صدح صوت توفيق الصاخب بحماس من مكبر الصوت. = ايووووة بقي يا عم راجح يبقى عملت اللي قولتلك عليه وخدت منها اللي انت عايزه دلوقتي تقدر تطلقها و ترميها مش قولتلك دي واحدة شمال و متستـ........ سقط الهاتف من يد صدفة التي شحب وجهها كشحوب الاموات فور سماعها تلك الكلمات تتطلع امامها باعين غائمة لا ترى شيئا. بينما وقف راجح متصلبا بمكانه و عينيه الممتلئة بالصدمة و الخوف مسلطة عليها.
استدارت راكضة للخارج بجسد مرتجف و هى لا ترى امامها بسبب عينيها الغائمة بالدموع الحارقة بينما الالم الذى بداخلها يكاد يمزق قلبها الى اشلاء. اسرع راجح الذي ما ان افاق من صدمته يلحق بها راكضا. قبض على ذراعها قبل ان تصل الي باب الغرفة مديرا اياها نحوه قائلا بصوت لاهث يملئه الذعر. = استني يا صدفة... انتي فهمتي غلط.. نفضت يده بعيدا عنها هاتفة بقسوة تعاكس الانكسار الذى يتصدع بداخلها. = فهمت ايه غلط بالظبط....
لتكمل صارخة بصوت مرتجف ملئ بالألم. = انك متفق مع صاحبك عليا..... امسك بها مقربا اياها منه و هو يغمغم برفق محاولا تهدئتها. = طيب اهدي يا صدفة... و هفهمك كل حاجة... ضربته قوة في صدره بقبضتيه دافعه اياه بعيدا عنها و هي تهتف بشبه هسترية. = لا تفهمني و لا افهمك مش خدت اللي عايزه منى زي ما اتفقت مع صاحبك..... لتكمل و هي تندفع نحو خازنة الملابس تخرج ملابسها. = كمل بقي اتفاقك معاه و طلقني....
هتف بحده و هو يتقدم نحوها و قد بدأ يفقد هدوءه. = بطلى ام جنانك ده و اسمعي اللي حصل الاول... اجابته و هي تبتلع الغصة التي تشكلت بحلقها حتي لا ينهار جدار القوة الذى تظهره امامه. = مش محتاجة اسمع منك حاجة.... البركة في توفيق صاحبك قال حاجة.... ثم اندفعت نحو الحمام لتنحنى و تلتقط هاتفه الملقي علي الارض و تقذفه علي الفراش الذي بجانبه و هى تهمس بصوت مرتجف. = امسك كلمه...
و احكيله علي اللي حصل بنا امبارح زي ما بتحكيله كل حاجة.. لتكمل بصوت مهتز مختنق و شفتيها ترتجف في قهر بينما الالم الذى تشعر به بداخلها يكاد يحطم روحها الي شظايا. = احكيله ازاي الشمال استسلمت ليك بسهولة و خدت منها اللي انت عايزه.... اهتز جسد راجح بعنف فور سماعه كلماتها تلك شاعرا بقبضه قاسية تعتصر قلبه اندفع نحوها مغمغما بصوت اجش خشن من شدة العاطفة التي تثور بداخله راغبا بازالة فكرتها الخاطئة تلك باي ثمن.
= صدفة اقسم بالله مـ... لكنها اسرعت بغلق باب الحمام بوجهه غير سامحة له باكمال جملته مغلقة الباب بالمفتاح من الداخل قبل ان تنهار علي الارض و هي تنفجر باكية و قد انهار السد الذى كانت تتصنع خلفه بالقوة وضعت يدها فوق فمها تكتم شهقات بكائها الممزقة حتي لا تصل اليه بالخارج بينما ظل هو يضرب علي الباب طالبا منها ان تفتح و تستمع اليه لكنها دفنت وجهها بين ساقيها واضعة يديها حول اذنها رافضة ان تستمع اليه. في ذات الوقت.
كانت اشجان جالسة تدهن اظافرها بطلاء الاظافر و هي تغني بصوت مرتفع مع مسجل الصوت الذي كان يصدح بالارجاء عندما اخذ باب المنزل يطرق بقوة. هتفت بحدة لأشراف المستلقي على الاريكة التي بجانبها بوجهه المتورم الملئ بالجروح و ساقه و ذراعه المحبران بسبب الكسور التي بهم. = يا دي الباب و سنينه السودا .. يا خويا من الصبح مش مبطل خبط و رن كل صحابك الشمامين جاين يطمنوا عليك... لتكمل بتهكم و هى تلوى شفتيها بسخرية.
= طيب ماتقولهم ياخويا يخدوا حقك من اللي يتشك في قلبه ابن الراوي اللى عجنك.. و لا عنده و بتقلبوا لفراخ بيضة..... هتف اشرف بحدة مقاطعا اياها. = لا مش فراخ بيضا احنا رجالة اوي... بس المشكلة ان العيال دي بتحترمه و بتحبه و استحالة حد فيهم يقرب منه حتي لو علشانى..... همهمت بازدراء وهي تضع عبوة الطلاء بحدة من يدها. = بيحترموه.... جتهم ستين نيله تاخدهم... و تاخدك معاهم
لتكمل و هي تزفر بحنق و غضب عندما اخذت الطرقات التي علي الباب تزداد. = ما اقوم اتنيل افتحلهم... هيكسروا الباب ولاد الهرمـ.ـه.. هتفت بنفاذ صبر بينما تتجه نحو الباب الذي كان يطرق بقوة اكبر وهي تنفخ في اظافرها حتي يجف طلاء الاظافر التي تضعه. = طيب... طيب و المصحف لو الباب اتكسر لاخاليكوا تدفعوا تمنه انت و هـ.........
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما فتحت الباب و رأت امرأتين ضخام الهيئة يرتدان الاسود مما جعل مظهرهم يبث الرعب بداخل من يراهم. = نعم يا ست انتي و هى عايزين مين ؟ اجابتها احدي النساء بصوت غليظ. = انتي اشجان مرات متولى... اومأت اشجان برأسها مجيبة اياها و عينيها تتنقل بينهم باضطراب و توجس. = ايوة انا... في اية..؟ لم تدعها المرأة تكمل كلامها حيث اندفعت نحوها تجذبها من ذراعها و هي تهتف بصوت حاد.
= طيب تعاليلي بقي يا روح امك.... صرخت اشجان بفزع و خوف وهي تحاول مقاومتهم و الرجوع الي الخلف. = عايزين مني ايه... اوعى يا وليه منك لها.. اوعى...... جذبتها المرأة الاخرى من شعرها بقسوة و هى تزمجر بشراسة. = عايزين منك كل خير يا روح امك... تعالى... ده انتى مش هيبقي في عضم امك عضمة ساليمة....
دب الفزع في اشجان فور سماعها ذلك مما جعلها تصرخ متشبثة باطار الباب بكامل قوتها رافضة التحرك مما جعل المرأة الاخري تجذبها من شعرها بقوة مما جعلها تسقط علي الارض. لتجر جسدها فوق الدرج من خلال شعرها الذى كانت تجذبه بقوة لتتعالى صراخات اشجان بسبب الألم الذي كان يمزق جسدها بسبب اصطدامه بالدرج.
و فور وصولهم لخارج المنزل اخذت اشجان تصرخ باكية محاولة الاستنجاد بجيرانها و المارة بالشارع و رغم انهم يبغضونها بسبب افعالها الشائنة لكن حاول بعض الرجال انقاذها من بين ايدي تلك النساء لكن اخرجت احدهم سكين غليظ من صدرها تلوح به امامهم هاتفة بوحشية. = عليا النعمة اللي هيقرب لهشقه نصين.... لتكمل و هي تجذب شعر اشجان التي كانت تبكي متألمة. = الحوار بنا و بين المرا.. دى محدش يدخل....
تراجع الرجال علي الفور الي الخلف فليس منهم من سيضحي بحياته من اجلها. جذبوها معهم حتي وصلوا الي الشارع الذي يقع به منزل الرواي اسقطوها بعنف علي الارض امام المنزل ثم بدئوا ينهالوا عليها بالضرب و السب بينما صراخاتها تشق الاذان. في ذات الوقت. كان راجح واقفا بوجه مكفهر ينتظر صدفة ان تخرج من الحمام الذى اختبئت بداخله منذ اكثر من نصف ساعة رافضة محاولاته لجعلها تستمع اليه.
تشدد جسده بترقب عندما انفتح الباب و رأها تخرج بوجه شاحب و اعين حمراء محتقنة ليعلم انها كانت تبكي مما جعل قبضة حاد تعتصر قلبه. تقدم نحوها لكنه توقف عندما لاحظ الملابس التي ترتديها والطرحة التي تضعها حول عنقها اندفع نحوها هاتفا بشراسة. = راحة فين ان شاء الله ؟ لم تجيبه صدفة و وضعت الطرحة فوق رأسها بينما تتجه نحو الباب دون ان تعيره اى اهتمام. مما جعله يلحق بها قابضا علي ذراعها مزمجرا بشراشة. = بقولك راحة فين... انطقة
نفضت يده بعيدا عنها كما لو كانت لا تطيق لمسته و هى تصرخ بحدة لاذعة. = ابعد ايدك دى عنى و متلمسنيش.... و ميخصكش انا راحة فين..... قاطعها راجح مزمجرا بعنف. = لا يخصني.... ليكمل بصوت حاد متملك و هو يحيط خصرها بذراعه جاذبا اياه نحوه لتصطدم بجسده بقوة مما جعلها تشهق بصدمة. = كلك على بعضك كده تخصيني... ضربته بقبضتيها في اعلى كتفيه وهي تقاطعه بغضب. = كان زمان كنت تاكل عقلي بكلامك ده... بس خلاص كل انكشف و بان...
كل كلامك كان كدب... تمثيلية متفق عليها انت و صاحبك قاطعها بينما يشدد من احتضانه لها. = تبقي غبية لو ده تفكيرك و مفهمتيش لحد دلوقتى انتي بالنسبالي ايه.... اتسعت شفتيها بابتسامة ساخرة و هى تنظر الى عينيه. = لا طبعا عارفة.. لتكمل هامسة بصوت بارد يعاكس النيران و الألام التي تمزق قلبها. = واحدة شمال.... زمجر راجح بقسوة و هو يقرب وجهه من و جهها حتي اصبح لا يفصل بينهم سوا بوصة واحدة مسلطا عينيه بعينيها.
= عمرى ما فكرت فيكي كدة.... انتى مراتى هزت صدفة رأسها هامسة بصوت مرتعش وقد امتلئت عينيها بالدموع التى لم تستطع حجبها. = طيب نسأل توفيق صاحبك... احاط كف يده بجانب وجهها بينما يده الاخري التي حول خصرها تجذبها نحوه اكثر حتي اصبحوا ملتصقين كجسد واحد. همس بالقرب من شفتيها وعينيه التي تنطلق منها الشرار مسلطة داخل عينيها المرتسم بها الالم بوضوح. = توفيق ده عيل و سـ.ـخ و عليا النعمة لهخليه يدفع تمن كلامه ده...
دفعته صدفة في صدره بقسوة محررة نفسها من بين ذراعيه. = و انت مين هيدفعك تمن اللي عملته فيا..... لتكمل وهي تنحنى تختطف طرحتها التي سقطت بوقت سابق علي الارض. = انا هروح اقعد عند ام محمد... و ورقتي توصلي على هناك..... هتف راجح الذى وصل غضبه الي الحافة فور سماعه كلماتها تلك. = ما تبطلى جنان بقي و اعقلى.... علشان افهمك اللى حصل...
همت صدفة بالرد عليه لكن قاطعها صوت صراخ حاد لأمرأة تستغيث يأتى من الشارع لذا ركضت صدفة الى شرفة المنزل حتى ترى ما يحدث لكنها ضربت بيدها فوق صدرها و هى تهتف بفزع فور رؤيتها لأشجان ساقطة علي الارض بالشارع و امرأتين ذو مظهر مرعب ينهالان عليها بالضرب المبرح. = يا نهار اسود.... رفعت اشجان رأسها للاعلى و فور رؤيتها لهم صرخت باكية. = الحقني يا راجح باشا... الحقني
التفت صدفة حولها و هى لا تفهم ما يحدث لتجد راجح يقف بجانبها بالشرفة يتابع ما يحدث و هو يدخن سيجارة بيده بهدوء دون ان يعير ما يحدث اهتماما. امسكت صدفة ذراعه مغمعمة باضطراب. = هو ايه اللي بيحصل بالظبط... اداراه راجح بهدوء نحو الشرفة مرة أخرى. "اتفرجي وملي عينك الأول."
قاطع حديثه صوت جرس الباب مما جعله يلتفت ويخرج لكي يفتحه، بينما ظلت صدفة تشاهد ما يحدث لأشجان بصدمة، لكنها لا تنكر أنها لم تشعر بالعطف نحوها، بل على العكس كانت تشعر بالشماتة. قطبت حاجبيها عندما سمعت صوت ضجيج يأتي من داخل الشقة، خرجت من الشرفة لتجد عابد بوجهه الغاضب يقف ببهو الشقة أمام راجح. يهتف بقسوة وهو يشير بإصبعه للأسفل: "انزل فض الليلة اللي تحت دي، إحنا كفاية فضايح." أجابه راجح بهدوء بينما يعقد ذراعيه فوق صدره:
"وفضيحة لينا ليه؟ واحدة ستات وبتتخانق مع بعض، إحنا مالنا." قاطعه عابد بقسوة وقد احتقن وجهه بغضب عاصف: "مالنا إيه؟ مش ده النسب اللي يعر اللي ست الحسن والجمال مراتك جاية من بيتهم." قاطعه راجح مزمجراً بشراسة: "مالكش دعوة بمراتي، خرجها برا الليلة." ضرب عابد بعصاه الأرض بقسوة وهو يغمغم بازدراء واضح: "أخرجها ليه من الليلة؟ دي هي أساس القرف اللي إحنا فيه." ليكمل وعيناه تلمعان بالقسوة:
"وكل شوية مراتي، مراتي يا أخي دوشتنا، لتكون فاكر إني مصدق الفيلم اللي أنت عامله ده؟ أنا عارف كويس إنك مستمر في الجوازة دي بس عشان تعاند معايا، وفي نفس الوقت البت حلوة، قلت تتمتع نفسك يومين بيها بعدين ترميها." اهتز جسد صدفة بعنف وانسحبت أنفاسها من داخل صدرها، كما لو المكان يطبق جدرانه من حولها، فاقدة قدرتها على التنفس من شدة الضغط الذي قبض على صدرها والذي هدد بسحق قلبها.
فقد كانت كلماته تلك ليست سوى تأكيد لكلمات توفيق. لم تتحمل سماع إهانتها أكثر من ذلك، لذا انسحبت بهدوء وغادرت المنزل دون أن يشعر بها أحد، لكن فور وصولها للدرج سمعت صوت راجح الغاضب يدوي في أرجاء المكان، لكنها لم تتوقف حتى تستمع لرده على والده. وما أن وصلت للشارع رأت أشجان لازالت ملقية على الأرض والنساء تنهال عليها ضرباً. اقتربت منهم ببطء، وفور أن رأتها أشجان هتفت باكية مستنجدة بها كما لو كانت طوق نجاتها:
"الحقيني، الحقيني يا صدفة." وقفت صدفة تتطلع إليها بصمت عدة لحظات، وكل ما فعلته بها أشجان منذ أن كانت لازالت طفلة يمر أمام عينيها كشريط سام من الذكريات المؤلمة. تراجعت للخلف باصقة عليها وهي ترمقها بازدراء وغضب، قبل أن تلتف وتكمل طريقها نحو منزل أم محمد بجسد منهك وقلب يؤلم كالجحيم بداخلها. وما انتهت النساء من أشجان، أمسكت إحدى النساء بشعرها تجذبه بعنف مرجعة رأسها للخلف وهي تهمس بجانب أذنها كالفحيح بأذنها:
"راجح باشا الراوي بعتلك السلام وبيقولك ده رد الواجب بتاع امبارح." ثم دفعت رأسها للخلف بقوة مما جعله يصطدم بالأرض، لتنفجر أشجان في بكاء وصراخ هستيري. في ذات الوقت... هتف عابد وعيناه تلمعان بالقسوة: "مراتك، مرتك يا أخي دوشتني، لتكون مصدق إني مصدق الفيلم اللي أنت عامله ده؟ أنا عارف كويس إنك مستمر في الجوازة دي بس عشان تعاند معايا، وفي نفس الوقت البت حلوة، قلت تتمتع نفسك يومين بيها بعدين ترميها."
اندفع راجح نحوه وغضب عاصف يحترق بداخله، لو أطلق العنان له لأحرق الأخضر واليابس ولا يترك خلفه سوى الدمار والموت، لكنه توقف على بعد خطوة منه وقد نجح بالسيطرة على أعصابه بآخر نفس قبل أن يرتكب شيئاً قد يندم عليه. زمجر ببطء من بين أسنانه المطبقة بقسوة: "قلتلك قبل كده جوازي من صدفة مش فيلم، ومش هطلقها لا دلوقتي ولا بعد سنة ولا 100 سنة قدام." قاطعه عابد بسخرية لاذعة:
"والله عال، يعني ناوي تخلي حتة البت الجربة دي تبقى أم عيالك على كده." ليكمل وهو غافل عن الغضب الأسود المرتسم بعيني راجح: "فكر بعقلك وبطل العند اللي أنت فيه، وده هيضيعك. دي آخرها يومين، شهرين، تشبع منها وترمي لها قرشين في النهاية وتطلقها، ولو على الفلوس هدفعها لك أنا، بس طلقها وخلصنا."
أغمض راجح عينيه بقوة معتصراً قبضتيه وقد تسارعت أنفاسه واحتدت بشدة وهو يحاول التحكم في غضبه، لكنه فتح عينيه شاعرًا بالبرودة تجتاحه فور تذكره صدفة المتواجدة بالشرفة والتي قد تكون سمعت كلمات والده تلك، مما سيتسبب في تأكيد ما سمعته من قبل. تطلع بقلق نحو الشرفة لكنه لم يجدها واقفة، فيبدو أنها لازالت بالداخل تشاهد ما يحدث لأشجان بالأسفل. استدار إلى والده مغمغمًا بصرامة تتخللها الحدة والغضب:
"أنا مش بعاند معاك ولا مع غيرك، صدفة مراتي لأني عايزها تبقى مراتي، وإها لو ربنا أراد بإذن الله في يوم هيبقى لنا عيال." ضرب عابد الأرض بعصاه عدة مرات وهو يكمل بشراسة غافلاً عن الصراع الدائر بداخل راجح: "عليا النعمة يا راجح لو ما طلقتها لأكون دبحها قدام عينيك." لم يشعر راجح بنفسه إلا وهو يندفع نحوه يقبض على عنق عباءته وقد ارتسمت معالم الوحشية على وجهه: "تدبح مين؟ ده أنا كنت أقلبها لك مجزرة."
ركز عابد نظراته المتسعة بالصدمة على يد راجح التي كانت تقبض على عنق عباءته وهو لا يصدق أنه تجرأ وفعل به ذلك. أخفض راجح نظره إلى يده شاعرًا بالصدمة هو الآخر مما فعله، أسرع بنزع يده متراجعًا للخلف باضطراب: "بتمد إيدك عليا يا راجح؟ ليكمل عابد بقسوة صارخًا بغل وغضب: "بتمد إيدك عليا يا ابن مأمون، ده رد الجميل بعد ما لميتك من الشارع وربيتك، بتمد إيدك عليا."
ظل راجح يتطلع إليه بصمت وهو يشعر بالارتباك مما فعله، ليكمل عابد بقسوة وهو يرمقه بازدراء وحدّة: "أقول إيه، ما أنت نجس وقليل الأصل زي اللي جابك." قاطعه راجح بشراسة هاتفا بصوت حاد لاذع: "أنا لا نجس ولا قليل الأصل." ليكمل بعنف مكبوت وهو يقترب منه حتى وقف أمامه مباشرة وتعبيرات وحشية على وجهه: "أنا اللي شلتك طول السنين اللي فاتت، أنا اللي فضلت خدام تحت رجلك أنفذ كل اللي بتقوله ومكسرش كلمتي أبدا حتى لو كلمتك دي كانت غلط."
غرز إصبعه في صدره وهو يكمل: "أنا اللي حولت محلك الصغير اللي ما كانش بيدخلك في اليوم 50 جنيه لـ 7 محلات كبار بوكالة طويلة عريضة يحلف بها الكل." زمجر عابد بقسوة وقد أرعبه ما قاله، فراجح بحياته لم يذكر أبدًا أنه من صنع كل هذا: "بتذلني، بتذلني يا راجح." هتف راجح مقاطعًا إياه بحدة: "أنا مبذلكش، ولا بأذل غيرك." ليكمل وهو يضرب بقسوة على صدره: "بس أنا تعبت، ده أنا لو جبل كنت وقعت. إيه مستكتر عليا؟
مستكتر عليا إنك تشوف إن ليا بيت ومرتاح مع مراتي؟ كل يوم إهانة وقلة قيمة، بس لا أنا معتش هستحمل كده ولا هقبل حد يهين مراتي تاني." زمجر مقتربًا منه وعيناه مسلطة بعينيه التي تشع غضبًا وقسوة: "فاهمني يا حاج عابد." وقف عابد يتطلع إليه بحدة عدة لحظات قبل أن يهز رأسه ببطء واضعًا طرف عباءته حول عنقه وينصرف، مغادرًا بخطوات تشتعل بالغضب.
ظل راجح واقفًا بمكانه عدة لحظات وهو يصارع ما بداخله من ألم وغضب، قبل أن يفرك وجهه ويلتفت إلى داخل الشرفة حتى يرى صدفة ويوضح لها سوء الفهم الذي بينهم، فقد كان يشعر أنه يحتاجها الآن أكثر من أي وقت مضى.
لكنه صدم عندما وجد الشرفة خالية، مما جعله يندفع ويبحث عنها بأرجاء المنزل الذي وجده هو الآخر فارغًا. انهار جالسًا بقلب مثقل ووجه شاحب كشحوب الأموات فور إدراكه أنها قد غادرت المنزل، وبالتأكيد قد سمعت كلمات والده القاسية بحقها والتي لا تختلف تمامًا عن كلمات توفيق. دفن وجهه بين يديه وهو لا يعلم كيف سيقنعها الآن بأنه لا يفكر بها بهذا الشكل الشنيع، وكل من حوله يؤكدون عكس ذلك. بعد مرور ساعتين...
كان راجح في طريقه إلى منزل أم محمد حتى يقوم بإرجاع صدفة للمنزل، فقد تركها لتهدأ بعض الوقت وتخرج ما بقلبها لصديقتها. يعلم أن الأمر كثير عليها لتتحمله، لكنها تفهم الأمر خطأ، فهو لا يمكنه أن يراها رخيصة أو امرأة سيئة كما قالوا، حتى عندما اتهمته كذبًا لم يفكر بها هكذا أبدًا. تبطأت خطواته عندما رأى توفيق الجالس على القهوة، والذي ما أن رآه يتقدم نحوه نهض مسرعًا هاتفا بصخب وهو يفتح ذراعيه على اتساعهما وهو يبتسم:
"صباحية مباركة يا عريس." ليكمل وهو يتجه نحوه غامزًا بعينه: "شوفت لما سمعت كلامي وعملت اللي... ولكن لم ينهي جملته إلا ولكمه راجح بقوة في وجهه مما جعله يترنح للخلف بقوة. فتح فمه لكي يتكلم لكن لم يتح له راجح الفرصة، حيث أخذ يسدد له اللكمات المتفرقة بوجهه وأنحاء جسده. فقد كان راجح كالإعصار الذي سيبتلع ويدمر كل شيء بسبب غضبه، ضربه بكل قوته، فهو من تسبب بكل هذا بكلماته الحمقاء. هتف توفيق وهو ينحني على نفسه يلهث بألم:
"إيه يا راجح، بتضرب ليه يا جدع." أمسك راجح بمؤخرة عنقه يضغط عليها بقوة مزمجرًا بصوت منخفض حتى لا يسمعه الناس الذين تجمعوا من حولهم: "قسمًا بالله، لو لسانك ده جاب سيرة مراتي تاني لهولع فيك حي، وأنت عارف كويس إني مبحلفش كدب. أنا مراتي أشرف من أي واحدة في الحارة دي كلها." شحب وجه توفيق فور سماعه كلماته تلك، فتح فمه بصعوبة هامسًا: "والله يا راجح مكنتش... دفعه راجح للخلف مما جعله يسقط بقوة على الأرض المتربة هاتفا بشراسة:
"خلص الكلام، وما تتكلمش تاني." ثم تركه ملقيًا على الأرض وأكمل طريقه نحو منزل أم محمد. بمنزل أم محمد... كانت أم محمد مستلقية على الفراش تحتضن صدفة التي كانت غارقة بالنوم، لكنها رغم ذلك كانت تصدر تنهدات باكية أثناء نومها، مما جعل أم محمد تربت على ظهرها مقبلة رأسها بحنان محاولة تطمينها.
وهي تشعر بالحزن والأسف عليها، فقد أمضت صدفة الساعات الماضية في البكاء الهستيري وهي لا تردد سوى أنها ليست رخيصة، كما لو أصابتها حالة من الهذيان، لذا ظلت تحتضنها محاولة احتوائها حتى سقطت بالنوم بين ذراعيها. صدح رنين جرس الباب مما جعلها تنهض ببطء من جانبها حتى لا توقظها، معدلة من وضع الغطاء حول جسدها.
فتحت الباب متوقعة أنه ابنها محمد الذي عاد من درسه الخاص به، لكنها صدمت عندما رأت راجح الراوي يقف أمامها، والذي ما أن فتحت الباب دلف إلى الداخل مغمغمًا بلهفة واضحة: "فين صدفة؟ أجابته أم محمد باضطراب وقد أربكها حضوره إلى منزلها: "نايمة... نايمة في أوضة محمد جوه." ضيق عينيه عليها بغضب محدقًا بها بقسوة هامسًا بصوت مخيف مظلم: "نعم، في أوضة مين؟ أسرعت أم محمد مغمغمة بارتباك وخوف: "لا، لا ما هو محمد في الدرس مش هنا." لتكمل
وهي تحاول التوضيح له: "بعدين يا راجح باشا محمد ده عيل ويعتبر أخو صدفة الصغير." قاطعها راجح بحدة: "عيل إيه يا أم محمد، ده شحط في تانية ثانوي." ليكمل وعيناه تدوران بين الغرف. = هي في أي أوضة؟ أشارت أم محمد إلى إحدى الغرف وهي تغمغم بتردد. = اللي هناك دي بس ا... اتجه راجح نحو الغرفة على الفور دون أن ينتظر سماع باقي جملتها، وهو يشعر بقلبه يعصف بداخله.
فتح الباب ودلف إلى الغرفة، مغلقًا الباب خلفه برفق. اقترب من تلك الغارقة بالنوم، تغطي كامل جسدها ووجهها بالغطاء. جلس على عقبيه على الأرض بجانب الفراش، مزيحًا برفق الغطاء عن وجهها. ليشعر بقبضة حادة تعتصر قلبه فور أن رأى أثر الدموع على وجنتيها الشاحبتين وتغضن حاجبيها بعدم راحة، كما لو كانت ترى حلمًا سيئًا. شعر بالذنب يجتاحه، فبدلاً أن يجعلها سعيدة، وبعد أن وثقت به وسلمت نفسها إليه، جعلها تبكي وتتألم حتى في نومها.
انحنى عليها، موزّعًا قبلات خفيفة على وجنتيها وعينيها، وهو يقسم بداخله أنه سيعوضها عن كل هذا، فهي زوجته وحبيبته. وقريبًا سيجعلها والدة أطفاله. شعر بقلبه يخفق بقوة وسعادة تجتاحه فور تخيله لطفلة تشبه صدفة بشعرها الأسود ووجنتيها الممتلئتين وبشرتها الكريمية البيضاء. رفع يدها طابعًا قبلة عميقة براحتها، قبل أن يهمس بالقرب من أذنها باسمها بلطف، محاولًا إيقاظها وهو يزيح شعرها المتناثر على وجهها إلى الخلف.
فتحت عينيها ببطء، ليرى الألم المرتسم بداخلها، مما جعله يرغب بسحق توفيق، الذي لو كان أمامه الآن لكان قام بقتله في الحال. أخذت تتطلع إليه عدة لحظات بتشوش، لكنها حين تذكرت ما حدث، انتفضت مبتعدة عنه، هاتفة بصوت متحشرج من أثر البكاء والنوم: = بتعمل إيه هنا؟ أجابها بينما ينهض واقفًا على قدميه: = جاي آخدك، عشان ترجعي على بيتك. هزت رأسها بقوة، هامسة بصوت مختنق: = ده مش بيتي، ده بيتك انت. جلس بجانبها على الفراش، ممسكًا
بيدها بين يديه: = لأ بيتك، وكل قشاية فيه بتاعتك. نزعت يدها من بين يده بحدة، هاتفة بإصرار وغضب: = مش بيتي، ومش هرجع معاك يا راجح، وكفاية اللي حصل لحد كده. قاطعها راجح وهو يعاود الإمساك بيدها: = كل اللي هقدر أقولهولك دلوقتي إنك فهمتي الموضوع، ولما نروح بيتنا وتهدي هحكيلك على كل حاجة حصلت، لأن الموضوع مينفعش نتكلم فيه في بيت غريب. هزت رأسها وقد أصبحت عيناها ضبابية من الدموع، وكلمات كلا من عباد وتوفيق تتردد بأذنها كما
لو كانت خناجر تمزق قلبها: = مفيش حاجة فهمتها غلط، امشي وسيبني في حالي بقى الله يرضي عليك. استقام واقفًا، ممسكًا بذراعها يجذبها برفق منه، قائلاً: = طيب قومي يا صدفة يلا، ربنا يهديكي. نفضت بعيدًا يده الممسكة بذراعها، هاتفة بغضب: = قولتلك مش هروح معاك في حتة. زفر بحنق، قبل أن يقترب منها قائلاً بنبرة خطرة: = قدامك حاجة من الاتنين، لا تقومى معايا يا بنت الناس ونروح بيتنا، لأما قسماً بالله هقعد معاكي هنا.
أخذت صدفة تتطلع إليه بصمت دون أن تعير لتهديده هذا اهتمامًا، كأنها لا تصدقه، مما جعله يغمغم بجدية: = مش مصدقاني. ليكمل وهو يستلقي براحة على الفراش بجانبها، أسفل نظراتها المنصدمة: = طيب. هتفت بصدمة، دافعة إياه بذراعها محاولة جعله ينهض من فوق الفراش: = تقعد فين؟ قوم يا راجح ميصحش كده، الناس معندهاش غير أوضتين، أوضة بينام فيها ندى وأم محمد، والأوضة التانية بينام فيها محمد. عقد حاجبيه قائلاً وهو يستند على مرفقه مقتربًا
منها: = أومال كنت ناوية تنامي فين؟ أجابته مشيرة إلى الخارج: = هنام في الصالة برا. انتفض جالسًا فور سماعه كلماتها تلك، هاتفا بقسوة، قد تسارعت أنفاسه واحتدت بشدة: = آها، ومحمد بقى طول الليل طالع يشرب، لا ياكل، لا داخل الحمام، وأنتي نايمة قدامه. أجابته صدفة بارتباك، وقد أرعبها التعبير المرتسم على وجهه: = وفيها إيه؟ محمد ده أخويا الصغير. انتفض ناهضًا على قدميه، ممسكًا بيدها يجذبها وهو يزمجر بوحشية، ونيران
الغيرة تتأكله من الداخل: = طيب قوميلي يلا كده، بدل ما أتجنن عليكي وأصور جريمة هنا. نهضت على قدميها، جاذبة يدها بحدة منه، هاتفة بصوت مرتجف مختنق، بينما تقاوم حتى لا تنهار أمامه: = قولتلك مش هاجي معاك في حتة، وياريت تمشي بقى، إحنا اللي بينا خلص وكفاية لحد كده. اقترب منها ممسكًا برفق بمؤخرة عنقها، ليدفن وجهها في صدره، متناسيًا غضبه، هامسًا بصوت أجش وهو يحيط خصرها بذراعه: = مفيش حاجة خلصت، إحنا لسه بنقول يا هادي.
ليكمل بجدية خطرة عندما قاومته ورفعت رأسها عن صدره، دافعة إياه بقوة رافضة لمسته: = ها، هاتيجى معايا البيت، ولا نقعد هنا؟ أخذت تتطلع إليه بصمت عدة لحظات، وهي تفكر بأنه قادر على تنفيذ تهديده هذا، وهي لا ترغب بافتعال مشكلة بين صديقتها وزوجها، الذي إذا علم بأن رجل غريب قد قضى الليل بمنزله، فهي تعلم جيدًا مصلح زوج أم محمد ذو العقل المريض.
لذا ستوافق على الذهاب معه، وبالليل ستعود إلى هنا مرة أخرى، لكن هذه المرة ستحذر أم محمد بألا تفتح له الباب إذا عاود القدوم مرة أخرى. أومأت برأسها، هامسة بضعف: = هاجي معاك. زفر راجح براحة فور سماعه كلماتها تلك، قبل أعلى رأسها بحنان، لكنها أرجعت رأسها للخلف رافضة، مما جعله يتنحنح وهو يخبر نفسه بأن يتحمل حتى يذهبوا للمنزل، وهناك سيحلوا كل شيء. في إحدى المنازل بشبه منطقة نائية.
كانت أشجان جالسة على الفراش تدلك قدميها وذراعيها المتورمين والممتلئين بالخدوش والكدمات. = آها ياني، آها بقى أنا أشجان يتعمل فيا ده كله. لتكمل بحدة وهي تلتفت للرجل الجالس بجوارها على الفراش: = هتجبلي حق ولا لأ؟ ربت الرجل على ساقها برفق قائلاً: = اهدى يا أشجان. طلبتي إني أوديكي للدكتور وعملتلك اللي انتي عايزاه، برغم إنك عارفة إن علاقتنا مينفعش تطلع برا الشقة دي. هتفت أشجان بحدة وهي تنزع يده من فوق ساقها:
= بقى هو ده كل اللي همك. لتكمل وهي تنهض بتثاقل على قدميها التي تؤلمها لكي تقف أمامه: = جرالي إيه يا عابد؟ كنت عايزني أفضل مرمية في الشارع بعد ما ابنك سلط النسوان يدغدغوا جثتي؟ بعدين كنت أعمل إيه؟ أشرف متكسر ومتلقح في البيت لا بيعرف يهش ولا ينش، ومتولي مخفي مسافر بورسعيد بيستلقط رزقه هناك. زفر عابد وقد تجهم وجهه بغضب، مما جعلها تخفض صوتها هامسة ببكاء مصطنع:
= مش كفاية، وقفت تتفرج عليا وأنا بتضرب، ومهنش عليك تنزل تحوش عن شوشو حبيبتك. أمسك عابد بذراعها مجلسًا إياها بجانبه، عاقدًا ذراعه حول كتفيها: = أعمل إيه؟ لو نزلت وحوشت عنك، وقتها نعمات هتفقس اللي بينا، خصوصًا إنها مش بطيقك. ليكمل ووجهه يتصلب بالغضب فور تذكره ما حدث بينه وبين راجح: = بعدين ما أنا طلعت لراجح عشان ينزل يحوش عنك، ودبيت أنا وهو خناقة لرب السما، وسمعته كلام زي السم. تغضن وجهه بغضب، وتلمعت عيناه بالقسوة،
وهو يكمل بشرود: = تخيلي لأول مرة في حياته يقف قصادي ويعلي صوته عليا، البت لحست دماغه وبقت مسيطرة عليه. وضعت يدها فوق خده تدير وجهه إليها في محاولة منها لجذب انتباهه: = يبقى لازم تخلص منها، وتحسره عليها، عشان يرجع تحت رجلك تاني. أومأ عابد برأسه وهو ينظر بعينيها بتفكير: = وده اللي هيحصل، بس في وقته. قاطعته أشجان بحدة: = يعني إيه في وقته؟ أنا عايزة حق الضرب اللي ضربته ده ييجي النهاردة، قبل بكرة. زفر عابد بغضب، قبل أن
يغمغم بحدة وهو يفرك وجهه: = حاضر يا أشجان، حقك هاييجي النهاردة أو بكرة بالكتير ياستي، ارتحتي. ابتسمت أشجان بفرح، قائلة وهي تعدل من ملابسها: = طيب قوم يلا وصلني. جذبها عابد من يدها لتصطدم بصدره: = وإحنا لحقنا. مررت يدها فوق صدره باغراء، متلاعبة بأزرار عبائته: = لما حقي ييجي، عليا النعمة لأعيشك ليلة عمرك ما عشتها قبل كده. لتكمل هامسة ببطء وهي تمط شفتيها: = ولا حتى مع البت سحر. شحب وجه عابد، مغمغمًا بارتباك
فور سماعه كلماتها تلك: = ها ها، سحر، سحر مين؟ أجابته وهي لا تزال تتلاعب بأزرار عبائته: = سحر اللي فاتحة محل خردة في آخر الشارع، واللي انت على علاقة بيها بقالك شهر، ده قد بناتك يا راجل. غمغم عابد باضطراب، وقد احمر وجهه فور إدراكه أنه تم كشف أمره:
استيقظت صدفة ترفرف بعينيها ببطء، وهي لا تزال لا تستوعب أين هي. لكن فور أن تذكرت، انتفضت جالسة، خاصة وأن خطتها للهرب قد خربت بسبب سقوطها في النوم. لكنها تنفست براحة فور أن وقعت عيناها على النافذة، لتجد أن الظلام لا يزال يسود بالخارج.
نهضت على قدميها تهم بالخروج من الغرفة، لكنها توقفت عندما انتبهت إلى راجح النائم بالفراش الذي يجاور فراشها. شعرت بالصدمة، فلما ينام هنا بذلك الفراش الصغير غير المريح ويترك فراشه الكبير الواسع. لم تستطع المقاومة واتجهت نحوه، جالسة على عقبيها بجانب فراشه. أخذت تتشرب بعينيها ملامحه الوسيمة التي كانت يطغى عليها الرجولة والصرامة حتى أثناء نومه. سدت غصة من الألم حلقها وهي تفكر، لما قام بخداعها؟
فقد كان أملها الوحيدة بهذه الحياة. لقد أحبته. أحبته كثيراً. كان يمكنها أن تضحي بنفسها من أجله. لكنها لا تعلم ماذا فعلت بحياتها حتى تحصل على كل هذا الألم. فهي لم ترغب سوى ببداية جديدة معه، فلأول مرة بحياتها تشعر بالسعادة وأن لها حياة ومكان تنتمي إليه. فهو الوحيد الذي كان يعاملها جيداً، ويغدقها بحنانه واهتمامه، لكن حتى هذا اتضح أنه كذب. فهي لم تكن بالنسبة إليه سوى امرأة رخيصة راهن صديقه عليها.
انفجرت باكية، لتسرع بوضع يدها فوق فمها مانعة شهقة كادت تفلت من بين شفتيها. ظلت على حالتها تلك عدة لحظات قبل أن تستجمع شجاعتها وتنهض، وهي تمسح وجهها من الدموع العالقة به، لكنه غرق مرة أخرى بدموعها التي لم تتوقف عن الانسياب من عينيها. اختطفت حجابها ووضعته على رأسها قبل أن تتجه إلى الباب وتغادر المنزل. فهي ستعود إلى منزل أم محمد، وسوف تمنعه من الدخول إلى هناك. وبعد أن يقوم بتطليقها سـ...
توقف عقلها عن التفكير إلى هذا الحد، فهي لا تعلم إلى أين ستذهب أو ماذا ستفعل إذا قام بتطليقها. لكن ما تعلمه أنها لا يمكنها الاستمرار معه بعد ما حدث. فور وصولها إلى الشارع الساكن، شعرت برجفة من البرد تجتاحها، حيث كان الطقس بارداً للغاية، فهذا الوقت المتأخر من الليل. أسرعت خطاها حتى تصل إلى منزل أم محمد الذي كان لا يبعد عن منزل راجح سوى عدة شوارع قليلة.
لكن زادت سرعة خطواتها أكثر عندما وصلت إلى منطقة تسودها الظلام الدامس.
لتشعر بقلبها يكاد يتوقف من الرعب عندما سمعت صوت خطوات ثقيلة خلفها، كما لو كان هناك من يتبعها. فلم تشعر بنفسها إلا وهي تركض بأقصى سرعة لديها، ودقات قلبها أخذت تزداد بعنف حتى ظنت بأن قلبها سيغادر جسدها من شدة الخوف عندما زادت سرعة الخطوات التي خلفها، كما لو كان هناك من يركض خلفها. ولم تمر ثوانٍ إلا وشعرت بيد قاسية تقبض عليها من الخلف، ويد أخرى وضعت فوق فمها تكتم صرختها الفازعة.
مادت الأرض تحت قدميها، وقد فرت من جسدها الدماء فور أن التفتت ورأت مهاجميها. فقد كانوا اثنين من الرجال ذوي أجساد ضخمة للغاية، لم تستطع رؤية وجوههم بسبب الظلام الذي يحيط بهم. نزع الرجل يده عن فمها، وقبل أن تستطيع الصراخ وطلب المساعدة، وضع على فمها لازقاً قوياً يكتم صوتها. وبرغم الرعب الذي يسيطر عليها، أخذت تقاوم الرجل الذي كان يمسك بها، تدفعه بقسوة في صدره، لكنه كان ضخماً للغاية، فلم تهتز به شيء.
قبض الرجل على عنقها وهو يصدر زمجرة شرسة أرسلت الرعب بداخلها، ويده تتشدد حول عنقها تعتصره بقوة. فأخذت تضربه فوق يده المحيطة بعنقها محاولة جعله أن يبتعد عنها ويفلتها، لكنه لم يتحرك من مكانه وظل يعتصره حتى شعرت بالاختناق وانعدام الهواء من حولها. رفعت ساقها بصعوبة ضاربة إياه بين ساقيه، مما جعله يفلتها ويتراجع للخلف وهو يطلق سباباً عنيف. انتهزت الفرصة وحاولت الفرار رغم نفسها المنقطع المختنق.
لكن أسرع الرجل الآخر بالقبض على شعرها من أسفل طرحتها، يجذبه بقوة صافعاً إياها بقسوة على وجهها، مما جعلها تسقط وترتطم بالأرض بقوة، وهي تنفجر باكية مصدرة صوتاً صغيراً متألماً، شاعرة برأسها يدور من شدة قوة الصفعة. لكنها رغم ذلك حاولت النهوض والهرب، لكن أسرع أحد الرجال بجذبها من ساقها قبل أن تستطيع النهوض على قدميها بالكامل. وصفعها مرة أخرى بقوة أكبر. ارتطم رأسها بالأرض، شاعرة بالدوار والألم يعصف بوجهها.
لكنها تناست ألمها هذا، منفجرة باكية بنحيب شبه هستيري فور أن رأت الرجلين يقتربان منها، وهي مستلقية على الأرض عاجزة بأنف نازف ووجه متورم. ينحنيان عليها وعيونهما تلتمع بالظلام بشكل موحش.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!