صدح صوت عابد القاسي الذي اتخذ عدة خطوات نحوها.
= مين يا بت اللي عمل فيكي كده؟
فور سماعها لسؤاله هذا شحب وجهها بشدة وقد تجمدت الدماء بعروقها. فهي لا يمكنها إخبارهم بأن أشرف اعتدى عليها وحاول اغتصابها. فهم بالطبع سيصرون عليه أن يتزوجها، كما فعلوا بابنة الزيات عندما حاول أحد الشباب الاعتداء عليها، زوجوها له بأمر من الشيخ ناصر وعابد الراوي.
ظلت صامتة تتطلع إلى الفراغ بأعين متسعة ممتلئة بالفزع. حيث كان يمر أمام عينيها صور لمستقبلها البائس إذا ذكرت اسم أشرف.
لكنها خرجت من شرودها هذا منتفضة في مكانها بفزع عندما صرخ بوجهها عابد.
= ما تنطقي يا بت ساكتة ليه؟
هزت رأسها ببطء هامسة بصوت منخفض مرتعش.
= معرفش.. مشوفتهوش.
قاطعها عابد بقسوة وغضب.
= كذابة، إزاي متعرفيش؟ أكيد شوفتيه.
ليكمل قائلاً بنبرة ذات معنى وهو ينظر بقسوة نحو راجح الذي كان يقف بالخلف يراقب بصمت ما يحدث، بينما عيناه مثبتة فوق صدفة.
= انطقي خايفة من مين؟ متخفيش.
تقابلت عينيها بعيني راجح الذي كان يرمقها بنظرات جليدية حادة. مما جعلها تخفض عينيها سريعاً وقد تسارعت نبضات قلبها خوفاً. فور إدراكها أن راجح قد يكون رأى أشرف أثناء هروبه، أخذت ضربات قلبها تقصف داخل أذنيها من شدة الخوف من أن ينطق باسمه. أخفضت رأسها محاولة إيجاد مخرج من ورطتها تلك. عندما سمعت عابد الراوي يزمجر بحده جعلت رأسها يرتد للخلف بصدمة.
= راجح.... راجح ابني اللي عمل فيكي كده؟
تصلب جسد صدفة من الصدمة. أخذت تمرر نظراتها المندهشة بين راجح وعابد الذين كانوا يقفون أمامها مباشرة وهي لا تصدق أن عابد الراوي قد اتهم ولده بهذا الاتهام الشنيع، خاصة راجح الراوي الذي تهتز له شوارب الحي بأكمله. جذب انتباهها توتر جسد راجح برغم أنه كان يحاول ألا يظهر ذلك من خلال طريقة وقوفه المتصلبة. همت أن تجيب بالنفي وتبرئته، لكنها تراجعت بآخر لحظة. وقد أتاها صوت داخلي بأن هذه فرصتها للهروب من الزواج بأشرف الحقير. فيمكنها إخبارهم بأنه كان راجح، ووقتها عابد الراوي سوف يكتم على الأمر ويجعلها تذهب للمنزل بعد أن تعده بألا تخبر أحداً بما حدث. فهو بالطبع لن يزوجها ولده البكري وذراعه الأيمن.
شعرت بتأنيب الضمير لما تنوي أن تفعله، لكنها ذكرت نفسها بأنه ليس أمامها خيار آخر.
أومأت رأسها بالموافقة على سؤاله وهي تخفض عينيها بخوف من ردة فعل راجح الوشيكة على اتهامها الباطل له.
حضرت نفسها لسماع صراخه وسبابه لها، حتى أنها توقعت أنه سيقوم بضربها.
لكن لمفاجأتها لم يبدر منه أي رد فعل. حيث ظل واقفاً مكانه يتطلع إليها بصمت بعينين تندلع منها شرر الغضب، يطبق على فكيه بقوة كما لو كان يحاول السيطرة على غضبه هذا.
مما أرعبها الأمر أكثر. فلو كان قد صرخ بها لكان أهون عليها من صمته المخيف هذا.
هتف عابد بصوت مرتفع كما لو كان قد حقق انتصاراً عظيماً من إثباته لإدانة راجح.
= شوفت... شوفت يا شيخ ناصر مش قولتلك.
ثم التف إلى راجح ينظر إليه بأعين تلتمع بالتشفى، مزمجراً بصوت منخفض.
= مش قولتلك الدم النجس بيجري في دمك.
اشتد وجه راجح بغضب بينما يتطلع إليه بنظرات عاصفة ثابتة. زمجر من بين أسنانه المطبقة بقسوة.
= مبروك وصلت أخيراً للي طول عمرك بتحاول تثبته فيا.
غمغم عابد بحدة وهو يقطب حاجبيه متصنعاً عدم الفهم.
= تقصد إيه؟
أشاح راجح نظره بعيداً عنه متجاهلاً صراحة سؤاله هذا. ليركز نظراته على تلك الجالسة على الأرض بوجه محتقن وجسد مرتجف.
= عرفي متولي جوز أمك إني جاي بكرة أتقدملك.
انتفضت صدفة واقفة بفزع على قدميها المرتجفة فور سماعها كلماته تلك، بينما الصدمة تجتاحها وهي لا تصدق بأنه قد عرض عليها الزواج بالفعل.
وما أن حركت شفتيها حتى ترفض، قاطعها صوت صراخ عابد الذي اهتز له أرجاء المكان.
= تتقدم لمين؟ إنت اتجننت؟ عايز تفضحنا وسط الناس؟ على جثتي فاهم.
ليكمل بصوت غليظ خشن وهو يضرب بعصاه الأرض بقوة.
= على جثتي تتجوز بتاعت الطعمية.
تجاهله راجح كما لو أنه لم يتحدث. اتجه نحو صدفة متقدماً نحوها ببطء مخرجاً من جيبه هاتفه، أمراً إياها بصوت قاسٍ لاذع.
= هاتي رقم متولي جوز أمك.
تراجعت صدفة للخلف بتعثر وهي تحدق في وجهه بخوف من لهيب الكراهية والغضب الذي يلتمع بعينيه. ظلت تحدق به بأعين متسعة بالذعر ووجه شاحب، غير قادرة على فتح فمها أو النطق بحرف واحد، حيث قد شلها خوفها منه.
لكنها انتفضت في مكانها بفزع عندما هتف باسمها بعنف مكبوت وهو يزمجر بقسوة.
= قولتلك هاتي الرقم.
اندفع الشيخ ناصر الذي كان يراقب بصمت ما يحدث منذ البداية قائلاً وهو يقف حائلاً بينهم عندما لاحظ خوف صدفة الواضح.
= أنا معايا الرقم هدهولك.
خرجت صدفة من تجمدها فور سماعها هذا صارخة بصوت ضعيف مرتجف.
= أنا مش هتجوزك.
لتكمل بصوت باكي وهي تمسك بذراع الشيخ ناصر بيدين مرتجفة.
= أنا.. أنا مش موافقة يا شيخ ناصر... مش موافـ.
لكنها ابتلعت باقي جملتها متخذة عدة خطوات إلى الخلف عندما رأت راجح يقترب منها بخطوات سريعة غاضبة. لتطلق صرخة متألمة عندما قبض على ذراعها يعصره بقسوة بين قبضته الصلبة، مزمجراً من بين أسنانه بغضب.
= اكتمي.
ليكمل وهو يعتصر ذراعها بقسوة أكبر ستترك كدمات بذراعها في المستقبل.
= اكتمي خالص و مسمعش صوتك... و إلا قسماً بالله هدفنك مكانك.
ثم التف إلى الشيخ ناصر قائلاً بحدة.
= هات الرقم يا شيخ ناصر.
قام شيخ ناصر سريعاً بإخراج هاتفه يبحث به عن الرقم.
لكن تدخل عابد هاتفاً بغضب وهو يحاول جذب الهاتف من يد الشيخ ناصر.
= إنت بتعمل إيه يا ناصر؟ إنت هتطاوعه في الجنان اللي عايز يعمله؟
نفض الشيخ ناصر يده الممسكة بالهاتف بعيداً عن متناول يد عابد الذي كان يحاول أخذه منه بإستماتة، مجيباً إياه بحدة وصرامة.
= بعمل الصح يا عابد، واللي أنا وأنت حكمنا به على ناس كتير في مواقف كتير زي دي. ده حق ربنا.
صاح عابد ثائراً مقاطعاً إياه بعنف وقد احتقن وجهه من شدة الغضب وهو يشير بإصبعه للأعلى.
= حق ربنا إن ابني أنا... عابد الراوي.
ليكمل وهو يشير نحو صدفة الواقفة بوجه شاحب وجسد مرتجف خلف ظهر الشيخ ناصر.
= يتجوز دي.
هز الشيخ ناصر قائلاً بصرامة.
= أيوه مادام ابنك غلط يبقى لازم يصلح غلطه.
ليكمل بقسوة ونبرة يتخللها التهديد الصريح وهو يرمقه بنظرة ذات معنى.
= وأنت عارف كويس إنـي مش هسكت لو حصل غير كده. حتى لو إنت صاحب عمري مش هسكت.
ثم التف نحو صدفة.
= يلا يا بنتي علشان أوصلك بيتك الوقت اتأخر.
لكنه توقف عندما لاحظ ملابسها الممزقة. توقف متردداً قليلاً قبل أن ينزع عباءته التي كان يضعها فوق كتفيه ليضعه فوق جسدها مغطياً عري جسدها، جاذباً إياها معه للخارج قائلاً موجهاً حديثه لراجح.
= راجح بعتلك رقم متولي. حدد معاه بكرة ميعاد نزورهم في البيت علشان تتقدملها. ولو أبوك مش عايز يجي معاك كلمني وأنا هاجي معاك.
ثم غادر بصمت متجاهلاً نظرات عابد الغاضبة التي يسددها نحوه.
اندفع عابد نحو راجح فور تأكده من ذهاب كلا من الشيخ ناصر وصدفة، قابضاً على كتفيه قائلاً بصوته الهادئ الذي اعتاد على استخدامه دائماً عندما يرغب السيطرة أو التأثير عليه.
= يا بني... يا بني بلاش تتهور وتضيع حياتك. أنا خايف عليك.
قاطعه راجح بقسوة وهو يتراجع إلى الخلف بعيداً عن مجال يديه، مظهراً بوضوح عدم رغبته بأي اتصال جسدي به.
= ابنك..!! ابنك إيه بقي يا حاج عابد بعد اللي قولته وعملته.
ليكمل بحدة وهو يعلم أن ما سيفعله خطأ، فهو بزواجه منها يثبت ارتكابه لتلك الجريمة. وبدلاً من إنكاره لاتهامها ظل صامتاً مثبتاً على نفسه جريمة لم يفعلها. وذلك بسبب الكلمات القاسية التي ألقاها والده عليه.
فقد شعر وقتها بأن عالمه بأكمله ينهار فوق رأسه. فقد شبهه بأكثر إنسان يكرهه ويحتقره حسان والده الحقيقي الذي اغتصب والدته التي لم تكن تبلغ من العمر وقتها أكثر من تسعة عشر عاماً. لا يعلم كيف استطاع أن يرميه بتلك الاتهامات القذرة، رافضاً الاستماع إليه أو إلى إنكاره للأمر كما لو كان ينتظر هذه اللحظة طوال حياته اليوم، اللحظة التي سيثبت بها أنه قذر مثل أبيه.
لذا قرر الزواج من تلك الفتاة حتى يعاند إياه، راغباً أن ينتقم منه ومن اتهاماته القاسية تلك.
= وفر كلامك وطريقتك دي مش هتجيب نتيجة. الموضوع انتهى... وهتجوزها يعني هتجوزها.
أردف بسخرية لاذعة رغم الألم والغضب اللذان يعصفان بداخله.
= بعدين يا حاج عابد اعتبر إني بحاول أعمل الصح اللي أبويا معملهوش من 30 سنة.
صاح عابد مقاطعاً إياه وهو يحاول الاقتراب منه مرة أخرى، مغمغماً بارتباك.
= إيه حاج عابد... حاج عابد اللي إنت عمال تقولها دي، أنا أبوك.
هز راجح رأسه بقوة بصوت مرتجف بعض الشيء والقهر ينبثق منه.
= الكلام ده كان زمان قبل ما تدبحني بسكينة. من اللحظة دي لا انت أبويا ولا أنا ابنك، وأظن إنك بينت ده كويس النهارده. أنت الراجل اللي خيره خدني حتة لحمة حمرا ورباني في بيته بدل ما كنت اترمي في الشوارع وكلاب السكك تنهش فيا.
ليكمل وهو يضع يده فوق رأسه.
= وجميلك ده هيفضل فوق راسي وهيفضل دين في رقبتي وربنا يقدرني وأسدده.
أنهى جملته تلك ثم التفت مغادرًا المكان على الفور، تاركًا عابد يتطلع بغضب وقسوة بأثره وهو يدرك مدى حماقة ما فعله بكلماته القاسية التي ستجعله يدفع الكثير، وأكبر فقدان السيطرة على راجح.
***
بوقت لاحق.
كانت صدفة تدفن وجهها بصدر أم محمد التي كانت بمثابة شقيقة كبرى لها.
كانت تبكي بشهقات ممزقة بينما كامل جسدها يرتجف بقوة، بينما أخذت أم محمد تربت على ظهرها بحنان محاولة تهدئتها.
فقد أقنعت صدفة الشيخ ناصر بأن يقوم بإيصالها إلى منزل أم محمد بدلًا من منزلها، حتى لا يراها زوج والدتها بحالتها المذرية تلك. لكنها في الحقيقة كانت خائفة من العودة إلى ذات المنزل الذي به أشرف والبقاء معه تحت سقف واحد بعد ما حاول فعله بها. لا تعلم ما الذي يمكنه فعله، فقد يكرر محاولاته ووقتها قد ينجح فيما فشل به سابقًا.
ربتت أم محمد على شعرها بحنان محاولة تهدئتها، فمنذ وصولها وهي لم تكف عن بكائها بهذا الشكل الهستيري.
= اهدى يا حبيبتي، اهدى. كل حاجة ولها حل.
همست صدفة من بين شهقات بكائها الممزقة.
= أنا وحشة أوي يا أم محمد. مش عارفة إزاي قدرت أتبلى عليه كده قدام أبوه والشيخ ناصر.
لتكمل وبكائها يزداد بقوة.
= بس كنت هعمل إيه؟ عقلي وقف وقتها، مشوفتش نفسي غير وهما بيجوزوني للكلب اللي اسمه أشرف ده بالغصب. خوفي شل تفكيري، وأول ما الحاج عابد سألني إذا راجح اللي عمل فيا كده، كنت عاملة زي الغريق اللي رَمُوله طوق نجاة.
قولت إنه هو اللي عمل كده على أساس إن الحاج عابد هيعدي الليلة ويداري اللي حصل عشان خاطر ابنه، بس راجح الراوي هو اللي أصر يتجوزني، واللي رعبني إنه منكرش كلامي ولا نطق بحرف واحد عن الحقيقة، فضل ساكت.
لتدفن وجهها في حضن صديقتها أكثر وهي تهمس بألم وخوف.
= أنا مش فاهمة حاجة، وخايفة أوي.
أبعدتها أم محمد بلطف عن حضنها.
= أنا عارفة إن اللي أنتِ عملتيه ده غلط.
لتكمل وهي تمسح بيدها على وجهها بحنان مزيلة الدموع العالقة به.
= بس أنتِ لو كنتِ نطقتي باسم الكلب أشرف ده كان أصر الحاج عابد والشيخ ناصر إنه يجوزك له، زي ما عملوا مع البت عواطف وسيد العطار. ووقتها الحرباية أشجان مش هتسكت وهتفضحك في المنطقة كلها إنك كنتِ ماشية مع ابنها بمزاجك، وهتقول عليكي أوسخ الكلام، أنتِ عارفاها.
ضمت صدفة يديها إلى صدرها هامسة بصوت مرتجف والخوف يملأ عينيها بينما تهز جسدها بقوة.
= كله إلا أشرف. أنا عندي أموت نفسي ولا إني أتجوز الحشاش ده ولا إنه يلمسني.
انفجرت باكية وجسدها يهتز بقوة، وقد بدأت تتذكر هجوم عليها ومحاولاته في لمسها هامسة برعب.
= طيب أنا إزاي هقعد معاه في بيت واحد بعد اللي حصل ده؟ ده ممكن يعملها تاني.
لتبدأ بالتحدث إلى نفسها بعجز وهي تنظر للفراغ الذي أمامها بعينين غائمة بالدموع التي كانت تنحدر على وجهها بغزارة.
= أروح فين؟ أسيب البيت؟ أشوفلي أوضة أسكن فيها؟ بس محدش هيسيبني في حالي وكلاب السكك كلها هتنهش في لحمي، ومش بعيد هو نفسه يتهجم عليا هناك. أعمل إيه يا ربي؟
احتضنتها أم محمد بحنان بين ذراعيها محاولة تهدئتها، تاركة إياها تبكي وتخرج كل ما بصدرها، وعندما توقفت شهقات بكائها.
دفعتها بلطف فوق الفراش مساعدة إياها بالاستلقاء وإراحة رأسها على الوسادة.
= نامي دلوقتي وريحي نفسك، أنتِ شقيانة من الصبح وزمان حيلك مهدود.
لتكمل وهي تجذب الغطاء فوق جسدها المرتجف.
= ومتخفيش، المخفي جوزي مش هنا، مسافر شغل في بورسعيد ومش هيجي إلا على أول الشهر الجاي. قعدي معايا الفترة دي لحد ما نشوف حل.
لتكمل وهي تربت على رأسها بحنان.
= والله هنلاقي لها حل، ربك كريم.
تقوقعت صدفة على نفسها تضم ساقيها إلى صدرها، مغلقة عينيها بقوة محاولة إبعاد كل ما حدث عن عقلها.
***
في صباح اليوم التالي.
استيقظت صدفة على أصوات مرتفعة تأتي من الخارج، لكن وقبل أن تعي ما يحدث، فُتح باب الغرفة بعنف ودلف زوج والدتها إلى الغرفة هاتِفًا بقسوة.
= بتصل بيكي من الصبح مبترديش على تليفونك ليه يا بنت الرفدي انتي؟
ليكمل وهو يتقدم داخل الغرفة بينما تتبعه أم محمد بعينين مترقبتين بخوف.
= راجح الراوي طلبني امبارح وقالي إنه جاي البيت عندنا وطالب إنك تبقي موجودة. هببتي إيه يا بوذ الأخص انتي عشان يجيلنا البيت؟ أكيد عملتي مصيبة من مصايبك.
هزت صدفة رأسها بينما تعدل بيد مرتجفة العباءة المنزلية التي ترتديها والتي أخذتها من أم محمد بليلة أمس بدلًا من ملابسها الممزقة.
= معملتش حاجة، ومعرفش جاي ليه.
غمغم بحدة بينما يقبض على ذراعها جاذبًا إياها منه.
= طيب قومي خلينا نروح، زمانه على وصول.
نفضت صدفة ذراعها بعيدًا عن يده متراجعة إلى الخلف بخوف على الفراش بعيدًا عنه.
= أنا... أنا مش هروح في حتة، لو عايز تقابله، قابله انت.
صاح متولي مقاطعًا إياها بقسوة وغضب.
= يبقي عملتي مصيبة، وخايفة منها. ليلة أمك هتبقى سودا لو اشتكى منك تاني. إحنا مش قده عشان كل يوم تعملي مصيبة معاه، ده أجدعها راجل في المنطقة ميقدرش يرفع عينه فيه، وإنتي بقى عمالة تعاندي فيه وشغالة قلة أدب.
هتف بحدة وهو يكمل.
= قومي، قامت قيامتك، خلينا نشوف نيلتي إيه معاه تاني.
أخذت صدفة تهز رأسها بقوة رافضة وهي تصرخ بهستيرية.
= مش هروح معاك في حتة.
زمجر متولي بصوته الغليظ وهو يندفع نحوها.
= انتي بتعلي صوتك عليا يا بنت الرفدى؟
قبض بيده على شعرها بقوة كادت أن تقتلع خصلاته جاذبًا إياها منه لتسقط من الفراش على الأرض الصلبة بقسوة وهي تصرخ متألمة، جذبه من شعرها على الأرض رغم مقاومتها له غير ابهًا بصراختها تلك وهو يهتف بشراسة.
= هتيجي غصب عن عين أهلك. فكرك إني هقف قدام راجح الراوي عشان واحدة زيك؟ اللي قاله لازم يتنفذ.
صرخت صدفة باكية وهي تحاول التشبث بالأرض رافضة الذهاب معه، وخوفها من مواجهة راجح يسيطر عليها.
= يا خي يلعن أبوك.
لأبوه...
ضربها متولي بقدمه في بطنها عدة ضربات قاسية وهو يهتف بعنف
=بتشتميني يا بنت الكلـ،ـب يا فاجـ.رة....
اندفعت ام محمد هي تهتف بفزع ممسكه بذراعه محاوله جذبه بعيداً عن تلك الملقي علي الارض تأن بألم و هي تمسك ببطنها
=علشان خاطري يا عم متولي كفاية...كفاية...
ابتعد متولي عن صدفة ماسحاً جبينه المتعرق بيده مزمجراً من بين انفاسه اللاهثه
=و رحمة امك اللي معرفتش تربيكي لأعلمك الادب بس بعد ما راجح الراوي يمشي...هفضالك حاضر...
ليكمل وهو يلتف الي امينه يتطلع اليها ممرراً عينيه التي كانت تلتمع بالشهوه علي جسدها
=علشان خاطرك بس يا ام محمد انا هسيبها خدي بالك...
اومأت له ام محمد وهي ترسم ابتسامه مرتجفة علي شفتيها..
تنحنح بصوت مرتفع وهو يستدير نحو صدفة التي لازالت ملقية علي الارض قائلاً بصوت خشن غليظ
= انا هطلع برا و 5 دقايق و القيكي لبستي و حصلتيني...
ثم التف مغادراً الغرفة لترتمي علي الفور ام محمد بجانبها تطمئن عليها من انها لم تتأذي...
ارتمت بين ذراعيها صدفة تنتحب بينما جسدها ينتفض بقوة
=مش عايزة اروح معاه....
ربتت ام محمد علي ظهرها هامسه لها بصوت منخفض
=معلش علشان خاطرى روحي معاه ده شراني و مش هيرحمك...
لكنها ابتلعت باقي جملتها منتفضين سوياً انتفضوا عند سماعهم صوت متولي الغليظ يهتف من الخارج
= ما تخلصي يا روح امك هفضل مستنيكي كتير الراجل زمانه علي وصول...
ساعدتها ام محمد علي الوقوف مخرجة احدي عبائتها السوداء مساعده اياها في ارتدائها ثم اخرجت واحدة لها وقامت بارتدائها هي الاخري قائلة بتصميم مربته علي كتفها
=انا جاية معاكي متخفيش ..هكلم الواد محمد يجيب اخته ويجولنا علي بيتكوا لما يطلعوا من المدرسة
اومأت لها صدفة بالموافقه محتضنه اياها هامسه بصوت مرتجف
=ربنا يخاليكي ليا يا ام محمد.....
ربتت ام محمد علي ظهرها بحنان
=انا بعتبرك بنتي الكبيره يا هبله
لتكمل بمرح وهي تنكزها في ذراعها بخفه محاولة اخراجها من حزنها
=اي نعم الفرق بنا ١٨ سنه....بس يلا اديني بكبر نفسي لاجل عيونك يا جميل...
ارتسمت شبه ابتسامة مرتجفة علي شفتي صدفة شبكت ام محمد ذراعها بذراع صدفه قبل ان تأخذها و يخرجوا للخارج..
قطب متولي فور ان رأي ام محمد معها غمغم قائلاً
=معلش يا ام محمد مش هينفع تيجى معانا اصل اشجان هناك و انتي عارفها مبطقيش..اصلها وليه غياره
ليكمل وهو ينحني نحو ام محمد قائلاً بغزل
=بتغيير من اللي احلي منها...
تراجعت ام محمد مبتعده عنه للخلف بنفور مرمقة اياه بحدة و غضب
مما جعل يتنحنح بحرج قبل ان يستدير الي صدفة ويقبض علي ذراعها جاذباً اياه معه لخارج المنزل...
༺༺༺༺༻༻༻༻
في وقت لاحق...
غمغم متولي بصدمة بينما ينقل نظراته بارتباك بين كلاً من راجح و الحاج عابد الذي اضطر ان يحضر حتي لا ينفذ الشيخ ناصر تهديده و يذهب هو معه و وقتها سيتسبب ذلك في فضيحة لهم اذا علم الناس خاصة و الشيخ ناصر كان معروف عنه انه يقوم بتزويج البنات بمن خدوعهم و سرق عذريتهم فوقتها سيخمن الناس ما حدث ..
=صدفة مين اللي عايز تتجوزها يا باشا...مش فاهم؟!!!!
ليهمس بصوت منخفض محدثاً نفسه
=صدفة...صدفة ازاي بس اللاه بـَين ودنك عايزة تتسلك و لا ايه يا متولي....
وضع اصبعه باذنه يهزه بقوة كما لو كان يسلك اذنه حتي يتأكد من انه سمع جيداً راجح الراوي ذات نفسه يطلب الزواج من صدفة خاصتهم
قاطعه راجح الذي كان يجلس بجانب والده بوجه مكفهر
=لا سمعت صح...يا متولي...انا بطلب ايد صدفة بنت مراتك
حك متولي رأسه و هو يحدث نفسه و عقله لا يزال لا يستوعب ما سمعه
=طيب ازاي...ازاي بس يا اخواتي انا هتجنن..... راجح باشا و البت صدفة..!!
هتف عابد بغضب و هو يضرب بعصاه الارض بقوة
=ما تخلص يالا يا متولي انت هتظيط قوم انده عليها وخد رأيها خالينا نخلص................
ليكمل بسخرية لاذعة وهو يرمق بقسوة راجح الذي كان يتجاهل وجوده بصمت
=مع اننا عارفين رأي السانيورا كويس....
زفر راجح بحده وهو يشيح برأسه بعيداً معتصراً قبضتيه بقوة محاولاً السيطرة علي نفسه و عدم الاجابة عليه..
بينما اخذ متولي ينقل نظراته بينهم بارتباك قائلاً باستفهام و هو يلاحظ العصبية و الحدة التي بينهم
=ايـه ؟ و انتوا عرفتوا رأيها منين ؟!
اجابه عابد بحدة و هو يحاول تدارك فهوة لسانه
=الحاجة ام راجح سألتها امبارح و هي قالت موافقة...
اشرق وجه متولي بفرح قائلاً بلهفة و هو يسرع بفتح يديه
=حيث كده بقي نقرا الفاتحة...
نكزه عابد بعصاه في ذراعه محاولاً جعله يخرج من الغرفة حتي ينفرد براجح حتي و لو لعدة دقائق و بداخله أمل ان ينجح فيما فشل به بالأمس و بصباح اليوم و هو اقناع راجح بتغيير رأيه و عدم الزواج من تلك الفتاة..
=قوم...اتحرك و اسألها و خد رأيها...
هتف متولي وهو يضحك فاركاً ذراعه مكان نكزت العصا
=و اسألها ليه يا حاج مش بتقول موافقة...
هز عابد رأسه قائلاً بنفاذ صبر
=برضو لازم تسألها...و نسمع كلنا ردها بودننا...
نهض متولي متجهاً نحو الباب وهو يغمغم
=اللي تؤمر به يا حاج عابد...حاضر
ليكمل هامساً بسخرية و عينيه تلتمع بالجشع فور تخيله لكم المال الذي سيجنيه من وراء تلك الزيجة بالاضافة الي الشقه التي سوف تصبح ملكه
=قال يعني لو موافقتش كلمتها هتمشي...دي توافق و الجزمه فوق راس اهلها كلهم هي تطول بنت المستخبى...
راقب عابد متولي باعين تلتمع باللهفة متولي وهو يغادر الغرفة قبل ان يلتف الي راجح قائلاً
=يا بني فكر كويس بلاش تنشف راسك....
ليكمل باشمئزاز و هو يشير بعصاه بانحاء الغرفة
=ملي عينك كويس وشوف الناس اللي هتناسبهم وتقع فيهم....
ظل راجح صامتاً لا يجيبه مما جعله يهتف بعجز و غضب
=هدي للبت 50 الف جنية و هخليها متفتحش بوقها عن عملتك دي و اطمن انا.......
لكنه ابتلع باقي جملته عندما انكسر فجأة الكوب الزجاجي الذي كان بيد راجح اثر ضغطه القاسي عليه...
شاهد عابد باعين متسعة بالصدمة راجح و هو يضع قطع الزجاج الملتصقة بيده علي الطاولة التي امامهم مخرجاً منديلاً من جيبه يلفه حول الجرح الذي كان ينزف بيده قبل ان يلتف اليه قائلاً من بين اسنانه بغضب
=وفر فلوسك..يا حاج عابد..
ليكمل ضاغطاً بقسوة علي حروف كلماته
=و عملتي السودا.. زي ما بتقول انا قادر احلها....و اشيل ليلتى لوحدي..
ضغط بقوة علي المنديل الذي براحة يده المصابه وهو يردف بسخريه لاذعة
=بعدين المفروض تفرح ان اللقيط اللي ربيته في بيتك مش هيعمل زي ابوه و يهرب...و يسببلك فضيحة
هتف عابد بحدة و قد احمر وجهه من شدة الحرج والارتباك
=ايه اللي انت بتقوله ده لقيط ايه انت ابني.....
لكنه ابتلع باقي جملته عندما فتح الباب فجأة و دلفت اشجان زوجة متولي بوجه شاحب واعين محتقنة فمنذ ان اخبرها زوجها عن رغبة راجح الراوي بالزواج من صدفة وهي تشعر بالنيران تشتعل بصدرها تحرق قلبها من شدة الغيظ والغضب..
جلست علي المقعد بعد ان القت التحيه عليهم تطلع اليها عابد بغضب من مقاطعتها اياهم وعندما هم ان يطلب منها ان تتركهم بمفردهم تحدثت بصخب
=انا جاية انصحكوا لله....
لتكمل سريعاً و عينيها تتطلع باضطراب نحو باب الغرفة خوفاً من يأتي متولي باي لحظة
=البت دي متنفعش تدخل بيتكوا الأصيل..
ايه بس يوقعكوا الوقعة السودا دي بقي راجح باشا زينة الشباب يتجوز واحده زي دي..
تركها عابد تتحدث وعلي وجهه يرتسم الاستحسان و عينيه مسلطة علي راجح بأمل ان يتأثر بكلماتها تلك...
=بعدين دي لا مال ولا جمال تتجوزها ازاي بس يا راجح باشا ده انت.....
لتكمل وهي تضرب بيدها علي ساقها
=ده انا اللي مربيها و عارفة كل بلاويها و لسانها الطويل اللي عايز اصه ازاي واحدة زي تدخلوا بيتكوا من الاساس كيب انتوا عارفين دي..........
قاطعها راجح بخشونة و حدة
=قومي شوفيلنا جوزك اتأخر ليه...عايزين نمشي....
همهمت اشجان بصدمة
=ههاااا...؟!
زمجر بغضب و هو يشير نحو الباب
=اخلصي قومي....
انتفضت اشجان واقفه فور سماعها كلماته الحاة تلك تتلملم في وقفتها و قد احتقن وجهها من شدة الانفعال هامسة بحرج و خوف منه في ذات الوقت
=حاضر...أمرك...
أمرك يا راجح باشا.
ولكن ما إن همت بالتوجه نحو الباب، حتى فُتح ودلف متولي إلى الغرفة بوجه مشرق، بينما تتبعه صدفة بعباءتها السوداء المهترئة الفضافضة.
وقفت صدفة بمنتصف الغرفة تمرر عينيها بارتباك بين كلا من راجح وعابد الراوي. شعرت برجفة من الذعر تمر بداخلها فور أن تقابلت عيناها بعيني راجح العاصفة، التي كان يسلطها عليها بنظرات قاتلة سامة، ممتلئة بالاحتقار والغضب.
أشاحت نظراتها بخوف بعيدًا عنه، بينما يتردد في الغرفة الصوت الغليظ لعابد الراوي، وهو يرمقها هو الآخر بنظرات رافضة حادة.
"مقولتلناش رأيك إيه يا سانيورا؟"
ابتلعت صدفة الغصة التي تشكلت بحلقها، محاولة استجماع شجاعتها، هامسة بصوت مرتجف بالقرار الذي اتخذته بعد تفكير طويل ليلة أمس.
"مش... مش موافقة."
ارتسم الارتياح على وجه عابد فور سماعه كلماتها تلك، بينما صاح متولي، زوج والدتها، بغضب، وهو يضربها بقبضته الضخمة في ظهرها، مما جعلها تصرخ متألمة.
"بتقولي إيه يا بنت الكلب... انتي اتجننتي؟"
صاحت صدفة بحدة، وهي تحاول الابتعاد عن ضرباته الغاشمة لها.
"ده اللي عندي، مش عايزة اتجوزه... أنا حرة."
اندفع نحوها متولي وهو يزمجر بغضب، محاولًا الإمساك بها والهجوم عليها مرة أخرى.
"ليه هو كان بمزاجك يا بنت الرافدي؟"
قاطعه الصوت الصارم لراجح، الذي انتفض واقفًا، وعيناه مسلطة على صدفة بقسوة.
"سيبونا لوحدنا."
هتف عابد وهو يقف هو الآخر، موجهًا حديثه لوالده.
"يعني إيه نسيبكوا لوحدكوا... هتتكلم معاها في إيه، ما خلاص قالت رأيها... وانتهينا."
تجاهله راجح كما لو أنه لم يتحدث، قائلاً بصرامة وقسوة، وعيناه لا تزال مسلطة على صدفة الواقفة بوجه شاحب.
"قولت سيبونا لوحدنا."
جذب عابد طرف عباءته بحده، واضعًا إياها فوق كتفه، زاجرًا راجح بغضب، متمتمًا بكلمات قاسية لاذعة، قبل أن يخرج من الغرفة، ليتبعه سريعًا كلا من أشجان ومتولي، الذي أسرع بغلق الباب خلفه، تاركًا إياهم بمفردهم.
شعرت صدفة بضربات قلبها تتقافز داخل صدرها من شدة الخوف. ظلت متجمدة مكانها، تشعر بقدميها كالهلام، غير قادرة على تحريكهم.
بينما وقف راجح يتفحص تلك المخادعة التي اتهمته بأكثر تهمة وضيعة ممكن أن يتهم بها الرجل، ألا وهي محاولة اغتصاب امرأة ما.
فمنذ صغره، اتخذ على نفسه عهدًا ألا يسمح لشهواته أن تتحكم به وقيادته، وألا يجرح امرأة حتى ولو بنظرة واحدة، متخذًا على نفسه عهدًا ألا يصبح كالرجل الذي أنجبه.
لكن أتت تلك واتهمته بما لم يفعله ولن يفعله أبدًا بحياته، لتجعله بنظر والده نسخة من الرجل الذي اغتصب والدته.
راقبته صدفة بعينين متسعتين ممتلئتين بالذعر، بينما يتقدم نحوها بخطوات بطيئة متمهلة. لكن ما بث الرعب بداخلها الغضب والشراسة المرتسمان على وجهه، مما جعلها تتراجع إلى الخلف بتعثر، لكنها تجمدت بمكانها عندما شعرت بالحائط يضرب ظهرها من الخلف، مما جعلها محاصرة بينه وبين جسده الصلب الذي أصبح يقف أمامها مباشرة. أخذت دقات قلبها تزداد بعنف، حتى ظنت بأن قلبها سيغادر جسدها بأي لحظة من سدة الخوف.
انتفضت صارخة بفزع عندما انحنى نحوها، قابضًا على عنقها بيده، يضغط عليه بقوة، هامسًا بالقرب من أذنها بصوت شرس يملؤه الغضب.
"سامعيني بقي كنت بتقولي إيه..."
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!