحص ملامحه التي تعشقها عن قرب، ثم اقتربت نحوه خطوة فكان هو أسرع منها حيث تراجع خطوتين للخلف وقال:
"چيلان من فضلك.."
اقتربت منه مجددا وهي تقول بضعف:
"فريد أرجوك حس بيا.. والله بحبك.."
تراجع للخلف مجددا واشتعلت رأسه من فرط الهواجس والارتباك، فأشهر سبابته بوجهها محذرًا وهو يقول:
"چيلان انتِ عارفة كويس إن مينفعش تتعاملي معايا بالطريقة دي، من فضلك بلاش تجبريني إني أجرحك."
ثبتت بمكانها وتراخى كتفيها في هزيمة واضحة وتهاوت تلك الدمعات التي كانت تحبسها طويلا، فتشبحت عيناها الزرقاوتين بالحمرة وهمست إليه بيأس:
"تجر حني؟ إنت مبتعملش حاجة غير إنك بتجرحني يا فريد، في كل مرة بتتعمد تتجاهلني وكأني هوا في حياتك إنت بتقتلني بالبطيء مش بس بتجرحني."
زم شفتيه بأسف لكونه يراها في تلك الحالة، ثم أمسك بكتفيها وجعلها تنظر إليه بانتباه، فتجددت آمالها ولكنها تحطمت فورًا على صخرة صراحته إذ قال:
"اسمعيني يا چيلان، أنا محبش أبدًا أشوفك بالحالة دي، انتِ مش قليلة عشان تتصرفي بالطريقة دي، لا أنا ولا أي مخلوق في الدنيا يستاهل تكوني ضعيفة عشانه بالشكل ده.."
"بس إنت تستاهل.. أنا بحبك يا فريد.. بحبك… إنت ليه مش قادر تفهمني!"
"وأنا مش قادر أحبك!!"
ألقاها بقوة فتعلقت عيناها به بذهول، هي كانت تعرف تلك الحقيقة المرة ولكنها لم تتوقع أن يلقيها بوجهها بكل تلك الصراحة الجارحة.
نظر إليها بضيق يغلف نظراته وتابع بمرارة ظهرت جلية في صوته:
"ولا قادر أحب حد."
إذًا هناك أمل.. هو لا يكرهها بعينها، مشكلته ليست معها بالتحديد، بل مع عموم النساء، لذا قطعت صمتها وقالت:
"فريد أنا فاهمة مشكلتك.."
"انتِ مش فاهمة حاجة يا چيلان، أنا نفسي مش فاهم حاجة.. كل اللي أنا فاهمُه إني معنديش أي مشاعر أديها لحد، لا ليكي ولا لغيرك."
خبت بريق الأمل بعينيها وهذا الضجيج المجنون بقلبها انتقل إلى أطرافها التي بدأت في الارتجاف، فتساءل فريد باهتمام:
"انتِ كويسة؟"
هزت رأسها بتأكيد وهي تنسحب من تلك المواجهة التي لم تجنِ منها سوى الخيبة والانكسار، وغادرت المكتب بصمت ينم عن كم الألم الذي يغزو داخلها.
كان فريد ينظر إلى أثرها بصمت وبداخله يشعر بالأسى حيالها، ولكنه بالرغم من ذلك غير نادمًا لأنه أعطاها الحقيقة الكاملة والتي كان يتوقع أثرها، فهو يعرف أن لحظات الوعي مؤلمة، وربما لا يتقبلها العقل، ولكنه يثق كذلك أنها الطريق الوحيد للتغيير.
زفر فريد وهو يسبل جفنيه ويده تمسح على شعره من مقدمة رأسه حتى ارتكزت خلف عنقه، وأخذ نفسًا جديدًا وهو يشعر بالدماء تضخ عبر جسده بقوة، وشبح الوسواس يخترق أنفاسه ويحيط به من كل جانب، فأسرع يتجه نحو مكتبه، فتح الدرج وأخرج زجاجة الكحول ونثر ثلاث أرباعها على يديه اللتين كانتا تستندان على ذراعيها وهو يحاول مواساتها.
ولولا ذلك الاتصال الذي ورده من المحامي لكان أفرغ الزجاجة كلها لكي يخرس تلك الوساوس في رأسه.
***
وقفت نسيم في شرفتها تنتظر مجيء عمر، تحدق بخوف وقلق وهي تحصي اللحظات بنفاذ صبر. فهي في أسوأ حالاتها منذ مغيبه، وبالرغم من أنهما غير متفقان في كثير من الأحيان ولكنها تطمئن لوجوده بجوارها، تعرف أن هناك ولو شخصًا واحدًا عليها أن تثق به ثقة عمياء في هذا المنزل.
انتبهت إلى رنين هاتفها الموضوع على طاولة الشرفة، وكان رقمًا مجهولًا، أخذت تحدق به باستغراب، ثم أجابت:
"ألو؟"
استمعت لتنهيدة حارة أعقبها صوتٍ عميق يقول:
"وحشتيني يا نسيم."
"إنت تاني؟"
"تاني وتالت ومليون، ولو بلكتي الرقم ده هكلمك من رقم تاني، ولو غيرتي رقمك هوصلك بردو.. صدقيني صعب تهربي مني!"
تراقص قلبها بداخلها بخوف وقلق، هي ليس من عادتها أن تتعاطى مع أي شخص، خاصةً إذا كانت لا تعرفه، ولكن الفضول اللعين يقودها لمحاولة معرفة من هذا المعجب الخفي الذي يثق بقدراته كثيرا، وبطريقة أثارت حفيظتها.
"اسمع يا سخيف انت، بلاش توقع نفسك في مشاكل إنت مش قدها أنا بقولك أهو."
استمعت إلى ضحكاته الرنانة، على ما يبدو أنه يسخر منها ومما قالته، ثم قال بنفس هدوءه وثقته المقيتة:
"وأنا عندي استعداد أوقع نفسي في مليون مشكلة عشانك، الكلام ده من قلبي على فكرة."
تعثرت نبضات قلبها، وشعرت بضجة تصدح في صدرها، فأنهت الاتصال سريعا وقامت بحظر الرقم مجددا، لتقع عيناها بالصدفة على تاريخ اليوم!!
إنه يوم ميلادها! لا.. يوم الحكم عليها بالإعدام.. يوم موتها، يوم معاناتها، يوم مأساتها، أي مسمى غير أنه يوم ميلادها.. فهي فقدت كل شيء يمت للحياة بصاة في مثل هذا اليوم قبل ثماني سنوات..
تهاوت الدمعات من عينيها وهي تستحضر تلك الذكرى المحفورة بقلبها للأبد، وشعرت بقلبها يرتطم بصدرها بقوة مخلفًا وراءه فوضى عارمة.
انتزعها من شرودها بوق سيارة المحامي نادر الذي رافق عمر من قسم الشرطة إلى البيت.
فركضت إلى الحمام لكي تغسل وجهها وتستعد للقاء شقيقها، وقفت أمام المرآة تطالع هيئتها الباكية وفجأة كأن المرآة من أمامها قد تحولت إلى مرآة سحرية، جسدت لها ذلك المشهد الذي عاشته قبل ثمان سنوات بحرفية ودقة وجعلتها تعيشه وكأنه حاضرًا مأساويًا..
~ استرجاع زمني ~
وقفت نسيم في الشرفة تراقب سيارة والدها التي تغادر الڤيلا في طريقها إلى العزبة، وما إن غادرت السيارة حتى التقطت هاتفها سريعًا وقامت بإرسال رسالة إلى حازم وأخبرته أن والدها قد غادر وأنها تنتظره على أحر من الجمر.
حازم ذلك الشاب الذي كان يعمل أخصائيًا نفسيًا بدار الأيتام التي أودعها بها والدها وهي طفلة في الخامسة عشرة من عمرها، حينها كان شابًا في الثامنة والعشرين من عمره، اهتم بحالتها حيث كانت تعاني من الرهاب وتقرب منها كثيرا، أحاطها برعايته وحنانه، وشعرت هي بالطمأنينة والألفة في وجوده، فكانت تلجأ إليه في كل أمورها حتى أصبح بالنسبة لها أقرب إليها من نفسها، استعاضت به عن حنان الأب الذي لم تشعر به يومًا، وعن حنان أخويها الذي حرمت منه بدون رغبتها ولا رغبتهما، ودارت الأيام وانقضت سنواتها الثمانية في الدار وقد أصبح حازم بالنسبة لها الرجل الحقيقي، بكل ما تحمله كلمة رجل من معنى، حيث الأمان، السند، الطمأنينة، والاحتواء.
عشقته كفتاة مراهقة طائشة بمشاعر متمردة، وعشقته كأنثى بقلب متوهج متأجج الأحاسيس، وذابت به كامرأة مكتملة النضج تعشق وتنغمس في العشق بكامل جوارحها وتغوص فيه حتى أخمص قدميها.
وحتى بعد أن غادرت الدار وهي في عمر الثالثة والعشرين ظلت على اتصال به، مر بعدها عامين ولم تيأس من محاولاتها للوصول إليه.
كانت هي الطرف الأكثر جرأة وإقدامًا، أخبرته أنها متيمة به، وفي المقابل لم ينكر مشاعره لها، أخبرها أنه يعشقها منذ اللحظة الأولى التي رآها بها، وعلى مدار الثمان سنوات التي قضتهم في الدار كان يرغب في مصارحتها بمشاعره ولكن صغر سنها، وفارق العمر بينهما هو ما منعه.
أخبرته أنها لن تكون لرجل غيره، وأخبرها أنه لن يسمح لامرأة سواها أن تحمل اسمه ولا أطفاله، سيتحدى كل الظروف والمعيقات من أجلها، سيتجاوز كل صعب وكل مستحيل، سيتجاوز حتى سالم مرسال نفسه.
تقدم لخطبتها، ولكن والدها رفضه بداعي فارق السن بينهما، ولأنه لا يليق بمستواها المرموق ولا باسم عائلتها ذائعة الصيت، ولكنه لم ييأس فتقدم لطلب يدها مرات عدة، حتى أنه تواصل مع فريد الذي حاول بدوره إقناع والده ولكنه فشل.
فوجدا أخيرا أن الحل الأمثل أن يتزوجا ويضعانه أمام الأمر الواقع، واتفقا على أن يعقدا قرانهما في اليوم الموافق لعيد ميلادها الخامس والعشرين، سيكون زواجهما هو هدية عيد ميلادها الأجمل على الإطلاق، ستبدأ سنة جديدة من عمرها وهي برفقة شريك حياتها الذي اختارته بقلبها وعقلها وكل جوارحها.
ستهرب من قبضة السجان سالم مرسال ولن تسمح له أن يسلب منها شبابها كما سلب منها طفولتها.
لذا تحينت الفرصة، حتى حل موعد مغادرة والدها إلى العزبة في أول الشهر، وما إن رأته يغادر الڤيلا حتى أسرعت بإبلاغ حازم على الفور.
اتفقا على الالتقاء عند منتصف الليل.. سيقول لها كل عام وأنتِ بخير، كل عام وأنتِ حبيبتي، كل عام وأنتِ زوجتي..
ظلت ترمق عقارب الساعة بفارغ الصبر حتى إذا ما أشارت لانتصاف الليل فحملت حقيبة يدها التي جمعت بها أغراضها الضرورية وخرجت من الغرفة تتسلل إلى الأسفل على أطراف أصابعها.
خرجت من الڤيلا واستدارت حيث أنه ينتظرها بسيارته عند البوابة الخلفية، وما لم يكن في الحسبان، وما لم يكن يتوقعه بشر هو أن تصله فتجده مقيدًا، جاثيًا على ركبتيه وآثار الضرب الوحشي باديةً على وجهه، والحارس الشخصي لوالدها يقف بجواره مصوبًا مسدسه نحوه.
هرعت إليه بصدمة، ولكن تلك النبرة التي قصفت مدويةً باسمها جمدتها بأرضها وجعلتها تتسمر في مكانها دون حراك.
وبعد لحظات مرت عليها كدهر طويل ظهر سجانها، يقف أمامها عاقدًا ذراعيه خلف ظهره بجمود وهو ينظر إليها نظرة جمدت الدماء بعروقها، ثم انتقلت تلك النظرة نحو حازم الذي يجثو أرضًا والدماء تخضب وجهه وتسيل من أنفه.. وبرز صوته كالرعد مدويًا بعدها وهو يقول:
"عاوزة تهربي معاه يا نسيم؟ عاوزة توسخي اسم أبوكي وعيلتك عشان الكلب ده؟!"
تسابقت دمعاتها إلى خدها بخوف ونظرت إليه ترجوه قائلةً:
"بابا أرجوك بلاش تأذيه، عشان خاطري بلاش.. سيبه يمشي وأنا أوعدك هعمل لك كل اللي انت عايزه."
"بعد إيه بقا؟ أنا تحطيني في موقف زي ده؟ كان عندي حق لما مقدرتش أثق فيكي وراقبت تليفونك، لولا كده مكنتش عرفت اللي ناوية عليه انتِ والحيوان ده وكان زمانك هربتي معاه وجبتيلي فضيحة."
حاولت الاقتراب منه، لتستجديه، لتتوسل إليه، ستقبل يديه وقدميه إن لزم الأمر، ستطلب أن يضع ذلك السلاح برأسها ويطلق سراح حبيبها، أن يقتلها ويدعه ليذهب.. ولكن ذلكا الحارسان اللذان قيدا ذراعيها هما من منعاها من الوصول إليه..
فأخذت تبكي بقهر والتياع، وعيناها معلقة بعيني حازم الذي يبتسم إليها في إباء رغم وضعه، وكأنه يهديها الابتسامة الأخيرة، فنظرت إلى أبيها وقالت تتوسله:
"عشان خاطري سيبه يمشي، صدقني هو ملوش ذنب أنا اللي قولتله ييجي.. لو بتحبني سيبه يمشي، أرجووووك.."
لم يُجب نداءها، ولا توسلاتها، لم يأبه لدموعها ورجاءها، بل نظر بكل قسوة إلى منصور وأعطاه الضوء الأخضر ليطلق الرصاص على رأسه أمام ناظريها!!
صرخت، وازداد صراخها وملأ كل الأرجاء.. صرخت بكل قوتها حتى سقطت مغشيًا عليها..
~ عودة للحاضر ~
صرخت وهي تغوص في حالة من اللاوعي قد ابتلعتها وأسرتها بجوفها، صرخت وهي ترى تلك المأساة تتجسد أمامها الآن واقعًا حيًا دمويًا..
وفجأة انفرج الباب ووجدت عمر أمامها، وخلفه چوليا، ونادية التي هرولت نحو مصدر الصوت.
تعلقت عيناها بعمر وأخذت تنظر إليه بغير تصديق وهي تقول:
"عمر، عمر انت هنا؟ انت جيت؟"
أومأ عمر مؤكدا وهو يضمها إليه بقوة ويقول:
"أنا هنا يا حبيبتي متخافيش، أنا جمبك يا نسيم."
ارتمت بحضنه وأجهشت تبكي بانهيار، بينما هو يحاول تهدأتها ويربت عليها قائلا:
"اهدي، علشان خاطري اهدي.."
أسرعت چوليا برفقة عمر تساعدها للخروج من الحمام، ثم أوصلاها إلى سريرها ودثراها بغطاءها جيدًا، جلس عمر عن يمينها وچوليا عن شمالها، وهي تنزوي داخل حضن أخيها الذي يضمها إليه بقوة وقلبه يئن ألمًا على تلك الحالة التي وصلت إليها أخته.. والسبب معروف.. والدهم.. راعي القسوة والجبروت في حياتهم.
وقفت نادية تطالعهم بحزن حقيقي.. الجميع هنا ضحية سالم مرسال.
ثم تنهدت بعجز وقالت بصوتٍ خافت:
"عمر، لما نسيم تهدى قوم خد شاور وغير هدومك دي، بلاش يرجع من بره يشوفك بالحالة دي."
وغادرت إلى غرفتها وتركت أولادها برفقة نسيم يحيطونها ويحاولون تهدئة روعها.
***
كانت نغم تجلس بجوار المحامي نادر بسيارته، حيث ذهب إلى المشفى بعد أن أوصل عمر إلى بيته فورا، وقام بإنهاء الإجراءات اللازمة للخروج وها هو الآن يصطحبها للبقاء بمنزل سالم كما وعدوها.
تلقى اتصالا من سالم فأجاب على الفور:
"أهلا يا سالم باشا.."
ليصله صوت سالم قائلا:
"ها يا نادر إيه الأخبار؟"
"كله تمام يا باشا، الآنسة معايا واحنا دلوقتي في طريقنا للڤيلا.."
"تمام.. أنا كنت في عزا في الشرقية وفي الطريق أهو راجع.. متتحركش من عندك غير لما أوصل لأني محتاجك."
"تحت أمرك يا فندم، توصل بالسلامه إن شاء الله."
لم تهتم نغم لِمَ سمعته لأنها لم تفقه منه شيئًا، وانشغلت عن التفكير اللامتناهي الذي يعيث فسادا برأسها بمراقبة الطريق من نافذة السيارة، وكلما قطعت السيارة كيلومترا جديدا ظهر الرقي والجمال من حولها أكثر، مما جعلها تتساءل.. هل يعيشون في الجنة أم ماذا؟
كانت تسند رأسها على مسند المقعد، وتغوص بجسدها الصغير داخله وهي تحيط نفسها بذراعيها بخوف لا يتبدد.
انتبهت إلى صوت الرجل الذي يجلس جوارها وقد انبعث فجأة كالمذياع فقال موقظًا جميع حواسها النائمة:
"مساء الخير يا فريد بيه.."
اعتدلت بالمقعد بتأهب وكأنه يراها، ثم أرهفت السمع لكي تنصت جيدا إلى ما سيقول.
"أيوة معايا.."
تحفزت نبضاتها، وامتدت يداها تمسكان بطرف المقعد الذي تجلس فوقه تستمد منه الدعم، ولم تتحرك من مكانها ولو قيد أنملة.
"تمام.. عمر بيه وصل من ساعة تقريبا، وكلمتهم وهما مجهزين كل حاجة متشغلش بالك.. مع السلامة."
أنهى الاتصال وأعاد الهاتف حيث كان، بينما هي تراقبه بطرف عينيها بوجل، إلى أن توقف نبضها لثوان حين قال:
"فريد بيه بيطمن عليكي بنفسه."
اللعنة! ثم اللعنة واللعنة واللعنة….يطمئن عليها بنفسه؟ علامَ تدل هذه الجملة؟ وإلى ماذا تشير؟ بالتأكيد لا تشير إلى ما تعنيه أبدا، من مؤكد أن هناك قصدًا مستترا وراءه وهي لا تعرفه حتى الآن!
ابتلعت ريقها على نحوٍ يشي بالرعب الذي تحياه الآن، ثم تساءلت وهي ترجو أن يجيبها بما يهدئ من روعها وليس العكس.
"بيطمن عليا ليه؟!"
نظر إليها متعجبًا سؤالها، ثم أجابها بهدوء:
"بيسأل إذا كنتي وصلتي الڤيلا أو لأ."
توترت أكثر، وكلما هاجمتها فكرة أنها ستعيش برفقته تحت سقف واحد شعرت أنها ستفقد وعيها في الحال.
في الواقع هي تذوب خوفًا عندما تراه لخمس دقائق، فكيف إذا اضطرت لرؤيته عدة مرات في اليوم واضطرت للتعامل معه؟ كيف ستتماسك وتتظاهر بالقوة والثبات؟ والأهم من ذلك، كيف ستبدو مريضة فاقدة للذاكرة فعلا لكي لا ينكشف أمرها أمامه؟ إنها على وشك التصدي لمغامرة تظنها محسومة النتائج.
حمحمت بتوتر تجلي حلقها فنظر إليها نظرة خاطفة ثم قال:
"واضح إن زيك زي ناس كتير بتخاف من التعامل مع فريد بيه مباشرةً."
نظرت إليه باهتمام وانتظرت أن يستطرد قوله فقال:
"بس لما تتعاملي معاه صدقيني هتعرفي إنه أطيب حد في العيلة."
ثم تبسم وقال:
"طبعا الكلام ده بيني وبينك."
وضحك فابتسمت وشردت قليلا ثم نظرت إليه وهو يقول:
"على العموم مفيش حاجة تستدعي القلق ده كله، انتِ مش هتكوني مضطرة تتعاملي معاه كتير، هو نادرًا لما بيروح الڤيلا."
نظرت إليه بتعجب وتغضنت جبهتها باستغراب وهي تقول:
"ازاي؟ هو مش عايش معاهم في بيت واحد؟!"
هز رأسه نافيًا وأجاب:
"لأ، عايش في بيت لوحده."
زفرت براحة شديدة وتمتمت تحمد الله لأنه أنقذها من أكثر عقبة كانت تشغل بالها وتشعرها بالخوف، فبما أنه لا يزور بيت والده سوى مرات نادرة فلا داعي للقلق، ستتجنب الظهور أمامه في هذه المرات ومن الممكن أن تظل حبيسة جدران غرفتها لحين مغادرته.. المهم أنهما لن يكونا في مواجهة بعضهما البعض طوال الوقت.
انتزعها من شرودها ذلك الطريق الذي بدأ يسلكه، هي تتذكره جيدًا إنه نفس الطريق الذي أُلقت به يومها، هنا تماما أمام تلك الصخرة، ثم ركضت مسافة بعيدة حتى استوقفت السيارة التي ركبتها، نعم.. هنا بالتحديد.
انتفض قلبها ودب الذعر بجوفها، ونبت الدمع بمقلتيها وهي تتذكر تلك اللحظات التي عاشتها يومها، ربما كان هذا اليوم واحدًا من أسوء الأيام التي عاشتها وأكثرها بؤسًا.
عج رأسها بالأسئلة الصاخبة، ماذا كان سيحدث لو أنها لم تركض وتصطدم بسيارة المدعو عمر؟ هل كان ذلك الذئب سيتمكن منها ويغتالها بكل دناءة؟ لذا هل يمكنها أن تعتبر ذلك الحادث هو طوق النجاة الذي أنقذها من مصير أسود؟
تنهدت وهي تراقب ذلك المبنى فريد الطراز الذي يلوح على مرمى البصر، يقف بمفرده راسخًا بشموخ، وازداد توترها وهي تستعد للانتقال إلى ذلك البيت الذي لا تعرف كيف ستكون حياتها بداخله.
رأت البوابة الكبيرة تنفرج على مصراعيها أوتوماتيكيًا فور أن اقتربت السيارة، فعبر المحامي للداخل ليزداد انبهارها بالمكان.. العديد من الرجال مفتولي العضلات يقفون على الجانبين، وفي واجهة الدخول يقف رجلا يرتدي ملابس سوداء، أصلع الرأس، ذو شارب كثيف، يرتدي نظارة سوداء.. كانت هيئته مختلفة تماما عنهم وعلى ما يبدو كذلك أن مكانته مختلفة عنهم.
صف نادر سيارته، ثم نظر إليها مبتسما وقال:
"اتفضلي انزلي."
فتحت باب السيارة المجاور لها، وما إن وطأت قدمها أرض هذا البيت حتى أحست بالرجفة تسري في عروقها، وقفت تنظر أمامها بتيه. ما هذا المكان؟ إنهم يعيشون في الجنة فعلا!!
جالت عيناها على كل تفصيلة حولها، تلك الحديقة الواسعة، والمدخل الخرافي واللمسات الخضراء التي تزين كل ركن به..
تقدم منها نادر وهو يشير إليها لكي تلحق به، فسارت خلفه خطوات ليستوقفها ذلك المدخل الذي من الواضح جدًا أناقته المتناهية، وأخذت تتلفت حولها وهي تشعر وكأنها وطئت أرض الأحلام للتو.. كل شيء خرافي، كل شيء ساحر، كل شيء مثالي ورائع.. فكيف بالمنزل من الداخل إذًا!!!
صعدت تلك السلالم الرخامية التي قادتها نحو الداخل وهي لازالت تنظر حولها بانبهار، وفجأة تعثرت خطواتها وسقطت على ركبتيها فوق الأرضية الملساء التي تسبق الباب المباشر، فنهضت وهي تنظر حولها بحرج، تتبين ما إذا كان رآها أحدهم أم لا، ثم دخلت من حيث دخل المحامي لتصعق بمدى جمال الڤيلا وعصريتها وفخامة كل تفصيلة فيها.
ابتسم المحامي ابتسامة جانبية وهو يراها تتطلع حولها بذهول، واستطاع أن يدرك لأي طبقة تنتمي هي من خلال نظراتها المتفحصة، ثم تحدث وقال:
"اتفضلي في الصالون لحد ما الباشا يوصل."
ازدردت ريقها بتوجس وتساءلت بخوف:
"قصدك مين؟!"
"سالم باشا.. متقلقيش مع الوقت هتتعودي على الألقاب، هنا مفيش غير باشا واحد وهو سالم باشا مرسال. إنما أولاده فريد وعمر هتقولي لهم فريد بيه وعمر بيه."
أومأت بموافقة وهي تتبعه نحو الصالون، والذي هو عبارة عن غرفة واسعة تبلغ ضعف مساحة بيت خالتها، تضم أربعة أطقم صالونات من أفخم وأرقى الموديلات.
أشار إليها بالجلوس فجلست، وجلس هو أمامها بصمت واضعا قدم فوق الأخرى وهو يطالعها عن كثب وهي تراقب كل إنش بالمكان بانبهار لا يتراجع.
وبينما هي تحدق بالتفاصيل رأت فتاة شقراء تذكرتها على الفور، لقد زارتها بالمشفى برفقتهم، لفت انتباهها ما ترتديه تلك الفتاة، سروال جينز قصير يصل لأعلى ركبتيها وفوقه بلوزة بيضاء تحيط خصرها الجائع بدقة.
تعجبت بشدة كونها تتجول في الأرجاء بثيابها الداخلية!! ولم تنتبه من شرودها وتحديقها بالفتاة إلا ورأت ذلك الشاب يعقبها، وكذلك استطاعت تذكره.. لقد رأيته من قبل!!! ولكن أين!
صحيح.. هو من صدمها بسيارته!! تستطيع أن تتذكر تلك الملامح التي سجلتها ذاكرتها الفولاذية الفوتوغرافية جيدا.
إذًا هذا هو المدعو عمر!!
رأتهم يتقدمان نحوها فازداد خوفها وتوترها، وقبل أن يصلاها كانت شقراء أخرى قد ظهرت في الأرجاء، تعرفها أيضا.. كانت برفقة الشقراء الأولى يوم زيارة المشفى!
وأخذت تتساءل بتعجب: أيعقل أن تكون الشقراوتين هاتين نتاج تزاوج تلك الطويلة خمرية البشرة وذلك الأصلع قاسي الملامح؟
رمقتها چيلان باستنكار واضح ولم تتفوه بحرف، ثم صعدت إلى غرفتها على الفور لحقت بها چوليا..
بينما توجه عمر نحوها مظهرًا ابتسامة أنيقة، ووقف أمامها ثم مد يده إليها وصافحها قائلا:
"أهلا بيكي، أنا عمر.. اللي.."
وزم شفتيه وحك رأسه بحرج فأومأت وقالت بطلاقة:
"اللي خبطتني بعربيتك مش كده؟"
أومأ وقال:
"أنا آسف إني اتسببت لك في كل ده، ومش عارف ممكن أعمل إيه أكفر بيه عن غلطتي."
اهتز صوتها وهي تجيب بتوتر:
"ولا حاجة.. خلاص اللي حصل حصل."
هنا استمعت إلى وقع أقدام مريبة، شيئا ما أخبرها أنها أقدامه.. بالتأكيد تلك الانقباضة بصدرها لن تحدث سوى في حضرته.. وبالفعل صدق حدسها عندما رأته يقف أمامها متجهم الوجه، يبدو مستاءً لأبعد حد، رمقها بتفحص خاطف وكم أثارت انزعاجه بتلك الهيئة الفوضوية حيث ترتدي ثيابا لا تلائمها أبدا..
"حمدالله على السلامة يا عمر."
قالها فريد مبتسمًا ابتسامة شحيحة جدًا ولكنها كانت كافية لتكشف لأخيه عن مدى صدقها، فعمر يعرف أن أخوه لا يتواصل مع أيًا منهم عن قرب في مثل تلك اللحظات، وبالتالي أصبحوا متقبلين الوضع، وأساسًا هو لم يتوقع من فريد أكثر من ابتسامة، لذا بادله الإبتسام قائلا:
"الله يسلمك يا فريد."
حانت منه التفاتة سريعة نحو نغم التي تطرق برأسها أرضًا في توتر، ثم قال:
"أنا هشوف نسيم وجاي."
"متقلقش هي بقت أحسن."
هز رأسه ولم يعقب، وحث الخطى نحو الأعلى حيث غرفة أخته لكي يطمئن عليها، فمنذ أن أخبرته زينب بالحالة التي انتابتها وهو لا يتمالك أعصابه، لأنه كان يعرف أن يوم ميلادها لن يمر عليها مرور الكرام أبدا.. وكيف وقد عاشت به أسوأ ذكرى في حياتها على الإطلاق!
لم تفلح نغم في صرف نظرها عنه وهو يصعد درجات السلم، وكأنه يأسر انتباهها وتركيزها في كل مرة تراه بها، ولكن دخول الباشا كما يلقبونه كان كفيلا بأن يجعلها تصرف انتباهها عن كل شيء وتركز على هيئته المهيبة هو فقط!
رجلّ ذو وقار جامح، ينشر هيمنته أينما حلت قدماه، ويأسر أنظار جميع الحضور ويجعلهم يشعرون بالضآلة أمامه.
ابتسم ابتسامة مجاملة ووقف أمامها يدس يديه في جيبي معطفه الذي يصل لركبتيه، ثم قال بصوت لا يشي بشيء:
"حمدالله على السلامة وأهلا بيكي هنا وسطنا… وسط عيلة مرسال."
ابتلعت ريقها بريبة وقالت باقتضاب وهي تحاول درء خوفها:
"شكرا."
"زينب هتعرفك اوضتك فين وهتفهمك النظام هنا ماشي إزاي وهتعرفك على أفراد العيلة كمان."
هزت رأسها بموافقة فتابع:
"ومن بكرة زينب هتنزل معاكي تشتري كل اللي محتاجاه."
أومأت مجددا ورددت بتوتر وشعور بالقلق يخالجها:
"شكرا."
هز رأسه بترحيب ثم نادى على زينب التي أسرعت تلبي نداءه فقال:
"وصلي الآنسة أوضتها وخليكي معاها لو محتاجة حاجة."
أومأت زينب بطاعة ورافقت نغم حيث غرفتها..
في تلك الأحيان كان فريد قد غادر غرفة شقيقته بعد أن اطمئن أنها قد خلدت إلى النوم، ونزل درجات السلم لتتقابل نظراته بنظرات نغم التي أشاحت بوجهها سريعًا وكأنها رأت شبحًا.
استوقفه عمر قائلا:
"مش هتقعد معايا شوية؟"
ربت فريد على كتفه بابتسامة وقال:
"لما تستحمى الأول!"
ضحك عمر وهو يهز رأسه بيأس من تصرفات أخيه و ردوده التي يفحمه بها دومًا.
بينما تقدم فريد نحو الباب وهو يرمق نغم التي تسير بخطوات أشبه بالركض لكي تختفي سريعا من أمامه، فنادى زينب قائلا القول الذي جمدهم جميعا بمكانهم:
"زينب، افتحي الأوضة بتاعتي ونضفيها، أنا من بكرة راجع الڤيلا."
رواية محسنين الغرام الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نعمة حسن
عاد مُنهكًا، دفع باب منزله بهدوء، فاستقبلته العتمة. الأثاث متجمد في صمت، الساعة تدق ببطء وعقاربها تضع إيقاعًا أشبه بإيقاع الموت. وضع مفاتيحه على طاولة صغيرة بجوار الباب فارتد صوتها في الأرجاء. ثم خلع معطفه وهو يتقدم نحو الغرفة دون أن يشعل الضوء. وما إن وصلها حتى ألقى المعطف بصورة عشوائية فوق الفراش وتهاوى جسده على السرير بإحباط.
لقد ناله اليوم من الإرهاق والضيق ما ناله، وجميع أحداث اليوم لم تكن منصفة أبدًا. بدايةً من مواجهته مع چيلان، مرورًا برؤية حال أخته المتدهور وآثار تلك الذكرى البشعة التي لا تفارقها أبدًا، وصولًا إلى انتقال تلك المحتالة للعيش في منزله.
فور أن تذكرها أصابه التوتر. توتر فعلًا وهو يتذكر تلك الهيئة الفوضوية التي كانت عليها. وبما أنه إنسان صارم لدرجة ضاغطة، ويعتبر نفسه عدوًا لأي كائن فوضوي، فيمكنه الجزم أن حقده عليها سيتضاعف وأنهما سيصبحان عدوين لدودين.
تنهد بضيق.
لا يعرف إذا كان متأكدًا من أنه قادر على اتخاذ القرار الذي أبلغهم إياه أم لا. في الواقع، هو قرار غير مدروس بالمرة ولا يعلم عواقبه كيف ستكون. ولكنه قرارٌ حتمي وضروري بالنسبة له. فتلك القصيرة تخفي الكثير وراء قناع فقدان الذاكرة الذي ارتدته. ولا يستبعد أبدًا أن تكون هي الصندوق الأسود لعدوه المجهول الذي يريد أن يخسف باسمه واسم عائلته سابع أرض.
وعليه، فتلك المحتالة لا بد أن تبقى في نصب عينيه دائمًا. وهذا بالتحديد ما جعله يأخذ قرار الانتقال للڤيلا. لأنه يعرف أنها من الممكن أن تحاول إيذاء عائلته، وبالأخص نسيم. ومن المؤكد أن رئيسها المجهول سيستخدمها وسيستغل وجودها في الڤيلا بشكل أو بآخر من أجل تسديد ضربات قاسية جديدة تجاهه وتجاه العائلة.
لذا، فعليه أن يكون حذرًا جدًا بشأنها وأن يكشف مخططاتها قبل تنفيذها. وأن يصل للعدو الخفي الذي يحاربه بدناءة وخسة. ثم ينظر في أمرها ويرى طريقة عقاب تستحقها في النهاية.
ولكن.. الأهم من كل ما سبق، والهم الأكبر الذي يشغله ويقلقه. كيف سيتعايش في منزل يعيش به عشرة أفراد غيره؟ كيف سيسمح للخادمات ومسؤولات التنظيف بتنظيف غرفته وفراشه وغسل ملابسه ولمس أغراضه؟ كيف سيأكل معهم على نفس الطاولة؟ الأمر ليس سهلاً أبدًا، وأصعب مما قد يتخيل أي إنسان ينظر لمرض الوسواس القهري بسطحية وجهل.
تنهد تنهيدة مطولة، وأخذ ينظر حوله بارتياب. في قرارة نفسه، هو ليس مستعدًا لتلك الخطوة أبدًا. ويعرف أنه سيعاني معاناة لم يسبق لها مثيل. ولكنه لن يتمكن من تحقيق هدفه وهو خارج الڤيلا.
وتلك الفتاة هي هدفه!
وكونه شخصًا مسؤولاً، على قدر فائق من استحقاق الثقة، يتحمل الصعاب من أجل الوصول لأهدافه، عليه أن يتحمل خوض تجربة مهلكة كهذه. وأن يضحي براحته واستقراره النفسي المتأرجح من أجل أن تؤتي تلك التجربة ثمارها.
زفر باستياء ونهض مستسلمًا. سيأخذ حمامًا سريعًا ويعود لكي ينال أكبر قسط من الراحة. عليه أن يكون مستعدًا لرحلة استنزاف نفسي هي الأشد قسوة في حياته.
***
في الڤيلا.. في غرفة مكتب سالم.
كان سالم يجلس خلف مكتبه ومن أمامه يجلس المحامي نادر. يتحدثان سويًا فقال:
ـ بس أنا مش فاهم يا سالم بيه، ومش متعود من حضرتك إنك تسيبني كده مش فاهم.
ـ عاوز تفهم إيه يا نادر بالظبط؟
ـ في سر ورا تصميم سعادتك إنك تجيب البنت هنا غير إنك مشفق عليها وعاوز ترد لها الجميل لأنها تنازلت بخصوص موضوع عمر بيه. تخميني صحيح ولا إيه يا باشا؟
تنهد سالم وهو يحك جانب ذقنه وابتسامة واثقة تسيدت ملامحه وهو يقول:
ـ طول عمرك فاهمني يا نادر، عشان كده عمري ما فكرت أستعين بمحامي غيرك.
أومأ الآخر واطمأن لما قاله سالم الذي استطرد متسائلاً:
ـ إيه رأيك في البنت دي يا نادر؟
مط نادر شفتيه دلالة على حيرته وهو يفكر، ثم نظر إلى سالم بتركيز وهو يقول:
ـ أنا شايف إنها غلبانة. واضح من نظراتها وانبهارها بالڤيلا إنها من طبقة معدومة وأول مرة في حياتها تشوف مكان زي ده.
أومأ سالم مؤيدًا ما قاله وأردف:
ـ وواضح إنها خام كمان مش كده؟
ـ بالظبط سعادتك، باين أوي إن لا ليها في التور ولا في الطحين.
ـ بالظبط، عشان كده أنا بفكر أجوزها لفريد!!
حملق به المحامي بغير تصديق. هو كان على يقين بأن سالم لا يحسن لأحد من أجل الإحسان فقط، وإنما لأنه يريد شيئًا في المقابل. ولكنه لم يتوقع أبدًا أن ذلك المقابل هو أن تتزوج فريد!!
ـ فريد بيه؟!!! حضرتك بتتكلم بجد؟!!
تساءل نادر مذهولًا، بينما أومأ سالم بثقة مردفًا:
ـ أكيد.
ـ بس.. بس البنت مش شبه فريد بيه أبداا.. وبعدين حضرتك دي واضح أوي إنها غلبانة..
ـ ما هو ده المطلوب. بنت غلبانة ومنكسرة وملهاش حد، نقدر نشكلها زي العجين في إيدينا ونخليها توافق على اللي إحنا عاوزينه بسهولة.
تنهد نادر وهو يرمقه بحيرة، ثم تساءل:
ـ أيوة معاك، بس أنا بردو مش فاهم، ليه فريد بيه؟؟ مع إنها أقرب في السن لعمر بيه، وعمر أعتقد طايش وممكن بكلمتين يوافق يتجوزها.. إنما فريد بيه صعب. مش صعب بس ده مستحيل يوافق.
ـ لا.. سيبك من عمر، عمر أنا مش خايف عليه إنما فريد كل الخوف منه.
وتنهد ثم انحنى بجذعه للأمام ليتكئ بصدره على حافة المكتب وهو يسرد أفكاره بطلاقة لنادر ويقول:
ـ فريد ابني الكبير يا نادر، مش الابن الكبير بس، الابن الكبير والعاقل والحكيم واللي كل حاجة هتكون في إيديه بعد ما أموت. فريد ده واجهتي.. واجهة العيلة. كل شباب العيلة ورجالتها بيحسدوني إني عندي ابن كامل مكمل زيه، بس مع ذلك هو في عينيا ناقص. ناقص يبقاله عيلة، يبقاله زوجة وعيال. أنا لما كنت النهارده في عزا ابن عمي في الشرقية لقيت كل شاب من شباب العيلة متجوز ومخلف دستة عيال، وهما في السن أصغر منه ومفيش حيلتهم ربع اللي عند فريد. حسيت بالغيرة مش هكدب عليك. حسيت بالغيرة إن سالم مرسال أغنى وأكبر رجالة عيلة مرسال مفيش عنده حفيد واحد يشيل اسمه!!
ونظر إلى نادر متسائلاً بنبرة متجردة من كل القسوة التي اتسم بها يومًا وقال:
ـ هو أنا مش من حقي يا نادر إن إسمي يعيش؟ مش من حقي ألاقي ليا أحفاد يشيلوا إسمي؟
ـ أكيد حضرتك من حقك.
ـ طيب وده هيحصل إزاي وابني الكبير ملوش في الستات أساسًا!!
زم الآخر شفتيه بحيرة وقال:
ـ حضرتك متسرع في حكمك على فريد بيه.
أسكته سالم بإشارة من يده وقال:
ـ متقوليش متسرع، شاب في عز رجولته عنده ٣٥ سنة، مش ناقصه أي حاجة وحواليه آلاف البنات اللي يتمنوا منه نظرة، وقدامه بنت بتتمنى له الرضا يرضا زي چيلان.. عمرُه حتى ما فكر يبتسم لها.
وتنهد باستياء وهو يتابع:
ـ يا شيخ ده أنا نسيت شكله وهو بيضحك عامل إزاي من كتر ماهو مصدر الوش الخشب للناس كلها طول الوقت..
وتابع وهو يعود لحديثه الأصلي:
ـ ما علينا.. راجل زي ده تفتكر إيه اللي يمنعه من إنه يفكر يتجوز أو يرتبط بواحدة إلا لو كان معدوم الإحساس من نحية الستات؟ ده أخوه اللي أصغر منه بعشر سنين مش عارفين نلم فضايحه مع الستات من كُتر ما هو هيموت عليهم.
ضحك نادر وهو يهز رأسه بيأس بينما زفر سالم بقلة حيلة وهو يتابع:
ـ عشان كده أنا أول ما شفت البنت دي قلت هي دي اللي هتنفع للمهمة دي. هنغصب عليه يتجوزها حتى لو شهر. والله النحس اتفك على إيديها وقدرت تخليه يتلحلح وحملت منه خير وبركة، يبقا عملنا اللي إحنا عاوزينه. مقدرتش وقالت إن مفيش منه رجا وطلبت الطلاق، أهو نضمن إنها تاخد قرشين وتسكت ويا دار ما دخلك شر.
ضيق الآخر عينيه بتفكير وهو يحاول استيعاب هذا المنطق الذي يتحدث به سالم، ثم قال:
ـ طيب وليه حضرتك مفكرتش تجوزه چيلان بما إنها بتحبه زي ما قلت؟
طقطق سالم بشفتيه نافيًا وقال:
ـ لأ.. چيلان نابها أزرق ومش سهلة، متنفعوش.
وأكمل وهو يشرد بعينيه بعيدًا:
ـ فريد يوم ما يفكر يحب واحدة هيحب واحدة زي أمه الله يرحمها. أنا فاهم تركيبته وفاهم دماغه. فريد مش أي واحدة هتقدر تدخل قلبه وخصوصًا چيلان. حتى لو كانت آخر بنات العالم مش هيفكر فيها. ولو فكرت أضغط عليه وأجوزه أي واحدة من بنات معارفي أو صحابي أبقا بفضح نفسي بنفسي قدامهم، لأن مفيش واحدة هتستحمل إنها تتجوز واحد زي ده ويعاملها كأنها فازة ولا صورة متعلقة على الحيط. مهما كانت المغريات قدامها ده مش هيخليها تتحمل تعيش مع واحد مبيقربلهاش غير كل سنة مرة. إنما لما تكون بنت غلبانة ملهاش حد هنقدر نيجي عليها وتبقا تحت طوعنا، حتى لو طلبت الطلاق هنضمن إنها متتكلمش وسره يندفن معاها.
تنهد الآخر بحيرة وهو ينظر للمحة التمني والعجز بعيني سالم. ولأول مرة يشعر بأن سالم مرسال يفتقد شيئًا بحياته فعلاً. لأول مرة يشعر أنه إنسانٌ وليس قالبًا جليديًا بلا مشاعر كما يزعم. فهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها سالم بصراحة شديدة عما بقلبه. فهو كالقبر، ما بداخله يبقى بداخله. ولكنه فاجأه اليوم بما قاله. وما فاجأه أكثر أنه تحدث في أمر خاص وشديد الخصوصية كهذا. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن سالم يرى نادر جديراً بثقته. لذا، فعليه أن يثبت له أنه أهل لتلك الثقة فعلاً.
ـ طيب، وحضرتك ناوي على إيه؟ يعني الموضوع ده هيحصل إزاي؟
ـ مش عارف. أكيد مش في يوم وليلة كده هقوله اتجوزها. المشكلة كمان إن فريد متمرد، مش سهل أسيطر عليه أو أرغمه على حاجة. عشان كده لازم نفكر في طريقة بيها نرمي البنت دي في سكته ونخليه مجبر يتجوزها.
ـ وده طبعًا باتفاق مع البنت مش كده؟
ـ أكيد، بس طبعًا مش قبل ما ترجع لها الذاكرة ونعرف ساسها من راسها ونعرف عنها كل حاجة، وبعدين نشوف هنوقعهم في بعض إزاي.. الأهم من كل شيء دلوقتي إني عاوزك تطمعها على قد ما تقدر. عاوزها تدوق النعيم والعز عشان متقدرش تنساه بعدين. هاتلها لبس وشنط وجزم، هات كل الحاجات اللي البنات بتنبهر بيها وبتحبها. عاوزها تتعلق بالعيشة هنا عشان نقدر نسيطر عليها فيما بعد.
هز نادر رأسه بموافقة ليردف الآخر قائلاً:
ـ بس طبعًا هتاخد ضمانات على كل قرش بيتصرف عليها من غير ما تاخد بالها. مش عارف هتعملها إزاي بس إنت محامي وليك ألاعيبك. عاوزين ناخد جميع الاحتياطات عشان لو قررت تتنمرد وتتفرعن علينا بعدين نقدر نكسر مناخيرها.
وأراح ظهره على ظهر المقعد وهو يقول:
ـ المثل بيقول اتقي شر من أحسنت إليه.
أومأ نادر مؤيدًا وهو ينهض من مقعده ويقول:
ـ تحت أمرك يا باشا، كل اللي تؤمر بيه هيحصل إن شاء الله.. أنا هستأذن دلوقتي.
ـ مع السلامة يا نادر، في حفظ الله.
غادر نادر المكتب وأوصد الباب خلفه، بينما سالم كان يسند رأسه على مسند المقعد من خلفه ويديه ترتكزان على طرف المكتب وهو يشرد بعينيه إلى مكان بعيد ويفكر. ترى، هل ما يفكر به وما هو مقدم على فعله بدافع الأنانية أم بدافع الحب؟ ترى، هل سينجح فيه أم لا؟ وهذا الخوف من أن يندثر أثره ويختفي اسمه بمرور الزمن، هل هو خوف مبرر أم مجرد هاجس مدفوع برغبته في السيطرة على كل شيء؟
لقد عاش طيلة حياته يبني اسمه ويسعى لتخليده، يسعى لبناء امبراطورية سالم مرسال، الامبراطورية التي تضمن بقاءه حيًا حتى بعد فناء جسده. ولكن.. هل سينجح في ذلك أم أنه سيبقى حلمًا صعب المنال؟
***
كانت نادية تجلس بجوار عمر على فراشه، تضمه إلى صدرها وترتب شعراته بيدها وهو يخبرها بما عاناه طيلة الأيام الماضية:
ـ أنا اتبهدلت يا ماما، الأربع أيام اللي قعدتهم في الحجز دول كانوا كابوس مكنتش مصدق إني هفوق منه. بالرغم من إنهم كانوا بيحسدوني على الزنزانة اللي كنت قاعد فيها، كانوا بيقولوا لي اللي ليه ضهر مينضربش على بطنه. كل ده عشان قاعد في زنزانة نضيفة عن باقي الزنازين مسميينها زنزانة سبيشيال، أومال لو مش سبيشيال هيكون شكلها إيه؟
أغمضت عينيها تقبض على دمعاتها اللاتي ترغبن في الفرار ليعبرن خدها، ويدها تنتقل من رأسه إلى كتفه وتربت عليه بحنان وهي تستمع إليه يقول:
ـ ولّا الأكل، أربع أيام كنت حاسس إني باكل دراي فود بجد.. الأكل كان بشع بشع بشع..
وأغمض عينيه وهو يهرب من ذكرياته التي كونها خلال الأيام الأربعة السابقة، ثم قال:
ـ ده غير وجع ضهري، اللي كان بيخليني أفضل أعيط، واللي معايا كانوا مفكرين إني بعيط عشان أنا شاب نايتي بقا ومش مستحمل الحبس أربع أيام، ميعرفوش إني كنت بموت بالبطيء بسبب جبروت أبويا.
تنهدت تنهيدة طويلة مؤلمة شقت صدرها إلى نصفين وهي تمسح دمعة فرت على جانب خدها، ثم نظرت إليه لتجده ينهض من مرقده ويجلس موليًا إياها ظهره، ثم رفع قميصه فظهرت آثار الجَلد على ظهره مما جعل نادية تغمض عينيها بفزع وهي تقول:
ـ أرجوك غطي ضهرك يا عمر مش مستحملة أشوف المنظر.
بينما أجابها الآخر بصوت مهزوز:
ـ لأ شوفي.. عشان متسامحيش في حقي زي ما أنا كمان مش هسامح، ولحد ما يموت هفضل أكرهه وأحقد عليه لأنه أب فاشل.
ونظر إليها وأردف وعينيه تحتقن بدموع الغضب:
ـ فاكر إن اللي بيعمله ده هو الصح، وإن دي التربية السليمة اللي تطلع رجالة. مش شايف فريد وصل لفين؟ فريد بقا مريض بسببه، من كتر ماهو طول الوقت مضغوط نفسيًا وعايز يبقا بيرفكت في كل حاجة وعايز كل حاجة بيعملها تكون بالشكل المثالي عشان يثبت له إنه مش فاشل ولا مستهتر زي ما دايما بيقوله، لحد ما بقى مريض بالوسواس القهري. نسيم اللي كانت بتموت النهارده لما افتكرت اللي جرالها على إيديه، وبتموت كل سنة في يوم عيد ميلادها ألف موتة وموتة بسببه. وأنا.. أنا كرهته وبقيت بحس بالقرف وأنا بقول إسمي عمر مرسال، بقيت مش طايق أقول إن الراجل الظالم الأناني يبقا أبويا.
ومسح على وجهه بعجز واحمرت عيناه بعد أن نفرت عروقه بغضب واستطرد يقول:
ـ هو الأب ده مش المفروض يكون سند لأولاده؟ هو بقا بيعمل فينا ليه كده؟
نظرت إليه بشفقة وطفقت عيناها تذرف العَبرات بيأس وهي تربت على كتفه تحاول مراضاته كطفل في العاشرة. ولأول مرة تراه منفعلاً محبطًا بهذا القدر، ولكن على ما يبدو لقد طفح كيله وفاض به لذا لم يمنع نفسه من تفريغ كل ما يحمله من قهر وظلم في وعاء حنانها وتفهمها.
ـ ليه قاسي علينا بالشكل ده؟ أنا عمري ما حسيت نحيته بالأمان، حاسس إنه دايما هيغدر بينا في أي وقت، حاسس إننا عايشين معاه مهددين. هو مش المفروض الابن وقت ما يحس بالخطر وجود أبوه هو اللي يطمنه؟ إحنا بقا إيه اللي هيطمنا؟
وأجهش بالبكاء بضعف واستسلام وهو يتابع:
ـ أنا بقيت أتمنى له الموت!
أغمضت عيناها بحزن شديد لأن ابنها قد وصل لتلك الدرجة من الحقد والبغض الذي يكنهما لوالده. ومسحت آثار دموعها وهي تنظر إليه وهو يقول:
ـ نفسي أغمض وأفتح ألاقي سالم مرسال اختفى من حياتنا. ساعتها أنا واثق إن كل مشاكلنا هتتحل. أقسم بالله إني واثق لو مات فريد هيخف، ونسيم هتخف، وأنا كمان هرتاح نفسيا إن الظالم ده مبقاش موجود وهعيش أنا واخواتي في سلام.
ضمته إليها وراحت تمسد ظهره براحة بينما هو يتلوى أسفل لمساتها من فرط تعبه. فأبعدت يدها ووضعتها فوق رأسه وهي تبكي ثم قالت:
ـ أنا هتطلق منه يا عمر. أنا خلاص أخدت القرار بس كنت مستنية لما تخرج وموضوعك يخلص.
تنهد وهو يمسح دموعه، ثم نظر إليها وقال:
ـ حتى لو اتطلقتي منه تفتكري هنخلص من أذاه؟
ـ أكيد، هنرجع كلنا دبي، أنا وانت وجيلان وچوليا، هنبدأ من جديد هناك.
هز رأسه نافيًا وقال:
ـ لأ، أنا مقدرش أسيب فريد ونسيم لوحدهم.
قطبت جبينها بتعجب وقالت:
ـ وأنا مقدرش أسيبك معاه، طول الوقت بالي هيكون مشغول عليك.
ـ أنا مش صغير يا ماما عشان تقلقي عليا، أنا هعرف أصرف أموري. وبعدين أنا مقدرش أسيب فريد لوحده معاه، مش بعد ما يضحي عشاني كل التضحيات دي ويشيل همي طول السنين اللي فاتت دي أسيبه في وش المدفع وأمشي.. ولا هقدر أسيب نسيم لوحدها، متنسيش أنها ملهاش غيري أنا وفريد.
ـ أوكي أنا فاهمة ده كويس، بس فريد خلاص هيرجع الڤيلا وهيكون معاها. يعني مش هتبقا لوحدها من هنا ورايح.
ـ وتفتكري بعد ما أخيرا فريد هيرجع وهنعيش مع بعض إحنا التلاته هسيبه وأمشي؟
ثم نهض واقفًا وهو يلقي إليها بخلاصة القول:
ـ للأسف يا ماما أحيان كتير مبنقدرش نلجأ للحلول البديلة اللي قدامنا مهما كانت مريحة ومناسبة، وبنضطر نكمل في معاناتنا بإرادتنا.. مش حب في المعاناة، لكن حب في اللي بيشاركونا المعاناة دي. وأنا عشان بحب فريد ونسيم مقدرش أسيبهم يعانوا معاه لوحدهم.
توجه نحو غرفة ملابسه ليستعد للخروج، بعد أن أبلغها بقراره النهائي وهو أنه حتى لو انفصلت عن سالم فسيبقى عمر بجواره. حينها تسلل إلى قلبها شعورًا غريبًا.. شعورًا مؤلمًا وبقدر ما آلمها بقدر ما جعلها تتساءل.. !!هل يعقل أنه يحب فريد ونسيم أكثر من شقيقتيه؟ لذا يفضل البقاء بجوار فريد ونسيم، ولم يكترث لفكرة أنه قد يفترق عنهما؟
لحظة! الأمر أكبر من ذلك.. هل يحب فريد ونسيم أكثر منها هي في حد ذاتها؟ أكثر من أمه؟ ويفضل الافتراق عنها على فراقهما؟ يريد مشاركتهما معاناتهما ولم يأبه لمعاناة أمه وصراعها؟
لماذا؟ لماذا تفوز ناهد وأولادها دائمًا وتتفوق عليها في كل شيء؟ في البداية عندما تزوجت بسهولة من سالم، في حين أنها هي من كانت تحبه أولاً، ولكن الظروف والنصيب كانوا في صالحها وتزوجته بدون مجهود يذكر. وبعد أن أدركت ناهد خيانة سالم لها كانت نادية تتوقع أن تلك هي الضربة القاضية في علاقتهما ولكنه لم يحدث. وحتى بعد أن تزوجت هي من سالم وبعد أن انتحرت ناهد ظل طيفها ملازمًا لسالم في كل مكان.
دوماً تشعر أنها رقم اثنان وناهد في المقدمة، حتى بعد وفاتها لم يتغير من الأمر شيء. وانتقل ذلك من ناهد لأولادها بالتبعية. فهي تشعر في كل وقت أن أولاد ناهد لهم الأولوية بالرغم من أنه يعامل جميع أولاده بنفس القسوة والتسلط.. وهذا هو المظهر الوحيد من مظاهر العدل الذي يتسم به سالم مرسال، أنه يقسو على الجميع بنفس القدر.
ومع ذلك أولاد ناهد يأتون أولاً.. وها هو ابنها المبجل يكمل مسيرة والده، ويخبرها بكل بساطة أنه لن يبتعد عنهما أبدًا.
للمرة التي لا تعلم عددها تنتصر ناهد عليها حتى لو بصورة غير مباشرة.
نهضت وأخذت تحدق في الفراغ قليلاً قبل أن تغادر الغرفة، ثم انتقلت إلى غرفة چيلان لتستفهم عن سبب عودتها بتلك الحالة. طرقت الباب ولكنها لم تسمع ردًا، فأدارت مقبض الباب ولكنها تفاجأت بأن الباب مغلقٌ!!
زمت شفتيها بتعجب وهي تطرق الباب مجددًا وتقول:
ـ چيلان انتِ كويسة؟
لم تستمع إلى رد فقررت الذهاب إلى غرفة چوليا. طرقت الباب ودخلت ولكنها وجدت الغرفة خالية إلا من الفوضى التي أحدثتها ابنتها قبل المغادرة. فأغلقت الباب واستدعت الخادمة لتنظيفها.
ذهبت إلى غرفتها وهي تشعر بالتعجب والضجر. إحداهما منعزلة وعلى ما يبدو أنها تمر بحالة نفسية سيئة، والأخرى ليست موجودة وخرجت دون استئذان.
التقطت هاتفها وقامت بالاتصال بچيلان أولاً. جرس رنين يتبعه الآخر، حتى أجابت في النهاية وقالت بصوتٍ متعب:
ـ نعم يا مامي؟
ـ مالك يا چيچي؟ مش بتفتحي ليه؟
ـ معلش يا مامي مش قادرة أتكلم مع حد، محتاجة أكون لوحدي شوية.
تنهدت نادية باستياء شمل كل جوارحها، ثم تساءلت بالرغم من معرفتها بالإجابة:
ـ في حاجة مضايقاكي؟
ـ لأ.
ـ انتِ وفريد اتكلمتوا في حاجة؟
تنهدت چيلان طويلاً وقالت:
ـ لأ.
ـ طيب، براحتك يا مامي، وقت ما تحبي تتكلمي أنا موجودة.
وأنهت نادية الاتصال وهي تدلك بين عينيها بتعب، وقد بدأ ضيقها من فريد يتفاقم ويطغى على كل شعور لديها تجاهه. ثم قامت بالاتصال بچوليا لتجد هاتفها مغلقًا فزفرت بغيظ وهي تتمتم:
ـ حاضر يا چوليا لما ترجعي بس حسابك معايا.. أنا بجد مش عارفة ألاقيها منين ولا منين!
***
كانت چيلان في غرفتها تنزوي حول نفسها وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وتحيطهما بذراعيها وتبكي. تستدعي صورًا خيالية من الماضي، من طفولتها وبداية مراهقتها تحديدًا، حينما كونت بخيالها شخصية افتراضية ترغب في العثور عليها. شخصًا حنونًا، مراعيًا، يهديها قطعة حلوى، أو وردة، يعوضها الحرمان الذي عانته من والدها، يعوضها الجفاء والبرود.
فوالدها وبالرغم من أنه لم يكن شبيهًا لسالم في قسوته ولا تسلطه، ولكنه كذلك لم يكن حنونًا كما يجب.
لا زالت تتذكر إلى الآن كل الخلافات التي كانت قائمة بين والديها، والمشاحنات التي كانت تدور بينهما، والأجواء المشحونة بالتوتر والقلق التي كانت سائدة بمنزلهم أغلب الوقت.
دموع والدتها، قهرها، صوت والدها الصاخب واعتراضه على كل شيء.. عنفه وإهانته لوالدتها في بعض الأحيان.
كل ذلك جعلها تبحث في عقلها اللاواعي عن شخص يناقض شخصية والدها تمامًا. وأخذت تكون صورًا وهمية لذلك الشخص بخيالها، إلى أن دخلت ذلك البيت وتعرفت على فريد.
كانا طفلين في نفس السن تقريبًا، ولكنها رأت فيه رجلاً كاملاً، شخصًا يواطي رغباتها وأمانيها.. رأت كيف يحن على نسيم! يهديها الحلوى، يلعب معها، يعانقها، يبكي لأجلها إذا سقطت وجرحت ركبتها، يجثو على ركبتيه أمامها ويطهرها لها، يحملها فوق ظهره ويركض بها، يغضب ويثور لأجلها، يقف أمام والده إذا لزم الأمر ويعارض الأوامر إذا ما تعلق الأمر بنسيم.
رأت فيه الرجل الحنون الذي تحتاجه، والذي رسمت له صورًا عديدة في عالمها الافتراضي وتعايشت معها. رأت فيه الأخ المسؤول القوي، السند الذي لا يميل ولا يخذل.
فريد بكل تفاصيله هو رجل أمنياتها.. تعلقت به منذ أن دخلت هذا المنزل ولم ترَ بعينيها رجلاً يشبهه. ظنت أن مسألة ارتباطهما أمرًا مقضيًا بما أنهما يعيشان سويًا. ومنذ أن فطنت إلى حيل الفتيات ومكرهن وهي تحاول لفت انتباهه بكل الطرق. ولكنه كلما ظنت أنها تملكته فوجئت بأنها لم تحصل سوى على سراب، وهم عانت منه وستظل تعاني أبدًا ما حيت.
تجاهلت أمورًا عدة لأجله، تجاوزت خطوطها الحمراء، تخطت جرح كبريائها في كل مرة كان يصدها فيها بلباقة أو بفظاظة. ولكنها الآن قد استهلكت كل طاقتها واستنزفت كل قوتها من أجل استمالته دون جدوى. لذا، فعليها أن تعمل بتلك النصيحة التي قدمها لها، لن تقلل من شأنها مجددًا لأجله أو لأجل أي شخص. وعليها أن تعرف قدرها جيدًا وتتعامل على أساسه.
ستتجاهل تلك الحرقة في عمق قلبها، ستنزعه من داخلها وتنزع معه كل الأمنيات التي كان هو بطلها. ستكتفي بنفسها وتحبها وتقدسها. ستصبح النسخة التي تجعل الجميع يندهشون من قوتها ورباطة جأشها.
هي تثق بذلك، تثق بنفسها، تثق بعقلها وتعرف أن قوة ورجاحة العقل تقاس بمدى قدرته على تقبل الحقيقة التي لا تتوافق مع قناعاته. لذا، فعليها أن تتقبل حقيقة أن فريد لا يحبها.
الأمر بسيط جدًا..
ـ فريد… مش…. بيحبك ….. يا چيلان!!
قالتها وهي تحاول تنظيم أنفاسها سعيًا منها إلى تفريغ الشحنات السلبية بداخلها، وتدريب نفسها وعقلها وقلبها على قبول تلك الحقيقة والتعامل معها بسهولة كشرب الماء.
وكررت الأمر مجدداً وهي تظن أنها ستنجح. أخذت نفسًا عميقًا وزفرته على مهل وهي تردد:
ـ فريد.. مش.. بيحبك.. يا چيلان.. ولا بيحب حد!!
فريد مش ليا.. فريد مش هو محور الكون.. فريد راجل زي أي راجل.
تنهدت مطولاً وهي تفتح عينيها بقوة لكي توقف تلك الدموع التي أعيتها، ثم نهضت من فراشها ووقفت أمام المرآة. عقصت شعرها في عقدة مدورة، ثم مسحت وجهها بيديها وهي تنظر لعينيها اللتين تحول لونهما لدرجة أكثر قتامة ممزوجة بالحُمرة. وأخذت تردد أمام المرآة:
ـ فريد مش بيحبني، عادي! أكيد ده مش عيب فيا، وأكيد هو الخسران! أيوة هو الخسران لأن أنا أتحب!!
ابتسمت، اتسعت ابتسامتها برضا، أكثر، حتى تحولت إلى ضحكات، قهقهات مدوية، يليها بكاء عارم ارتد صوته في الأرجاء.
ـ بس أنا مش عاوزة أتحب من حد غيرُه!!
قالتها وهي تتهاوى أرضًا ويدها تنزلق ببطء من حافة طاولة الزينة حتى سقطت على فخذيها وأخذت تنتحب بانهيار وضعف وقد خارت قواها تمامًا وسقطت كل الأقنعة التي كانت تختبئ خلفها قبل لحظات وتحطمت معها قواها المزعومة وبقيت خيبة الأمل في النهاية تحيط بها من كل جانب.
****
كانت تستلقي بين ذراعيه، يضمها إليه ويغمض عينيه باسترخاء، بينما هي ترمق عقارب الساعة المعلقة أمامها على الجدار بشرود. ودقات قلبها تتزامن مع دقات عقارب الساعة، مخلفةً وراءها ضجيجًا صامتًا يعبث بكيانها.
ـ شريف…
قالتها وهي تطلب انتباهه، فهمهم متسائلاً وهو يغمض عينيه فقالت:
ـ إمتى هتيجي تخطبني؟
لم تحصل منه على رد، ولكنها تفاجأت ببوادر ضحكة مكتومة ثم انفجرت وصارت قهقهة عالية. فنظرت إليه بتعجب واستنكار فقال:
ـ أخطبك؟
فهمت ما يقصده عندما جالت عيناه على جسدها العاري بين ذراعيه، في إشارة منه لحماقة سؤالها. فزفرت بسخط وقالت:
ـ أوكي فاهمة، بس دي خطوة ضرورية أكيد مش هنتجوز كده directly…
ـ نتجوز إيه يا بيبي ما إحنا already متجوزين أهو.
تنهدت بنفاذ صبر، واستدارت تستلقي على جانبها لتواجهه وهي تقول باستهجان:
ـ شريف بلاش أسلوبك ده إنت فاهمني كويس، إمتا هتكلم مامي؟
زفر بضجر وهو يسلت يده من أسفل ظهرها، ثم جلس فوق السرير ومد يده ليلتقط سيجارة من على الكومود بجواره، ثم قال:
ـ أنا مش شايف يا چوليا إن في داعي إني أكلم عمتو، إحنا مع بعض أهو ومبسوطين، لزمتها إيه بقا؟
نظرت إليه بتعجب، واعتدلت لتجلس بجواره وهي تتساءل بضيق وغضب طفا على سطح زرقة البحر بعينيها وقالت:
ـ يعني إيه لزمتها إيه؟ في إيه يا شريف مالك؟
ـ مالك إنتِ يا چوليا بقيتي زنانة ليه؟ هو أنا كنت قايلك من الأول نتجوز ولا إنتي اللي طلبتي؟
ارتفع حاجباها بصدمة وهي تقول بغير تصديق:
ـ يعني إيه أنا اللي طلبت؟ هو إنت كنت منتظر إننا نقضيها كده وخلاص؟ ده أنا بحسب إنك مبسوط بجوازنا أكتر مني!!
نفث دخان السيجارة بوجهها وهو يقول بلهجة ساخرة:
ـ بصراحة لأ مش مبسوط، إنتِ عارفة إني مش بحب أكون مقيد، بس عملتلك اللي إنتي عاوزاه عشان متزعليش. لزمته إيه بقا النكد والكلام اللي ملوش لزمة ده؟
انهالت الدموع من عينيها بوفرة وهي تنظر إليه بذهول، تراقب عينيه وهو يتحدث، وعينيه تبوح بصدق بأنه مَل فعلاً، ويخبرها بها بكل سخف ودناءة:
ـ بصراحة يا چوليا أنا زهقت، أنا بقول كدا كفاية ونعتبر إنها كانت Just a fun moment وخلاص خلصت.
رمقته بذهول، بصدمة حولتها من قطة وديعة لوحش كاسر له أنياب، ورددت تحاول استيعاب ما قاله:
ـ Just a fun moment؟ علاقتنا بالنسبة ليك كانت مجرد تسلية ولحظات حلوة وخلاص؟
ـ أعتقد لو إنتي كمان حسبتيها بالطريقة دي يبقا محدش فينا خسران يا چوچي.
هزت رأسها بموافقة واهية، ثم خرج صوتها هامساً، منخفضاً، هادئاً لدرجة لم تتوقع أن يصله:
ـ أنا حامل يا شريف!
كان صوتها بعيداً لكن بطريقة ما وصله، لأن رأسه تحرك في اتجاهها، واستطاعت أن ترى عدم التصديق على وجهه، وكأنه ظن ما قالته وهما من صنع خياله.
ـ بتقولي إيه؟
كررت ما قالته وهي تتجرع مرارة الخذلان وتمسكت بثبات في مكانها وهي ترقبه يدنو منها، ثم قبض على ذراعها بغيظ وهو يقول:
ـ بتقولي إيه؟ بتقولي إيـــه انتِ؟
ـ بقولك حامـ…
ـ حامل إيه وزفت إيه انتي هتستعبطي؟ حامل إزاي وانتِ عارفة إن الورقة اللي بينا مجرد ورقة بنضحك بيها على نفسنا وخلاص! ولا إنتي كنتي مفكرة إن إني بحبك وهتجوزك بجد؟
سقطت دمعاتها بضعف وغير تصديق ثم قالت:
ـ يعني إيه؟ يعني إنت مش بتحبني؟ كل السنين دي ومش بتحبني؟ كل السنين دي بتوهمني إنك بتحبني؟ شريف إحنا بقالنا مع بعض عشر سنين!! أنا عمري ما حبيت غيرك وانت عارف.
ـ بس أنا بقا حبيت!
انفلت لسانه بتلك الكلمات، هو لم يتعمد قولها ولكنه تفاجأ بنفسه كما تفاجأت هي الآن وأكثر!!
اندفعت عيناها نحوه بقوة، تطالعه باستغراب واستنكار، وتغضن جبينها بتعجب وتساءلت:
ـ حبيت؟ حبيت غيري؟
نهض من السرير واقفاً وهو يضع ما تبقى من سيجارته بالمطفأة، ووقف أمام الخزانة ينتقي ثياباً ليرتديها، فنهضت واندفعت ساقاها نحوه وهي تكرر:
ـ بسألك يا شريف، حبيت غيري؟
نظر إليها ليواجهها وقال بإقرار:
ـ أيوة يا چوليا حبيت غيرك!
اللعنة!! إنه يقولها بكل صراحة.. لا بل بكل وقاحة، يخبرها أنه يعشق غيرها الآن! إذاً، وأين هي؟ ما محلها من الإعراب في حياته؟
ـ طب وأنا؟
زفر بضيق وملل سافر، ثم زم شفتيه باستياء وأسف مصطنع وهو يقول:
ـ إنتِ بنت عمتي وصاحبتي، اخلصي من الحمل ده وانسي كل حاجة حصلت وخلينا نرجع صحاب زي الأول!
وأحاط خدها بكفه وهو يقول مبتسماً:
ـ ممكن؟
نزعت كفه من على خدها وبنفس اليد وفي نفس اللحظة صفعته بقوة وغل مكبوت وهي تقول بقسوة:
ـ إنت أكبر حيوان أنا شُفته في حياتي!
تلمس مكان صفعتها بغضب عاصف، وصرّ على أسنانه بغيظ وتمتم بهدوء ينذر بالخطر:
ـ إمشي من قدامي يا چوليا، حالااااا.
لم تعارض، بالفعل انسحبت من مواجهته والتقطت ثيابها وحقيبتها ثم غادرت الغرفة. انتقلت إلى الغرفة المجاورة وألقت بأغراضها على الفراش بإهمال ثم سقطت بجوارهم تبكي بكاءً حارًا، تذرف دموعًا خرساء مزقت أحشاءها وكوت قلبها.
وبعد أن تمالكت نفسها نهضت لكي تأخذ حماماً وترتدي ثيابها ثم تغادر ذلك البيت الملعون. لا تعرف إن كانت ستعود إليه مجدداً أو لا، ولكن ما تعرفه جيداً أنها حتى لو عادت فلن تعود إليه كما خرجت منه أبداً.
***
كانت نغم تجلس على الفراش الوثير بمرتبته الإسفنجية المريحة التي تناقض كومة الحجر التي كانت تعتليها كل ليلة، شاردة.
ذلك الخبر الذي ألقاه قبل ساعات قبل أن يغادر قلب الموازين، أفسد فرحتها بوجودها في منزل كهذا، أفسد فرحتها بامتلاكها لغرفة فائقة الروعة كهذه، أفقدها تركيزها وانتباهها وكان على وشك أن يفقدها وعيها من جديد.
سيعود لمنزله!! بعد غياب من الواضح أنه دام لسنوات طويلة، وهذا ما استطاعت استنتاجه بعد تلك الزغرودة الطويلة التي انطلق بها لسان زينب الخادمة، وتلك الفرحة والحماس الذي ظهر على أخيه، والتعجب الذي ارتسم على وجه ذاك العُقاب الأصلع المدعو سالم، والدهشة التي استعارت ملامح تلك الطويلة زوجته.
هذه التعابير المختلفة لا تدل سوى على أنه كان يعيش بمنفى وحيداً منذ سنوات طويلة، ولسبب جعل تصديق الخبر أمراً صعباً. ترى ما هو؟ وترى لمَ عاد الآن؟ وفي نفس اليوم الذي دخلت هي فيه إلى الڤيلا؟ هل بمحض الصدفة؟ أم أنه قرارٌ مدروس مسبقاً؟ هل عاد لأجلها؟
ـ يا خبر اسوووووودددد
قالتها وهي تلطم وجنتيها بانهيار عندما خطر على بالها ذلك الخاطر.
أيعقل أنه عاد لأجلها فعلاً؟ هذا يعني أنه يعرفها؟ وهذا يعني أيضاً أن تلك الباروكة الشقراء.. أقصد الحمقاء.. لم تجدِ نفعاً على الإطلاق!
وكل مساحيق الزينة التي لطخت بها وجهها ربما كانت مغشوشة لذلك لم تحقق المطلوب منها.
ويعني أيضاً أنه شخص يمتلك مكراً ودهاءً لا مثيل لهما، ودهاءه مقابل غباءها وسذاجتها سيصنعان كارثة حقيقية!
خللت شعرها بيديها بيأس وهي تردد:
ـ أعمل إيه دلوقتي بس؟ لو طلع عارفني هيكون مصيري إيه؟
انفرج الباب فجأة فانكمشت حول نفسها بخوف، لتجدها زينب فتنهدت ببطء وهي تحاول تهدئة روعها، فابتسمت زينب وهي تقول:
ـ خبطت مرتين ولما مردتيش فكرتك نمتي!
تنحنحت نغم ثم قالت وهي تحاول مواراة خوفها:
ـ معلش كنت سرحانة ومسمعتش.
أومأت زينب بتفهم، ثم وضعت ما بيدها فوق الفراش وهي تشير إليه قائلة:
ـ جبتلك بيچامة من بيچامات نسيم هانم، هتكون واسعة عليكي شوية بس مش مشكلة قضي فيها الليلة دي بس على ما نروح بكرة أنا وانتي نشتريلك كل اللي هتحتاجيه.
لم تفلح في إخفاء ابتسامتها وقالت بامتنان صادق:
ـ شكراً يا زينب هانم.
ابتسمت زينب ابتسامة أقرب للضحك وقالت:
ـ أنا مش هانم يا بنتي، الهوانم هنا الست نادية وبناتها ونسيم، إنما أنا تقوليلي زينب وبس..
رفعت نغم حاجبيها بتعجب وقالت باستنكار:
ـ لأ طبعاً مينفعش، زينب بس إزاي؟ طيب ينفع أقول لك يا خالتي زينب؟ أصل أنا حبيتك أوي.
ضحكت زينب بألفة حقيقية وأومأت وهي تقول:
ـ ماشي خالتي خالتي، بس قدام أي حد منهم يستحسن تكلميني برسمية، النظام هنا كده.
ـ أكلمك برسمية إزاي؟
ـ يعني تقوليلي يا زينب وبس! خالتي دي بيني وبينك كده.
ابتسمت نغم وقد بدأت الراحة بالتسلل إليها قليلاً ثم أومأت بتأكيد وهي تقول بفضول نهم:
ـ طب بقولك إيه، انتي قولتي نادية هانم وبناتها ونسيم.. معنى كده إن نسيم مش بنتها هي كمان؟
زَمّت زينب شفتيها باستياء وقالت:
ـ هنبتديها من أولها كده فضول ونتدخل في اللي ملناش فيه؟ خلي بالك هنا ممنوع حد يتدخل في حاجة متخصوش، الباشا زعله وحش وإحنا مش قده.
ارتبكت عند ذكر اسمه وتمتمت بضيق:
ـ لأ وعلى إيه، ربنا يجعل كلامنا خفيف عليه.
ـ طيب يلا غيري هدومك ونامي، الساعة داخلة على ٢، ولو احتاجتي حاجة خبطي على أوضتي اللي جمبك دي.
تسابق لسانها لتسأل بفضول وتعجب في آنٍ واحد:
ـ إيه ده هو انتي أوضتك جنب أوض الضيوف ليه هو انتي مش خدامة!!
وتداركت ما قالته سريعاً فأغمضت عيناً واحدة وهي تحك أنفها بتوتر وقالت:
ـ معلش أنا مش قصدي.
قابلت زينب توترها بابتسامة مصحوبة بضحكة خفيفة وهي تقول:
ـ ده انتِ شكلك حكاية، على العموم أنا مش خدامة، أنا هنا Housekeeper.
ـ ها؟
ـ أقصد إني المسؤولة عن البيت وشؤون البيت والخدامات والعمال الموجودين كلهم.
ـ مممم.. رئيسة الخدم يعني!!
لم تمنع زينب ضحكتها التي بعثت الراحة في نفس نغم وجعلتها تضحك بدورها، ثم تمتمت وقالت:
ـ حاجة زي كده.. يلا غيري ونامي.. تصبحي على خير.
ـ طيب آخر سؤال والله..
زمت زينب شفتيها بضيق وانزعاج وهي تهمهم بتساؤل:
ـ ها؟؟
ـ هو فريد.. أقصد فريد بيه بقاله كتير مش عايش هنا ولا إيه؟ أصلك مقدرتيش تمسكي نفسك وزغرطتي لما سمعتيه بيقول راجع بكرة!
عادت الابتسامة لوجه زينب وتمتمت:
ـ أيوة، بقالُه عشر سنين عايش في بيت لوحده.
شردت نغم بحديثها وهي تردد:
ـ وجاي يرجع الڤيلا على حظ قرمط!
ـ إيه؟
انتبهت نغم لما قالته وابتسمت بحرج وهي تقول:
ـ أبداً.. عالعموم متشكرة صدعتك معايا.
ـ يلا تصبحي على خير.
ـ وانتِ من أهله يا خالتي.
هزت زينب رأسها باستسلام لتلك الفتاة غريبة الأطوار التي حطت بقدميها منزلهم وخرجت وأغلقت الباب خلفها، فأمسكت نغم بالمنامة التي أحضرتها لها زينب وأخذت تتفحصها بانبهار وهي تردد:
ـ نسيم دي شكلها طيبة، يارب بس متبقاش حيزبونة زي جوز الملونين التانيين.
وأسرعت بتبديل تلك الملابس البالية التي أعارتها الممرضة إياها قبل خروجها من المشفى، وارتدت منامة نسيم التي تحمل نقوشات على شكل قلوب وردية اللون بأرضية بيضاء، ووقفت أمام المرآة وأخذت تطالع نفسها بحماس وابتسامتها تكاد تتخطى أذنيها وهي تمدح طلتها الحالمة قائلةً:
ـ حلاوتك يا أنون.
وفجأة تهدلت ملامحها، وأخذت تحدق بنفسها بأسى، ثم تنهدت باشتياق لخالتها التي كانت تناديها بذلك اللقب دومًا، ثم سارت نحو الفراش وألقت بنفسها فوقه، ضمت ركبتيها إلى صدرها وتكوّمت حول نفسها بحنين وهي تسترجع لمسات خالتها الحنونة، وتهويدتها التي كانت تغنيها لها أحياناً عندما كانت تحايلها كطفلة يستعصي عليها النوم، وأخذت ترددها وهي تتخيل نفسها بين أحضانها، ويدها تمسح على رأسها برفق، وأنفاسها تصنع هالة من الدفء والأمان حولها، إلى أن غطت في النوم.
رواية محسنين الغرام الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نعمة حسن
كالعادة كانت تلك الكلمات طريق فريد للتعبير عما يشعر به الآن، فما يشعر به لا يجد له وصفا لأن أيا كان ما سيصفه به فهو سيكون غير منصف بالمرة.
دون تلك الكلمات على مدونته الإلكترونية ثم أغلق الحاسوب وأسنده فوق الفراش، ثم نهض ليجمع أغراضه المهمة والضرورية استعدادا للانتقال للعيش ـ لفترة مؤقتة ـ في الڤيلا لحين الوصول لغايته ومن بعدها سيعود لمنزله على الفور.
ذلك القرار يشعره بالضيق، وكأنه يحمل الكرة الأرضية كلها فوق صدره، ولكنه سيلجأ إليه مضطرا، فنهض وجمع أغراضه وقام بوضعها في الحقيبة بترتيب ودقة، وغادر المنزل من بعدها.
استقل سيارته وانطلق في طريقه نحو الڤيلا وهو يقوم بالاتصال بزينب التي أجابت على الفور وقالت:
ـ صباح الخير يا فريد بيه.
ـ صباح الخير يا زينب، جهزتي الاوضه؟
ـ كل حاجة جاهزة وزي حضرتك ما أمرت يا فريد بيه، جهزتها بنفسي ولوحدي وبعد ما نضفتها عقمتها.
ـ تمام، شكرا يا زينب.
ـ العفو حضرتك تحت أمرك.
أنهي الاتصال وأكمل طريقه ليصل الڤيلا بعد حوالي نصف ساعة.
صف سيارته ونزل منها فحانت منه التفاتة نحو منصور الذي يقف كالجبل في مكانه، وشعر بالدماء تغلي في عروقه وهو يتخيل كيف سيكون مضطرا لرؤية ذلك الكائن البغيض أكثر من مرة كل يوم.
أغلق الباب واستدار ليفتح حقيبة السيارة الخلفية وأنزل منها حقيبتيه الكبيرتين فأسرع أحد أفراد الأمن نحوه يعرض المساعدة ولكن فريد أوقفه بإشارة من يده قائلا:
ـ لأ متلمسهاش!
تراجع الشاب حيث كان، فحمل فريد حقائبه ثم دخل الڤيلا وهو يتجاهل تلك المشاعر السلبية التي تخالجه، فاستقبلته زينب ورحبت به قائلة:
ـ حمدالله على السلامة يا فريد بيه، نورت بيتك.
أومأ ببساطة قائلا:
ـ متشكر يا زينب، حد صحي؟
هو لم يقصد السؤال عن الجميع، وإنما قصدَها هي بالتحديد، ونظرت عيناه لاإراديا نحو غرفتها، فأجابته زينب:
ـ الباشا في مكتبه من ساعة، والباقي كلهم نايمين لسة.
أومأ موافقا وحمل حقائبه وصعد للأعلى، بالطبع زينب لم تعرض عليه المساعدة لأنه شرح لها الوضع كاملا وأخبرها أنه يعاني من حساسية مفرطة تجاه لمس أحدهم أغراضه، وأنه ليس مسموحا لشخصٍ غيرها بلمس أي شيء يخصه وذلك بعد أن تعقم يديها جيدا وترتدي قفازات طبية وتضع قناعا طبيا خلال تواجدها في غرفته.
صعد فريد نحو غرفته، وكلما اقترب منها خطوة شعر بأن قلبه قد بلغ حنجرته من فرط اضطرابه وانزعاجه، وفور أن توقف أمام الباب تنهد تنهيدة حارة وهو يحاول إسكات نداء عقله الداخلي بالفرار والابتعاد عن هذا المكان بسرعة.
أخرج زجاجة الكحول من جيبه ورش منها على المقبض ثم أداره ودخل، فاستقبلته رائحة محملة بالذكريات، محملة بجراح الماضي وآلامه، خيم عليه الصمت، فبرزت من حوله تلك الأصوات التي حفّته بالحنين لماضٍ غادر.
صوت ضحكات طفل في العاشرة، صوت تهويدة أم كل ليلة، صوت بكاء ونهنهات غاضبة، صوت شجار، عتاب، مواساة، تعنيف.
أصوات جسدت له الماضي وكأنه واقعٌ الآن.
تنهد مجددا بتثاقل، ثم دلف الغرفة ومد يده يضغط زر الضوء، فظهرت أمامه غرفة هجرها قبل عشر سنوات ولم يُخيل له أن يعود إليها مجددا أبدا.
هنا غرفته التي اختارتها أمه بنفسها، وبالرغم من أن أثاث المنزل بالكامل يتغير كل عام أو عامين على الأكثر إلا أنه كان يرفض دائما أن يقترب أحدهم من غرفته، حتى بعد أن غادر الڤيلا ولكنه ظل وفيًا لذكريات والدته ورفض أن يقترب أي مخلوق من الغرفة أو يعبث بأي ٍ من محتوياتها.
في صدر الغرفة سرير بسيط، شهد عشر سنوات من طفولته وخمسة عشر عاما من شبابه، بجواره خزانة مستطيلة بيضاء، يوازيها طاولة زينة تحتل نصف مساحة الجدار، وبجوارها مكتبة فارغة تنتظر أن تعانق المئات من كتب.
دخل وأغلق الباب بكوعه، ثم أخرج زجاجة الكحول مجددا ورش على المقبض الداخلي، وفي أرجاء مختلفة متفرقة من الغرفة، ثم جلس على السرير بإحباط وألقى الزجاجة بجواره على الفراش.
مهلا.. إنها في وضع مريب.. وضع مثير للضيق والحنق، لذا قام بتعديلها بحيث أصبحت في وضع أفقي، ومن ثم أحاط رأسه بكفيه وأخذ يضغط على جانبي رأسه وهو يشعر وكأنه على حافة الجنون. وعقله عالق في تخيلات ومشاهد افتراضية وهواجس وهمية أضرمت النيران برأسه.
ولم يُخمد تلك النيران سوى صوت طرقات على الباب فنهض وفتحه ليجد زينب أمامه تقول:
ـ فريد بيه، الباشا أمرني أبلغ الجميع إن الفطار النهارده جماعي.
شرد لثوان، ثم هز رأسه موافقا وأغلق الباب، ثم عاد ووقف أمام مرآته، يطالع نفسه وهو يدس يديه في جيبي بنطاله.
الجميع سيحضرون على مائدة الإفطار إذًا!! وبالتأكيد ستكون تلك المحتالة من ضمنهم، حسنًا.. لا بأس بقليل من التنازلات.
سار بخطوات متثاقلة نحو حقيبته ثم أخرج منها دواءً وصفه الطبيب له من قبل لتهدئة اضطرابات المعدة، وتناول منه حبتين، ثم أعاده إلى الحقيبة من جديد وشرد في تلك الصورة المؤطرة على الحائط..صورته وهو يحمل نسيم على ظهره، وابتسم لتلك الذكرى.. ابتسم ابتسامة واسعة ممزوجة بالحنين الآسر، ابتسامة حصرية له فقط.
ثم خرج من الغرفة واتجه نحو غرفة نسيم.
صوتٌ كالطَرقات اخترق منامها الذي كان يشبه قتالا عنيفا وجعلها تصحو منه فجأة وقد أجفلت وجلست بمكانها بخوف، ثم أرهفت السمع وأخذت تنظر حولها لدقائق حتى استوعبت المكان من حولها..إنها الآن تتواجد في عُقر دار الباشا صاحب الطلة المهيبة والصوت المفزع سالم مرسال.
طُرق الباب مجددا، فأجفلت مرة أخرى وهي تخمن هوية الطارق! ولكنها عادت لتطمئن نفسها أنه ليس هو من تخشاه بالتأكيد، فخرج صوتها من أعمق نقطة بداخلها وهي تقول:
ـ خُش.
رأت المقبض من الداخل يُدار، ثم ظهرت زينب التي تحمل بيدها كيسًا من القماش استطاعت نغم تخمين ما بداخله بسهوله، وخطت للداخل وهي تقول:
ـ صباح الخير.
ـ صباح النور.
ـ يلا قومي اجهزي والبسي الهدوم دي عشان هتفطري ونخرج بعدها نشتريلك شوية حاجات.
تحمست نغم واختلط حماسها بقلقها، فتساءلت بتردد غلب خوفها:
ـ فريد بيه وصل؟
ـ أيوة، وصل من ساعة وهو دلوقتي في أوضته بيرتب هدومه.
ـ طيب هيكون موجود على الفطار؟
ظهر التعجب باديًا على وجه زينب التي أثارت نغم شكوكها باهتمامها بفريد خصيصًا وسؤالها المتكرر عنه منذ الأمس، فالتقطت نغم ما يدور برأسها سريعا لذا قالت تحاول درء الشبهة عنها:
ـ بصراحة بسأل لأني من ساعة ما شوفته وانا حاسه انه مش طايقني ومش راضي عن وجودي هنا، عشان كده مش عاوزة أظهر قدامه عشان ميبقاش مضايق.
هزت زينب رأسها بتفهم وهي تقول:
ـ على فكرة مستحيل تلاقي أطيب من فريد بيه في العيلة كلها..
واستطردت وهي تشير بيدها بتخيل واسع:
ـ فريد بيه ده نسمة، استحالة يزعل حد بكلمة ولا بحرف حتى.
اطمأنت نغم قليلا، ولكن زينب أذهبت اطمئنانها ذلك مع الريح حين تابعت:
ـ لكن اللي ييجي عليه هو أو حد من عيلته ينسفه.
ـ يـ… إيه؟
ـ ينسفه.
هزت نغم رأسها مدعيةً التفهم ولكن الكلمة هزت القليل المتبقي من هدوئها، ورددت بسخرية من حالها:
ـ ربنا يطمنك.
ـ يلا غيري هدومك بسرعة عشان سالم بيه أمر إن الكل يتجمع على الفطار النهارده، حتى انتِ لازم تكوني موجودة على الفطار.. والكل برة دلوقتي مستنيين ينزل.
رمشت مرات عدة بتوتر وهي تسألها مجددا بريبة:
ـ طلب إني أفطر معاهم؟
لتجيب الأخرى وهي تهم بالمغادرة:
ـ أمر مش طلب، الباشا بيؤمر مبيطلبش.
انزلق ريقها لا إراديًا بتوتر وشعرت بالرهبة تسري في أطرافها، وأخذت تحدق بها بضياع، بينما استدارت زينب قبل أن تغادر وقالت بابتسامة متكلفة:
ـ وحاجة أخيرة.. لما حد بيخبط على أوضتنا بنقول اتفضل أو أدخل، بلاش خُش دي.
ارتجف فك نغم وهي توميء بطاعة، بينما هي كانت في الواقع غارقة في شيء أكبر من ذلك بكثير..كيف ستتناول الطعام وهي تشاركه نفس الطاولة؟ في الواقع هي على أتم الاستعداد أن تتنازل عن حصتها في الإفطار لمدة سنة كاملة في سبيل الهروب من مواجهته.
وبينما هي شاردة، كان صوت سالم هو من انتزعها من تفكيرها، حينما سمعته وأدركت أنه قد حضر إلى طاولة الإفطار، فأسرعت تبدل ملابسها سريعا بالأخرى التي أحضرتها زينب، حيث كان الطقم عبارة عن سروال جينز وقميص قطني أزرق بنقوش حمراء.
نظرت نغم إلى نفسها بالمرآة سريعا ورتبت شعرها سريعا ثم وقفت تأخذ نفسًا عميقًا وزفرته على مهل وهي تردد:
ـ أنا فاقدة الذاكرة. ومش فاكرة أي حاجة، أي حد هيسألني على أي حاجة هقول مش فاكرة.
فتحت الباب وخرجت وهي تشعر بأن قدميها كلوحين من الثلج يذوبان أسفلها بسرعة، وسحبت شهيقا طويلا ملأت به رئتيها ثم تقدمت نحو غرفة الطعام حيث ينبعث منها العديد من الأصوات المتداخلة.
توقفت أمام باب الغرفة ترمق الجميع بخوف، وبحركة لا إرادية امتدت يدها تعدل قميصها بقلق، وبينما هي تحدق بهم رأت سالم يلوح لها بيده، على الأرجح يشير إليها أن تقترب، فوقفت بمكانها تحدق في وجهه مذعورة كفأر غارق، فكرر إشارته وهو يقول:
ـ تعالي واقفة عندك ليه؟
حركت عينيها كمخمور يستعيد وعيه للتو، ودَنَت ببطء وهي تجر قدميها الذائبتين بقوة وكأنها تقترب من منصة إعدام وليس طاولة طعام، وما إن وصلت إليهم حتى أجبرت صوتها الهارب على الخروج وقالت:
ـ صباح الخير.
لم تستمع سوى لصوتين أجابا تحيتها، أحدهما كان صوت سالم والآخر ناصع البياض الذي صدمها بسيارته المدعو عمر.
ـ اتفضلي.
أشار سالم إليها لكي تجلس، فوقفت بمكانها ترمق المقاعد الشاغرة.. طاولة مكونة من اثني عشر مقعدًا، يرأسها سالم وعلى يمينه عمر وبجواره شقيقتيه، وبلمحة خاطفة استطاعت أن تقيم الموقف..
بما أن الباشا يجلس على رأس الطاولة وعلى شماله ابنه عمر ومن بعده الشقراوتين فبالتأكيد على يمينه سيجلس ابنه الأكبر في مقابل أخيه، وزوجته ستجلس في المقعد الرئيسي المواجه لمقعد لسالم.
لذا فأنسب مكان لها يحجبها عن أنظار ذلك الرجل الفريد هو هناك، في أقصى الشمال.. على يمين المقعد الرئيسي، لا يهم إن كانت ستجاور تلك المرأة حادة الملامح، الأهم هو أن تكون بعيدة قدر الإمكان عن نظراته الصقرية التي تجعل الماء يتسرب إلى جمجمتها فتصاب بالعته.
جلست وهي تتلاشى النظر إليهم، ونجحت في ترويض عينيها اللتين كانتا ترغبان في تفحص وجوه المحيطين بها لتتبين ردات فعل كلا منهم، حيث أنها تكاد تجزم أن وجودها غير مرحب به على الاطلاق من قِبل الشقراوتين ووالدتهما. ولكنها التفتت إجباريا حينما نطق سالم متسائلا:
ـ فين نادية هانم؟
وقبل أن يجيب أحدا منهم كانت نادية من أجابت بنفسها حينما تقدمت منهم ووقفت أمام الباب وهي تقول:
ـ أنا مش هقدر أفطر، مستنياك يا سالم في المكتب لما تخلص عشان نتكلم.
أشار إلى شماله وهو يقول بحزم، وبنظرة أصابت هدفها تماما:
ـ نفطر الأول وبعدين نتكلم.
لم تعترض، لم تملك القوة أساسا لكي تجادله على أمر تافه كهذا، فمن المؤكد أنها ستحتاج لكل ذرة قوة وطاقة تملكها بعد قليل. لذا اقتربت واتخذت مكانها بجواره، على شماله تماما.
وفي خضم توترها وتفكيرها في صاحب المقعد الرئيسي المجاور لها استمعت إليه يتساءل بحدة أكبر:
ـ وفين نسيم؟
نظروا جميعا لبعضهم البعض بتعجب، لماذا يسأل عن نسيم وهو من أمر منذ زمن بأن يذهب إليها الطعام إلى غرفتها؟ ما الذي جد الآن؟
كان يوجه سؤاله نحو زينب التي تقف عند الباب في انتظار انتهاء العاملات المسؤولات عن تقديم الطعام من عملهن، ولكن بسؤاله ارتبكت ولم تُجب فقال مستنكرًا:
ـ هو أنا مش أمرت الكل يكونوا موجودين على الفطار؟
أومأت زينب بطاعة وهي تتحرك بالفعل وتقول:
ـ تحت أمرك يا باشا، حالا هبلغها.
انصرفت زينب سريعا نحو الطابق العلوي، بينما نغم كانت تختلس النظر نحو الموجودين وتراقب التعجب المتسيد على قسمات وجوههم بتعجب مشابه، وفي داخلها تتساءل، ما الأمر؟
ما هذا الغموض الذي يحيط بذلك الرجل وعائلته؟
وبينما هي تحاول فك شيفراتهم استمعت إلى صوت وقع أقدام أنيقة، أسري الصقيع في جسدها وجعلها ترتجف بردًا وتتصبب عرقًا في آنٍ واحد.
أرغمت عيناها على التركيز في طبقها ولكن نظراتها خانتها حينما شعرت بحضوره، حضوره الذي طغى على حضور الكل، ورائحة عطره التي عبثت بكيمياء مخها وجعلتها تشعر بالدوار، فرفعت عيناها مرغمةً إلى مستوى عينيه، وتقابلت نظراتهما لجزء من الثانية، قبل أن تخفض عينيها مجددا حينما رأته يرمقها بطرف عينه.
ـ صباح الخير.
ألقاها بصوته الرخيم وهو يسحب المقعد الرئيسي المجاور لها!
تبًا..!!!!
ألا يفترض به أن يجلس على يمين والده وتجلس والدته مقابل والده؟ إذًا لماذا يجلس الآن في مواجهة والده؟
ما هذا الحظ؟ هل اختارت بنفسها المقعد المجاور له؟ هل هربت منه وتركت كل المقاعد ثم جاءت لتجلس بالمقعد الملتصق به؟
أحسنتِ نغم، اختيار موفق للغاية!!
فيما كانت هي غارقة في تفكيرها في القرب منه بهذا الشكل، وفيما كان الجميع يتعجبون جلوس فريد بمواجهة والده، كان سالم قد وصل لتفكير تخطى قدراتهم جميعا …ابنه يتحداه!!
فريد الذي فر هاربًا من سجنه كما ادعى قبل عشر سنوات، عاد الآن فجأة دون مقدمات وبكامل إرادته ليتخذ مكانه الطبيعي في بيت والده، ليس ذلك فحسب، بل اتخذ المقعد المحظور كمقعدٍ خاصٍ به. بالرغم من أنه يعرف أن والده منع أيًا من أفراد المنزل حتى زوجته من الجلوس على ذلك المقعد لكي لا يتواجد سواه مالكًا ومسيطرًا وسيدًا .. ولكنه ضرب بأول قوانين والده عرض الحائط وجلس على المقعد المواجه له تماما وكأنه يعلنها صريحةً .. أنا مُقابلك!!
شيئا ما أثار حماس سالم، ولكن بقدر ما أثار حماسه أخافه.. فهو يعرف فريد جيدًا، عنيد، شديد الشَكيمة وصعب المِراس.. وبما أنه أعلن تمرده وخرقه للقوانين منذ الساعة الأولى له في البيت فهذا يعني أن الآتي لا ينذر بالخير أبدا.
كانت نغم ترتجف، قلبها بداخلها يرتجف، وجميع أوصالها ترتجف، وامتدت يدها تعبث بشعرها بتوتر وهي تجهل أنها تثير انتباهه أكثر.
في الواقع هو لم يكن في حال أحسن منها، فهو أيضا كان مرتبكا لأبعد حد، وانقباضات معدته تشي بأن هناك خطرا قادما في الطريق إليه. ولكن ظهور نسيم فجأة هو من خفف من وطأة ذلك الشعور.
ـ صباح الخير.
قالتها نسيم بخوف وهي تتلاشى النظر إلى والدها، فنظر إليها فريد مبتسمًا ابتسامة شحيحة وقال:
ـ صباح الخير حبيبتي.
ابتسمت له وحده، ثم جلست على شماله في مقابل نغم، فمد يده وضغط بها على يدها وكأنه يمنحها دعمًا خفيًا، ثم نظر إلى والده الذي برز صوته قائلا:
ـ طبعًا كلكوا مستغربين أنا ليه طلبت إن الكل يكونوا موجودين النهارده على الفطار، وهتستغربوا أكتر لما تعرفوا إن ده أمر دائم، من هنا ورايح كلنا هنتجمع على الفطار والعشا..
ونظر نحو نسيم وكأنه يخبرها أنها أيضًا معنية بذلك الأمر، ثم تابع وهو يجول بعينيه عليهم واحدا تلو الآخر:
ـ إنما الغدا ده براحتكم تقدروا تتغدوا في المكان اللي تحبوه، طبعًا لأن الأغلبية مش بيكونوا متواجدين في البيت وقت الغدا. دي حاجة. تاني حاجة بقا إني جمعتكم عشان نرحب بالضيفة اللذيذة اللي منورانا.
وأشار إلى نغم التي شعرت بنظراتهم المصوبة نحوها وكأنها سهامٌ اخترقت جسدها، ومالت عينيها بنظرة جانبية تلقائيا نحو فريد ولكنها لم تجرؤ على النظر إليه مباشرةً ثم قالت بارتباك واضح:
ـ شكرا.
ابتسم سالم وهو ينقل بصره بينها وبين فريد ثم قال:
ـ احنا اللي المفروض نشكرك، ولا إيه يا عمر؟
ونظر تجاه عمر الذي كان يراقب الموقف بملل ثم قال:
ـ صح..ونظر نحو نغم وابتسم قائلا:
ـ شكرا ليكي.
هزت رأسها بهدوء ثم نظرت إلى سالم مجددا فقال:
ـ وأهم حاجة عاوز أتكلم فيها النهاردة قدام الجميع هو إني حبيت أرحب بفريد قدامكم كلكم وأقول له إن مكانه مستنيه دايما.
اهتزت حدقتي فريد، ونال منه الارتباك للحظات ولكنه أفلح في إخفائه وهو يقول:
ـ شكرا.
أومأ سالم وهو يشير إليهم باسطًا ذراعيه وهو يقول:
ـ اتفضلوا افطروا..
قلبت چيلان عينيها بملل، ثم همت بتناول طعامها وهي تحاول تجاهل فريد قدر المستطاع، ثم همست إلى چوليا التي بدأت تعبث بطعامها وقالت:
ـ اتضح إنه مجمعنا النهاردة عشان نرحب بالبيه والمتسولة اللي منعرفش ليها أصل من فصل.
كانت چوليا شاردةً، تحرك شوكتها بالطبق بتيه وعشوائية، فلم تتكبد چيلان عناء لفت انتباهها وبدأت بتناول فطورها بصمت.
بينما كانت نغم تجلس في موقف لا تحسد عليه، تختلس النظر بحرج نحو أيدي الجالسين لكي تلتقط منهم التعامل مع هذه المائدة الضخمة المملوءة بأصناف عديدة تراها لأول مرة، وفي خضم توترها صوبت عيناها نحو طبقه حيث أنه الأقرب إليها. رأته يلتقط شريحة خبز بشوكته ثم وضعها بطبقه ففعلت مثله وأخذت شريحة خبز ووضعتها بطبقها، قام بالتقاط شريحة جبن مدخن ففعلت ما فعله مجددا وبدأت بتقطيعها وعيناها مثبتة على يديه فرأته يميل للأمام ويلتقط شريحة من اللحم البارد وهو يقول بصوت خافت لم يسمعه أحد سواها:
ـ الشوكة في الايد الشمال.
اندفعت الدماء إلى وجنتيها بحرج، وبدلت موضع الشوكة والسكين ببطء ثم بدأت بتقطيع شريحة الخبز ومت ثم الجبن وهي لازالت ترمق يديه بقلة حيلة وتقلد حركاته لكي تنجو من هذا الموقف المحرج.
***
كان حسن بصدد الاستعداد للخروج مع أمه لكي يذهبا سويًا إلى المشفى لكي تتلقى جلسة العلاج الكيميائي، وقف أمامها وهو يساعدها على ارتداء حجابها، ثم مال على رأسها الذي بدأ يخلو من الشعر وقبّله بحزن وهو يقول:
ـ الله عليكي يا أم حسن لما بتتشيكي، بتبقي حاجة آخر ألاجة.. طب والله خايف يجيلك عريس وتتخطفي مني.
رمقته بضيق وانزعاج زائف، فمنذ ذلك اليوم الذي أساء فيه لنغم وهي تعامله معاملة جافة وتتجاهله وكأنه ذبابة، بيد أنها تتوق كثيرا لضمه والتخفيف عنه ولكنها تتراجع في كل مرة لكي لا يكرر ما قاله.
ـ ما خلاص بقا ياما مكانوش دول كلمتين قولتهم، وبعدين ما انتِ عارفة إني بتنيل بموت فيها ومهما قلت هيبقى من ورا قلبي.
نظرت إليه بنظرة يملؤها اللوم الصارخ، فأسند يده على كتفها الهزيل وهو يقول:
ـ والله ياما بحبها، نفسي أعرف سكتها فين بدل ما أنا هتجن عليها كده، أنا خايف .. خايف يكون جرالها حاجة واحنا منعرفش ..
ومسح على وجهه بغضب وضجر وهو يردد:
ـ ملعونة قلة الحيلة والحوجة اللي مخلية إيديا متربطة ومش عارفة أروح يمين ولا شمال.
انقبض قلبها فجأة وتذكرت تلك الكوابيس التي تعاني منها منذ فترة، وتمتمت مستغفرة ثم قالت:
ـ متقولش كده، نغم كويسة وزي الفل. أنا قلبي متأكد إنها كويسة، هي بس تلاقيها خايفة منك عشان كده مرجعتش..
تنهد بضيق وسخط من نفسع، بالفعل هو يشعر بذلك، خاصةً بعد أن قامت بالاتصال به من رقم مجهول لكي تستمع فقط إلى صوته ولم تتحدث، بالتأكيد هي، وبالتأكيد اشتاقت إليه، ولكنه الخوف اللعين.
حسنا هو يعلم أن ذلك الخوف لا ذنب لها فيه، وإنما هو حصاد أعماله، فما رأته منه ليس بهين أبدًا، ولكنها في نفس الوقت تعلم جيدا أنه يحبها وما يفعله معها مدفوعا بحبه لها، ألا يشفع له ذلك الحب؟!
تنهد بضيق قد وصل ذروته، ثم نظر إلى أمه قائلا:
ـ ادعيلي ياما، ادعيلي أعتر فيها… وصدقيني لو لقيتها أقسم بالله وعد مني ليكي مش هأذيها.
رفعت عائشة ناظريها إلى السماء وهي تتمتم بصوت غير مسموع:
ـ ربنا يجعلك في كل خطوة سلامة يا نغم ويوقف لك ولاد الحلال.
خرج حسن وهو يسندها، وتوجها نحو الخارج حيث ينتظر جارهم فتوح بسيارته، ركبت عائشة وهم هو بالركوب بالمقعد الأمامي ولكن فجأة وجد من يضع يده على كتفه وهو يقول بحدة مخيفة:
ـ إنت حسن جادالله؟
نظر حسن حوله بتعجب، فرأى رجلين يبدو أنهما من رجال الشرطة، نظر إليهما بتعجب وهو يقول بتوجس:
ـ أيوة!!
ـ قدامي يا حسن.
نظر حسن إلى سيارة الشرطة الموجودة والتي أشار إليها فتساءل حسن متوجسًا:
ـ على فين؟
ـ عالقسم، هناك هتعرف كل حاجه.
نزلت عيشة مجددا من السيارة وهي تنظر إليه بفزع وتقول:
ـ انتوا واخدينه على فين، هو ابني عمل إيه؟
ـ والله ياما ما عملت حاجة، متخافيش أكيد في حاجه غلط..
تمسكت بذراعه وهي تنظر إليهم بخوف وامتلأت عينيها بالدموع وهي تقول:
ـ أهو بيحلف إنه معملش حاجة، عاوزينه في إيه؟
قبض كلا من الرجلين على ذراعيّ حسن وهما يسحبانه نحو السيارة، بينما عائشة تتشبث به بقوة واهية وهي تقول ودموعها قد عرفت طريقها إلى خدها:
ـ سيبوه بالله عليكم ده أنا مليش غيره، ده كان جاي معايا المستشفى والله..
تعلقت عيناها بعينيه وهو يتحرك مُرغمًا، ونادته نداءً مبتورا ولكنه يعلم مقصده:
ـ يا حسن…
ـ متخافيش ياما أكيد سوء فهم أو يمكن تشابه أسماء، هرجع بسرعة متقلقيش..
وتحدث بصوت عالي قائلا:
ـ خد أمي عالمستشفى يا فتوح وخليك معاها لما تخلص جلستها، اوعى تسيبها لوحدها.
أومأ إليه فتوح موافقا بقلة حيلة واتجه نحو عائشة وهو يمسك يدها قائلا:
ـ يلا يا أم حسن..
هزت رأسها برفض وهي تقول:
ـ أنا مش رايحة في أي مكان غير لما يرجع حسن، هو حلف لي إنه معملش حاجة وأنا مصدقاه يبقا هيرجع طوالي.
ـ طيب يا خالتي بس لازم تاخدي الجرعة في ميعادها، وبعدين حسن أكد عليا لازم أوديكي، يبقا إزي الحال دلوقتي لما يرجع ويلاقينا مروحناش، أنا مش قد حسن اعملي معروف.
نظرت إليه وهي تبكي بقهر وتقول:
ـ هما عايزين منه إيه يا فتوح ده أنا مليش غيره، مش كفاية اتحرمت منه تلت سنين بحالهم عاوزين ياخدوه مني تاني ليه؟
ربت فتوح على كتفها وهو يقول محاولا مواساتها:
ـ متقلقيش يا ام حسن هيرجع والله إن شاء الله، يلا تعالي خلينا نلحق.
استجابت له أخيرا، ركبت بجواره وانطلق متحركا في طريقه إلى المشفى.
بينما هي كانت تنظر من النافذة بشرود وهي تبكي وتفكر، ماذا فعل؟ وماذا سيفعلون به الآن؟ هل ارتكب جريمة ما؟ ولكنها رأت الصدق في عينيه وهو يخبرها أنه لم يفعل شيئا، إذا ماذا حدث؟ وماذا سيكون مصيره ومصيرها إذا لم يخرج اليوم؟
هل من الممكن أن تفقده لسنوات عديدة مجددا؟ لماذا كتب عليها الفقد والحرمان لآخر عمرها؟
ولماذا كتب عليه الشقاء والذل دائما؟ هل لأنها هي من اختارت له ذلك السبيل من البداية؟ اختارت أن تحتفظ به لنفسها، لكي تستند عليه ويكون هو رجلها الذي سيعوضها عن خذلان والده لها، وفي المقابل تخلت عن ابنتها وألقت بها في أحضان والدها لكي تنعم بالعيش الرغيد معه، ولأنها كانت تعتقد أن لا منفعة في إنجاب الإناث سوى أنهم عالة ومسؤولية طاحنة فقط لا غير.
ألم تكن أنانية حين اختارت لبنتها الحياة الكريمة السوية وتمسكت بابنها لكي يعاني معها؟ ألم تكن أنانية حين أخفت عنه عائلته ذات الحسب والنسب والصيت الذائع ونسبته لأب مزيف لم يملك يومًا ما يكفي قوت يومه حتى!
ألم تكن أنانية حين تخلت عن ابنتها؟ ابنتها التي توفت في صغرها بسبب إهمال والدها اللعين، وعاشت هي تعاني ويلات الفقد والندم طوال السنوات الماضية.
ألم تكن أنانية حين حرمت حسن من أن يكون له والدا معروفا وأخا ذا مركز مرموق، ألم يكن من المفترض بهم الآن أن يكونوا هم أول من يركض لمساعدته، بدلا من كونه وحيدا يصارع كل شيء بمفرده كالمقطوع من شجرة، وفي الواقع هو فرع قوي ينحدر من شجرة عائلة عريقة ولكن كل ذنبه أنه ابنها هي!
أزالت دموعها ولم تتمكن من إزالة وصمة الخزي والندم التي وُشمت فوق جبينها من سنين، وعقدت النية بداخلها، فور أن يخرج حسن ستواجهه بكل شيء، لن تنتظر لحين يتوفاها الله ومن ثم يتلقى هو المكتوب الذي تركته مع جارتها، ستحكي له كل شيء بنفسها، ستواجهه وتتحمل قسوة لومه وعتابه.
نعم تعرف.. سيلومها لومًا قاسيا، ومن الممكن ألا يسامحها لأنها حرمته من أن يعيش حياة سوية ومنحته تلك الحياة البائسة، وفي الواقع هو محق.. وهي تعرف أنه محق، لذا ستتحمل كل اللوم والعتاب وستتقبل أي ردو فعل بنفس راضية، حتى لو قرر أن يتركها ويذهب للعيش في كنف والده، لن تثنيه عن قراره ذلك أبدا.
***
في غرفة المكتب الخاصة بسالم..
كان يجلس وعلى المقعد المقابل له تجلس نادية، يحدقان في بعضهما بصمت حتى انتهت زينب من تقديم الشاي لهما ثم انصرفت وأوصدت الباب خلفها.
ـ خير يا نادية؟
قالها سالم وهو ينقل مسبحته من اليد اليمنى إلى اليسرى، ثم التقط قدح الشاي الخاص به وبدأ بارتشافه وهو ينظر إليها بترقب.
فتنحنحت هي بوجل وأردفت:
ـ عاوزة أتطلق يا سالم.
زم شفتيه في خط مستقيم، ثم نظر إليها بهدوء مردفا:
ـ طب ما إحنا بالفعل متطلقين، أنا في أوضة وانتِ في أوضة من زمان حسب رغبتك.. لسه عايزة إيه تاني؟
تنهدت بتوتر و أطلقت نفسا يملؤه الرهبة والارتباك وهي تغمغم وعينيها شاردةً تتخيل:
ـ لازم ننفصل انفصال رسمي، لأني هاخد ولادي وهرجع دبي.
أسند القدح على الطاولة المجاورة، وأراح ظهره على ظهر الأريكة الجلدية من خلفه وهو يقول مصححا:
ـ بناتك تقصدي.
فهمت ما يقصده فعادت تؤكد قولها:
ـ ولادي التلاتة يا سالم. چيلان وچوليا وعمر.
ـ تاخديه فين لا مؤاخذه؟
قالها وهو يضيق عينيه باستهجان واضح وصريح، وتحولت نبرة صوته لنبرة مغايرة أكثر قتامة، بينما هي تفاقم خوفها وتوترها ورددت بصوت جاهدت لكي يبدو ثابتا:
ـ هيسافر معايا.
ـ بأمارة إيه؟ شنطة هو ولا قميص هتشيليه من هنا تحطيه هنا على كيفك؟ فوقي يا نادية هانم.. عمر ده يبقا عمر مرسال، مش عمر الصواف!! هاا؟ واخده بالك؟
وأضاف يضغط أحرفه بقوة وهيمنة:
ـ وكل ما يخص سالم مرسال هيفضل تحت تصرف سالم مرسال فقطططط.
ومسح كفيه ببعضهما معلنا انقضاء الأمر وهو يقول:
ـ الموضوع منتهي.
كانت تنظر إليه بحيرة، تُبحر في جبهته علها تستطيع الوصول لما يفكر به، علها تنجح ولو لمرة واحدة في سبر أغواره ومعرفة ما يدور برأسه. ولما فشلت قررت أن تلجأ لطريقة بديلة، ستلعب على الوتر الحساس وتستجدي عطفه، فهي تعرفه يحب دائما التعظيم والتفخيم، عل وعسى تنجح تلك الطريقة.
نهضت من مقعدها وجلست بجواره، ثم التفتت لتنظر إليه بانتباه وقالت بصوت أخف حدة:
ـ سالم من فضلك، أنا وانت خلاص بقا بيننا حواجز كتير، انت مش قادر تتخلى عن كونك سالم مرسال المسيطر والمتحكم وأنا مش قادرة أتأقلم خلاص، كفاية الـ ٢٥ سنة اللي فاتوا وإحنا بنهد في بعض وبناخد من طاقة بعض، وبعدين أنا مش طالبة منك حاجة غير إنك تتنازل وتسيب عمر ييجي معايا، أنا واخواته البنات هنكون لوحدنا في بلد غريب منعرفش حد فيه، تفتكر مش لازم يكون معانا راجل؟
نظر إليها بطرف عينه وهو يحتسي الشاي وقال:
ـ بلاش لف ودوران يا نادية، اللي ربا خير من اللي اشترى وأنا فاهمك كويس أوي، انتِ عايزة تخلعي عمر من حياة سالم مرسال وبس، عاوزة تبعديه عني لأني في نظرك أب ظالم، انتِ وبناتك مش محتاجين راجل معاكوا لأنكوا ببساطة كل واحدة فيكوا تدير بلد، انتِ عاوزة عمر يبقا ليكي لوحدك، عاوزة تسيطري عليه لأنك فشلتي في إنك تسيطري عليا، عاوزة عمر يبقا ليكي انتِ بس لأنك مش قادرة تتقبلي فكرة إنه بيحب اخواته ومتعلق بيهم عاوزة تبعديه عنهم.
ضيقت عينها بتفاجؤ لأنه قرأ أفكارها، ما هذا.. إنه يعريها أمام نفسها بكل بساطة ويكشف ما يصول ويجول برأسها بسهولة.
نهض سالم منهيًا الحوار وقال أخيرا:
ـ عاوزة تطلقي معنديش مانع، بس تأكدي إنك هتخسري كتير، أول حاجة عمر لأنه مش هيسيب اخواته وخصوصا بعد ما فريد رجع الڤيلا، وجيلان كمان لأني متأكد إنها مش هتوافق ترجع معاكي. ومش بعيد چوليا تفضل مع اخواتها وتلاقي نفسك لوحدك في الآخر.
لم يكترث لكي انتظار ردها وخطا نحو الخارج وتركها وسط حالة من الذهول، بأي حق يقرر ما ستختاره بناتها؟ من أين له بكل تلك الثقة وهو يخبرها أن چيلان ستبقى وچوليا ستختار إخوتها وأنها ستبقى وحيدة في النهاية؟ ما كل تلك العنجهية والغرور والتسلط؟
أخذت نفسًا عميقا ثم زفرته على مهل، حينها استمعت لطرقات على الباب ومن ثم دخلت زينب التي قالت:
ـ چوليا هانم بتبلغك إنها ماشية يا نادية هانم.
أومأت نادية بموافقة وقالت:
ـ قوليلها جاية.
خرجت نادية وهي تحاول أن ترسم الثبات جليا على ملامحها، فوجدت بناتها تتحدثان وهما تقفان أمام سيارة چيلان بالممشى المؤدي للخارج فتقدمت منهما ونظرت إلى چوليا بقلق وتفحص وقالت:
ـ بردو مصممة تسافري وانتِ في الحالة دي؟
تنهدت چوليا وهي تشعر وكأن كُرة نار ترتفع في حلقها، وأومأت بموافقة وهي تقول:
ـ أنا كويسة جدا يا مامي متقلقيش عليا.
هزت الأم رأسها باقتضاب وقالت:
ـ اوكي، خلي بالك من نفسك على ما نحصلك أنا وچيلان.
نظرت جيلان إليها بتعجب واستفهام وتبادلت النظرات المستغربة مع أختها فأخذت نادية تشرح لهما ما تقصده وقالت:
ـ أنا خلاص هنفصل عن سالم، اتكلمنا مع بعض وخدت القرار، كلها كم يوم أسبوع بالكتير ونسافر دبي نستقر هناك.
لمحت شبه نظرة مستنكرة ساخرة في عيني جيلان مصحوبة ببقايا ابتسامة ساخرة وهي تقول:
ـ مين اللي هيسافر؟ حضرتك وعمر؟
أجابتها نادية بقلق وترقب:
ـ أنا وانتِ!
ـ مستحيل.
ألقتها جيلان بقوة كانت كالرطمة في قلب نادية، ثم تابعت مستطردةً قولها:
ـ أنا مش هسيب هنا.
أخذت نادية شهيقا طويلا وأخرجته بتمهل وهي تقر بالحقيقة الواقعة:
ـ أنا وسالم هنتطلق، انتِ هتفضلي هنا بصفتك إيه؟
ـ any way هنا أو في بيت تاني، بس مش هسيب مصر، موضوع إني أستقر في دبي ده مش في حساباتي أبدا. لو حضرتك مصممة ومقررة إنك هتنفصلي خلاص as you like تقدري ترجعي دبي مع چوليا وأنا هعيش في بيت تاني لوحدي، الموضوع بسيط.
وفيما هي غارقة في صدمتها بكلام الكبرى، جاءتها الضربة القاضية من صغيرتها التي قالت:
ـ وبما إن جيلان وعمر هيفضلوا هنا فأكيد مش هستقر في دبي لوحدي.
أخذت تنقل نظراتها من واحدة للأخرى بصدمة، تتذكر كلام سالم الذي تحقق قبل أن يمضي عليه نصف ساعة حتى! وابتلعت ريقها باستياء وهي تقول بهدوء:
ـ زي ما تحبوا. حابين تفضلوا في مصر مع بعض وأنا أرجع دبي لوحدي، أو ترجعوا دبي معايا.. اللي يريحكم.
وتركتهما وانصرفت، عادت أدراجها نحو غرفتها والألم يفتك بها، ويعصر قلبها عصرًا، بينما بناتها تتبعان أثرها بنظراتهما ثم نظرت كلا منهما للأخرى وقالت چيلان:
ـ يلا عشان تلحقي طيارتك، وأهم حاجة لما توصلي بالسلامة طمنيني، ومتنسيش.. انتِ وعدتيني هتحكيلي كل حاجة بصراحة.
أومأت چوليا وعينيها تلمعان بدموع خفية، وانتبهت إلى نظرات أختها المصوبة عبر كتفها، فاستدارت لتنظر خلفها فإذا بها ترى تلك الضيفة مجهولة الهوية وهي تدنو منهما برفقة زينب.
فنظرت جوليا لأختها مجددا وهي تقول:
ـ البيت ده بقا بيحصل فيه حاجات غريبة بجد.
كانت نغم قد اجتازتهما بالفعل، فنظرت چيلان لچوليا مرة أخرى وهي تهمس بتفكير:
ـ البنت دي وراها حاجة، ووجودها في الڤيلا هنا وراه سبب قوي إحنا مش عارفينه.
ضيقت چوليا عينيها باستفهام وقالت:
ـ حاجة زي إيه؟
رفعت چيلان حاجبيها وهي تزم شفتيها وتقول:
ـ مش عارفة، بس اللي متأكدة منه إن أنكل سالم مش بيعمل معروف مع حد لله، أكيد في هدف عاوز يوصله.
ابتسمت الأخرى باستغراب وهي تقول:
ـ شارلوك هولمز في نفسك أوي.
حدجتها جيلان بنظرات ضجرة ثم قالت؛
ـ يلا عشان متتأخريش، هستناكي تكلميني.
أومأت جوليا ثم قبلت أختها واستقلت السيارة مع السائق لكي يوصلها إلى المطار. ثم استقلت چيلان سيارتها وانطلقت في طريقها نحو الشركة لكي تنهي عملها هناك وتقطع صلتها بفريد مرسال تمامًا.
***
ـ يعني بردو مصمم تنكر؟
قالها الضابط الذي ينظر لحسن بتفحص، يتفقده من شعر رأسه إلى أخمص قدميه بازدراء واضح، بينما هتف حسن بقوة وحدة غاضبة:
ـ يا باشا أقسم بالله ما حصل، أنا لا اتهجمت على حد ولا ضربت حد، ده كله كدب وافترا..
ـ والست فيفي هتتبلى عليك ليه؟ وبعدين هي معاها شهود إنك اتهجمت على السنتر بتاعها إمبارح وكلهم شافوك وشهدوا ضدك إنك ضربت الأمن اللي حاول يمنعك إنك تقتحم عليهم السنتر، وبعدها دخلت المكان واتسببت في ترويع الزباين لأنك كان معاك آلة حادة واتهجمت عليها بالضرب هي وواحدة من البنات اللي شغالين عندها.
اتسعت عينا حسن بغضب و ضحك ضحكةً ساخرة مباغتة فضرب الآخر على المكتب بيده بقوة وهو يقول بصوتٍ جهور:
ـ احترم نفسك يلا إنت مش عارف إنت واقف قدام مين؟ إلزم حدودك بدل ما أقسم بالله أرميك في الحجز لما تعفن ولا ليك عندي دية.
كتم حسن غيظه بقوة وهو يردد بانفعال شديد:
ـ أنا آسف يا باشا، بس أنا مظلوم أقسم بالله، أنا معملتش أي حاجه من دي، طيب أقوللك.. مش هي بتقول إني ضربتها واتهجمت على الأمن كمان، طيب ما الكاميرات موجودة راجعوها وانتوا تشوفوا اللي حصل.
ـ هي بنفسها قالت إن الكاميرات اليوم ده كان بيتعملها صيانة..
ضحك حسن ضحكة ساخرة وهو يهز رأسه ويضرب كفًا بالآخر ويقول:
ـ يا محاسن الصدف! واشمعنا يعني الكاميرات كان بيتعملها صيانة في اليوم ده؟
ـ اسمع يا حسن، حتى لو مفيش كاميرات بس في شهود، والشهود كلهم شهدوا بنفس الكلام، إنك تعديت بالضرب على الأمن اللي منعك تدخل وعليها هي وبنت من اللي شغالين في المكان، وأعتقد يعني هما مش هيتبلوا عليك وانت أساسا ليك سوابق زي الزفت، اعقلها معايا كده.
تنهد حسن بقلة حيلة وعجز، وهز رأسه موافقا باستسلام وقال:
ـ أنا عارف إن طالما الحكومة عاوزاني ألبسها هلبسها يا باشا، اللي تشوفه.
رمقه الضابط بتحفز وقال:
ـ الحكومة مبتشيّلش حد شيلة مش شيلته يا حسن يا عقرب، خصوصا لما يبقا حد تاريخه مشرف وسمعته سابقاه زيك كده.
وأمر العسكري بمرافقته للحجز أربعة أيام على ذمة التحقيق لحين ورود تقرير الطب الشرعي للمعتدى عليهم بالضرب.
***
كانت نغم قد ترجلت للتو من السيارة برفقة زينب أمام أحد الأسواق التجارية الفخمة، واسترعى قول زينب انتباهها عندما وجهت حديثها للسائق قائلة:
ـ تعالى عشان تاخدنا بعد أربع ساعات يا حسين.
ثم نظرت إلى نغم وقالت:
ـ ها؟ جاهزة؟
تنفست نغم بقوة وهزت رأسها بحماس، ثم شبكت ذراعها بذراع زينب بعفوية وهي تسير بجوارها وعيناها تتفقد المكان بانبهار يتزايد ويتزايد.
ـ إيه رأيك تشوفي إيه الأول؟ الفساتين ولا البلوزات والبنطلونات؟! ولا نشوف ستور البرفانات ده الأول؟
وأشارت بسبابتها نحو متجر على ما يبدو أنه راقي وكل ما به راقٍ وثمين!
نظرت نغم حيث تشير بانبهار وتراقص قلبها من فرط الحماس وهي تقول:
ـ برفانات؟ وفساتين وبلوزات وبنطلونات؟؟ كل ده عشاني؟
ـ أيوة، ولسه الشنط والشوزات في الآخر.
توسعت حدقتيها بغير تصديق، وهمست متسائلة:
ـ كل ده عشاني؟
أومأت زينب بتأكيد وقالت:
ـ أيوة، الباشا أكد عليا أجيبلك كل حاجه تطلبيها مهما كانت غالية.
ارتفع حاجبيها باستغراب وتساءلت وهي تسير برفقتها بشرود:
ـ هو الباشا ده طيب ولا مش طيب؟
فأجابتها زينب بقلة حيلة بعدما أطلقت تنهيدة عاجزة:
ـ طبعًا طيب.
نظرت إليها نغم بغير اقتناع وقالت:
ـ حاسة إنك بتقوليها من ورا قلبك.
فنظرت إليها زينب بانزعاج وأردفت:
ـ وأنا حاسة إنك هتودي نفسك في داهية بفضولك ده.
ـ مش موضوع فضول يا خالتي، كل الحكاية إني عاوزة أفهم طبيعة الناس اللي أنا عايشه وسطهم، مش كفاية إني مش فاكرة حاجه، هبقا لا فاكرة ولا فاهمة كمان؟
تجاهلت زينب ثرثرتها المهلكة وقالت وهي تشير إلى أحد متاجر الفساتين:
ـ المكان ده حلو جدا.. دايما بشتري لنسيم هانم من هنا. إيه رأيك تبصي بصة؟
رمقته نغم بتفحص، ثم نظرت إلى زينب متسائلة:
ـ ونسيم هانم مش بتيجي بنفسها تشتري اللي هي عاوزاه ليه؟ هو إيه حكايتها بالظبط؟
زفرت زينب بنفاذ صبر وقالت وهي تتجاوزها متحركة للأمام:
ـ ورايا.
تبعتها نغم ودخلت المتجر، فكاد فمها أن يسقط أرضا من فرط الدهشة، وأخذت تتلفت حولها والانبهار يصل لديها لأعلى مستوياته.
كل شيء فخم، كل شيء راقٍ، كل شيء يدعو للتأمل..كل قطعة كأنها تحفة فنية، كل تصميم كأنه مصنوع لإحدى المشاهير، المكان بأكمله يبعث على الانبهار والدهشة، هل يوجد أماكن كهذه على وجه الأرض فعلا؟
استقبلتهم مديرة المتجر ورحبت بزينب أيما ترحيب وهي ترمق نغم بتفحص واستغراب، ثم دعتهما للجلوس وقالت:
ـ تحبوا تشربوا إيه؟
نظرت زينب إلى نغم المشغولة بتفحص ما لا ترتديه المرأة أمامها، فلكزتها برفق لتستدعي انتباهها وهي تقول:
ـ تشربي إيه يا نغم؟
نظرت إليها نغم بابتسامة يشوبها التوتر ثم قالت:
ـ هشرب زيك بالظبط.
أومأت زينب بابتسامة وقالت:
ـ خلاص يبقا اتنين عصير برتقال.
أومأت مديرة المحل وأمرت بطلب كوبين من عصير البرتقال ثم نظرت إليهما بابتسامة ترحيبية وهي تقول:
ـ دي بقا نسيم اللي دايما تشتريلها من عندنا مش كده؟
توترت زينب قليلا ثم أجابت:
ـ مظبوط.
رمقتها نغم بتعجب ثم انتبهت للمرأة الواقفة أمامهما تطالعهما بتفحص وهي تقول:
ـ أهلا يا آنسة نسيم، نورتي المكان.
زَمت نغم شفتيها بابتسامة مصطنعة وقالت:
ـ منور بيكي.
ـ طيب تحبي تختاري من الكوليكشن الموجود ولا تشوفي النيو كولكشن اللي هيوصل آخر الأسبوع.
نظرت نغم إلى زينب ومالت على أذنها وهي تقول:
ـ أعمل إيه؟
ـ اللي يريحك انتِ، بس لو عاوزة رأيي الفساتين الموجودة هنا تحفة.
أومأت نغم بموافقة، ثم نهضت وأخذت تتفحص التصاميم المعروضة أمامها وهي تتلمس أنسجتهم الناعمة، الراقية التي لم ترَ مثلها من قبل.
ثم اختارت فستانًا ناعمًا بأكمام واسعة وألوان متداخلة، ونظرت إلى زينب وهي تقول:
ـ ده عاجبني أوي.
أومأت زينب بموافقة وقالت بابتسامة ودودة:
ـ حلو جدا، يلا اختاري غيره.
ابتسمت نغم وعادت تتفقد المجموعة الفاخرة أمامها، ثم انتقت ثوبًا ذا أكمام منفوخة باللون الأخضر الملكي وعرضته أمام زينب وهي تقول بابتسامة متحمسة:
ـ إيه رأيك؟
ـ جميل جدا.. يلا غيره..
نظرت إليها باستغراب، وهمت بقول شيئٍ ما ولكنها تراجعت ثم دنت من زينب وقالت:
ـ أنا بقول كفاية الفستانين دول.
ـ وفستانين بس يعملوا إيه؟ لازم تختاري مش أقل من عشرة.
رمقتها نغم بصدمة وعيون بنية جاحظة وقالت:
ـ عشرة!!
أومأت زينب بموافقة، بينما اقتربت منها نغم وتساءلت بهمس:
ـ بقولك ايه يا خالتي زينب، الفستان من دول يخش له في سكة كام؟
نظرت إليها زينب بصمت، تحاول ترجمة مفرداتها واستيعاب تلك اللغة التي تتحدث بها، ثم أفسحت مجالا لتلك الابتسامة التي غلبتها وقالت:
ـ بتسألي ليه؟ ناوية تشتري هدية لحد من هنا ولا إيه؟
ابتسمت نغم ابتسامة خافتة وقالت:
ـ جايز، وليه لأ.
ـ طيب سيبيك من كل حاجة دلوقتي واختاري بقية الفساتين عشان لسه قدامنا حاجات كتير هنعملها.
أومأت نغم بحماس وأكملت اختيار الفساتين ثم خرجت من ذلك المتجر لتتجه نحو متجرٍ آخر خاص بالسراويل والبلوزات،، ومن بعدها متجرًا خاصًا بالأحذية والحقائب، وفي النهاية زارت متجرًا خاصًا بالعطور ومستحضرات التجميل.
بعد مرور خمس ساعات عادت نغم برفقة زينب إلى الڤيلا وهي تتقد كشعلة من الحماس، تتوق لتجربة الأشياء الفاخرة التي ابتاعتها وكأنه يوم عيد، لذا دخلت غرفتها فورا وبدأت بتفريغ محتويات الحقائب كلها فوق الفراش ومن ثم بدأت بوضعهم عليها وهي تنظر في المرآة وتتفقد هيئتها كيف ستكون، وفجأة تجهمت وحل محل حماسها العبوس بعد أن تذكرت خالتها وأخذت تتمتم:
ـ يا ربتك كنتي معايا يا عيوش وشوفتي الهنا اللي أنا فيه.
لتستمع إلى طرقات على الباب ففتحته وابتسمت عندما رأت زينب التي قالت وهي تمد يدها لها بحقيبة كرتونية بها علبة، فنظرت بها نغم باستغراب وهي تقول:
ـ دي إيه؟
ـ ده موبايل جديد الباشا جابهولك.
التقطت نغم الحقيبة بفرحة وهي تقول:
ـ بجد؟ ليا أنا؟
ـ أيوة..
نظرت نغم إلى العلبة الخاصة بالهاتف وهي تقول بعفوية:
ـ ايه ده، ده باللمس كمان؟
ضحكت زينب وهي تقول:
ـ باللمس أيوة.. وموجود فيه شريحة وجاهز للاستخدام، ولو احتاجتي تسألي عن أي حاجه فيه أنا موجودة.
باغتتها نغم بقبلة قوية طبعتها على خدها وهي تقول بامتنان صادق:
ـ بجد مش عارفة أشكرك إزاي يا خالتي، ربنا يباركلك.
ـ يلا أسيبك دلوقتي تاخدي شاور وتغيري هدومك عشان تجهزي للعشا.
ـ هو لازم أتعشى معاكم؟
تساءلت نغم بتوتر فأومأت زينب مؤكدة وقالت:
ـ طبعًا لازم.. أوامر الباشا لا تُناقش.
وتركتها وانصرفت، ثم صعدت حيث الطابق العلوي، طرقت باب غرفة فريد ففتح لها سريعا فقالت:
ـ تمام يا فريد بيه عملت اللي قولتلي عليه.
ـ قولتيلها إنه الباشا اللي باعته؟
ـ أيوة.
أومأ مبتسما ابتسامة بسيطة برضا وقال:
ـ تمام، شكرا يا زينب.
ـ العفو يا بيه، عن إذنك.
غادرت زينب فدخل فريد غرفته وأغلق الباب وهو يفرك يديه بحماس وظهرت على شفتيه شبه ابتسامة وهو يقول:
ـ لما نشوف إيه وراكي!!
رواية محسنين الغرام الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نعمة حسن
رواية محسنين الغرام الفصل السادس عشر 16 - بقلم نعمة حسن
قوليلي بقا، حكايتك إيه يا نغم؟
نظرت إليه بعينين مصدومتين، وتعلقت عينيها بخاصته وكأنها تجمدت وفقدت الإحساس، بينما أنفاسها المتلاحقة المضطربة تتردد بصدرها بعنف، هل ما سمعته الآن حقيقة فعلا؟! هل قال نغم؟!
انتِ مش اسمك نغم بردو؟
حسنًا لقد قرا أفكارها مجددا وأجابها على سؤالها فيما هي تحدق فيه بعينين متسعتين، ثم أسندت كأس العصير على الطاولة ونظرت إليه مجددا وهي تبتلع ريقها بتوجس.
يا ريت زي ما أنا بتكلم معاكي بطريقة مباشرة تكلميني دوغري انتِ كمان وتقوليلي كل حاجه بصراحة، انتِ مين وحكايتك إيه؟
أخذت تتلمس حافة الكأس المستديرة بسبابتها وهي تنظم أنفاسها، ثم رفعت رأسها إليه، فتحت فمها وأغلقته مجددا، وأخيرا أطلقت تنهيدة حارة ثم قالت:
عرفت إسمي منين؟
زم شفتيه ببساطة وأردف وهو ينظر إليها بثبات:
الموضوع أسهل مما تتخيلي، لازم تكوني عارفة إني لو عايز لحاجة هوصلها بأي طريقة، والأهم من إني عرفت إسمك منين هو انك توضحيلي كل حاجة.
وأردف وهو يحذرها مشيرا بسبابته:
بصراحة تامة.
أرسل تحذيره موجة من موجات الذعر اندفعت عبر جسدها، وجمدت الدم في عروقها، وأمام تلك السطوة والهيمنة لم تجد إلا أن ترضخ لتحذيره، ستخبره كل شيء بصراحة تامة.
عايز تعرف إيه بالظبط؟
قالتها بتلعثم وهي تخفض عينيها وتنظر نحو الكأس بشرود فتساءل بصبر:
أول وأهم حاجة.. يوم الحفلة..
صمتت و حدقت به بصدمة جديدة، وشعرت بأوصالها تتشنج والبرد يسري بها. هي لم تتوقع أنه قد عرف أنها من كانت بالحفل، لقد ظنت أنه سيسأل عن سبب ادعائها فقدان الذاكرة وحسب!
بينما هو ينظر إليها ويراقب انفعالاتها بصبر وبداخله بركان يغلي، ثم تساءل قائلا:
كنتي مفكرة إني كل ده مش عارفِك مش كدة؟ لسوء حظك اني عارف من يوم الحادثة.
ظهر التفاجؤ على معالمها الحسناء، وظلت تنظر إليه بصمت إلى أن قال:
احكيلي كل حاجه بالتفصيل، مين اللي أمرك تعملي بكده، شغالة لحساب مين؟
مش لحساب حد.
قالتها بهدوء فأصغى إليها بانتباه، فبدأت تسترجع كل ما حدث منذ اللحظة التي هربت فيها من بيت خالتها، وهي تنظر في نقطة وهمية بشرود وتقول:
اللي حصل كله كان بالصدفة، الشخص اللي اتفق معايا إني أعمل كدة هو كمان خبطني بعربيته وفُقت لقيت نفسي في بيته..
قاطعها ساخرا:
واضح إنك بتمشي ترمي روحك قدام العربيات.
همست وعينيها تلمعان بالقهر:
قدري اللي بيرميني مش أنا اللي برمي نفسي.
في الواقع هو غير مستعد إطلاقا للتعاطف مع أي شخص الآن وخاصةً هي، وتلك الدموع اللعينة التي تحاول خداعه بها لن تنطلي عليه مهما حدث.
وبعدين كملي..؟
تنهدت مطولا ثم استرسلت بحزن:
بعدها قاللي إني ظهرت قدامه في الوقت المناسب وإنه عايز يتفق معايا إتفاق لأنه عاوزني في خدمة إنسانية زي ما قال.
ضيق عينيه بتركيز وهو يستمع إليها بإنصات فنظرت إليه وقالت:
طلب مني أشوه صورتك وأتسبب لك في مشكلة يوم الحفلة عشان يخسرك مقابل نص مليون جنيه، وقاللي إنك بتستغل البنات اليتامى اللي عندك في الملجأ في حاجات مش ولا بُد.
ضيق بين حاجبيه بتعجب واستياء ، بينما هي تسترسل بندم:
بصراحة صدقت، كنت عاوزة أساعد في إني أعمل حاجة صح لما أكشف واحد بالأخلاق دي وأحمي البنات من شره، وفي نفس الوقت كنت محتاجة الفلوس.
أعجبته صراحتها، وتأكد أنه سيصل معها لنقاط متقدمة بما أنها لم تنكر أنها فعلت ذلك من أجل المال، ثم حك جانب فمه بإبهامه بحيرة وهو يسألها:
وبعدين؟
وبعد ما عملت اللي اتفقنا عليه ضحك عليا واتفق مع سواق تبعُه يرميني في طريق صحراوي مقطوع..
مكان ما حصلت الحادثة مش كدة؟
هزت رأسها مؤكدة وقالت:
على نفس الطريق بس قبل مكان الحادثة بشوية لأني جريت مسافة طويلة.
زفر بخفة وهو يستعد للإجابة التي ستغير الكثير من مجريات الأمور وقال متسائلا:
مين الشخص ده؟! اسمه إيه؟
رفعت كتفيها بعدم معرفة وقالت:
مش عارفة.
ظهر الضيق باديًا على وجهه وهو يقول:
يعني إيه مش عارفة؟!
نظرت إليه وعينيها تعكس دموعًا نادمة وقالت:
معرفوش، لا قاللي إسمه ولا عرفني أي معلومة عنه، بس هو حضر الحفلة لأنه طلب مني لو شوفته أعمل كأني مش شايفاه ولا عارفاه.
قطب جبينه بتعجب، وصدى كلماتها يتردد في رأسه ويجعل حيرته تشتد، تقول أنه كان متواجدا في الحفل! إذا هو شخص معروف من قِبله، ومقرب كذلك لأنه لم يدعُ لحفل الافتتاح سوى المقربين وممولي المشروع والمتبرعين، واحتمال أن يكون أحد الممولين أو المتبرعين احتمالَا بعيدَا جدا، لأنه يعرفهم جميعهم معرفة عميقة وعلى علاقة طيبة بهم وبينهم ومنافع متبادلة كثيرة فلمَ سيحاولون تشويه صورته أو أذيته أو السعي لخسارته كما تقول!!
شكلُه إيه؟
رأى عينيها تميل نحو اليسار، وبصفته خبير جيد ومطلع نهم على علم لغة الجسد فيمكنه الجزم الآن أنها تتذكر وصفه فعلا وستقول الحق:
طويل..
أوأ بهدوء فتابعت:
كان لابس لبس شيك وغالي، عندُه دقن خفيفة، عنيه ضيقة، وشعره منعكش شوية مش مترتب.
قطب جبينه وهو يحاول تجسيد ذلك الوصف برأسه عله يستطيع استنتاج صاحبه، ثم نظر إليها متسائلا:
لو شُفتيه تعرفيه؟
أومأت بقوة وأردفت:
أكيد هعرفه.
حسنا.. هذا مؤشر جيد على أنها محتالة متعاونة، وربما قد يكون مخطئا وتكون قد تسعى لتضليله.
أخرج هاتفه وبدأ بالبحث في صور الحفل ثم نهض ونقل مقعده إلى قربها ووضع الهاتف أمامهما وهو يتنقل بين الصور ونظر إليها قائلا:
قوليલી لو صورته من ضمن الصور دي.
هزت رأسها بموافقة، فبدأ بالانتقال من صورة لأخرى، في المقدمة كانت صورة والده، يليها صورة عمر، وبعدها عشر صور لعشر موظفين يعملون بشركته، يليهم صور لرجال أعمال كانوا موجودين بالحفل.
ثم نظر إليها وقال:
ولا واحد في دول؟
هزت رأسها بنفي، فظل يحدق بها بشك للحظات ثم قال:
متأكدة؟
أيوة متأكدة، ولا حد فيهم.
هز رأسه بتفهم، ثم بحث بهاتفه مرة أخرى وأحضر حساب شريف عبر تطبيق الفيسبوك وأشار إليها قائلا:
ركزي كويس، ده؟
نظرت بصورة شريف لحوالي دقيقة كاملة ثم هزت رأسها بالنفي وقالت:
لأ، مش ده بردو.
رفع حاجبه وأخذ يحك ذقنه بأنامله باستياء واضح، ونظراته توحي أنه لا يصدقها، فشعرت بخوفها يزداد وقالت:
أقسم بالله مش بكدب عليك، بس ولا واحد فيهم هو الراجل اللي اتفق معايا.
زفر بضجر وهو يهز رأسه قائلا:
طيب، البيت اللي كنتي فيه ده كان فين؟
أربكها سؤاله مجددا وخشت أن يظن جهلها كذبًا أو مراوغة، فهمست قائلة:
مش عارفة.
زفر مجددا باستياء أشد، وزم شفتيه بضيق واضح وقال:
إحنا اتفقنا إنك هتكوني صريحة، صدقيني كدبك ده مش في مصلحتك أبدا، أنا ممكن أخليكي تعترفي بالحقيقة غصب عنك بس أنا لحد الآن متفهم وصبور ، فيا ريت تساعديني إني أفضل متفهم وصبور للآخر وخليكي دوغري معايا.
سقطت من عينيها دمعة لتشق طريقها عبر خدها وتصل إلى شفتيها، وأخذت تتفقد نظراته المتفحصة إياها باهتمام وهي تقول:
والله العظيم مش بكدب عليك، أنا فعلا مش عارفة المكان اللي كنت فيه فين، أنا فُقت لقيت نفسي في شقته، اتكلمنا وقفل عليا الباب ونزل، جه تاني يوم ومعاه واحدة كوافيرة ساعدتني وبعدها نزلت لقيت تاكسي قدام العمارة خدني وصلني لحد باب الدار بتاعتك وبعدها عملت اللي طلبه مني ومشيت..
ظل يرمقها بصمتٍ مطبق، وتذكر ما فعله يومها، عندما أمسكت بتلابيب سترته وقبّلته قبلةً غادرة، ثم غادر شفتيه زفيرًا صاخبًا وأخذ ينظر أمامه نحو نقطةٍ ما بتجهم، وتمتم بأنفاس مكتومة:
هو اللي طلب منك ده بالتحديد ، ولا انتِ اللي عملتي كده من نفسك؟
تخضب وجهها بالخجل، وأخفضت عينيها لاإراديًا وهي تقول:
هو اللي قاللي أعمل كده.
كان منتبهًا إليها بشدة، حيث أنه لاحظ التغير الطفيف في نبرة صوتها، وارتجافة شفتيها التي من المؤكد تنم عن التوتر ، فحمحم بهدوء، ثم عاد يتساءل ؛
كنتي هتعملي إيه بالفلوس؟
رآها تبتسم، بالتأكيد هذه ليست ابتسامة سعيدة، لذا الاحتمال الأرجح أنها ابتسامة مصحوبة بخيبة أمل، وهذا بالفعل ما رآه في عينيها عندما رمشت وهي ترفع حدقتيها لأعلى تحاول وقف تلك الدموع المنهمرة منهما، ثم قالت:
حاجات كتير كنت بفكر أعملها، أولها إني كان نفسي أعالج خالتي..
حسنًا.. هو يصدقها الآن تماما، لقد سمع كلامها مع صديقتها وعلم بمرض خالتها وعلى ما يبدو أنها مرتبطة بها بشدة، فليس من الغريب أن تفكر في أمر كهذا من أجل المال لكي تعالجها به.
وإيه تاني؟
نظرت إليه ، تفرست عينيه تبحث عن شيئٍ ما، ذلك الشيء هو نظرة التصديق، هل يصدقها أم يشكك بكلامها، ولكنها لم تحصل على إجابة ، حيث أن ملامحه كانت مغلفة بالبرود فمنعت أي انعكاس قد يصدر عنها، فاسترسلت بهدوء حذر:
كنت هشوف أي مكان أقعد فيه ، سواء إيجار أو تمليك على حسب الفلوس ما كانت هتكفي.
تنهد وأخذ يهز قدميه بعصبية وانفعال وتوتر حاد، بداخله الكثير من الأسئلة تعيث برأسه فسادا وتجعله على شفا جرف من الجنون. ثم نظر إليها وتساءل بحدة:
ليه كدبتي وقولتي إنك مش فاكرة حاجة؟
تهدلت تعابير وجهها بإجهاد، فما يحدث حقا كثير عليها، وذلك الاستجواب الذي لم يكن في الحسبان أبدا أرهقها واستنزف قواها بالكامل.
مدت يدها وأزالت آثار دموعها، ثم شبكت ذراعيها أمام صدرها وكأنها تحمي نفسها من هجوم نظراته القاسية، وأجابت:
لأني خُفت منك.. مثلت إني مش فاكرة أي حاجة عشان أحمي نفسي من مواجهتك وعشان أهرب من اللي عملته يوم الحفلة، خفت لو اتعرف أنا مين تبلغ عني أو تحاول تأذيني بأي طريقة ، وفي نفس الوقت لأني مكانش عندي مكان أروحله، كنت مفكرة إني لما أقول فقدت الذاكرة ده هيديني الفرصة أفضل في المستشفى فترة لحد ما ألاقي مكان أروحه أو أقرر هعمل إيه. مكنتش أتخيل إني هاجي أقعد معاكم في الڤيلا.
خطر على باله حديثها مع صديقتها عن المدعو حسن الذي يتوعدها حال عودتها، لذا تساءل بطريقة غير مباشرة يحاول الوصول إلى إجابة على سؤاله بدون أن يكشف لها أنه يراقب هاتفها فقال:
ملكيش مكان تروحيه ليه؟ فين أهلك؟ وخالتك؟
لكنها لم تجب الإجابة المطلوبة حيث نطقت بصوت منكسر خال من الروح:
مقدرش أرجع عند خالتي.. لأني يوم ما الراجل ده خبطني بعربيته أنا أصلا كنت هربانة من بيت خالتي.
ضيق عينيه باستفهام وهز رأسه قائلا:
ليه؟
تذكرت ما كان حسن بصدد فعله، اقتحامه لغرفتها وهي نائمة، وترويعها، ومحاولة الاعتداء عليها، هروبها من البيت في وقت متأخر جدا وكم المخاطر التي هددتها يومها، فلم تجد نفسها إلا وهي تبكي، تبكي بصوت مسموع وقد ذهبت كل ذرة تحمل كانت تملكها مع الريح، بكت نغم كما لم تبكِ من قبل وقد تجمعت كل ذكرياتها المريرة أمامها الآن. سؤاله هذا كان بمثابة صفعة قوية على قلبها، صفعة أفرغت كل الدموع التي حبستها طيلة الأيام الماضية، وكل الهموم التي أخفتها بقلبها والآن فقط انهارت.
تنهد مجددا وللحظة شعر بالأسى حيالها، فحرك عبوة المناديل الموضوعة على الطاولة نحوها بصمت، ثم أشار إلى النادل مجددا وقال:
شيل البرتقان وهات لمون لو سمحت.
التقطت هي منديلا من العلبة وجففت به وجهها بعد أن كفكفت دموعها أخيرا، ثم مدت أناملها المرتجفة ورفعت كأس الماء وتجرعت منه جرعتين وأعادته مكانه من جديد، وقالت بصوت مضطرب:
أنا عارفة إني غلطت في اللي عملته وكنت أنانية لما وافقت أعمل حاجة زي دي عشان الفلوس، وعارفة إني اكيد سببت لك مشاكل كتير، ومش هدافع عن نفسي ولا أقولك إني كنت مضطرة لأني عارفة إن ده مش مبرر، بس كل اللي عايزاك تتأكد منه إني قولتلك كل حاجه بصراحة ومكدبتش عليك في حرف.
وصل النادل ومعه كأسًا من عصير الليمون ، وضعه أمامها فشكره فريد ثم أسند ذراعيه المتقاطعين على الطاولة أمامه مجددا وهو يقول:
اشربي اللمون.
رفعت الكأس وشربت منه جرعة ثم أعادته مكانه وهي تتلاشى النظر نحوه فسمعته يقول بصوت صارم جاد:
وأنا عايز أصدقك.
نظرت إليه مجددا وتفرس كلا منهما بعين الآخر بتفحص فتابع قائلا:
عايز أصدق إنك ضحية ظروف صعبة، وانك اتضحك عليكي وعملتي اللي عملتيه بدون تفكير..
أومأت وقد لاح الأمل بعينيها واستمعت إليه بتركيز وهو يقول:
بس في المقابل إنتِ لازم تثبتي حسن نواياكي، لازم تثبتي إنك فعلا كنتي ضحية وتحاولي تصلحي اللي عملتيه.
قطبت جبينها بعدم فهم، فأراح هو ظهره إلى ظهر المقعد ومسح على وجهه بضيق، ثم أخرج زجاجة الكحول من جيبه ورش على يديه وفركهما ببعضهما، ثم نظر إليها وقال:
انتي الوحيدة اللي هتقدري توصليني للشخص المجهول اللي بيحاول يوقعني، عشان كده لازم تفضلي معايا.
لم يظهر عليها الفهم بعد فقال مفسرا:
في حفلة هتتعمل قريب بمناسبة ذكرى تأسيس الشركة والحفلة دي هيكون موجود فيها ناس كتير واحتمال كبير جدا إن نفس الشخص ده يكون موجود.
أومأت بتركيز فتابع:
طبعا مهمتك انك تعرفيني عليه فورا لو شفتيه في الحفلة.
أومأت بموافقة فقال:
طبعا مفيش أي حد من اللي في الڤيلا يعرف انك البنت بتاعة الحفلة، ولازم يفضلوا مش عارفين إنك هي، ولازم كمان محدش يعرف إني قعدت معاكي واتكلمنا وخدنا وادينا.
هزت رأسها مجددا بطاعة فاستطرد قائلا:
أما بقا بالنسبة لموضوع إنك فاقدة الذاكرة فالمفروض ننهي اللعبة السخيفة دي بس بالتدريج، يعني هتبدئي تقولي إنك بتفتكري حاجات .. مرة افتكرتي اسمك ومرة افتكرتي عيلتك.. وطبعا مش هتجيبي سيرة خالتك ، هتقولي انك ملكيش حد خالص عشان يكون مبرر لانك تفضلي في الڤيلا.
ابتلعت الشوكة التي تكونت في حلقها، وتفادته بنظراتها، ثم حولتها لتستقر نحو نقطة وهمية وقالت:
هو أنا لحد إمتا هفضل عايشة معاكوا؟
زم شفتيه ببساطة وأردف:
مش هتمشي قبل ما أوصل للشخص اللي بدور عليه، وصدقيني لو أثبتي كفاءتك وساعدتيني أوصله أنا كمان هساعدك وهأمن لك مكان تقعدي فيه لو مش عايزة ترجعي بيت خالتك.
اهتزت ابتسامتها بامتنان وقالت:
شكرا.
أهم حاجة بلاش أي خطوة مش مدروسة منك ، توجيهاتك هتاخديها مني أنا وبس، متتصرفيش من دماغك أبدا، اتفقنا؟
هزت رأسها بموافقة ثم قالت متسائلة بانشغال:
طيب ممكن أسأل سؤال؟
اسألي.
هما ممكن اللي في الڤيلا.. أقصد أهلك يعني، يكونوا هما كمان عارفين إني مش ناسية وإن دي كدبة؟
متقلقيش، أنا بنفسي اللي خليت الدكتور يكتب التقرير بتاع أشعة المخ ومستحيل يعرفوا إنه مزور ، كلهم فاكرين إنك فعلا ناسية .. بس الأكيد إنهم مستنيينك تبدأي تفتكري ، عشان كده هنعمل زي ما بقوللك، هتعرفيهم عليكي بالتدريج.
تنهدت وهي توميء بموافقة، فتنهد مثلها وقال:
عايزك تعرفي حاجة.. أنا مستحيل أدي إنسان فرصة تانية أبدا. الفرصة اللي قدامك دي لو استغلتيها وأثبتي إنك تستحقي الثقة فعلا أنا هساعدك وعندي استعداد وقتها أحميكي من أي حد ممكن يتعرضلك.
ذهب تفكيرها لحسن فورا ، ثم نظرت إليه وهو يستطرد ويقول بنظرة حادة:
أما بقا لو خلتيني أندم إني اديتك فرصة ووثقت فيكي صدقيني تبقي فتحتي على نفسك أبواب جهنم.
بالرغم من شعورها بالذعر من تهديده إلا أنه أثار شيئا من الطمأنينة في قلبها، على الأقل هي تثق أنها لن تكون طرفا في أي مخطط ضده أبدا وأنها لن تكرر فعلتها الحمقاء مرة أخرى ، فأومأت بنبرة واثقة وقالت:
أوعدك إنك مش هتندم.
زفر متثاقلا وقال:
هنشوف.
ثم نهض عن المقعد فنهضت مثله، وسارت بجواره بصمت حتى وصلا إلى السيارة، فتح لها الباب ودار حول السيارة ليتجه نحو الباب الآخر، ثم فتحه وجلس خلف المقود، وانطلق عائدا نحو الڤيلا.
ظلا صامتيْن طوال الطريق، فلقد استنفذ الحوار الذي دار بينهما كل طاقتهما وقوتهما، كان هو شاردا يسترجع إجاباتها، وشيئا ما يخبره أنه قد تسرع في منحها الثقة مجددا، ثم يعود هاجسا آخر يخبره أنها فعلا صادقة وأنه محق في قراره، بينما هي كانت تجلس بجواره هائمة في عالم آخر، إلى أن رأت معالم الطريق إلى الڤيلا قد وضحت ، فانتبهت على صوته عندما قال:
الباشا أكيد هيسألك عملتي إيه؟! هتقوليله إننا عملنا أشعة جديدة على المخ وفي انتظار النتيجة. اتفقنا؟
حاضر.
توقف أمام باب الڤيلا ففتحت الباب ونزلت، دخلت وهي تشعر بالخوف والترقب، فيما عاد هو أدراجه متجهًا نحو مقر الشركة.
دخلت نغم وهي تنظر حولها بذعر ، تتمنى لو بإمكانها الهرب من هذا البيت الذي يشبه بيت الأشباح ، ووعدًا منها لن تنظر خلفها مجددا. ستهرب لآخر نقطة يمكنها الوصول إليها لكي لا يعثرووا عليها مجددا.
زفرت بضيق ثم توجهت نحو الأرجوحة التي جلست عليها بالأمس، وقررت أن تنفرد بنفسها للحظات.
أسندت ظهرها إلى ظهر الأرجوحة، وأخذت تتحرك عليها بخفة وهي تسترجع حديثها مع فريد ، وتفكر كيف ستثبت له أنها جديرة بالثقة فعلا وأنها لا تشكل خطرًا عليه أو على عائلته، وتنهدت وقبل أن تلتقط الشهيق التالي شعرت بالفزع يقطع شرودها عندما وجدت شخصا يدفعها للأمام بحركة مفاجئة فنظرت خلفها بخوف لتجد عمر واقفًا وعلى وجهه ابتسامة عريضة وهو يقول:
إيه ده انتِ اتخضيتي؟ أنا كان قصدي أهزر معاكي مش أكتر.
نهضت ويدها تضغط قلبها الذي كاد أن يتوقف من الخوف، ثم نظرت إليه وقالت:
حصل خير ، عن إذنك.
همت بالتحرك من أمامه ولكنه كان أسرع منها حيث جذب ذراعها وهو يقول:
استني، خلينا نتكلم شوية مالك خايفة ليه كده؟
ابتلعت ريقها بخوف فعلي ونزعت ذراعها من قبضته وهي تنظر إليه باستغراب وقالت باستهجان :
وأنا هخاف ليه؟
رفع كتفيه جهلاً وقال:
مش عارف ، بس حاسس إنك بتتجاهليني أو مش عايزة تتكلمي معايا.
لأ أبدا، كل الحكاية إني تعبانة ومحتاجة أرتاح، عن إذنك.
تركته وهرولت بعيدا عنه قبل أن يستوقفها مجددا، وفي طريقها تلاقت مع چيلان التي رمقتها بخرزتين متأججتين بالضيق، فتجاهلتها نغم ودخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب، ثم أسندت ظهرها عليه وهي تتنهد بإرهاق وتقول؛
عيلة ما يعلم بيها إلا ربنا.
كان عمر لايزال في مكانه بجوار الأرجوحة، يتحدث في هاتفه إلى صديقه عاصم ويقول:
تمام هنتقابل كمان ساعة، ولا أقوللك خليها كمان ساعتين يكون الباشا خرج.. ماشي متقلقش أنا عامل حسابي في الفلوس ومجهز كل حاجة.. يلا سلام دلوقتي.
أنهى عمر الاتصال فورا عندما رأى چيلان تتقدم منه، ثم وضع الهاتف بجيبه ونظر إليها مبتسما وقال:
إيه القمر ده، أنا بجد محظوظ إني أخ لتلت وردات زيكوا..
كنت واقف مع البتاعة دي بتعمل إيه يا عمر؟
ألقتها جيلان بحدة أثارت ضيقه ورهبته، فقال وهو يحاول الحفاظ على ابتسامته:
قصدك البنت؟
ابتسمت ابتسامة ساخرة ونظرت إليه وأقرت بشيءٍ:
ضيفة؟ يا بابا إحنا اللي هنبقا ضيوف قريب أوي وهي هتبقى صاحبة البيت، إنت مش شايفها داخلة خارجة على راحتها ولا همها، دي بتقعد معانا على السفرة وكأنها معرفة سنين، والمصيبة كمان إن أنكل سالم بيعاملها بمنتهى الود واللطافة ، لدرجة إنه طلب منها تخرج مع فريد، بذمتك مين فينا اللي ضيف؟
انتِ مكبرة الموضوع أوي يا چيچي.
رفعت حاجبيها في شبه اعتراض وقالت:
أصلك إنت اللي تافه وبتاخد كل الأمور باستهتار أوي يا عمر.
زم شفتيه بضيق وأخذ يحك ذقنه بأنامله بحرج فقالت:
يا ريت تفوق لنفسك وتعرف إنت مين وابن مين، وبلاش تبقا مهزأ بالطريقة دي قدام أي بنت تشوفها، وخصوصا لو بنت بالمستوى ده!
رفع حاجبه وأردف بحنق:
طب وانتِ عرفتي مستواها منين؟ البنت فاقدة الذاكرة بسببي على فكرة ومع ذلك تنازلت عن حقها يعني عملت معايا جِميل..
أطلقت تنهيدة مستاءة وأردفت بثقة:
أهو الجِميل ده بقا بالتحديد أكتر حاجه مخلياني شاكة فيها، وياريت بلاش تنخدع بالبراءة والوداعة اللي هي بتتعمد تظهرهم قدامنا دول، البنت دي وراها حكاية كبيرة أوي محدش يعرفها.
ظهر عدم الاكتراث على ملامحه ، فنظرت هي بساعة يدها ونظرت إليه قائلة:
أنا إتأخرت ولازم أمشي، واعمل حسابك من أول الاسبوع إنت معايا في الشركة.
رفع كتفيه للأعلى باحتجاج وهو يقول:
لااا اعملي معروف أنا بره الليلة دي كلها، أنا لا دماغي زي دماغكم ولا بطيق جو المال والأعمال ده خااللص..
رفعت حاجبها بضيق وهتفت بانفعال:
قصدك إيه؟ قصدك إنك هتفضل تافه كده ملكش لزمة؟ في حين إن كل اخواتك ناجحين، سواء فريد أو أنا أو چوليا !!
أنا مليش دعوة بيكم ، ربنا يوفقكم كمان وكمان بعيد عني، أنا لا ليا خلق أبقا رجل أعمال وأعيش عمري كله أمضي عقود وأوقع على صفقات، ولا أنا بتاع بيزنس ومشاريع وهري فاضي ، أنا فري لانسر عايش لراحتي وسعادتي وسلامي النفسي وبسسس.
رمشت مرات عديدة باستياء ثم قالت:
خليك تافه وفاشل ، خسارة فيك الكلام أصلا.
وتركته وانصرفت فزفر بضيق ونزق وهو يغمغم :
نادية الصواف لايت .. مش معقولة بجد.
كان حسن يجلس شاردًا ، ينظر نحو طاقة النور التي تتسرب من النافذة الحديدية العلوية بجدار الزنزانة، يتذكر مشاهد من طفولته، ومن شبابه، ومقتطفات من الثلاث سنوات اللاتي قضاهن بالسجن بعد أن وشت به نغم.
نغم حبيبته التي لا يستطيع نسيانها أو الحقد عليها حتى بالرغم من قسوتها عليه وهجرانها له، وكلما حاول أن ينزعها من قلبه يجدها كالمخدر تسري بعروقه وتتسرب إلى آخر عمق لديه. فيصبح انتشالها من داخله مستحيلا، وتصبح أي محاولة للفرار من عشقها محاولة محكوم عليها بالفشل.
مسح دموعه وهو يتذكر تلك الليلة التي أفزعها فيها وما نتج عنها كان هروبها من بين يديه، ثم مسح على وجهه بحزن وهو يردد:
هلاقيكي يا نغم حتى لو هربتي مني تحت سابع أرض.
انفرج الباب ، ودخل العسكري الذي نادى قائلا:
حسن جادالله.
هب واقفًا على الفور وهو يقول:
أيوة أنا..
تعالى كلم حضرة الظابط..
خرج حسن من الزنزانة وهو يدعو الله بسره ألا يعود إليها مجددا، وأن تكون تلك اللحظة هي آخر عهده معها، توجه إلى مكتب الضابط ليتفاجأ بالسيدة فيفي تجلس على المقعد وخلفها فتاة استطاع حسن أن يتذكرها جيدا، فقد رآها في المرة التي ذهب فيها إلى الصالون.
دعاه الضابط للتقدم ففعل، ثم وقف يطالعها بنظرات يتطاير منها شرر الجحيم الساكن عينيه، وانتبه للضابط حين قال:
الست فيفي تنازلت هي والانسة رؤى عن المحضر اللي عملوه ضدك يا حسن، إيه رأيك؟ أظن واجب عليك تشكرهم لأنهم تنازلوا وتتراضوا على بعض بكلمتين وتحلوا مشاكلكم بهدوء.
التقط حسن الرسالة بوضوح، فنظر إلى عيني فيفي الغارقتان في مراقبته وقال:
ألف شكر يا ست فيفي، مردودالك إن شاء الله.
نهضت فيفي من على المقعد وتقدمت من الضابط وصافحته وهي تقول:
متشكرة ليك يا عاصم بيه ، ومتنساش تبلغ تحياتي للمدام.
أومأ عاصم موافقا وقال:
يوصل يا مدام فيفي، مع السلامه.
غادرت فيفي وهي تنظر لحسن بتركيز، بينما هو يرمقها بتوعد مستتر، ثم نظر إلى الضابط الذي قال:
يلا يا حسن كفارة، اتكل انت على الله ، ونصيحة مني بلاش تزعل فيفي هانم مرة تانية أصل زعلها وحش زي ما انت شايف.
أومأ حسن بقهر مدفون وتمتم باقتضاب:
اللي تؤمر بيه يا باشا، عن اذنك.
غادر حسن بعد إنهاء إجراءات الخروج، وغادر القسم ليجد فيفي تقف بسيارتها في الجوار وتنظر نحوه من خلف نظارتها التي تخفي جزءًا كبيرًا من وجهها، فاتجه نحوها، فتح الباب وركب على المقعد المجاور لها بصمت، وظل لدقيقتين ينظر أمامه بسكون تام إلى أن تحرك في اتجاهها ونظر إليها أخيرا وقال:
عايزة مني إيه يا مدام فيفي؟
خلعت فيفي نظارتها، ونظرت للفتاة التي تجلس على المقعد الخلفي وأشارت لها فخرجت من السيارة، ثم نظرت الى حسن مجددا وقالت بثبات:
عاوزاك إنت يا حسن!
ضحك ضحكة قصيرة ساخرة متهكمة، ثم انفجر ضاحكًا للحظات وأخذ يضرب كفا بكف ثم قال:
بقـا كل المرمطة دي والجري ورا بعض في الاقسام والفيلم الهندي ده كله عشان عاوزاني؟ طب ما كنتي جبتيهالي على بلاطة من الأول خالص ورستيني على الليلة كلها بدل اللف والدوران ده.
اعمل لك إيه، انت اللي دماغك ناشفة، قولتلك نشتغل سوا قولتلي سيبيني أفكر، وبعدين قلت مش مستعد، وأنا متعودتش أتحايل على حد كتير، طول عمري بمد إيدي في بؤ الأسد وأخطف منه اللي أنا عايزاه..
هز رأسه ، ثم أسند مرفقه إلى حافة النافذة المجاورة له وقال باستهجان:
وطبعا الحوار ده كله كارت ارهاب عشان أنفذ اللي انتي عايزاه من غير لوكلوك كتير مش كده.
أومأت بعينيها بثقة وأردفت:
أصلي فهمتك من أول نظرة، عنيد ودماغك ناشفة ، وأنا حبيت أجيب من الآخر عشان نقصر على بعض.
زم شفتيه بضيق وأخذ يفكر، ثم نظر إليها وقال:
هاتي من الآخر.
نتجوز!
طالعها متفاجئا ، ثم انفجر ضاحكًا مرة أخرى وقال:
نتجوز؟ وأنا اللي ظنيت فيكي ظن سوء وفكرتك شمال!
تنهدت وأخذت تطرق بأظافرها المطلية باللون الأحمر على عجلة القيادة، ثم قالت:
إتفاقنا مش هيكون جواز وبس، هيشمل حاجات تانية هتعرفها بعدين.
أومأ بتفهم، هو كان يتوقع ذلك منذ البداية أساسًا، فبالطبع هي لن تخترع كل ذلك الفيلم الهابط لكي تحظى به كزوج فقط!
بس أنا لا مؤاخذة مبشتريش سمك في ميا، هتقولي كل حاجه عالدوغري دلوقتي وتفهميني التيتة كلها من أولها لآخرها تمام، إنما شغل حاوريني يا كيكا ده أنا مبحبوش.
تنهدت ونظرت إليه بثبات ينافي قلقها وقالت:
محتاجاك في شغل.
زي؟
تنهدت مطولا قبل أن تردف بصوت مضطرب وقلق:
تهريب.
أخذ يهز رأسه مرارًا وهو يهمهم باستنتاج :
آااااه.. هي الحكاية كده بقا!
أومأت بموافقة فنظر إليها وقال:
واشمعنا أنا لامؤاخذة اللي شفتيني في الحوار ده؟ ده أنا حتى سوابق ومشموم.
بس حِرِك .. وأنا بحب الرجالة الحِركة المدقدقة، وأظن انت عارف إن الشغلانة دي محتاجة قلب ميت وحد فهلوي وبتاع سوق، إلى جانب إنه يكون حد موثوق وأمان وضامنين إنه قلبه عالمصلحة.
أخذ يهز قدميه بتوتر وتحفز ثم قال:
ولو رفضت؟
نظرت أمامها وركزت ناظريها على مبنى قسم الشرطة، فنظر حيث تشير وقال:
اممم.. أنا يظهر دخلت عش الدبابير برجليا وقضي الأمر.
صدقني مش هتندم يا حسن ، أنا عندي استعداد أغرقك فلوس من ساسك لراسك، ولو أثبت كفائتك هتبقى الريس وفوق الكل، كل ما أملك هيكون تحت رجليك بس انت تهاودني.
تنهد بيأس وأخذ يطرق بأنامله على فخذه للحظات ، ثم نظر إليها وقال:
موافق، بس بشرط.
أؤمر..
مليون جنية تحت حساب..
موافقة.
قالتها قولا واحدا، فنظر إليها متعجبا فقالت:
ده عربون محبة يا حسن، وانت غالي على قلبي أوي.
اشتد فكه بحماس، وأخذ يرسم ويخطط من أجل المليون، فانتزعته هي من أفكاره حين قالت:
بس خليك فاكر أهم حاجة ، زي ما قولت إنت دخلت عش الدبابير بس متخافش احنا دبابير طيبين، لكن لو فكرت تنكشنا أو تلعب معانا يبقا تستحمل لدعتنا، ماهو مش انت بس اللي بتلدع يا حسن يا عقرب.
ظهرت على شفتيه ابتسامة واثقة، ثم فتح الباب المجاور له وهو يلقي إليها قائلا:
بس خلي بالك العقرب لدعته والقبر!
نزل وصفق الباب، فهتفت هي بصوت عالٍ :
بكرة الساعة ٨ بالليل، نكتب الكتاب وتستلم المليون! على اتصال يا أبو علي.
مال حسن ونظر إليها مجددا من نافذة السيارة وقال:
أستلم المليون ٨ ، ٨ وخمسة أبقا بتاعك.
وغمزها بثبات وغادر، بينما هي تنهدت تنهيدة طويلة متوترة، وأدارت محرك السيارة وانطلقت في طريقها برضا بعد أن فلحت في إقناعه أخيرا.
كانت عائشة تجلس بغرفتها، تمسك بألبوم صور مهترئ، تتفحصه وهي تبكي وتلمس الصور بتوق لملامسة ولقاء أصحابها الذين فارقوها، في أول صورة كانت تضم أختها بدر والدة نغم، تتعانقان والابتسامة على وجهيهما تغني عن كل كلام العالم، فتاتين بسيطتين ترتديان ملابسا بسيطة ولكنهما سعيدتان ومرتاحتان للغاية، وخلفهما رمزًا من رموز الظلم في البلدة، قصر عائلة مرسال، الذي أخذت تتفحصه عائشة وقد ظهر الحزن والغضب على ملامحها وظلت تبكي وهي تتمتم:
حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا سالم يا مرسال، أشوف فيك يوم.
مسحت دموعها وانتقلت للصورة التالية، حيث تقف وسط مساحة خضراء واسعة وبجوارها رفيقتها ” ملكة مرسال ” شقيقة سالم التي توفت في طفولتها جراء قسوة وجهل وتسلط والدها ، أطبقت عائشة جفنيها على دموعها بقهر وهي تتمتم:
ربنا يرحمك يا ملكة، روحتي للي أحن منهم ، ربنا نجدك من عيلة كلها سم وسواد.
في الصورة التالية كانت قد قفزت بالزمن قفزة كبيرة ، حيث كانت صورتها هي ومحمود جادالله وهما يحملان حسن الذي كان رضيعا آنذاك..
تنهدت تنهيدة حارقة وهي تتذكر كواليس زواجها من محمود، الذي كان يعمل كغفير لقصر مرسال حينها ، والذي أصبح زوجها فيما بعد بأمر من عبدالعظيم مرسال الطاغية الأكبر ..
وأغمضت عينيها وأسندتها على ظهر الفراش وسبحت بعيدا وهي تتذكر..
استرجاع زمني.
تقف صاغرةً ، رأسها مطأطئًا بانكسار وخزي، ويديها متدليتين بإحباط ، وأمامها يقف العمدة عبدالعظيم بهيلمانه المهلك وسطوته النافذة، عاقدا يديه خلف ظهره ومطرقا رأسه في تأني ، ينظر في أمر تلك الفتاة التي تقسم أنها زوجة ابنه وأنها الآن تحمل في أحشائها طفلا منه، وأنها على استعداد لفعل أي شيء مقابل أن يعترف بابنه ومن ثم فليذهب إلى الجحيم حتى !
نظر عبدالعظيم إلى ابنه سالم الذي يقف بجواره نظرة جانبية بعينين ثاقبتين، ثم تساءل بهدوء :
الكلام اللي عيشه بتقوله ده حقيقي؟
نظرت عائشة إلى سالم وترجته بعينيها أن يقول الحق، فأطرق برأسه في خجل ثم قال بتوتر :
أيوة..
انت متجوزها فعلا؟
تنهد سالم وأجاب باتهمام:
أيوة..
زم عبدالعظيم شفتيه في استياء وضجر، ثم تساءل باهتمام:
جواز حقيقي ولا أي كلام؟
الشيخ طه اللي كتب الكتاب وزين ورؤوف عمال الإسطبل كانوا شهود.
أومأت عائشة بأمل وهي تستمع إليه وهو يلقي بالحقيقة على مسامع والده، ثم نظر إليها وقال:
بس أنا مبقيتش عايزها خلاص ، أنا اتسرعت لما اتجوزتها ومكنتش عارف إن الأمور هتوصل لكدة..
رمقه والده بنظرات أخرسته تماما، ثم نظر إلى عائشة التي ترمق سالم بضياع وقال:
اسمعي ، الغلط كله عندك انتي من البداية لأنك بصيتي لفوق أوي، عشان كده انتي اللي تستحملي، أول هام محدش في البلد نهائي يعرف بقصتك دي، انتي هتفضلي في بيتكم متخرجيش منه لحد ما تولدي وتبلغينا إنك ولدتي عشان ناخد العيل، ومن هنا لحد ما تولدي متقلقيش مصاريفك كلها هتجيلك لحد عندك.
تاخدوا العيل؟
قالتها باستنكار وغير تصديق، وأخذت تحدق بهما في صمت مليء بالفوضى فيما نطق عبدالعظيم قائلا:
أومال عاوزانا نسيبهولك؟ ده لحمنا ودمنا إزاي نفرط فيه؟
حينها اقترب سالم من والده وهمس إليه مستغربا:
طيب وناهد يا باشا؟
فأشار إليه والده بكفه مقاطعًا إياه وقال:
متشيلش هم ناهد، سيبها عليا.
وعاد بعينيه نحو عائشة التي تتجرع مرارة الذل والقهر مرغمةً وقال:
بعد ما تولدي هتسيبي الشرقية كلها وتمشي، روحي أي بلد تانية، انزلي مصر لو أمكن.. ومش عايزك ترجعي هنا تاني.
إيه الظلم ده!! بقا أنا جاية أستنجد بيك عشان تعقل ابنك وتقولله يعترف بجوازه مني وبابنه اللي أنا حامل فيه تقوم تقوللي هناخد منك العيل وتسيبي البلد وتمشي؟ هو ده العدل في رأيك؟
نظر إليها نظرة تملؤها الحدة ثم قال:
اومال انتي مفكرة إني هقولله اعلن جوازك منها وخليها راس براس مع مراتك مثلا؟
أنا كمان مراته !!
ضحك ضحكة وصل صداها لآخر أرجاء القصر وقال بصرامة مخيفة يعقبها نظرة مخيفة:
انتي فاكرة عشان كتب عليكي عند مأذون وقضى معاكي ليلة ولا ليلتين كده خلاص بقيتي مراته؟ انتي ناسية هو متجوز مين؟ متجوز ست الستات كلهم ناهد مرسال.. تفتكري إن ينفع بعد ما يتجوز ناهد يتجوزك انتي بعدها؟ يتجوز مجرد خدامة لا راحت ولا جت؟
سقط كتفيها بانهزام، وأطرقت رأسها أرضًا وهي تفكر، كيف تنجو من قبضة أولئك الطغاة المتسلطين الذين يحتقرون شأن من هم أقل منهم ويظنون أنهم يمتلكون مصائر الناس كلها بين أيديهم الباطشة.
فيما أكمل هو بحزم قائلا:
حسك عينك حد يعرف بالموضوع ده وخصوصا ناهد هانم، وزي ما قولتلك هتلزمي بيتك لحد ما تولدي، وام زينب بنفسها اللي هتيجي تشقر عليكي وتوصلك احتياجاتك كل شهر. أظن كده بقا عدانا العيب!
مسحت دموعها بانكسار وقالت:
بس أنا معرفش حد في مصر انا واختي، هنروح لمين ولا هنعيش مع مين؟
متقلقيش أنا هتصرف.
وبعد أن طلقها عبدالعظيم من سالم وقع الاختيار على الغفير محمود جادالله لكي يتزوجها ومن ثم يصطحبها هي وشقيقتها إلى مصر شريطة ألا يعودوا إلى هنا مجددا.
مرت الأشهر التسعة وكأنها سنوات لا تعد ولا تحصى ، انتظرت فيها عائشة كل يوم وكل دقيقة ودعت الله أن تحدث معجزة لكي تحتفظ بابنها ، لتأتيها المعجزة الفعلية إذ اكتشفت أنها حامل بتوأم، فقررت التنازل عن الفتاة وأخفت أمر حسن لأنها تعرف أن عبدالعظيم إذا علم بشأنه فلن يتنازل عنه أبدا، لذا أعطتهم الفتاة وغادرت البلدة من فورها ومعها ابنها حسن وزوجها وشقيقتها بدر.
عودة للحاضر.
ابتسمت عائشة ابتسامة مهزوزة وهي تمسح دموعها وأخذت تتمتم بقهر:
الله يرحمك يا محمود، استحملت عشاني كتير ووقفت جمبي في عز ما اتخلى عني الراجل اللي حبيته واللي كنت فاكراه عوض ربنا ليا ، أتاري انت العوض اللي بجد يا محمود، ألف رحمة ونور عليك.
مسحت دموعها ، وفجأة استمعت لصوت الباب فنهضت مسرعة، فتحت الباب وما إن فتحته ورأت حسن حتى أجهشت في نوبة بكاء قاسية، ضمها حسن إلى صدره وتأوه بإرهاق وهو يقبل أعلى رأسها ويقول:
وحشتيني يا ام حسن.
انت اللي وحشتني يا حسن، وحشتني أوي يا ضنايا.
ورجعت خطوة للوراء وأخذت تنظر إليه بتفحص ولهفة وهي تقول:
إنت كويس؟ عملوا فيك إيه الكلاب دول؟
ابتسم بتعب و إحباط ، وقال وهو يتقدم نحو الداخل:
ولا أي حاجه ، أنا قدامك أهو زي الفل..
اومال كانوا واخدينك ليه؟ عاوزين منك إيه؟
تشابه أسماء زي ما قولتلك والحمدلله جت بسيطة.
بدا عليها الاقتناع قليلا، ثم ربتت على ظهره وهي تقول:
طيب ادخل خد دش على ما احضر لك لقمة تاكلها.
لا ياما، أنا جعان نوم، هاخد دش وأنام وخلي الأكل بعدين.
ثم نظر إليها باهتمام وقال؛
قوليલી صح، خدتي الجرعة بتاعتك ولا طنشتي؟
مسدت ذراعه بحنان وقالت:
متقلقش على أمك يا حسن، أنا متمسكة بالحياة عشانك يابني، مش عاوزة أسيبك لوحدك.
ربنا ميحرمنيش منك ياما.. أنا هستحمى وأنام، لما أصحا نتكلم.
أومأت بتأكيد، فهذا بالفعل ما تنوي فعله، ستتحدث معه عن كل شيء، لن تتوانى عن إخباره بالحقيقة مجددا، ستخبره عن سلسال عائلته بالكامل، وتطلب منه أن يبحث عنهم ويطالب بحقه فيهم وفي كل ما يملكون كفرد من العائلة.
وهم مجبرون أن يقبلوا به، شاءوا أم أبوا، هو ابن العائلة ومن صلب سالم مرسال بكل الأدلة القطعية ، وله الحق أن يملك كل ما يملكونه ويتمتع بجميع المزايا التي يتمتعون بها.
ولى أوان الظلم ، ولى أوان الخواف، ستعيد كل شيء إلى نصابه الصحيح، فهي على يقين بأن الحياة التي نحياها عبارة عن لعبة بازل ، قد تتناثر قطعها وقد تختلط مع أخرى، قد تناسبها وقد لا، ولكن في النهاية ، مصير تلك القطع أن تعود إلى مكانها الصحيح.
في المساء.
كان فريد قد أنهى أشغاله ويتجه الآن نحو مركز الطبيب النفسي رؤوف خلف ، الطبيب الوحيد المطلع على تاريخ عائلته المرضي، حيث أن والدته كانت تلجأ إليه مرات متقطعة ولكنه كان على علم بحالتها كاملة، ومن بعدها أصبح هو من يشرف على حالة نسيم بعد خروجها من دار الأيتام وتعرضها لأزمة نفسية ، والآن .. لقد حان دوره.
كان قد أخذ ميعادا مسبقا لذا قادته السكرتيرة إلى غرفة الطبيب فورا.
دخل وهو يشعر بالتوتر، يشعر بالضيق والتحفز والرهبة.. في الواقع هو إنسان كتوم ومتحفظ جدا، ولا يحب الإفصاح عما بداخله لأي شخص، وفكرة أنه سيجلس أمام الطبيب ويبدأ بالحديث عن مرضه ومشكلاته بكل هدوء فكرة تثير ضيقه وانزعاجه.
دخل فرحب به الدكتور رؤوف ودعاهُ للجلوس وهو يقول بابتسامة بشوشة:
أهلا وسهلا يا فريد بيه، إزي الحال؟
تنهد فريد تنهيدة طويلة ثم زفرها دفعة واحدة وقال:
الحمد لله.
ابتسم الطبيب باتساع، وقال بود:
الحمد لله ، طمني.. الآنسة نسيم وصلت لفين دلوقتي؟
تنهد فريد باستياء وقال:
زي ما هي، النوبات بتجيلها على فترات متباعدة زي ما حضرتك قولت.
أومأ رؤوف بتفهم وقال:
ده طبيعي، لأن المشكلة الأساسية لاتزال قائمة.
هز فريد رأسه بتأييد، فهو يعرف أن لعنة نسيم هي والدها فعلا ، ومن الصعب أن تبرأ من علتها وهي تتواجد معه في نفس المنزل وترضخ لجبروته وقهره كل يوم.
أتمنى لها الشفا من كل قلبي.
نظر إليه فريد مبتسما ابتسامة بسيطة وقال:
متشكر يا دكتور..
قابل الدكتور ابتسامته بابتسامة مماثلة ثم قال بهدوء:
قوللي يا فريد.. حابب تتكلم عن إيه، حاسس إنك عاوز تحكي؟
أخذ فريد يحرك نظراته يمينًا ويسارًا بعشوائية ، ثم زفر زفرةً مستاءة وقال :
حاسس إني تايه!
ونظر إلى الطبيب وتابع:
مليان حاجات كلها فوضى، كأن في ناس قاعدة في دماغي، ناس مختلفة ، غريبة، كل حد منهم بيشدني لاتجاه غير التاني، جوايا أفكار كتير غلط.. أنا عارف إنها غلط وعارف إنها مش طبيعية، بس مش قادر أقف قصادها وأمنعها .. وبلاقيني غصب عني بتجاوب معاها .. أنا عارف إن ده مرض وعارف من زمان إني مريض بالوسواس القهري بس معنديش إرادة إني أتعالج، حاسس إني طبيعي وإن شخصيتي كده كاملة ، وأوقات بحس إني مش مريض وإن تصرفاتي دي هي الصح والطبيعي واللي المفروض تحصل.. حضرتك فاهمني؟
أومأ الطبيب بثقة وقال:
أكيد فاهمك.
سحب فريد نفسًا عميقا واستطرد قائلا بضعف قليلا ما يسمح له بالظهور:
أنا تعبان.. أنا حاسس إني كل حاجة وعكسها، حاسس إني بالرغم من نجاحي في شغلي وإني قدرت أكون مستقبلي بس فاشل في إني أكوّن حياة مستقرة، مش قادر أتعايش بصورة طبيعية ، بخاف من كل حاجه خوف غير مبرر، بخاف أتعب شوية تعب صغيرين ، بخاف حد من أهلي يتعب أو يتأذي بأي شكل، بخاف من الموت، من الحب، من الجواز، من الفشل، بخاف من كل حاجه.
وزفر مجددا بإرهاق شديد واسترسل:
أنا عارف إن كل دي وساوس مش منطقية، بس مش قادر أتجاهلها، حاولت كتير أدرب نفسي على التجاهل بس مش عارف، أنا عايش في جحيم !!
كان الطبيب ينصت إليه باهتمام، ويدون بعض الملاحظات بدفتره، ثم ينظر إليه مجددا بانتباه وهو يتابع:
أنا محبط جدا ، مش راضي عن نفسي أغلب الوقت، وكل حاجه بعملها ببالغ فيها وبردو ببقا مش راضي عنها وحاسس إنها ناقصة ومش بالشكل المطلوب ، بقيت بشوف الكل حواليا كتل متحركة من الجراثيم والأمراض، مش قادر أتواصل مع حد بشكل طبيعي، ولو حصل وتعمدت أغصب نفسي بلاقينى برجع لنقطة الصفر من تاني وأبدأ العذاب من أول وجديد.
حاولت تتعالج قبل كده يا فريد؟ حاولت تتكلم مع دكتور ، أو استشاري نفسي؟
مرة من عشر سنين أعتقد.. ومكانش في أي نتيجة، وبعدها أهملت فكرة العلاج تماما.. حاسس إنها تحصيل حاصل.
فابتسم الآخر متسائلا:
طيب وإيه اللي خلاك تيجي النهارده وتتكلم معايا، حاسس إيه اللي اتغير؟
مط فريد شفتيه بضيق، وأخذ ينظر في نقطة ثابتة أمامه وكأنه يتخيل شيئا ما، ثم خرجت من فمه الكلمات بسلاسة وقال:
حاسس إن عمري بيضيع على حاجه مش قادر أوقفها.. عمري بيضيع وأنا كل شغلي الشاغل أرتب اللوحات بشكل أفقي، أو أتأكد قفلت الباب ولا لأ، ده أنا ممكن أوصل الشركة وأرجع تاني البيت أتأكد ، يومي كله ممكن يخلص وأنا عمال أعدل الحاجات حواليا بشكل مريح ، وقتي وجهدي بيضيعوا في حاجات تافهة ومش منطقية مش قادر معملهاش، ولو صممت أتجاهلها بحس إني متوتر وقلقان ومش على بعضي..
وتنهد واسترسل:
مش قادر أستمتع بأي حاجة .. مش قادر حتى أتخيل حياتي فيما بعد شكلها عامل إزاي.. مش قادر أفتح قلبي لحد مع إني محتاج ده.. محتاج يكون في حد برتاح له جمبي ، محتاج أطمن للناس وأثق فيهم من غير ما يجيلي خمسين هاجس إنهم بيضحكوا عليا أو بيستغلوني..
ثم نظر إلى الطبيب وأقر بنبرة مهزومة:
نفسي أعيش حياتي بشكل طبيعي زي أي حد .. من غير ما أفضل أحسب لكل حاجة بعملها ، نفسي أتصرف بشكل عفوي مع الناس القريبين مني، نفسي يكون عندي قابلية التعاطي مع الناس من غير ما تهاجمني أفكار مريبة ومؤذية..
زي إيه الأفكار دي مثلا؟
زم شفتيه بضيق وقطب جبينه وهو ينظر أمامه بشرود وقال:
إني ممكن أأذي اللي قدامي أو هو يأذيني، يعني حصل في مرة كنت في اجتماع مع شركا مهمين واضطريت ألغي الاجتماع فجأة لأني تخيلت إننا هنختلف على بعض البنود وبعدها هيحصل مشادة وممكن توصل لان حد يتطاول بالضرب على التاني، عارف إنها فكرة غريبة ومرضية، وعارف إنها أبعد ما تكون عن الواقع بس مش قادر مفكرش فيها.
وزفر وهو ينظر إليه بشكوى وقال:
أنا تعبان جدا يا دكتور.
كانت هذه تتمة الحوار، فأدرك الطبيب أن حالته قد وصلت ذروتها وأن الوسواس قد تمكن منه بشكل قاهر وضاغط، فأخذ الطبيب نفسًا عميقًا وقال:
قوللي يا فريد علاقتك بالعيلة عاملة إزاي؟
شبه منعدمة! مفيش تواصل غير للضرورة، مفيش تلامس أو احتكاك نهائي، حتى اخواتي لو اضطريت أسلم عليهم أو أحضنهم بجري أخد شاور وأفضل أعقم في نفسي كأنهم عندهم عدوى.
ووالدك؟
تنهد تنهيدة حارة ، وزم شفتيه بعدم اكتراث وقال:
عادي !! موجود زي مش موجود. مفيش بيننا الود الكافي أو الترابط القوي اللي مفروض يكون بين أب وابنه، يمكن لأنه هو اللي حط مسافات وحواجز بيننا من الأول، بس مع ذلك رأيه في المقدمة بالنسبه لي، لما بنجح أو بقرر أنجح ده بيكون عشان أثبت له هو أول حد إني ناجح، ولو أخفقت في حاجه ببقا مترقب احتجاجه وانفعاله وتوبيخه وشايل هم ده.. مع إنه كشخص لا يعني لي ولكن رأيه فيا مهم جدا.
أومأ الطبيب بتفهم ثم قال:
بص يا فريد، أنا شايف قدامي شخص اتعرض لضغوطات كتير وصعوبات ونمط تربية معين اتسبب في إنه بقا طول الوقت في حالة دفاع .. طول الوقت عاوز يثبت إنه كامل ومثالي.. عشان يحطم الصورة الناقصة في عين الآخرين، وخليني أقوللك إن الآخرين دول متمثلين في شخص واحد.. اللي هو والدك!
أومأ فريد بموافقة وأردف:
بالظبط، أنا عايز أثبت له إني مش فاشل ولا زي قلتي ولا عديم النفع زي ما دايما بيقول..
وده اللي خلاك فريسة سهلة للوسواس القهري.. إنت تعرف الوسواس والهواجس القهرية دي عامله زي إيه؟ زي بركان بيغلي جوة علبة مثلا وعليها غطا .. العلبة هنا اللي هي العقل. . فلو أنا بعرض نفسي لصراعات بسبب النمط اللي أنا عايش بيه والضغوط الواقعة عليا من الظروف والأشخاص الل حواليا فانا كده كأني بضعف الغطا المحكم حوالين العلبة دي، ومع الوقت وزيادة الضغوط وردات الفعل العنيفة بيزيد ضعف الغطا ده لحد ما بلاقيه فجأة انفجر والبركان اللي كان محبوس ثار وانطلق وتوغل جوايا بطريقة من الصعب تجاوزها أو التخلص منها.. فالحل هنا إيه؟ أعظم حل هو التجاهل.. إنك تحاول وتدرب نفسك مرة واتنين وعشرة لحد ما تلاقي نفسك بتنجح في إنك تتجاهل الوساوس دي، التجاهل عدو الوسواس زي ما بنقول، لأنه لو لقاك مش مهتم أو بطلت تتأثر بيه مرة بعد مرة الوساوس هتقل.
جربت أعمل كده ولقيت النتيجة عكسية تماما..
لأن العلاج مش سلوكي بس.. العلاج السلوكي لوحده مش كفاية في درجة الوسواس اللي عندك لأنك للأسف واصل لمرحلة متقدمة جدا وبعيدة جدا، عشان كده في المرحلة دي العلاج الدوائي مهم بنسبة ٥٠ ٪ والعلاج السلوكي بيكمله بنسبة ٥٠ ٪ تانيين..
وبدأ يكتب شيئا ما أمامه وهو يقول:
عشان كده أول حاجة هنعملها إننا هناخد دوا يكمل مادة السيروتونين الناقصة في المخ.. لأن نقص هرومون السيروتونين هو اللي بيخلي الإنسان بيئة خصبة لنمو القلق والتوتر والاكتئاب والإرهاق المزمن.. فاحنا محتاجين نرجع الهرمون ده لمستواه الطبيعي الأول، إلى جانب بقا التجاهل قدر الإمكان زي ما قولتلك، وإنك تحاول تشغل نفسك بأي طريقة يعني متقعدش لوحدك كتير… حاول تنخرط في أي نشاط إضافي أو تعمل حاجه جديده ، تقعد تتكلم مع ناس بتحبهم وتشاركهم حاجات بيحبوها، غير نمط حياتك من غير ما تضغط نفسك .. أهم حاجة تبقا بتعمل كل حاجه وانت مرتاح لأن الضغوط هي وقود الوسواس.
أطلق تنهيدة راحة نسبية وهو يشعر بأنه قد أفضى كثيرا مما يعتري صدره وقد أصبح أخف الآن، فنظر إليه الطبيب مبتسما وقال :
متقلقش كل حاجه بتخف مع الوقت، أهم حاجة خليك هادي وابعد عن الضغوط قدر الإمكان ..
هز رأسه موافقا ثم قال
تحب تضيف حاجة تانية؟ حاسس إنك محتاج تقول حاجه؟
لأ انا مرهق جدا ومش قادر أتكلم أكتر من كدة.
تمام.. النهارده كفاية كده والزيارة الجاية إن شاء الله هنتكلم عن بُعد تاني من أبعاد الوسواس وتأثيره عليك شكله إيه ، وأنا أفضل ميعاد الزيارة الجاية انت اللي تحدده.. سواء بكرة أو بعد شهر، لازم تكون جاي ومحتاج تتكلم وعاوز تفضفض .. مش مجرد زيارة لدكتور، اتفقنا؟
أومأ فريد موافقا ونهض وقال:
أنا متشكر جدا يا دكتور رؤوف.. أرهقتك معايا..
متشكر على إيه يا ابني ..ده شغلي وبعدين أنا نفسي أساعدك بأي طريقة ممكنة انت عارف إن والدتك الله يرحمها كانت غالية عليا جدا ..
أومأ فريد مؤيدا وقال:
الله يرحمها.. متشكر لحضرتك مرة تانية، عن إذنك.
خرج فريد من عيادة الطبيب واستقل سيارته وهو يشعر ببارقة أمل تتجه نحوه، طالما أن هناك فرصة إذا هو لايزال بعيدا عن خط النهاية الذي كان يوهم نفسه دائما أنه قد اقترب منه وانطلق في طريقه نحو الڤيلا عازمًا المحاولة البدء من جديد.
خرجت نغم من الغرفة بعد أن حبست نفسها بداخلها لما يقرب من أربع ساعات، كانت تتجول بداخل الغرفة كالعصفور المسجون في قفص، إلى أن استسلمت وقررت أن تخرج للحديقة وتجلس على الأرجوحة عل الحظ يكون حليفها ولا يقاطع خلوتها أحدا.
وفي طريقها للخارج استمعت إلى صوت صخب مكتوم نابع من المطبخ، فقادها فضولها إلى هناك، وفتحت الباب ودخلت لتجد عاملات المطبخ الثلاثة ومعهن زينب، يجتمعون في دائرة وأمامهم قالب كيك ويغنون بابتهاج.
انتفضن فور رؤيتها ثم تنهدت زينب بريبة وهي تقول:
هو انتِ؟ خضيتينا..
أطلت نغم برأسها من بين زاوية الباب المنفرج وهي تقول:
ايه ده انتوا بتحتفلوا بعيد ميلاد مين؟ عيد ميلادك انتي يا خالتي؟
نظرت الفتيات لبعضهن البعض بتعجب وضحكن بخفوت، بينما ابتسمت زينب بحرج وهي تقول:
أيوة.. البنات الله يسامحهم صمموا يعملوا لي عيد ميلاد ويحتفلوا بيا، بالرغم من إني حاولت أقنعهم إني مبقتش صغيرة على الكلام ده بس مفيش فايدة..
دخلت نغم والحماس يعلو قسماتها، وانضمت لجمعتهم المستديرة وهي تقول:
ينفع أحتفل معاكم؟
طبعا ينفع.. ثواني هجيبلك طبق.
وبالفعل أحضرت لها إحداهن طبقا ووضعته أمامها، ثم بدأن بالغناء لزينب من جديد ونغم تشاركهن ثم انحنت ونفخت في شمعة تحمل رقم خمسين فأخذن يصفقن لها بحماس فأشارت لهن قائلة:
بشويش يا بنات، صوتنا لو خرج برة هتبقى كارثة.
وكالعادة اشتعل فتيل فضول نغم فتساءلت باستغراب قائلة:
ليه يعني؟ هو هنا حرام حد يحتفل بعيد ميلاده ولا ايه؟
زمت زينب شفتيها باستياء وقالت:
أوامر الباشا بقا هنعمل إيه! على العموم أنا متشكرة جدا ليكم يا بنات على شعوركم الجميل ده نحيتي.
عانقتها كلا منهن بود وتمنت لها عامًا جديدًا سعيدًا، ثم عانقتها نغم بقوة وقبلت وجنتيها بحب صادق وهي تقول:
كل سنه وانتي طيبه يا خالتي زينب ، ربنا ميحرمناش منك.
ابتسمت زينب ولمعت الدموع بعينيها وهي تقول:
ولا منكم يا بنات.. يلا.. خدنا أكتر من وقتنا.. ناكل الكيك وبعدين نجهز العشا بقا لأن الباشا على وصول.
بدأت زينب بتقطيع قالب الكيك ثم وضعت لكلا منهن قطعة في طبقها، وتبقت آخر قطعة فقالت :
دي بقا من نصيب نسيم هانم ، أنا عارفة إنها بتحب كيك الشيكولاته جدا.
نطقت نغم بحماس شديد وقالت:
ينفع أنا أوديها لها على ما تجهزوا العشا؟ بالله عليكي يا خالتي عشان خاطري.
زمت زينب شفتيها باستياء طفيف وقالت:
مش عارفه مسموح ولا لأ يا بنتي….
فأضافت نغم وهي تحاول إقناعها وقالت:
هو أنا يعني طالعة أفجر نفسي في اوضتها؟ ه ه ده أنا هوديلها الكيك وأنزل، بالله عليكي يا خالتي عايزة أشوف الڤيلا من فوق شكلها عامل إزاي.
تنهدت الأخرى باستسلام وقالت:
أمري إلى الله، اتفضلي وديها وانزلي بسرعة، أوضتها تاني أوضة عالشمال.
أومأت نغم بحماس شديد وهي تحمل طبق الكيك، ثم خرجت من المطبخ وبينما هي بصدد التوجه نحو الدرج اصطدمت بقوة بفريد الذي دخل للتو والتصق الطبق بقميصه الأبيض فوشمت قطعة الكعك بقعة سوداء مثلثة عليه ..
جحظت عيناها بذهول وفغرت فاها بصدمة وهي تتمتم بأحرف متقطعة:
أنا.. أنا آسفة جدا مخدتش بالي..
وفي حركة خاطفة كانت قد التقطت منديلا من جيبها واقتربت منه لكي تنظف تلك البقعة وهي تردد بخوف:
أنا أسفة والله معلش سامحني.. أنا مش عارفة أنا عملت كده إزاي.
أخذت تمسح بالمنديل على القميص وهي تكرر اعتذارها مرارا وتكرارا دون توقف إلى أن أوقفها هو قائلا بحدة وهو يبتعد خطوة للوراء ويقول:
بتعملي ايه انتي!
رفعت عينيها عن القميص ونظرت إليه وهي تقول بتوتر:
بحاول أنضفه قبل ما يبقع!
نظر إليها للحظات، تفحص نظراتها المرتابة وبريق عينيها النَهم ولأول مرة يجد نفسه غير قادر على الانسحاب من أمام شخص وكأنه قد تسمر بالأرض..
ابتلعت ريقها بتوجس من نظراته المبهمة وابتعدت للخلف بالتدريج وهي لا زالت تنظر إليه بترقب، إلى أن رأته ينظر إلى القميص باستياء، ثم زفر بحنق وتخطاها متوجهًا نحو الأعلى.
أغمضت عينيها وزفرت مطولا وهي تقول:
إيه اللي أنا بعمله ده بس.
وعادت إلى المطبخ سريعا، وضعت الطبق وأسرعت بالهرب نحو غرفتها مجددا.
بينما دخل هو غرفته ومنها إلى الحمام، خلع القميص فورا ثم ألقاه بصندوق الملابس المتسخة ووقف يطالع انعكاس صورته بالمرآة وهو يتذكر عينيها ونظراتهمت اللتين تبوحان بالكثير، وأنفاسها التي لفحت صدره وأثارت الضجيج فيه.
تلك الفتاة تجعله يختبر أشياءً تسكن عمقًا بعيدا في قلبه لم يستطع ترجمتها أبدا، إلا عندما أثارتها هذه الملعونة بغير قصدٍ منها وجعلته يتوق لتجربتها مرات عديدة.
زفر بقوة ثم انحنى وأغدق رأسه بالماء البارد عله يُخمد تلك الأفكار المتأججة به، سيتخطاها، حتما سيتخطاها، وليس لأنها صاحبة أول قبلة هذا سيجعله يصبح مولعًا بها.. لا …كنتِ وستبقين في نظري محتالة فقط لا غير ، ولا عزاء لعينيكِ الجميلتين يا نغم.
رواية محسنين الغرام الفصل السابع عشر 17 - بقلم نعمة حسن
وقف فريد أمام المرآة يطالع هيئته بزهو. يبدو مرتاحًا اليوم، وهذه من المرات القليلة التي يشعر فيها بمثل ذلك الشعور. وبما أنه يشعر بالراحة وبأنه في مزاج جيد، فقد قرر أن يتخلى عن بدلته الرسمية ويرتدي ثيابًا بسيطة.
وقف أمام الخزانة ينتقي شيئًا، وأخذ ينظر إلى النمط الصارم الذي رتب به الملابس. وللحظة أراد أن يتمرد على الوسواس اللعين، فأخذ ينقل البدلات من أماكنها لأماكن أخرى وهو يشعر ببعض الحماس. ثم أخرج قميصًا باللون النيلي وسروالًا باللون الأزرق.
ارتداهما وخرج في تمام الساعة الثامنة، حيث أن مائدة الإفطار ستكون جاهزة في غضون دقائق. وهو لا يحب أن ينتظره الآخرون، ويكون مستاءً إذا تأخر عن أي موعد، سواء موعد عمل أو موعد شخصي.
خرج من الغرفة ونزل الدرج، ففتحت نغم باب غرفتها فور أن شمت رائحته متعمدةً لكي تلتقي به عند الدرج. وخرجت، فإذا بها تجده أمامها. فابتسمت ابتسامة ناعمة خجولة وقالت:
صباح الخير.
نظر إليها ملتقطًا جمال طلتها بعين كعين الصقر في حدتها، وأظهر ابتسامة ودودة بدوره وقال:
صباح الخير.
رأى عينيها وكأن الحديث يتأرجح داخلهما، فتساءل بطريقة مباشرة:
عاوزة تقولي حاجة؟
أومأت واقتربت خطوة وهي تحث قلبها الصاخب على الهدوء والتريث، بعد أن أحدثت رائحته فوضى عارمة بداخلها. ثم نظرت إليه وهي تعبث بأصابعها بتوتر وقالت:
كنت عاوزة أسألك، لسه مضايق مني؟
قطب جبينه متعجبًا وتساءل:
بخصوص؟
زمت شفتيها وأجابت باقتضاب:
امبارح.
هز رأسه وهو يسترجع ما حدث وقال متهكمًا:
قصدك لما كنتي هتلبّسيني الكيك في وشي؟
انفلتت ابتسامتها بحرج، فضحك بدوره ضحكة قصيرة وأردف بعدها:
لأ مش مضايق، حصل خير.
أومأت بموافقة وهتفت بحماس:
كويس جدا.
هز رأسه وجال بنظرة سريعة على ملامحها البريئة الخالية من أي إضافات أو محسنات كما اعتاد أن يرى الأخريات. ثم قال وهو يخطو للأمام:
يلا عالفطار.
هزت رأسها بموافقة ولحقت به بصمت. لتتبعهم چيلان التي كانت تقف بأعلى الدرج وتراقب حديثهم القصير بعيون تشتعل بالغضب وغيرة هوجاء. ثم نزلت السلم وهي تطرق الأرضية الرخامية بكعبيها بقوة غاضبة أثارت ضيقهم جميعًا وجعلتهم ينظرون نحوها باستنكار.
دخلت غرفة الطعام وجلست بمكانها المخصص، ورمقت نغم التي تجلس بجوار فريد بضيق شديد واستهجان بالغ. إضافة إلى أنها في تلك اللحظة تحقد عليها بشدة. من هي لكي تحظى بالمقعد المجاور لفريد وهي مجرد ضيفة متطفلة؟ بينما هي تجلس بجوار والدتها على الطرف المقابل للمائدة كما أمر سالم. ولمَ تشعر وكأن سالم متواطئ مع هذه الفتاة ويستخدمها في شيء ما يصعب عليها تحديده؟
أخذت نفسًا عميقا ثم تحدثت قائلة بغطرسة وتكبر:
قوليلي يااا… انتِ ..
أشارت بسبابتها باستخفاف واستحقار نحو نغم وأضافت:
sorry مضطرين نعاملك وكأنك نَكِرة لحد ما نعرف إسمك.
وأردفت بتساؤل وهي ترمق فريد الذي بدا عليه الانزعاج وقالت:
عملتوا إيه في المستشفى إمبارح؟ في أمل إنك تفتكري وترجعي بيتك ولا خلاص كده هتعيشي طول عمرك معانا هنا؟
اهتزت حدقتا نغم بتوتر. الرسالة وصلتها فورا. هذه الشقراء تكرهها لسبب غير معلوم حتى الآن، وتتعمد الحط من قدرها والاستخفاف بها لكي ترضي نقصها الذي تشعر به كلما رأتها. تلك المشاعر تفهمها جيدا لأنها اختبرتها قبل ذلك من قِبل صديقتها نهال. وكونها على دراية بالتصرف الصحيح في مثل هذه المواقف بالتحديد، فأخذت نفسًا مستترًا ونظرت إليها وهي تحاول استجماع شجاعتها ورباطة جأشها. فلقد اشتاقت كثيرا لمثل تلك المهاترات التي تبرع في الأخذ والرد فيها. وأسندت ذقنها على قبضتها وهي تنظر إلى تلك الشقراء وقالت:
قوليلي يااا…
وضيقت عينيها وهي تتصنع التفكير وكأنها تحاول تذكر اسمها، وقالت:
آه.. چيهان.
ثم نظرت إلى فريد ونسيم اللذان يجلسان يراقبان تلك المناظرة المثيرة للحماس ويترقبان أيهما ستتفوق على الأخرى. وتساءلت بجدية مزيفة:
مش اسمها چيهان بردو؟
ظهرت ابتسامة شحيحة جدًا جدًا في عيني فريد الذي أخذ يحك ذقنه بأنامله باستمتاع وأردف بجدية مزيفة مماثلة:
چيلان.
آه.. چيلان. قوليلي يا چيلان.. عندك مانع إني أكون ضيفة هنا في بيت سالم بيه؟ أظن هو بنفسه مرحب بيا في بيته وشايلني على كفوف الراحة، زي ماهو مرحب بيكي في بيته بردو وشايلك على كفوف الراحة.. ولا إيه؟
ارتفع حاجب چيلان بحنق وقد ظهرت عليها الصدمة من رد نغم، والتزمت الصمت حينما رأت سالم وهو يتقدم منهم. بينما نغم التي لم تكتشف حضوره بعد كانت تريح ظهرها للمقعد بانتصار وهي تمسك بكأس الماء وتشرب منه. ليقف الماء بحلقها فورا عندما استمعت إلى صوت سالم المعقد المغلف بالقسوة وهو يلقي عليهم تحية الصباح فتشردقت وخرج الماء من أنفها فجأة.
رد الجميع تحية الصباح، بينما هي تحاول تدارك ذاتها. لتجد يد فريد تمتد لها بمنديل، فنظرت إليه وهي تلتقط المنديل. وما أثار حنقها أنها رأت الابتسامة تعلو شفتيه وعينيه تخبرانها أنه يضحك على بلاهتها. فجففت وجهها وأنفها وقد حسمت أمرها.. لن تنظر إليه مجددًا لأن النظر إليه يوترك أكثر.
بدأوا جميعا بتناول الفطور وكلا ينظر بطبقه بصمت يغلف الأجواء. إلى أن عطست عطسة اهتز لها الحاضرون وجعلتهم ينظرون نحوها باستغراب صامت. فتخضب وجهها بلون الخجل وتمتمت:
آسفة.
في ذلك الحين تحدث فريد الذي أراد جذب انتباههم بدلا من التحديق بها لأنه شعر بحرجها وتوترها فقال:
المفروض إن حفل ذكرى تأسيس الشركة كمان شهر. المفروض نبدأ نستعد من إمبارح؟ أنا شايف إنه التحضير المبكر أفضل.. بحيث يكون معانا وقت نعدل أي تفصيلة فيما بعد.. ولا إيه رأيكم؟
نظر إليه والده برضا وقال:
أنا معاك طبعًا.. وبما إني مبقيتش متابع قد كده هسيب الموضوع ده عليك.
أومأ موافقًا وأردف وهو ينظر إلى عمر:
عمر.. لازم انت كمان تكون معايا الفترة الجاية وأهي فرصة تتعرف على الشغل عن قرب، عشان بدايةً من السنة الجديدة في عُمْر الشركة إن شاء الله تكون انت متواجد بصفتك عضو مجلس إدارة.
أطلق سالم زفرة ساخرة وقال:
عضو مجلس إدارة مرة واحدة!! ثقة في غير محلها نهائي.
نظر إليه عمر بضيق وإحباط واضحين، ونظر تلقائيًا نحو فريد الذي تنهد باستياء من رد والده المحبط. ثم قال وهو يتناول طعامه ببساطة:
ثقتي في عمر ملهاش حدود، وواثق ومتأكد إنه يقدر يكون شخص ناجح جدًا لو حط النجاح هدف قدام عينيه. وبعدين محدش بيبدأ كبير.. كلنا كنا لا نفقه شيء ومع الوقت اكتسبنا خبرات وبقينا أسامي ومراكز مرموقة.
أثارت لهجة التحدي في حديث فريد شيئًا ما بداخل والده. فمنذ نشأته وقد تنبأ سالم أنه سيصبح خيلًا جامحًا يستعصي على صاحبه وسيغلبه يومًا ما. وها هو فريد يحقق تلك النبوءة يومًا بعد يوم، ويثبت له أنه كان ذا نظرة صائبة بشأنه من البداية.
بينما استقبل عمر دعم أخيه بابتسامة ممتنة. ففريد وحده القادر على إصلاح ما يفسده سالم مرسال، ورأب الصدوع التي يحدثها سالم بأرواحهم. ثم نظر إلى فريد مبتسمًا وقال:
شكرا يا فريد، وأنا عشان كلامك ده مستعد أنجح وأبقا أحسن واحد في الدنيا عشان أثبتلك إني قد الثقة دي.
نظر سالم إلى ابنه الآخر بتفاجؤ. إنه يرسل إليه رسالة مبطنة، فحواها أنه سيسعى للنجاح بفضل دعم أخيه ومن أجل دعم أخيه فقط لا غير. أما بالنسبة له هو فلا يكترث لأمره من الأساس.
ظهر الاستياء الشديد باديًا على عقدة حاجبيه، وأخذ يكمل طعامه بصمت متجهم. إلى أن قطع ذلك الصمت صوت نغم التي قالت بعد أن تنهدت بتوتر:
أنا افتكرت ان اسمي نغم.
نظروا جميعهم إليها وأولهم فريد الذي صُعق. ما هذا الهراء!
حسنًا هو طلب منها أن تعرفهم بنفسها بالتدريج وكأنها تستعيد ذاكرتها شيئًا فشيئًا ولكن ليس بتلك السرعة! ما هذا العته؟
انتِ افتكرتي؟
تساءل سالم باهتمام. فتنـهـدت مجددًا وقالت:
مفتكرتش غير حاجات بسيطة، إسمي واسم أبويا وأمي.. والباقي لسه مش فاكراه.
تحمحم فريد بخفة محاولا لفت انتباهها. هذه الفتاة ستفسد كل شيء!
أبويا اسمه ناجي.. كان شغال في السكة الحديد.. وأمي اسمها بدر.
رفع فريد الكأس ووضعه مجددًا بطريقة أثارت انتباهها. فتصنع بأنه يتناول طعامه ولله الحمد كانت قد التقطت الإشارة وقالت باقتضاب وهي توقف سيل الاعترافات الذي سيجرفها نحو الجحيم:
بس.. ده كل اللي افتكرته.
إنه يشعر بالحنق نحوها الآن. ولو باستطاعته لصفع رأسها المعتوه مئات المرات لكي تفقد الذاكرة فعلا وتتخلى حينها عن ذلك التمثيل الهابط.
وانتبه حين تحدث والده قائلا بنبرة تبدو متحمسة:
دي بداية مبشرة جدًا يا نغم.. بإذن الله تقدري تفتكري كل حاجه وتقدري توصلي لعنوان أهلك كمان.
مليش حد، أبويا وأمي ميتين من صغري.
ألقتها بعفوية ونبرة يتردد من صداها الحزن. فنهض فريد قبل أن يكسر ذلك الكأس فوق رأسها، وتمتم قائلا:
أنا شبعت الحمد لله، عن اذنكم.
استوقفه عمر الذي نهض فجأة بدوره وقال:
وأنا كمان شبعت، استناني يا فريد هطلع أجيب حاجتي من فوق عشان توصلني في طريقك، مليش مزاج أسوق.
وقبل أن يخرج مال نحو نغم قليلا وقال:
سي يو نغم، إسمك حلو جدا على فكرة.
رجعت نغم للوراء خطوتين وهي تطالعه باستغراب، ثم ابتسمت ابتسامة مفتعلة وهي تهز رأسها بإيماءة بسيطة.
وغادر مسرعًا بينما هي شعرت بالتوجس والتوتر. فنهضت وهي تحمل طبقها بعادة فطرية وقالت:
أنا كمان شبعت الحمدلله، عن اذنكم.
توجهت نحو المطبخ، دخلت وغسلت طبقها ثم خرجت للشرفة الصغيرة الخاصة بالمطبخ. فوقعت عيناها على فريد الذي يقف بجوار سيارته في انتظار عمر. ووجدت نفسها كالمجذوبة تبتسم بلا وعي وهي تنظر نحوه وتتفحص هيئته الرجولية المثيرة للجدل بقلبها.
رجل فريد من نوعه، كل تفصيلة به تراها حصرية وخاصة به هو فقط. طول القامة المتناسق مع وزن مثالي فيصنعان جسدًا رياضيًا متناسقًا، وملابس بسيطة ولكنها تعكس أناقة ورقيًا وذوقًا جيدًا جدًا، وحضورًا طاغيًا. يرافقه رائحة عطر ملعونة تنبش مشاعر غريبة ومتمردة كانت كامنة في أعماقها.
وللحظة وجدت نفسها تتمنى وتقول يا ليت، يا ليتها كانت نغم أخرى، من نفس طبقته ومن نفس محيط بيئته. لو كانت تشبه ظروفه وعائلتها تشبه عائلته، كان من الممكن حينها أن يكون لديها فرصة للحلم برجل كهذا. ولكن بما إنها ليست نغم أخرى ولن تصبح فالحلم في حالتها كابوسًا، حلمًا مؤطرًا بأسلاك شائكة لن تستطيع الاقتراب منه. وأخذت نفسًا عميقا وقبل أن تخرجه فزعت عندما سمعت صوت إحدى العاملات والتي قالت:
بتعملي إيه هنا؟
نظرت إليها نغم بضجر وقالت وهي تلتقط أنفاسها الثائرة وتقول:
مش تكحي ولا تعملي أي حاجة بدل ما تفجعيني كده.
نظرت إليها الخادمة باستغراب وتساءلت:
انتِ منين بالظبط؟ أصل كلامك غريب شوية.
ضغطت نغم شفتيها بشبه إحكام كما تفعل حين تستاء، ثم تحركت وهي تقول:
أنا خارجة أشم هوا برة.. عن اذنك.
فرت من أمامها هاربة قبل أن تستجوبها مجددا وتجد نفسها قد سردت لها قصة حياتها بالكامل كما كانت على وشك الفعل قبل قليل.
***
تجلس عائشة أمام حسن، يتناولان الفطور بصمت بينما كلا منهما يسبح مع خياله بعيدا عن الآخر. هي تفكر في اللحظات القادمة وكيف سيكون رد فعل حسن بعد أن تعترف له بكل شيء. وهو يفكر ماذا سيفعل بالمليون جنيه بعد أن يصبح في قبضته. وكيف سيرضخ لرغبة فيفي ويتزوجها، وبماذا سيخبر أمه أساسا؟
إلى أن قطعت هي هذا الصمت وقالت في محاولة منها للوصول إلى لب الموضوع الأساسي التي تود الاعتراف به:
بقولك ايه يا حسن..
أجاب وهو يدس كسرة خبز بفمه بانشغال:
قولي ياما؟
كنت عاوزة أتكلم معاك في موضوع مهم.
أومأ موافقا وهو يمضغ الطعام وينظر إليها بانتباه فقالت بتوتر:
فاكر لما سألتني زمان اتعرفت على ابوك إزاي؟
هز رأسه موافقا، فيما هي تجول بنظرها على قسمات وجهه بحيرة وخوف. فرأته يهز رأسه متسائلا وهو يقضم قطعة خيار بانشغال:
قولي ياما، يظهر إن أبويا الله يرحمه بيهف عليكي كتير اليومين دول بقيتي بتجيبي سيرته كل شوية.
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
الله يرحمه.. راعاني وأكرمني وعوضني عن كل حاجة صعبة شوفتها.
الله يرحمه.. قالهـا بتأييد ثم نظر إليها متسائلا بفضول:
صحيح يا ام حسن، سؤال أخوي بينا كده.. ليه مفكرتيش تخلفي غيري؟ ليه سيبتيني أطلع فرداني بطولي كده في الأيام اللي مباينلهاش ملامح دي؟ مصعبتش عليكي؟
تساءل بهدوء ولم تعكس ملامحه أي انطباع مفهوم. فاهتز صوتها وهي تقول:
أكيد فكرت وكان نفسي كمان أجيبلك أخ يسندك، بس يدوب بقا عمرك أربع سنين و أبوك الله يرحمه مات.
تنهد حسن باستياء وهو يسند يديه على فخذيه وتمتم:
الله يرحمه.
ثم فاجأها حين قال متسائلا:
وليه مفكرتيش تتجوزي بعد ما مات؟
شردت بناظريها قليلا، وكأنها تفكر في سؤاله لأول مرة. ثم نطقت بعد تنهيدة محملة بالهموم:
مفكرتش أبص لصنف راجل تاني، أنا كان كل همي انت يا حسن، كنت شيفاك انت راجلي اللي لما تكبر هقدر أستقوى بيك وأتسند عليك.
أطلق زفرة ساخرة وقال:
وللأسف اتسندتي على حيطة مايلة.
نظرت للأسى النابض بعينيه بحزن وضيق وقالت:
أنا آسفة يابني، ظلمتك معايا كتير.
وقبل أن تكمل قاطعهما صوت رنين جرس الباب. فنظرا إلى بعضهما البعض باستغراب وقالت:
مين اللي جايلنا بدري كده؟
نهض حسن مسرعا وفتح الباب بلهفة ما لبثت أن اختفت عندما رأى الوافدة. فتمتم بنزق:
نهال؟ خير عالصبح؟
قطبت عائشة حاجبيها متسائلة:
مين يا حسن؟
نظر إليها قائلا بحنق:
نهال.
طب خليها تدخل جايز عرفت حاجه عن نغم وجاية تقولها لنا.
نظر حسن إلى نهال بسخط واضح وقال:
خُشي.
دخلت نهال وما إن رأت عائشة حتى ركضت نحوها وجلست بجوارها. ثم أمسكت بيدها وقبلتها وهي تقول:
إزيك يا خالتي وإزي صحتك؟
نظرت إليها عائشة بعدم ارتياح. فهي لم ولن تنسى موقفها السابق مع نغم، إضافة إلى أنها لم تكن راضية عن علاقة نغم بها منذ البداية لأنها ترى فيها إنسانة غير مريحة وغير سوية. وقالت:
الحمد لله يا نهال، خير؟ زيارتك بدري أكيد الحكاية فيها إنّ..
بصراحة أيوة.. أصل نغم جتلي…
ونظرت إلى حسن وتابعت:
في الحلم.
تراجعت لهفة عائشة وظهر محلها الإحباط مجددا. ثم نظرت إلى نهال التي استطردت وهي تنظر لحسن نظرة ذات مغزى وتقول:
وطلبت مني أجي أطمن عليكي وأوصلك سلامها وأشوفك لو محتاجة حاجة. مقدرتش أطنش الحلم ده وقلت جايز نغم نفسها توصلي الرسالة دي بجد ومش طايلة، ولا يمكن بعد الشر يعني تكون ماتت وروحها اللي جتلي في الحلم.
نظرت إليها عائشة بغضب وقالت:
تفي من بؤك فال الله ولا فالك، نغم بخير أنا متأكدة وهترجع تنور بيتها من تاني.
أظهرت نهال بعض التوتر وهي تسحب ما قالته وتنظر إلى عائشة قائلة:
مـقـصـدش والله يا خالتي ده أنا ربنا وحده اللي يعلم قلبي بيتقطع عليها إزاي ونفسي ترجع النهارده قبل بكرة، ده أنا مليش صاحبة غيرها ولا هي ليها غيري.
هنا برز صوت حسن الذي قال متهكمًا:
قُصره يا نهال، نغم جتلك عاوزة إيه… في الحلم؟
تنهدت نهال وهي تقول:
قالتلي سلميلي على خالتي وبوسيهالي.
ومالت نحو عائشة وقبلت خدها بقوة ثم استرسلت:
وقالتلي أخلي بالي منها وأحضر معاها الجلسات، وأنا بقا مستحملتش، فتحت عنيا من الحلم عليكوا على طول، قلت لازم أبلغكم بالرسالة دي وأقولكم إني هعمل بوصية نغم، من هنا ورايح يا خالتي متشيليش هم حاجة أبدا، واعتبريني مكان نغم لحد ما ترجع.
ثم نظرت إلى حسن الذي كان يطالعها بحاجبين مقلوبين وجبين مجعد بضيق سافر، ثم قال:
متشغليش نفسك انتي احنا مش ناقصنا حاجة، ولو نغم جتلك في الحلم تاني قوليلها بدل اللفة الطويلة دي أولى تيجي لخالتها.. أهي تشوفها بالمرة.
زفرت نهال باستياء ويأس منه. ذلك العقرب يجردها من كذبها وخداعها بمنتهى السهولة ويثبت لها مرة تلو الأخرى أنها بطاقة محروقة ليس لها قيمة لديه. ثم نهضت والتقطت حقيبتها وفتحتها ثم أخرجت منها رزمة من النقود ومدت يدها بها لعائشة وهي تقول:
امسكي يا خالتي خلي دول معاكي يمكن تحتاجيهم.
هنا نطق حسن بقوة وحدة أجفلتها وقد اقترب منها ونزع من يدها رزمة النقود ودسها داخل حقيبتها بقوة وهو يقول:
شيلي فلوسك يا نهال واتكلي على الله احنا مش ناقصنا حاجة.
لتجيبه هي بحدة مماثلة وضيق واضح:
دول مش ليك، دول لخالتي.
فتحدثت عائشة وهي ترمقها بعينين تُظهران غضبًا وشيكًا، ثم قالت:
وأنا مش محتاجة حاجة ألف حمد وشكر، وفري فلوسك يا بنتي الله الغني.
زفرت نهال بضيق وهي تنقل عينيها بينهما ثم قالت:
زي ما تحبي يا خالتي، عالعموم أنا رقمي في تليفون نغم، وقت ما تعوزيني أشري بس وانتي تلاقيني تحت رجليكي.
كتر خيرك يا بنتي.
قالتها عائشة بإيجاز وضيق، فأومأت نهال بموافقة ثم نظرت إلى حسن وأشارت برأسها نحو الباب ليلتقط هو الإشارة فورا ثم تحدثت قائلة:
أستأذن أنا يا خالتي، عن اذنك.
خرجت فلحق بها حسن، وأغلق باب المنزل خلفها ونظر إليها حانقًا وهو يقول:
ممكن أفهم بقا إيه اللي جايبك عالصبح كده وعاوزة إيه؟ وإيه حكاية نغم اللي جتلك في الحلم دي كمان؟ وتجيلك في الحلم ليه هو انتي كنتي ولي من أولياء الله الصالحين وأنا مش واخد بالي؟!
عقدت ذراعيها أمام صدرها بتحدي وقالت بنظرة واثقة وهي تلقي المفاجأة بوجهه دون تريث:
نغم كلمتني!
نظر إليها مصدومًا وقال بغير تصديق:
إيه؟ كلمتك إزاي يعني؟
كلمتني في التليفون هتكلمني إزاي يعني؟
وبعدين؟ هي فين؟ وفين الرقم اللي كلمتك منه؟ انطقي!
تساءل بلهفة. فرآها تنظر إليه بتلاعب، فقبض بقبضته القوية فوق ذراعها وهو يتمتم:
إنتي جاية تشتغليني يا بت انتي عالصبح؟
نزعت ذراعها من قبضته بغضب جهور وهي تنظر إليه وتقول بحدة:
المكالمة معايا لو مش مصدق، وعالعموم مصدق أو لأ دي حاجة متخصنيش.
حاول انتزاع حقيبتها منها وهو يقول:
هاتي الرقم اللي كلمتك منه.
فأبعدت الحقيبة عنه وهي تقول بحدة:
مش هيحصل.
أخذ ينظر إليها منتظرًا أن تفضي ما بجعبتها فقالت هي:
مش هتعرف الرقم ولا عنوانها ولا أي حاجة عنها إلا لما تنفذ اللي أنا عايزاه.
ضيق عينيه متعجبًا وتساءل بترقب:
اللي هو إيه؟
فزفرت بارتباك وهي تنظر إلى عينيه بقوة وتقول:
تجيلي لحد عندي وتعتذر لي على القلم اللي ضربتهولي قبل كده.
رفع حاجبيه متعجبًا وقال:
طب ما أعتذر لك هنا، لزمتها إيه الشحططة؟
لأ، زي ما ضربتني بالقلم في بيتي تعتذر لي في بيتي؟
أخذ يمسح على ذقنه بأنامله بتفكير وهو يقول:
أعتذر لك؟ طب وبالنسبة لسي وحيد؟ ظروفه إيه؟
تنهدت بحنق وهي تهز قدميها بضجر وتقول:
ملكش فيه، وحيد مسافر ومش هيرجع غير بعد أسبوع، يعني قدامك مهلة أسبوع واحد. ولو مستغلتش الفرصة صدقني مش هتوصل لنغم لو دورت عليها تحت سابع أرض.
مط شفتيه وهو يفكر بتريث. بالطبع هو ليس غافلا عن مقصدها، ويعرف ما تريده تماما، ولكنه ليس مستعدا لفعله أبدا. يكفي أنه سيكون مضطرا لإتمام زيجة هو لا يرغب بها. والآن.. عليه أن يفكر في طريقة يستطيع بها الحصول على معلومة ترشده إلى طريق نغم دون أن يخضع لرغبة نهال.
هز رأسه موافقا وقال:
ماشي يا نهال، وأنا موافق أجي لحد عندك وأعتذر لك. بس لو حاولتي بعدها تقلي بعقلك معايا متلوميش غير روحك أنا بقوللك أهو.
أومأت بتمهل وهي تقول:
ماشي يا حسن يا عقرب.. سلام.
وسارت نحو سيارتها فأخذ هو يتتبع أثرها وخطواتها المتبخترة وهو يغمغم:
مع السلامة والقلب داعيلك.
دخل وصفق الباب وهو يتجه نحو غرفته. فتساءلت عائشة باهتمام:
كنتوا بتتكلموا كل ده في إيه يا حسن؟
أبدا ياما، كنت بقوللها متجيش هنا تاني احنا مش ناقصين وجع دماغ.
تنهدت تنهيدة يملؤها الهم وأردفت:
طيب مش هتيجي تقعد عشان نكمل كلامنا؟
معلش ياما وقت تاني، أنا ورايا مشوار ضروري دلوقتي.
ودخل غرفته لكي يستعد للخروج للحاق بنهال، فبالتأكيد لن ينتظر للمساء لكي يعرف مكان نغم. وترك أمه وراءه تستغفر بضيق وإحباط لأن مخططها للاعتراف أخيرا قد فشل وعادت إلى نقطة الصفر.
***
في دبي..
كانت چوليا تجلس بسريرها وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وتسند رأسها عليهما وهي تبكي. ترتجف وهي تسترجع كل لحظة مرت عليها برفقة شريف على مدار العشر سنوات. وتمنت لو أنها لم تعرفه، لو أنها تضعف أمام غزله المثير وكلامه المعسول، لو أنها كانت أقوى أمامه ولم تسمح له أن يعبث بمراهقتها ويصيغها بطريقته الخاصة ويمتهنها بخسة ونذالة طوال العشر سنوات.
عشر سنوات فارقة، كانت كافية لأن تتعلم فيها الكثير. ولو أنها كانت تختار قبل عشر سنوات بنفس العقل الذي تفكر به اليوم فمن المؤكد أنها لم تكن لتنظر إلى ذلك الرجل أبدا ولم تكن لتلتفت إليه حتى.
طوال العشر سنوات كانت تشعر أنه هو من منحها هويتها، لذا اقتصرت الحياة عليه فقط، وتمحورت حياتها حوله، فأصبحت تعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة. تأخذ رأيه وتستشيره حتى في نوع العطر الذي ستضعه اليوم، تطلب نصيحته حول موقف ما. هي كانت قادرة على حل هذا الموقف والتصرف فيه ولكن رأيه يبقى الأهم.
عشر سنوات قلصت حجمها وقللت من قيمتها أمامه، اعتبرته السيد وهي الخادمة، تلبي طلباته بدون تفكير، وتسلك المسار الذي يشير نحوه مغمضة الأعين وكأنها ألغت عقلها وخدرته تماما.
وعلى الرغم من الثناءات المتكررة التي كانت تسمعها من الجميع، والنجاحات التي كانت تحققها في مجال عملها، إلا أنها كانت تشعر بعدم الأمان وتشعر وكأنها فاقدة الكينونة بعيدا عنه. تشعر وكأنها شخصيتان متداخلتان، إحداهما تتوق للنجاح وتحقيق الذات، والأخرى مناقضة لها تماما وعادةً ما تتولى زمام الأمور وتسيطر على الأولى، تتوق للامتلاك والامتهان بكل الطرق.
وعاشت هي في صراع بين الشخصيتين الذي لم يفلح أحدًا في التعامل مع كلا منهما سواه. لذا كانت تشعر دائما نحوه بالامتنان والعرفان، تترجم أفعاله أنها حب. ولكنها تفاجأت به يصفع مخيلتها ويحطم آمالها في اليوم التالي.
على مدار العشر سنوات عاشت معه بين شد وجذب، في علاقة مهددة تماما وغير مستقرة. ولكنها كانت تتجاهل هذا الشعور دائما وتختلق الأوهام والأعذار الواهية لكي تبرر له أفعاله الحمقاء لكي تصرف انتباهها عن فكرة الابتعاد عنه.
إلى أن اهتدت إلى فكرة الزواج، عله يكون رابطا قويا بينهما. وأقنعها عقلها الغبي أنها بذلك تكون قد ضمنته للأبد، لتجد الحقيقة في النهاية منافية تماما. هو كالسراب. توهمت في بادئ الأمر أنه رجل أحلامها ومنقذها و و و.. وكلما اقتربت منه وتعمقت في شخصيته وعرفتها عن كثب اكتشفت أنه لا شيء. وهم، خيال، إنسان فارغ لا يملك شيئا جيدا ليمنحه لأحد.
والآن فقط اكتشفت أنها كانت مخطئة في حق نفسها. لم تستمع لحديث أختها التي نصحتها كثيرا بالتوقف عن إيهام نفسها بحب شريف. لم تستجب حتى للإشارات ولم تأخذها بعين الاعتبار.
وأول الإشارات كانت رسالة، قرأتها على مدونة فريد في نفس اليوم الذي قررت فيه أن تعرض فكرة الزواج على شريف لكي تضمن بقاءهما سويا.
"حينما تبحث عن نفسك من خلال الآخر ستتعلق به، وحينها ستفقد ذاتك وتفقد الآخر."
وكالعادة تجاهلت تلك الإشارة كما تجاهلت الكثير من الإشارات وأغمضت عينيها عن الحقيقة وسارت في طريقها معتمدة اعتمادا كليًا على مشاعرها التي تقودها نحو الهلاك.
مسحت دموعها وهي تنظر إلى هاتفها الصامت الذي يضيء معلنًا عن ورود اتصال من والدتها. ولكنها تجاهلت الاتصال كما فعلت عدة مرات منذ ليلة الأمس. ليعود الهاتف ويحمل اتصالًا باسم چيلان ولكنها مجددا تجاهلت اتصالها. وأخذت تبكي بحسرة ويأس.
هي لا تحتاج للحديث مع والدتها، ولا حتى أختها. هما لن تفهماها ولن تشعران بما آل إليه حالها السيء. وفي الواقع هي غير مستعدة للحديث معهما بالتحديد لأنهما ستضغطان عليها أكثر ولن تستفيد من مكالمتهما سوى مضاعفة شعورها بالحنق والاستياء.
ولوهلة أدركت ما تحتاجه فعلا. الإنسانة الوحيدة القادرة على بث الأمان بقلبها. لذا أمسكت هاتفها وقامت بالاتصال بها على الفور. وما إن استمعت إلى صوتها حتى قالت بابتسامة حزينة:
نسيم.. وحشاني.
صباح الخير يا حبيبتي، وانتي كمان وحشتيني جدا. مال صوتك؟
حبست دموعها وقالت بصوت مهزوز:
أنا كويسة متقلقيش، بس حبيت أسمع صوتك وأطمن عليكي.
تنهدت نسيم بهدوء وهي تقول برضا كالعادة:
أنا بخير يا حبيبتي، قوليلي هترجعي إمتا؟ محتاجة أقعد معاكي ونتكلم.. محدش بيفهمني غيرك.
وأنا كمان محتاجالك جدا، فترة بسيطة وأرجع إن شاء الله، عندي هنا حاجات كتير هعملها.
اوكي يا چوليا، ربنا معاكي.
اهتز قلبها بضعف وخوف وهي تقول:
ادعيلي كتير عشان خاطري يا نسيم.
لم يكن من الصعب على نسيم لمس ذلك الدمار الهائل بصوتها. فتساءلت بقلق:
چوليا انتي كويسة؟
أنا كويسة متقلقيش، بس مضطرة أقفل دلوقتي عشان بجهز وخارجة.
تمام حبيبتي خلي بالك من نفسك مع السلامة.
أنهت جوليا المكالمة وهي تبكي مجددا. ثم نظرت إلى ساعة الهاتف بترقب. إنها تشير إلى العاشرة. من المؤكد أنه سيصلها بعد قليل، فلقد أخبرها قبل سبع ساعات تقريبا أنه يستعد للذهاب إلى المطار.
أخذ قلبها يدق بقوة ولهفة وقد بسط الخوف كفيه بداخله وظل يعبث به كيف يشاء. استمعت إلى صوت الباب يُصفق فعلمت بوصوله، فنزلت من سريرها وهرولت نحو الخارج. وما إن رأته أمامها حتى أسرعت نحوه وطوقت رقبته بقوة وظلت تبكي. فاستقبلها بين ذراعيه ببرود، وذلك الجليد سرى منه إليها فعلا، فشعرت ببرودة عناقه وأيقنت أنها في المكان الخاطيء. وبالرغم من ذلك الشعور إلا أنها لم تملك القوة الكافية لكي تنسلخ عنه، وظلت متشبثة به للحظات إلى أن ابتعد هو ببطء وهو يقول:
ها.. جاهزة؟
رفعت عينيها الباكيتين إليه. قهرها بسؤاله، قهرها برد فعله، قهرها ببرودة عناقه. ولكنها لن تأخذ وقتا أطول لكي تبحث عن إجابة خلف تلك التصرفات، فلقد منحها الإجابة مسبقا حين أقر لها أنه أصبح لامرأة أخرى غيرها.
وفي لحظة ضعف وانكسار وجدت نفسها تنظر إليه وتتساءل:
مين دي؟
ضيق عينيه مستفهمًا، وهز رأسه بتعجب وقال:
هي مين؟
اللي بتحبها!
تنهد وهو يرفع عينيه من عليها، ثم نظر أمامه نظرة ممتدة فوق رأسها نحو النافذة الزجاجية الكبيرة. ثم تحدث ببرود يغلف نظراته:
مش لازم تعرفي دلوقتي.
ابتلعت ريقها وتساءلت مجددا:
بتحبها فعلا ولا مجرد إعجاب؟
بحبها بجد.
صفع قلبها مجددا فتساءلت مرة أخرى:
و هي؟
هنا أطلق تنهيدة حارة مستاءة وأردف:
متعرفش حاجة لسه.
أخفضت نظراتها عن عينيه، وظلت تنظر حولها وهي تشعر بالسواد يعم قلبها. تشعر بالحقد نحو تلك المجهولة التي جعلت سلطانًا على قلبه، ونجحت فيما فشلت هي في فعله طوال السنوات الماضية. ووجدت نفسها تتساءل بغيرة عمياء وشعورًا مقيتًا يملؤها:
فيها إيه زيادة عني؟ فيها إيه مختلف خلاك اتعلقت بيها وأنا لأ؟ أحسن مني في إيه؟
زفر متثاقلا وتحدث بحدة قائلا:
چوليا، أنا سايب ورايا شغل لفوق دماغي في مصر وجاي عشان أكون جمبك ونخلص من موضوع البيبي ده، أظن مش جاي عشان نتكلم في التفاهات دي وتقوليلي أحسن مني ومش أحسن مني، الموضوع أساسا منتهي.
صدمة أخرى تنضم لعداد الصدمات، خيبة أمل جديدة تجاور مثيلاتها، خذلان آخر ارتطم بجدار قلبها ثم سقط إلى القاع سقوطًا حرًا.
انسحبت من أمامه بصمت. أساسا لقد نفذت كل قوتها، ودخلت إلى غرفتها، استعدت وجهزت كل شيء ستحتاجه، ثم خرجت. وقفت أمامه وطالعت جموده بهدوء وقالت:
أنا جاهزة.
أومأ موافقا، وسبقها نحو الباب، فسارت خلفه ككل مرة، تثق أنه يقودها الآن نحو الجحيم، ولكن قدماها وقلبها الخائنان يرزحان تحت وطأة سيطرته الكاملة على مشاعرها اللعينة.
***
أخذت نغم تذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، وفي رأسها عشرات الهواجس. فوضى عارمة وضجر وترقب. تفكر في القادم بقلق. ثم أمسكت بهاتفها وقامت بالاتصال بنهال علها تخبرها شيئًا يريح قلبها الصاخب ولو قليلا.
ثوان وأجابت نهال التي تحدثت قائلة:
أيوة يا نغم، كويس انك اتصلتي.
إيه الأخبار يا نهال؟ مكلمتيش خالتي؟
تنهدت الأخرى بحنق واضح وقالت:
كنت عندها من شوية.
بجد؟ طب وهي عاملة إيه؟ صحتها كويسة؟ جابت سيرتي قدامك؟
أيوة.. ويا ريتها ما جابت سيرتك يا نغم، خالتك زعلانة منك أوي وبتقول مش مسامحاكي.
شنت هذه الكلمات غارة عنيفة على قلبها المصدوم المكلوم، وتوقف نبضها لثوان قبل أن تنخرط في نوبة بكاء. بينما الأخرى تستلذ بصوت بكائها وتغذي شعورها بالغيرة والحقد منها وهي تقول:
قالت كمان إنها مش مستنياكي تاني وإنها اعتبرت إنك متي لأنك طفشتي واستغنيتي عنها. حاولت أقنعها إنك أكيد عملتي كده غصب عنك بس هي بردو مش مقتنعة وبتقول مكانتش تتوقع منك كده.
كانت تبكي بانهزام. قلبها مقسوم إلى شطرين والألم يغلي بداخله كبركان على وشك الثوران. ما لم تتوقعه أبدا أن تقسو عليها خالتها وألا تلتمس لها العذر فيما فعلته. فهي الوحيدة التي تعرف أنها لا تستطيع الاستغناء عنها مهما حدث وبالتأكيد لم تكن لتهرب لولا أنها تعرضت لضغط يفوق الاحتمال.
***
في نفس اللحظة كان فريد ممسكًا بالهاتف وهو يجلس بمكتبه ويستمع للمكالمة التي تدور بين نغم ونهال. وصوت بكائها يتردد في قلبه ويترك خلفه ندوبًا دامية. هذه الفتاة تستحق الشفقة. هذا كل ما يشعر به ولا يهتم لأي أمر آخر. لا يهتم لما فعلته ولا لكل الخسائر التي تسببت فيها. كل ما يهتم له الآن هو أنه يشعر بالأسى حيالها.
وما هالهُ وأشعرهُ بالصدمة بحق هو ما قالته نغم بعدها، حين قررت الخروج عن صمتها وقالت:
أنا مهربتش وسيبت البيت بمزاجي، كله بسبب حسن ولو في حد يستاهل متسامحوش فهو حسن لأنه هو اللي عقدني في عيشتي وكرهني في نفسي. حسن يومها دخل عليا الاوضة وأنا نايمة وكان مسطول وكان هيتهجم عليا، ودي مش أول مرة يعملها، عملها قبل كده كذا مرة وأنا كل ما كنت أحاول ألمحلها إنه بيضايقني تقوللي بيحبك. حب إيه ده اللي يخلي الواحد يرعب اللي بيحبه ويخليه عايش معاه مش حاسس بالأمان؟
كان مذهولا، مذهولا بشدة! لم يتوقع أبدا أن يكون هذا هو السبب الذي هربت لأجله. لقد ظن أن حسن هذا هو الذي يحركها وتسير وفقا لمخططاته. والآن اتضح أنه ابن خالتها وحسب. و… الدنيء يحاول التحرش بها!!!!
أثار ذلك الخاطر ريبته. فهو أشد ما يكرهه هو أن يستغل أحدهم فتاة أو يستضعفها أو يمتهنها بهذه الطريقة. خاصةً أنها ابنة خالته والمفترض أن يكون هو حاميها وليس الشخص الذي يخيفها لدرجة تجعلها تهرب من بيتها الوحيد لتفر من أذاه!!
ونفض تلك الأمور من رأسه وأخذ يستمع لبكاء نغم الذي لم يتوقف إلى الآن بل ازداد أكثر. ومن ثم نطقت نهال بعد أن تنهدت بضيق واستياء وقالت:
و ليه محاولتيش تستنجدي بيها مثلا؟ كان قدامك حلول كتير على فكرة بدل ما تهربي يا نغم، بس انتي خدتيها حجة.
الآن فريد يجزم أن تلك الفتاة تحقد على نغم لسبب ما. لأن تلك النبرة وتلك التنهيدة تفسران له الكثير من المشاعر التي تضمرها لنغم وتشعر بها تجاهها. وعلى ما يبدو أن محتالته الصغيرة ساذجة للغاية بالقدر الذي لم يسمح لها أن تكتشف بعد أن هذه الفتاة تحقد عليها. وحسب خبرته هو فالموضوع كله يدور حول المدعو حسن. ربما تكون نهال واقعة في حب حسن وتحقد على نغم لأن حسن يحبها!! هذا تفسير منطقي و ملائم للغاية.
استمع إلى صوت نغم المقهور حين صرخت بنهال قائلة بغضب:
اللي ايده في الميا، الكلام سهل لأنك مكنتيش مطرحي ولا عيشتي الخوف والرعب اللي أنا عيشته، بقوللك حاول يتهجم عليا!! عايزاني أفكر إزاي وقتها؟ أنا كل اللي قدرت أعمله إني كسرت الازازة فوق دماغه وجريت. أنا خرجت من البيت بهدوم النوم الساعة ٣ الفجر. انتي متخيلة حالتي كانت عاملة إزاي عشان تقوليلي كان قدامك حلول؟ وبعدين ليه هتحجج عشان أهرب؟ على أساس إني ليا مكان تاني أروحه؟ على أساس إني دلوقتي مرتاحة في البيت اللي أنا عايشة فيه عالة على أصحابه؟
وأكملت وهي تنتحب بانهيار قوي بعد تماسك دام لأيام متواصلة:
أنا عايشه في جحيم ومحدش حاسس بيا، بخرج من مشكلة أدخل في مشكلة وماشيه بلطش مش عارفه هترسى على إيه في الآخر. وكنت فاكرة إن خالتي حاسة بيا وبتدعيلي، أتريها اعتبرتني خلاص مُت.
ثم هتفت بانكسار:
يا ريتني مت فعلا وارتحت من كل القرف اللي أنا عايشة فيه ده.
تنهدت نهال اخيرا وقالت:
خلاص يا نغم اهدي، انتي عارفة خالتي قلبها أبيض وهتسامحك أكيد، هي بس شايلة منك حبتين ومسيرها تصفالك تاني. على العموم أنا هخلي بالي منها وهحضر معاها الجلسة بكرة وهبقا أكلمك أطمنك عليها.
ماشي، مع السلامه.
انتهى الاتصال فوضع فريد الهاتف على سطح مكتب وهو يتنهد باستياء شديد. يمكنه تخيل كيف تكون الآن. بالتأكيد في أسوأ حالاتها والحزن يخيم على غرفتها.
زفر مجددا بضيق وهو يتحرك في مقعده يمينا ويسارا ويفكر. كيف يمكنه مساعدتها؟ كيف يمكن أن يمد لها يد العون لكي يخفف عنها تلك الصدمات المتلاحقة؟ ولكنه في عز انشغاله بها نفض رأسه وهو يتساءل بينه وبين نفسه؛ لماذا عليه أن يكون مهتما بهذا القدر من الأساس؟
ونزولا عند رغبة هذا الوسواس الذي اشتعل فجأة برأسه أخذ يمارس طقسًا وسواسيًا مجردا من المنطق، عله يهدأ ويستعيد تركيزه مرة أخرى.
العد بنمط معين، كأن يعد عدا تنازليا مرة وعدا تصاعديا مرة أخرى، ويكرر هذا الطقس مرات غير محددة إلى أن يشعر بالهدوء والاتزان من جديد. وهو طقس يلجأ إليه دومًا في حال شعر بالتوتر الشديد والانخراط في أمر مرهق كالتفكير بدون توقف.
***
وصل حسن أمام شقة نهال. طرق الباب بقوة طرقات متتالية. ففتحت هي سريعا وهي تستعد للشجار مع هذا الوافد المزعج عديم الذوق. ولكنها تفاجأت بحسن أمامها. فـتـراجـع انـفـعـالـهـا وحـدتـهـا وأخـذت تـنـظـر إلـيـه نـظـرة واثـقـة مـتـحـديـة ثـم قـالـت:
مـكـنـتـش مـتـخـيـلـة إنـك هـتـجـي ورايـا بـالـسـرعـة دي، لـلـدرجـة دي مـش قـادر عـلـي بـعـدي؟
دخل وأغلق الباب وهو ينظر إليها قائلا:
أنا مش جاي عشانك، أنا جاي عشان تقوليلي فين نغم؟
احتقن وجهها بدماء غاضبة، وتأججت نار الغيرة بقلبها من جديد وقالت:
بسهولة كده عاوزني أقوللك فين نغم؟ شايفني عبيطة للدرجة دي عشان يبقا في إيديا فرصة زي دي ومستغلهاش؟
قصف صوته مدويًا قائلا بغضب ونفاذ صبر:
يووووه…. اخلصي يا نهال أنا مش فايق لك.
لا مش هخلص يا حسن، و يا إما أرد لك القلم اللي ضربتهولي يا إما تسمع كلامي وتعمل اللي هقوللك عليه. حلين ملهمش تالت عشان أقوللك فين نغم.
نظر إليها متعجبًا، مذهولا، وأخذ يتمتم باستنكار:
انتي اتجننتي يا بت؟ اتهفيتي في عقلك؟ قلم إيه اللي تردوهولي انتي شاربة إيه عالصبح؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها بتحدٍ عنيد وقالت:
هو ده اللي عندي يا حسن، والله مش عاجبك القلم عندك الحل تاني.
لخصيه يا نهال وقولي عاوزة مني إيه.. هاتي من أبو ناهية عشان أنا مش فاضي.
انت عارف أنا عاوزة إيه كويس.
أخذ يقلب كفيه متعجبًا وهو ينظر إليها ويقول:
انتي يا بنتي مش متجوزة؟ بتجري ورايا ليه؟
عشان بحبك وانت عارف كده كويس.
طب اتطلقي من جوزك وأنا أتجوزك طالما أنا داخل دماغك أوي كده.
للاسف مقدرش، بحبك بس في نفس الوقت بحب فلوس وحيد، مقدرش أستغنى عنك ولا أستغنى عن العز اللي عايشه فيه، أتجوزك في شرط واحد إنك تضمن لي عيشة زي اللي أنا عايشاها دي.. وقتها أتطلق من وحيد ونتجوز.
هز رأسه يائسا من حقارتها ودناءة نفسها، وقال محاولا مجاراتها:
طب يا نهال مش انتي كنتي عاوزاني أعتذر لك، أنا آسف يا ستي، حقك عليا، أنا راجل واطي إني مديت ايدي على ست كُمل زيك، يلا بقا الله يهديكي هاتي الرقم اللي كلمتك منه سخام البرك.
وضرب الجدار بجواره بقبضته في غضب وهو يصيح في انفعال شديد:
قسما بالله أنا لو شوفتها لماسح بيها الأرض لأنها خلتني على آخر الزمن أقف قدام مـ رة أتحايل عليها وأخليها تبيع وتشتري فيا.
بردو مش هتطول مني حاجه لو ضربت دماغك في الحيط، وان كنت انت دماغك ناشفة فانا دماغي حجر صوان، يا تسمع كلامي يا توفر وقتك ووقتي وتمشي.
ضغط بأسنانه على شفته بغضب وقلة حيلة وهو يقترب منها، وفجأة انحنى وحملها على ذراعيه بحركة مباغتة جعلتها تنظر إليه باستغراب، إلى أن رأته يتقدم بها نحو غرفتها فانقشع استغرابها وطوقت عنقه بيديها بفرحة وهي تنظر إليه عن قرب وابتسامتها تعلو وجهها.
دخل الغرفة وألقاها على السرير بقوة، وأخذ يطالعها بنظرات متوعدة، بينما هي تستقبل توعده بحماس، إلى أن رأته يدور حول نفسه وهو يبحث عن شيئ ٍ ما، فتساءلت ولكنه لم يجبها. فتح خزانة ملابسها وأخذ يبحث بعينيه عن شيئ ٍ إلى أن وجده، ثم أخذه وتقدم منها وهو يطالعها بنظرة مبهمة. فنظرت إليه باستغراب وهي تقول:
إيه ده؟ إنت هتعمل إيه بالرباط ده؟
اقترب منها، ومال نحوها وأخذ يطالعها من علوٍ ويتفحص ملامحها بطريقة أضرمت النيران بجسدها. ثم نطق أمام شفتيها قائلا بنبرة عميقة:
متسأليش كتير، وسيبيلي نفسك.
توهجت عيناها بلهفة، وثارت أنفاسها في حماس، بينما هو قد أمسك بكلتا يديها معا ورفعهما فوق رأسها، ثم قيدهما معا بإحدى الفراغات الموجودة بظهر السرير، وأخذ ينظر إليها بنفس النظرة بينما هي تطالعه بترقب وقد بدأ الارتياب يتسرب إلى قلبها. ثم ابتعد عن السرير وأخذ ينظر حوله بتفقد.
انت بتدور على إيه تاني؟
تساءلت بقلق فنظر إليها قائلا:
هو أنا مش قولتلك متسأليش كتير!!
جال جولةً سريعة في الغرفة وهو ينظر هنا وهناك إلى أن رأى هاتفها يقبع فوق طاولة الزينة خاصتها، فالتقطه وحاول فتحه و كان كما توقع.. الهاتف مغلق برقم سري.
الرقم إيه؟
نظرت إليه بانفعال وقالت:
انت هتعمل إيه بالظبط؟
قوليلي بس الرقم كام؟
صرخت بأعلى صوتها بجنون وهي تقول بغيظ شديد:
يا حيواااان… إنت عامل كل ده عشان تاخد الرقم من التليفون مش كده!
اقترب منها وقبض على شعرها بقبضته وهو يطالعها بغضب وقال:
انطقي اخلصي، بيتفتح ازاي التليفون ده!
نظرت إليه باحتقار وتطاير الشرر من عينيها وهي تقول:
انت أوسخ إنسان أنا شفته في حياتي.
الحال من بعضه، اخلصي.
فكني الأول وأنا هقوللك.
قوليلي الأول وأنا هفكك.
أخذت نفسًا عميقًا كتمت به السباب الذي يتراقص على طرف لسانها ثم قالت باستسلام:
١٢ / ١ / ٩٥.
ده عيد ميلادك ده؟ كل سنه وانتي طيبة مقدما.
فتح الهاتف فاتسعت ابتسامته بحماس، وضغط أيقونة المكالمات فورا ليظهر أمامه جهة اتصال مسجلة باسم نغم، فألقى إلى نهال قبلة طائرة وهو يقول بانشراح وأسارير منفرجة:
أشوفك بعدين يا نهولة.
انت رايح فين؟
قالتها بجنون وهي تراه يدس الهاتف بجيبه، ثم صرخت به بقوة وهي تقول:
واخد التليفون ورايح فين؟
هرجعهولك تاني متقلقيش، أنا بس عايزُه في مهمة سريعة وضرورية.
أقسم بالله هوديك في داهية يا حسن، رجع التليفون وتعالى فكني متستعبطش!!!
مال نحوها مجددا، واقترب منها بقوة وهو ينظر إلى عينيها الغاضبتين وهمس بجوار أذنها:
اللي يلعب مع العقرب يستحمل لدعته.
ثم غمز إليها واستدار ليغادر الغرفة بينما هي صوتها يصدح في الأرجاء بتشنج وعصبية بالغة:
حسن!!! انت هتسيبني مربوطة كده وتمشي؟ انت اتجننت!!!
وانتابتها عاصفة من الانفعال والجنون وهي تصرخ قائلة:
أقسم بالله هندمك يا حسن، انت لسه متعرفنيش، والله لادفعك التمن!!
خرج حسن وصفق الباب خلفه، ونزل درجات السلم مسرعا. وما إن نزل حتى أخرج الهاتف من جيبه ونظر مجددا إلى رقم نغم وأخذ يتمتم بتوعد تشوبه اللهفة:
وأخيرا يا نغم.
***
حل المساء ونغم لازالت تجلس على سريرها تضم ركبتيها إليها وتسند رأسها فوقهما، تبكي بصمت وهي تتذكر ما قالته نهال الذي كان بمثابة رصاصة حية أُطلقت على قلبها وأضرمت به النيران.
استمعت إلى طرقات على الباب ومن بعدها دخلت زينب التي قالت:
العشا جاهز يا نغم.
نظرت إليها نغم بهدوء وقالت وهي تمسح وجهها:
معلش يا خالتي مش عاوزة أكل دلوقتي.
مينفعش يا بنتي انتي مرضتيش تتغدي بردو، هتقعي من طولك كده. وبعدين انتِ عارفة سالم بيه أكيد هيسأل عليكي وهيضايق انك مقعدتيش معاهم.
قوليله تعبانة ونايمة.
زمت زينب شفتيها بتأثر وهي تنظر لتلك الفتاة التي كانت تشع حماسًا ولطفًا وقد تبدل حالها الآن تماما.
غادرت زينب وتوجهت نحو غرفة الطعام. أشرفت على تحضير مائدة الطعام وظلت بمكانها إلى أن يحضر الجميع.
تجمعوا واحدا تلو الآخر وفي النهاية وصل سالم الذي رمق مكان نغم الفارغ وتساءل قائلا:
أومال فين نغم؟
نظرت إليه زينب بارتباك وهي تقول:
تعبانة شوية يا باشا ومش قادرة تقوم من مكانها.
شعر فريد بضيقه وانشغاله يشتد. ثم نظر إلى والده الذي تحدث قائلا:
اطلبي لها دكتور مستنية إيه؟
تعجب فريد اهتمام والده البالغ بها. هل كل تلك المعاملة اللطيفة فقط لأنها أنقذت ابنه من السجن؟ أو لأنه يشعر بالذنب تجاهها مثلا؟
لا يظن أن والده قد أصبح عطوفًا رحيم القلب بذلك القدر!
إذًا هناك سببًا خفيًا وراء اهتمام والده بها، وعليه أن يعرفه.
أومأت زينب بارتباك وقالت:
تحت أمرك يا باشا.
بينما همست چيلان إلى والدتها التي تجلس بجوارها شاردةً وقالت:
الموضوع بقا أوڤر جداا وأصبح لا يطاق. مامي.. انتِ سامعاني؟
نظرت إليها نادية متسائلة بشرود وقالت:
ها؟ بتقولي حاجة يا چيچي؟
مالك يا مامي سرحانة في إيه؟
تنهدت نادية بانشغال وهي تقول:
چوليا بكلمها كتير من امبارح مش بترد!
وأنا كمان بكلمها على الموبايل وتليفون البيت كمان، أكيد في البيوتي صالون.
مش عارفه، بس قلقانة عليها حاسة إنها مخبية علينا حاجة، على العموم لو مردتش هسافر لها، مش هفضل قاعدة هنا وأقول يا ترى يا هل ترى.
طرق سالم بملعقته على طرف طبق نادية جاذبًا انتباهها وهو يقول:
بلاش الحديث الجانبي ده على الأكل.
أغمضت نادية عينيها بنفاذ صبر وضجر من تعنته وتسلطه اللامتناهي، وأكملت طعامها في صمت.
ظلوا جميعهم يتناولون عشاءهم صامتين وبداخل كل واحد منهم حوارًا صاخبًا مع النفس، وأولهم فريد الذي كان يسترجع مكالمة نهال ونغم ويتذكر نبرة بكائها المقهور.
انتهى من طعامه ونهض ليتوجه نحو غرفته مجددا لكي يتناول دوائه. وفي طريقه توقف أمام غرفتها، مترددًا.. يفكر هل يطرق بابها ويطمئن عليها أم لا؟
بينما هي بالداخل قد تغلغلت إليها رائحته التي أخرجتها من شرودها ورفعت ضربات قلبها. وفجأة استمعت إلى صوت طرقات على الباب فانقبض قلبها بقوة. أيعقل أن يكون هو الطارق؟
ادخل.
قالتها بترقب فرأت الباب ينفرج ودخلت زينب، فتراجع مستوى تأهبها وظلت في مكانها تنظر نحوها بصمت.
تقدمت منها زينب وجلست بجوارها على طرف السرير وهي تقول:
نغم يا حبيبتي.. قوليلي في حد هنا مضايقك؟ معقول الكلمتين بتوع چيلان هانم هما اللي مخليينك في الحالة دي؟
هزت نغم رأسها بنفي وقالت:
لأ، أنا بس حاسه اني مخنوقة شوية.
طيب قومي اقعدي معايا، البنات في المطبخ بيتفرجوا على مسلسل تركي قومي اتفرجي معاهم.. يلا بقا اسمعي كلامي وقومي اغسلي وشك وتعالي.
أومأت بموافقة ثم نهضت وتحاملت على حجم الدمار بداخلها ومدى الألم الذي تشعر به. وبينما هي تهم بالدخول إلى الحمام لكي تغسل وجهها اصطدمت بالجدار بقوة.
لعنت نفسها وغباءها، لعنت حظها العثر الذي يرافقها أينما ذهبت، لعنت عجزها وقلة حيلتها وفقرها، لعنت كل شيء في هذه اللحظة كالبعير الذي قصمت ظهره قشة. وخرجت من الغرفة تقودها قدماها بضجر وهي تشعر وكأنها على وشك الانفجار.
دخلت إلى المطبخ ليتعجب الجميع من شكلها، حيث أن جفنيها منتفخين بشكل ملفت، وعينيها حمراوتين بطريقة مثيرة للشفقة.
جلست بصمت على أحد المقاعد حول طاولة المطبخ، وأسندت يدها أسفل خدها وشردت. نظرت هناك… حيث تلوح مساحة خضراء من نافذة المطبخ.. وعلقت عينيها بها، وظلت دموعها تنساب كالمطر دون توقف.
بينما الجميع يطالعونها بأسى، وخاصة زينب التي شعرت وكأنها تحمل عبئا ثقيلا على كتفيها الرقيقين. لا بد أنها تحتاج للحديث والفضفضة، لذا قررت المخاطرة والمغامرة. سترسل نغم إلى غرفة نسيم علهما تتعارفان وتصبحان صديقتين مقربتين. فهي تشعر أن نغم تشبه نسيم كثيرا في معاناتها ومأساتها، كما أن شعورها نحو نغم قد بدأ يشبه كثيرا شعورها نحو نسيم.
بقولك إيه يا نغم، معلش طلعي كوباية العصير دي أوضة نسيم أصل أنا مش فاضية.
نظرت إليها نغم بتعجب وقالت:
أنا اللي هوديها؟
أيوة، انتِ مش كنتي عايزة توديلها الكيك امبارح عشان تشوفي الڤيلا من فوق شكلها إيه؟ أهي فرصة.
تذكرت نغم الحماقة التي ارتكبتها بالأمس عندما اصطدمت بفريد وهي تحمل طبق الكيك. ثم هزت رأسها برفض وهي تقول:
لأ خلاص مش عايزة.. خلي حد تاني يوديها.
إزاي بس، محدش مسموح له يدخل عندها غيري، يلا بقا يا بنتي متتعبيش قلبي بقولك مش فاضية.
زفرت نغم بقلة حيلة وأخذت منها العصير لتقول الأخرى:
أوضة نسيم عالشمال.
فقاطعتها نغم مردفةً بثقة:
عارفة.
وحملت الصينية وفوقها كأس العصير، ثم صعدت الدرج وهي تنظر حولها بترقب وحذر وذهول. على اليمين غرفة تبدو وكأنها غرفة ملكية، بالتأكيد هذه غرفة سالم. وبجوارها ثلاث غرف، وعلى الجهة اليسرى ثلاث غرف أخرى مجاورة. وفي المقابل صالون واسع وشرفة تمتد بطول المنزل بالكامل.
تاهت بين التفاصيل، وأخذت تدور حولها بانبهار. هذا المنزل رغم كبر مساحته وفخامة تصميمه إلا أنه لا يزال في نظرها كبيت الأشباح، هادئ ومخيف ومقبض. فبالرغم من أن هنا يقطن حوالي عشر أشخاص بخلاف الحراس إلا أنك تستطيع أن ترمي الإبرة وتسمع رنتها كما يقولون.
أخذت نفسًا عميقًا وهي تتفقد الجانب الأيسر، حيث توجد غرفة نسيم. ووقفت تحدث نفسها قائلةً:
هي قالتلي أول أوضة عالشمال ولا تاني أوضة عالشمال!!! متهيألي أول أوضه.
طرقت الباب وأدارت المقبض ودخلت، فاستقبلتها رائحته.. غمرتها كليًا، أنعشت حواسها جميعا. ولكنها كذبت حدسها، بالتأكيد هي ليست منحوسة لتلك الدرجة لكي تأتي لغرفته بقدميها، من المؤكد أنها غرفة نسيم وربما تكون بالحمام أو بالشرفة مثلا.
وقفت تتطلع في أركان الغرفة المرتبة المنظمة بطريقة تحبس الأنفاس. كل شيء في مكانه حيث هنا لا مجال للفوضى أو العشوائية. وبينما هي تحدق في كل شيء أتاها صوته من خلفها وهو يقول:
بتعملي إيه هنا؟
انتفضت، وشهقت وكأنها كانت على وشك الغرق وطفت فوق الماء للتو. وسقط الكأس من يدها وسقط ملونًا البساط باللون الأحمر.
حينها شعرت بأن قلبها سيتوقف. وفي الواقع هي تفضل أن يتوقف بدلا من أن تواجه ذلك الواقف خلفها!!
استمعت إلى تنهيدته الحانقة، فاستدارت ببطئ شديد وهي تمنع نفسها من البكاء بسبب شعورها بالحرج البالغ. وأخيرا تلاقت نظراتها المرعوبة بنظراته المنزعجة المتجهمة، فابتلعت ريقها بارتباك وبرز صوتها الخافت وهي تشير إلى العصير المسكوب وتقول:
أنا..
ابتلعت ريقها مجددا وهي تراه ينظر حيث تشير ثم نظر إليها مجددا وتساءل بتريث:
انتي إيه؟
أنا آسفة.
ونظرت أرضًا مجددًا لذلك المنظر الفوضوي وعادت إليه بعينيها وقالت:
أنا هنضف كل حاجه حالا.
وهمت بالفرار مسرعة من أمامه ولكنه استوقفها حيث تحرك ليقطع الطريق أمامها وقال:
مين اللي قاللك تجيبي العصير ده؟
نظرت إليه وهي تحاول تفادي نظراته قدر الإمكان ولكن عينيه كانتا تجذبانها بقوة مغناطيسية وهي تقول:
كنت مودياه لنسيم والله.
قطب جبينه متعجبًا وقال:
تاني نسيم؟
أطبقت جفنيها بأسى. هو محق، لو صدقها مرة لن يصدقها الثانية. بالأمس صدمته بالكعك واليوم سكبت العصير بغرفته وفي المرتين نفس الذريعة! إضافة إلى أنها موصومة بسابقة فريدة من نوعها. فكم رجل في العالم حصل على قبلة مجنونة كتلك التي منحتها إياه؟ بالتأكيد نادر جدًا.
أنا.. ممكن أنادي زينب وهي تأكد لك إني مش بكدب، حتى هي اللي طلبت مني أودي العصير لنسيم وأنا دخلت اوضتك بالغلط.
أومأ موافقا بهدوء وقال:
خلاص حصل خير.
عن إذنك.
استني.
طالعته مجددا فتساءل وهو يصب كامل تركيزه على عينيها قائلا:
عينيكي مالها؟
فاجأها قوله، وأخذت تنظر إليه متعجبة وهي تتساءل:
مالها؟
بالتأكيد جميلة، ساحرة، فاتنة، قاتلة، خيطين من شمس شارفت على المغيب، عينيكِ شديدتا الفتك!
تحمحم وهو يُخرس صوته الداخلي الذي شرد بعينيها وقال:
انتي تعبانة؟ ولا كنتي بتعيطي؟
انتفض قلبها بمكانه. تلك النبرة التي يتحدث بها حنونة جدا، تجعلها على وشك البكاء. مجرد سؤاله عن حالها وملاحظة الإرهاق البادي على عينيها أشعرها لأول مرة أنها أنثى!
مسحت تلك الدمعة التي تجمعت بطرف عينها وعدلت شعرها بتلقائية فرأته يضيق حاجبيه متعجبًا وهو يقترب منها أكثر ويقول:
إيه ده؟
وأزاح شعرها بعيدا عن جبينها وهو يقول متفحصا تلك الكدمة التي تشكلت على جبهتها فوق حاجبها بالتحديد وأشار عليها بسبابته وهو يقول:
من إيه دي؟
خفق قلبها بقوة. القرب منه بهذا القدر جعل الدماء تتجمد بعروقها، جعل عمودها الفقري يتشنج وقدماها تذوبان كالثلج أسفلها.. فخرج صوتها مبحوحًا فاقدًا بصمته:
اتخبطت في الباب!
ابتعد خطوة للخلف وهو يطالعها بصمت، ثم تساءل قائلا:
انتي بتشوفي كويس؟
قطبت جبينها بتعجب وقالت:
أيوة، بتسأل ليه؟
ممم.. هذه المحتالة لا تتحلى بذرة من سرعة البديهة، ستحتاج إلى الخضوع لعمل اختبار مستوى ذكاء، ولكن ليس قبل أن يقوم بإخضاعها لكشف نظر أولا.
بـسـأل لـيـه؟ بـسـأل لأنـك تـقـريـبـا مـبـتـعـمـلـيـش حـاجـة فـي حـيـاتـك غـيـر إنـك بـتـلـبـسـي فـي الـحـيـط! مـرتـيـن عـربـيـة تـخـبـطـك.. و مـرة كـنـتـي هـتـبـلـعـيـنـي طـبـق الـكـيـك و دلـوقتـي أهـو داخـلـتـي فـي الـبـاب بـوشـك. انـتـي مـتـأكـدة إنـك مـش بـتـشـتـكـي مـن ضـعـف نـظـر أو حـاجـة؟
أثارت سخريته المبطنة حنقها، وظهر ذلك على عينيها اللتين اتقدتا بشرٍ لذيذ. فلجم هو ابتسامته وأظهر مكانها تعبيرًا جديًا واتجه نحو خزانته، فتحها وأخرج منها أنبوب كريم طبي ووضع على باطن سبابته بعضًا منه ثم قام بوضعها على أثر الكدمة.
في حين أنها تقاتل لتبقي جسدها تحت السيطرة، لكي لا تسقط أرضًا من فرط الخجل والتوتر. واستنشقت نفسًا طويلا وعميقا وهي تراه يرفع يده عن جبهتها ويلف غطاء الأنبوب ويمد يده إليها وهو يقول ببساطة:
اتفضلي، ادهني منها يومين كمان وهتختفي.
التقطت منه الأنبوب وهي ترمش بتوتر وقالت:
شكرا.. متشكرة جدا.. عن اذنك.
أومأ وقبل أن تنصرف من أمامه كان قد قاطعها مجددا وقال:
استني.
نظرت إليه باستغراب، ماذا بعد؟
كنتي بتعيطي ليه؟
لماذا هو مهتم بذلك القدر؟ لقد ظنت أنه لن يسأل مجددا ولكنها مخطئة، ذلك الرجل لا ينسى شيئًا أبدا على ما يبدو.
انزلقت دموعها لاإراديا وهي تتذكر ما أخبرتها به نهال، ولكنها استجمعت نفسها سريعا وقالت:
مفيش كنت مخنوقة شوية.
زم شفتيه وتنهد ثم أومأ وقال:
مش عايز أكون بضغط عليكي بس أنا ممكن اساعدك لو عندك مشكلة.
نظرت إليه بتعجب فحك ذقنه بتوتر طفيف وهو يبرر لئلا تسيء فهمه فقال:
بما إنك هتساعديني انتي كمان يعني فمفيش مانع أساعدك أنا كمان.
شكرا..
رواية محسنين الغرام الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نعمة حسن
انقضى الليل بالكامل وهي تجلس أمام الساعة تترقب عودته وقلبها يشتعل قلقًا، الساعة الآن تدق السادسة صباحا وهو لم يعد بعد.
نهضت وصلت صلاة الفجر، ثم جلست خلف نافذة غرفتها تنتظر أن يظهر وهي تردد بلوعة وقلق:
"يا رب جيب العواقب سليمة."
دقائق ورأته قد ظهر من بعيد، فتنهدت براحة وحمدت الله، ثم خرجت لتستقبله بلهفة.
فتحت له الباب قبل أن يطرقه، فنظر إليها متعجبًا وقال:
"صاحية ليه لحد دلوقتى ياما؟"
تفحصت وجهه، على ما يبدو مرهقًا للغاية وكأنه كان يخوض نِزالا ضاريًا، لذا تساءلت بعتاب قاسي:
"على أساس إني هيجيلي نوم وانت غايب؟ كنت فين يا حسن لحد دلوقتي؟"
"مش وقته ياما.. أنا مقتول نوم.. مش قادر أقف على حيلي، أنام ساعتين وأصحى أحكيلك كل حاجه."
ودخل غرفته وأغلق الباب خلفه وتركها في الخارج تتطلع إلى أثره بارتياب وحيرة، قلبها يحدثها أن ثمة شيئا ما قد حدث، أو يحدث وهي تجهله، فهذا هو ابنها وتعرفه، عندما يمل يبحث عن المشاكل لكسر الرتابة.
دخلت غرفتها لكي تستريح، وتمددت فوق سريرها وهي تتمتم بقلبٍ هش:
"يا رب نجيه واحميه من شر نفسه حسن ابن عيشة."
بينما بغرفة حسن كان يجلس على طرف فراشه، ثم استل هاتف نهال من جيبه وأخذ يطالعه بتفكير، لا يعرف كيف تمالك نفسه طيلة اليوم ولم يتصل بنغم ويسمع صوتها الذي اشتاقه جدا، ربما لأنه يعرف أنها مجنونة ومن الممكن أن تضيع من يديه مجددا بعدما أصبح الحصول عليها وشيكًا، لذا فعليه أن يرسم خطة مُحكمة لكي يتمكن منها ويستردها حتى لو بالقوة.
فتح الهاتف، ثم قام بكتابة رسالة إلى نغم:
"بكرة خالتك هتبقى معايا وعايزة تشوفك ضروري عشان وحشتيها، هنستناكي عند الصيدلية اللي قدام المستشفى الساعة ١٠ اوعي تتأخري."
قام بإرسال الرسالة وظل شاردًا يتخيل ردة فعلها عندما تصلها الرسالة، ثم قام بإغلاق الهاتف لأنه يعلم أنها ستتصل فور أن تقرأ الرسالة، وأخفى الهاتف بين ملابسه بالخِزانة ثم ألقى بجسده على الفراش بتعب وأغمض عينيه ينشد الراحة والسقوط في بئر النوم ولكن عقله المنشغل لم يمنحه الفرصة.
كان يفكر في كل شيء، تفاصيل ذلك اليوم الطويل وأحداثه الكثيرة التي انتهت بزواجه من فيفي، والمليون جنيه التي حصل عليه نظير الاتفاق والذي قام بإيداعه في البنك فورا لحين تستقر برأسه فكرة لكيفية استغلاله.
في الواقع، لقد قرر أن يكون أول مبلغ ينفقه من المليون جنيه لأجل نغم، سيشتري لها ملابس جديدة وغرفة نوم حديثة، سيحاول تعويضها ولو بالقليل مما عانته معهم، وإذا كانت قد هربت من أجل المال كما أخبرته كلا من نهال وفيفي فها هو سيصبح من ذوي الأموال، وسيحاول بكل الطرق الممكنة سد تلك الفجوة بينهما والبدء من جديد. وهذا السبب بالتحديد هو ما جعله يستجيب لطلب فيفي للزواج منها.
لأنه كان واقعًا بين المطرقة والسندان، من جهة يحتاج المال الذي من شأنه أن يجمعه بنغم من جديد، ومن جهة أخرى لم يكن بالقوة الكافية التي تؤهله للتصدي لبطش فيفي وقوتها، والذي من الواضح وضوح الشمس أن الجميع يساندونها بما فيهم ضابط الشرطة الذي أرسل إليه رسالة مباشرة بألا يثير غضبها.
لذا فلم يملك حينها إلا أن يقبل بالأمر الواقع ويسير مع التيار عاملًا بمبدأ إن لم تستطع إيقاف الأمواج فعليك تعلم ركوبها.
***
استيقظت نغم على اهتزاز هاتفها بجوارها، تريثت لدقيقة ثم أمسكت بالهاتف لتتحقق من الرسالة الواردة، وما إن رأتها حتى جلست بمكانها وهي تطالعها لفترة طويلة وتقرأها مرات عديدة لكي تتأكد من أن ما تقرأه ليس وهما أو حلما مثلا.
خفق قلبها بقوة وهي تتخيل لقاء خالتها بعد ذلك الغياب، وبدون تردد قامت بالاتصال بنهال لكي تتأكد مما قرأته ولكن الهاتف كان مغلقًا!
تنهدت بحيرة وأخذت تحدث نفسها:
"لقد أخبرتها نهال بالأمس أن خالتها غاضبة منها ولن تسامحها وحسبتها قد ماتت، فكيف تغير موقفها بتلك السرعة؟ وكيف كانت غاضبة منها بذلك القدر في الأمس والآن تخبرها نهال أنها مشتاقة إليها؟"
هناك خطأ ما ولكنها غير قادرة على تحديده، ولكن ما تعرفه بحق أنها ستهرول إليها وترتمي عند قدميها وتطلب منها الصفح والغفران، ستطلب منها أن تسامحها وتشرح لها الصورة كاملة، ومن الممكن أن تلجأ لفريد لكي يؤمن لها مكانا تعيش فيه برفقة خالتها لكي تبتعدا تمامًا عن حسن.
ولكن.. كيف ستخرج من المنزل وما هي الذريعة التي ستتذرع بها؟ من المفترض أنها فاقدة للذاكرة ولا تعرف مكانًا ولا أحدًا للذهاب إليه، لذا عليها أن تلجأ إلى فريد فهو الوحيد القادر على مساعدتها، بالإضافة إلى أنها أعطته وعدًا بالأمس أنها ستخبره في حال احتاجت للمساعدة، وها هي في أشد الحاجة إليها.
نهضت وأخذت حماما ثم ارتدت ثيابا جديدة، قميصًا وسروالًا من الجينز الأزرق الفاتح، وجدلت شعرها في جديلة بنية بسيطة، ثم غادرت الغرفة.
خرجت إلى الحديقة لكي تتنفس هواءً جديدا وتنعم ببعض الهدوء قبل أن يعج يومها بالفوضى وتفقد هدوءها برؤية ساكني بيت الأشباح، وما إن استقبلها الهواء الطلق حتى أغمضت عينيها باسترخاء وأخذت شهيقًا طويلا ملأت به رئتيها وزفرته على مهلٍ، ثم توجهت نحو الأرجوحة حيث نشأت بينهما علاقة وطيدة، جلست عليها وأسندت ظهرها إليها باسترخاء وأغمضت عينيها وهي تتأرجح فوقها ببطء وهدوء.
بينما في الأعلى كان فريد يقف بشرفة غرفته يشاهدها، مأخوذًا بتلك الالتقاطة الحية للجمال المتجسد فيها هي، وبدون تردد وجد نفسه يدخل غرفته ويخرج دفتر الرسم الخاص به والقلم، ثم خرج الى الشرفة مجددا ووقف يرسمها، يرسم كل تفصيلة كما هي بالواقع، ظهرها مسترخٍ لظهر الأرجوحة، رأسها مائل قليلا وعيناها مغمضتان، ويدها تعبث بجديلتها التي ترتكز على صدرها.
انتهى من رسمها وأخذ ينظر إلى ما رسمهُ برضا، لقد نجح في الاحتفاظ بلحظة منها، نجح في رسم لوحة مميزة جدًا ستنضم إلى باقي لوحاته التي لا يرسم فيها سوى اللحظات التي تستحق الخلود.
في تلك الأثناء خرج عمر من باب الڤيلا وهو يحمل على كتفه حقيبته الرياضية، فتفاجأ بها وذهب نحوها على الفور، وجدها تجلس في حالة انسجام وكأنها منفصلة تماما عن الواقع فحمحم بهدوء وقال:
"صباح الخير."
انتفضت بذعر في مكانها، وهبت واقفة وهي تقول بارتباك:
"صباح النور."
نظر إلى هيئتها الجميلة بتركيز وقال مبتسمًا:
"أنا آسف لو أزعجتك، يظهر إنك كنتي سرحانة."
"لا أبدا.. أنا كنت داخلة أصلا."
"لا بليز خليكي مش عايز أحس إني جيت ضايقتك.. على العموم أنا كدة كدة خارج بس حبيت أصبح عليكي قبل ما أمشي."
هزت رأسها بتفهم وقالت بابتسامة لطيفة:
"شكرا.."
"يلا .. سي يو."
هزت رأسها مجددا فانصرف فرفعت هي يديها تمسح بها على شعرها وهي تتنهد، فوقعت عيناها على فريد الذي يقف بشرفته، وما إن رآها تنظر صوبه حتى انسحب ودخل، فدخلت إلى الڤيلا وصعدت إلى الطابق العلوي حيث غرفته، طرقت الباب وهي تتلفت حولها بتوتر بالغ ولم تلحظ سالم الذي رآها حيث كان بصدد الخروج من غرفته ولكنه تراجع لكي لا تراه، وما إن فتح فريد الباب حتى دلفت مسرعة دون مقدمات.
وقف فريد ينظر إليها متعجبًا زيارتها الصباحية المفاجئة، وانتظر لكي تبدأ بالحديث، فبالتأكيد لديها ما تقوله وإلا فلما أتت إليه منذ الصباح؟
فتنهدت هي وقالت بتوتر:
"صباح الخير."
"صباح النور."
نطقها بصوتٍ عميق هادئ، فتابعت وهي تعبث بأصابعها بتوتر:
"أنا آسفة إني جيالك دلوقتي، بس الحقيقة.. أنا كنت محتاجة مساعدتك في حاجة ضرورية جدا."
وأشارت برأسها للجانب وهي تقول:
"يعني… لأني وعدتك امبارح إني لو احتجت مساعدة هقولك."
أومأ برأسه إيماءة واحدة ولم تغادر نظرته عينيها، فابتلعت ريقها بارتباك وزفرت بقوة ثم قالت:
"ينفع تساعدني في إني أقدر أخرج أشوف خالتي؟!"
ضيق عينيه باستفهام، شيئا ما غير مفهوم بالمرة فيما تقوله، أليست خالتها تلك هي نفسها التي أخبرتها صديقتها أنها غاضبة منها و و و..؟ ونغم بنفسها تعرف ذلك، فكيف إذًا ستذهب لرؤيتها؟
حك ذقنه بأصبعه بتفكير ثم قال متسائلا بهدوء:
"خالتك؟"
أومأت أن نعم فقال:
"هتشوفيها إزاي؟"
"هنتقابل عند المستشفى اللي بتتعالج فيها.. أنا مش عارفة الطريق من هنا للمستشفى بيكون إزاي وفي نفس الوقت مش عارفة هقول لهم خارجة رايحة فين."
هز رأسه بتفهم، ثم تساءل قائلا:
"انتي كلمتيها ولا اتفقتوا إزاي؟"
"نهال صاحبتي بعتتلي رسالة وقالتلي إنهم هيستنوني عند المستشفى اللي خالتي بتتعالج فيها."
أخذ يدلك جبهته قليلا بتفكير، ثم تسلقت نظرته وجهتها على مهل، يعتريه مزيج غريب من الحذر والترقب، ثم تنهد تنهيدة متعبة وقال:
"اوكي مفيش عندي مانع، بس انتِ متأكدة من إن الخطوة دي صح؟"
"مش فاهمة؟"
تنهد وهو يشرح لها ويفسر ما يريد قوله:
"خالتك أكيد هتسألك انتي قاعدة فين؟ وليه؟ وهتطلب منك ترجعي معاها البيت، ولو رفضتي مش قادر بصراحة أخمن رد فعلها هيكون ازاي، هل انتي مستعدة لكل ده؟ ومستعدة لأي مفاجآت؟"
قطبت جبينها بتعجب وقالت:
"مفاجآت زي إيه؟"
"مش عارف، بس لازم تتوقعي كل حاجه وتجهزي ردود أفعال كمان."
فرت تنهيدة من بين شفتيها، ثم جالت عيناها الجميلتين في الأرجاء بحيرة وهو يقف أمامها يراقبهما باهتمام، فهزت رأسها وأغلقت عينيها لبرهة بانهزام تجلّى واضحًا أمامه، وقالت وكأنها تتحدث إلى نفسها:
"مش عارفه حاجة، مش عارفه ممكن يحصل إيه، أو ردي هيكون إيه، كل اللي أنا عارفاه اني نفسي أشوفها واترمي في حضنها.. عايزة أوضح لها أنا مشيت ليه وسيبت البيت وأطلب منها تسامحني، عاوزة اطمنها عليا لأني متأكدة إنها حتى وهي زعلانه مني أكيد قلبها اكلها عليا."
نظر إليها، عيناها تلمعان بدموع عنيدة تأبى السقوط، تبدو بائسة جدًا بطريقة تثير الشفقة في قلب أي رجل، فكيف برجل مثله قلبهُ يفيض بالحنان؟
"تمام.. أنا معاكي. هنروح امتى؟"
رفعت عينيها إليه، تلاقت نظراتهما لثوان طويلة، قبل أن تجيبه قائلة:
"الساعة ١٠ المفروض."
"اوكي، بعد الفطار نخرج."
أومأت بموافقة يتخللها بعض الحماس ثم قالت:
"تمام.. عن اذنك."
انسحبت وأدرات المقبض ثم التفتت مجددا ونظرت إليه قائلة:
"فريد بيه.."
نظر إليها وهز رأسه متسائلا فقالت:
"متشكرة جدا."
أومأ بشبه ابتسامة واستدارت لتغادر قبل أن يناديها قائلا:
"نغم.."
ضجت الغرفة كلها بصوت ضربات قلبها بعد أن استمعت إليه يناديها باسمها ببساطة وكأنهما صديقان، فنظرت إليه مستفهمة فقال:
"فريد بس."
وصل صوته إلى مسامعها بطريقة راقتها كثيرا، أشعرتها وكأن شيئا ما بهذا الرجل لم تعرفه بعد ولم يظهر على حقيقته، هذا الرجل الفريد ربما يخفي حنانًا بالغًا خلف شخصية القطب الشمالي التي يظهرها طوال الوقت، يخفي شيئا يستحق التوقف عنده واستكشافه، وهي تتوق لفعل ذلك فعلا، أن تستكشف ما بداخله وتغوص في أعماقه ولو لمرة، متأكدة أنها ستعثر على نسخة مغايرة تماما للنسخة التي هو عليها الآن.
غادرت غرفته بحذر، وبينما هي توصد الباب وتلتفت اصطدمت بنسيم التي خرجت من غرفتها فتمتمت نغم قائلة بتوتر وحرج:
"معلش أنا آسفة.."
نظرت إليها نسيم بصمت، تفقدت ملامحها المتوترة وتطلعت نحو باب فريد، ففهمت نغم على الفور سر استهجانها ونظراتها المستفهمة، ولكنها لم تجد ما تقوله، وظهر الارتباك جليًا على وجهها وارتجافة فكها، ثم نظرت إلى نسيم بعفوية شديدة وقالت:
"شكلك حلو أوي النهارده."
قابلت نسيم إطرائها بصمت معتاد، فهي نادرًا ما تتكلم أو ترد، ودائما تكتفي بالإيماء، حتى من الممكن أن تظل صامتة لأيام عديدة، والجميع هنا أصبحوا يعرفون ويتفهمون ذلك.
انفرج باب غرفة في الجهة المقابلة فتعلقت عينا نغم به، وإذا بها ترى چيلان وهي تخرج، مختالةً ببدلتها السوداء الرسمية وتحتها قميصًا بفتحة صدر لا بأس بها، تفقدت نغم إطلالتها باستغراب وتركيز واهتمام في آنٍ واحد، بينما في المقابل كانت چيلان تحدق بها بصدمة مستنكرة لم تستطع كبحها أو منعها وقالت:
"انتِ بتعملي إيه هنا؟!"
شحب وجه نغم واحمرت أذنيها بخوف، وتلعثمت وهي تحاول الرد بإجابة لا تثير الجدل، لتجد نسيم وقد سبقتها قائلةً بهدوء:
"كانت عندي."
نظرت نغم إلى نسيم باستغراب، لم تتوقع أن تدرأ عنها ذلك الحرج وتعفيها من اختلاق كذبة قد تكون حمقاء وتثير الشكوك أكثر، بينما تحدثت چيلان باستنكار وهي تضيق ما بين حاجبيها المنمقين بغرابة وتقول:
"كانت عندك؟ هه.. والله كويس."
مطت شفتيها وتابعت بازدراء واضح:
"كمان يومين هنتفاجيء كلنا إنها بقالها اوضة جمبنا."
وتركتهما واقفتين والصمت يتردد بينهما، ثم نزلت إلى الطابق السفلي، وقبل أن تتحدث نغم وتشكر نسيم كانت قد قالت:
"يلا ننزل.."
نزلت نسيم، تتبعها نغم، يتبعهما فريد الذي كان يستمع لما دار من وراء باب غرفته، وكم كان ممتنًا لذكاء أخته وطريقة احتواءها للموقف، ثم توجهوا جميعا نحو غرفة الطعام لكي يتناولوا فطورهم.
اتخذ كل واحدٍ منهم مكانه حول المائدة، ودارت بينهم حرب نظرات طاحنة، إلى أن دخل سالم ملقيًا تحية الصباح، ومن ثم جلس على رأس الطاولة متسائلا:
"فين عمر؟"
هنالك برز صوت عمر الذي دخل مهرولا للتو وقال:
"أنا لسة راجع من التمرين حالا، هاخد شاور بسرعة وألحقكم."
ليشير إليه والده بصرامة لا تقبل المناقشة قائلا:
"الشاور يستنى إنما الفطار لأ.. اقعد افطر الأول."
تقدم عمر منهم وجلس على شمال والده، فاسترعى انتباهه حديث والدته الخافت حين قالت:
"أنا مسافرة دبي."
لم ينظر إليها سالم، وتساءل وهو يمضغ الطعام بهدوء وتريث وينظر أمامه دون نقطة محددة:
"ليه؟"
"هغير جو يومين وأرجع."
انحرفت نادية عن الإجابة الصحيحة لأنها لا تريد الخوض في سِجال عديم الفائدة معه، فبالتأكيد لن تشاركه همومها حول ابنتها ولن تخبره أنها قلقة بشأنها لذا ستسافر للاطمئنان عليها، فهي تعرف موقفه تجاه سفرها وإقامتها بمفردها، وكثيرا ما كانت تلك النقطة محل جدال بينهما، لذا اختارت أن تجيبه باقتضاب، فرأته يوميء وهو يعود بناظريه إلى طبقه من جديد ويقول بإيجاز:
"مفيش مشكلة."
كانت نغم تراقب الحديث بعينيها، وأذنيها المتطفلتين تستطيلان رغبةً في الوصول لعندهما دون جدوى، فكل ما يحدث في هذا البيت يثير فضولها بحق، وبينما هي تختلس النظر نحو وجوه الجالسين وقعت عيناها على فريد الذي يبدو وكأنه يحارب شيئا ما.
عيناه مثبتتان نحو شيئ ما، وملامحه متجهمة للغاية ومنقبضة بشكل أثار تعجبها، لتجده وقد نهض بعد دقيقتين فقط وهو يقول:
"أنا شبعت."
ثم نظر إلى نغم قائلا:
"المفروض إني حجزتلك ميعاد مع دكتور مخ وأعصاب عشان تبدأي تتابعي معاه بس نسيت أبلغك إمبارح."
نظرت إليه للحظات، فهمت أن هذه هي الذريعة التي ستخرج من البيت على أساسها، ثم أومأت وتساءلت:
"إمتا؟"
"كمان ساعة، يعني يدوب بعد ما تخلصي فطارك نتحرك."
هزت رأسها بموافقة ونهضت وهي تتلاشى النظر حولها بتوتر وهي تقول:
"أنا خلاص شبعت الحمد لله.. عن اذنكم."
كان سالم يلجم ابتسامته بصعوبة، فهذان يبدوان في عينيه حمقى للغاية، يختلقان كذبة يتذرعان بها للخروج سويًا، وعلى ما يبدو أن كيوبيد قد أطلق سهامه ووقع ابنه اللامبالي في العشق، وهذا ما أثار رضاه وجعله مرتاحًا بقدر كبير، فبعد أن رآها وهي تدخل إلى غرفته في الصباح ظن أنها ربما تكون تحاول التودد إليه والتقرب منه، ولكن بعد أن رأي نظرات ابنه تجاهها، واستمع إلى كذبة الطبيب عرف أن علاقتهما بدأت تتخذ المنحنى الذي كان يرغب فيه منذ البداية.
***
بعد مرور ساعة..
كان فريد قد وقف بسيارته أمام المكان الذي أخبرته عنه نغم، وأخذ يتفقد المكان من حوله ثم نظر إليها قائلا:
"المفروض هيستنوكي فين بالتحديد؟"
كانت تنظر حولها باهتمام وهي تقول:
"المفروض هنا، بس ممكن تكون الجلسة لسه مخلصتش."
"طيب حاولي تكلمي صاحبتك وعرفيها إنك مستنية."
أومأت بموافقة وأخرجت الهاتف من حقيبتها ثم قامت بالاتصال بنهال وهي تنظر إليه وتقول:
"بردو مقفول."
تحركت مقلتيه وكأنه يفكر في شيئ ما، ثم قال بتساؤل يحمل بين طياته الشك:
"مش شايفة إنها غريبة شوية؟ يعني من وقت ما بعتتلك الرسالة قافلة التليفون؟"
هي أيضًا تشعر أن ثمة خطب ما ولكنها غير قادرة على معرفته، فقالت وهي تحاول إيهام نفسها:
"مش عارفه، بس ممكن فصل شحن أو حاجه!"
مط شفتيه وقال بإيجاز:
"كل شيء جايز."
أخذت تمسح المكان بعينيها اللتين تلمعان بلهفة وحماس وقلق في نفس الوقت، تنظر من نافذتها المجاورة ثم تعود وتنظر نحو الجانب الآخر من خلال نافذته، وهو يجلس بمقعده بثبات يشاهد كيف تتأجج نيران الشوق بعينيها الجميلتين.
ووجد نفسه على حين غفلة يحرر عينيها ويسمح لنفسه بالغوص في ملامحها أكثر، ملامحها المتفردة التي لم يرَ أي امرأة تشاركها فيها من قبل.
وأخذ يجمع تفاصيلها كما تُجمع الأدلة الجنائية تمامًا، يلتقط هاتين العينين المسحوبتين اللتين تبرقان جاذبية، تتوسطهما حدقتين بنيتين آسرتين تشعان دفئًا، وأنفًا مستقيمًا .. إلى هنا وتوقف.. وأخذ يسترجع ما قرأهُ ذات يوم في كتاب يخص علم الفراسة ولغة الجسد، عن أصحاب الأنوف المستقيمة وكيف أنهم يمتازون بالتسامح والطيبة والبساطة والجدارة بالثقة، إضافة إلى كونهم مخلصين ويمكنهم تقديم كل ما لديهم من أجل البقاء مع أحبائهم، وميزتهم الأهم هي قدرتهم على حفظ الأسرار والوعود. ووجد نفسه يفكر، هل من الممكن أن تنطبق تلك الصفات عليها فعلا أم أنه مجرد كلام على ورق ولا حقيقة له على أرض الواقع؟
انتهى من تأمل أنفها وتحليله حين هبطت عيناه واستقرت فوق شفتيها، تبّا لذلك.. إنها تضع مُلمع شِفاه شفافًا يجعل شفتيها اللينتان قاتلتان وناعمتان في آن واحد، سلاحًا ذو حدين أحلاهما حلو.. حينئذ تذكر قُبلتها المجنونة، والقُبلة التي تبادلاها في منامه، تذكر أيضًا ذلك الشعور الجميل الذي أقسم يومها أنه لم يشعر به مطلقًا ويظن أنه لن يفعل مجددا.
وبينما هو يتجول في صفحة وجهها، أسيرًا لملامحها المميزة جذبهُ صوتها القلِق حين قالت:
"اتأخروا .. يمكن مش جايين!"
انتبه من شروده وحمحم وهو يعتدل بالمقعد وينظر حيث تركز عينيها ثم قال:
"نستنى شوية كمان مش مشكلة."
نظرت إليه وقالت:
"أنا آسفة جدا إني بعطلك معايا."
"ولا يهمك."
"أنا بفكر أنزل أستناهم قدام الصيدلية أو أدخل لهم المستشفى."
قطب جبينه وهز رأسه وهو يقول:
"لا أنا شايف إنها خطوة مش مضمونة، الأضمن إنك تفضلي معايا هنا ولما يظهروا تنزلي لهم."
وفجأة.. هتفت وهي تشير بسبابتها قائلةً:
"نهال أهي."
نظر حيث تشير، فرأى شابة تقف على بُعد أمتار منهما، تتلفت يمينًا ويسارًا وكأنها تبحث عن أحدٍ ما فقال:
"اللي لابسة أزرق هناك دي؟"
أومأت وهي تميل لتفتح باب السيارة فاستوقفها وهو يمسك بذراعها قائلا:
"استني."
نظرت إليه باستفهام فقال:
"بس دي لوحدها، فين خالتك؟"
"مش عارفه، جايز تكون في المستشفى لسة مخرجتش.. هي بعد الجلسة بتكون تعبانة."
نظر إليها وهز رأسه موافقا، ثم طالعها مجددا بارتياب وقال متسائلا فخرج السؤال منه متذبذبًا وقلِقا أكثر مما كان يتمنى:
"هترجعي تاني مش كده؟"
تفاجأت بسؤاله، بل لظنه، هل يظن أنها ستهرب منه مثلا وتعود إلى خالتها؟ تعود إلى الجحيم من جديد؟ فتنهدت وظهر على ثغرها ابتسامة قليلة الحيلة وقالت:
"أكيد هرجع.."
تنهد والشك لازال يساوره، ولكنه لا يملك أن يمنعها، ولا يملك أن يفصح لها عن شكوكه ومخاوفه لأنها في الأصل لم تخبره شيئا، ماذا سيقول لها؟ هل سيقول أنا لدي شكوك حول صديقتك نهال التي لم تخبريني عنها شيئا من الأساس وتلك الشكوك ناتجة عن سماعي لمكالماتك التي أرصدها عبر هاتفي الذي يخترق هاتفك؟ بالطبع هذا ليس الوقت ولا المكان المناسبين لكي يمنحها ذلك الإقرار، لذا سيلتزم الصمت، سيمنحها الثقة ويصدق وعدها، لا خيار آخر.
أومأ برأسه ففتحت الباب وترجلت، استدارت حول السيارة لكي تذهب للجهة الأخرى حيث تقف نهال، وعينا فريد تلاحقانها بتوتر.
وصلت إلى نهال التي ما إن رأت هيئتها المرتبة المفعمة بالحياة حتى اشتعلت النيران بقلبها من جديد ونظرت إليها بغير تصديق وقالت:
"نغم؟ إيه اللي بدل حالك كده؟"
"فين خالتي يا نهال؟! انتِ مش قُلتي هتستناني معاكي؟"
"خالتك عندي.. تعبت بعد ما خلصت الجلسة ووصلتها عندي البيت وجيت عشان أخدك تشوفيها."
نظرت إليها نغم بشك، وسرعان ما التقطت نهال ذلك الشك الواضح في عينيها، فقالت وهي تحاول إخفاء حقدها الدفين:
"ولا كنتي عايزة حسن يشوفنا مثلا ويعرف إننا بنقابلك؟ ما انتي عارفة إنه عامل زي فرقع لوز وممكن يطلع لنا من أي حته."
استطاعت ولو بقدر ضئيل أن تقنعها، فهي تعرف أنها حتما ستقتنع حال ارتبط الأمر بحسن، فتابعت قائلة:
"مالك خايفة كده ليه ده كلها خطوتين من هنا لبيتي، وبعدين مش هنأخرك يا ستي عايزة تمشي إمشي."
وأخذت تتفحص ملابسها التي تبدو رغم بساطتها غالية الثمن، والحقيبة والحذاء اللذان يبدوان بمبلغ وقدره، ثم قالت بتهكم مبطن:
"واضح إنك مستعجلة عايزة ترجعي المكان اللي جيتي منه بسرعة."
حركت كلماتها شيئا داخلها، شيئا ضغطها ومنع راحتها، فمسحت على وجهها بحيرة وضيق، الأمر أصعب مما قد يتخيل أي شخص، إنها الآن تقف في صراع بين الشوق والخوف، وشوقها لخالتها يغلب أي خوف، فمجرد أنها تقف الآن وتفكر وتتردد فيما إذا كانت ستذهب لخالتها أم لا يجعلها تشعر بالخزي من نفسها.
فتنهدت باستسلام وسارت خلفها، خطوات بسيطة وكانتا قد وصلتا إلى المبنى الذي تسكن فيه نهال، استقلتا المصعد فتذكرت نغم على الفور المرة التي جاءت لنهال ويومها نشلت جزدان أحد السكان، وكم احتقرت فعلتها الآن، وودت لو عاد بها الزمن وأصلحت جميع أخطاءها البشعة التي اقترفتها في حقها وحق الغير.
توقف المصعد، فخرجتا منه وقادتها نهال نحو الشقة، فتحت الباب وأشارت لها بالدخول فطالعتها نغم بقلق ولكنها تحاملت على خوفها ودخلت خلفها.
أغلقت نهال الباب فتحدثت نغم على الفور متسائلة:
"فين خالتي؟!"
جالت بعينيها أرجاء المكان كله لتقع عيناها بصدمة على الرواق، حيث ظهر حسن الذي يدنو منها الآن ببطء وتمهل قاتلين!!!
***
في دبي ••
كانت چوليا تعي للتو من نومها، بعد ساعات طويلة لا تعلم عددها، فبعد خروجها من المركز الطبي بعد إتمام عملية الإجهاض ووصولها البيت وهي تغط في نومٍ عميق، أطلقت آهة مكتومة بتعب، ونادت نداءً خافتا على شريف، وكررت النداء دون جدوى. فغلبها الظن أنه إما نائما بالغرفة المجاورة، أو قد خرج.
مدت يدها إلى جوارها تحاول التقاط هاتفها لكي تعرف كم الوقت، فهي تشعر أنها قد نامت لسنوات وليس ساعات، لتجد ورقة مطوية بجوارها، التفتت برأسها وفتحت عينيها على آخرهما، ثم اعتدلت وهي تحارب ألمها وحالة الإعياء المتمكنة منها، ثم التقطت الورقة وريقها قد انزلق تلقائيا بخوف، وقلبها يحدثها بشيئ ما..
فتحت الورقة، فوجدت شريف وقد خط بيده رسالة إليها يقول فيها:
"أنا آسف اضطريت أمشي وانتِ نايمة، محبتش أزعجك لأني عارف إنك كنتي تعبانة جدا بعد ليلة إمبارح، صدقيني حبيبتي كان نفسي أفضل جمبك لحد ما أتطمن إنك بقيتي كويسة بس عندي شغل ضروري جدا عشان كده اضطريت أسافر، هستناكي أول ما تصحي تطمنيني عليكي."
قرأت ما دونه بقهر، وتفاقم شعورها بالحقد تجاهه، وكذلك شعورها بالأسف على نفسها، فجعدت الرسالة بين قبضتها وألقت بها على طول ذراعها وهي تقول بغضب:
"إنسان حقير.. بكرهك!"
ارتفع رنين هاتفها معلنا عن وصول اتصال من چيلان فتجاهلت الاتصال وظلت تبكي بصمت..
وبعد نوبة بكاء قصيرة أمسكت هاتفها وحاولت الاتصال به، ستوبخه، ولكن بعد أن تستمد بعض القوة من صوته، ستعنفه وتلقي عليه وابلًا من الشتائم بجميع اللغات، ولكن بعدها ستطلب منه ألا يتركها لأنها الآن في أمسّ الحاجة إليه، ستخبره أنه أحقر وأقذر رجل مر عليها في حياتها كلها، وبعدها ستعتذر وتطلب منه بعض الحنان والعطف.
ولكن هاتفه المغلق كان هو الرادع أمام تلك التقلبات العاطفية المَرضية المهلكة، وهو ما قطع الطريق أمامها نحو محاولة استجداء عطف فاشلة واستمالة حنان زائف.
المؤذي والمثير للشفقة أنها تعرف ذلك فعلا وتعترف به كونه حقيقة واضحة لا يمكن تغييرها أو الطعن فيها، ولكنها لا تملك حيلة للأسف، هي تعرف منذ سنوات أنه يتلاعب بها، وتعرف أنها مريضة به، ولكنها لم تحاول الشفاء منه أبدا، تركت نفسها لكي يزرع السم بها ويتلاعب بعاطفتها المتأججة طوال سنوات مراهقتها وشبابها، ويقتات على طاقتها وقوتها حتى إذا ما استنزفها كليًا تركها كالرماد تذروه الرياح.
تعرف أنها ضعيفة أمامه، في حضرة سيطرته وهيمنته عليها تصبح كالشحاذ الذي يتسول العطف والحنان، ولأن الشحاذ لا يختار الهبة فكانت تقبل بأي شيء يقدمه إليها على طبق المَن والإحسان، تقبل ولو بالقليل الذي لا تستحقه على أمل أن الغد أفضل وأنها ستنجح في جعله يتعلق بها كما في حالتها.
تعرف أنها علاقة سامة، مؤذية لأبعد حد، مَرَضية وغير سوية إطلاقا، تعرف أنه شخص نرجسي، مظلم، وهي أمامه ضحية ضعيفة جدا.. كلما حاولت التمرد عليه كان يهددها بالانسحاب أو يعاقبها بالصمت فتعود مرغمةً إليه، تقدم له فروض الولاء والطاعة حتى يرضى، وتدور حول نفسها في نفس الدائرة من جديد.
نهضت وتحاملت على آلامها الجسدية والنفسية، ودخلت إلى الحمام لكي تأخذ حمامًا ساخنًا وتبدل ثيابها، عليها أن تتعافى سريعا لكي تباشر حياتها من جديد، ستلقيه في سلة مهملاتها ولن تلتفت إليه مجددا، وستلقنه درسا لن ينساه مدى حياته، ستجعله يندم ويطلب الصفح ولن يجده.. ستجعله يعرف كيف يكون الانتقام على قدر الحب!
***
"حسن!!"
همست بها نغم بخفوت وهي تتراجع للخلف ببطء كلما دنا منها أكثر، ثم نظرت إلى نهال التي تطالعهما بغيظ وغضب وشماتة في آن واحد، وسألتها قائلةً بذهول:
"ليه عملتي فيا كده يا نهال؟ منك لله أنا مش مسامحاكي أبدا."
قلبت نهال عينيها بازدراء وملل ثم قالت:
"متخافيش، حسن عايز يتكلم معاكي كلمتين وبس."
هنا برز صوت حسن الذي قال:
"اخرجي استني برا يا نهال لما نخلص كلام هنقولك."
تفاجأت نهال بطلبه، وأخذت تنظر إليه بصدمة، وكذلك نغم التي ذابت في مكانها من فرط الخوف وقالت:
"تخرج ليه؟ إنت هتعمل فيا إيه؟"
نظر إليها حسن وهو يحاول إخفاء شوقه وتوقه ولهفته، وتمسك جيدا بالوجه الصلب الذي يضعه وقال موجهًا حديثه للأخرى:
"اسمعي الكلام يا نهال ويلا اخرجي.. أنا مش عاوز أتكلم كتير.."
زفرت نهال بضيق شديد وخرجت بدون جدال، بينما نغم لآخر لحظة تستجديها بنظراتها لئلا تتركها معه بمفردها.
"إيه، خايفة مني للدرجة دي؟"
قالها حسن متسائلا باستنكار، وابتسامة متألمة ظهرت جلية على محياه المكفهر الغاضب، فانزلق ريق نغم لا إراديا بخوف وهي تبتعد لتلتصق بالجدار وهو لازال يبتلع المسافة إليها بنهم، ثم توقف أمامها وقال بغضب:
"كنتي فين يا نغم؟"
"عايز مني إيه يا حسن؟ وجايبني هنا ليه وضحكت عليا إنت وهي وقولتولي إني هشوف خالتي؟"
نظر لملامحها التي اشتاقها كثيرا، ونزل بعينيه إلى الأسفل، الطوق الرقيق الذي يزين چيدها، وتبسم بسخرية وهو يتلمسه باستنكار فشعرت وكأنه صعقها فانتفضت وهي تعود للخلف مجددا..
"إيه ده كله .. يظهر إن العيشة ارتاحت عالآخر. وأنا اللي شايل همك طول المدة دي وبقول يا ترى راحت فين؟"
لم تقوَ على مجابهة نظراته، تعرف أنها الآن مخيفة بالقدر الذي من الممكن أن يفقدها وعيها من فرط الخوف، وامتدت يدها تتشبث بطرف قميصها بخوف.
من هذه المسافة القريبة سمعت صوته منخفضًا وهادئًا وشبه أجش:
"بِعتي نفسك لمين يا نغم؟"
دناءة كلماته صفعتها أقوى من خيانة نهال الخائنة لها وتواطؤها معه، فوجدت جسدها يهتز إثر الصدمة، وارتفعت نظراتها إلى عينيه بدون سيطرة، ونظرت إليه بدهشة وقالت:
"بتقول إيه؟"
رأت الألم يغزو عينيه، والغضب يحاربه ويحاول الانتصار عليه، والشك يحاول النيل منهما، رأت كل ذلك في حدقتيه اللامعتين الممتلئتين بالدموع، وفيما هي تنتظر أن يصحح ما فهمته، أو يصيغ سؤاله بصيغة أخرى أصح وأوضح وتنفي ما وصلها من دناءة وحقارة، سمعته يكرر سؤاله قائلا بهدوء.
"بِعتي نفسك لمين؟ وسختي نفسك عشان الفلوس؟"
همت بصفعه ولكنه كان أسرع منها، فأمسك بكفها الذي كان سيرتطم بخده وأعاد يدها إلى الأسفل واقترب منها أكثر وهو يقول بغضب واستهجان:
"أنا كنت رافض أصدق كلام نهال.. لما قالتلي نغم هربت مع واحد تاني، كنت فاهم إنك مشيتي بسببي وكنت بلوم نفسي طول الوقت إني السبب، بس اتضح إن كلامها كان صح، والدليل الأُبهة اللي انتي فيها، وسختي نفسك مع مين انطقي.."
سالت دمعاتها وهي تحاول استيعاب ما يقوله، كل ما يحدث وما تسمعه الآن فوق تحملها، فخرج صوتها مهزوزًا ضائعا لأبعد حد:
"انت إزاي تفكر فيا بالطريقة دي؟"
"بقوللك ايه يا نغم اطلعي من دول.. أقسم بالله ما هتصعبي عليا ولا هصدقك تاني، أنا ليا باللي أنا شايفُه قدامي، هدوم وشنط وجزم غالية.."
والتقط حقيبتها من يدها وفتحها، وأخرج منها الهاتف مبتسمًا بسخرية وهو يشير به في وجهها ويقول:
"و عِدة آخر موديل تمنها يعدي ال٥٠ ألف جنية، كل ده منين؟ فهميني انتِ."
لم تجد ما تقوله فعلا، بالطبع لن تقف أمامه وتشرح له عن الباشا طيب القلب الذي أهداها كل ذلك عِرفانًا بالجميل الذي صنعته مع عائلته. لأنها تعرف أنه لن يصدقها أساسا.
"ساكتة ليه انطقي، كدبيني، قوليلي إنت غلط.. أنا مش كدة."
نظرت إليه وهي تبكي بانهزام وأردفت:
"أنا فعلا مش كده يا حسن، وإنت عارف إني عمري ما أبيع نفسي لحد.. أنا تربية عيشة، روحلها دلوقتي حالا وإسألها وهي تجاوبك إذا كان يطلع مني كده ولا لأ."
هز رأسه مبتسما بسخرية وتهكم، ثم قال:
"جو الصعبانيات ده مبقاش ياكل معايا خلاص، مش بعد ما تهربي من البيت في نص الليل وتختفي أسبوعين منعرفش عنك حاجة، ويوم ما تظهري تظهري ولا كأنك هانم بنت ذوات .. وعايزاني أصدق إن كل ده من الهوا؟ عايزاني أصدق إنك مبتكدبيش وإنك مكنتيش مرافقالك واحد طول المدة اللي فااتت دي يبقى مفيش قدامك غير حل واحد؟"
ابتلعت ريقها وهزت رأسها بتساؤل فقال وهو ينظر داخل عينيها بقوة:
"تيجي معايا دلوقتي حالا عند دكتورة تكشف عليكي."
قطبت جبينها لثوان طويلة بغير فهم، وببطء شديد بدأ المعنى الذي يقصده بالزحف إلى عقلها، وما إن اتضحت الصورة كاملة أمامها وفهمت ما يعنيه بوضوح حتى اتسعت عينيها بصدمة وباغتتهُ بصفعة قوية هبطت على خده في حين غفلة..
***
كان فريد يجلس بسيارته، يهز قدميه بتوتر بالغ، لقد اختفت نغم عن الأنظار تماما وهذا ما يجعله مرتابًا، مرت حوالي ربع ساعة ولم تعد، والآن لا يعرف هل عليه أن يكون متريثا وصبورا وينتظر عودتها، أم أنه مجرد وغد أحمق وسيظل بمكانه كثيرا لأنها لن تعود.
ضرب مقود السيارة بغضب وهتف بانفعال:
"غبي، مكانش لازم أسمع كلامها."
أمسك بهاتفه وقام بالاتصال بها، رن الهاتف مرتين ثم أُغلق! وهذا ما جعله يثور ويصل غضبه إلى ذروته.
وأخذ يردد محاولا إيهام نفسه. ستعود.. لقد قطعت له وعدًا، وعليه أن يصدق وعدها.
على الفور أمسك بهاتفه وهو ينظر إلى ذلك التطبيق الذي يتعقب هاتفها والذي يشير نحو نقطة ليست ببعيدة، واستسلم لقلقه وهواجسه وقرر أن ينزل من السيارة ويلحق بها. لا يهم ما سيحدث بعدها، المهم هو أن يتأكد أنها بخير..
وصل أمام المبنى حيث يشير مؤشر التعقب إشارةً قوية، فسأل حارس العقار قائلا:
"ممكن أعرف الشقة اللي ساكنه فيها مدام نهال رقم كام؟"
هي محاولة ليس أكثر، لا يمكنه الجزم أن ذلك المبنى هو نفس المبنى الموجودين فيه، من الممكن أن يكون المبنى المجاور، ولكن بسؤاله ذلك سيتمكن من معرفة ما إذا كانت نهال تقطن هنا أم لا.. في النهاية لن يعتمد كليًا على متعقب الهاتف.
"تقصد مدام نهال حرم وحيد بيه السيوفي؟"
جذب الاسم انتباهه، وحيد السيوفي رجل أعمال معروف، واسمه ليس غريبا على مسامعه..
"وحيد السيوفي صاحب شركات التأمين؟"
قالها فريد متسائلا بفضول متعجبًا، فأومأ الحارس مؤكدا وقال:
"أيوة هو."
وقف يفكر، هل يعقل أن هذه المثيرة للريبة متزوجة من رجل الأعمال وحيد السيوفي؟ أم أنه مجرد تشابه أسماء وليست هي نهال صديقة نغم؟ ولكن.. هل اليوم يوم الصدف مثلا؟
"أيوة هي.. هي دخلت قبل دقايق ومعاها صاحبتها، مظبوط؟"
"مظبوط.. الدور الرابع شقة رقم ٨"
تنهد فريد بارتياح وشكره، ثم استقل المصعد وهو يفكر بتوتر، ماذا سيفعل إن كان كل شكه مجرد وهم وتكون هي الآن برفقة خالتها مثلا؟ ماذا سيقول لهم؟ وبماذا سيعرف نفسه؟
توقف المصعد في الطابق الرابع فخرج فريد ليتفاجأ بنهال تقف أمام شقتها، تسند ظهرها إلى الحائط بملل وتطرق ذقنها بسبابتها.. نظر إليها بشك.. وطالعته هي باستغراب.. إذًا نغم بالداخل بمفردها مع خالتها.. أو شخصًا آخر!!!!!
***
قيّد يديها خلف ظهرها بقبضته بغضب، وأخذ ينظر إليها وهو يشير إلى أثر صفعتها قائلا:
"بتمدي إيدك عليا يا نغم؟ ها..؟"
نظرت إليه بغضب وازدراء وهي تبكي وقالت:
"إنت أوسخ حد أنا عرفته في حياتي.. ولو رجع بيا الزمن تاني هعمل نفس اللي عملته، هبلغ عنك وأسجنك يا حسن يا عقرب، ولو بايديا أموتك وأخلص من شرك هموتك."
نزلت من عينيه دمعة وهو ينظر إلى بكاءها بجنون، وهتف بصوت عالي وانفعال وقال:
"ليه؟ كل ده عشان بحبك؟ بتهربي مني وبتبعديني عنك عشان عارفة إني بحبك؟ عايزة تموتيني وتخلصي مني عشان عارفة إني مجنون بيكي مش كده؟"
"إنت مبتحبش حد غير نفسك.. ومهما حاولت تحبني هفضل أكرهك.. أنا بكرهك من كل قلبي يا حسن."
قالتها بقوة أثارت جنونه فضغط على مرفقيها بقبضته أكثر وقال صارخاً فيها بقوة:
"اللي كان بيتصل ده مين؟ هو مش كده؟ هو حبيب القلب اللي هربتي معاه وبيعتيني عشانه."
نظرت إليه بتحدي وقد فلح في إثارة جنونها وتمردها، ثم هتفت متعمدةً إغضابه وإشعال النيران بقلبه:
"أيوة هو.. هو حبيب القلب اللي هربت معاه وسيبتك .. وعندي استعداد أهرب مع أي كلب من الشارع المهم مبقاش معاك."
زمجر بقوة كوحش يحتضر وقد أشعلت كلماتها فتيل جنونه، وضرب بقبضته ذلك الإطار الزجاجي المعلق على الجدار وهتف بقسوة:
"نغم متخلنيش أتجن عليكي وأخنقك بايديا دول.."
وفجأة.. صمت عندما سمع صوت نهال بالخارج تتحدث لأحد ما.. والصوت الآخر يجيبها بانفعال، فاستغلت نغم هدوئه ودفعته بعيدا عنها بقوة وركضت نحو الباب، فتعثرت وسقطت، وإذ بها تحاول الاستغاثة بمن بالخارج وجدته يقترب منها كالمجنون ويطبق على فمها بكفه بقوة لكي يمنعها من الصراخ.
***
قبل لحظات كان فريد بالخارج يقف أمام نهال يحاول أن يتحدث بمنطق، بحيث لا يبدو أبلهًا أو مثيرا للشك، فإذا به يسمع صوت الحطام والتكسير وكلمات متداخلة غير واضحة بصوت رجولي عنيف..
هنا تخلى عن المنطقية وعن الترتيب وعن كل شيء وسألها مباشرةً:
"نغم جوا؟"
نظرت إليه باستغراب وتساءلت وهي تحاول تجاهل الأصوات المريبة بالداخل:
"إنت مين؟"
زفر بنفاذ صبر وأشار إلى الباب آمرًا إياها بلهجة حادة:
"افتحي الباب ده حالا.."
"إنت مجنون ولا إيه؟ باب إيه اللي افتحه؟!"
خرج فريد عن تعقله تماما وأخذ يضرب الباب بكفه بقوة وصدح بصوته الجهور قائلا:
"بقولك إفتحي الباب ده حالا …."
وصل صوته للداخل، والذي كان بمثابة إنعاش لقلب ميت، فبمجرد أن سمعت نغم صوته حتى ركلت حسن بقدميها ركلةً عشوائية أودت بهدوئه وجعلته يصرخ صراخًا مكتومًا متألمًا ونزع يده عن فمها لاإراديا.
"فريـــد .."
صرخت بها نغم بانهيار وهي تحاول النهوض سريعا، ولكن الباب انفرج بقوة ودخل فريد الذي كان يبحث عنها وما إن وجدها مسجاةً على الأرض حتى أسرع إليها وأمسك بيدها وساعدها لكي تقف، استندت على ذراعه ووقفت وهي تشعر وكأن روحها قد غادرت جسدها..
"انتِ كويسة؟"
قالها وهو ينحني قليلا ليطالع وجهها المنخفض وأمسك بذقنها يرفعها للأعلى وهو يتفقد وجهها بلهفة ويكرر:
"عمللك حاجة؟"
نظرت نغم إلى حسن الذي ينهض عن الأرض ويقترب منهما وهو يمسح شفتيه بإبهامه وعلى ثغره ترتسم ابتسامة شريرة وهو يقول:
"إنت بقا سبع البرمبة مش كده؟"
شعرت بالخوف من نظراته، وتذكرت ما فعله بالشاب الذي كان يريد الزواج منها، وامتدت يدها لاإراديا تمسك بمرفق فريد وتدفعه للخلف ببطء..
أحنى فريد رأسه وهو ينظر لحركة يدها، ثم نظر إليها وهي ترمق حسن بخوف وتقول:
"ملكش دعوة بيه يا حسن، أنا اللي مش عاوزة أرجع لأني اتخنقت من العيشة اللي بالشكل ده."
نظر إليها حسن وتفاقم شعوره بالخذلان وجال نظرهُ بينهما وهو يقول:
"طبعا لازم تتخنقي من عيشتنا، ماهو البيه واضح إنه بيصرف عليكي ومش مخليكي محتاجة حاجة خالص.."
ونظر إلى فريد بقوة، وأردف متسائلا:
"واضح إنه بياخد قد اللي بيديه عشر مرات، عشان كده مش بخلان عليكي بحاجة."
نظر إليه فريد بامتعاض، وقاوم رغبته في الانقضاض عليه وإبراحه ضربًا عقابًا له على الدناءة التي يفوه بها هكذا دون خجل أو شرف. ثم التقط كف نغم الذي لا يزال ممسكا بمرفقه وعانقه بكفه وهو ينظر إلى حسن بتحدٍ واضح وقال:
"راجل معندوش شرف ولا أخلاق زيك قدر بكل سهولة يشك في واحدة من دمُه ويرميها بتهمة باطلة زي دي يبقا ميستحقش إنه يفهم الصورة صح.."
ابتسم حسن ساخرًا وهو ينظر إلى نغم ثم إلى كفيهما المتعانقين ثم نظر إليه في النهاية وقال:
"صورة ايه بقا ما كل حاجة واضحة قدامي أهو، هي باعت وانت اشتريت.."
ونظر إلى نغم قائلا بتهكم:
"لو كنتي صبرتي شوية بس.. أنا كمان بقا معايا فلوس وأقدر أغطيكي فلوس من راسك لرجليكي.. على الأقل وقتها مكنتيش هتضطري تبيعي نفسك لواحد زي ده عشان قرشين ولا هدمتين حلوين.. أو طالما انتي دِيتك فلوس كنت أنا أولى يا ستي.."
"إنت زودتها أوي.."
قالها فريد وهو يختصر المسافة بينهما بتحفز ولكمهُ بكل قوته لكمةً نزفت على إثرها الدماء من أنفه، وجعلته يترنح للخلف، ثم أمسك بتلابيبه وهو يعدهُ لاستقبال اللكمة التالية ولكن حسن كان أسرع منه حيث باغته بلكمة عنيفة أعلى معدته أطاحت بعقله وجعلته يصدر أنينًا مكتومًا..
في تلك اللحظة كانت نغم تحاول الفصل بينهما، ولكنهما كانا يتعاركان ويتبادلان اللكمات العنيفة بضراوة وكلا منهما يبرز أعنف ما لديه، وبينما هما مشغولان يقتتلان والدم يسيل من أنفيهما، وغرفة المعيشة قد تحولت لساحة قتال، لم تجد نغم بدًا من الاستغاثة بحرس العقار، فدفعت بنهال التي تستند إلى ظهر الباب جانبا بقوة وقبل أن تفتح الباب كان قد انفرج ودخل رجلا خمسينيا يرتدي حلة سوداء مهندمة، وأخذ ينظر حوله بصدمة وهو يقول:
"إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟"
"وحيد؟!" هتفت بها نهال بدهشة وشحب لونها في الحال وهي تتقدم منه وتسأله:
"إنت رجعت إمتا من السفر؟"
تجاهلها ونظر إلى حسن وفريد اللذان توقفا لتوهما عن القتال وابتعدا وكلا منهما يتدارك نفسه وهيئته المشعثة، فتفاجأ برؤية فريد وهتف مذهولًا:
"فريد مرسال؟ معقولة؟ ممكن أفهم إيه اللي بيحصل بالظبط؟"
توجه فريد نحو نغم وجذب مرفقها، ثم رمق نهال بنظرة جمدت الدماء في عروقها ونظر إلى زوجها الواقف يطالعهم باستغراب وقال:
"أهلا يا وحيد بيه."
"فريد بيه أنا مستغرب جدا وجودك هنا، وواضح ان في مشكله مع الأستاذ.."
فقاطعه فريد قائلا وهو يتجه نحو الباب وبرفقته نغم:
"الإجابة عند مدام نهال، هي هتوضح لك كل حاجة."
وخرج ومعه نغم، فلحق بهما حسن غاضبًا أمام نظرات وحيد المتعجبة والذي حاول أن يستوقفه ممسكا بذراعه وهو يقول:
"وانت؟ انت مين وكنت بتعمل إيه هنا؟"
ليسحب حسن ذراعه من قبضته بحدة وهو يردد نفس ما قاله فريد:
"الإجابة عند مدام نهال، هي هتوضح لك كل حاجة."
ولحق بفريد ونغم اللذان استقلا المصعد، فركض على الدرج لكي يسبقهما قبل الخروج من المبنى، ووقف أمام الباب الرئيسي واعترض طريقهما عندما رآهما وهما يخرجان وهمّ بجذب يد نغم وهو يقول:
"تعالي معايا.."
فمنعه فريد حيث وضع يده كالجدار العازل أمام نغم وقال بقوة:
"نغم مش هتروح اي مكان غصب عنها .. ولو خايف على نفسك متقفش قصادي عشان إنت متعرفش مين هو فريد مرسال."
وتحرك ومعه نغم نحو سيارته المصفوفة على الجانب الآخر، فيما بقي حسن يحدق في أثرها مخذولًا، كان يتمنى أن تختار صفه ولو لمرة، أن تُفضله هو على هذا الغريب الذي غادرت برفقته بكل بساطة وتركت خلفها الرجل الذي لطالما عشقها.
تنهد وهو يوميء متوعدًا، سيجعلها تدفع ثمن ذلك الشعور غاليًا جدا، سيجعلها تدفع ثمن آماله التي عانقت السماء وفي لحظة تحطمت دون سابق إنذار وتناثرت شظاياها في كل مكان.
رواية محسنين الغرام الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نعمة حسن
مين دول وتعرفيهم إزاي وكانوا بيعملوا إيه هنا؟ انطقــــي !!
هدر بها وحيد بغضب شديد وهو ينظر إلى نهال التي تقف أمامه بصمت.
ثم فتحت فمها وأغلقته بتوتر، فاقترب منها وأمسك بذراعها وهو يهزها بقوة غاضبة ويسترسل:
انطقي، يعني إيه أرجع فجأة ألاقي ناس غريبة في بيتي بيتخانقوا، ومن ضمنهم واحد زي فريد مرسال، علاقتك بيه إيه وتعرفيه منين، اتكلمي !!
أخذت نفسًا مضطربًا واقتربت منه وهي تحاول أن تتحدث بهدوء وتنحي الخوف جانبا علها تنجح في درء الشبهة عنها وقالت:
أقسم بالله دي أول مرة أشوفه، أنا هفهمك كل حاجة بس اسمعني..
ضيق عينيه متحفزًا، ووقف ينصت إليها وهي تقول:
البنت اللي كانت موجودة دي تبقا نغم صاحبتي، وفريد ده بيحبها، والتاني يبقى ابن خالتها.. كان مراقبها وشافها وهي جايه عندي تزورني، طلع وراها، وفريد لما لقاها اتأخرت طلع هو كمان وراها، واتقابلوا هنا وحصل بينهم كلام ومسكوا في بعض زي ما انت جيت وشفت كده.. دي كل الحكاية والله.
كان ينظر إليها بشك، يحاول تصديق ما تحاول إقناعه به.
مش نغم دي اللي سرقت محفظة جمال النجار جارنا قبل كده؟
تنهدت بضيق وهي تقول:
أيوة هي..
وإيه اللي جابها عندك تاني؟ هو أنا مش قولتلك تقطعي علاقتك بيها تماما!
والله ده اللي حصل، أنا فعلا كنت قاطعة علاقتي بيها بس هي اللي جتلي فجأة وحتى ملحقتش أقولها امشي.
لم يقتنع تماما بما قالته، ولكنه لم يهتم بمعرفة أكثر لأنه في كل الأحوال كان قد اتخذ قراره، وأخذ يدور حول نفسه بتوتر بالغ، يضرب راحة يده بقبضة اليد الأخرى وهو يقول:
أنا كده بيتي هيتخرب، لو فريد مرسال اتكلم وقال لأي حد أني متجوزك ممكن الخبر يوصل لصوفيا والاولاد وكل حاجة تتهد فوق دماغي، يظهر مفيش غير حل واحد.
نظرت إليه بترقب، وتساءلت بخوف فقالت:
اللي هو إيه؟!
زفر زفرةً ثقيلة، ثم قال باختصار:
أطلقك.
ضربت بيدها على صدرها بفزع وهي تقول بصدمة:
تـ إيه؟! تطلقني؟! بقى دي أخرتها؟! تطلقني عشان خاطر المدام والولاد؟!
فأجابها بانفعال، حيث صاح بأعلى صوته، هاتفًا بكل الكلمات دفعةً واحدة أفزعتها:
هطلقك لأني اتفقت معاكي من أول يوم اتجوزتك فيه، ممنوع تعرفي حد أو تكلمي حد أو تدخلي حد البيت، ممنوع حد يعرف إنك مراتي، وانتي مسمعتيش الكلام، وأنا مفيش عندي استعداد أخسر مراتي صوفيا هانم الرداد عشان خاطرك، ولا عندي استعداد أزعل ولادي عشان خاطرك، تفتكري بقا لما أكون لازم أختار بينك وبينهم هختار مين؟!
نظرت إليه والغضب الكامن في عينيها قد برز في نبرة صوتها المرتجفة حين قالت:
أكيد هتختارهم هما وتبيعني أنا، ماهو أنا ماليش لزمة، تحصيل حاصل، واحدة للمزاج وبس.. إنما هي صوفيا هانم أم الأولاد وشريكة حياتك اللي لا غنى عنها.
ليجيبها وهو يتجاوزها ويدخل إلى الغرفة:
كونك معترفة بالحقيقة ده هيسهل علينا حاجات كتير أوي، وأعتقد لازم نخلص بسرعة من الموضوع ده.
نبشت في دفتر الحيل الخاص بها وأخرجت منه الحيلة الأكثر فعالية وتأثيرًا، فلحقت به إلى الغرفة وهي تنتحب بصوت عالي وتقول:
طب وأنا؟! مفكرتش فيا؟! مفكرتش هيجرالي ايه من بعدك؟! ده أنا يتيمة ومليش أهل، مليش غيرك.
وألقت بجسدها بين ذراعيه بقوة وأخذت تبكي على صدره وتتشبث به بقوة وهي تقول:
عشان خاطري متبعدش عني يا وحيد، أنا مقدرش أعيش من غيرك والله..
صمتت لثوان، تجردت فيها كل الملامح وصمت النحيب، وأخذت تترقب ردة فعله التي ستكون الفيصل في هذا الموقف، لتجده وقد أخذ يمسد ذراعيها بلطف وهو يقول:
طيب خلاص اهدي، هديكي فرصة أخيرة يا نهال، بس صدقيني لو سببتيلي أي إزعاج مرة تانية أو حسيت مجرد إحساس إنك بتشكلي تهديد لاستقرار حياتي مع ولادي ومراتي صدقيني وقتها مش هفكر مرتين.
أومأت بموافقة، هي لا تنوي إزعاجه مجددا، في تلك اللحظة فعلا لا تشعر أنها ستكون لديها الجرأة لارتكاب أي حماقة أخرى قد تودي باستقرارها، أو تجد نفسها على إثرها مُلقاة في الشارع من جديد. أغمضت عينيها وهي بداخلها تحمد الله لأنه سترها مجددا.
***
بعد محاولات عديدة لفك وثاق تلك العقدة التي عقدها حسن حول ذراعيها لم تنجح واستسلمت للنوم بتعب وهي لاتزال على نفس وضعها، لتعي من نومها بعد ساعات على صوت الباب وهو يُصفق بقوة، تشنج جسدها وتصلب الدم بعروقها وهي تنتظر دخول زوجها، بالتأكيد قد عاد فجأة وسيراها بتلك الحالة، ولن تجد حينها ما تخبره به ومن الممكن أن يقتلها وهي لا تزال على نفس الوضع.
لتتفاجأ بعدها بوجود حسن أمامها، الذي دخل وجلس بجوارها، ووضع ساقا فوق الأخرى وهو يقول ببرود:
صباح الخير..
نظرت إليه بغضب جهور وتمتمت بانفعال:
صباح زي الزفت.. جاي عايز مني إيه تاني؟
نظر إليها من زاوية عينه، ثم مسح براحتيه على فخذيه بتمهل وهو يقول:
الحق عليا يعني جاي أطمن عليكي؟! جاي أشوفك فكيتي نفسك ولا لسه مستنياني أفكك.
خير يا حسن، جاي عايز إيه تاني؟
نتفق.
نتفق على إيه؟!
هتساعديني نجيب نغم عندك هنا!
نظرت إليه بصدمة وضحكت بصوت عالي وقالت:
إنت اتجننت ولا إيه؟! نغم مين اللي هتيجي هنا؟!
اسمعي مني، أنا بعتلها رسالة من تليفونك وقولتلها إنك هتقابليها انتي وأمي قدام المستشفى الساعة ١٠.. هي طبعًا هتصدق وهتيجي عشان تشوف خالتها، تقابليها انتي وتقوليلها إنها عندك هنا وتجيبيها وتيجي.
وبعدين؟؟
تساءلت بفضول وقلق ليجيبها قائلا بإيجاز:
بعدين دي بقا بتاعتي أنا، اعملي اللي عليكي انتي بس وهاتيها لحد هنا والباقي أنا كفيل بيه.
أخذت تفكر للحظات ثم تساءلت:
وافرض موافقتش تيجي معايا، وافرض إنها مجتش عشان نشوفنا أصلا!
أجابها بثقة وقال:
هتيجي أنا متأكد.. ها.. أفكك ولا تفضلي مربوطة كده لحد ما يرجع وحيد بيه؟!
نظرت إليه بغضب وقالت بضجر وتأفف:
فكني.. منك لله ربنا ينتقم منك انت ونغم بتاعتك في ساعة واحدة.
نظر إليها مغتاظًا وقال بحدة:
ما بلاش طولة لسان بقا ولمي الدور.. أنا هفكك بس أي حركة غدر منك هزعلك، وانتي عارفة زعلي وحش إزاي!
فك وثاق يديها فأخذت تدلك يديها بألم وهي تنظر إليه شزرًا وتقول:
الغدر مش هييجي مني أنا، الغدر هييجي من حبيبة القلب اللي انت بتجري وراها وهي ولا سائلة فيك.
***
قاد صامتًا لأكثر من ثلاثين دقيقة قضاها في حياته، كان يشعر حينها بالاختناق، بالغضب، بالسخط على كل شيء حوله.
وكلما نظر إليها وجدها تجلس وهي تنظر من نافذتها بصمت، لا تتحرك، لا تبكي حتى!
في تلك اللحظة كان يشعر بها جيدا، يعرف كيف أنه من الممكن أن يكون الصمت أبلغ من أي رد فعل، ولكنه كذلك يعرف أن الصمت في مثل تلك اللحظات ليس حلا، لأنه يجعل المرء شبيها بالقنبلة الموقوتة، لا بد أن ينفجر في الوقت والمكان الخاطئين.
أوقف السيارة فجأة على جانب الطريق، ثم ترجل ودار حول السيارة، وقف أمام الباب المجاور لها وفتحه، فنظرت إليه باستفهام لتجده يقول:
انزلي.
تعجبت قوله، ولكنها أذعنت بصمت مطبق، ونزلت فأغلق الباب، ثم وقف مستندًا على مقدمة السيارة وعقد ذراعيه أمام صدره وهو ينظر للفراغ من حوله ويحاول تطبيق أي طقس من الطقوس التي تخفف عنه توتره والضغط النفسي الواقع عليه، فأغمض عينيه وأخذ يعد بداخله تصاعديا مرة، وتنازليا مرة، حتى بدأ يشعر بالراحة نسبيا.
كانت تقف بجواره، وتسند كفيها للوراء وهي تحدق نحو نقطة وهمية، تتذكر كل ما حدث معها قبل قليل وهي تشعر وكأنه سكين قد غُرس في أعمق أعماق قلبها.
لم يؤلمها كل ما قاله، ولا حتى التهمة الباطلة التي رماها بها بقدر ما آلمتها حقيقة نهال التي انكشفت أمامها بكل بساطة، وإلى الآن ترفض تصديق ما حدث، وفيما هي شاردة جذبها صوته الذي انتشلها من أعماق الظلام قائلا:
مينفعش تفضلي ساكتة كده كتير، لازم تخرجي الغضب اللي جواكي.
نظرت إليه لبرهة طويلة، لتجده لايزال ينظر أمامه، ثم نظر إليها وتبادلا النظرات للحظات بصمت، فحركت رأسها مجددا نحو اللاشيء.
بينما هو كان يستطرد ما بدأه ويقول:
أنا عارف إنه غصب عنك، بس لازم تحاولي. اتكلمي.. عيطي، اصرخي حتى.. بس متكتميش جواكي.. المشاعر اللي بنكتمها جوانا صدقيني بتضرنا فيما بعد.. لو عودتي نفسك تكتمي غضبك وكل المشاعر السلبية اللي بتحسي بيها هتلاقي نفسك مع مرور الوقت مش قادرة تعبري عن غضبك ولا تنفسي عنه، هتحاولي تصرخي أو تبكي مش هتعرفي، كل دمعة وصرخة بتحبسيها في قلبك دلوقتي هتتمني بعدين تخرجيها مش هتعرفي.
بدأ قلبها بالخفقان بقوة.
لازم تتخلصي من كل حاجة جواكي.. عشان بمجرد ما نتحرك من هنا تقدري تبدأي من جديد.
خفق قلبها أكثر.
غمضي عينيكي وخدي نفس.. وافتكري اللي حصل كله، كل كلمة كتمتيها جواكي ومقدرتيش تتفاعلي معاها وقتها.. كل إحساس حسيتيه ومقدرتيش تعبري عنه..
أغمضت عينيها فعلا، تذكرت كل شيء وكأنه يحدث أمامها للتو، وأحست برهبة الموقف وكأنها لازالت تحياه. وترددت كل كلمة تفوه بها حسن على مسامعها بطريقة جعلت دقات قلبها تتسارع كما لو أنها على وشك التوقف، وابتلعت تلك الغصة في حلقها بصعوبة بالغة، ثم نظرت إليه، فحرك رأسه صوبها وهو لايزال على نفس موضعه بثبات، تلاقت نظراتهما للحظات طويلة، حتى رآها ترمش عدة مرات وبدأت الدموع تتكون بعينيها.
أومأ بهدوء وبراحة شديدة لأنه نجح فيما يحاول فعله أخيرا، وظل يحاصر عينيها وهو يراهما قد بدأتا في سكب الدموع ببطء، إلى أن انفجرت باكية بقوة وملأ صوت بكاءها الفراغ من حولهما.
ظل ينظر إليها بصمت، وهو يحاول تجاهل تلك الفكرة التي تداهمه وتلح عليه بقوة، كأن يضمها إليه فتنتهي نوبة انهيارها هنا بالقرب منه، ولكن ألف شيء كان حائلًا بينه وبين ذلك الخاطر، أولهم الوسواس الذي أخذ يومض برأسه وكأنه جرس إنذار، ينذره أنه قد تخطى الحد المسموح به، يجبره أن يبتعد عنها الآن.
استمع إلى رنين هاتفه فأجاب بإيجاز:
أيوة يا أيمن؟!
فريد بيه، عندنا اجتماع كمان ساعة تقريبا..
ألغي كل حاجة يا أيمن، أنا مش فاضي النهارده.
وأنهى الاتصال، ثم نظر إليها وهي لاتزال تبكي، اقترب منها خطوة، ووقف أمامها مباشرةً يطالعها بأسى، ثم قال:
كده أفضل. ويا ريت أي مشكلة تواجهك بعد كده تفاعلي معاها بلاش تتجاهليها.
فتح باب السيارة وأخرج علبة مناديل وسحب منها منديلا ثم أعطاها إياه فأخذته منه وأزالت آثار الدموع ثم نظرت إليه وقالت بصوت خافت:
أنا مش عارفة أشكرك إزاي على وقفتك جمبي، مع إني مستاهلهاش.
قطب جبينه متعجبًا حديثها السوداوي وقال:
مين قال كده؟!
نظرت إليه في انتظار أن يكمل كلامه ولكنه صمت، دس يديه في جيبي سترته، وجال بعينيه في المكان الواسع من حوله للحظات، ثم عاد إليها واستقر بعينيه على عينيها وقال:
ليه مقولتليش من البداية إنك هربتي من خالتك بسبب حسن؟!
رمشت بعينيها مرات، وشعرت وكأن لسانها قد عقد، فقال:
لو مش عايزة تتكلمي أنا مش بجبرك على فكرة..
مكنتش عايزة أفتكر اللي عيشته على إيديه اليوم ده.
قالتها فأنصت إليها باهتمام، فمسحت دموعها مجددا وهي تتنفس الصعداء ثم أكملت:
مكنتش شايفة إنه ضروري أحكي، متخيلتش إن ممكن حاجة زي اللي حصلت النهارده تحصل.. أنا مش عارفة لو مكنتش معايا كان ممكن يحصللي إيه؟!
شيئا ما بحديثها ونبرة صوتها حرك بداخله إحساسا بالمسؤولية تجاهها، فتحدث بتلقائية وقال:
الحمدلله ربنا ستر وقدرت أوصل في الوقت المناسب، بالرغم من إني غلطت أصلا لما وافقتك من البداية.
أنا كمان غلطت إني وثقت فيها. مكنتش أعرف إنها ممكن تتفق معاه عليا.
واضح إنها بتحبه.
قالها بهدوء، فنظرت إليه بصمت وأومأت قائلة:
صح.
وهو بيحبك.
قالها وهو يرمقها بنظرة ثاقبة، فمطت شفتيها وقالت:
بيقول.. بس اللي أنا متأكدة منه إن ده مش حب. الحب عمرُه ما يكون بالشكل ده. ولو ده الحب فانا مش عايزاه ولا عايزة أتحب.
أفضت ما بداخلها بقوة وانفعال ثم صمتت وأخذت تتنفس ببطء، بينما هو يحاول ألا يتخلى عن تحفظه وهدوئه، ولكنه الآن لا يفلح في مقاومة فضوله نحوها.
إيه هو الحب بالنسبالك.
نظرت إليه بصدمة طفيفة، لم تتوقع أبدا أن تقف بجواره في يوم بهذا القرب ويتبادلان أطراف الحديث حول الحب!! لم تتخيل ولو في أكثر أحلامها جحودًا أن يحدث ذلك مع رجل القطب الشمالي هذا.
ولكن بما أنه قد تخلى عن بروده وخرج عن صمته فعليها أن تفعل المثل، خاصةً لأنها في أشد الحاجة للحديث.
أشاحت بنظرها لوهلة، ثم عادت تنظر إليه وهي تقول:
أنا عمري ما حبيت قبل كده، بس متهيألي أهم حاجة في الحب هي الأمان!! لأ ده الأمان أهم من الحب.. يعني لو أنا حاسة بالأمان مع الشخص اللي أنا هبقا معاه ده كفاية، والحب ممكن ييجي بعدين. لازم أكون مطمنة وحاسة إني مرتاحة ومش خايفة منه. أبقا متأكدة إنه هيحميني طول الوقت، أقدر أتسند عليه.. أحس كده إن ضهري مسنود بيه ومستقوية بيه. مش خايفة منه طول الوقت وحاسة وأنا معاه إني في خطر!! الحب بالنسبالي هو الأمان.
راقتهُ كلماتها كثيرا، وراقتهُ لمعة عينيها وهي تتحدث وتصف ما تبحث عنه، هي بالفعل تحتاج للأمان. ولولاه ما هربت من حضن خالتها، ويظن أنه بإمكانه أن يحقق لها أمنيتها. أو يتمنى.. ليس متأكدًا بعد.
تنهد تنهيدة طويلة وهو يراها تضغط عينيها بقوة والدمع يتساقط منهما، فمسحت دموعها بالمِحرمة ونظرت إليه مجددا، همت بقول شيئ ما قبل أن تتسع عيناها بلهفة وهي تقول:
يا نهار أبيض.. مناخيرك بتجيب دم!!
وعلى الفور كانت قد وصلت لعنده، وبنفس المنديل الذي مسحت به دموعها كانت تزيل سيل الدم المتدفق من أنفه وهي تنظر إليه بهلع وتقول:
ممكن تكون اتكسرت؟! إنت لازم تكشف، لازم تعمل عليها أشعة حالا ممكن يكون فيها كسر أو شرخ من جوة.
وقف متجمدا، لا يستوعب الصدمة، لا يستوعب الكارثة، لا يستوعب أنه نفس المنديل!!
ربااه.. !!
أمسك يدها التي تزيل الدم عن أنفه، ورفع مرفقها للأعلى أمام عينيه وأخذ يطالع المنديل مصعوقًا بصمت.. ثم نظر إليها وكانت نظرته توحي لها أنه سيقطع تلك اليد في القريب العاجل!!
سحبت يدها بسرعة، أو بخوف.. أيهما أقرب.
وابتعدت للخلف خطوة، بينما هو فتح باب السيارة واستل من الداخل زجاجة كحول، ورش على منديل ثم أخذ يمسح أنفه، ومن بعدها عقم يديه جيدا، ونظر إليها مستاءً فقالت ببلاهة:
انت بتعمل إيه؟!
تنهد مطولا ولم يجب، الإجابة تحتاج طاقة لا يملك منها ذرة الآن، فلما رأته صامتا أرجأت الاحتمال لكونه شعر بالقرف منها مثلا! فهتفت بحرج:
أنا مقصدتش أضايقك أنا بس قلقت لما شفت الدم.
هز رأسه متفهما وقال:
متقلقيش.. الموضوع بسيط.. كل الحكاية إنه كان بيضرب بِغِل شويتين..
ظهر الأسى على ملامحها، فأومأت بهدوء وهي تجيبه بعفوية:
انت هتقوللي!
نظر إليها متفاجئًا وسألها باهتمام:
قصدك إيه؟! قصدك إنه كان بيضربك؟!
نظرت إليه بصمت، ثم أجابت سريعا كي لا تسمح له بقراءة تعابير وجهها التي تحكي كل شيء:
مرة او اتنين بس..
رفع حاجبيه بذهول، وأطلق تنهيدة ساخرة قصيرة، ونظر إليها مجددا وقال بحدة:
وانتي ازاي تسمحي له يعمل كده؟! إزاي تقبلي إنه يتطاول عليكي أصلا بالقول مش بالفعل.. وفين خالتك من ده كله؟! إزاي تبقا عارفة إن ابنها بيأذيكي بالشكل ده ومش بتصده! أنا مش مصدق بجد.
تنهدت تنهيدة بائسة، وعادت الدموع تملأ عينيها من جديد، فتنهد مثلها بأسف وضيق من نفسه لأنه أدرك أنه كان حادًا أكثر من اللازم فقال:
طيب متزعليش.. أنا زودتها عليكي أنا آسف.
هزت رأسها بنفي وقالت:
بالعكس، انت صح، أنا اللي كنت بفرط في حقي دايما.. خصوصا لما مكنتش بلاقي رد فعل من خالتي، هي أينعم كانت بتدافع عني وبتخاصمه عشاني، بس بتبرر له بيني وبينها.. تفضل تقوللي إنه غلبان والدنيا جاية عليه وبيحبني وبيغير عليا والكلام العبيط ده..
نظر إليها مغتاظا وقصف بحدة أعلى من ذي قبل:
ده مش كلام عبيط بس ده كلام عبيط غبي ومتخلف كمان.. وخالتك دي واضح إنها كانت بتتعامل بنفس الطريقة أو عندها عقدة من شخصٍ ما مخلياها تشوف الكرامة دي مجرد أوبشن.
أخذ نفسا عميقا وهو يحاول أن يتحدث معها بحدة أقل وأن يسيطر على انفعاله فقال:
اسمعيني يا نغم.. الحب عمرُه ما يكون حب لو هينتقص من كرامة الإنسان، خليكي واثقة إن الشخص السوي اللي بيحبك بجد عمره ما هييجي عليكي او يأذيكي أو يقبل أنه يستقوى عليكي.. اللي كان بيعمله حسن ده مش حب حقيقي.. ده حب امتلاك.. هو واهم نفسه إنه بيحبك.. وبيتعامل على الأساس ده، بيفرض سيطرته عليكي ويقيدك ويخنقك تحت مسمى الحب والغيرة وكل الهبل ده.. إنما في الحقيقة كل ده خوف جواه هو اللي بيحركه.
تنهد ثم قال ببساطة لأنه وجدها تنظر إليه نظرة تشي بالبلاهة:
بصي.. حاولي تركزي معايا وتفهميني وأنا هحاول أتكلم ببساطة شديدة.
أومأت بموافقة فقال:
واضح إن خالتك ربت حسن ده بطريقة غلط جدا وزرعت جواه خوف وأنانية وحب سيطرة ملهمش حدود، و ده أكيد ناتج عن تجربة شخصية قاسية هي عاشتها، أو ربما يكون عيب في شخصيتها من البداية، ما علينا.. الحاجات اللي خالتك زرعتها في حسن دي عملت منه إنسان متملك.. الخوف والأنانية اللي جواه خلوه بيسيطر على كل القريبين منه بدون قصد، وهو بيكون فاهم إن ده حب، وبيكون مصدوم هما ليه مش بيبادلوه نفس الشعور، لكن مبيقدرش يفهم حقيقة مشاعره دي ويعرف انه فعلا مكانش حب غير لما بيقابل الحب الحقيقي فيما بعد.. ساعتها بس بيقدر يفرق بين الحب الأولاني والحب التاني اللي هو الحب الحقيقي.. وخصوصا لو اتحب من نفس الطرف اللي هو بيحبه، تأكدي إنه بيتغير تماما وبيتحول لنسخة جديدة هو نفسه مبيكونش مصدقها.. فاهماني؟
أومأت بموافقة فقال:
نرجع بقا للموضوع الأساسي.. ممنوع إنك تسمحي لأي حد يتخطى حدوده معاكي أو يعاملك بطريقة انتي مش قبلاها، أو تتنازلي وتسمحي إنك تتعاملي بطريقة أقل من اللي تستحقيها، مهما كان الحد ده مين، ومهما كان بالنسبة لك إيه. لازم كرامتك عندك تبقا رقم واحد قبل أي حد وأي شيء، وافتكري دايما إن ربنا خلقك حرة يعني مينفعش تقبلي الإهانة على نفسك ولا تتهاوني في حقوقك.. فهمتيني؟
هزت رأسها بموافقة فتابع:
وحاجة كمان، اللي حصل النهارده ده لازم تكوني اتعلمتي منه حاجة مهمة أوي، وهي إنك متديش الأمان لكل الناس، لازم تكوني حريصة في تعاملك مع الناس لأنك متعرفيش نواياهم، ومتعرفيش اللي جواهم نفس اللي بيظهروه ولا لأ، حتى لو هتثقي في القريبين منك تثقي بحذر، بلاش الثقة العامية دي لأنها في أغلب الأحيان بتضر.
هزت رأسها مجددا فقال بأسلوب ساخر:
انتي عمالة تهزي دماغك كده فهمتي ولا بتجاريني وخلاص؟
لا والله أنا فهمت فعلا..
نظر إليها بجدية مصطنعة وقال وهو يقف متأهبًا:
طيب ممكن تقوليلي زي الشاطرة كده إيه الدروس المستفادة اللي فهمتيها من المحاضرة اللي بقالي ساعة بلقيها دي؟
توترت قليلا وأخذت تعدد على أصابعها وهي تقول بانتباه:
إني مقبلش بأقل من اللي استحقه، وإني مديش الأمان لأي حد.. والثقة تبقى ثقة بحذر.
تنهد وارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة راضية وقال:
صح، براڤو عليكي.. واضح إنك تلميذة نجيبة والعلام مش خسارة فيكي.
ضحكت ضحكة هادئة فأضاف بعفوية نادرًا ما يجود بها:
وواضح كمان إنك إنسانة حلوة جدا من جوة..
وحك ذقنه بشبه تردد وأضاف بخفوت:
ومن برة كمان.. يلا بينا.
لم يسمح لها أن تتفاجأ بما قاله، وانسحب ودار حول السيارة ليصل إلى الباب وتركها تقف في مكانها مصدومة، هل ما ألقاه للتو كان إطراء؟ أم مجاملة؟ أم مصارحة عفوية؟ أم أنها كانت تتوهم؟
انتبهت للبوق الذي أصدره منبهًا إياها فنفضت تلك التراهات نن رأسها، وركبت بجواره وهي لا تزال على نفس حالة الصدمة.
نظرت إليه وهو يرش الكحول مجددا على يديه، وعلى عجلة القيادة، فنظرت إليه باستغراب، فقابل استغرابها بهدوء وتفهم قائلا:
متشغليش بالك، أه صح نسيت حاجة مهمة، لازم نغير الرقم اللي معاكي.. باالليل هجيبلك شريحة تانية.
لأ خلاص مش مهم.. أنا اصلا مش محتاجاها مش هكلم حد..
لأ ضروري يكون معاكي رقم متضمنيش الظروف، وبعدين جايز أحتاج أكلمك أو أسألك على حاجة أو أبلغك بحاجة، مش كل ما هحتاج أتكلم معاكي هنتحجج بموضوع الدكتور ونخرج يعني.
أومأت مؤيدةً ثم قالت:
خلاص ماشي اللي تشوفه.
وكمان لازم نمشي في إجراءات البطاقة، هشوف ايه اللي لازم يتعمل وهبلغك. أكيد مش هتفضلي عايشة مجهولة الهوية كده كتير.
استدارت لتنظر إليه، لتجد عيناه ترمقانها بالفعل، فقالت وشعورًا بالامتنان يسيطر عليها؛
أنا مش عارفة أشكرك إزاي، إنت حد طيب جدا على فكرة.
استقبل مديحها البسيط بابتسامة بسيطة تلائمه، ثم قال بابتسامة مهذبة بها بعض من المشاكسة:
ده من ذوقك على فكرة.
كبحت ابتسامة خفيفة تسللت إلى شفتيها، ثم حركت رأسها لتنظر من النافذة، وظلا صامتين إلى أن دخل الڤيلا، صف السيارة ونظر إليها قائلا:
اتفضلي انزلي، أنا عندي كذا مشوار هعملهم وأرجع.
نظرت إلى قميصه المجعد والذي تناثرت عليه بضع قطرات دم من أنفه أثناء ملاكمة حسن فقالت:
هتروح كدا؟!
أحنى رأسه وهو ينظر إلى القميص وقال:
أكيد لأ.. هرجع على البيت عندي أغير الأول، مش هينفع أدخل الڤيلا كده طبعا عشان التساؤلات الكتير.
أومأت بموافقة، وفتحت الباب وترجلت، ثم أدارت رأسها مجددا وأشارت له بعفوية فلوح لها بيده كما فعلت وهو يبتسم، ثم خرج مجددا، ودخلت وهي تشعر بالإحباط والقلق مما هو آت.
***
غادر شريف المطار وركب سيارته التي كانت في انتظاره حيث أن السائق كان على علم بميعاد وصوله، فاستقبله مرحبًا وهو يقول:
حمدالله على سلامتك يا شريف بيه.
متشكر..
هنرجع على البيت؟!
لأ، هنروح الأول على ڤيلا سالم مرسال.
أومأ السائق بطاعة وتحرك منطلقًا في طريقه، بينما شريف كان ممسكا بهاتفه، وقام بكتابة رسالة إلى نسيم من رقم آخر غير الذي قامت بحظره.
” الطريق إليكِ أطول مما أظن، وأقصر مما تظنين أنتِ ”
أرسل الرسالة وارتسمت على شفتيه ابتسامة متحمسة، ولكنها انطفأت فور أن رأى اسم چوليا على شاشة الهاتف تتصل به فقام بغلق الهاتف مجددا متأففًا بضيق وضجر، وأعاد الهاتف إلى جيب سترته، ثم تحدث إلى السائق قائلا:
الأول خلينا نشوف مكان نشتري منه ورد وشيكولاته.
أومأ السائق موافقا، واتجه به نحو متجر لبيع الورد، ابتاع منه باقة ورد، ثم ذهب إلى متجر لبيع الحلويات والشوكولاته وأحضر منه علبة شيكولاته فاخرة.
بعد حوالي ربع ساعة كان السائق قد توقف بسيارته داخل ڤيلا سالم مرسال، صف السيارة فنزل شريف وهو يحمل باقة الورد والشيكولاته، ودخل فاستقبلته زينب وقادته نحو الصالون، وذهبت لإبلاغ سالم.
***
كان سالم يجلس بغرفة مكتبه وأمامه يجلس نادر، يتجاذبان أطراف الحديث فإذا به يستمع إلى طرقات على الباب ثم دخلت زينب التي قالت:
بشمهندس شريف الصواف منتظر حضرتك في الصالون يا باشا.
نظر إليها متعجبا وقال:
شريف الصواف؟! عجيبة!! وده منتظرني أنا ليه؟ عرفتيه إن عمته مش موجودة؟!
أيوة بلغته إن نادية هانم سافرت وقاللي إنه جاي لحضرتك.
نظر إلى نادر متعجبا وهو يتساءل:
هيكون جاي ليه ده؟ الواد ده مبتفائلش بيه.
جايز جاي يتكلم معاك في شغل أو حاجة يا باشا.
حينها تحدثت زينب قائلة بعد أن تحمحمت باستئذان لبق:
بعد إذنك يا باشا، بشمهندس شريف جاي ومعاه ورد وشيكولاته.
قطب سالم جبينه باستغراب، ثم أشار إليها لتنصرف، ونظر إلى نادر مجددا وقال:
بتقوللك ورد وشيكولاته، ده جاي يطلب إيد مين؟ چوليا ولا چيلان؟! وليه متكلمش مع عمته وجاي يكلمني أنا؟ ده إيه الذوق ده كله!
فأجابه نادر بابتسامة متمهلة وقال:
يا خبر بفلوس يا باشا.
أومأ وهو يربت بكفه على الكف الأخرى وقال بهدوء:
على رأيك، المهم مكملتش كلامي، البنت بادئة تتحسن وفي أمل كبير إنها تفتكر كل حاجة في وقت قريب جدا، عايزك تستعد، هي أينعم واضح إنها ماشيه في الطريق اللي احنا عاوزينها تمشي فيه بدون توجيه من حد، بس ده بردو ميخليناش نتطمن، لازم نعمل حساب كل حاجة، شوف هتمضيها على الشيك ازاي من غير ما تاخد بالها، وأهو يبقا معانا عشان لو فكرت تخلع مننا نبقا ضامنين هنرجعها ازاي.
اللي تؤمر بيه هيحصل يا باشا، متشيلش هم حاجة خالص.
عال أوي، وسجل عندك عشان متنساش، إسمها نغم ناجي وأمها اسمها.. تقريبا بدر. شوف هتقدر توصل لحاجة ولا لأ وبلغني.
متقلقش يا باشا، بإذن الله في أقرب وقت الأخبار كلها تكون عندك.
متشكر يا نادر، انت دايما رجل المهام الصعبة.
نهض فنهض نادر مبتسمًا وهو يقول:
ده شرف ليا يا سالم باشا، أنا في الخدمة دايما.
انصرف نادر فخرج سالم لمقابلة شريف الذي كان يجلس متوترًا، يهز قدميه بترقب، إلى أن رأى سالم يقترب منه فنهض واقفا بتهذيب.
مساء الخير يا بشمهندس، عاش من شافك.
قالها سالم بمرح مصطنع، فابتسم شريف ابتسامة بسيطة وقال وهو يمد يده إليه ليصافحه:
إزي حضرتك يا سالم باشا.
أنا تمام الحمد لله، اتفضل اقعد.
جلس شريف أمام سالم الذي وضع ساقًا فوق الأخرى ونظر إليه وقال:
نورتنا يا بشمهندس.
تنحنح شريف بحرج وقال:
بنور حضرتك أكيد، أنا أفضّل إني أدخل في الموضوع مباشرةً، الحقيقة أنا جاي أطلب منك إيد الآنسة نسيم.
نزل الخبر كالصاعقة على أذني سالم الذي لم يتوقع أبدا ما قاله شريف، لقد ظن أنه سيطلب چوليا أو چيلان، ولم يتوقع أبدا أن تكون المطلوبة هي نسيم!!
تنحنح يجلي حلقه بهدوء، ثم قال بتشتت:
في الحقيقة إنت فاجئتني، أنا متوقعتش طلبك ده!
ثم تساءل وهو يرمقه بنظرة ثاقبة أربكته:
انت شوفتها فين ولا تعرفها منين؟
تحرك شريف خطوة نحو سالم وهو يقول بارتباك:
بصراحة يا سالم باشا أنا مكنتش شُفتها من سنين طويلة لحد ما شُفتها يوم الحفلة بتاعت فريد.. اتفاجئت بيها يومها لأني كنت نسيت شكلها ونسيت إنها فرد من أفراد العيلة تقريبا.. ومن ساعة ما شفتها وأنا معجب بيها جداا جداا لدرجة إني مش قادر أبطل تفكير فيها.
رمقه سالم بطريقة أوقفته عند حده، وجعلته يلتزم الصمت تماما، فتنهد سالم وقال بعجرفة معتادة:
أيوة بس أنا إيه الي يخليني أوافق بيك؟
ارتفع حاجبا شريف وغضّن جبهته، ثم تساءل بحرج ووجل:
مش فاهم.
أقصد إيه المميز فيك اللي يخليني أوافق أجوزك نسيم؟ نسيم كل يوم بيتقدم لها شباب أبناء رجال أعمال صحابي، وناس كلهم مراكز مرموقة جداا وكلهم احسن من بعض ومع ذلك مش شايف فيهم حد يصلح إني أجوزه بنتي. خصوصا إن نسيم مش زي أي بنت تانية.. دي بنت رقيقة جدا وحساسة جدا جدا.. دي كل شباب العيلة يتمنوا بس يتعرفوا عليها أو يشوفوها من كتر ما بيسمعوا عنها.
أومأ شريف بابتسامة مبتهجة متحمسة وقال:
أنا عارف، وعارف كمان إن نسـ.. أقصد آنسة نسيم تستاهل أحسن حد في الدنيا وطمعان إن حضرتك تثق فيا وتديني الفرصة دي.
بردو مجاوبتنيش، إيه اللي يميزك عن كل اللي اتقدموا لها يخليني أوافق بيك؟
ظل شريف يفكر للحظات، يختار الإجابة الدبلوماسية التي ستجعله يحرز هدفًا، فهو يعرف أن سالم مرسال لن يقبل سوى بإجابة مقنعة فقال محاولا بث الثقة في كلامه كي يبدو مقنعًا:
أعتقد إن لحد دلوقتي مفيش حاجة بتميزني عنهم، بس لو حالفني الحظ وحضرتك وافقت أكيد نسب حضرتك هو أكبر ميزة ممكن أحصل عليها. يكفيني فخرا وقتها إني أقول إن الباشا سالم مرسال حمايا.
انتفخ صدر سالم بزهو، وارتاحت نظرته برضا، وظهر على ملامحه ارتياحًا انتقل لا أراديًا نحو شريف الذي أدرك أنه أصاب الهدف بكلمات بسيطة، ثم قال:
أكيد حضرتك عارف إني عندي تلت شركات برمجة، والحمدلله كل شركة منهم ربحها الشهري بملايين الدولارات.. فلو حضرتك وافقت أنا هكتب الشركة اللي تختارها نسيم باسمها هدية مني ليها.
نظر إليه سالم وهمّ بقول شيئ ما، ليسبقه شريف قائلا:
طبعا أنا عارف إن لا حضرتك ولا نسيم من مقامكم شركة من شركاتي، وعارف كذلك إن حضرتك عندك ثروة كبيرة يعني مش هيفرق معاك أي كلام من ده بس أنا حابب لو حصل نصيب إني أعبر عن امتناني بطريقتي الخاصة.
تريث سالم قبل أن يجيبه قائلا بنبرة رخيمة واثقة:
لحقت نفسك.
تنهد شريف بارتياح، ونظر إلى شريف وقال:
وعلى كده نادية هانم عندها خبر بالموضوع ده؟
الحقيقة لأ، أنا حبيت أعرف رأي حضرتك أولا وبعدين أبقى أبلغها.
أومأ سالم برضا، وراقهُ كثيرا حديث شريف الذي بدا منمقًا ودبلوماسيًا وعلى قدر عال من الذوق واللباقة، ثم قال بنبرة وقورة هادئة أسرت الشغف في جسد شريف:
خير ما عملت، على العموم يا شريف إنت أكيد عارف إن المواضيع اللي زي دي مبيتاخدش فيها قرار في يوم وليلة، وأكيد أخوها فريد لازم يشاركني في القرار طبعًا لأنه أخوها الكبير، دي الأصول وأنا لا يمكن أتخطاها.
أكيد.. عارف حضرتك.
تمام.. أنا هتكلم مع أخوها وهناخد وندي مع بعض، وبإذن الله أبلغك الرد في أقرب وقت.. بس يا ريت لحين ما نرد عليك خلي الموضوع بيننا.
نهض شريف وهو يصافحه ويقول:
طبعا يا باشا، هنتظر رأيك على أحر من الجمر..
نورتنا يا بشمهندس. مع السلامة.
غادر شريف ليتلاقى بچيلان عند الباب، فنظرت إليه متفاجئة، تصافحا وتبادلا القبلات الودودة، وتساءلت متعجبة:
شريف؟ بتعمل ايه هنا؟!
جيت عشان أزور عمتو بس للأسف حظي وحش، عرفت إنها سافرت.
أومأت بموافقة وقالت:
أيوة سافرت دبي النهارده..
يلا خير تتعوض مرة تانية.
في تلك الأثناء انفرج الباب وخرجت نغم من غرفتها لتتجه نحو المطبخ، وما إن وقعت عيناها على چيلان حتى زاد همها وضيقها وتجاوزتهما سريعا بعد أن ألقت نظرة فضولية عابرة على ذلك الطويل الذي لم ترهُ هنا من قبل..
تأفأفت چيلان بضيق مماثل، وعكر الغضب صفو بحر عينيها فقال شريف متسائلا بفضول؛
مين الوجه الجديد؟!
قلبت عينيها بملل واستياء وهي تقول:
بليز متسألنيش عنها. أنا بالعافية طايقة نفسي.
ابتسم مشاكسا وهو يقرص وجنتها ويقول:
واضح إنك بتحبيها أوي.
حدجته بسخط فقال ضاحكا:
أنا كده إتأكدت.. يلا أنا همشي، أشوفك مرة تانية.
طيب.. خليك نقعد شوية..
معلش يا چيچي مستعجل.. see you later.
وانسحب بينما هي تتمتم:
see you.
ومطت شفتيها بتعجب وصعدت حيث غرفتها..
خرج هو ليستقل السيارة فوقعت عيناه على الشرفة العلوية حيث تقف نسيم، فوقف يتأملها مأخوذًا بهيئتها الفاتنة الساحرة، حيث بدت كأميرة هاربة من العصر القديم.. ولكن ما أزعجه حقا أنها دخلت فور أن رأته بعد أن رمقته بلامبالاة طعنت كبريائه في مقتل، ليتنهد هو تنهيدة حارقة وهو يغمغم بثقة مفرطة:
معلش.. هي البدايات دايما كده. وأنا واثق إن النهايات غير.
***
كانت چوليا تستلقي على جانبها، تسند ذراعها أسفل رأسها، وتمسك بالهاتف، تتنقل بين صور اللعنة الأبدية التي حلت بحياتها ودمرتها، صوره بمفرده، وصورهما معا، وبين كل صورة والأخرى كانت تتذكر كل موقف وذكرى خاصة بها، ويذوب قلبها من وطأة حنان جارف مهلك أفقدها روحها وتركها تصارع الموت البطيء.
استمعت إلى صوت رنين جرس الباب، متزامنا مع رنين هاتفها باسم أمها، فنهضت من الفراش محاولةً تجاهل تلك الآلام التي كانت تفتك بها وتقدمت من الباب، فتحته لتتفاجأ بأمها التي تقف أمامها وعلى وجهها تبدو أمارات القلق وهي تقول:
چوليا حبيبتي قلقتيني عليكي..
عانقتها بقوة، فيما بقت جوليا تحدق أمامها بصدمة.
مالك يا حبيبتي، وشك تعبان ليه كده؟ انتي تعبانة ومخبية عليا؟!
قالت تلك الكلمات المتسائلة وهي تحمل حقيبتها وتدخل، فانتزعت چوليا صوتها بالقوة وأجابتها:
لأ.. أنا كويسة.. ليه مقولتيش انك جاية؟
طالعتها نادية بتعجب ولوم صريح وقالت؛
بجد؟! طيب شوفي الموبايل الأول وبعدين اتكلمي.
ابتسمت چوليا ابتسامة مضطربة وقالت:
سوري يا مامي.. الموبايل silent طول اليوم.
ولا يهمك يا حبيبتي.. المهم طمنيني عليكي.. مالك؟
ربتت چوليا على ذراعها وقالت:
متقلقيش يا مامي أنا كويسة، وحشاني جداا.
وانتي كمان يا حبيبتي، تعالي يلا أغير هدومي ونقعد نحكي مع بعض.. عندي كلام كتير عاوزة أتكلم معاكي فيه.
***
في المساء…
كان حسن يجلس على المقهى، لم يعد إلى البيت بعد ما حدث ولا يظن أنه سيكون خيارًا جيدًا إن فعل، فهو الآن كالطير المذبوح، يتنقل من هنا إلى هناك، محاولا التخفيف من وطأة الألم الذي يشعر به، يدخن السيجارة تلو الأخرى، والنرجيلة تلو الأخرى، وصورتها لاتزال أمام عينه.. لا تبارح خياله مهما فعل ومهما لجأ لحيل.
ارتفع رنين هاتفه مجددا، بعد مرات عديدة تجاهلها، فاضطر أخيرا للاجابة وقال:
أيوة..
وصلهُ صوت فيفي الغاضب حيث قالت:
خير يا حسن بيه من أولها؟! دي عاشر مرة أكلمك وإنت مطنشني! ده مكانش اتفاقنا على فكرة.
تنهد بضيق وقال:
معلش أنا كان عندي حاجات مهمة بعملها النهارده..
أهم من الشغل؟! اسمع يا حسن.. الشغل ميحبش الأعذار وأصل وفصل، انا ملتزمة مع ناس عارفين عني طول عمري إن كلمتي زي السيف، مش هتيجي انت في الآخر تعكها عليا وعليك. لازم تصحصح معايا شوية.
زفر باستياء وأردف:
ماشي..
أنا اتفقت مع البيه الكبير إنه يخليك انت في الداخلي الأول، لحد ما تاخد على الليلة وبعدين تشتغل في العمليات الكبيرة..
مش فاهم..
ديلر يا حسن..
ممم.. وانتوا شايفين بقا إني أنفع في الليلة دي؟
تنفع في كل حاجة يا حبيبي بس إنت ركز، هبعتلك دلوقتي شير لوكيشن.. قوللي انت جبت موبايل جديد الأول ولا لأ؟
لأ لسه..
لازم تشتري موبايل حديث النهارده ضروري، الشغل كله عن طريق اللوكيشن.. أقصد المكان اللي هتقابل الزباين فيه يعني.. ولحد ما تتصرف هبعتلك دلوقتي رقم واحد اسمه كريم، كريم ده هيجيلك دلوقتي تاخد منه الحاجة وهيديلك رقم شاب اسمه عمر، عمر ده ابن ناس جدا على فكرة وصحابه كلهم من عائلات مرموقة..
فأجابها ساخرا بضيق دفين:
حصل لنا الشرف.
هتكلم عمر ده وتقوله انك من طرفي هيقوللك ع العنوان اللي هتتقابلوا فيه، غالبا هو واصحابه بيسهروا في كافية في التجمع، هتتفق معاه ويجيلك تسلمه الحاجة اللي معاك من امبارح وتاخد الفلوس وتجيلي على الصالون. اتفقنا؟
تنهد باستسلام وقال:
اتفقنا..
وقبل أن تضيف كلمة أخرى كان قد أنهى المكالمة، وأخرج علبة سجائره وأخرج منها واحدةً وبدأ ينفث دخانها ومعه آلامه وطموحاته التي تحطمت كلها على صخرة خذلانها له.
***
كانت نغم تجلس بحديقة المطبخ، بعد أن هربت من غرفتها عندما شعرت بالاختناق والعجز، وبالرغم من أنها حاولت ألا تتذكر ما حدث اليوم إلا أنها لم تنجح، فكل الأحداث التي شهدتها اليوم تكالبت عليها وسعت للنيل منها.
تذكرت ما حدث في الصباح عندما رأتها نسيم وهي تخرج من غرفة فريد وكيف أخرجتها من الموقف ببساطة، فنهضت وقد قررت أن تصعد إلى غرفتها وتشكرها.
رأتها زينب التي كانت تشرف على إعداد طعام العشاء فقالت:
رايحة فين يا نغم؟
طالعة أوضة نسيم..
لا اعملي معروف.. انتي كل ما بتقولي رايحة لنسيم بتعملي كارثة..
عشان خاطري، دقيقتين بس ونازلة والله متقلقيش..
وفرت فورا من أمام زينب، صعدت حيث غرفة نسيم، طرقت الباب فسمحت نسيم بالدخول فدخلت.
تفاجأت نسيم بها، وأخذت تنظر إليها بتعجب وقالت:
اتفضلي؟!
تقدمت منها نغم بحرج وارتباك واضحين، ووقفت أمامها وهي تعبث بالخاتم في إصبعها بتوتر وقالت:
أنا آسفة لو عملتلك ازعاج، بس أنا جيت عشان أشكرك.
هزت نسيم رأسها متساءلة فقالت نغم:
لما قولتي لچيلان إني كنت عندك.
هزت رأسها متفهمةً وقالت:
آه.. وانتي مكنتيش عندي ولا حاجة.
أومأت نغم بحرج وقالت:
أيوة، كنت عند فريد بيه.
رأت نغم نظرتها المتعجبة، فتابعت سريعا لتصحح الأمر قبل أن تسيء فهمها وقالت:
كنت بطلب منه يساعدني في حاجة..
شعرت أن التعجب يزداد، والفضول يتفاقم، وسوء الفهم لازال لديه فرصة، فتنهدت باستسلام وقالت:
الحقيقة كنت عاوزة أخرج في مشوار ضروري وطلبت منه يوصلني.
هزت نسيم رأسها عندما رأت التوتر يلوح في عيني نغم وقالت:
اوكي، على العموم انتي مش مضطرة توضحي لي.
أنا عارفة، بس حبيت أقوللك عشان متفهميش غلط مش أكتر.. وعشان أشكرك إنك ساعدتيني في الموقف البايخ اللي اتحطيت فيه.. شكرا بجد.
ظهر الاقتناع على وجه نسيم، فهي حتى وإن لم تكن تعرفها أو تصدقها ولكنها تعرف أخاها وتثق به كثيرا، ثم ابتسمت ابتسامة لطيفة وقالت:
ولا يهمك. على العموم حصل خير.
أكدت نغم بإيماءة من رأسها، ثم تنهدت وقالت:
تمام.. عن اذنك.
اتفضلي.
خرجت نغم من غرفتها وهي تتنهد بارتياح كبير، فأشد ما تكرهه وتخشاه أن يُساء بها الظن، وها هي لم ولن تتعافى من اتهامات باطلة تلقتها كطعنات نافذة في وسط قلبها بخنجر مسموم، لا ينقصها شكوكَا واتهامات باطلة جديدة.
همت بنزول الدرج لتتفاجأ بفريد الذي كان يصعد متجها لغرفته، فاتسعت ابتسامتها لاإراديا حتى برز صفا أسنانها وقالت:
مساء الخير.
تفاجأ بها وبابتسامتها التي أسرت الراحة إلى قلبه وجعلته يبتسم بعفوية مثلها وقال:
مساء النور. جاية منين كده؟
كنت عند نسيم بشكرها على وقفتها جنبي النهارده الصبح.
هز رأسه متفهمًا وقال:
كويس..
هزت رأسها بحماس وقالت وهي تكمل طريقها للأسفل:
أشوفك ع العشا.
أومأ بتمهل وزم شفتيه في شبه ابتسامة وقال:
أشوفك ع العشا.
وأكمل طريقه إلى غرفته، دخل واتجه فورا نحو الحمام، أخذ حماما مضاعفا وخرج، ووقف ينتقي ملابس مريحة تناسب الفترة الوجيزة ما قبل النوم ، لتقع عيناه على اللوحة التي رسمها صباحا لنغم، فأمسكها وأخذ ينظر إليها بتركيز، ومرت يده على تلك الشفتين اللتين برع في رسمهما وصب كل تركيزه عليهما، ثم تحمحم سريعا وهو يصرف انتباهه عما جال بخاطره، ليجد نفسه مسلوب الإرادة يتحرك نحو الفراش، ثم التقط حاسوبه، وفتحه، فتح مدونته الإلكترونية، ثم بدأ بكتابة شيئ ما يراوده.
” أذكر أنني كنت منيعا ضد كل شيء، ضد الحب، والآمال والآلام كذلك، لأول مرة أكون منغمسا بكل وجداني في شيء، فيكِ أنتِ. ”
رواية محسنين الغرام الفصل العشرون 20 - بقلم نعمة حسن
رواية محسنين الغرام الفصل العشرون 20 - بقلم نعمة حسن
ـ ٢٠ ـ
~ بعد فوات الأوان ! ~
ـــــــــــــــــــــــ
تجلس نادية بشرفة الغرفة وهي تحمل ألبوم صور يحمل ذكريات بناتها وهما لا تزالان صغيرتين ، وتتذكر كل ذكرى تتعلق بكل صورة، حيث أن تلك الفترة من عمرهما ليس لها أن تنساها أبدًا، فهي تعتبر الفترة الوحيدة الجميلة بحياتها وحياة بناتها، حيث غادرت بعدها الإمارات وانتقلت إلى مصر وتزوجت سالم بعدها مباشرةً.
تنهدت تنهيدة طويلة محملة بأعباء الذكريات التي ظنت أنها نستها للأبد ولكنها كانت مخطئة، فبعض الذكريات تبقى محفورة بأعماق قلبنا حتى إذا ما حركتها رياح الألم تثور وتظهر للعلن من جديد.
رأت صورة، أضحكتها كثيرا حتى أدمعت عيناها، حيث كانت چوليا معلقة من ملابسها على جذع شجرة قصيرة كانت أمام باب منزلهم ، ووالدها يقف بجوارها ممسكًا بقدميها ويبتسم، والأخرى تضحك بحبور.
تذكرت نادية ذكرى ذلك اليوم وظلت تضحك إلى أن تجمعت العبرات بعينيها، فخلعت نظارتها الطبية ومسحت عينيها وهي تترحم على زوجها السابق عبدالعزيز ، ثم نهضت لكي تتجه إلى غرفة چوليا لكي تُريها الصورة، وبينما هي بصدد دخول الغرفة رأت چوليا وهي تتناول أقراصًا ما، وشربت خلفها كأسا من الماء، فتساءلت باستغراب قائلة:
ـ چوليا، انتي بتاخدي علاج لإيه ؟! انتي روحتي لدكتور أصلا ؟!
بدا الارتباك جليًا عليها، فأسرعت بغلق دُرج الكومود وهي تقول مشيحةً بوجهها بتوتر:
ـ ده مسكن بس.. أصلي صاحية مصدعة .
لم تقتنع نادية بما قالته، فتقدمت منها ووقفت أمامها وهي تنظر إلى توترها بتفحص، وهمت بفتح الدُرج ولكن چوليا حاولت منعها بأن أمسكت بيدها وهي تقول:
ـ متشغليش بالك يا مامي أنا كويسة صدقيني.
هي بالأساس تشك بالأمر منذ وصولها بالأمس، ووجه ابنتها الشاحب وحركتها البطيئة المرهقة أخبراها أنها تمر بوعكة شديدة ولكن الأخرى تصر على أنها بخير، ولكن الآن هناك شيئا ما عليها معرفته.. ربما تكون چوليا مريضة بمرضٍ ما وتخفي الأمر عنها.
أبعدت يد چوليا بإصرار وفتحت الدُرج، وأخرجت منه كيسًا بلاستيكيًا يكتظ بصنوف الأدوية والأقراص ، فنظرت إليها بصدمة وهي تقول بهلع:
ـ إيه كل ده ؟! إنتي فيكي إيه بالظبط ؟!
كانت چوليا قد بدأت بالبكاء تلقائيا وهي تراقب معالم وجه أمها التي جلست بجوارها على الفراش وبدأت بتفحص أسماء الأدوية، ومن ثم قراءة النشرة الداخلية لكل دواء، وببطء بدأت الصدمة تزحف إلى وجهها وتحوله من الهدوء إلى الاضطراب ومن الاضطراب إلى الذهول !
وأخذت تقرأ ما هو مكتوب أمامها بصوت عال نسبيا بغير تصديق وهي تقول:
ـ يُستخدم للمساعدة في تنظيف الرحم بعد الولادة أو الإسقاط !!
وأخذت ترمش عدة مرات بغير تصديق، ثم حركت نظراتها بهدوء من على الدواء بيدها إلى ابنتها التي تجلس أمامها تبكي بصمت والخوف يتأجج في عينيها بوضوح، وهو ما أكد لها أن ما تقرأه صحيح فعلا ولا مجال لسوء الفهم أو اللَبس.
ـ انتِ.. انتِ كنتي حامل ؟!!
تساءلت نادية ليس بذهول، بل بشعور لا يمكن وصفه، أشد من الذهول مرات ومرات.. ثم ابتلعت ريقها بارتباك وسألتها مجددا:
ـ البرشام ده متاخدوش غير واحدة كانت حامل وولدت أو أجهضت، انتِ كنتي حامل ؟!
ابتلعت جوليا ريقها بخوف، وهي تحاول إيجاد صوتها في خضم المشاعر السيئة التي تراودها الآن، ثم تكلمت بصوت مضطرب وقالت:
ـ مامي.. أنا هفهمك كل حاجة .
اتسعت عينا نادية بصدمة، ورددت بغير تصديق:
ـ تفهميني؟ تفهميني إيه ؟!
وبغتةً أطبقت بقبضتها على شعرها وجذبته للخلف بقوة وهي تقترب منها وتقول بصوت هادر:
ـ تفهميني إيه يخرب بيتك !! تفهميني إنك كنتي حامل وسقطتي؟! إزاي !! إزاي ده حصل ؟! وإمتا؟ ومع مين !!
بدأت چوليا بالبكاء بقوة وأخرجت كل ما كانت تكتمه من فترة طويلة، فصرخت بها أمها قائلةً بانفعال :
ـ انتِ بتعيطي ؟! مش وقت عياطك ده دلوقتي اتكلمي بدل ما أموتك بايديا، الحمل ده حصل ازاي !! ومن مين ؟! احكيلي كل حاجه بدل ما أقسم بالله أهد الدنيا فوق دماغك دلوقتي حالا..
كانت الأخرى ترتجف، وأسنانها تصتك ببعضها من فرط الخوف والارتباك، وأمام انفعال والدتها عرفت أنه لا مجال للهرب أو الكذب، عليها أن تحكي كل شيء بوضوح .
ـ أنا.. أنا كنت متجوزة .
ألقت الصدمة التي وقعت كالقنبلة على مسامع أمها وجعلتها تنظر إليها للحظات طويلة بدون تعابير ظاهرة، ثم تساءلت وكأنها لم تفهم ما قالته ابنتها:
ـ متجوزة إزاي يعني ؟! يعني إيه متجوزة ؟!!
أغمضت جوليا عينيها فتساقطت كل الدموع المتراكمة بداخلهما وقالت بصوت خافت :
ـ عرفي !
ارتفع حاجبيها.. وأخذت نفسًا قصيرا، ثم تساءلت بترقب وتحفز:
ـ من مين ؟!
تردد صدى السؤال في قلبها بعد أن أرسل بداخله موجة من الألم والمعاناة جعلتها تجهش ببكاءٍ قاسٍ وهي تجيب :
ـ شريف .
رأت معالم الصدمة تتجلى على وجهها، صدمة حبست الدموع بعينيها وخطفت الدماء من وجهها، صدمة عنيفة تركت طابع القهر على نظراتها التي أخذت تطالعها بها وهي تقول بشبه انهيار:
ـ شريف ؟!
أومأت چوليا بأسى ، هي لم تخبر أمها يومًا على مدار العشر سنوات شيئا عن علاقتها بشريف، فقط چيلان هي من تعرف أنهما مرتبطان.. حتى أنها لم تخبر چيلان أنهما متزوجان ، لأنها في قرارة نفسها لم تكن مقتنعة بما يسمى عقدا عرفيا، ولكن بناءً على رغبة شريف أخفت الأمر بالكامل عن أمها، ولم تفكر في إخبارها يومًا أنها على علاقة بشريف. واستغلت الحرية المطلقة التي تتمتع بها في تسيير علاقتها به كما يحلو لها دون الاهتمام بوجود رقيب على أفعالها أو رادع لها .
شقت الدموع سبيلها إلى خد نادية التي ظلت صامدة صامتة للحظات، ثم فجأة وبدون مقدمات صفعت خدها صفعة هي الأولى في تاريخهما سويا كأم وابنتها ..
تلقت چوليا الصفعة بصمت وبرحابة صدر، هي تعرف أنها تستحق القتل وليس الصفع، تعرف أنها تستحق أن يُنزل بها أشد العقاب والآلام جراء فعلتها التي تفتقر إلى الضمير والأخلاق والشرف. وأيضًا تعرف أن تلك الصفعة نقطة في بحر ما ستواجهه بعد قليل.
ـ شريف ؟! طب إزاي ؟! إنتِ وهو متجوزين عرفي ؟! طب ليه ؟! ليه عرفي ؟! ليه مجاش طلبك مني لما هو بيحبك !!
ـ مش بيحبني.
قالتها چوليا واعترفت بالأمر الواقع أخيرا، حتى لو كذبت على نفسها أعوامًا عديدة ولكن أوان الكذب قد ولّى ، هي الآن مجبرة أن تتعرى من كل شيء زائف، وأن تنزع الأمر برمته عن كاهلها وتلقيه أرضًا..
بينما نادية لم تتجاوز الكلمة بعد ، وظلت تنظر إليها باستفهام وهي تقول:
ـ يعني إيه مش بيحبك ؟! اومال متجوزين ليه ؟!
مسحت الأخرى دموعها وابتلعت معها شعورا بالذل والهوان والخزي وهي تقول:
ـ أنا كنت فاكره إنه بيحبني زي ما أنا بحبه، بس هو قاللي إنه بيحب واحدة تانية.
صدمتها مجددا ! وآلمتها بقدر ما رأت هي الألم بعينيها وهي تقر بحقيقة الأمر أمامها بانكسار. فصمتت وأخذت تنظر أمامها بشرود وهي تبكي بصمت وتحارب لفيفًا من الأسئلة التي تعج برأسها، لا تدري بأي منهم ستبدأ أولا !
هل ستسأل عن هذه الأخرى الذي يحبها ؟!
أم عن مدة زواجهما إن صح أن تسميه زواجًا ؟!
أم عن سبب إخفائها الأمر عليها ؟!
أم عن مدة علاقتهما ، وكيف بدأت وإلى أين وصلت ؟!
ولكن ابنتها أعفتها من كل تلك الأسئلة وبدأت هي بالحديث الذي شرح كل شيء ولم يترك لديها علامات استفهام .
ـ أنا وشريف مع بعض من عشر سنين ، كنت وقتها طفلة طايشة بادئة أمر بفترة مراهقة .. وهو وقتها كان بيزورنا كتير مع خالو.. بدأت أتعلق بيه، وواحدة واحدة حسيت اني بحبه، بدأ يبقا في بينا كلام وبعدها حبينا بعض، أو .. أنا اللي حبيته.. هو محبنيش ، كان موهوم إنه بيحبني، بس الحقيقة إنه كان بيقضي وقت لذيذ وخلاص.. هو بنفسه قاللي كده، أنا اتعلقت بيه جدا.. لدرجة إنه لو كان بيزعل أو يخاصمني كان بيبقا عندي استعداد أعمل أي حاجه يطلبها مني المهم يسامحني، كنت بنفذ كل طلباته من غير حتى ما افكر اللي بعمله ده صح أو غلط، كنت ماشية وراه زي العامية.. مغمضة عنيا ومسلمة له روحي.. أنا بحبه يا مامي.. بحبه بطريقة مش طبيعية، أنا فعلا متأكدة إن أنا مش طبيعية، أنا محتاجة أتعالج، محتاجه أتعالج من شريف وأخرجه من جوايا.
دخلت في نوبة بكاء استمرت لدقيقتين تقريبا، كانت تود أن ترتمي بحضن أمها، أن تجد ملاذها الضائع على صدرها، أن تجد تربيتة من يدها على قلبها المكلوم المغدور ، ولكنها لم تجد سوى الجفاء ، بردًا ، صقيعًا جمد روحها ونال منها.
ـ أنا عارفة إني غلطانة، أكيد مفيش أي مبرر للي عملته، وعارفة إني مليش حق أطلب منك تساعديني لأني خبيت عليكي من البداية، بس دي كانت رغبته هو، هو كان رافض إني أعرف حد عن علاقتنا، وخصوصا انتي، چيلان تعرف إننا مع بعض بس متعرفش اننا متجوزين!
ـ متجوزين ؟! … تساءلت نادية باستهجان بالغ وتابعت: هو انتي بتسمي ده جواز ؟! انتي للدرجة دي غبية ؟! الورقة اللي معاكي تبليها وتشربي ميتها، ولا ليها أي لزمة.
وأخذت تقلب كفيها بغير تصديق وهي تسأل نفسها وتقول:
ـ أنا مش فاهمة إزاي قدرتي تخدعيني السنين اللي فاتت دي كلها !! عشر سنين وأنا مش حاسة بحاجة ؟! للدرجة دي أنا كنت بعيدة عنك ؟!
ثم همست بألم، وشعرت بتأنيب الضمير يغزو قلبها، وتساءلت:
ـ للدرجة دي أنا أم فاشلة !!
واستطردت وهي تُلقي اللوم على نفسها وتتساءل باستغراب :
ـ معقول سالم كان معاه حق لما قال اني معرفتش أربي ولا أكون أم !!
طالعتها چوليا بصمت لم يخلُ من نحيبهما، وكانت كلا منهما تفكر في شيئٍ مختلف ، چوليا تفكر في رد فعل والدتها بعد ذلك الصمت، ترى ماذا سيكون، ونادية تفكر في رد فعل سالم إذا وصله الخبر، بالتأكيد لن يتوانى عن الإثبات لها كم أنها فاشلة ، وكيف أنه كان محقًا منذ البداية في الحكم عليها كأم ، وظل الصمت يجوب بينهما إلى أن تحدثت نادية وقالت بحزمٍ فاتر:
ـ يومين وهننزل مصر، أول ما تقدري تشمي نفسك وتقفي على رجليكي.. أنا مش هقدر أسيبك هنا لوحدك تاني وفي نفس الوقت مش هقدر أسيب چيلان وعمر..
و نهضت باستسلام وهي تقول:
ـ وممنوع منعا باتا إنك تحكي أي حاجه لأي حد وخصوصا نسيم. انتِ فاهمة !!
ـ حاضر .
ـ ولا حتى چيلان.. وأكيد عمر لأ.. الموضوع ده تنسيه تماما وأنا هتصرف فيه.
تنهدت چوليا ثم هزت رأسها بموافقة ، فغادرت نادية الغرفة وهي تجر أذيال الخيبة، دخلت غرفتها وأغلقت الباب، فتهاوى ثباتها كله وسقط ذلك الجمود عن ملامحها.. سقط عنها كل شيء، الجمود والتماسك والصبر، والشيء الوحيد الذي بقي هو الهم الجاثم على صدرها.
الآن .. ولأول مرة تعض بنان الندم على كل لحظة كان همها الشاغل فيها هو سالم وحياتها معه، ونست تماما أن لديها وردتان ترجوان السقيا والاهتمام ، وردتان ترغبان في الحنان والرعاية والاهتمام والمتابعة.
شعرت بالخجل من نفسها، بالإحباط والانزعاج لأنها لم تجعل بناتها نصب عينيها، واكتفت بإلقاء النصائح من على بعد أميال، ولم تهتم حتى بمتابعة تطبيقهما لها من عدمه.
شعرت بالعار وظلت تجلد ذاتها ، لو أنها فقط أعطت بناتها نصف الوقت الذي منحته لسالم، لو أنها فكرت فيهما وفي مستقبلهما ، واهتمت بهمت بقدر ما اهتمت بالحفاظ على حياتها مع سالم ، لو أنها أولتهما جزءًا من اهتمامها بقدر ما اهتمت بمحاصرة سالم والتفكير في الاستيلاء على مشاعره واهتمامه.. لما آلت أحوال بناتها إلى ذلك المآل المُخزي . لكانت استوعبت أن بناتها بحاجتها، لكانت اكتشفت أن هناك خطأً ما يحتاج للإصلاح ، لكانت فعلت الكثير من أجلهما، ولكن للأسف تبقى كل هذه آمال لن تتحقق لأن الأوان قد فات.
***
كانت عائشة تجلس في انتظار حسن وهي تهز قدميها بتوتر، وبداخلها تتوعده أشد الوعيد ، وما إن رأت الباب ينفرج حتى نهضت وهتفت بانفعال:
ـ وبعدهالك يا حسن ؟! كل يوم هترجع وش الصبح ؟! إنت كنت فين طول الليلة اللي فاتت ؟
نظر إليها حسن وقال بانشغال:
ـ معلش ياما، متقلقيش عليا أنا كويس..
ـ لأ إنت مش كويس يا حسن، في حاجه شغلاك والحاجة دي لازم تقولهالي حالا.
ظلت تتفرس في ملامحه المهمومة ، وظهر الحزن جليًا في عينيه، حتى أنها رأت دمعات بائسة تتراقص في مقلتيه، فنظرت إليه بقلق واقتربت منه وهي تقول:
ـ حسن.. مالك يبني، حصل إيه مخبيه عليا ، إتكلم يبني.
ابتلع ريقه وزفر بقوة، ثم أطبق شفتيه راغبًا في الصمت، فتساءلت بخوف:
ـ عرفت حاجة عن نغم ؟!
واتسعت عيناها بلهفة وهي تقول:
ـ. نغم جرالها حاجة ؟!
ابتسم ابتسامة قصيرة متهكمة، ثم تحولت إلى قهقهات عالية ، وفي نفس اللحظة خانته دمعاته، فمسحها وهو يردد باستهجان:
ـ نغم ؟!
وضحك بقوة أكبر فنظرت إليه متعجبةً وتساءلت بقلق أشد:
ـ بتضحك على إيه يا حسن ؟! مالها نغم ؟!
ـ نغم إيه بقا .. قولي نغم هانم.. البرنسيسة نغم.. إنما نغم حاف كده مينفعش.
ـ تقصد إيه ؟! إنت شُفتها ؟!
أومأ وهو ينظر إليها والحسرة تسكن عينيه وقال بنبرة مريرة:
ـ ويا ريتني ما شُفتها، يا ريتني ما كنت عرفت عنها حاجة، يا ريتني فضلت أدور عليها وأنا فاكر إني ظالمها وجاي عليها..
تهدجت أنفاسها بخوف، واقتربت منه أكثر وعيناها تلمعان بشوق وهي تقول:
ـ هي فين؟ شفتها فين؟ ومجبتهاش معاك ليه ؟!!!
أطلق زفرة ساخرة وتابع :
ـ مرضيتش الهانم، رفضت ترجع معايا وراحت مع البيه اللي هي مرافقاه عيني عينك كده وبكل بجاحة وعين قوية، مسكت ايديه ومشيت معاه قدامي ولا كأني طرطور واقف، نغم باعتنا وباعت نفسها .
واستدار ليتجه نحو باب غرفته، ثم أكمل بمرارة :
ـ بس الحق يتقال الصرف واضح، بقت حاجة كده شبه اللي بيطلعوا في التلفزيون ، لبس وشياكة وحاجة آخر ألاجة، واضح إن التمن اللي دفعته يستاهل العز والنغنغة اللي بقت فيهم.
ـ لأ.. هدر صوتها بقوة وتابعت بانهزام: متتكلمش عنها كده، نغم مش من دول أبدا.. دي بنتي وأنا عارفاها كويس.
اشتعل الغضب بعينيه وبات يحدجها بنظرات متأججة بنيران اليأس والخذلان وهو يقول بحدة:
ـ والنبي ياما تفوقي انتي كمان من الوهم اللي انتِ عايشة فيه ده، نغم لا هي بنتك ولا تعرفيها كويس، نغم ادتنا كلنا على قفانا ومش أي قفا.. لا .. ده قفا معتبر.. بس وديني وما أعبد .. ما هبلعها بالساكت.. نغم دي بتاعتي وليا حق فيها ، وحقي هاخده حتى لو كانت مع ابن الشيطان نفسه مش مع ابن مرسال.
شهقت شهقة فزع، شهقة أشبه بخروج الروح من الجسد.. وظلت عيناها مثبتتان عليه وكأنه ألقى عليها تعويذة مميتة.
أخذ يحدق فيها باستغراب.. ترى أيًا مما قاله هو ما الذي أثار الرعب بقلبها وجعل عيناها تجحظان هكذا !
ـ فيه إيه مالِك ؟ جرالِك إيه ياما ؟!
ابتلعت الصدمة بصعوبة، وخرج صوتها كصوت الطير المذبوح عند آخر رمق :
ـ انت بتقول مين ؟!
تنهد وهو يتابع باستغراب:
ـ الواد الجِلف ده اللي مشيت معاه، قال بيخوفني باسمه وبيقوللي متعرفش فريد مرسال يقدر يعمل فيك إيه !! أقسم بالله لو كان الجن الأزرق نفسه ما هياخدها مني .
تسمرت عيناها عليه، وطفقت الدموع تنهار على خديها بصمت، وفجأة.. وبدون مقدمات.. هوت أرضًا أمام عينيه وارتطم جسدها النحيل بالأرض بقوة.
صُعق حسن من فرط الصدمة وأخذ يحدق فيها مذهولا، ثم انحنى فجأة وأخذ يهزها برفق وهو يقول:
ـ ياما.. يا أم حسن.. ياما فوقي و ردي عليا ..
وقف يحدق بها وهو لا يعرف ما الذي عليه فعله، لأول مرة يواجه موقفا كهذا، ولأول مرة يقف عاجزًا لا يجد ما يفعله لها
انحنى مجددا وحملها بين ذراعيه ثم أسرع يضعها على فراشها وأخذ يدور حول نفسه بحيرة، لا يعرف كيف سيسعفها، ولكنه سبق ورأى في الأفلام والمسلسلات أنهم يستخدمون العطر في إفاقة فاقدي الوعي، لذا ركض إلى غرفته.. التقط زجاجة عطره ودخل إلى غرفتها مجددا . رش منها على راحة يده ثم مررها أمام أنفها.. لحظات وبدأت الخلايا الشمية بأنفها بالاستجابة لرائحة العطر، وأرسلت إشاراتها إلى المخ فنبهته، فبدأت تفتح عينيها ببطء.
تنهد هو براحة وقد بدأ قلقه وخوفه بالتلاشي شيئا فشيئا ، وأخذ يطالعها بقلق وهو يقول:
ـ جرالك إيه ياما فجأة قلقتيني عليكي
فريد مرسال.. الاسم ظل يتردد صداه بعقلها وقلبها، إنه ابن سالم الأكبر، هذه ليست صدفة بالتأكيد.. مستحيل أن تكون صدفة، هذا الرجل ابن سالم.. وشقيق ابنها.. تعرفه جيدا وتحفظ اسمه فهي لطالما ترقبت أخباره واسمه الذي تصدر الصحف والشاشات متباهين ومتفاخرين بأعماله ونجاحاته اعتزازا بلقب رجل الخير .. ولكن.. كيف وصلت إليه نغم ؟! مستحيل أيضا أن تكون هذه صدفة ، لا بد أنها علمت بحقيقة الأمر بطريقةٍ ما، لذا ذهبت إليه..
لا.. كل هذه افتراضات من محض خيالها، الأمر مختلف، هناك حلقة مفقودة هي لا تعرفها، وتلك الحلقة المفقودة أساس الموضوع كله.. تلك الحلقة.. مفتاحها هو نغم. نغم وحدها.
ـ بردو هتسرحي تاني؟! يا ست اتكلمي.. مالك فيكي إيه ؟! كل ده عشانها ؟!
يبدو أن هذا هو السبب فعلا.. أمه فقدت وعيها لأنها صُدمت من فعل ما كانت تحسبها ابنتها .. هذه الصدمة كفيلة بأن تجعلها تفقد عقلها وليس وعيها فقط .
أمسك بيدها وربت عليها، ثم انحنى وقبلها وهو يقول بصوت حنون لا يستخدمه سوى معها ـ نادرًا ـ
ـ حقك عليا أنا، صدمتك في نغم متقلش عن صدمتي فيها، أنا عارف هي بالنسبة لك إيه، وانتي عارفة هي بالنسبة لي إيه ، بس خلاص.. هي اختارت.. أنا عملت اللي عليا كله معاها من الأول للآخر والحمدلله إن ده حصل عشان أعرف تمامها، خلاص.. هي تمامها فلوس.. تشرب بقا.
بيد أن كل ما قاله كان ينهال على قلبها بسوطٍ لاذع ولكنها لم تستطع ردعه أو نهيه، فما يشغل بالها الآن أمر وأقسى من صدمته في نغم ومن اتهامها بتلك الاتهامات.. ما يشغل بالها ماضٍ مظلم، مليء بالويلات وخيبات الأمل ، والكل طرف فيه لا محالة ، الجميع محاطون بهذا الجحيم، والجميع ستطالهم نيرانه شاءوا أم أبوا .
نهض لما رأى صمتها قد طال، وتركها تنفرد بخيالها وتواجه صدمتها بمفردها، فهذا أقصى ما يمكنه فعله..
وخرج من الغرفة، دخل إلى غرفته وغير ملابسه وخرج، اتجه في طريقه إلى البنك.. سيسحب المبلغ الذي ادخره سابقا ، فبعد أن كان يفكر ماذا سيهدي نغم وماذا سيشتري لها أصبح الآن عليه أن يفكر في نفسه فقط..
ولا مانع من أن يجعلها تتحسر على ما فاتها وما أضاعته بطمعها.. سيجعلها تعود إليه مرغمةً، تطلب الصفح والغفران ، تطلب أن تعود إلى حضن عائلتها الصغيرة مجددا بعد أن يفرغ منها هذا الأنيق الغني ويلقي بها إلى الشارع كالخرقة البالية، وحينها لن يرحب بها مجددا. هذا وعدًا منه لنفسه
لذا ستسير الخطة كالآتي.. سيستأجر بيتا في منطقة راقية، بالطبع لن تكون في نفس مستوى رقي تلك المنطقة التي يقطنها المدعو فريد مرسال ، ولكن على الأقل ستكون أرقى من ذلك المستنقع الذين يعيشون به بمراحل عديدة.
وبعد أن يستأجر ذلك البيت ويقوم بدفع أول دفعات من الإيجار سيذهب للتبضع بما تبقى معه من مال، سيشتري له ولوالدته ثيابا جديدة، سيخلعون ثوب الفقر إلى الأبد، سيحقق ما كانت تتمناه نغم ولكن بدونها، نكايةً فيها وتَشَفّيًا بها.
سيجلس ويضع ساقًا فوق الأخرى في انتظار عودتها ، يعلم أن تلك العودة سيحين أجلها لا محالة، سينتظرها هو بفارغ الصبر حتى إذا ما حانت وعادت إليه نغم صاغرةً تجر خلفها أذيال الخيبة والهوان على ما صار بها.. سيحاسبها بعنف وينتهز لحظة ضعفها، لن يكون رحيما بها ولن تأخذه بها شفقة أو عطفًا ، يثق أنه سيتمكن من نزعها وبكل قوه من داخله، وسيخبرها حينها وبكل بساطة أن الأوان قد فات .
***
خرجت نغم من غرفتها باكرًا، توجهت نحو الأرجوحة التي باتت ملاذها الآمن الذي تلجأ إليه حين تشعر بأنها لا تجد مكانًا تذهب إليه، وما يشعرها بالراحة أكثر تجاه تلك الأرجوحة أنها تعتبر مهجورة، لم ترَ أيًا من الأشباح الذين يعيشون في هذا البيت يقترب منها أبدا..
تلك الأرجوحة شكلت بالنسبة لها مخبأ أسرار، مرسى هموم ، شيئا من هذا القبيل.. والأهم من هذا وذاك هو شعور لا تعرف كيفية تفسيره .
جلست فوق الأرجوحة وأخذت تحرك قدميها جيئة وذهابًا بخفة، وهي تتذكر وتسترجع ما أخبرها به فريد ، ستطبق كل النصائح التي نصحها بها ولن تتهاون في أبسط حق من حقوقها مجددا.
شردت في المكان من أمامها، هذا البيت لو رأته سابقا كانت لتتمنى العيش به، ولكنها الآن ترغب في الخروج منه والعودة إلى حضن خالتها، أمها التي لا تعرف أمًا غيرها .
ذات يوم كان أقصى طموحها أن تصبح السيدة نغم ، وأن يتهافت الجميع لخدمتها ، كانت تحلم أن تملك الملابس والحقائب والأحذية التي تملكها الآن، كانت تحلم أن تجلس على مائدة كالتي تجلس عليها الآن، لا تنفي أنها كانت تحلم أن تجرب كيف تكون الحياة المرفهة الرغيدة، والآن لقد حققت أغلب أمنياتها ولكنها لازالت لا تجد السعادة فيها .
وهذا ما جعلها تتساءل.. أين وكيف ومتى ستحصل على السعادة؟
طالما أنها افتقدتها وهي معدمة بين أحضان خالتها، وافتقدتها وهي مرفهة في كنف أناس لا تعرفهم !! أين السعادة إذًا !؟
رأته يطل عليها من نافذة غرفته، فابتسمت.. وبعفوية شديدة لوحت له بذراعها وابتسامتها تصل من الأذن للأذن فتفاجأت به يلوح لها بدوره.
شعرت بالسعادة تغمرها.. هي حقا سعيدة جدا حتى أنها نست كل ما آلمها في الأيام الماضية. سعيدة لمجرد أنه لوّح لها بيده.
هل بكل بساطة هذه السعادة التي تبحث عنها ؟! هل السعادة أصبحت تتمثل الآن فيه هو ؟! وإحساسها بالسعادة أصبح منحصرًا فيه هو ؟!
غالبًا الإجابة نعم. لأنها منذ أتت إلى هذا البيت لم تضحك أو تبتسم ابتسامة صادقة نابعة من القلب إلا له هو فقط.
ولم تشعر بالأمان إلا في حضرته هو، بالرغم من أن كل المواقف التي جمعتهما كانت مواقف يندى لها الجبين ولكن بالرغم من ذلك كانت تشعر أنها محاطة بالأمان من كل جانب، كان قلبها مطمئنا لأنها معه..
رأته يقترب منها، يا إلهي .. هذا الرجل وسيم لدرجة ضاغطة..
نهضت فقال وهو يدنو منها:
ـ وقفتي ليه، اتفضلي اقعدي.
جلست مجددا فقال مبتسما وهو ينظر إلى الأرجوحة:
ـ واضح إنك بتلاقي نفسك هنا.
صحيح.. هذا هو التعبير الذي كانت تبحث عنه، إنها تجد نفسها فعلا هنا. هذا الرجل وسيم ، وقاريء أفكار جيد .
أومأت بابتسامة وقالت:
ـ أيوة.. خصوصا إن محدش بيقعد هنا .. حسيتها مهجورة .. مع إنها حلوة جدا.
ونظرت إلى المظلة فوقها وقالت بابتسامة عفوية:
ـ وأحلى ما فيها الشمسية اللي فوقها دي .
ابتسامتها جعلته تبتسم تلقائيا، تلك الفتاة في كل مرة تحطم ثباته وتجبره على الابتسام.. لقد بدأ يلاحظ ذلك الشيء مرات عديدة..
أومأ وهو يتفحص عيناها الباسمتان وقال بهدوء:
ـ صحيح..
وتابع بنبرته الدافئة:
ـ على فكرة.. المرجيحة دي كانت معمولة مخصوص لأمي الله يرحمها .. وما زالت موجودة في مكانها هنا تذكار .
نظرت إليه بتفاجؤ بينما استرسل هو قائلا:
ـ عشان كده محدش بيجي ناحيتها نهائي .
حدجها ببعض النظرات التي صعُب عليها فهمها، فنهضت مجددا وهي تقول بارتباك :
ـ أنا آسفة والله، مكنتش أعرف إن محدش بيقعد هنا .
قاطعها هو مبتسمًا ابتسامة عريضة وسيمة، انكمش لها جانبيّ عينيه ، حولتهُ إلى رجل لم يستوعبه قلبها، ولم تستوعبه نظراتها بسرعة كافية، رجلٌ لم ترهُ من قبل، يصعب عليها أن لا تقع في حبه. وأفاقت من شرودها به إذ قال بصوتٍ أجش:
ـ فعلا محدش بيقعد هنا، ممنوع.. بس انتي الوحيدة اللي مسموح لها من هنا ورايح تقعد هنا، انتِ استثناء !
اضطرب قلبها ، وانزلق ريقها بتوتر ، وانقبضت عضلات بطنها بارتباك، فتجاوز هو كل ذلك التخبط الواضح من نظراتها واحمرار وجهها وقال ومد يده إليها بشيئ ما :
ـ اتفضلي، ده رقمك الجديد.
تنهدت بهدوء وقالت وهي تمد يدها وتأخذه:
ـ أنا متشكرة جدا. مكانش ليه لزوم تتعب نفسك.
ـ تعبك راحة. وعلى فكرة أنا سيڤت رقمك عندي، وسيڤت لك رقمي كمان عشان لو احتاجتي أي حاجه تبعتيلي مسدچ.
أومأت بابتسامة خجلة وقالت:
ـ شكرا.. ربنا يخليك.
تنهد مطولا، من المفترض أن الحوار قد انتهى، إذًا فعليه العودة إلى غرفته، ولكنه يقف أمامها مسلوب الإرادة، يكون أمامها مجبرًا على الوقوف دون حراك.. كل ما يرغب فيه هو البقاء بجوارها وتأمل عينيها فقط.
ولم يكن يعرف أنها تبادله نفس الشعور، فهي أيضًا تتمنى لو أنه ظل برفقتها لفترة أطول، حينها ستصبح أكثر من سعيدة ، فتولت هي دفة الحديث وقالت متسائلة بفضول:
ـ و ليه نسيم هي كمان ممنوعة من انها تقرب من المرجيحة ؟! مش نسيم أختك ؟! أقصد أختك من الأم كمان !!
ضحك ضحكة بسيطة وقال:
ـ واضح إنك بدأتي تجمعي معلومات عن العيلة الكريمة ..
ابتسمت بحرج وقالت بقليل من المرح:
ـ قصدك العيلة العجيبة مش الكريمة.
أخذ يضحك ومال برأسه إلى الوراء، واهتز كتفاه من الضحك، وفي هذه اللحظة كل ما استطاعت التركيز عليه، والتفكير فيه، والاكتراث له هو ضحكته اللامعة غير المتوقعة .
انخرطت في الأمر لدرجة أنها تمنت لو أنها تلتقط صورة له وهو يضحك وتوثق ذلك الحدث الفريد من رجل أشد تفردًا ، لكي تستطيع أن تهيم في صورته وهو يضحك وقتما شاءت.
وقبل أن تفيق من تأثير هذه الابتسامة النادرة وجدته يحمحم ويقول:
ـ معاكي حق، احنا عيلة عجيبة فعلا.. و آه نسيم أختي من أمي..
أومأت وقالت بنهر فضولٍ جارٍ لا ينضب:
ـ بس هي ليه دايما حزينة وساكتة وفي حالها كده !! چيلان وچوليا مع إنهم بنات مرات أبوك بس واخدين راحتهم جدا، وبيخرجوا ويروحوا وييجوا.. ليه نسيم مش زيهم مع إنها أحق منهم بده !
تنهد باستياء وأردف بإيجاز:
ـ نسيم ليها ظروف خاصة شوية.
أومأت بموافقة ثم قالت وهي تمسد شعرها وتتصنع عدم الاكتراث بالرغم من أن الفضول يلح عليها للتساؤل :
ـ هو ليه والدك شديد مع الكل كده ؟! حتى مع نسيم . من يوم ما جيت هنا مشوفتوش بيتكلم معاها أو بيهزروا سوا.
وأخفضت عينيها وهي تعيد خصلة من شعرها إلى وراء أذنها وقالت:
ـ لا هي ولا غيرها يعني .
أومأ مبتسمًا وهو يدس يديه بجيبي بنطاله ثم تنهد وقال:
ـ معاكي حق، تقدري تقولي المعاملة بينا هنا رسمية شوية..
هزت رأسها مؤيدةً ثم قالت بتردد:
ـ هو المفروض إيه اللي هيحصل بعدين ؟! يعني بعد ما أقوللهم إني خلاص افتكرت كل حاجه..
ـ مانا قولتلك هنمشي في موضوع البطاقة .
ـ وبعد البطاقة ؟!
رأى الخوف في عينيها، وفهم ما تقصده تمامًا، فقال مطمئنًا إياها:
ـ متقلقيش . حتى لو مشيتي من هنا مش هترجعي بيت خالتك تاني.
تنهدت تنهيدة طويلة ظهرت فيها كل همومها ومؤرقاتها، فتمتم بنبرة عميقة حولت أعصابها إلى أسلاك كهربائية مشتعلة:
ـ انتي هتفضلي في حمايتي يا نغم .
وتابع :
ـ انا معاكي لحد ما أطمن إن مفيش خوف عليكي من اللي اسمه حسن ده، ولو على البيت فانا اقدر أوفر لك مكان تقعدي فيه بعيد عنه.. وحتى لو مشيتي من هنا أنا هفضل متابعك عشان اتاكد إنك في أمان .
ترقرق الدمع بعينيها ونظرت إليه بامتنان شديد وقالت:
ـ أنا مش عارفة أشكرك إزاي .. إنت..
وسكتت وهي تحاول إيجاد كلمات منصفة لما تشعر به، ثم استأنفت وهي تنظر إليه بتيه وقالت بشعور صادق:
ـ إنت الوحيد اللي بحس إني مطمنة وأنا جنبك .
شعرت به يتنهد تنهيدة لامست قلبها، وحافظ هو على نظرة ذات عاطفة غريبة اختبأت بعينيه وقال:
ـ دي مسؤولية كبيرة أوعدك إني أكون دايمًا قدها.
ومنحها نفس الابتسامة الوسيمة التي سرقت عقلها قبل قليل ، ثم انسحب من أمامها وتركها تواجه عاصفة من المشاعر العنيفة التي هجمت على قلبها هجومًا كاسحًا بسبب كلماته التي كانت بمثابة بلسم للجروح، ورائحته اللطيفة، المُسكِرة، الذكورية.
***
عاد فريد إلى الداخل وهو يشعر بشيئ غريب لا يعرف ماهيته، ولفظ أنفاسه بقوة وكأنه كان يحتجزها طوال اللحظات الأخيرة ، وفي محاولة منه لتجاهل تلك الدوامة التي تسحبه نحوها ببطء قرر أن يصعد سريعا إلى غرفته ويأخذ حماما جديدا عله يساعده على الاسترخاء والخروج من توابع هزة المشاعر العنيفة التي اجتاحت كيانه الساكن .
استمع إلى باب المكتب الخاص بوالده وقد انفرج، ثم ناداه قائلا:
ـ تعالى عاوز أتكلم معاك .
في الواقع هو ليس مستعدا للحديث الآن على الإطلاق، ولكنه لا يسعه إلا الموافقة فدنا من المكتب ودخل خلف والده ، أغلق الباب ثم وقف ينظر إليه منتبها وقال:
ـ اتفضل..
تنهد سالم، هو يعرف أن ما سيقوله لن يروق فريد، ولكنه سيقوله على كل حال.
ـ نسيم متقدم لها عريس.
تفاجأ فريد لما سمعه، فهو لم يتوقع أن والده سيفرج عنها ذات يوم ويفتح الباب لمجال الارتباط والزواج أمامها، لقد ظن أن أخته معاقبة مدى الحياة .
ـ عريس ؟! مين ؟!
أخذ سالم شهيقا طويلا ثم قال:
ـ شريف .
رفرف فريد بأهدابه قليلا ثم قال رافضًا تصديق ما فهمه وسمعه:
ـ شريف مين ؟!
ـ مين غيرُه يعني ، شريف الصواف!
رفع فريد حاجبيه وأخذ يفكر لدقائق ثم قال:
ـ بس شريف شخصيته مش شبه شخصية نسيم أبدا.. وبعدين شريف ده كل يوم مع واحدة شكل ..
ـ و إيه يعني !!
تفاجأ فريد مجددا وأخذ يحدق به بغير تصديق وهو يقول:
ـ إيه يعني ؟! إيه يعني إزاي ؟! بقول لك كل يوم مع واحده شكل، معقول يعني هتوافق تجوزه بنتك وهو بالأخلاق دي ؟!
ـ دي حاجه متعيبوش، وبعدين أي راجل طبيعي في سنه بيعمل كده واكتر من كده المهم بعد الجواز ينصلح حاله وميبصش بره.
زفر فريد زفرة مبتورة وضحك معها ضحكة ساخرة وقال:
ـ أنا بجد مش مصدقك ، هو إيه اللي طبيعي ؟! العربدة وقلة الأخلاق والانحطاط بقت حاجة طبيعية وأنا معرفش ؟! اومال إنت بأي حق جلدت عمر ١٠٠ جلدة ؟! انت بتكيل بمكيالين ليه مش فاهم.
هدر به سالم بحدة وأشهر سبابته بوجهه محذرًا وقال:
ـ فريد.. مش عشان بشورك في حاجة زي دي تنسى إنك واقف قدام أبوك وتفكر إنه من حقك تتجاوز حدودك معايا..
ليتفاجأ بردة فعل قاسية من فريد حيث قصف صوته مدويًا وقال:
ـ حدود حدود حدود… ليه كل الناس مضطرة تلزم الحدود دي وانت لوحدك اللي مسموح لك تتخطاها ؟! ليه شايفنا كلنا فاقدين للأهلية وانت لوحدك اللي ناضج ومكتمل العقل والرؤية ؟! ليه كلنا بالنسبة لك زي قطيع الغنم ولازم نمشي وراك يمين يمين شمال شمال ومش من حق حد فينا يعترض أو يسأل هو رايح فين ولا إيه اللي هيجراله ؟!
وتهدل كتفيه في إحباط وانهزام وتعب ، ثم تابع بحدة أقل وصوت أكثر خفوتا:
ـ ليه مش قادر تحبنا زي ما أي أب بيحب ولاده ؟! هو إحنا مش ولادك بردو ؟! نسيم اللي إنت عايز تجوزها لواحد فاشل زي شريف دي مش بنتك ؟!
ـ فاشل ؟! إنت شايف إن شريف فاشل ؟! مش شريف ده اللي بيلم وراك إنت والخايب التاني ؟! عموما العين متكرهش غير الأحسن منها.
تفاجأ فريد بمدى جحوده وقسوته، وابتسم بسخرية مريرة وقال:
ـ أحسن مني ؟! اوكي.. مفيش مشكلة لو انت شايف إن شريف أحسن مني، إيه الجديد؟ ما انت طول عمرك بتشوف الكل أحسن مني ، بتشوف إنجازات الناس كلها ماعدا انجازاتي ونجاحي.. دي حاجة أنا خلاص مبقيتش أستغرب منها ولا بقت تفرق معايا، بس نسيم لأ.. كفاية أوي اللي جرالها بسببك.. إنت دمرتها، أنا ولا هي عمرنا ما هنسامحك على الحالة اللي وصلتها ليها، وأنا مش هسمح لك تأذيها تاني. ومستعد أقف قدامك بشتى الطرق الممكنة ، مش مهم حتى لو هتتبرى مني.. مش هوافق إن نسيم تتجوز واحد زي ده.. مش بعد صبرها السنين دي كلها تتجوز واحد صايع ومريض نفسي زي ده.
وهم بالخروج من المكتب ليستوقفه قول والده :
ـ هو بردو اللي مريض نفسي ؟! هه.. بلاش إنت تتكلم . ويكون في علمك، أنا هجوزها لشريف غصب عنك وبالعند فيك . ورأيك ده تبله وتشرب ميته . مش مهم عندي.
خرج فريد وصفق الباب بقوة، وخرج من الڤيلا وهو يشعر بالنيران تنهش صدره، فرأته نغم التي استمعت لكل ما دار بينهما خلال عودتها لغرفتها وقادها الفضول للوقوف لاستكمال باقي الحديث، رأت تلك الحالة التي كان عليها عند خروجه من غرفة المكتب، ورأت وجهه المتجهم الغاضب، وعروقه النافرة، ووجدت نفسها تركض خلفه وهي لا تعلم إلى أين هو ذاهب.
استقل سيارته، وتحرك بها، فأخذت تركض خلفه إلى أن خرجت من بوابة الڤيلا، حينها رآها بالمرآة فتوقف ، فتقدمت منه ونظرت من النافذة وتساءلت:
ـ إنت هتروح فين وإنت متعصب كده ؟!
أجابها بصوت يعكس مدى الغضب بداخله:
ـ مش عارف ، هتمشى شوية .
ففاجأته بطلبها حين قالت:
ـ ينفع أجي معاك ؟!
ـ معلش.. حابب أكون لوحدي.
ابتسمت ابتسامة مهزوزة، وأومأت بإحباط جاهدت في إخفائه، وابتعدت فتحرك بالسيارة، ووقفت هي تتأمله وتتأمل السكون من حولها فشعرت بالخوف، استدارت وعادت أدراجها وسارت تجاه الڤيلا مرة أخرى وهي تسير ببطء وتضع يديها بجيبها، وأخذت تفكر فيما سمعته من سالم وفريد.. يبدو أن هذا الأب لا يمت للأبوة بصلة، كما يبدو أنه سبب تعاسة العائلة كلها.
وفي تلك اللحظة شعرت بالأسف حيال فريد ونسيم ، فهما أكثر المتأثرين سلبًا به، وفجأة.. سمعت صوت بوق سيارة خلفها، فاستدارت.. فإذ بها تجد فريد وهو يشير إليها بأن تتقدم منه..
توهج قلبها وتراقص نبضه، وارتسمت الابتسامة على شفتيها بدون سعي منها، ثم تقدمت من السيارة فإذا بها تجده يفتح لها الباب من الداخل، فركبت بجواره وهي تنظر إليه بصمت، وتحرك وهو لا يزال ملتزمًا بنفس الصمت المدقع.
***
كانت نسيم بغرفتها، تصم أذنيها بكفيها حتى لا يصل إليها صوت والدها الذي يشبه في غلظته صوت الموت ، تجلس منزوية حول نفسها بخوف، تضم ركبتيها إلى صدرها وهي تبكي وترتجف، وقد أثار حديث والدها الرعب بقلبها وجعل قلبها يعج بالأوهام والخوف.
أمسكت هاتفها وحاولت الاتصال بفريد ولكنه لم يجب، مرة تلو الأخرى بدون فائدة.. فاستسلمت وألقت الهاتف من يدها إلى الفراش ودفنت رأسها في ركبتيها وظلت تنتحب بصمت.
استمعت إلى صوت طرقات على الباب، طرقات عنيفة، خُيل لها أنه هو، وبالتأكيد سيحاول تعنيفها، ومن الممكن أن يهددها أو يتوعدها إذا ما قبلت بطلبه، ومن الممكن أيضا أن يكبلها من يديها ويقدمها قربانًا إليه ، وهو لا يعرف أنه متزوج من أعز إنسانة على قلبها..
ارتبكت وتوترت أكثر .. وتفاقم وضعها سوءا، ونهضت من سريرها واتجهت على أطرافها نحو الباب وهي ترتجف وصوت طرقات الباب يصل إلى آذانها مجسمًا مضاعفًا ضاعف خوفها وسرعة ضربات قلبها وجعلها ترى الموت يزحف منها ببطء قاتل..
***
توقف حسن بدراجته البخارية التي اشتراها اليوم أمام مقهى راقي بمنطقة سكنية راقية ، ونزل منها وهو يتهجى اسم المقهى ويتأكد ما إذا كان هو نفسه الذي وصفته له فيفي أم لا..
ليجدها تتصل به فأجابها قائلا:
ـ أنا وصلت قدام الكافيه أهو..
ـ تمام.. اتصل بقا على رقم عمر اللي معاك وهو هيقولك تدخل له ولا يخرج لك.. وبعد ما تسلمه الحاجة وتستلم الفلوس اقعد اشرب حاجة وبعدين امشي.
ـ اشمعنا ؟!
ـ تمويه يا حسن ما تشغل دماغك اومال، المكان كله كاميرات وأكيد لما يشوفوا واحد زيك واقف قدام الكافية وبعدين مشي بسرعة أكيد هيشكوا فيك ..
ـ إيه واحد زيك دي ما تظبطي انتي كمان !!
قالها بحدة فتراجعت وقالت بصوت لين به همسٍ مثير:
ـ مش قصدي يا أبو علي والله.. أقصد واحد غريب مش من رواد المكان يعني..
ـ ماشي.. يلا اقفلي دلوقتي..
أنهى الاتصال معها، ثم قام بالاتصال برقم عمر وقلبه يدق بعنف، لا يعرف هل لأنه لأول مرة يقدم على فعل شيء كهذا أم لسبب آخر هو لا يعلمه.
ـ ألو.. عمر معايا ؟!! أنا حسن العقرب من طرف كريم ..
عرفه عمر على الفور لأن كريم أخبره أن التعامل سيكون مع حسن من الآن فصاعدا ، وأخبره أنه سيخرج ليقابله حالا..
وقف حسن يتأمل المكان بتفحص واهتمام، ودار بخلده أن يسعى لامتلاك مكانًا مشابهًا ، في منطقة راقية كتلك.. سيكون مشروعا مربحا للغاية .
انتبه إلى شاب متوسط الطول ذو جسد رياضي يدنو منه، تفحص ملابسه الفخمة الفاخرة بدقة، وعدل قميصه الجديد الذي اشتراه قبل قليل، وتنحنح وهو يقف متأهبًا بمقابلته.
ـ انت حسن العقرب ؟!
قالها عمر متسائلا وهو يدس يديه بجيبي سترته الجلدية، ويتلفت حوله بشيء من التوتر، فأومأ حسن قائلا:
ـ أيوة أنا .. انت عمر مش كده ؟!
أومأ عمر وقال:
ـ كده يا برو… فين الحاجة ؟!
أخرج حسن من جيبه شريط من الأقراص المخدرة وقال وهو يضعه بجيب عمر خلسة:
ـ اتفضل الحاجة، بس خد بالك ده صنف تقيل وانت لسه صغير عليه.. نصيحة مني متاخدش الحباية كلها مرة واحدة .
استفز حديثه عمر نوعا ما، وغمز بعبث وقال وهو يربت على كتفه بثقة مفتعلة:
ـ متقلقش.. أنا عارف مصلحتي كويس .
شملهُ حسن بنظرة متفحصة ، وظهرت على شفتيه ابتسامة ساخرة من تلك الثقة الحمقاء وقال متهكمًا :
ـ بشوقك، أنا نصحتك وانت براحتك.. بالهنا والشفا يا حبيب أخوك .
وأخذ منه المال، ثم دسهُ بجيبه واعتلى دراجته البخارية مجددا وانطلق بها مسرعا، وترك عمر يتمتم بحنق:
ـ قال صنف تقيل وانت لسه صغير عليه. وانت مال أبوك يا بارد
وزفر بضيق، ثم قام بالاتصال بكريم وقال بحدة:
ـ اسمعني يا كريم، انت قلت هتختفي فترة لأنك مطلوب وهتخلي اللي اسمه العقرب ده اللي يتعامل معايا من هنا ورايح وانا وافقتك، لكن لو عايز التعامل بيننا يستمر وخايف على زباينك بجد يا ريت تبلغه يخليه في حاله وبلاش يتدخل في اللي ميخصوش.
وأنهى الاتصال، ثم دخل إلى الكافيه مجددا، وقام بإعطاء كلا من أصدقائه الأربعة قرصا من الشريط الذي ابتاعه، ليبدأوا هم في تمجيده وتعظيمه ورفع الشعارات له، وهذا ما كان يملأ حفرة النقص الفارغة بداخله، ويعطيه إحساسا بالزهو والاكتفاء .
***
كانت چوليا تجلس بغرفتها، متكومةً حول نفسها وعيناها بحر دمع لا يجف، ممسكةً بهاتفها وهي تحاول الاتصال بشريف الذي على ما يبدو قام بحظرها لأنها لم تتمكن من الوصول إليه بكافة الطرق..
استمعت إلى صوت خطوات تقترب منها، فاستدارت ونظرت باتجاه الباب، فوجدت أمها وقد أحضرت لها طعاما ووضعته على طرف الفراش وهي تقول بأسف وبنبرة أذهبها البكاء:
ـ لازم تتغذي كويس الفترة دي عشان تخفي بسرعة، كلي أكلك كله وخدي العلاج بعدها.
حاولت چوليا الإمساك بيدها ولكن نادية نزعت يدها من قبضتها بحدة وهي تقول وقلبها يرتجف:
ـ متحاوليش.. ومتفكريش إني سامحتك أو ممكن أسامحك على اللي عملتيه، أنا مضطرة أقف جمبك في محنتك دي كعقاب ليا لأني أهملتك من البداية. لكن اللي كسرتيه جوايا بعملتك دي مش هيتصلح أبدا مهما حاولتي.
خرجت من الغرفة، وتركتها تتطلع في أثرها بندم وحزن، وشعور بالعجز يخالجها ، من جهة تريد التوبة من الذنب، ومن جهة أخرى لا تنوي الإقلاع عنه .
***
كان فريد لايزال يقود صامتًا، ونغم تجلس بجواره وهي تلتزم الصمت لئلا تزعجه، حتى أنفاسها تتنفسها بهدوء.. ومن فينة لأخرى تختلس النظر إليه لتجده باقيًا على صمته الرتيب.
إلى أن توقف بالسيارة في طريق شبه خالي وقال وهو ينظر أمامه:
ـ جيتي معايا ليه ؟!
ليته لم ينطق، لأن ما قاله الآن بعثر ثباتها وهدوئها وأرسل موجة من الخوف إلى قلبها، ثم نظرت إليه وقالت بتردد محاطًا بالتوتر:
ـ لما شفتك خارج متعصب ..
وصمتت. فنظر إليها ليحثها على استكمال ما كانت بصدد قوله، فابتلعت ريقها وقالت:
ـ خُفت عليك.
قالتها بخفوت، وأشاحت بعينيها عن عينيه اللتين كانتا تحدقان بها بتعجب، فقطب جبينه وضيق حاجبيه وقال :
ـ ليه ؟!
تعثرت الحروف على شفتيها، وأخذت تبحث عن إجابة صحيحة تخبره بها، ثم قالت باستسلام:
ـ مش عارفه..
نظر أمامه مجددا، ودار الصمت بينهما من جديد، إلى أن تحدث بعد دقائق وقال:
ـ صعبت عليكي بعد اللي سمعتيه ؟! حسيتي بالشفقة نحيتي مش كدة ؟! مكنتيش متوقعة إنك تسمعي أبويا وهو بيقوللي الكلام ده !! هه.. أكيد طبعا مش محتاجة سؤال.
ونظر إليها يتبين رد فعلها على ما قاله، وتابع وهو يسترجع مرارة شعوره وهو يتذكر كلمات والده :
ـ ماهو مفيش أب يعاير ابنه بمرضه .. مفيش غير سالم مرسال واحد بس في العالم كله.
ـ انت..
هتفت ثم تراجعت وصمتت.. فنظر إليها منتظرًا أن تكمل قولها، فوجدها تبكي بصمت..
قطب جبينه متعجبًا وقال:
ـ ممكن أعرف بتعيطي ليه دلوقتي ؟ أنا اللي كنت بتهزأ على فكرة مش انتي !!
ابتلعت ريقها وقالت وهي تمسح دموعها:
ـ انت متستاهلش كده أبدا.. أنا عمري ما شُفت حد حنين زيك على كل اللي حواليه.. ليه يكسرك بالشكل ده ؟!
أثارت كلماتها وبكاءها ألمًا راكدًا بقلبه، ونبشت جرحًا ظنه قد برأ وزال أثره، وعرفت الدموع سبيلها إلى عينيه، ولكنه تحمحم بقوة ووأد تلك الدموع سريعا في محجرها، ثم زفر وقال بإيجاز :
ـ مش مشكلة ، بتحصل .
نظرت إليه وفجأة وبدون مقدمات اقتربت منه و أمسكت بيده، ضمتها بين كفيها بقوة وظلت تنظر إليه وهي تقول بصوتٍ نابع من عمق قلبها:
ـ فريد.. انت متستاهلش إني أخدعك، لأنك أكتر حد وقف جنبي، عشان كده أنا لازم أعترف لك بحاجة ضروري ..
قطب جبينه متعجبًا.. وضيق عينيه ودقات قلبه تتعالى، ثم سأل بقلق:
ـ حاجة إيه ؟!
ارتفع رنين هاتفه في اللحظة الغير مناسبة تماما، فنظر به ليجد المتصل هي زينب، فأجاب الاتصال وهو ينظر إلى نغم..
ـ أيوة يا زينب ؟؟
فوصله صوت زينب التي كانت تبكي بانهيار وهي تقول:
ـ فريد بيه ، نسيم انتحرت !!