انتفضت صدفة فازعة من مكانها ملقية الهاتف من يدها فور سماعها صوت نعمات يأتي من الأسفل بشقتها تصرخ ببكاء هستيري وهي تردد بانتحاب: =ابني... ابني... ركضت صدفة مسرعة إلى الأسفل وقلبها يكاد يخرج من صدرها من شدة الخوف والفزع، وعقلها لا يردد سوى أن راجح قد أصابه شيء. لكنها تجمدت خطواتها عند آخر درجتين من الدرج، تضع يدها فوق قلبها الذي كان يضرب بصدرها بجنون، تتنفس براحة عندما رأت راجح يقف سالماً أمام شقة والدته.
لكن تشدّد جسدها بخوف مرة أخرى عندما سمعت والدته لا تزال تصرخ وصوت حاد لعابد يأتي من داخل شقته هاتفا لراجح: =ما تقفش كده اتحرك امشي من هنا... تراجع راجح للخلف عدة خطوات قائلا بحدة: =يابا ما أنا بعيد عنكوا أهو، متخفش مش هعديكوا. بعدين أنا كنت طالع وانت اللي وقفتني، رغم إني متصل بيك وعارفك ومنبه عليك محدش يطلع لي فوق، وعشان أعرف إني مش رايح الشغل اليومين دول. يبقى لازمته إيه أسلوبك ده؟
تحول شحوب وجه صدفة إلى لون رمادي فور أن انتبهت إلى الكمامة التي كان يرتديها راجح، والتي ربطتها بكلماته السابقة، مما جعل الدماء تفر من عروقها. وقد هدد الضغط الذي قبض على صدرها بسحق قلبها، وانسابت الدموع بصمت على وجنتيها وهي تدرك أن راجح كان مصابًا بالكورونا. صرخ عابد الذي كان يختبئ خلف بابه، بينما يحاول منع نعمات المنهارة التي كانت تصرخ بهستيرية محاولة الخروج إلى راجح: =ما تغور يا أخي!
شوف لك أي مصيبة اقعد فيها لحد ما البلوة اللي عندك دي تروح. إحنا ناقصين قرف... شحب وجه راجح فور سماعه كلماته تلك، شاعرًا بألم يكاد يحطم روحه إلى شظايا، وهو يشعر بوحدة لم يشعر بها من قبل. بينما اهتز جسد صدفة بعنف فور سماعها كلمات عابد المهينة تلك ومعاملته القاسية لراجح، أسرعت بهبوط الدرج وهي تمسح وجهها من الدموع العالقة به، هاتفة بحدة وغضب وهي تتجه نحو راجح: =يشوف له مصيبة ليه؟ عنده شقته فوق...
لتكمل وهي تتجه نحو راجح الذي كان واقفًا يتطلع إليها بذهول، حيث لم يتوقع ظهورها. احتضنه بقوة مغمغمة بحظة وهي تزجر عابد بنظرات قاتلة: =وعنده مراته اللي هتقعد تحت رجليه وتخدمه لحد ما يخف ويقوم بالسلامة... ابتعد عنها راجح متراجعًا للخلف فور أن فاق من صدمته، هاتفا بها بحدة وهو يجعل بينهم مسافة واسعة: =ابعدي يا صدفة... ومت `تقربيش. هتف بها عابد بقسوة وغضب وهو يلوح بيده إلى الأعلى، بينما لا يزال يحبس نعمات بالداخل:
=طيب خديه يا اختي واطلعي، يكش تتعدي منه ونخلص منك ومن خلق... قاطعه راجح بقسوة وغضب، وقد أصبحت نظراته عاصفة: =بعيد الشر عليها، متدعيش عليها... ليكمل بحدة وهو يتجه نحو الدرج: =بعدين عايز إيه؟ عايزني أمشي من وشك؟ اديني همشي. وارحمني بقى. ليسارع صاعدًا الدرج نحو شقتهم، تاركًا صدفة واقفة أمام شقة عابد الذي كان يختبئ خلف بابه الشبه مغلق.
هتفت به بحدة، بينما الدماء تغلي بعروقها بسبب معاملته السيئة لراجح، فلأول مرة بحياتها ترى أي والد يفعل ذلك بولده، خاصة عند مرضه بفيروس خطير كالكورونا: =انت أب؟ انت انت راجل مفترى وظالم... لتكمل من بين أسنانها بغضب وهي تتطلع إليه بنظرات ممتلئة بالاحتقار والازدراء: =روح يا شيخ اللهي اللي فيه يجي فيك، ومتلاقيش كلب حتى يعبرك، ولا حتى يناولك بؤ مياه يا راجل جاحد يا مفترى... صرخ عابد بها وكامل جسده يهتز بالغضب:
=بتدعي عليا يا بنت الكلب... ليكمل بقسوة ويده تقبض بشدة على الباب كما لو كان يرغب بخنقها: =لولا إني خايف تكوني اتعديتي منه، لكنت طلعت كسرت عضمك وعرفتك مقامك... نفضت صدفة بيدها بلامبالاة قائلة بحدة: =يا عم اتنيل بقى... ده انت ظالم. ثم أسرعت بالصعود إلى شقتها حتى تلحق براجح، تاركة إياه يصرخ خلفها بكلمات قاسية من سباب ووعيد لها.
فور دخولها إلى الشقة اتجهت مباشرة إلى غرفة النوم، لكنها وجدت بابها مغلقًا. أخذت تدير مقبض الباب لتجده مغلقًا من الداخل، لتعلم أن راجح قد أغلقه. ضربت الباب هاتفة بحدة وهي تقاوم غصة البكاء التي تسد حلقها: =افتح يا راجح الباب... أجابها راجح هاتفا من الداخل بحدة، برغم ضعف صوته بسبب مرضه: =ادخلي يا صدفة أوضة الأطفال واقفي على عليكي. وأنا هنام هنا، زمان الأوضة بقت مليانة عدوى لأني كنت بنام فيها.
طرقت على الباب هاتفة بصوت حاد، برغم ارتجافه الواضح: =طيب افتح يا راجح، افتح عشان خاطري. إحنا أصلاً كنا مع بعض الأيام اللي فاتت دي كلها، يعني زماني اتعديت... شحب وجهه فور سماعه كلماتها تلك، لكنه أسرع بالقول وهو يحثها على الذهاب، فكل ما يرغب به هو الاطمئنان عليها وحمايتها: =لا إن شاء الله مش هتكوني اتعديتي. ليكمل هامسا بتعب، وقد بدأ المرض يسيطر عليه: =يلا...
يلا بقى يا حبيبتي ادخلي أوضة الأطفال، وأنا كده كده مش طالع من الأوضة. الحمام وكل حاجة هنا والأكل... قطع كلماته عند سماعه صوت انتحابها من خلف الباب، لينهض بتثاقل وتعب من فوق الفراش ويتجه نحو الباب، يقف بعيدًا عنه بعدة خطوات: =بتعيطي ليه يا صدفة دلوقتي... أجابته من بين شهقات بكائها الممزقة: =افتح الباب يا راجح عشان خاطري، أنا عايزة أبقى معاك...
تنفس بعمق محاولا السيطرة على أعصابه، فاكثر ما يحتاجه الآن هو أن تكون بين ذراعيه حتى تهدأ النيران التي تثور بداخله بسبب معاملة والده له، بالإضافة إلى مرضه هذا الذي لا يعلم إذا كان سيشفى منه أم سينهيه، كما أنهى الكثير من الناس. عند هذه الفكرة شعر بغصة تخترق قلبه، فماذا ستفعل صدفة بدونه؟ فلن يرحمها أحد، خاصة والده. تنفس بعمق قبل أن يغمغم بصوت جعله صارمًا، خاليًا من أي تعبير أو انفعال: =ادخلي يا صدفة أوضتك يلا...
همست صدفة بكلمات متقطعة وهي تنتحب بشدة، ضاغطة بيدها على قلبها للتخفيف من الألم الذي يعصف بها. =عشان خاطري... أنا خايفة عليك... شعر راجح بقلبه يقصف داخل صدره بعنف، تمنى لو أنها أمامه حتى يأخذها بين ذراعيه ويطمئنها، لكن حتى هذا الآن أصبح من المستحيل. =أنا هبقى كويس، متخفيش عليا. هيبقى زي دور برد وهيعدي. ليكمل بصوت جعله مرحًا قدر الإمكان، محاولا التخفيف عنها: =إيه؟ هنقضيها عياط ومش هتعملي لي حاجة آكلها طيب؟
مسحت صدفة عينيها بيديها المرتجفة سريعا: =عايز تاكل إيه يا حبيبي وأنا أعملهولك... لتكمل سريعا وهي تتذكر برأسها المأكولات التي قد تكون جيدة له في هذا الوقت من المرض: =أعملك فراخ مسلوقة وليمون على الشوربة؟ قاطعها راجح من خلف الباب، وقد تذمرت معدته فور تخيله للطعام: =لا... لا بطني مش هتتحمل كل ده، اعمليلي بس شوربة خضار.
ليكمل سريعا فور تذكره للأطباق الورقية ذات الاستعمال الواحد، والتي قد اشتراها فور علمه بمرضه، حتى لا تقوم صدفة بغسل الأطباق من خلفه وينتقل لها العدوى. =صدفة في أطباق وكوبايات كنت جايبهم معايا وأنا جاي، هتلاقيهم في المطبخ، اعمليلي فيهم ومتستعمليش حاجة من اللي هنا. غمغمت صدفة باضطراب وهي لا تفهم سبب رغبته تلك: =طيب وليه؟ ما الأطباق هنا يا راجح. قاطعها بهدوء وهو يعاود الاستلقاء على الفراش، حيث لم يعد قادرًا
على الوقوف أكثر من ذلك: =اعملي بس اللي بقولك عليه يا صدفة. همهمت بالإيجاب قبل أن تذهب إلى المطبخ وتعد له الطعام، وقلبها مثقل بالحزن والخوف عليه، خوف وقلق لم تشعر بمثلهم من قبل، فراجح أصبح حياتها بلا الهواء الذي تتنفسه، لا يمكنها أن تتخيل حياتها من غيره. أخذ الشيطان يذكرها بالأشخاص الذين توفوا في الحي بسبب هذا الوباء، مما جعل كامل جسدها يرتجف ونفسها ينسحب من داخل صدرها.
جلست على أرض المطبخ تدفن وجهها بين يديها، وقد تحولت دموعها إلى شهقات بكاء عالية ممزقة. بعد عدة دقائق نجحت أخيرًا في استجماع نفسها والسيطرة على أعصابها، ونهضت تعد له الشوربة، ثم صنعت له زجاجة كبيرة من عصير البرتقال، وأثناء كل هذا كان لسانها لا يكف عن الدعاء والاستغفار. *** فور أن انتهت ذهبت إلى غرفة راجح، طرقت الباب ليصل إليه صوته المتحشرج وتضعفه بسبب مرضه، مما جعل قلبها ينقبض بألم والدموع تعود إلى عينيها:
=راجح الأكل... أجابها بهدوء، بينما ينهض بصعوبة من الفراش وهو يشعر بالضعف والمرض بكامل أنحاء جسده: =حطيه عندك على الأرض وأنا هفتح أخده، وادخلي أوضتك يا صدفة. غمغمت صدفة بتردد، فقد كانت ترغب برؤيته حتى تطمئن قلبها عليه. =بس أنا... قاطعها راجح بحدة وغضب: =قسمًا بالله يا صدفة إن ما دخلتي الأوضة، ما أنا فاتح الباب ولا واكل ولا متنيل. هتفت صدفة سريعا: =لا خلاص... خلاص.
ثم اتجهت لداخل غرفة الأطفال التي كانت تواجه غرفة النوم، لكن دون أن تغلق بابها. كانت تنظر بلهفة إلى باب غرفة النوم تنتظر فتحه، وفور أن فتح ورأته أمامها بوجهه الشاحب والكمامة التي يضعها فوق أنفه وفمه، انفجرت باكية. فتح راجح الباب، والذي ما إن رأى أنها تركت باب غرفتها مفتوحًا، تراجع إلى الخلف داخل غرفته. كان يهم بتعنيفها، لكن فور أن رآها تبكي، تبخر غضبه هذا.
تنحنح محاولا تنظيف حلقه حتى يظهر صوته طبيعيًا، قائلا بلطف وهو يتراجع أكثر داخل الغرفة حتى يترك مسافة آمنة بينهم، برغم أنها بغرفة أخرى وتبعد عنه بعدة أمتار، نزع الكمامة عن وجهه حتى يظهر إليها أنه بخير: =إيه يا مهلبية... هنقضيها عياط؟ مسحت وجهها بيديها المرتجفة وهي تهز رأسها: =لا... لا مش بعيط أهو. لتكمل وعيناها تمر عليه تتفحصه بلهفة: =انت عامل إيه؟ وحاسس بإيه؟ ابتسم قائلا وهو يشير بيديه إلى كامل جسده: =كويس...
شوية برد وهيروحوا لحالهم، متخفيش. اومأت برأسها بصمت بينما عينيها متعلقة على وجهه بقلق ولهفة. صمت للحظة قبل أن يتابع بنبرة متحشرجة وهو ينظر إلى عينيها الممتلئة بالدموع محاولاً الاطمئنان عليها. "كلتي... هزت رأسها بارتباك قبل أن تغمغم: "كاذبة حتى تطمئنه، فلم يكن لديها شهية للطعام." "الأكل في المطبخ، هاكل أهو... أومأ برأسه قائلاً وهو يتذكر الأدوية التي جلبها من أجلها أثناء شرائه لكورس علاج الكورونا:
"في كيس على طاولة السفرة فيها فيتامينات، خدي منها بعد الأكل... دي عشان تقوي مناعتك... تاخديها بعد الأكل على طول... متنسيش يا صدفة." اومأت برأسها بصمت بينما تأخذ نفساً طويلاً مرتجفاً، محاولة التماسك أمامه. "أنا كويسة، المهم أنت متنساش تاخد أدويتك... وتاكل كويس، وأنا كل شوية هعملك حاجة سخنة تشربها... لتكمل سريعاً عندما فتح فمه لكي يعترض: "هسيبهالك والله على الباب وهدخل الأوضة بتاعتي... غمغم راجح بصرامة مؤكداً عليها:
"و تقفلي الباب عليكي... همست بصوت مكتوم باكي وهي تومأ برأسها، وقد انسابت الدموع التي لم تعد تستطع حبسها بصمت على وجنتيها، لكنها أشاحت وجهها بعيداً حتى لا يراها. "حاضر......
زفر راجح بعنف فاركاً وجهه بعصبية. بينما أشاحت وجهها بعيداً، لكن ليس قبل أن يرى خطوط الدموع المتساقطة على خديها. أراد أكثر من أي شيء سحبها بين ذراعيه وتركها تبكي في حضنه. أراد تهدئتها وإراحتها واحتضانها حتى يهدئ من مخاوفها، لكن كيف ذلك وهو نفسه أصبح خطراً عليها. همس بعجز: "صدفة.... همست بصوت منخفض وهي تنظر إليه بلهفة وخوف عليه، بينما تمسح دموعها: "هتكلمني على الموبيل..... اومأ برأسه وهو يتطلع إليها بعجز: "حاضر...
هتكلم معاكي على الموبيل... ابتسمت له وهي تمسح وجنتيها بأصابع مرتجفة: "طيب خد أكلك يلا... وكل كويس، وأنا على بليل هعملك فراخ بلدي مسلوقة بالخضار... تكون معدتك ارتاحت شوية." أومأ راجح برأسه قائلاً بحنان وهو يشير نحو بابها: "طيب اقفلي الباب يلا يا مهلبية، خاليني أطلع أجيب الأكل... رسمت ابتسامة مرتجفة على شفتيها قبل أن تتجه نحو الباب. ظلت تنظر إليه عدة لحظات قبل أن تغلقه بيد مرتجفة وقلب مثقل. *** في اليوم التالي...
كان راجح مستلقياً بالفراش، شاعراً ببعض التحسن عن الأمس بفضل الدواء والمشروبات والطعام التي كانت صدفة تزوده بهم. فقد أمضت ليلة أمس بصنع المشروبات الساخنة، فكل نصف ساعة تطرق بابه وتضع له مشروب ساخن، طعام، فاكهة، عصائر. حتى جاء بآخر اليوم أخبرها أن تكف عن العمل وترتاح قليلاً، لكنها لم تستمع له وظلت على حالتها تلك حتى الثالثة صباحاً. وبعد ذهابها إلى الفراش فجراً، أخذت تتحدث إليه بالهاتف لتسقط بالنوم وهي تتحدث معه.
وها هي الساعة الآن الرابعة عصراً، ولم تظهر صدفة، ولم تطرق حتى الباب عليه. لقد اعتقد في بادئ الأمر أنها مرهقة بسبب سهرها معه، لذا تركها نائمة حتى ترتاح، لكن الوقت تأخر ولم تظهر بعد، مما أثار القلق بداخله. حاول الاتصال بها، لكن هاتفها كان مغلقاً. فبالتأكيد فصل شحن أثناء حديثه معها بالأمس. فتح باب الغرفة وقام بالنداء عليها، لكنها لم تجبه، مما زاد قلقه أكثر.
ارتدى كمامة على وجهه وعقم يديه بالكحول قبل أن يدخل إلى غرفتها ليتجمد مكانه بباب الغرفة فور رؤيتها لها نائمة على الفراش بوجه محتقن غارق بالعرق، تهذي بكلمات غير مفهومة. اندفع نحوها، لكنه توقف فور تذكره أنه لا يستطيع لمسها. هتف باسمها عدة مرات حتى استجابت أخيراً وفتحت عينيها ببطء، تنظر إليه بأعين غائمة غير واعية. ليسرع راجح يسألها بلهفة وقلق: "مالك يا صدفة... حاسة بإيه؟ أجابته بصوت منخفض متحشرج يظهر به التعب:
"جسمي مكسر وزوري واجعني أوي... شحب وجه راجح فور سماعه ذلك، ليدرك أنها قد التقطت العدوى منه. لعن غباءه، فبالطبع التقطته، فقد كانت نائمة بحضنه قبل مرضه مباشرة. لا ينكر أنه فكر في هذا، لكن كان لديه أمل بالأ تكون قد أصيبت. وقف ينظر إليها عدة لحظات بعجز، وقد توقف عقله عن العمل. فعند تعبه تقبل الأمر، لكن هي... هي لا يمكنه أن يفكر حتى. زفر بقوة قائلاً: "طيب قومي... قومي يا حبيبتي البسي، خالينا نروح للدكتور... همست
وهي تدفن وجهها بالوسادة: "مش قادرة يا راجح... أومأ برأسه بينما يخرج هاتفه ويتصل بالطبيب الذي كان صديقه في ذات الوقت. طلب منه يأتي بفحص صدفة وأخبره بأنه يعتقد بأنه قد نقل إليها العدوى.
جاء الطبيب وقام بفحصها تحت نظرات راجح الثاقبة. أخبره بأنه 90% أنها مصابة بالكورونا، لكن لن يؤكد هذا سوى التحاليل الطبية التي ستظهر هذا. لكن نظراً لمرض راجح وتأكيد تحاليله لحمله الفيروس، وصدفة كانت مخالطة له، سيعدوها كورونا وأعطاها كورس علاج كامل مثل راجح، وطلب منهم الالتزام بالمنزل حتى لا ينقلوا العدوى لغيرهم من الناس. بعد ذهاب الطبيب، أخذت صدفة دوائها ونامت مرة أخرى.
بينما دخل راجح المطبخ يبحث به عن طعام حتى تتناوله صدفة، لكنه لم يجد شيئاً، وهو كان لا يستطيع حتى سلق بيضة بمفرده وليس صنع طعام. كان واقفاً عاجزاً بمنتصف المطبخ عندما اتصلت والدته كعادتها، حيث لم تكف عن محادثته منذ الأمس. فور أن أجاب عليها، سألته بلهفة ما الذي كان يفعله الطبيب عنده. ليخبرها بمرض صدفة، لتنفجر باكية: "طيب مين هياخد باله منك ومنها دلوقتي..... لتكمل بحسرة وألم: "منه لله عابد... مانعني أطلعلك...
على عيني يا قلب أمك... على عيني أسيبك لوحدك كده..... قاطعها راجح مهدئاً إياها: "تطلعي فين ياما بس، أنت عندك السكر والضغط... ليكمل محاولاً تطمينها: "بعدين ده زي دور البرد، وباذن الله هيعدي...... متخفيش." همهمت نعمات باكية: "باذن الله يا حبيبي..... لتكمل سريعاً: "أنا هعملكوا الأكل وهخلي هاجر تطلع تحطهولكوا قدام باب الشقة... قاطعها راجح رافضاً، وهو لا يرغب شيئاً من مال والده: "لا ياما متعبيش نفسك... الأكل هنا كتير...
هتفت نعمات بحدة وصرامة: "الأكل هيطلعلك... كل يوم لحد ما تقوم أنت ومراتك بالسلامة... لتكمل وهي تدرك سبب رفضه: "ولو عامل عشان أبوك، فأنا معايا الألف جنيه اللي كنت مديهملي في عيد الأم... هجيبلك أكلك بيهم، ارتحت يا راجح.... زفر بعنف وهو يفرك شعره بحدة: "ماشي ياما... وأنا أول ما الموضوع ده يعدي هرجعهملك.... هتفت نعمات بصوت باكي: "مش عايزة حاجة من الدنيا دي كلها غير إنك تقوملي بالسلامة.... غمغم راجح بصوت مختنق:
"ربنا يخليكلي ياما.... همست نعمات وهي تحاول كبت دموعها: "ويخليك ليا يا نور عين أمك.... ثم أخذت تطمئن عليه وتتأكد من تناوله دوائه، ثم أغلقت معه حتى تعد الطعام لهم. وبعد ساعة اتصلت به مرة أخرى لتخبره بأن الطعام على باب الشقة. أخذه راجح، ثم أيقظ صدفة وجعلها تتناول طعامها وتأخذ دوائها. استلقت صدفة على الفراش بعد تناولها لدواءها ولعدة أكواب من المشروبات الساخنة التي أعدها راجح لها، هامسة بتعب عندما رأت راجح يتجه نحو باب
الغرفة لكي يعود إلى غرفته: "راجح... استدار إليها في الحال قائلاً بلهفة: "أيوة ياحبيبتي؟ مدت يدها له هامسة بصوت منخفض، وجفنيها ثقيلان من شدة التعب: "خاليك معايا هنا في الأوضة... هز رأسه قائلاً بأسف: "مينفعش.... قاطعته هامسة برجاء: "مينفعش ليه؟ إحنا الاتنين تعبانين؟! غمغم بتردد وهو يقاوم رغبته بالبقاء معها: "مش عارف يا صدفة بس بتهيألي غلط... مدت يدها نحوه بينما رأسها يتراجع على الفراش، هامسة بأعين تلمع بالدموع:
"علشان خاطري... متسبنيش." زفر راجح بقوة قبل أن يستسلم ويومأ بالموافقة، فهو أيضاً لا يرغب بتركها بمفردها وهي مريضة بهذا الشكل. "هفضل معاكي.... بس كل واحد على سرير.... تغضن وجه صدفة مغمغمة برفض: "ليه بس..... أجابها وهو يتجه نحو الفراش الآخر، ليستلقي عليه: "علشان أنا معرفش غلط ولا لأ نبقى مع بعض، وأخاف أزود الفيروس عليكي وتتعبي أكتر.... ليكمل بغضب وهو ينتفض جالساً عندما رآها تحاول النهوض من فراشها، فقد كان يعلم نيتها:
"قسماً بالله يا صدفة لو قربتي لهسيب الأوضة وأرجع أوضتي.... استلقت على الفراش مرة أخرى وهي تزفر بحنق، لتستدير على جانبها لتصبح بمواجهته، هامسة بينما تمد يدها إليه قائلة بابتسامة: "مش هقرب علشان أنت حلفت... قرب أنت.... أخذ يتطلع إلى يدها بصمت عدة لحظات بتردد، مما جعلها تهتف بحدة وهي تسعل بقوة: "يا راجح واحشتني....... ظل ينظر بصمت إلى يدها وهو يجد الصعوبة في مقاومتها، لتكمل هامسة بدلال أطاح بعقله:
"علشان خاطر مهلبيتك واحشتني وعايزة أنام في حضنك... استسلم لها راجح أخيراً، ونهض متجهاً نحوها قائلاً بتذمر وغضب من نفسه بسبب ضعفه نحوها وعدم قدرته على رفض شيء لها: "النهاردة وبس، علشان بس أنت تعبانة ومش عايز أزعلك. بعد كده كل واحد هينام في سريره.....
أومأت برأسها بحماس وهي تبتسم. استلقى بجانبها على الفراش، لتسرع بإلقاء نفسها على صدره، تحتضنه بقوة، مقبلة صدره موضع قلبه بقبلات متتالية شغوفة، وهي تغمض عينيها بقوة، مستمتعة بشعورها بين ذراعيه، فقد اشتاقت له. بينما أحاطها راجح بذراعه، يحتضنها بقوة إليه، وهو يدفن وجهه بشعرها، يتنفس رائحتها بعمق وشغف، مربتاً بحنان على ظهرها، وهو يشعر بقلبه يكاد يقفز من صدره من شدة دقاته، فهي أغلى وأجمل ما بحياته. لن يستطع تحمل خسارتها.
ظل محتضناً إياها حتى سمع صوت أنفاسها ينتظم، ليلحق بها بعد عدة دقائق غارق بثبات عميق. *** بعد مرور أسبوعين... كانت صدفة نائمة على فراشها، بينما راجح نائم على الفراش الآخر الذي بجانب فراشها بعدة أمتار قليلة.
فمنذ ذلك اليوم ناموا به بين أحضان بعضهم البعض، ابتعد عنها وأصبح كلاهما ينام على فراشه الخاص. وبرغم أنه لا يزال معها بغرفة واحدة، إلا أنه لا يقترب منها، حتى يدها لا يلمسها. رغم اختفاء جميع أعراض المرض لديهم منذ عدة أيام، إلا أنه لا يزال خائفاً عليها بطريقة سببت مراضيه. أخذت صدفة تشاهد بتململ التلفاز الذي قام راجح بنقله بوقت سابق إلى غرفة الأطفال حتى يتمكنوا من مشاهدته أثناء حجزهم بهذه الغرفة. استدارت إلى
راجح الذي كان يلعب بهاتفه: "راجح أنا زهقت من كتر النوم... عايزة أتمشي.... أجابها بينما عيناه لازالت مسلطة على هاتفه: "اتمشي في الأوضة... إنتي عارفة إننا مينفعش نطلع برا علشان منعديش حد...... زفرت بحنق بينما تنهض واقفة من الفراش، تمط جسدها للخلف محاولة ضخ الدم به وتحريك عضلاتها المتيبسة من قلة الحركة.
رفع راجح عينه عن الهاتف ليصطدم بها على حالتها تلك التي تظهر جسدها بوضوح، مما جعل الدماء تقصف بعروقه بنيران الرغبة. فقد أصبح في الأيام الماضية على الحافة بسبب بعده عنها طوال تلك المدة، فقد كان يتألم من رغبته بها وعدم قدرته على لمسها كما يرغب. فقد أصبحت كل حركة منها توصله إلى حد الجنون. أصدر لعنة قاسية من بين أسنانه وعينيه المحترقة مثبتة على جسدها. مما جعلها تستدير إليه عند سماعها لعنته تلك، مغمغمة بارتباك: = في إيه؟
أجابها بغضب وهو يزجرها بقسوة وحدّة: = في إنك تلمي نفسك وتقفي عدل. هتفت صدفة بحدة وهي تعتدل في وقفتها، وهي لا تفهم ما الخطأ الذي ارتكبته: = وأنا عملت إيه أصلاً؟ لتكمل بغضب وهي تعقد ذراعيها فوق صدرها، مرمقة إياه بنظرات مشتعلة: = أنت مش ملاحظ إنك بقالك يومين مش طايقلي كلمة، كل ما أتحرك ولا أتكلم تعقد تزعق فيا. رمقها بنظرة متصلبة قبل أن يشير بالهاتف الذي بيده قائلاً بحدة:
= أيوه أنا مش طايقلك كلمة، ويا ريت تترزعي بقى ومسمعش صوتك. اندلعت نيران الغضب بداخلها فور سماعها كلماته المتعجرفة تلك، وقد طفح كيلها من معاملته لها بتلك الطريقة. هتفت بشراسة وعينيها تعصف بغضب عارم: = هو في إيه بالظبط؟ ما أكتم نفسي ومتنفسش أحسن عشان صوت نفسي ما يزعجش سيادتك. أجابها بفظاظة وحدّة من بين أسنانه المطبقة بقسوة، بينما تتقافز شرارات الغضب من عينيه: = يبقى أحسن وإنكتمي بقي وغوري من وشي، مش ناقص صداع ووش.
تحول شحوب وجهها إلى لون رمادي فور سماعها كلماته القاسية تلك، أومأت برأسها بصمت بينما شفتيها ترتجف وهي على وشك الانفجار بالبكاء. استدارت صاعدة إلى فراشها، مستلقية عليه توليه ظهرها، جاذبة الغطاء حتى أعلى رأسها لتنفجر باكية، مما جعلها تسرع بدفن وجهها بالوسادة حتى تكتم شهقات بكائها. أجابها بفظاظة وحدّة من بين أسنانه المطبقة بقسوة، بينما تتقافز شرارات الغضب من عينيه: = يبقى أحسن وإنكتمي بقي وغوري من وشي، مش ناقص صداع ووش.
تحول شحوب وجهها إلى لون رمادي فور سماعها كلماته القاسية تلك، أومأت برأسها بصمت بينما شفتيها ترتجف وهي على وشك الانفجار بالبكاء. استدارت صاعدة إلى فراشها، مستلقية عليه توليه ظهرها، جاذبة الغطاء حتى أعلى رأسها لتنفجر باكية، مما جعلها تسرع بدفن وجهها بالوسادة حتى تكتم شهقات بكائها.
لعن راجح بقسوة وغضب فور أن لاحظ جسدها الذي يهتز أسفل الغطاء ليدرك أنها تبكي. لعن نفسه على غباءه وأسلوبه الفظ معها. أراد الذهاب إليها لكنه توقف خوفاً من لمسها. هاتف باسمها لكنها لم تجيبه، مما جعله يستسلم وينهض متجهاً نحوها. نزع الغطاء عن رأسها جاذباً إياها برفق من ذراعها، يديرها نحوه. شعر بغصة بصدره فور رؤيته لوجهها الغارق بالدموع. همس بارتباك وهو يشعر بالذنب:
= حقك عليا، أنا عارفة إني مزودها معاكي بس والله غصب عني، أنا على آخري يا صدفة وأنتي قدامي ومش قادر حتى ألمس إيدك، وإنتي سايقة فيها. همست بصوت متحشرج بالدموع، بينما الدماء تضج بخديها من شدة الخجل: = أنا!! وأنا عملتلك إيه؟ أجابها وهو يعاود الرجوع إلى فراشه حتى يترك مسافة فاصلة بينهم: = لا عملتي كتير. امبارح مثلاً سبتي الحمام وأوضة النوم وجيتي تغيري هدومك قدامي هنا. هتفت صدفة بصدمة وقد ازداد احمرار وجهها حتى أصبح
بلون الدماء من شدة الحرج: = أنا مغيرتش غير العباية اللي برا، بعدين أنت جوزي إيه المشكلة إني أغير قدامك. قاطعها وهو يفرك شعره بحدة: = جوزي، بس مش أيامه يا صدفة، مش أيامه خالص. غرزت أسنانها بشفتيها وهي تشعر بالارتباك والاضطراب، لا تعلم ما تقوله فقد أصبحت تصرفاته غريبة. هتف بها وهو ينتفض واقفاً: = شوفتي، شوفتي أهو بتستفزني برضه، عمالة تضغطيلي على شفايفك. اتسعت عينا صدفة بذهول قبل أن تهمس بارتباك:
= راجح أنت اتجننت، أنا عملت إيه دلوقتي. اتجه نحو باب الغرفة بخطوات غاضبة ووجه متجهم، هاتفا بتذمر: = أنا هروح أنام لوحدي في أوضة النوم عشان أنتي إنسانة مستفزة، وبكرة هنروح للدكتور، إحنا كده داخلين ع الـ 20 يوم، خلينا نخلص من أم الليلة دي بقي. ثم خرج صافعاً الباب خلفه بغضب. بينما ظلت صدفة تتطلع إلى أثره بذهول قبل أن تنفجر ضاحكة وهي لازالت تصدق ما يفعله. في اليوم التالي.
ذهبوا إلى الطبيب الذي طمأنهم أنهم بخير ويمكنهم الخروج والتعامل بشكل طبيعي على أن يعقموا منزلهم جيداً. وهذا ما فعلوه فور عودتهم. ساعد راجح صدفة في تنظيف المنزل وتعقيم كل شيء حتى الملابس التي كانوا يرتدوها، ثم استحموا جيداً بصابون طبي. قاموا بتنظيف كل ركن بالمنزل حتى عاد نظيفاً ولامعاً.
بعد أن انتهوا كانت صدفة مستلقية بحضن راجح تدفن وجهها بعنقه، بينما كان هو يحتضنها بقوة موزّعاً قبلات على كتفها وعنقها حتى وصل إلى أذنها هامساً بصوت أجش يملؤه الشغف: = واحشتيني. رفعت رأسها إليه تحيط عنقه بذراعها هامسة بمكر: = واحشتك إيه، ما أنت كل يوم كنت معايا في الأوضة. حدق راجح بها مغمغماً وهو يدرك ألعابها تلك: = بطلي استعباط، يا مهلبية. ضحكت ضحكة رنانة لتطبع قبلة على ذقنه قبل أن تمرر يدها بحنان على خده:
= وأنت كمان واحشتني يا حبيبي. مرر يده برفق متلمساً جسدها بشغف مما جعلها تشعر بكامل جسدها يشتعل أثر لمساته تلك. دفن وجهه بعنقها لتمر رجفة حادة بسائر جسدها عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تمر فوق عنقها قبل حلقها وعنقها بشغف. ظل يقبلها عدة لحظات أخرى قبل أن يبدأ يوزع قبلاته فوق عنقها الأبيض المرمري وحلقها، قبل أن يرفع رأسه يلتقط شفتيها في قبلة قوية نهمة.
تأوه باسمها بينما يعمق قبلته ويديه ترتفعان وتحيطان وجهها بحنان، بينما يستولي على شفتيها، بينما جوعه لها يمزقه. تشددت ذراعيها حول عنقه وهي تميل نحوه أكثر وهي تتنهد بنعومة جعلت كل عضلة في جسده تتصلب. ليغرقان بعدها ببحر شغفهم واشتياقهم. بعد مرور أسبوع.
كانت صدفة وراجح جالسين بمنزل عابد مع باقي العائلة ينتظرون قدوم مروان شقيق راجح الذي كان مسافراً إلى الإسكندرية حيث جامعته، فقد كان يقطن بالمدينة الجامعية وما أن بدأت إجازة نصف السنة عاد إلى المنزل في زيارة. كانت صدفة تحدق بنظرات ممتلئة بالازدراء والغضب بعابد الجالس أمامها والذي كان يبادلها تحديقها بنظرات غاضبة مليئة بالكراهية، ليلاحظ راجح صراعهما الصامت هذا. أحاط كتف صدفة بذراعه يضمها إليه
نهضت صدفة بحدة ووجهها أصبح أحمر كالدم، تمتمت بارتباك: = هروح... هروح أشوف الأكل اللي على النار فوق... ثم تركتهم وغادرت، وعينا راجح تتبعها. زفر بغضب من نفسه بسبب غيرته الحمقاء تلك، فعقله يتجمد ويغلق عندما يتعلق الأمر بها. جلست شوقية بجانبه هامسة بخبث: = تصدق وتؤمن بالله يا ابن نعمات، أنا عمري في حياتي ما شوفت راجل واقع على بوزه وبيغير على مراته زيك... البت هتجننك، يخربيتك، اهدى... لتكمل ناكزة إياه في ذراعه:
= بس أقولك، البت برضه تستاهل... ونبي لأفضل ورا الأهبل ابن الهبلة ابني لحد ما أوقعه في واحدة زيها كده... نهض راجح من جانبها قائلاً بحدة: = أنا هقوم من جنبك... بدل ما أرتكب جريمة عشان إنتي مستفزة يا شوقية... ضحكت شوقية قائلة بمرح: = أنا مش مستفزة يا نن عين أمك، إنت اللي بتغير والغيرة دي هتجننك... وبكرة تقول شوقية قالت... تركها راجح وغادر حتى يراضي صدفة، التي صعدت إلى شقتهم غاضبة.
دلف راجح إلى المطبخ بشقتهم الخاصة ليجد صدفة أمام موقد النار تقلب الطعام بوجه متجهم بالغضب. أحاط خصرها بذراعيه، يضمها إليه، مما جعلها تنتفض فازعة، لكن فور استيعابها أنه هو، أخذت تتلملم بين ذراعيه هاتفة بحدة: = ابعد عني يا راجح عشان مش طايقاك... زاد من احتضانه لها رافضا أن يفلتها، مما جعلها تهتف وهي تشير بالمعلقة الضخمة التي تمسك بيدها: = هتبعد عني ولا أشيل حلة الكوارع دي أغرقك بها... دفن وجهه في عنقها يقبله برفق:
= وأهون عليكِ... استدارت بين ذراعيه حتى أصبحت تواجهه قائلة بغضب: = وإنت ينفع تحرجني كده قدام أمك وخالتك... زفر بحدة قائلاً بتلملم: = شوقية هي اللي ودانها سالكة وكانت مركزة معانا وفهمت... ضيقت عينيها بغضب عليه مغمغمة بحدة: = لا ورايح تمسك في ممدوح كمان وعايز تضربه... أحاط وجنتها بيده قائلاً وعيناه مسلطة بعينيها: = طيب أعمل إيه بغير عليكي... ليكمل وهو يزيد من احتضانه لها قائلاً بصوت مخيف مظلم:
= عقلي بيوقف والدم بيغلي في عروقي أول ما بحس إن أي راجل ممكن يبصلك بصة مش تمام... ابتسمت صدفة، شاعرة بالخجل من كلماته تلك، وقلبها يغني فرحاً بها، فقد كان حقاً يغير عليها. تنحنحت محاولة أن تحافظ على جديتها وموقفها الغاضب منه، لكنها لم تستطع عندما انحنى عليها مقبلاً حلقها وعنقها وهو يهمس لها: = خلاص بقى يا مهلبيتي، حقك عليا...
زفرت باستسلام قبل أن تدفن يديها في شعره، تتحسسه بشغف، مما جعله يرفع رأسه ويلتقط شفتيها في قبلة نهمة شغوفة وهو يضغط جسدها على جسده، وقد ازداد التهامُه لشفتيها ويده تمر ببطء على عنقها، بينما يستحوذ بالكامل على شفتيها مقبلاً إياها بشغف والحرارة تنتشر داخل عروقه سريعاً كالحمم الملتهبة، فقد كان يريدها كثيراً. لكنه اضطر إلى قطع قبلتهم، مقبلاً جبينها بحنان، قبل أن يمرر إصبعه على شفتيها يفركها برفق وهو يغمغم
بصوت لاهث من أثر العاطفة: = يلا يا حبيبتي، البسي طرحتك، زمان مروان وصل... أومأت برأسها لترفع طرحتها من حول عنقها وتضعها على شعرها، قبل أن تخرج معه ويهبطوا إلى الأسفل يداً بيد.
بالأسفل، فور دخولهم إلى شقة والدي راجح، رأت مروان الراوي جالساً بجانب والدته التي كانت تحتضنه وتتحدث إليه، بينما بجانبه كان هناك فتاة ذات جسد نحيل للغاية ترتدي ملابس أنيقة وشعرها المصبوغ مسترسل على كتفيها بتسريحة أنيقة، ترمق الجميع بنظرات يملؤها الاستعلاء. فور أن رأى مروان راجح، انتفض واقفاً يتجه نحوه وهو يصرخ باسمه، يحتضنه بقوة، ليحتضنه راجح هو الآخر. ابتعد عنه وهو يربت على كتفه قائلاً:
= أخيراً، حنيت علينا وسبت إسكندرية وجيت تشوفنا... ابتسم مروان قائلاً بكذب واضح: = أعمل إيه، ما إنت عارف الكلية كل يوم، ومبعرفش آخد نفسي... يعني أنا بحب المدينة الجامعية أوي، ما إنت عارف... ضحك راجح قائلاً وهو يفهم ما يرمي إليه: = متخافش يا عم، هتترحم من المدينة الجامعية، وخلال أسبوع هتستلم شقة في أحسن مكان في إسكندرية، أنا ظبطت كل حاجة مع أبوك... هتف مروان بفرح وهو يعاود احتضان راجح مرة أخرى: = ربنا يخليك يا حبيبي...
أنا كنت عارف إن مفيش حد هيقنع أبويا غيرك... انتبه راجح إلى صدفة الواقفة خلفه تنظر إليهم بتردد، ليسرع بإحاطة خصرها بذراعه جاذباً إياها بجانبه قائلاً لشقيقه: = صدفة يا مروان... مد مروان يده إليها قائلاً: = عارفها طبعاً، مش صدفة اللي كانت بتـ... قاطعه راجح بحدة تتخللها الصرامة: = مراتــي... تنحنح مروان مغمغماً بارتباك، وقد أرعبه الصرامة التي تلتمع بعين شقيقه: = بس لأ... إحلوّيتي، لولا ماما كانت حكيالي مكنتش هعرفك خـ...
قاطع راجح حديثه بحدة عندما رأى وجه صدفة يحتقن بشدة، قائلاً وهو يوجه حديثه للفتاة التي لا تزال جالسة على الأريكة تراقبهم ببرود: = إزيك يا مايا، عاملة إيه... أجابته مايا مغمغمة بهدوء: = الحمد لله... إزيك إنت يا راجح... أجابها راجح بهدوء، قبل أن يكمل وهو يلتف إلى صدفة وذراعه تتشدد من حولها يجذبها أكثر نحوه: = مايا تبقى خطيبة مروان يا صدفة. نهضت مايا تمد يدها نحو صدفة قائلة ببرود وهي ترمقها من أعلى لأسفل باستعلاء:
= أهلاً يا صدفة... بادلتها صدفة التحية، قبل أن يجذبها راجح ويجلسوا على الأريكة. أحاط كتفيها بذراعه، حيث أصبحت تلك الحركة حركته المعتادة دائماً، بينما جلست شوقية بجانبه الآخر. التف إليها راجح قائلاً باقتضاب وعيناه تدور بالمكان: = أومال فين ممدوح يا شوقية... أجابته مبتسمة وهي تشير نحو الشرفة: = بيتكلم في التليفون، مش مرتحاله، شكله بيحب من ورايا، ابن الجز... ضحك راجح مغمغماً بمرح:
= له حق يخبي عليكي، ده أمها داعية عليها اللي هتبقى حماته، هتطلقيها من أول أسبوع... ابتسمت شوقية قائلة وهي تربت على وجه صدفة: = ونبي لو قمر وبطايه زي صدفة كده ولسانها حلو لأشيلها في عينيّا... بس هو يركز ويجيبلي واحدة شبهها. زمجر راجح قائلاً بغضب ونفاذ صبر: = تاني يا شوقية... إنتي إيه مبتتهدبيش. هتفت شوقية وهي ترفع يديها بالهواء كعلامة للاستسلام: = خلاص... خلاص، وحد الله وقول لعفاريتك تهدى... لتكمل
ناكزة صدفة في ذراعها: = مستحملة الواد ده إزاي يا أختي، ده إنتي ليكي الجنة. ضحكت صدفة بقوة، مما جعل راجح يزجرها بحدة هامساً بغضب بينما يده تضغط على كتفها بقسوة: = صوت ضحكتك يا أبلة... همست صدفة قائلة بتذمر وهي تحاول فك يده من فوق كتفها: = في إيه يا راجح، عملت إيه دلوقتي، بلاش أضحك كمان. ظل يتطلع إليها عدة لحظات، قبل أن يلتف إلى مروان شقيقه الذي كان يتحدث إليه. همست شوقية بأذن صدفة وهي تنظر بحدة إلى مايا خطيبة مروان
التي كانت تتحدث إلى نعمات: = البت دي تقيلة على قلبي تقل... لتكمل وهي تشير إلى طرف أنفها: = تنكه أوي، وبتتكلم معانا بطرف مناخيرها، تقوليش أبوها وزير، وأبوها أصلاً جزمكي فاتح محل على أول شارعي، جتها نيلة، عيلة تنـ.ـحة. استمرت شوقية تهمس لها مقلدة حركات مايا، مما جعل صدفة لم تعد تستطيع تمالك نفسها، لتسرع بوضع يدها فوق فمها تكتم ضحكتها، بينما استمرت شوقية التحدث بطريقتها تلك، حتى أمسكت صدفة بيدها هامسة برجاء حقيقي:
= ونبي يا خالتي كفاية، معتش قادرة أمسك نفسي، وصوتي لو طلع راجح هيطيّن عيشتي... ابتسمت شوقية غامزة لها: = بيغير عليكي ابن نعمات، مجنون بيكي... وإنتي كمان باين عليكي إنك بتحبيه. احمر وجه صدفة بالخجل، مما جعل شوقية تربت على كتفها قائلة بحنان: = ربنا يخليكوا لبعض يا حبيبتي...
ابتسمت لها صدفة، لكن جذب انتباه الجميع صراخ هاجر التي دلفت إلى الغرفة تصرخ باسم مروان، تحتضنه بقوة، ثم اتجهت نحو راجح تحتضنه هو الآخر، فهذه المرة الأولى التي تراه بها بعد إصابته بالكورونا. سلمت على الجميع، ثم اتجهت نحو صدفة تحتضنها قائلة وهي تتفحص جسدها: = يالهوي يا صدفة، خسيتي أوي... ربت راجح على ذراعها قائلاً: = من التعب، الكورونا بهدلتها... أومأت هاجر قائلة بتعاطف:
= أيوه باين عليها لسه التعب، بس بجد خسيتي ييجي حاولى 7 كيلو... قاطعتها شهقة مايا التي غمغمت بصدمة وهي ترمق صدفة بنظرات متفحصة من الأعلى للأسفل: = ٧ كيلو... إيه ده، أومال شكلك كان عامل إزاي بقى... لتكمل وهي تهز رأسها: = لأ، المفروض تخسي بصراحة وتاخدي بالك من نفسك شوية... اهتز جسد صدف وهي تلتف تنظر إلى مايا بغضب. = أصل راجح مبيحبش المعضمين. زفرت مايا بحدة قبل أن تنتفض واقفة متجهة نحو الباب، مغمغمة بخدة.
= أنا مروحة يا مروان. هتيجي توصلني. نهض مروان يتبعها، وهو يشير إلى شوقية بإشارات تدل على التذمر والغضب، قبل أن يسرع خلف خطيبته مغادرًا. *** فور أن دلف راجح إلى الشقة، جذب صدفة إلى حضنه قائلاً بصرامة وهو يخفض رأسه نحوها وعيناه مسلطتان على عينيها المغرورقتين بالدموع. = قسماً بالله لو عيطتي، لأنزل أفتح دماغ الحيوان اللي تحت هو وخطيبته.
هزت رأسها بينما تحاول التحكم في دموعها حتى لا ينفذ تهديده، وهمست بصوت منخفض وشفتيها ترتجف. = كله بيتريق عليا. أحاط وجهها بيديها، مبعداً شعرها المتناثر على عينيها إلى ما وراء أذنيها، قائلاً بحنان. = مين اتريق عليكي؟ شوقية اللي قرفاني ليل ونهار ونفسها تجوز ممدوح واحدة شبهك. ولا هاجر اللي نفسها تتخن وتبقى زيك. ليكمل بنبرة حادة يتخللها الغضب والازدراء.
= ولا مايا اللي بتلف على كل الدكاترة عشان تتخن حتى كيلو واحد ومش عارفة. دي عيلة الحقد والغيرة مليين قلبها، ومروان طول عمره معندوش شخصية معاها بيحاول يراضيها بأي حاجة. صمتت للحظة قبل أن يتابع بنبرة متحشرجة وهو ينظر إلى عينيها، بينما يداه تمر بشغف على جسدها. = ده إنتي مهلبية، ومجننانى يا هبلة.
أنهى جملته تلك مطبقاً على شفتيها بشفتيه، مستولياً عليها في قبلة حارقة. هزة صدفة رجفة قوية مرت بسائر جسدها عندما شعرت بملمس شفتيه فوق شفتيها التي كانت يلتهمها بنهم وشغف. لكن سرعان ما تبدلت هذه الصدمة إلى مشاعر أخرى تسري بسائر أنحاء جسدها، مما جعلها ترتجف بقوة بين ذراعيه، متناسية حزنها والكلمات الجارحة التي تعرضت لها. عندما زاد ضغط شفتيه فوق شفتيها الناعمة بتمّلك حارق، صدر أنين منخفض منها، مما سمح له أن يتذوق بلهفة شهد شفتيها. كانت تستجيب بشغف لقبلته تلك، وكامل جسدها ينتفض باستجابة قوية، مما جعله يطلق تأوهاً عميقاً، بينما يعمق قبلته أكثر.
ظلوا عدة لحظات على حالتهم تلك، بينما يداه أخذت تجوب بجرأة على جسدها، متلمساً منحنياتها من فوق ملابسها. ليسارع بحملها بين ذراعيه ويدلف إلى غرفة نومهم حتى يكمل ما بدأه. *** بعد مرور أسبوع. بالصباح، انتهت صدفة من ارتداء ملابسها حتى تذهب لدى أم محمد للمبيت لديها حتى تراعها بسبب الحقنة السنوية التي ستأخذها بساقها. اتجهت إلى الفراش وجلست بجانب راجح الغارق بالنوم، حيث كان نائماً على بطنه، دافناً وجهه بالوسادة.
مررت يدها بحنان فوق ظهره العاري، تفركه بلطف، منحنية عليه، تقبله على مؤخر عنقه وهي تهمس باسمه. فتح راجح عينيه، يتطلع إليها بتشوش لعدة لحظات قبل أن يعتدل جالساً. = خلاص هتمشي؟ أومأت رأسها بالإيجاب، قائلة. = أها، يدوبك. زمان الدكتور جه وأداها الحقنة في رجليها. زفر بحنق قائلاً بحدة. = يعني مش لاقيين غير يوم إجازتي. ده ما بصدق يوم نقضيه سوا. مررت يدها فوق خده بحنان.
= معلش يا حبيبي، هي مالهاش غيري هنا. هبات معاها وبكرة الصبح هرجع. وزي ما اتفقنا، متقلقش، محمد ابنها هيبات عنده صاحبه النهاردة. لتكمل بمكر يتخلله المرح، بينما يدها تمر باغراء فوق صدره. = بعدين اعتبرها إجازة ليك،
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!