الفصل 12 | من 21 فصل

رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الثاني عشر 12 - بقلم هدير نور

المشاهدات
22
كلمة
4,906
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

فور دخولهما شقتهما التفتت صدفة إلى راجح هامسة بصوت مرتجف وقلبها لا يزال يقصف بخوف داخل صدرها من الغضب المرتسم على وجهه. "في إيه يا راجح؟ إيه اللي حصل؟ أجابها هاتفا بقسوة وهو يتخذ عدة خطوات غاضبة نحوها. "فيه إنك خليتي واحد وسخ يتكلم عليكي عشان لابسة فستان زي ده." ليكمل بشراسة قابضا على ذراعها وهو يقرب وجهه منها، ينظر إليها بعينين تلتمع بوحشية. "فستان لازق على كل حتة في جسمك ومفصّلا. فستان مينفعش واحدة زيك تلبسه."

شحب وجه صدفة فور سماعها كلماته تلك التي هدمت في ثوانٍ فرحتها والثقة التي اكتسبتها منذ أقل من ساعة. شعرت بالألم يعصف بداخلها من معنى كلماته القاسية تلك، والتي كانت تعني أن الفستان الذي ارتدته غير مناسب لفتاة مثلها بجسدها الممتلئ. ضغطت بيدها على قلبها للتخفيف من الألم الذي يعصف به وهي تأنب نفسها بقسوة على ارتدائها هذا الفستان. فلما لم تستمع إلى حدسها الذي أخبرها أنه لا يليق بها ارتداء مثله؟ ولماذا جازفت بارتدائه؟

فبالطبع قام الشخص الذي ضربه راجح بالسخرية منها ومن امتلاء جسدها الذي أظهره هذا الفستان بوضوح. عند هذه الفكرة انفجرت باكية بشهقات ممزقة، مما جعل راجح، الذي كان واقفا يتابعها بنظرات مشتعلة بالغضب، يصدم عندما رآها تنفجر باكية بهذا الشكل. هتف بعصبية وحدة. "بتعيطي ليه دلوقتي؟ همست بصوت مرتجف ضعيف من بين شهقات بكائها الممزقة. "عشان عندك حق. مكنش ينفع واحدة تخينة زيي تلبس فستان زي ده. كنت المفروض أفضل لابسة العباية."

لتكمل بصوت مكتوم باكي القهر، ينبثق منه بينما تدفن وجهها بين يديها وبكائها يزداد بقوة. "زمان كل قرايبكوا و صحابكوا اتريقوا عليا." شعر راجح بالذنب فور سماعه كلماتها تلك، فقد كانت سعيدة للغاية لارتدائها فستان لأول مرة في حياتها، وهو أخرج بها غضبه من ذلك الحقير. اقترب منها عاقدا ذراعه حول خصرها، جاذبا إياها بلطف ليستند جسدها اللين إلى جسده الصلب. أبعد يديها عن وجهها قائلا بلطف محاولا تهدئتها. "بصيلي."

رفضت النظر إليه مخفضة رأسها للأسفل، بينما الدموع تنسدل على خديها أكثر، مما جعله يزفر ببطء قائلا. "أولاً، أنا مجبتش سيرة إن الفستان متخّنِك أو الكلام الأهبل اللي إنتي قولتي ده. أنا كنت أقصد بكلامي إنه مش مناسب لواحدة متجوزة." ليكمل وهو ينظر إليها بحنان يحيط وجهها بيديه، وهو يدرك مدى انعدام ثقتها بنفسها. "ثانياً، بقي إنتي مش تخينة، ومحدش اتريق عليكي. بالعكس، الكل كان معجب بيكي تحت."

هزت رأسها هامسة بصوت أجش من أثر البكاء. "إنت بتقول كده عشان صعبت عليك، لكن إنت نفسك قبل كده قلت إني مش حلوة ومهزتش فيك شعرة واحدة."

لعن نفسه بقسوة على كلماته الغبية التي أسمعها إياها وقت سابق لكي ينقذ كرامته التي كانت مجروحة بسبب رفضها إياه. شعر بقبضة تعتصر قلبه عندما لمح ومضة الألم التي ظهرت بعينيها. وقد بدأ يفهم الآن ما حدث بالأسفل، فقد كان سبب غضبه منها غيرته العمياء. فعندما رآها بذلك الفستان شعر بالنيران تشتعل بصدره فور تخيله لكل رجل بالحفل سيراها بهذا الجمال، وما زاد الأمر سوءا كلمات الحقير وليد ووالده. لكن الحقيقة أنها لم ترتكب أي خطأ، ففستانها لم يكن يختلف كثيرا عن فستان شقيقته شهد وباقي الفتيات بالحفل، لكنهم انتقدوا صدفة لأنهم لا يزالون يرونها صدفة بائعة الطعمية التي هي أدنى منهم، الجميع يستكثرون عليها أن تُرى بحال أفضل.

اشتعل الغضب أكثر وأكثر بداخله، رغب بالنزول إلى الحفل مرة وتلقين كل أحمق درسا لن ينساه طوال حياته. أمسك بيدها جاذبا إياها بصمت لداخل غرفة النوم، دفعها أمام المرآة التي كانت بطول الحائط. واقفا خلفها بينما يديه تقبض على كتفيها بلطف، مغمغما بلطف بأذنها. "بصي في المرايا وقوليلي شايفة إيه... نظرت صدفة إلى المرأة بتردد، هامسة بصوت مرتجف وهي تتفحص برفض مظهرها بذلك الفستان. "شايفة جاموسة لابسة فستان مش لايق عليها."

عقد ذراعيه حول خصرها جاذبا إياها إليه، ليستند ظهرها إلى صدره الصلب. همس بالقرب من أذنها وهو يصر على رفع ثقتها بنفسها. "طيب أقولك أنا شايف إيه... ليكمل هامسا بالقرب من أذنها بصوت مليء بالعاطفة، بينما نظراتهم تتلاقى بالمرآة. "شايف بطلة قدامي. أجمل واحدة كانت في عيد الميلاد كله." أخذ يمرر يديه على جسدها هامسا لها بصوت أجش وقد اسودت عيناه برغبة. "مفكيش غلطة واحدة." هزت رأسها قائلة بصوت مكتوم باكي وهي لا تصدق كلماته تلك.

"إنت بنفسك قلت إنك ضربت ابن عمك عشان اتريق عليا." لم يجيبها راجح، حيث قام بنزع حجاب رأسها الذي كانت ترتديه، محررا شعرها الحريري الذي انسدل بنعومة على كتفيها وظهرها. أزاح بيده شعرها عن كتفها، دافنا وجهه بعنقها المرمري الناعم، يمرر شفتيه بلطف عليه وهو يكمل محاولا إقناعها. "ابن عمي ضربته عشان بصّلك بطريقة مينفعش يبصلك بيها." ليكمل بتملك حارق وهو يقبض على عنقها بين أسنانه، يقضمها بلطف.

"ولا من حق أي راجل تاني إنه يبصلك بالطريقة دي." شعرت صدفة بالصدمة والارتباك عند سماعها كلماته المتملكة تلك، بينما بدأ شعور من الراحة يتخللها فور إدراكها أنه قد قام بضرب ابن عمه ليس لسخريته منها، وإنما بسبب مغازلته. شهقت عندما ازداد ضغط أسنانه على رقبتها، ليحررها ببطء مقبلا مكان لدغته بلطف. قرب شفتيه من أذنها يهمس لها بصوت أجش مثير، بينما يديه تمر على أنحاء جسدها بشغف.

"الفستان أول ما شوفتك بيه اتجننت، واللي جنني أكتر لما اتخيلت أي راجل كان هيشوفك بيه خياله المريض كان هيصورله إيه." ليكمل وهو يتأمل جسدها بالمرآة بأعين تشتعل بنيران الرغبة. "تخينة إيه يا هبلة؟ ده إنتي بطلة! على النعمة بطل ومفكيش غلطة واحدة."

احمر وجهها بشدة من الخجل، بينما شعرت برجفة حادة تسري بسائر جسدها عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تمر فوق عنقها الذي كان يقبله بشغف. وقفت تنظر إلى انعكاسهم بالمرآة بعينين متسعتين، بينما أخذ صدرها يعلو وينخفض بشدة وهي تكافح لالتقاط أنفاسها. شهقت باستجابة عندما بدأت يديه تمر فوق منحنياتها التي كان فستانها يبرزها بإغراء. أسندت رأسها على كتفه، بينما كان مستمرا بتقبيل عنقها وحلقها بقبلات شغوفة ملتهبة.

صدح رنين هاتفه، لكنه تجاهله، مستمرا بتذوق عنقها المرمري الناعم. لكن عندما استمر رنين الهاتف لأكثر من مرة، ابتعد عنها مطلقا لعنات حادة غاضبة، وهو يخرج هاتفه من جيب بنطاله، أجاب بحنق على المتصل. "خير ياما؟ في إيه؟ ليكمل هاتفا بغضب. "ألف جنيه إيه تاني اللي ضاعت منك؟

استقرت نظراته على صدفة، بينما يستمع إلى والدته تهتف بغضب وصوت مرتفع وصل إلى مسمع صدفة، التي تراجعت للخلف بعيدا عنه، شاعرة بالاضطراب عندما استقرت نظراته بحدّة عليها. "ألف جنيه خالتك شوقية منطّة بهم اختك شهد، واختك اتدهملي. حطتهم في الدرج بتاع الطرابيزة اللي في الصالة ومراتك كانت واقفة ساعتها." لتكمل بحدة وغضب.

"مفيش غيرها خدتهم. ولا إنت فاكر إني مخدتش بالي إنك حطيت الألفين جنيه المرة اللي فاتت من جيبك عشان تداري على مصيبتها؟ الألفين جنيه كانوا كلهم متينات مش ميات يا قلب أمك. لسه معايا مصرفتش منهم جنيه عشان ناوية أرجعهم لك. أنا خدتهم منك يومها وسكت، قلت بلاش أحرجك وعفى الله. بس المرة دي وديني ما هعديها يا راجح." زمجر راجح بغضب مقاطعا إياها، شاعرا كما لو تم سكب دلو من الماء على رأسه، شاعرا بالغضب والإحراج في ذات الوقت.

"طيب اقفلي ياما. اقفلي أنا نازلك." همست صدفة بصوت مرتجف وهي تراقب وجهه المشتد بالغضب، بينما يغلق هاتفه ويضعه بجيب بنطاله، محاولة التأكد من صحة ما سمعته. "في إيه يا راجح؟

ظل واقفا يتطلع إليها بصمت، يضغط على فكيه بقوة كادت أن تكسر أسنانه، وهو يحاول بصعوبة التحكم بأعصابه حتى لا يفعل شيئا قد يندم عليه. التف مغادرا الغرفة دون أن يجيبها، مما جعلها تركض خلفه تلاحقه، لتجده قد وصل إلى باب الشقة الذي فتحه استعدادا للمغادرة، لكنها هتفت موقفة إياه بصوت لاهث. "راجح... التف إليها، لتسرع هامسة بصوت القهر ينبثق منه. "والله العظيم ما خدت حاجة."

وقف ينظر إليها بصمت عدة لحظات، ولا يزال التعبير الحاد المقطّب مرتسما على وجهه، ثم التف خارجا، مغلقا الباب خلفه دون أن يجيبها، تاركا إياها واقفة مكانها بجسد يرتجف بقوة، تبكي بشهقات مكتومة. بعد مرور يومين...

جلست صدفة تشاهد التلفاز بأعين شاردة، بينما الثقل الذي بقلبها يزداد. فقد مر يومان على ما حدث بحفل ميلاد فارس ابن شهد، ومنذ ذلك اليوم وراجح يتعامل معها ببرود مقيت. لا يتحدث معها أبدا، يأتي كل ليلة بوقت متأخر من عمله، يأكل طعام العشاء الذي تعده، ثم يذهب للفراش مباشرة دون أن يتحدث إليها. حاولت أكثر من مرة أن تتحدث معه وتقنعه أنها لم تسرق شيئا، لكنه بكل مرة يقاطعها ببرود وجفاف، أنه لا يريد التحدث بالأمر، ثم يتركها ويذهب.

قاطع شرودها هذا صوت رنين جرس الباب. نهضت متجهة نحوه لكي تفتحه، وهي تتوقع أن تكون هاجر أو شهد، فلا يوجد سواهما من يأتون لزيارتها. لكن فور أن فتحت الباب، أسرعت بمواربته، مختبئة خلفه فور رؤيتها لتوفيق، صديق راجح. هتفت بارتباك وهي تخطف طرحتها من فوق الطاولة التي بجانب الباب. "ثواني... خرجت إليه مرة أخرى بعد أن غطت رأسها بالحجاب. "أيوة، خير."

غمغم توفيق، الذي تحجج وأتى إلى هنا لكي يراها. فمنذ يوم الحفل وهو سيجن ويرىها مرة أخرى، لكن عندما فتحت له الباب ورآها بذلك الشعر الحريري الأسود، اعتقد أن قلبه سيقف من شدة جمالها. هتفت صدفة بحدة عندما ظل يتطلع إليها بصمت. "بقول خير، عايز حاجة؟ خرج توفيق من شروده هذا، متنحنحا قائلا بارتباك. "راجح هنا... هزت صدفة رأسها قائلة بهدوء وهي تمسك بالباب الذي كانت مواربه إياه: = لا مش موجود.

أومأ رأسه وهو يخرج مبلغًا من المال من جيبه قائلًا: = طيب لما يجي أديله الفلوس دي، دول ١٠ آلاف يبقى عليا له لسه ٥ آلاف. أخذتهم منه صدفة مغمغمة بهدوء: = طيب ماشي. ثم انتظرت أن يلتفت ويذهب حتى تغلق الباب، لكنه ظل واقفًا مكانه مما جعلها تهمهم بنفاذ صبر: = مش خلاص ولا في حاجة تانية؟ أجابها توفيق وهو يمرر عينيه على جسدها من فوق لأعلى بنظرات ذات معنى:

= بصراحة فيه. من يوم ما شوفتك في عيد الميلاد وأنا بقول لنفسي ياريتك كنت اتبليتي عليا أنا وبقيتي من نصيبي. ليكمل وهو يرمقها بنظرات وقحة: = بس قول لي إنتي إزاي احلويتي كده يا بت يا صدفة؟ ده إنتي طلعتي جامدة يا بت. اهتز جسدها بعنف كما لو صعقة قد ضربته فور إدراكها أنه يعلم سبب زواجها من راجح، لكنها قررت تجاهل كلماته تلك هاتفة بحدة مقاطعة إياه: = بت لما يبتك يا بقف، وابقي اسألي أمك وهي تقول لك إزاي. هتف توفيق بحدة

وهو يضغط على فكيه بغضب: = وإيه لزمته إيه قلة الأدب دي، أما بت قليلة الأدب بصحيح. نزعت صدفة النعال المنزلي الذي كانت ترتديه ممسكة به بيدها تلوح به أمامه بتهديد: = واديك كمان بالجزمة فوق دماغك صحيح راجل ناقص. لتكمل بحدة وهي لازالت ممسكة بالنعال بيدها تضغط على حروف كلماتها بقسوة، بينما وقف توفيق يتلفت حوله خوفًا أن يسمع أحد صوتها المرتفع:

= لولا إني مش عايزة أعمل مشاكل كنت عرفت جوزي وهو كان يتصرف معاك، وتاني مرة متخطيش هنا طول ما راجل البيت مش موجود عندك التليفون ابقي اتصلي به واعرفي هو فين، وغور روح له. أنهت جملتها تلك وهي تنظر إليه من الأعلى للأسفل بنظرة ممتلئة بالنفور والغضب مهمهمة بازدراء: = جتك ستين داهية تاخدك، نطع بصحيح، اتفو. ثم أغلقت الباب في وجهه بقوة اهتزت لها الأرجاء تاركة إياه واقفًا بوجه محتقن وجسد متصلب هامسًا من بين أسنانه المطبقة:

= بالشبشب. ليكمل بسخرية وهو يعتصر يديه بجانبه بقسوة: = عاملالي فيها شريفة أوي بروح أمك، ماشي. ثم التفت مغادرًا مسرعًا قبل أن يأتي أحد ويرآه. بينما وقفت صدفة تستند إلى باب الشقة تستمع إلى خطواته المبتعدة وكامل جسدها يرتجف بعنف، وضعت يدها فوق صدرها الذي كان يعلو ويهبط بقوة بانفعال. لا تصدق أنه تجرأ وأسمعها تلك الكلمات وكيف علم بأمر المخزن وادعائها على راجح.

احترقت عيناها بالدموع وقد انقبض قلبها، فبالطبع راجح قد أخبره فمن غيره الذي سيخبره فقد كان صديقه المقرب. لكنها لا يمكنها أن تلوم راجح فهي من أذته بادعائها الكاذب عليه وبالطبع يكرهها لما فعلته به فلما سيخاف على سمعتها، لذا لا يمكنها لوم أحد سوى ذاتها. انهارت جالسة على الأرض تدفن وجهها بين ساقيها وقد اتخذ جسدها يرتجف بقوة والألم الذي بقلبها يكاد يزهق روحها. في وقت لاحق.

دلف راجح إلى المنزل بعد يوم عمل مرهق ليجد صدفة جالسة بغرفة الاستقبال والظلام يحيط المكان. دلف إلى الغرفة مشعلًا الضوء قائلًا بحدة: = قاعدة في الضلمة ليه؟ إيه بتحضري عفاريت؟ لم تجبه حيث أخذت تتطلع أمامها بصمت متجاهلة إياه مما جعله يزفر بحنق وهو يتقدم لداخل الغرفة، لكنه توقف مكانه عندما لمح الأموال الموضوعة فوق الطاولة. أشار نحوها قائلًا: = إيه الفلوس دي؟ أجابته دون أن تنظر إليه:

= فلوس جابها لك توفيق صاحبك وبيقول لك يبقى عليه خـ... قاطعها بقسوة بينما يقبض على ذراعها جاذبًا إياها منه لتصبح واقفة أمامه: = قولتي لي مين؟ أجابته بارتباك وهي تتلملم في وقفتها: = توفيق صاحبك. هتف بحدة ويده تتشدد حول ذراعها بقسوة مما جعلها تأن متألمة: = وتوفيق زفت إيه جابه وأنا مش هنا؟ نزعت ذراعها من قبضته بحدة هاتفة بغضب: = وأنا مالي ما تروح تقوله، هو.

أخذت عينيه العاصفة بشرارات الغضب تمر على جسدها المحكم داخل عباءتها الضيقة، أشار برأسه نحو عباءتها التي ترتديها والنيران تندلع بصدره عند تخيله لصديقه يراها بهيئتها تلك: = فتحتي له بمنظرك ده؟ ارتبكت صدفة، شاعرًة بالخوف من إخباره بالحقيقة خوفًا من ردة فعله، لكنها بالنهاية همست بالحقيقة فهي لم تفعل شيئًا لكي تخاف منه. = كنت... كنت لابسة طرحة طويلة وكنت واقفة ورا الباب. اداني الفلوس من على الباب ومش. أومأ برأسه مزمجرًا

بقسوة لاذعة: = تاني مرة مادام أنا مش في البيت متفتحيش الباب لحد. قاطعته بحدة واضعة يديها حول خصرها بانفعال وقد صدمتها كلماته تلك: = ليه إن شاء الله، عيلة صغيرة أنا ومش هعرف آخد بالي من نفسي. لتكمل بحدة ونفاذ صبر وقد احتقن وجهها من شدة الغضب:

= إنت مش ملاحظ إنك بقيت خناقني وكل شوية أوامر وتحقيقات، ألبسي ده، لأ متلبسيش ده، بتتكلمي مع ده ليه، لأ بتضحكي مع ده ليه، متطلعيش البلكونة إلا وطرحة على شعرك، إيه خلاص وصلت كمان لباب الشقة. وقف يتطلع إليها بصمت.

شعر بالارتباك والتوتر وهو يرى صدق ومنطق كلماتها، فهو بالفعل صار مهوسًا بالتحكم بها وبتصرفاتها، يود لو يخفيها عن أعين جميع الرجال، بل لو أراد الصدق مع نفسه فهو يود لو يخفيها عن أعين جميع الرجال والنساء، يرغب بها لنفسه فقط. زفر بحنق فاركًا وجهه بغضب، مديرًا ظهره لها بينما يخرج هاتفه فسوف يحدث توفيق ويحذره من ألا يأتي هنا مرة أخرى إلا بعد أن يتصل به حتى وإن كان الأمر هامًا.

شاهدته صدفة يتجه نحو الشرفة الخارجية ثم سمعته يتحدث بالهاتف مع صديقه بصوت حاد لاذع ثم تحول إلى غاضب صارم. ضربت يدها بخدها وهي تهمس: = كل ده علشان عرف إنه جه وهو مش موجود، أومال بقى لو عرف بقى اللي قاله هيعمل فيه إيه؟ هيقتله. لذا إذا كان لديها رغبة بإخباره عما فعله صديقه فقد تبخرت رغبتها تلك لأنها تعلم إذا أخبرته فسيحدث شيئان.

إما أن راجح سيصدق كلماتها وبهذه الحالة من المؤكد أنه سيقوم بقتله، وهذا بالطبع ليس ما تريده ليس خوفًا على ذلك الحقير الذي يدعى توفيق إنما خوفًا على راجح فقد كان متهورًا ولا تضمن ردة فعله. أو أنه لن يصدقها ويشكك بها وينعتها بالكاذبة كعادته، وهذا ما لا تريده أيضًا فهي قادرة على التعامل بمفردها مع الأمر فقد واجهت الكثير من هذه المواقف.

خرجت من أفكارها تلك عندما رأت راجح يخرج من الشرفة بعينين ملتمعتين بالقسوة ووجهه محتقن بشدة. تراجعت للخلف وهي تغمغم سريعًا مشيرة نحو المال الموضوع على الطاولة: = فلوسك عندك أهه، أنا خدتها منه ومعدتهاش، عدها إنت براحتك. لتكمل بتوتر وحدة: = علشان لو طلعت ناقصة تكلم صاحبك وتعرفه. غمغم راجح بقسوة تتخللها التهكم بينما يتجه نحو الطاولة: = متأكدة إنها هتبقى ناقصة بسبب صاحبي مش بسببك يعني. ليكمل بسخرية لاذعة وهو يتناول

المال من فوق الطاولة: = ده الواحد المفروض بعد ما يسلم عليكِ لازم يعد صوابع إيده، ويخاف منك. فرت الدماء من جسدها فور سماعها كلماته القاسية تلك، شاعرة بأنفاسها تنسحب من داخل صدرها كما لو أن المكان يطبق جدرانه. اخفضت رأسها بينما تحاول السيطرة على الدموع التي ملئت عينيها، بينما شعورها بالظلم والإهانة ينهشان قلبها.

وقف راجح يتابع حالتها تلك، شاعرًا بالارتباك والتوتر فقد توقع أن تجادله وتتشاجر معه وليس أن تقف بحالتها المنكسرة تلك. تجمد جسده عندما رأى كتفيها يهتزان بضعف بينما رأسها لا يزال منخفضًا يحجبه ستارة شعرها الحريري. خرج منها صوت صغير متألم كان كسكين غرز بقلبه. اقترب منها مغمغمًا بارتباك: = صدفة.

لكنها ابتعدت عنه مندفعة خارجة من الغرفة، مما جعله يلعن بحدة بينما يلحقها لداخل غرفة النوم ليجدها جالسة على طرف الفراش بوجه شاحب وعينيها ضبابيتين تحاول مكافحة الدموع. لكن ما إن رأته دفنت وجهها بين يديها بينما حلقها ينقبض وهي تحاول كتم شهقات بكائها لكنها فلتت منها منكسرة. أحشاءه التوت بشدة بداخله فور سماعه صوتها المنكسر هذا. اقترب منها جالسًا على عقبيه أمامها وهو يشعر بالندم على كلماته القاسية تلك.

أبعد يديها عن وجهها رغم مقاومتها له مما جعلها تشيح بوجهها بعيدًا، لكن ليس قبل أن يرى خطوط الدموع المتساقطة على خديها. مال إلى الأمام ممسكًا بيديها بين يديه وظل ينظر إليها حتى بادلته النظرات بعينين مغروقتين بالدموع. غمغم بصوت مختنق: = حقك عليا، متزعليش. همست بألم من بين شهقات بكائها الممزقة: = أنا تعبت، تعبت من إني كل شوية أسمع كلام زي السم على حاجة معملتهاش. لتكمل بصوت ممزق وجسدها يرتجف:

= والله العظيم أنا مش حرامية، ولا عمري مديت إيدي على حاجة مش بتاعتي. نزعت يدها من يده، مائلة بجسدها على الفراش متناولة من فوق الطاولة المصحف الشريف رافعة إياه على وجهها وهي تهمس بصوت مختنق: = والمصحف الشريف، أنا مسرقتش منك ولا من غيرك. أنهت كلماتها محتضنة المصحف إلى صدرها تبكي بحرقة وألم.

شعر راجح بقبضة تعتصر قلبه، اقترب منها ملتقطًا المصحف منها، واضعًا إياه برفق فوق الطاولة مرة أخرى قبل أن يجلس بجانبها ويسحبها برفق بين ذراعيه يحتضنها، ولمفاجأته لم تقاومه بل استسلمت له دافنة وجهها بصدره تنتحب بشدة. أخذ يمسد بيده برفق فوق شعرها، أحنى رأسه هامسًا لها بصوت منخفض مختنق مقبلًا رأسها بحنان وهو يدرك أن ردة فعلها تلك لا يمكن أن تخرج إلا من شخص يشعر بالظلم لاتهامه بشيء لم يرتكبه. = حقك عليا، متزعليش.

ظل يردد تلك الكلمات وهو مستمر بتمسيد شعرها وظهرها بحنان تاركًا إياها تبكي فوق صدره محاولًا تهدئتها وإراحتها. ظلت صدفة مستكينة فوق صدره، شاعرة بالاستنزاف والخمول بعد أن أخرجت كل ما بصدرها من بكاء. ابتعدت عنه بهدوء تنوي التمدد فوق الفراش حتى تنام وينتهي هذا اليوم، لكن أسرع راجح بجذبها من ذراعها مانعًا إياها. همست باعتراض بينما تحاول الإفلات منه: = سيبني يا راجح أنا عايزة أنام. شدد قبضته حولها مانعًا

إياها وهو يغمغم بصرامة: = لا مش هتنامي وإنتي زعلانة. ليكمل وهو ينحني نحوها حاملًا إياها بين ذراعيه مما جعلها تصرخ متفاجئة: = هطلب لنا أكل من برا، ونسهر أنا وإنتي قدام التليفزيون ونتفرج على مسلسل لن أعيش بجلباب أبي اللي إنتي بتحبيه. همست بارتباك بينما تعقد ذراعيها حول عنقه حتى لا تسقط: = عرفت منين إني بحب مسلسل لن أعيش في جلباب أبي؟ أجابها بينما يحني رأسه نحوها وابتسامة واسعة متسامحة ترتسم على شفتيه:

= وهو إنتي بتتفرجي على حاجة غيره ليل نهار مشغلاه. احمر وجهها بخجل، بينما أخذت ضربات قلبها تزداد داخل صدرها بجنون. أنزلها برفق فوق الأريكة بغرفة المعيشة، ثم جلس بجانبها قائلاً وهو يتناول هاتفه: = هاا عايزة تاكلي إيه يا ستي. بيتزا... كريب... شاورما.

عضت شفتيها بارتباك، غير قادرة على إخباره أنها لم تتناول أيًا من تلك الأشياء من قبل. فهي تعرفها فقط من مشاهدتها للإعلانات على التلفاز. حيث إن المال الذي كانت تقتطعه من مال عملها كانت تدخل به جمعيات حتى تأتي بجهاز عرسها، والذي بالنهاية دمرته أشجان. وعندما كانت ترغب أحيانًا بالترفيه عن نفسها، تأتي بعبوة كشري مصري صغيرة. همست أخيرًا باضطراب، بينما تهز كتفيها خائفة من اختيار شيء لا تعرفه، لذا اختارت ما اعتادت على أكله:

= كشري مصري. غمغم راجح بمرح، بينما يشير نحو التلفاز: = ده بمناسبة إننا بنتفرج على فاطمة كشري، مش كده. ضحكت صدفة بخفة. اقترب منها ممررًا يده بحنان فوق وجهها، مبعدًا شعرها خلف أذنها: = عايزة حاجة تانية أجبهالك. هزت رأسها بالرفض، وقلبها يتضخم داخل صدرها، متمتعة بحنانه هذا.

وفور أن طلب الطعام، شغل التلفاز على المسلسل، ثم جلس بجانبها على الأريكة، جاذبًا إياها بجانبه، محيطًا إياها بذراعه، يحتضنها، مما جعلها ترتبك وتتردد. لتستسلم بالنهاية وتسند رأسها على كتفه، تشاهد معه المسلسل. لترتسم على شفتيها ابتسامة عندما انحنى طابعًا على رأسها قبلة حنونة، بينما ذراعاه اللتان تلتف حولها تتشدد من حولها، محتضنًا إياها أكثر. بعد مرور نصف ساعة.

كان كلًا من راجح وصدفة يجلسان على الأرض بجانب بعضهما البعض، يتناولان الطعام الموضوع فوق الطاولة المنخفضة بغرفة المعيشة، بينما يشاهدان التلفاز باهتمام. توقف راجح عن تناول طعامه، متابعًا بشغف تلك التي تبتسم بينما تتابع مسلسلها المفضل بكامل تركيزها. تنحنح مترددًا، قبل أن يستجمع شجاعته حتى يطرح عليها ذلك السؤال الذي كان من المفترض أن يسألها إياه منذ ذلك اليوم الذي ادعت عليه به بتلك التهمة الحقيرة.

وبداخله أمل أن يكون هناك سبب لفعلتها تلك، وألا تكون تلك المخادعة التي نصبت له فخًا. = صدفة. همهمت مجيبة إياه وهي تتناول طعامها، بينما عيناها لازالت مسلطة على التلفاز. تشددت قبضة راجح الممسكة بملعقة الطعام، قائلًا بصوت جعله هادئًا قدر الإمكان: = ليه اتبليتي عليّ يوم المخزن؟ وإنه حاول اغتصابك؟

شحب وجه صدفة فور سماعها سؤاله هذا، وقد فرت الدماء من جسدها، شاعرة بالأرض تميد من تحتها. التفت تنظر إليه بعينين متسعتين مليئتين بالاضطراب والخوف، لا تدري بما تجيبه، خائفة من قول الحقيقة له عن اعتداء أشرف عليها، فيكون قد نصب لها فخًا حتى يقوم بالإيقاع بها وإثبات براءته، ليقوم بعدها بتطليقها وفضحها. أخذ عقلها الفازع يصور لها ما يمكن أن يحدث إذا أخبرته، فليس من المستبعد أن يقوموا بتزويجها لأشرف بعد أن يطلقها راجح.

وضعت الطعام من يدها، مغمغمة بحدة، بينما أخذ جسدها يرتجف: = هيكون إيه يعني... ما أنت عارف كل حاجة... لازمة إيه تفتح في الموضوع. لتكمل بحدة لاذعة، متصنعة الغضب: = ولا أنت لقيتني قاعدة مرتاحة شوية، قولت تعكنن عليا... ما أنت مش بترتاح إلا لما تقرف فيا وتحرق في دمي. انتفض راجح واقفًا، ملقيًا بحدة عبوة طعامه على الطاولة، مقاطعًا إياها بقسوة، وهو يشعر بخيبة الأمل: = لا أقرفك ولا تقرفيني.

ثم تركها وغادر الغرفة بخطوات ممتلئة بالغضب والحدة. شاهدته صدفة يغادر، شاعرة بقلبها ينقبض بالألم. دفنت وجهها بين يديها، بينما حلقها ينقبض وهي تحاول كتم بكائها، لكنها أفلتت منها منكسرة، لتنفجر بعدها ببكاء ممزق، وهي لا تدري هل ما فعلته كان صحيحًا أم خطأ.

دلفت بعدها إلى غرفة النوم، لتجدها فارغة. ظلت جالسة على طرف الفراش تنتظره، معتقدة أنه بالحمام، لكن مر أكثر من ساعة ولم يظهر بعد. نهضت أخيرًا لتتفحص الحمام. اتجهت نحو غرفة نوم الأطفال، تفتح بابها برفق، لتجده غارقًا بالنوم بإحدى الأسرّة، مما جعلها ترغب بالبكاء مرة أخرى. فرغم كل ما حدث بينهما، كانت هذه المرة الأولى التي يترك بها غرفتهم. في اليوم التالي.

غمغم بحدة أشرف، الذي كان مستلقى على الأريكة التي ببهو شقتهم، عندما رأى والدته تتجه نحو باب المنزل تستعد للمغادرة: = راحة فين يا ماما؟ التفت إليه أشجان قائلة، بينما تنحني ترتدي حذائها: = هروح أعمل اللي قلتلك عليه. انتفض أشرف جالسًا، قائلًا بفزع: = يا نهار أسود. ليكمل وهو ينهض متجهًا نحوها: = يا ماما اللي عايزة تعمليه ده خطر. راجح الراوي لو قفشك كدبك في حاجة زي دي ممكن يقتلك. هتفت أشجان بانفعال،

وهي تدفعه بيدها في وجهه: = متفولش في وشي يا ابن الـ... بعدين هيعرف منين؟ أنت مش قلت إنها دبسته في الجوازة واتبلت عليه. أومأ أشرف برأسه قائلًا: = أيوه... بس افرضي كان دخل عليها وجوازهم بقى حقيقي. البت صاروخ متتسبش. ضربت أشجان يدها فوق يدها الموضوعة أسفل صدرها، هاتفة بحدة: = لا اطمن جوازهم مش حقيقي. ومدخلش عليها أي راجل مكانه، مهما كانت حلوة هتفضل حتة إنها اتبلت عليه وفضحته واقفة في زوره، مش هيقدر يبلعها.

قاطعها أشرف هامسًا بشغف، بينما يفرك بيده صدره: = عليا النعمة... لو حتى قاتلني بسكينة تلمه، ما هيفرق معايا. دي صاروخ أرض جو يا ماما. بصقت أشجان عليه، مغمغمة بغضب: = وهو أنت راجل؟ ده أنت عيل بريالة. ماشي تريللي عليها وطول اليوم مصدعني بيها. مسح أشرف وجهه، قائلًا بحدة:

= أنتي بتتكلمي كده عشان مشوفتهاش. ده أنا الأسبوع اللي فات كنت واقف بشرب عصير قصب في العصارة اللي في السوق وشوفتها معدية هي وشهد الراوي. عليا النعمة زمان كنت بضرب المثل بشهد الراوي في الجمال والحلاوة. المرة دي شهد هوا جنبها، ولا كأنها باينة كده. البت فرسة بحق. ربتت أشجان على صدره، قائلة بسخرية: = طيب يا أبو ريالة. اديني راحة أجبهالك هنا تاني تعيش خدامة تحت رجلك، على الله ترحم أمي من صدعاك.

أسرع أشرف بلف ذراعيه حول والدته، هاتفا بحماس وهو يحتضنها: = يا حبيبتي يا أمي بتعملي كل ده عشاني. دفعته أشجان بحدة بعيدًا، هاتفة بغضب: = ابعد يا أهبل يا ابن الأهبل. هتخنقني. لتكمل وهي تعدل من وضع شعرها الذي بعثره: = بعدين مش بعمل ده لسواد عيونك. أنا بعمل ده عشان فيه نار جوايا بتغلي كده، كل ما بسمع الناس بتتكلم عن العز اللي هي عايشة فيه. لتكمل بحقد وغل، وهي تشير بإصبعها نحو الأرض بجانب حذائها:

= وديني لأرجعها هنا تحت جزمتي، وأخليها أعفن وأوسخ من الأول. ثم اختطفت حقيبتها وغادرت المنزل، مغلقة الباب خلفها بقوة، تاركة أشرف يراقب مغادرتها تلك، وابتسامة واسعة ترتسم فوق شفتيه. بعد مرور نصف ساعة.

كان راجح يتطلع بشرود إلى الأوراق التي أمامه على مكتبه، وعقله منشغل بتلك التي تركها بالمنزل نائمة، حيث إنه ذهب إلى العمل مبكرًا حتى لا يتواجه معها. فقد حاول بالأمس جعلها تتحدث معه وتخبره لما قامت بهذا الادعاء الحقير بحقه. فحتى وإن أخبرته أنها فعلته من أجل حاجتها للمال، كان سيحاول يتفهم لما احتاجته، خاصة وأنه كان سيتقبل الأمر بسبب فقرها وحاجتها اليائسة للمال.

خرج من شروده هذا عندما سمع طرقًا على باب مكتبه. رفع رأسه ليجد أشجان زوجة متولي تدلف إلى الغرفة وهي تهتف بصوت مرتفع: = السلام عليكم. لتكمل وهي تتقدم نحو مكتبه: = ازيك يا راجح باشا. تعجب راجح من زيارتها تلك، أومأ برأسه مغمغمًا بهدوء: = وعليكم السلام. ليكمل مشيرًا نحو المقعد الذي أمام مكتبه: = اقعدي يا أم أشرف. خير. جلست أشجان على المقعد الذي أشار إليه، مغمغمة بارتباك: = خير... خير طبعًا يا راجح باشا. لتكمل سريعًا

وهي ترسم على وجهها الحزن: = بصراحة كده، أنا جايلك تبقى وسطة خير بيني وبين صدفة. تراجع راجح في مقعده، يتطلع إليها بصمت، مما جعلها تردف بصوت حزين: = أصل بكلمها بقالي مدة مبتردش عليا في التليفون، وبصراحة خايفة أروحلها شقتها تطردني، أصلها شايلة مني أوي. قاطعها راجح بحدة:

= ما عندها حق تزعل. لما أنتِ وجوزك اللي المفروض أهلها ومالهاش غيركم، محدش فيكم فكر يحضر فرحها ويقف معاها. وحتى في الصباحية وطول الشهر اللي فات من يوم ما اتجوزت، محدش فيكم فكر يجي يزورها أو يرفع عليها تليفون ويطمن عليها. همست أشجان بارتباك: = نعمل إيه بس؟ ما هي بعد خناقتنا يوم العفش هي اللي حرّجت علينا، محدش يقرب منها أو يحضر الفرح. لتكمل بخبث، بينما ترسم على وجهها الهدوء، كما لو كانت تتحدث بعفوية:

= هي من بعد ما عرفت إني عرفت اللي كان بينكم قبل الجواز، وهي مش طايقاني، فاكراني هزلها باللي عرفته عنها. تشدد جسد راجح بقسوة فور سماعه كلماتها تلك، اعتدل في جلسته، مغمغمًا بصوت جعله هادئًا قدر الإمكان: = وأنتي عرفتي إزاي اللي حصل بينا قبل الجواز؟ ضربت أشجان يدها على صدرها، ممثلة الفزع: = يقطعني ويقطع لساني اللي متبري مني ده. ضيق عينيه بغضب عليها، مقاطعًا إياها بخشونة وعصبية مفرطة: = أنجزي، عرفتي منين؟

همست أشجان بصوت مرتجف، بينما تتطلع إليه بارتباك: = عرفت... عرفت بالصدفة والله. من 3 شهور، كنت سمعت صدفة في مرة بتتكلم في التليفون بليل، كانت فاكرة إنها في البيت لوحدها، عشان كنا بايتين عند أختي، بس أنا رجعت أجيب الشاحن بتاع الموبايل أصل كنت نسيته و... ضرب راجح بيده فوق سطح مكتبه، مقاطعًا إياها بقسوة ونفاذ صبر: = أنجزي، هتحكيلي قصة حياتك. أومأت برأسها بهلع، وهي تهمهم بخوف: = حاضر حاضر...

سمعتها بتكلم واحد وهي بتعيط، بتطلب منه يتجوزها ويستر عليها بعد ما سلمت نفسها له. انسحبت الدماء من جسد راجح، شاعراً بلكمة قوية تصيب صدره فور سماعه كلماتها تلك. بينما توقفت أشجان تراقب ردة فعله على كلماتها تلك، لترتسم ابتسامة داخلها فور أن رأت وجهه الذي احتقن بالغضب والصدمة. لتكمل سريعًا: = ولما دخلت عليها وحاولت أعرف اسم الجدع اللي غلطت معاه عشان أحاول أخليه يصلح غلطته منها، رفضت وقعدت تزعق معايا.

قاطعها راجح بصوت مشدود خشن، بينما يضيق عينيه بغضب: = الكلام ده كان إمتى؟ أجابته بصوت مرتجف، وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة الخوف من عينيه المظلمة المسلطة عليها: = مش... مش فاكرة والله يا باشا. لتكمل موضحة، جاعلة شكه يزداد أكثر وأكثر: = ممكن من حوالي شهرين، بس أنت جيت بعدها اتقدمتلها، فهمت إن لا مؤاخذة يعني، إن أنت اللي غلطت معاها. لتكمل بعفوية مصطنعة متجاهلة شرارات النيران التي تندلع من عينين مستمعها.

"أصل بصراحة يعني واحد زيك يا باشا هيعوز يتجوز واحدة زي صدفة؟ ليه ده الحي كله اتصدم لما عرف بجوازك منها." توقفت قليلا، ثم ضربت يدها فوق ساقها هامسة بصوت باكي: "ويوم العفش بتاعكوا لما واجهتها وفهمتها إن أنا عارفة إنه أنت قعدت تصوت وتضرب فيا وحلفت 100 يمين ما أحضر أنا ومتولي الفرح. كانت خايفة إن أقول لحد." ثم أكملت مشيرة نحو المصحف الموضوع على المكتب بجانب راجح:

"مع إن، والمصحف الطاهر ده يا باشا، حلفتلها إن سرها في بير وما هفتح بوقي. بس هي ما سمعتنيش ومن يومها وهي مقاطعة أنا حتى الاتصال ما بتردش علينا. عشان كده جيتلك تتوسط لنا وتفهمها إن أنا والله ما هانطق. دي بنتي يا ناس، حد يفضح بنته؟

أخذت تتحدث بكلمات منفعلة، لكن لم يكن راجح يستمع إليها. فقد بدأ عقله يربط كلماتها بما حدث. فالآن يعلم لماذا اتهمته بذلك الاتهام الحقير. فقد سلمت نفسها إلى رجل آخر، وعندما هربت منه ولم يتزوجها، قامت بإلصاق تلك التهمة البغيضة به محاولة التستر على فعلتها.

تسارعت أنفاسه واحتدت بشدة، شاعرًا كأن ستارًا أسود من الغضب قد أعمت عينيه. غضب عاصف لو أطلق له العنان لأحرق الأخضر واليابس، ولا يترك خلفه سوى الدمار والموت. انتفض واقفًا وعروق عنقه تتنافر، بينما يزداد وجهه احتقانًا من عنف ووحشية أفكاره في تلك اللحظة. هتفت أشجان بقلق مصطنع عندما رأته ينتفض واقفًا متجهًا نحو باب الغرفة: "رايح فين يا راجح باشا؟

لكنه تجاهلها واتجه نحو الباب بخطوات غاضبة مشتعلة، ليصطدم بقوة بتوفيق الذي كان واقفًا بمدخل الباب، والذي سمع بالصدفة الحديث الذي دار بالداخل. هتف بقلق حقيقي محاولًا الإمساك براجح: "رايح فين؟ اعقل يا راجح، متتهورش." لكن راجح جذب نفسه منه واندفع خارجًا، وعلى وجهه يرتسم تعبير وحشي يجعل من يراه يفر هاربًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...