كانت تبكي بحسرة أمام تلك الحفرة الصغيرة عندما أحست بخطوات تأتي من خلفها. "كنت عارفة إني هلاقيكي هنا! رفعت رأسها والتفتت لها وهي تنظر إليها بغل وحقد كبير، وما زالت تبكي وتتساقط دموعها كالتماسيح. نهضت من على الأرض بتثاقل ثم اقتربت نحوها، والغضب والكره يعمي بصيرتها، حتى أصبحت تقف أمامها وأمسكت بوجهها بين يديها، تضغط بقوة على فكها بين يديها وهي تصرخ بها بغل. "ايييييه اللي جابك هنا؟ جاية ليه؟
ردت عليها بإعياء شديد: "عايزة بنتي! صرخت قدرية بها وهي تضرب على موضع قلبها بغضب: "وأنا كمان عايزة بنتي، رجعيهالي! "عبير بنحيب: انتي كنتي عارفة إني مقصدتش إللي حصل." قدرية بغضب وهي تشير إلى تلك الحفرة الصغيرة: "ماتت بسببك، انتي السبب! "عبير بدموع: كان غصب عني والله." قدرية بغضب: "دينا! "عبير بفزع: مالها بنتي! قدرية بغل: "دي مش بنتك، دي بنتي أنا." "عبير بدموع: دينا عمرها ما كانت بنتك." قدرية بغل: "لأ، هي بنتي." "عبير
بدموع: طب ماشي، هي بنتك اللي ربيتيها. أنا عايزة أسماء، نفسي أشوفها." قدرية بحقد وخبث: "هخليكي تقابليها، مش تشوفيها بس." "عبير بلهفة: بتكلمي جد يا قدرية! قدرية بهدوء وخبث ثعلب: "طبعاً، مش آن الأوان بقا أسماء ترجع لحضن أمها؟ صمتت قليلاً ثم تابعت بسخرية: "يا ختي، بس يا ترى هتقوليلها إيه لما تشوفيها؟ آسفة يابنتي بس أنا بحب دينا أكتر منك، وعشان كده هسيبك. مش دي كلمتك؟ فاكرة ولا نسيتي؟ لما خيرتك وقتها قولتي إيه؟
وضعت يدها على أذنها وهي تبكي وتشهق ثم صرخت بنحيب: "باااااااس، كفااااايه، متكمليش! قدرية بتشفي: "مكملش إيه بس! أنتي فاكرة إنها هتسامحك على إللي عملتيه وإنك اتخليتي عنها وسبتيها لقسوتي؟ مع إنك عارفة إني هانتقم منها عشان حق بنتي اللي ماتت بسببك والظلم اللي اتعرضتله بسببكم ده غير مرضي. ومع كل ده سيبتي بنتك معايا ودلوقت راجعة عايزاها! "عبير بدموع: عارفة إني غلطت، بس كنت هعمل إيه؟ قدرية بسخرية: "هتبررليها إيه؟
معلش أصل أنا عايزة أختك، وأنتي بقا سبتك مع خالته قدرية اللي هتحطك جوه حبايب عنيها. فمتزعليش مني بقا." "عبير بدموع: كفاية بقا، إنتي عارفة كويس إنه مش بأيدي، إنتي السبب." اقتربت منها ثم أمسكت برقبتها وهي تصرخ بها. قدرية بغضب: "اشششششش، أخرسي، متقوليش ولا كلمة، أنتي السبب في كل حاجة حصلت وبتحصل." "عبير بدموع صرخت بنحيب: ليييييييه بتعملي كدة؟ ليييييييه؟ رددددددددي عليا ليييييه؟
قدرية وهي تلتفت لها حيث كانت توليها ظهرها، نظرت لها بأعين منفجة على آخرها وهي تطالعها باستغراب، ثم ما لبثت أن انفجرت بها واحتدت نبرة صوتها لتهتف بغضب شديد. قدرية بغل: "بتسألي دلوقتي أنا بعمل كده ليه؟ مهو إنتي السبب في كل حاجة. ماتعمليش نفسك الملاك البريء وأنا شيطان الرواية. ها، انتي عارفة إني اتظلمت أوي منكم، انتي السبب، فاهمة؟ انتي اللي قتلتي بنتي قدام عيني، فاكرة؟ قدام عيني قتلتيها بدم بارد." "عبير
بدموع وهي تهز رأسها بنفي: لأ، مكنش قصدي، وإنتي عارفة أنا عملت كده ليه." صمتت قليلاً تلتقط أنفاسها، ثم تابعت ببكاء: "طب وذنب ولادي إيه؟ حرام عليكي." أنهت كلمتها ثم جثت على الأرض وهي تنتحب بقوة. لم تشفق عليها، بل رمقتها بازدراء. "عبير بدموع تقطع نياط القلوب: حرام عليكي، عايزة أشوفها ولو حتى من بعيد." قدرية بقرف: "بنتك ضاعت خلاص! فتحت عينيها على آخرها من الصدمة ثم هتفت بحدة وقد علا صوتها. "عبير بدموع وصوت حاد: إيه؟
بتقولي إيه؟ عملتي إيه في بنتي؟ قدرية بتعجرف: "افهميها بقا، خلاص بنتك ضاعت." ثم قصت عليها ما حدث وعن المكيدة التي دبرتها لأسماء. كانت تستمع لكلامها وقلبها يتقطع حزناً على ابنتها الصغيرة. نهضت عن الأرض وهي تقترب منها ثم أمسكت برقبتها وهي تخنقها وتصرخ بها. "عبير بصراخ: ليييييييه؟ ليه؟ تعملي في بنت اختك كده ليييييييييه؟ حرام عليكي، إزاي قدرتي تعمليها؟ إزاي تفتري عليها وتقولي عنها كلام بطال؟
هو مش كفاية العذاب اللي أنا فيه بسببك؟ قدرية بضيق وهي تزيح يدها عن رقبتها قالت باستهجان وتهكم: "عذاب؟ بتقولي عذاب؟ طب وأنا بنتي دينا اللي قتلتيها مكنش وقتها؟ حرام عليكي، وإزاي تعملي كده في بنت اختك وتقتليها قدام عيني؟ وجوزي اللي مات بعدها؟ وكلكم جيتوا عليا، محدش وقف معايا، انتي أخدتي مني كل حاجة. أنا اللي عايشة في عذاب، أنتي مفكرة إني مبسوطة بجوازي من جوزك العاجز ده؟
لأ، أنا بنتقم منه زي ما بنتقم منك، لأنكم انتوا السبب في كل حاجة وحشة حصلت معايا." "عبير بدموع: هو بقا عاجز؟ انتي عملتي في عيلتي إيه؟ كان الجواب على سؤالها صفعة مدوية سقطت على وجهها لتقع على الأرض. نظرت قدرية لها بغضب شديد ثم صرخت بها بينما كانت عبير مجثة على الأرض تضع يدها على موضع الصفعة بذهول. قدرية بتعجرف: "عيلتك يا شيخة؟ ده أنا مبكرهش في حياتي قدك. بتقولي عيلتك؟ طب وأنا فين عيلتي اللي دمرتيها؟ هااااا؟ إنطقي!!!!
"عبير بدموع: اكرهيني زي ما انتي عايزة، بس قولي لي بنتي فين؟ عملتي فيها إيه؟ قدرية بخبث: "بنتك ربيتها بطريقتي وخلتها تشتغل شغل بطال." "عبير بدموع: انتي مش إنسانة عشان تعملي في لحمك كده؟ أكيد بتكذبي. عمها حمدان مش هيسمحلك! قدرية بضيق وهي تشيح بوجهها عنها قالت بملل: "عبير، يلا شوفي إنتي رايحة فين؟ عايزة أقعد مع بنتي لوحدي. يلا امشي ومترجعيش تاني أحسنلك." "عبير بدموع: لا مش همشي، أما أعرف بنتي فين؟
قدرية بضيق: "مش هقولك." أنهت كلمتها ثم اتجهت تخطو نحو البوابة بعد أن فشلت بالاختلاء ببنتها الصغيرة. فاتجهت صوب البوابة لتخرج من المقابر، دون أن تهتم بحديث أختها. رأتها عبير تتجه نحو البوابة لتخرج فاتبعتها وهي تسير خلفها. وقفت قدرية عند البوابة ثم التفتت لها وقالت بغل: "انتي ماشية ورايا ليه؟ يلا شوفي إنتي رايحة فين. إنتي مش من زمان اخترتي طريقك؟ يلا بقا أمشي ومترجعيش تاني. إيه اللي رجعك بعد كل السنين دي؟
وبأي حق تقولي عايزة بنتي؟ بنتك اللي رميتيها بإيدك في نار جهنم؟ وانتي عارفة كويس إني هانتقم منها." "عبير بغل: مش هسيبها بردو، وبأي حق؟ بحق إنها بنتي وأنا أمها. وهقولها على الحقيقة كلها، وهي أكيد هتقدر إني مكنش في أيدي حل غير كده، لأن للأسف." صمتت قليلاً ثم تابعت بسخرية: "أختي اللي من لحمي ودمي خيرتني بين ولادي، يا كده يتقتلهم. مش كفاية خطفتي دينا لمدة خمس سنين وحرمتيني من إني أربي بنتي؟
ولما ألاقيها، أتفاجأ إنها بتقولك انتي يا ماما ومعتبراني أنا عدوتها؟ قدرية بملل: "وطول عمرها هتقول أنا وبس يا ماما، لأنها بنتي أنا. فاهمة؟ "عبير بنحيب: مش هسمحلك! قدرية بسخرية: "وانتي هتمنعيني إزاي بقا؟ "عبير بدموع: هقتلك وأخلص منك." قدرية بضحك: "ههههههه، كنتي عملتيها من زمان." بينما على صعيد آخر كان يقف، يجري اتصالاً هاتفياً وابتسامة خبيثة تعتلي محياه. "سيف
بهدوء: كنت عارف ومتأكد إن ده هو اللي عايزينه. ركز كويس يا جاسر." "جاسر بهدوء: متقلقش، كله تمام. وقرب يوقع، بس يا سيف فاضل يومين والمهلة تنتهي وانت معملتش حاجة." رد سيف ببرود: "ومين قالك إني هعمل؟
أنا مش هعمل حاجة. مراتي وبريئة. أنا طلبت المهلة دي عشان أمسك عليه دليل قاطع. والدليل هو هروب أبو عاصم من سجن المخابرات عشان يعرفوا إن ده هو الهدف الأساسي. وأنا اتكلمت مع القيادات العليا وكلمت وزير الدفاع الخارجي بخصوص أسماء، وكلهم نفوا الاتهامات دي لأنهم عارفين كويس مين هو صقر المخابرات. البلبله اللي عملوها دي ولا ليها أي تلاتين لازمة. فاطمن خالص، الموضوع اتحل. أهم حاجة إننا كشفنا سعادة اللواء، مهو أنا مش غبي. وهما
أغبياء جداً. أنا حاطت جهاز تتبع في كتف أبو عاصم زرعته من تحت الجلد وعارف هو فين دلوقتي كمان. ده غير بردو إن سعادة اللواء ليه تسجيل وهو بيتكلم مع أخو أبو عاصم، ماهر، لما راقبتهم. يعني الحوار لابس لابس في اللواء. وكمان الواد الخايب رامي قررته واعترف عليهم. ده أنا حتى كنت عارف بميعاد هروب أبو عاصم. ومعايا مدير نجدت بردو كان على اطلاع بكل حاجة."
"جاسر بإعجاب: طول عمرك دماغك سم يااااااض يا سيف. عارف لو كنت جنبي دلوقتي، لكنت بوستك." سيف بقرف: "روح، كاتك القرف. أمشي يااااض." "جاسر بضحك: هههههه، وأهون عليكي يا بطة." سيف بهدوء: "اه، تهزني. يلا غوري بقا، هروح أشوف مراتي." أغلق سيف معه وتنهد بارتياح وهو يقول: "لأجلك يا أسماء، أعمل أي حاجة."
كانت تسير وهي تحمل بيدها باقة زهور بيضاء اللون، حتى وصلت للمكان المطلوب. وقفت أسماء ودموعها تنهمر بشدة على خدها وهي تنظر لذلك القبر الذي يحتوي على والدتها كما تظن. وضعت باقة الزهور، ثم جلست أمام القبر وهي تتحدث مع والدتها ببكاء. "أسماء بدموع: وحشتيني يا ماما! أنا تعبت أوي من بعدك يا حبيبتي. عارفة؟ كان نفسي أجرب شعور إن في ماما في البيت. أمي بجد. أرجع من مدرستي ألاقيها مجهزةالي الأكل وبتتهتم بيا. مش."
صمتت وهي تجهش في البكاء. "مش أول ما أشوفني تضربني وتسمعني كلام وحش ودايماً تقولي إن أمي بتكرهني وعشان كده سبتني لوحدي أعاني من قسوتها وظلمها. بس عارفة، مع ذلك أنا بحبها عشان هي أختك، برغم كل اللي هي عملته." كفكفت دموعها بيدها من أسفل بيشة نقابها، ثم ابتسمت ونهضت عن الأرض واتجهت لتخرج عندما سمعت أصوات تأتي من مكان قريب في تلك المقابر. فزعت أسماء بشدة من تلك الأصوات العالية الناجمة عن شجار ما لتصرخ بفزع. "أسماء
بفزع: الحقنيييي يا سييييييف! أنهت كلمتها ثم وقعت على الأرض وهي ترتعش من شدة الخوف. "أسماء بدموع: أنا خايفة أوي. لطفك يا رب. إيه الأصوات دي؟ مين بيزعق كده؟ جلست تبكي بخوف من سماع تلك الأصوات التي لم تتوقف بعد. "مرات سيف الكيلاني لازم تكون قوية." ترددت تلك العبارة على عقلها، فمسحت دموعها وتحدثت بقوة واهية. "أسماء بقوة: مش هبقى ضعيفة يا سيف، هبقى قوية. ربنا معايا."
صمتت قليلاً عندما لاحظت أن تلك الأصوات قد خفتت قليلاً، فتنفست بعمق وأخرجت النفس على فترات، ثم هدأت من روعها وهي تقول بتضرع. "أسماء بثقة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء." ظلت تردد تلك الآية بيقين وثقة في الله. بينما على الجانب الآخر كانت ما تزال تسير خلفها والأخرى غير مهتمة. حتى وقفت عبير بعد أن تعبت قدماها لتهتف بإرهاق. "طب استني، انتي رايحة فين؟ ألتفتت
لها وهي تقول بسخرية: "ده على أساس إني هقولك مثلاً! "عبير بتعب: طيب، دينا دينا فين؟ مجاتش عندك! كانت تتحدث بصعوبة وتتنفس بصوت مرتفع. قدرية بضيق: "لأ، وهتيجي ليه بقا إن شاء الله؟ تظاهرت قدرية بعدم معرفة دينا للقصة من البداية حتى تبعد الشك عنها. "عبير بعد أن أدركت أن أختها لا تدري غيرت مجرى الحديث لتقول: طب نكمل كلامنا بعدين، سايبة سيف لوحده في البيت." قدرية بتعجرف: "مفيش تكملة، وياريت مشوفش خلقتك دي تاني."
قالت كلمتها ثم همت بالرحيل، فاستوقفها صوت عبير وهي تقول بحزن. "عبير بحزن: أنا السبب في حالتك دي يا قدرية، بس والله غصباً عني، مقصدتش إللي حصل زمان." أنهت حديثها لتشرد وهي تتذكر ما حدث منذ زمن بعيد. **عودة إلى الوراء** "هاااااتيها بقا شوي." هتفت بها بمرح وهي تلاعب ابنة أختها الوحيدة. ردت عليها بإعياء شديد: "لأ يا عبير، خليها معايا شوي، أصلاً جه ميعاد نومها." "عبير بتذمر: لأ، أنا هاخدها."
أنهت كلمتها ثم اتجهت صوب الفراش الذي ترقد عليه أختها وهي تحملها بين يديها بحب كبير. "عبير بحب: جميلة قوي يا قدرية، ما شاء الله." قدرية بهدوء: "شبهك يا عبير، لازم تكون جميلة." "عبير وهي تقبل الصغيرة على خدها قالت: هي أحلى من خالتها بكتير." قدرية بهدوء: "اللي تشوفيه. هاتيها بقا عشان أنيمها، أنتي عارفة إنها مبتسكتش وهتفضل تعيط طول الليل، واختك كده مش هتنام." "عبير بهدوء: وأنا قولت لأ، هاخدها."
قدرية بهدوء: "طيب، خديها وامري لله، بس متاجيش في نص الليل وترجعيهالي وتصحيني من أحلاها نومه! "عبير بنفي: لأ، متقلقيش، نامي انتي وارتاحي." قدرية بهدوء: "طايب! خرجت عبير وهي تحمل الصغيرة على يدها وأغلقت الباب خلفها. داخل غرفة أخرى تتواري خلف حديقة المنزل اتجهت عبير وهي تحمل الفتاة الصغيرة لتقابل مجهولاً. "جبتيها؟ قالها بخفوت. ردت عليه بحزن: "أختي صعبانة عليا." أجابها بهدوء: "ده عشان مصلحتها." "عبير بحزن: مفيش حل غيره؟
طيب؟ رد عليها وهو يخفض رأسه للأرض بحزن: "لأ، للأسف." "اختك مش مظبوطة عقلياً، ومنقدرش نسيب طفلة زي دي معاها، ممكن تموتها وبعد كده متفتكرش هي عملت إيه؟ زي ما حصل زمان وقتلت مامتها وبعد ما فاقت مفتكرتش. وانتي كنتي صغيرة وشوفتيها وهي بتغرقها. ولو سبنا الطفلة دي معاها هتقتلها، ووقتها فعلاً هتتجنن! ده غير إن البنت بردو مش مظبوطة عقلياً زيها." "وهتعيش."
صمت قليلاً وهو يتابع بأسف. "ده لو عاشت أصلاً. لازم يا عبير الموضوع ده يتم بأسرع وقت. هي أصلاً المفروض مكنتش تتمت الحمل ده، لازم تنفذي في أقرب وقت." "عبير بحزن وهي تنظر للصغيرة بيدها: حظك كده يا قلبي، بس متقلقيش، ماما هتخف إن شاء الله." رد عليها وقال: "اختك الشيزوفرينيا عندها عالية أوي وتأثير الشخصية التانية سلبي جداً عليها، ولازم تتعالج بأسرع وقت ممكن، والبنت دي مش لازم تعيش." "عبير بدموع
وحزن وهي تنظر للصغيرة: حاضر، هنفذ." **عودة إلى الواقع** قدرية بحقد وقد علا صوتها: "أخرسي بقا! اللي بعمله فيكي ميجيش نقطة في بحر إللي عملتيه قدام عيني، قتلتيها، فاكرة؟ "عبير بحزن: كفااااايه، والله كان عشان مصلحتك." صرخت بها باستهجان وهي تنفي ما قالته بشدة: "مصلحتي! "عبير بدموع: والله مكنتش هقتلها، أنا اتراجعت، وانتي." قاطعتها وهي تصرخ بغضب: "أخرسي! أنا قولتلك إني هخف ومش هعمل كده تاني، بس انتي مرضتيش تسمعيني." "عبير
بدموع وحزن: قدرية، إنتي حالتك كانت صعبة، إنتي قتلتي أمي قدام عيني. كنت صغيرة ومش فاهمة حاجة، أنا عارفة إنه غصب عنك، بس." قدرية بضيق: "مش عايزة أسمع صوتك، أخرسي. أنا مقتلتش أمي ومش فاكرة اللي بتقولي عليه ده، انتوا كلكم كنتوا بتكرهوني ومعتبرني نحس وشؤم عليكم." "عبير بدموع: طب أسماء، بالله عليكي، قولي لي إنها كويسة."
قدرية بغل: "عمرها ما هتكون كويسة، وأنا لسه فيا نفس لإن حولت حياة بنتك لجحيم. افتكري خيرتك وقولتلك عايزة مين فيهم، عملتي إيه وقتها؟ **عودة إلى الوراء قبل 25 سنة من الآن**
بكت وبكت حتى فاض الدمع من عينيها وهي لا تصدق أنها تراها أخيراً بعد فراق دام خمس سنوات، ولم تكن تعلم أنها ما تزال على قيد الحياة، فقد اختطفت من حضانة المستشفى، فقد احتجزت بها نتيجة لفيروس كان منتشر في تلك الآونة يصيب الأطفال حديثي الولادة، ولم يعثر عليها أحد بعد أن اختطفت. وتوالت السنين وراء بعضها واقتنع الجميع بأن الصغيرة ماتت. "عبير بدموع وهي تحمل صغيرتها: مش مصدقة، مش مصدقة نفسي بجد."
أنهت حديثها ثم وقفت وهي تضع الصغيرة ذات الخمس سنوات على الأريكة، ثم اتجهت نحو أختها. "عبير بدموع فرح وهي تعانق أختها هتفت من بين دموعها بسعادة وامتنان: قدرية حبيبتي، رجعتيلي روحي اللي ضاعت مني. ربنا يخليكي ليا، شكراً شكراً ليكي يا أحلى أخت في الدنيا." كانت تقف مثل الصنم أمامها، لم تبدي أي ردة فعل أو حتى تبادلها العناق، بل على العكس من ذلك تماماً، وقفت صامتة مكانها بدون حراك، ثم همست بجانب أذنها بخبث شديد.
قدرية بخبث ثعلب: "ومين قالك إني رجعتهالك! فتحت عينيها بذهول وعقدت حاجبيها باستغراب، ثم ابتعدت عنها ونظرت إليها باستفهام واستغراب شديد من كلامها. "عبير بعدم فهم: قصدك إيه؟ قدرية بخبث: "يعني دينا بنتي أنا، مش بنتك." "عبير بحزن، فقد تذكرت ابنة أختها: مهي زي بنتك طبعاً! قدرية بخبث: "لأ، هي مش زيها، هي بنتي فعلاً." "عبير بدموع: ايييييه؟ صمتت قليلاً ثم تابعت بصدمة: "يعني انتي من زمان عارفة مكانها ومقولتيش!
أجابتها وهي تتجه نحو تلك الصغيرة التي تلعب بدمية في يدها ولا تهتم بما يجري من حولها. قدرية بهدوء وهي توجه حديثها إلى دينا: "حبيبة قلبي، روحي ادخلي جوه." "دينا الصغيرة: حاضر يا ماما." ابتسمت قدرية لها ثم اتجهت ببصرها نحو تلك المندهشة مما تراه. "عبير بدموع: ما تفهميني، أنا مش فاهمة حاجة." قدرية بخبث: "ها، كنتي بتقولي إيه؟ عارفة مكانها من زمان؟ اهاااا، طبعاً مش أنا اللي خطفتها."
أنهت كلمتها ثم جلست بارتياح على الأريكة وهي تنظر إلى أختها التي جحظت عينيها بشدة من الصدمة لتهتف وهي تعقد حاجبيها باستغراب. "عبير بصدمة: ايييييه؟ خطفتيها!!! قدرية بتعجرف: "أيوة، ولسه أنا معملتش حاجة." "عبير بصدمة نطقت بتلعثم وكلمات متقطعة من صدمتها: از ز ز اي؟ قدرتي تـ... تعملي فيا كده؟ أجابتها بكل البرود الذي يوجد في الدنيا وهي تقول بغل: "زي ما قدرتي تقتلي بنتي قدام عيني! "عبير
بدموع: انتي عارفة إني مقصدتش، وكان حادث." قدرية بتغيير الموضوع: "مش موضوعنا دلوقتي. انتي هتسمعي عرضي، ويا توافقي يا ترفضي، وساعتها بقا متلومنيش على اللي ممكن أعمله. متنسيش إني كنت مريضة وليس على المريض حرج، يعني مش هاخد فيكي ولا في عيالك ربع ساعة سجن. وعلي فكرة كلامي جد ومش بهزر." "عبير بذهول ودموعها تنهمر على خدها بصدمة: هتستغلي مرضك؟ طب ما الدكتور قالنا إنك خفيتي منها خلاص."
قدرية بسخرية: "بس ليا ملف فيها، وسهل جداً إنها ترجع تاني، أو بورقتين والدنيا تظبط، الفلوس تعمل أي حاجة يا." صمتت قليلاً ثم تابعت بسخرية: "اختي." "عبير بحزن: وأي هو عرضك؟ قدرية وهي تلوي شفتيها تصطنع التفكير قالت: "هاخد واحدة من بناتك." قالتها ببرود جحيمي. "عبير بصدمة: نعم! تاخدي واحدة من بناتي؟ انتي بتهزري؟ أكيد بتهزري صح؟ تبدلت نبرة صوتها للضعف وهي تقترب منها ثم جثت على الأرض وهي تمسك بيدها وتقول برجاء. "عبير
بدموع: قدرية، انتي أكيد بتهزري. طب بصي، أنا مسامحاكي على خطفك لدينا، مع إنها كانت فترة صعبة عليا، وحتى وجود أسماء معوضنيش عن وجود دينا في حياتي، رغم إنها مقعدتش معايا كتير، كلها ست شهور، بس كانت أول فرحتي واتعلقت بيها أوي." دفعتها قدرية بعنف فوقعت عبير على الأرض، بينما وقفت قدرية وهي تربع ساعديها
أمام صدرها وقالت بغل: "لأ، مش بهزر. ولو انتي سمحتيني على خطفي لبنتك، فأنا مش مسامحاكي على قتل دينا بنتي. ودلوقتي دينا عندها ماما واحدة بس، وهي قدرية، بس فاهمة؟ أنا اللي مربياها." "عبير بدموع: قلبك بقى قاسي أوي." قدرية بسخرية ضحكت بشدة: "هههههههه. اتعلمت القسوة منك من لما قتلتي بنتي قدام عيني، فمتجيش دلوقتي وتلوميني." "عبير بحزن: مقدرش أختار بينهم، دول بناتي، حرام عليكي، أسيب واحدة منهم."
قدرية بضيق: "مش مشكلتي دي. وبعدين استني، أنا لسه مكملتش. أنا هاخد واحدة من بناتك، وكمان هتجوز عبدالله! رفعت رأسها تطلع إليها بصدمة كبيرة لتجحظ عينيها بشدة وتفتح فمها بذهول مما تفوهت به شقيقتها. "عبير باستهجان: تتجوزي مين؟ عبدالله؟ قالتها بشفاه مرتعشة لتتابع بصدمة: "جوزي... جّـوزي! هزت رأسها بتأكيد وهي تقول بتهكم وسخرية: "أيوة، بس مع تعديل بسيط. أنا." قاطعتها وهي تصرخ بها في حدة: "انتي اتجننتي؟ هتتجوزيه إزاي ده؟
ده جوز أختك و." أجابتها قدرية بتعجرف: "تؤتؤ، طليق أختي! "عبير بدموع وصدمة: طليق أختك؟ عايزة تخربي بيتي يا قدرية وتطلقيني من جوزي! قدرية بتهكم: "كما تدين تدان! "عبير بدموع: بس أنا مأذيتكيش، أنا عملت كده عشان مصلحتك ومصلحة دينا، كان هيبقي عذاب أكبر لو فضلت عايشة، كنتي هتستحملي تشوفيها بتتعذب قدام عينك. البنت كان صعب تعيش." "قدرية
بضيق: الطب اتطور أوي وكان ممكن يبقي فيه حل، بس انتي اخترتي الحل الصعب واللي يسبب لي العذاب طول حياتي والراحة ليكم انتوا. ها، انتي مش ملاك، انتي دمرتيني. ده انتي اتفقتي مع الدكتور يوم ولادتي لدينا اللي كلكم كنتوا عايزني أسقطها ومولدهاش، بس أنا أصررت إني هكمل وهولدها، تقومي انتي يا اللي عاملة فيها أختي تطعنيني في ضهري وتخلي الدكتور يقصل ليا الرحم عشان مخلفش تاني عشان ترتاحوا ومتشيلوش هم قدرية جديدة، مش كده؟
جلست عبير على الأرض وهي تجهش في البكاء وشهقاتها تعلو وقالت من بين دموعها: "موافقتش، موافقتش، كان صعب عليا أعمل كده، بس بس هما اضطروني. أنا عمري ما أذيكي! قدرية بغل: "لأ، أذيتيني وقتلتيني بسكينة باردة." "عبير بدموع نظرت إليها وهي تهز رأسها بنفي: انتي مخفتيش، أكيد. أيوة، انتي مش أختي صح؟ مش هي اللي بتتكلم دلوقتي؟ أكيد دي مش انتي." صدعت ضحكاتها الساخرة وهي تنظر إليها بخبث شديد ونظرة عينيها بحق مرعبة جداً.
قدرية بخبث: "لأ، دي قدرية ونص كمان. أنا خفيت منها، بس مفيش ضرر إني استفاد منها بردو. هههههههه." "عبير بدموع اقتربت من قدمها وأمسكت بها برجاء وتبدلت نبرة صوتها للضعف وهي تترجى أختها أن تعدل عن ما تطلبه منها، فأي أم تستطيع أن تفعل ما تقوله لها، كيف يمكن لها أن تتخلى عن قطعة من روحها." تحدثت بنحيب وعينيها قد احمرت من كثرة بكائها الحاد: "قدرية بالله عليكي، مش هقدر، أنا، أنا صعب." "عليّا."
كانت تتكلم وهي تضع يدها على موضع قلبها بقهر ثم تابعت حديثها: "صعب عليا والله أختار، طب إزاي بس؟ أنا مقدرش أتخلى عن واحدة منهم، دول روحي." قدرية بقرف ابعدت يدها التي تمسك بقدمها ودفعتها على الأرض وتعتلي شفاهها بسمة خبيثة وتشفي وهي ترى أختها تتذلل لها هكذا، أحست بانتصار وسعادة كبيرة حقاً، تلك المرأة معدومة الإحساس ومريضة عقلياً تتلذذ بقهر أختها وإذلال لها.
قدرية بسخرية: "شوفي، معنديش غيره، وإلا أنتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه، وليس عليا حرج." أنهت كلمتها الأخيرة وأطلقت ضحكة عالية وهي تضحك بشكل هستيري يثير الرعب. "عبير برجاء: طب عشان خاطر دينا، أرجوكي بلاش."
قدرية بضيق: "بلاش تيجيبي السيرة دي، لأن كل ما تذكريها قدامي، أنا مبيهداش غليلي منك، بل العكس، ده أنا بزيد قسوة، فبلاش، لأنك انتي اللي هتطلعي خسرانة وخسرانة أوي كمان. وشوفي بقا عشان ننهي الموضوع ده، أنا هاخد واحدة من بناتك، وانتي هتختاري، مع إن أنا اختارت خلاص، بس بردو هديكي فرصة تختاري. ويا توافقي على عرضي يا." صمتت ثم نظرت لها بنظرة ذات مغزى تعلمها جيداً، ولطالما كانت تنظر بها إليهم عندما تأتيها الحالة. "عبير
بحزن: هختار." صمتت، لم يقدر لسانها على النطق وبكت بشدة. رمقتها بغضب شديد تنتظر أن تختار إحداهما. قدرية بملل: "يلا بقا." "دينا! نطقتها عبير بصعوبة بالغة ثم انهمرت في البكاء. ابتسمت قدرية بانتصار وتلاعبت على شفتاها ابتسامة
خبيثة ثم قالت بخبث شديد: "تصدقي بالله، كنت عارفة إن ده اختيارك، لإن عارفة إنك اتعلقتي بدينا أوي، وكنت عارفة إن وجود أسماء مقدرش يخليكي تنسي وجعك على بنتك الأولى، وعلى العموم عشان مطولش عليكي، أنا أصلاً كنت مختارة أسماء من البداية." "عبير بدموع: هي صغيرة و ملهاش ذنب، بلاش قسوة عليها." قدرية بخبث: "دي في عنيا، دي بنت الغالية." قالتها بسخرية وهي تلوي شفتيها. "عبير بدموع: طب وأنا هعيش فين؟ أخرجت قدرية ورق من أسفل الأريكة
وأعطته لها وهي تقول بأمر: "وقعي هنا الأول." عقدت حاجبيها باستغراب ونظرت إلى الورق في يدها فقالت قدرية بتعجرف: "ده ورق طلاقك، وهتلاقي عبدالله موقع عليه بردو." أخذت الورق من يدها بيد ترتعش ودموعها ما تزال تنهمر بشدة على خدها وهي ترى ورق الطلاق، نظرت إلى مكان التوقيع فوجدت إمضاء زوجها أسفله، يتبقى إمضتها هي فقط وينتهي الأمر. قدرية بملل: "يلا انجزي بسرعة شوي."
"عبير بدموع أمسكت القلم ويدها ترتعش ووقع القلم منها على الأرض وتعالت شهقات بكائها وهي تقول بضعف كمحاولة لإثناءها عن ما تنويه: هتقولي لهم إيه؟ هتوريهم وشك إزاي؟ هتبقي في نظرهم الشريرة اللي أخدت الراجل من مراته وعياله. مفكرتيش في صورتك قدامهم لما يشوفوني ويشوفوكي أخدتي جوز أختك. هيكون شكلك إيه وقتها؟ مفكرتيش؟ قدرية بسخرية: "مراته؟ أممممممم، قصدك المرحومة بقا." فتحت عينيها بصدمة وهي تنظر لها، لا تستوعب ما قالته تواً.
"عبير بصدمة: المرحومة! قدرية بضيق: "أيوة، مهو أنا مخططة لكل حاجة وعاملة حسابي ومش مستنية توجيهاتك. انتي هتبقي قدامهم ميتة وسايبة طفلة محتاجة رعاية واهتمام." ثم تابعت بسخرية: "وحنان كمان. وطبعاً مفيش أحسن من خالتها اللي في مقام أمها. وقبل ما تقاطعيني، أنا دلوقتي قدامكم مفيييش حاجة ومثيرة للشفقة. جوزي مات وبنتي هي كمان، يعني أنا محتاجة لجو العيلة زي ما أسماء هتبقى محتاجة لوجود أم تهتم بيها وتعوضها عن حنان أمها الميتة."
"عبير بدموع: للدرجة دي بتكرهيني يا قدرية؟ قدرية بحقد: "أكتر ما تتصوري." "عبير بحزن: يعني انتي خلاص ناوية على اللي في دماغك؟ معقولة هتقتلي أختك بالحياة يا قدرية؟ قدرية بضيق: "ولو أطول أقتلك هعملها، بس لأ، متفكريش إني مفكرتش أقتلك، لأ، فكرت، بس قولت هستفيد إيه؟
هي هتموت وترتاح وأنا هنا هفضل في عذابي وحرقة قلبي على عيلتي اللي اتدمرت. أما بقي إني أقتلك بالحياة زي ما بتقولي، هو ده اللي هيبرد نار انتقامي وكرهي ليكي لما أحرمك من وجود قطعة من روحك وتكون تحت سيطرتي أنا وبس، وأشوفك مذلولة كده، ووقتها هكون سعيدة جداً وأنا بستمتع بتدمير عيلتك. وحتى لو انتي مختارتيش دينا، أنا كده كده كنت هختار أسماء. أيوه، أنا اللي ربيت دينا كأنها بنتي، بس بردو وجودها معايا طول الخمس سنين دول معوضنيش عن حضن بنتي اللي حرمتنيني منه واستكترتي عليا."
"عبير بحزن: هتعملي إيه أكتر من اللي عملتيه؟ قدرية بشر: "لسه اللي جي هيحرق أكتر، وانتقام قدرية مخلصش عند كده وبس." *** **عودة إلى الواقع** قطعت رحلة ذكرياتها وهي تصرخ بدموع بعد أن عادت إليها ذكريات ذاك اليوم الذي ابتعدت فيه عن قطعة من روحها ليس لها ذنب في شيء، ليكون مصيرها بين براثن أختها القاسية. قدرية بضيق: "انتي من زمان اخترتي طريقك، ومفيش رجعة منه."
أنهت حديثها وهي تسحبها من يدها بعنف تجرها خلفها، والأخرى تسير معها جسداً بلا روح. ظلت تسحبها خلفها بقوة حتى وصلت إلى وجهتها أخيراً، ثم جذبتها من يدها بقوة ودفعتها بغضب نحو تلك المقبرة، ألقتها عليها بكره ثم قالت بحقد. قدرية بحقد: "شايفة القبر ده؟ ده اللي انتي مدفونة فيه. ده قبرك انتي قدامهم كلهم، ميتة. عارفة يعني إيه ميتة؟ ومفيش ميت بيرجع من الموت، فاهمة؟
كانت مستلقية على القبر تستمع لكلامها بصمت ودموعها لم تتوقف. اشتاقت لابنتها، وكيف لا تشتاق لها؟ فهي قطعة من روحها. حاولت دائماً أن تعرف أية معلومات عنها أو حتى صورة لها، ولكن بلا فائدة. أغلقت جميع الأبواب في وجهها وتوالت السنين وراء بعضها وهي تعيش على ذكريات الأربع سنوات التي عاشتها مع ابنتها الصغيرة. اقتربت قدرية منها ثم نزعت النقاب عن وجهها بغضب كبير وامسكتها من كتفيها تهزها بقوة.
قدرية بحقد: "زمان اتخليتي عنها وسبتيها ليا، وانتهي الموضوع. أسماء أمها ميتة، فاهمة؟ وهي فعلاً ميتة عشان تسيب بنتها وتختار أختها وتحرم بنتها الصغيرة من حنان أمها ومحبتها وتخليها تعيش يتيمة وتحت قسوة من لا يرحم." صمتت قليلاً
ثم تابعت بسخرية: "تحت تصرفي، وهي متأكدة مليون في المية إني هعذبها ومش هخليها تشوف ولا يوم سعادة. يبقي دي مش أم. انتي بتقولي عليا مريضة يا عبير، بس الحقيقة هي إنك انتي اللي مريضة. أسماء كان ذنبها إيه عشان تسيبيها؟
دينا مقعدتش معاكي إلا ست شهور بس، أما أسماء تلت سنين ونص ومع ذلك متعقلتيش بيها ومختارتهاش واختارتي التانية اللي بقى عندها خمس سنين ومش بتقولك حتى يا ماما. يبقي تخرسي خالص وملكيش عين توريها وشك، فاهمة يا عبير؟ انسي أسماء خالص، انسيها زي ما نسيتيها زمان." وقفت تستمع لكلامها بصمت ودموعها تعمي غشاء عينيها فلا ترى أمامها. قدرية بضيق: "ودلوقتي." "دينا!
قطعت باقي حديثها عندما رأت ها تقف خلفهم كالصنم، عينيها متحجرة ومتسعة على آخرها بوجه شاحب. لم تره قدرية، ولكنها تعلمه يقيناً. ألتفتت عبير التي شحب وجهها وانتفخت عينيها من شدة بكائها، وقالت بصدمة عند رؤيتها لها لتهتف بدهشة وهي تعقد حاجبيها باستغراب. "عبير بدهشة: أسماء! فتحت عينيها على آخرهما بصدمة وهي توجه نظراتها المصدومة ما بين أختها وابنتها. وقبل أن تنطق بكلمة واحدة، قاطعها صوت عبير التي قالت وهي تكفكف دموعها بيدها.
"عبير بدموع: أسماء، إنتي لسه هنا؟ فكرتك مشيتي! قدرية بضيق همست لها بخفوت: "انتي تعرفيها منين؟ "عبير بدموع: شفتها الصبح قبل ما أقابلك." **عودة إلى الوراء** كانت تقف عند مدخل المقابر وهي تبكي بعنف، وضعت يدها على صدرها بألم وهي تسعل بشدة، وقد كانت شاردة في بحور ذكرياتها المريرة والتي تمنت محوها يوماً، عندما قطع عليها شرودها صوت يهتف بهدوء ورقة. "يا أمي، انتي تعبانة!
فاقت من شرودها، فالتفتت لمصدر الصوت فوجدتها فتاة في مثل عمر ابنتها الصغيرة تقريباً ترتدي النقاب وفي عينيها نظرة حزن وقلق استشعرته من نبرة صوتها القلقة. "عبير بحزن ودموع: لأ يابنتي، تعب قلبي وحرقته على ضنايا أصعب بكتير من أي تعب جسدي تاني." ردت عليها الفتاة بعدم فهم: "أنا مش فاهمة، بس أقدر أساعدك." "عبير بحزن: اللي يقدر يساعدني هو رب العباد. شكراً يابنتي على سؤالك." شعرت بالحزن لأجلها، فوضعت يدها على كتفها
بحنان وقالت بصوت هادئ: "ونعم بالله يا أمي." "عبير بلهفة: قوليها تاني! عقدت حاجبيها باستغراب ونظرت إليها بعدم فهم، فقالت عبير بتوضيح: "أقصد كلمة ماما، قوليها تاني بالله! ابتسمت في وجهها وقالت: "ماما." "عبير بحزن: أنا بنتي في عمرك كده." "أسماء! قالها سيف بصوت مرتفع غاضب بعض الشيء. نظرت إليها باستغراب ولهفة وتحدثت: "إنتي اسمك أسماء يابنتي!
كادت تكمل معها باقي الحديث عندما رأت سيف يقف منزعج ويحمل في يده شنطة مشتريات بها بعض علب العصير، وفي يده الأخرى باقة زهور بيضاء. فالتفتت له وابتسمت في وجهه حتى لا يغضب. "أسماء بهدوء: عن إذنك، هروح أشوف جوزي." "عبير بلهفة لا تدري ما سببها قالت بعدم تفكير: لأ، خليكي، متمشيش! نظرت أسماء لها بتعجب من طلبها، ولكنها راعت أنها امرأة كبيرة وأيضاً تبدو ضالة الطريق أو تبحث عن أحد،
فقالت لها مبتسمة: "مينفعش يا أمي، والله لازم أروح أشوف جوزي. يلا مع السلامة، وربنا يريح بالك وتلاقي بنتك! آمنت على دعائها، ورحلت أسماء لتري سيف الذي يكاد ينفجر من الغيظ، بينما هي توجهت لمدخل المقابر. كاد سيف يتكلم، ولكن أسماء فاجأته وهي تحتضنه بقوة حتى تمتص غضبه. بقي سيف على ذهوله منها، ولكنه استسلم واحاطها بيده وهو يجذبها له أكثر. "سيف بهدوء وهو يحتضنها: بتثبتيني كده! "أسماء
وهي تعقد حاجبيها بتهكم: يعني يا سيف، مش عاجبك حاجة خالص! سيف بهدوء: "أنا قولت لك إيه؟ متتحركيش من مكانك، وانتي سيادتك بقا كنتي واقفة تعملي إيه مع الست دي؟ "أسماء بحزن: كانت عمالة تعيط أوي، صعبت عليا، وكمان كانت بتتنفّس بصوت عالي، فروحت أشوفها لو أقدر أساعدها." سيف بحب: "كل يوم بعشقك عن اليوم اللي قبله. عارفة؟ أنا بشكر الظروف اللي حطتك في طريقي، كانت أحلى ظروف عدت عليا في حياتي كلها. بحبك يا مقتحمة حياتي." "أسماء
بخجل: ياااااه يا سيف، أنت لسه فاكر الاسم ده؟ أبعدها سيف بحنان ثم أخرج هاتفه الخاص وضغط على بعض الأرقام ثم رفع الهاتف أمامها وقال. سيف بعشق: "طب بصي كده." نظرت أسماء إلى الهاتف بدهشة وامتزجت بالخجل الشديد وقالت بصوت هادئ. "أسماء بخجل: مقتحمة غيرت حياتي." سيف بحب: "أنا مسجلك كده." "أسماء بخجل: دايماً بتكسفني ومش بعرف أرد عليك خالص! سيف بخبث: "مش عايز كلام، أنا بموت في الأفعال! "أسماء بخجل: سيف!
ضحك سيف بشدة وهو يرى وجهها يكاد ينفجر من كثرة خجلها، ثم تمالك نفسه ونظر إليها وقال: "طايب، طايب، سِکْتٌ، مش هتكلم. لينا بيت يلمنا." "أسماء بخجل وصوت خافت: مكنتش أعرف إنه قليل الأدب كده ياربي." انفجر سيف ضاحكاً على حديثها الذي وصل إلى مسامعه، فعلى ما يبدو قد نسيت أسماء أنها متزوجة من صقر المخابرات الذي يستمع لدبة النملة ولا يفوته شيء، وقد تناست أنه هو وقلة الأدب مرتبطان على كلامه ولا يمكن لأحد أن يفرقهم! "أسماء
باستغراب: مالك بتضحك على إيه؟ سيف بخبث: "عايزة تعرفي؟ "أسماء بخجل وارتباك من نظراته: لا، مش عايزة خلاص." سيف بهدوء: "طيب، يلا قدامي يا هانم." ابتسمت له وشبكا أيديهما مع بعض وسارا الاثنان تغمرهما سعادة بالغة، حتى وصلا معاً إلى مدخل المقابر وكاد سيف يدخل معها عندما قاطعه صوت ارتفاع نغمة هاتفه الخاص فاستأذن من أسماء.
سيف بهدوء: "طيب يا أسماء، ادخلي انتي وأنا هخلص المكالمة وهاجيلك. وأكيد بردو عايزة تقعدي براحتك مع والدتك، وأنا هديكي مساحة تتكلمي معاها براحتك خالص، وأنا مستنيكي هنا." "أسماء بخجل اقتربت منه وقبلته على خده وضَمَّتْهُ بحنان ثم أخذت من يده باقة الزهور ودلفت إلى داخل المقابر، بينما الآخر كان مغيب تماماً عن الوعي ليهتف بعد أن فاق من موجة المشاعر التي غمرته."
سيف بخبث: "شكلها هتحلو، بوسة وحضن كمان، اتنين في يوم واحد، كتير عليا والله، ههههه ربنا يهديكي يا أسماء وتطريها علينا شوي كمان." **عودة إلى الواقع** قدرية بصدمة: "يعني قابلتيها؟ "عبير بتأكيد: أيوة." كادت تتحدث فقاطعتها عبير وهي تقول باستغراب: "وهو انتي تعرفيها؟ جحظت عينيها بشدة ثم تداركت نفسها وهي تقول محدثة نفسها: "يبقى عبير متعرفهاش، أيوة طبعاً هتعرفها منين؟ و أسماء بردو هتعرفها إزاي وهي منقبة؟
بس حتى لو معرفتهاش، مهم اتقابلوا." قطع عليها حديثها مع نفسها صوت عبير التي اقتربت من أسماء التي ما زالت تقف أمامهم بصدمة كبيرة وهي تفتح عينيها على آخرهما بينما انهمرت دموعها وهي لا تدري. "عبير بحزن: مالك يا بنتي؟ كلمة واحدة صدرت عن أسماء: "مـ... ا.... مـ.... ا." "عبير بصدمة: ايييييه؟ وقبل أن تنطق بكلمة كانت قدرية قد أخرجت سكين من حقيبتها واقتربت منهما وهي تخفي السكين خلف ظهرها.
قدرية بخبث: "بما إن اللعب بقا على المكشوف والمستخبي بان." أنهت كلمتها وهي تقف أمامهم وقالت عبير بدموع: "انتي بنتي أسماء، مش كده؟ كان قلبي حاسس." قدرية بغل: "وعشان اللحظة دي لازم تتختم بنهاية جميلة." أنهت كلمتها وهي تدخل السكين في جسد المسكينة لتقع على الأرض تغرق في بحر دمائها. تزامن ذلك مع دخول سيف لكي يأخذ أسماء معه، عندما دخل وراها تهوي على الأرض غارقة في دماء تغطي ملابسها وفي أحضانها امرأة أخرى.
سيف بصراخ وصدمة: "اسمااااااااااااااااااء."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!