الفصل 11 | من 21 فصل

رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الحادي عشر 11 - بقلم هدير نور

المشاهدات
23
كلمة
4,421
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

ترددت صدفة قليلا قبل تفتح عبوة ظلال العيون المليئة بالألوان العديدة، أخذت تضع من اللون الأخضر حول عينيها، ثم قليل من الأزرق والأحمر والأسود. كانت تضع الألوان بعشوائية وعدم خبرة، محاولة الوصول لغايتها، حتى انتهت. أخذت تتطلع إلى عينها تلك التي كانت تبدو الآن كما لو كانت كدمة قاسية حول عينها.

وفور أن انتهت، أخذت تتطلع إلى ما صنعته يدها بصدمة، فقد كانت تبدو حقاً عينها مكدومة كما لو قام أحد بضربها بها. همست بقسوة وهي تتطلع برضا إلى عينها تلك. = مش انت لولا الناس مكنتش هتخلي في وشي أو جسمي عضمة سليمة.. طيب اشرب بقى يا ابن نعمات إن ما فضحتك.

ثم ارتدت حجابها وهبطت للأسفل لحضور حفل عيد الميلاد الذي سيحضره جميع العائلة والجيران، متجاهلة الصوت الذي يحذرها من تنفيذ فكرتها المجنونة التي ستجعل راجح هذه المرة يقوم بقتلها بالتأكيد. فور أن دلفت إلى بهو شقة حماتها، اتجهت نحوها شوقية، شقيقة نعمات، هاتفة بفرح. = يا أهلاً يا أهلاً بست العرايس كل... لكنها ابتلعت باقي جملتها فور أن اقتربت منها ورأت عينها المكدومة، شهقت صارخة بفزع.

= يا نهار أسود ومنيل.. إيه اللي عمل في عينك كده..؟ لتكمل بصدمة يتخللها الغضب وهي ترفع وجه صدفة للأعلى تتفحص عينيها القلقة. = راجح اللي عمل فيكي كده..؟ اندفعت كل من شهد، شقيقة راجح، ونعمات نحوهم فور سماعهم كلمات شوقية تلك، بينما وقفت صدفة صامتة دون أن تجيبها، راسمًة الإنكسار على وجهها، مصطنعة الحزن. غمغمت شهد بفزع وهي تقترب منهم فور أن رأت عين صدفة. = إيه اللي حصل يا صدفة فاهمينا..؟

هتفت شوقية بحدة وهي تمسك بذراع صدفة. = هنفهمنا إيه ما الحكاية واضحة زي الشمس أخوكي ضربها... همست شهد باضطراب بينما نظراتها تمر فوق عين صدفة المكدومة. = راجح لا يمكن يعمل كده.. ده عمره ما مد إيده على واحدة فينا، أكيد في حاجة غلط. قاطعتها نعمات بغضب وهي تتجه نحو صدفة تتطلع إليها بحدة. = أيوه أنا ابني ميعملش كده... لتكمل بانفعال وهي تزجر صدفة بنظرات مشتعلة.

= ولو عمل كده.. فاكيد هي ضايقته في حاجة أو عصبته، ما أنا عارفاها لسانها أطول منها. دفعتها شوقية في كتفها مقاطعة إياها بقسوة وغضب. = يا شيخة اتقي الله، ده انتي عندك ولايا، ترضي إن حد يعمل كده في بناتك..؟ احمر وجه نعمات وصمتت، بينما تدير عينيها بارتباك في أنحاء الغرفة رافضة الإجابة.

بينما وقفت صدفة تراقب ما يحدث بتوتر، وهي تغرز أسنانها بشفتيها، شاعرة بمدى حماقة فعلتها، لذا قررت أن تخترع كذبة أخرى تبرئ لها راجح من تلك التهمة التي دفعها غضبها منه إلى اختراعها. لكن شحب وجهها بخوف فور أن رأت راجح يدلف من باب المنزل وهو يحمل حقيبة بيده، قائلاً بمرح موجهاً حديثه إلى شوقية، غافلاً عن حالة صدفة. = إيه ده شوشو جت.. دايماً أول واحدة بتوصلي في العيلة دي. استدارت إليه شوقية تتطلع إليه بحدة دون أن تجيبه.

اقترب منهم مغمغماً بقلق فور أن لاحظ تجمعهم غير الطبيعي حول صدفة التي كانت توليه ظهرها. = فيه إيه.. فيه حاجة حصلت.. ولا إيه..؟ لم يجبه أحد، حيث أخذوا يتطلعون إليه بنظرات منها الحادة الغاضبة وأخرى مرتبكة. مما جعله يندفع نحو صدفة، يمسك بذراعها مديراً إياها نحوه، وقد سيطر القلق عليه. قاومته صدفة رافضة الاستدارة إليه، وهي تشعر بالخوف من ردة فعله على فعلتها الحمقاء تلك التي دفعها الانتقام لفعلها دون الحسبان لردة فعله.

جذبها راجح بقوة أكبر حتى جعلها تستدير نحوه، ليهتز جسده بالصدمة فور رؤيته لعينها المكدومة، هتف بجمود والغضب يشتعل بصدره. = إيه اللي عمل في عينك كده..؟ ليكمل وهو يستدير نحو والدته، هاتفا بشراسة معتقداً أنها من قامت بإيذائها. = مين اللي عمل فيها كده..؟ قاطعته شوقية بنبرة حادة لاذعة. = لا ونبي يعني مش عارف مين اللي عمل فيها كده. لتكمل وهي تزجره بنظرات يملؤها السخط والغضب.

= آخر حاجة كنت أتوقعها إنك تمد إيدك على مراتك يا راجح، ده أنا بقول إنك زينة شباب العيلة، ويا ريتهم يبقوا زيك يعمل كده..... زمجر راجح بقسوة وهو يتطلع إليهم بارتباك. = إيه اللي بتقوليه ده ضربت مين.... ليكمل وهو يسلط عينيه التي تنطلق منها شرارات الغضب على صدفة التي كانت تخفض رأسها. = هي اللي قالت إني عملت فيها كده... أجابته شوقية باضطراب وتردد. = لا...

بس واضحة يعني، البنية نازلة من شقتها وهي كده، هتبقى مين اللي عمل فيها كده العفاريت.... أومأ راجح برأسه مغمغماً بصوت منخفض قد بدأ يفهم ما يحدث. = آها.. نازلة من فوق كده. ليكمل وهو يقبض على ذراع صدفة بقسوة جاذباً إياها إليه، مما جعلها تطلق شهقة فازعة. = طيب تعالي معايا.... قاومته صدفة رافضة الذهاب معه، فقد كانت تعلم ما هو مصيرها إذا صعدت معه إلى الأعلى.

مما جعل شوقية تندفع نحوهم فور أن رأت اعتراضها هذا، تمسك بذراعها الآخر قائلة بحدة وهي تحاول تحريرها من قبضته. = هتاخدها على فين يا راجح استهدي بالله مش كده.... جذب راجح صدفة بقوة نحوه بعيداً عن شوقية، قائلاً بحدة من بين أسنانه المطبقة بقسوة وهو يكظم غضبه بصعوبة. = شوقية... دي حاجة بيني وبين مراتي يعني محدش يدخل.... ثم تركهم وغادر وهو يدفع صدفة أمامه. التفت شوقية هاتفة بنعمات التي كانت واقفة تشاهد ما يحدث بصمت.

= إنتي ساكتة ليه... هتسيبيه يطلع يكمل عليها فوق.... أجابتها نعمات ببرود وهي تعقد ذراعيها فوق صدرها. = وأنا أعمله إيه يعني.. ما هو قالك حاجة بينه وبين مراته، أدخل ليه.... قاطعتها بحدة وهي تتطلع إليها بصدمة. = مالك يا نعمات إنتي عمرك ما كان قلبك قاسي ولا جاحد كده... ده انتي أحن واحدة فينا... إيه حصلك..؟ ارتبك وجه نعمات شاعرة بتأنيب الضمير، لكنها نفضت شعورها هذا، مغمغمة باختناق وهي تلتف وتتركهم.

= هدخل المطبخ أشوف الأكل اللي على النار، الناس زمانها جاية. التفت شوقية إلى شهد الواقفة بجانبها. = عجبك كده... ربتت شهد على ظهر خالتها قائلة بحزن. = معلش يا خالتي... ومتخفيش، والله راجح أخويا حنية الدنيا فيه، أكيد مش هيعملها حاجة. لكنها ابتلعت باقي جملتها فور تذكرها لعين صدفة المكدومة، بينما زفرت شوقية بحدة وهي تتحرك للداخل والقلق يسيطر عليها.

فور دخولهم إلى شقتهم، استغلت صدفة انشغال راجح بإغلاق باب الشقة، وركضت بأقصى سرعة لديها نحو غرفة النوم، ودخلت إلى الحمام الذي قامت بإغلاق بابه بالمفتاح من الداخل بيد مرتعشة، والذعر يسيطر عليها، خائفة من ردة فعله، تعلم أنها قد تجاوزت حدودها بما فعلته هذه المرة. لكنها تراجعت للخلف بفزع مطلقة صرخة مدوية فور أن سمعته يضرب فوق الباب من الخارج بغضب، صائحاً بشراسة. = افتحي الباب...

ليكمل بشراسة وضرباته تزداد فوق الباب الذي أخذ يهتز بقوة. = افتحي الباب أحسنلك وخلي يومك يعدي... هتفت صدفة بصوت مرتجف، بينما كان قلبها ينتفض فازعاً داخل صدرها، وهي ترى الباب الذي أخذ يهتز بقوة من قوة ضرباته المتلاحقة عليه. = مش هفتح... إلا لما تهدي...

قطعت جملتها عندما توقفت الطرقات فوق الباب فجأة، وحل صمت غريب بالمكان. اقتربت ببطء من الباب تضع أذنها فوقه محاولة التنصت إلى أي صوت يصدر من الخارج ويدل على وجوده، لكنها لم تسمع أي شيء، فقد كان هناك الصمت فقط. وضعت يدها فوق صدرها الذي كان يعلو وينخفض بقوة محاولة استراق السمع إلى أي حركة تدل على وجوده، وما إن اطمأنت أنه قد ذهب.

عادت الضربات فوق الباب مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت أكثر قوة وشدة، مما جعلها تتراجع بعيداً عن الباب وهي تنظر برعب حولها محاولة إيجاد منفذ يمكنها الهرب منه. سمعته يزمجر بشراسة من خلف الباب. = قدامك عشر ثواني لو مفتحتش الباب هكسره فوق دماغك، ووقتها محدش هيرحمك من تحت إيدي...

وقفت تتطلع إلى الباب بأعين متسعة بالذعر والخوف، وضربات قلبها المتسارعة تقصف بأذنيها بجنون. التفت نحو الحوض عينيها تبحث بارتباك عن شيء تحمي نفسها به.

استقرت عينيها على إحدى شفرات الحلاقة الحادة الخاصة به، أمسكت بها مخرجة إياها بيد مرتعشة من تغليفها الورقي، ملتقطة نفساً مرتجفاً، وهي تقبض عليها بين يدها، قبل أن تتجه نحو باب الحمام وتفتحه، متراجعة للخلف سريعاً بعيداً عنه فور أن رأته يندفع إلى الداخل بوجه محتقن ترتسم عليه علامات الوحشية، بينما عينيه تنطلق منها شرارات الغضب العاصف. همست بصوت مرتجف. = اهدى... اهدى ونبي، والله ما قولت إنك ضربتني، هما اللي افتكروا كده....

لتكمل كاذبة محاولة إخماد غضبه. = ده أنا... أنا اتخبطت في الباب وعيني ورمت، ولما نزلت تحت هما افتكروا... لكنها ابتلعت باقي جملتها متخذة عدة خطوات إلى الخلف عندما وجدته يقترب منها بخطوات بطيئة وشرارات الغضب تتفاقم من عينيه، لكنها تجمدت بمكانها عندما شعرت بالحائط يضرب ظهرها من الخلف، مما جعلها محاصرة بينه وبين جسده الصلب الذي أصبح أمامها مباشرة. وقف يتطلع إليها بصمت، قبل أن يغمغم بقسوة وهو يضغط على فكيه بقوة.

= اتخبطتي في الباب قولتيلي... أومأت برأسها بينما تحدق في وجهه بخوف من لهيب الغضب الذي يلتمع بعينيه. قبض على ذراعها بقسوة مما جعلها تشهق صارخة، دفعها نحو الحوض الذي فتح صنبوره، ثم أخفض رأسها أسفل المياه متجاهلاً صراخاتها المعترضة، حيث ثبت رأسها بيده أسفل المياه، قبل أن يملأ يده بالصابون فاركاً وجهها وعينيها بحدة به. وما إن انتهى، رفع رأسها من أسفل الصنبور، هتفت صدفة بحدة بشهقات متقطعة وهي تحاول التقاط أنفاسها.

= هتموتني حرام عليك.... تجاهلها قابضاً على فكها، يرفع رأسها إليه قائلاً بتحدٍ يتخلله الغضب. = أومال فين الكدمة والزراق اللي كان مالي عينك... ابتلعت لعابها بخوف صامتة وقد تسللت البرودة إلى جسدها فور إدراكها أنه تم كشف لعبتها. لا تعلم ما يجب عليها قوله. أكمل بقسوة ويده تقبض على وجهها يعتصره بقسوة حتى تأوهت متألمة بصوت منخفض. لم يثر به الشفقة، ليزيد من اعتصاره أكثر وهو يتمتم: = عايزة تفضحيني. ها؟

عايزة الناس تقول بضربك وبعذب فيكي. هزت رأسها هامسة بخوف: = مكنتش أقصد. ضرب بيده الحائط بجانب رأسها مما جعلها تنهي جملتها صارخة وهي تنتفض بفزع. قبض على يدها يضغط عليها بقوة معتصراً إياها، مزمجراً بشراسة: = مكنتيش تقصدي. أومال لو كنت تقصدي هتعملي فيا إيه. فضحتيني وخلتيني شكلـ... ابتلع باقي جملته عندما رآها تنفجر باكية وهي تصرخ متألمة بهستيرية: = إيدي... إيدي.

اخفض عينيه إلى يدها ينظر إليها بارتباك وهو يخفف قبضته عنها، رافعاً يدها إليه وهو يزمجر بغضب: = مالها إيدك؟ ليشتد وجهه بقسوة فور رؤيته للدماء التي تنساب من يدها.

رفع يدها إليه سريعاً يفتح قبضتها المنغلقة لتظهر شفرة الحلاقة التي كانت تخبئها بيدها وانغرست في راحة يدها فور أن ضغط على يدها. هتف لاعناً بقسوة والقلق والغضب يسيطران عليه، بينما يتجه بها نحو الحوض. يضع يدها أسفل المياه الجارية بعد أن نزع الشفرة من يدها وألقاها بعيداً، بينما كانت هي تبكي بشهقات ممزقة فقد كان الألم بيدها لا يطاق. تفحص راجح الجرح الذي بيدها ليزفر وهو يغمغم براحة: = الحمد لله الجرح سطحي مش عميق.

ليكمل بخشونة وعصبية مفرطة فور تذكره أن تلك الشفرة قد تكون ملوثة وقد تؤذيها: = الموس ده جديد ولا كان مستعمل؟ أجابته هامسة بصوت مرتجف من بين شهقات بكائها الممزقة: = جديد. زفر براحة ثم أخرج صندوق الإسعافات التي يحتفظ به بخزانة الحمام، ثم بدأ يطهر جرحها واضعاً لاصقة طبية عليه.

وما إن انتهى وقف بصمت يتطلع إلى رأسها المنخفض وجسدها الذي يهتز بشهقات ممزقة مما جعله يشعر بقبضة تعتصر قلبه. جذبها بلطف بين ذراعيه يحتضنها، مربتاً بحنان على ظهرها وهو يغمغم بجانب أذنها: = متخافيش الجرح بسيط. ليكمل وهو يبعدها قليلاً، زافراً بضيق، ممرراً إصبعه على خديها يزيل دموعها برقة: = بتوجعك؟ هزت رأسها بالنفي بينما تبتعد عنه بارتباك، شاعرة بالغضب من نفسها لبكائها أمامه. تنحنح راجح قائلاً بهدوء بينما يمسك بمرفقها

ويجذبها معه للخارج: = طيب يلا غيري هدومك اللي اتبلت دي عشان نلحق ننزل قبل ما عيد الميلاد ما يبدأ. ليكمل بشك وهم يقفون بمنتصف الغرفة: = هو الموس كان بيعمل إيه في إيدك؟ احمر وجهها فور سماعها سؤاله ذلك، غرزت أسنانها بشفتها السفلية وهي تهمس بصوت منخفض متردد: = كنت... كنت بحمي نفسي بيه. رفعت رأسها تحدق به بغضب عندما انفجر ضاحكاً بصوتٍ عميق، مما جعلها تهتف بعدائية: = بتضحك على إيه؟

فوجئت به يقترب منها محيطاً وجهها بيديه قائلاً بحيرة حقيقية: = طيب قوليلي انتي أعمل إيه معاكي. ليكمل وهو يبعد خصلات شعرها المتناثرة خلف أذنها: = كل مرة تعملي مصيبة و ببقى هاين عليا أخنقك بإيديا، وميعديش خمس دقايق تعملي حاجة تخليني أقعد أضحك زي العيل الصغير، وأنسى كل البلاوي اللي بتعمليها. اشتد احمرار وجهها مما جعله يبتسم من ارتباكها وخجلها هذا. أطلق تنهيدة عميقة مغمغماً برفق وهو يربت على رأسها: = يلا غيري هدومك.

ابتعد عنها ينوي المغادرة لكنه توقف عندما همست اسمه بصوت منخفض، ليلتف إليها في الحال. همست بتردد بينما تشير إلى خزانة ملابسها: = هو أنا ينفع ألبس فستان بدل العباية زي شهد وهاجر؟ أنا.. أنا عندي فستان كنت شارياه في جهازي. لتكمل بخجل وهي تضغط على خدها الملتهب براحة يدها السليمة: = أصل بصراحة عمري ما لبست واحد ونفسي أجربه.

وقف راجح يتطلع إليها بصمت عدة لحظات، وشعور غريب من الضعف يسيطر عليه عند سماعه كلماتها تلك التي تدل على مدى حرمانها من أبسط الأشياء التي تتمتع بها الفتيات الأخريات. ارتبكت صدفة من نظراته الغريبة المسلطة عليها مما جعلها تتململ في وقفتها بعدم راحة، لكن أشرق وجهها بابتسامة واسعة عندما سمعته يجيبها بهدوء: = البسي اللي انتي عايزاه يا صدفة. ليكمل وهو يلتف مغادراً الغرفة سريعاً حتى لا يستجيب لرغبته في الالتفاف

إليها وضمها بين ذراعيه: = هروح المخزن أطمن إنهم نقلوا البضاعة وهرجع على طول. خلصي انتي وانزلي.

اومأت برأسها بصمت قبل أن تركض مسرعة بفرح نحو خزانة الملابس مخرجة الفستان. مرت يدها عليه تتحسس قماشه وعيناها تلتمع بالانبهار والحماس. فطوال حياتها كانت ترى الفتيات ترتدي فساتين رائعة الجمال بينما كانت هي مجبرة بالاختباء داخل عباءتها السوداء البالية. تمنت كثيراً لو ارتدت فستان مثلهم ولو لليلة واحدة، لذا ابتاعت ذلك الفستان ووضعته بين جهاز عرسها على أمل أن ترتديه يوماً ما. وها هو هذا اليوم قد أتى أخيراً.

بعد مرور نصف ساعة. وقفت صدفة تنظر إلى صورتها بالمرآة بتردد، شاعرة بعدم الراحة فقد كان الفستان ضيقاً بعض الشيء. شعرت كما لو كان يظهر امتلاء جسدها. اتجهت نحو الخزانة تنوي أن تنزعه عنها وترتدي إحدى عباءتها، لكنها توقفت مترددة فالجميع سيرتدون فساتين وستكون بينهم أقل شأناً بعباءتها تلك. عادت للمرآة مرة أخرى تتفحص مظهرها. هزت كتفيها هامسة بينما اكتسبت بعض الثقة بنفسها: = ماله؟ طيب والله حلو. أنا اللي معقدة نفسي.

ارتدت حجابها رافضة الاستماع للصوت الذي يحثها على نزعه، فلأول مرة تحارب عدم ثقتها بنفسها وترتدي كما تريد. وضعت أحمر للشفاه أبرز جمال شفتيها الممتلئة، ثم أخذت تحاول رسم عينيها بظلال العين بيد مرتجفة تحاول أن تضبطه لتنجح بالنهاية. واضعة القليل من الأحمر فوق وجنتيها الممتلئة ثم فركتهم بلطف محاولة توزيع اللون وتخفيفه.

وما إن انتهت وقفت تتطلع إلى نفسها بالمرآة وابتسامة مشرقة على شفتيها، فقد كانت جميلة. فلأول مرة بحياتها تشعر أنها جميلة حقاً. ألقت نظرة أخيرة على نفسها قبل أن تهبط للأسفل بوجه مشرق بالسعادة. وقفت أمام باب شقة حماتها تمرر يديها المرتجفة على قماش فستانها محاولة تهدئة ضربات قلبها التي كانت تضرب بجنون بصدرها. التقطت نفساً عميقاً مرتجفاً قبل أن تدلف إلى داخل الشقة الذي كان بابها مفتوحاً على مصراعيه لاستقبال الضيوف.

لتجد المكان قد امتلأ بالضيوف حيث وجدت النساء جالسات ببهو المنزل يتحدثن بصخب ومرح، بينما الأطفال يلعبون من حولهم. وما إن شاهدتها شوقية وشهد ونعمات، تركن النساء واتجهن نحوها سريعاً، لكنهن توقفن أمامها يتطلعن نحوها بأعين متسعة بالدهشة. غمغمت شوقية بارتباك وهي ترفع وجه صدفة للأعلى تتفحصه: = إيه ده؟ أومال فين الكدمة اللي كانت في عينك؟ أجابتها صدفة وقد اشتعل وجهها من شدة الخجل: = ما هو مكنش في كدمة أصلاً.

اقتربت منها شهد ممسكة بذراعها تديرها نحوها مضيقة عينيها عليها، بينما تتفحص عينها قائلة بشك: = أنتي حطيتي حاجة تداري بيها الكدمة؟ قاطعتها صدفة سريعاً نافية: = لا والله أبداً. لتكمل وهي تمسح حول عينها بالمنديل الذي كان بيدها محاولة تجنب كحل عينيها حتى لا يتخرب: = شوفي أهو مفيش حاجة. غمغمت بحدة نعمات التي كانت واقفة تتابع ما يحدث بصمت: = أومال اللي كان في عينك ده كان إيه؟ وحمة؟ أجابتها صدفة كاذبة وهي ترسم

ابتسامة مستفزة على شفتيها: = ده مكياج يا حماتي. لتكمل بصوت منخفض كما لو كانت تخبرهم سراً ما: = أصل حبيت أشوف غلاوتي عند راجح، فقولت أشوف هيعمل إيه لما يشوف عيني كده. زمجرت نعمات بقسوة: = وإنتي علشان تشوفي غلاوتك عنده تلبسيه مصيبة يا أختي. هزت صدفة كتفيها قائلة باستفزاز مستمتعة بإغاظتها لها: = إنتوا اللي فهمتوا غلط يا حماتي ومدتنيش فرصة أشرح حاجة. لتكمل وهي تلتفت إلى شوقية التي كانت تستمع إليها مبتسمة:

= ده راجح زعل مني وأنا قعدت أصالح فيه لحد ما الحمد لله فك أخيراً. رمقت نعمات بنظرات ذات معنى وهي تكمل بخبث: = أصله اتخض عليا وافتكر إن حد كده ولا كده اتجرأ ومد إيده عليا بيقولي كان هيهد البيت باللي فيه. زجرتها نعمات بنظرات غاضبة حادة، بينما ضحكت شوقية بصوت مرتفع قائلة بإعجاب: = حقه طبعاً. ده إنتي عسل يا بت يا صدفة، يعني فوق ما إنتي حلوة، لأ ونغشة كمان. يا بخت راجح بيكي والله. لتكمل باستفزاز وهي تنظر لشقيقتها

الواقفة بوجه متصلب بالغضب: = أمّه ادعاله بصحيح. ابتسمت صدفة قائلة بخجل، فلم تكن معتادة أن يمدح بها أحد مثلما تفعل معها شوقية دائماً: = تسلميلي يا خالتي. شهقت نعمات مقاطعة إياها بغضب: = خالتك؟ وقفت صدفة تتطلع إليها بارتباك، شاعرة بالحرج من ذلة لسانها. لكن أشرق وجهها عندما عقدت شوقية ذراعها حول كتفيها تضمها إليها بحنان وهي تجيب شقيقتها بحدة: = أيوه يا أختي خالتها. مالك؟ لتكمل وهي توجه حديثها لصدفة

مربتة على كتفها بحنان: = ولو عايزة كمان تقولي ماما، تقولي. ده كفاية أدبها وحلاوتها وفوق ده كله مرات الغالي. زجرتها نعمات بقسوة قبل أن تلتف مبتعدة عنهم مغمغمة بكلمات غير مترابطة من شدة الغضب. لتتبعها شوقية ضاحكة محاولة مراضاتها. نكزت شهد ذراع صدفة قائلة: = بس إيه الجمال ده يا صدفة. مررت صدفة يديها على فستانها مغمغمة بفرح: = بجد حلو. اومأت لها شهد غامزة لها بعينها: = زي القمر ما شاء الله. راجح شافك؟

هزت صدفة رأسها قائلة: = لا هو نزل راح المخزن. قاطعتها شهد بينما تشير نحو غرفة الاستقبال: = لا ده جه من بدري وقاعد مع الرجالة جوه. لتكمل بمرح هامسة بأذن صدفة: = أنا لو منك أفضل لازقاله. اسمعي مني ده أنا كنت مأسيبش جوزي في أول جوازنا، كنت بروح معاه في كل مكان لحد ما طفش وسافر دبي. أطلقت صدفة ضحكة مرتفعة بادلتها إياها شهد مما جعل الرؤوس من حولهم تلتفت إليهم. غمغمت شهد بدراما مصطنعة:

= دلوقتي هيقيموا علينا الحد عشان ضحكنا بصوت عالي. مررت صدفة عينيها على الحاضرين لتجدهم يرمقونهم بالفعل بنظرات رافضة، مما جعلها تتوتر. كان راجح جالساً بغرفة الاستقبال يستمع لحديث ابن عمه وليد عندما سمع صوت تلك الضحكات مما جعل عينيه تتجه بحده نحو باب الغرفة المفتوح على مصراعيه ليجد كلا شقيقته وصدفة واقفتان يضحكان بالبهو بصوت مرتفع.

تجاهلت عيناه شقيقته وركزت على تلك المرتدية فستان جعلت الدماء تغلي بجسده، فقد كان ضيقاً يظهر جمال قوامها الذي يجعل أي رجل يركع على قدميه. تصلب وجهه بالغضب، فهو لا يحب أن يراها أحد بهذا الشكل. فعندما قالت له بأنها سترتدي فستان لم يعتقد أنه سيكون بهذا الشكل. = مش دي صدفة مراتك يا راجح اللي واقفة مع شهد؟ استدارت عيناه بحده نحو ابن عمه الواقف بجانبه عندما سمع كلماته تلك ليجيبه بحده: = اها هي... بتسأل ليه خير؟

هز وليد رأسه قائلاً بتهكمه المعتاد: = ابداً بسأل عادي بس مين يصدق أن دي صدفة بياعة الطعمية؟ ده الواحد كان يقرف يبص في وشها. ليكمل بهيام غافلاً عن ذاك الواقف بجانبه بجسد متشدد وشرارة الغضب تنطلق من عينيه: = لا بس إيه طلعت صاروخ ضرب نار... جسمها نار مولــ... وقبل أن ينهي جملته اندفع راجح نحوه مسدداً له لكمة قوية أصابت وجهه كادت أن تطيح برأسه من مكانه، ليسقط مرتطماً بالأرض بقسوة وهو يصرخ متألماً.

التف رجال العائلة من حولهم يشاهدون ما يحدث باستمتاع، فقد كان الجميع يكره وليد حيث كان مدمناً سكيراً وابن عاق لوالده الذي بكل يوم يتسبب بمرضه بأفعاله القذرة. سدد له راجح لكمة أخرى هاتفا بشراسة، حيث كان كما لو كان إعصاراً من الغضب والنيران بداخله: = أنت اتجننت يالا في دماغك ولا شارب حاجة من البلاوي اللي بتطفحها؟ ليكمل وهو يهجم عليه مرة أخرى ضارباً إياه عدة لكمات بوجهه، مزمجراً بغضب وعلامات الوحشية مرتسمة على وجهه:

= عليا النعمة ما هيطلع عليك صبح... وما هتخرج من هنا إلا على نقالة. صاح وليد بينما يضع يديه على وجهه النازف محاولاً حمايته من ضربات راجح محاولاً تهدئته: = والله ما أقصد... الكلام خرج مني كده، أنت عارف أن لساني دايماً فلت مني. أمسك راجح بياقة قميصه يجذبه منها ويهزه بقوة هاتفا بغضب عاصف: = لا لسانك فالت منك هربطهولك متقلقش. هتف عمه وهو يحاول جذب راجح بعيداً عن وليد الذي أصبح وجهه ينزف دماً: = خلاص يا راجح...

خلاص يا بني أنا عارف أنه قليل الأدب وأكيد عمل حاجة تخليك تعمل فيه كده بس علشان خاطري كفاية. أجابه راجح بأنفاس ثقيلة لاهثة من شدة الانفعال والغضب، بينما يجذب وليد من فوق الأرض ليضربه بقدمه في بطنه: = لا قليل الأدب يتربى يا عمي... وأنا بقي اللي هربيهولك. اندفع عابد الذي ما إن دلف إلى الغرفة وشاهد ما يحدث، اتجه نحو راجح جاذباً إياه بعيداً عن وليد الذي كان منحنياً على نفسه وهو يمسك بطنه يصرخ من الألم، هاتفا بحدة:

= سيبه يا راجح كفاية. رفض راجح الانصياع لوالده مما جعل عابد يجذبه بعيداً بقوة مزمجراً: = قلتلك سيبه يا راجح... إيه هتكسر كلمتي؟ تردد راجح عدة لحظات مقاوماً رغبته بضرب كلمات والده عرض الحائط والهجوم على وليد مرة أخرى، لكنه بالنهاية ابتعد عنه منفذاً أمر والده، فلا يمكنه كسر كلمته أمام أقاربهم. جذبه عابد إلى خارج الغرفة دالفا به إلى داخل إحدى الغرف الفارغة حتى يتحدث معه.

بينما غمغم توفيق الذي وصل للتو وهو يقترب من صديقه مصطفى، والذي كان أيضاً شقيق زوج شهد: = في إيه راجح ماله؟ هز مصطفى كتفيه قائلاً: = والله ما عارف، في إيه راجح قام مرة واحدة فجأة ومسك وليد ابن عمه ونزل فيه ضرب زي المجنون محدش عارف ليه. تفحص توفيق بفضول وليد الذي كان لا يزال جالساً على الأرض بوجه متورم ملئ بالكدمات، بينما أنفه وفمه ينزفان بشدة: = ضربه إيه... ده طحنه مخلـ...

لكنه ابتلع باقي جملته مطلقاً صفيرة من بين شفتيه فور أن وقعت عينيه على صدفة التي كانت لا تزال تقف مع شهد: = أوباااااا مين الوحش ده؟ تتبع مصطفى نظراته ليرى ما يشير إليه، غمغم وهو يضحك عندما رأى الفتاة التي يقصدها: = دي صدفة يا عمنا مرات راجح. هتف توفيق بحدة بينما عينيه بالصدمة: = نعم يا خويا... صدفة إزاي أها أنا سمعت أنها أحلوت بس مش كده، ده البت بقت وتكة.... دي تقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك. ليكمل بشهوة

وعينيه تمر ببطء على جسدها: = ولا جسمها.... يا دين أمي. قاطعه مصطفى بحدة وهو يزجره بغضب: = يا عم عيب احترم نفسك دي مرات صاحب عمرك برضو ميصحش اللي بتقوله ده. غمغم توفيق بارتباك نازعاً عينيه بصعوبة عن صدفة: = يا عم وأنا قولت حاجة... أنا اتصدمت لما شوفتها بس... أنت عارف راجح بالنسبالي إيه ده أخويا ومراته يعني أختي. التوى فم مصطفى بسخرية عندما عادت نظرات توفيق على صدفة مرة أخرى يطالعها بنظرات قذرة. ربت على ذراعه:

= هروح أسلم على شهد وأمشي علشان عندي شغل. أومأ توفيق رأسه بشرود بينما عينيه لازالت مسلطة على صدفة. في ذات الوقت، هتف عابد بغضب ما إن دلف هو وراجح إلى الغرفة وأصبحوا بمفردهم: = هي حصلت تضرب ابن أخويا في قلب بيتي. قاطعه راجح بشراسة بينما شرارة الغضب لا تزال تتقافز من عينيه: = ابن أخوك اللي بتتكلم عنه اتكلم في حق مراتي. هتف عابد بصوت غليظ ساخر: = مراتك!!!!! ليكمل بقسوة وهو يتقدم نحوه رافعاً طرف عبائته التي يضعها

حول عنقه على كتفه بحده: = مراتك إيه.. أنت صدقت المهزلة اللي أنت أصريت عليها علشان تعاندني وتحرق في دمي بس.... أنت عارف وأنا عارف كويس أن آخرها معاك شهرين وهتطلقها. قاطعه راجح هاتفا بحدة وقد أثار تهكمه هذا استعال غضبه أكثر: = المهزلة اللي بتتكلم عنها دي اسمها جوازة... واطمن صدفة هتفضل على ذمتي مش هطلقها. ليكمل بشراسة ضاغطاً بقسوة على كل حرف من حروف كلماته:

= صدفة مراتي.. ومراتي خط أحمر اللي هيتكلم عليها أو يجيب سيرتها عليا النعمة لأمحيه من على وش الدنيا. اسود وجه عابد بغضب هاتفا بقسوة ضاغطاً على رأس العصا التي بين يديه: = عال أوي بقى كده... لحقت تضحك عليك وتهبلك بمرقعتها وعلشان بقت حلوة بقيت تريل على جسمها اللي ماشية تستعرضه بالمحذق والملزق اللي هي لابساه. قاطعه راجح مزمجراً بشراسة وقد انفجر الغضب بداخله كبركان من النيران الثائرة: = حاجة عابد خد بالك من كلامك.

ليكمل بوحشية وعينيه تقدحان بشرارة الغضب وقد فقد السيطرة على أعصابه: = بعدين تضحك عليا.. تهبلني... أريل عليها مريلش أنا حر... على الأقل دي مراتى حلالى. رمقه بعينين تلتمع بالازدراء هامساً بقسوة من بين أسنانه المطبقة بقوة: = أحسن من اللي بيريل على واحدة قد بناته وبتضحك عليه ومخلصة كل فلوسه أول بأول. زمجر عابد بحدة وقد شحب وجهه خوفاً من أن يكون راجح قد علم بعلاقته التي يخبئها عن الجميع: = قصدك إيه؟ أجابه راجح وهو يهز

رأسه دلالة على مبالاته: = أقصد اللي أقصدة بقى. ليكمل مشيراً نحو الباب قائلاً بخشونة وقسوة: = والواد ده هيطلع بره... ومش هيقعد هنا دقيقة واحدة. صاح عابد بغضب وهو يندفع نحوه ممسكاً بذراعه عندما رآه يتجه نحو الباب مانعاً إياه من الخروج: = إيه.. حيلك حيلك... تطرد مين بره. ليكمل بقسوة وهو ينكزه في صدره بمؤخرة عصاه المدببة: = ده ابن أخويا.. وده بيتي يعني متقدرش تطرده من هنا

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...