تحميل رواية «مقيد بأكاذيبها» PDF
بقلم هدير نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بإحدي الاحياء الشعبية تحديدا فى إحدي المنازل التي يدل مظهره الخارجي علي مدي فقر سكانها الشديد... كانت صدفة واقفة بالمطبخ تحضر لنفسها شطيرة سريعة حتي تتناولها قبل ذهابها الي العمل.. لكنها تأففت بحنق مطلقة لعنة منخفضة فور سماعها صوت اشجان الزوجة الثانية لزوج والدتها المتوفية يأتي من خلفها =ايه يا منيلة الدوشة اللي انتي عاملها علي الصبح....الساعة لسه 5 الفجر الله يخربيتك قلقتي منامنا اللهي يقلق منامك يا بعيدة.... اختطفت صدفة الشطيرة الخاصة بها من فوق الطاولة قبل ان تستدير اليها مغمغة بحدة و نفاذ صب...
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الأول 1 - بقلم هدير نور
بإحدي الاحياء الشعبية تحديدا فى إحدي المنازل التي يدل مظهره الخارجي علي مدي فقر سكانها الشديد...
كانت صدفة واقفة بالمطبخ تحضر لنفسها شطيرة سريعة حتي تتناولها قبل ذهابها الي العمل.. لكنها تأففت بحنق مطلقة لعنة منخفضة فور سماعها صوت اشجان الزوجة الثانية لزوج والدتها المتوفية يأتي من خلفها
=ايه يا منيلة الدوشة اللي انتي عاملها علي الصبح....الساعة لسه 5 الفجر الله يخربيتك قلقتي منامنا اللهي يقلق منامك يا بعيدة....
اختطفت صدفة الشطيرة الخاصة بها من فوق الطاولة قبل ان تستدير اليها مغمغة بحدة و نفاذ صبر
=بعمل ساندوتش اطفحه قبل ما اتهبب انزل اجري علي اكل عيشي.....
لتكمل بحده وهي تزجرها بغضب
=ايه حـرم و لا حـرم ....
اجابتها اشجان و هي ترمق بسخرية الساندوتش الذي في يدها
=ياختي براحة علي نفسك انتي ليه محسساني انك موظفة في مصلحة حكومية اومال لو مكنتيش حتة بياعة ساندوتشات فول وطعمية علي الرصيف كنت عملتي ايه...
لتكمل بقسوة مربتة علي صدر صدفة بضربات خفيفة متتالية
=بعدين ياختي ابقي ريحينا و ريحي نفسك و اعملي ساندوتشك ده من ضمن الساندوتشات اللي بتعمليها للصنايعة و كليه في الشغل بدل ما كل يوم تقلقي منامنا....
قضمت صدفة الساندوتش الذي بيدها بغل و غضب وهي تغمغم بفم ممتلئ
=انا لو ماكلتش الساندوتش ده هنا مش هعرف ادوق لقمة واحدة طول اليوم..لأني بشتغل من الساعه 6 الصبح لـ12 بليل و مبقعدش ثانية واحدة و بيطلع عين اللي جابوني علشان اجبلك فلوس انتي و المحروس جوزك
لتكمل هاتفة بغضب
=فارحمني بقي و مطفحنيش اللقمة اللي هاكلها...
رفعت اشجان ياقة قميصها البيتي تنفخ بصدرها عدة مرات قبل ان تهتف بنبره يتخللها التهكم
=تف تف... ياختي متشخطيش اوي كده اصل بخااااف و بتخض ....
لتكمل بسخرية لاذعة و هي تمرر عينيها من الأعلي للأسفل علي جسد صدفة الذي تخفيه اسفل عبائتها الفضفاضة
=و ياختي لما انتي مبتاكليش غير الساندوتش اللي في ايدك ده طول اليوم..اومال جسمك بيفشول وبيتخن من ايه....
احمر وجه صدفة بشده فور سماعها كلماتها تلك و قد ارتجفت شفتيها في قهر دفين فقد ضغطت اشجان جيدا على نقطة ضعفها زفرت بحنق و هي تغمغم بصوت مرتجف بينما تندفع نحوها ضاربة بحدة كتفها و هي تزيح بعيدا جسدها الذي كانت تسد به باب المطبخ
=بقولك ايه يا خالتي...روحي نامي احسن اديني نازلة اهو و سيبالك الشقة......
هتفت اشجان بحده وهي تدلك بيدها كتفها الذي اصطدمت به صدفة
=انتي بتزوقيني كده ليه...جتك ضربه في ايدك.......
لتكمل بغل وغضب عندما تابعت صدفة طريقها نحو غرفتها دون ان تجيبها او تلتف اليها
=صحيح ما انتي بهيـ.ـمة و مفرقتيش حاجة عن الجامـ.ـوسة عاملة زي البغـ.ـلة.......
اغلقت صدفة باب غرفتها سريعا و بقوة بوجهها في محاولة منها للهروب من سماع باقي كلماتها السامة التي كانت تحفظها عن ظهر قلب و التي ترددها دائما على مسمعها بكل يوم...
فسوف تنعتها بالسمينة و تزدري جسدها كما تفعل بكل مرة
نزعت ملابسها المنزلية و ارتدت عبائتها السوداء الفضفاضة البالية التي ترتديها دائما عند ذهابها للعمل...
فقد كانت تتعمد دائما ارتداء ملابس فضفاضة بهذا الشكل حتي تخفي معالم جسدها الانثوي عن الاعين الجائعة...
حتي في المنزل ترتدي عباءات منزلية فضفاضة تكاد ان تغرق بها خوفا من زوج و الدتها و اشرف ابن اشجان الذي كان يكبرها بسنتين...
لكنها لم تكن دائما هكذا فعندما كانت والدتها حية كانت ترتدي ملابس انيقة و جميلة كباقي الفتيات لكن بعد وفاتها بدأت في ملاحظة نظرات زوج والدتها الغير بريئه بالمرة لجسدها لذا بدأت تخفي جسدها اسفل تلك الملابس
و ايضا كانت تخاف من اشرف ابن اشجان فقد كان سكير فاسد رغم انه دائما يسخر منها و من مظهرها ناعتا اياها بالثمينة القبيحة الا ان هذا لم يهدأ خوفها منه...
لذا لم تكتفي بارتداء تلك الملابس البالية فقد كانت ايضا تتعمد تقبيح وجهها بوضع لون من الكريم الذ كان اغمق كثيرا من لون بشرتها البيضاء الحليبية.. راسمة حاجبيها بلون اسود ثقيل..
تأملت مظهرها بالمرأه بحسرة فقد كانت ملابسها تزيد حجم جسدها الي ثلاثة اضعافه علي الاقل فهي ليست سمينة بهذا الشكل فقد كانت ممتلئة بعض الشئ بامكان محددة من جسدها ...
تناولت حجابها الصغير و عقدته علي رأسها لينسدل من اسفل الحجاب شعرها الاسود الحريري علي كتفيها لكنها تناولت الفرشاة و اخذت تبعثره بقوة حتي اصبح اشعث هائش فقد كانت تتقصد ان تجعله بهذا الشكل الاشعث حتي لا يظن احد انها تتجمل فقد كانت تتعامل مع رجال و عمال طوال اليوم لذا يجب ان تحافظ علي سمعتها و علي نفسها من اعينهم الوقحة....
اختطفت محفظتها من فوق الطاولة و غادرت المنزل سريعا حتي تبدأ بيوم عملها الشاق..
بعد مرور عدة ساعات.....
كانت صدفة جالسة بمكان عملها الذي كان عبارة عن فرشة صغيرة علي الرصيف الجانبي للشارع تصنع الساندوتشات و الشاي للعمال بالمحلات التجارية التي تملئ الشارع...
هتفت ام محمد الجالسة بجانبها علي فرشتها الخاصه لبيع الخضروات كما كانت تعمل مع صدفة في ذات الوقت..
= مالك يابت قالبة وشك علي الصبح ليه كده...
اجابتها صدفة و هي تقوم بوضع الطعمية بالمقلاة الممتلئة بالزيت الساخن و علي وجهها تعبير مقتطب
=هيكون ايه يعني..غير اشجان الحيزبونة زي العادة..
غمغمت ام محمد بحنق وهي تقوم برش المياه علي الخضار المرصوص علي الفرشة التي امامها..
=يا دي اشجان..و سنينها السودا هي الوليه الارشانة دي مش ناوية بقي تتهد عنك...
غمغمت صدفة وهي مستمرة في تقليب الطعمية بالزيت حتي لا تحترق
=زهقت...زهقت و نفسي امشي من وشهم و اشوفلي شقة صغيرة ان شالله اوضة و صالة صغيرة بس ابعد عنهم و عن قرفهم....
قاطعتها ام محمد شاهقة بصدمة
=انتي اتجننتي يا بت عايزة تعيشي لوحدك....
ده انتي كنت تبقي حته لحمه واترمت للكلاب ينهشو فيها. الناس ما هتصدق يا بنتي مش هيرحموكي.
ثم نهضت من مكانها لتجلس بجانب صدفة وهي تكمل بجدية:
= انتي بتخلصي شغل على 12 بليل وعقبال ما بتروحي بيبقى فيها لـ 12 ونص. عارفة لولا إنك عايشة مع النطع جوز أمك ده كان زمان سيرتك على كل لسان الناس وحشة وما بترحمشي. واديكي شوفتي بيقولوا إيه على ليلي بنت أم منير عشان اطلقت وخدت شقة فوق شقة أبوها مش رحمانها. ده لو رجعت من برا 9 بليل بيتكلموا في عرضها.
أطلقت صدفة زفرة حارقة وهي تهز رأسها:
= عارفة... وده اللي مصبرني على الغلب اللي أنا فيه.
لتكمل بعجز وهي تضغط يدها على خدها:
= بس في نفس الوقت مش قادرة أستحمل قلة أدب أشجان دي. بتتعامل معايا كأنها بتتصدق عليا هي وجوزها.
قاطعتها أم محمد قائلة بحدة وهي تساعدها في فتح الخبز حتى تبدأ بصنع الشطائر:
= ليه بقى؟ ده انتي ليكي نص الشقة. ولولا إن متولي ضحك على أمك الله يرحمها في آخر أيامها وخلاها تكتب نص الشقة له، كان هتبقى كلها ليكي. أمك كانت قايلالي إنها هتكتبها ليكي بيع وشرا.
تنهدت صدفة مغمغمة بتثاقل:
= يلا ربنا يرحمها ويسامحها بقى. كان واكل بعقلها حلاوة. حتى لما اتجوز عليها وجابها تعيش معاها في قلب شقتها منطقتش معاه واتقبلت الوضع.
ربتت أم محمد على كتفها بحنان:
= أمك كانت طيبة وغلبانة.
هزت صدفة رأسها بصمت وعينيها شاردة، لكنها أفاقت من شرودها هذا على رنة هاتفها المحمول البسيط الذي كانت تحمله، حيث كانت تتلقى طلبات الطعام من المحلات التي حولها من خلاله.
ضغطت على إحدى الأزرار قبل أن تضع الهاتف الصغير على أذنها:
= أيوه... يا توفيق باشا حاضر. يعني تلاتة طعمية واتنين بتنجان. تؤمر بحاجة تانية؟ طيب عشر دقايق والساندوتشات تكون عندك يا باشا.
أغلقت الهاتف واضعة إياه بجيب عباءتها قبل أن تتناول الخبز وتبدأ بصنع الشطائر. وفور انتهائها وضعتها فوق إحدى الصحون ونهضت قائلة سريعًا:
= خدي بالك من الفرشة يا أم محمد عقبال ما أوصل الساندوتشات دي لوكالة الراوي.
أومأت أم محمد برأسها قائلة:
= عينيا ياختي.
انطلقت صدفة في طريقها شبه راكضة حتى تصل سريعًا إلى وكالة عابد الراوي، والتي كانت تعد أكبر وكالة لبيع الأجهزة الكهربائية بالمنطقة بأكملها، حتى توصل الطعام لتوفيق الحلاوني الذي كان الصديق المقرب لراجح الراوي.
هرعت سريعًا حتى تنتهي وتعود إلى مكان عملها، فأمامها يوم طويل مليء بصنع الشطائر وتوصيلها للعمال بمحلات عملهم.
= بت يا صدفة.
سمعت إحدى الأشخاص يهتف باسمها مما جعلها تتوقف وتلتف خلفها لتجد أم عبير الجالسة أمام بسطتها الخاصة ببيع الفواكهه.
= خير يا أم عبير في إيه؟
أشارت أم عبير بيدها لكي تقترب منها قائلة بصوت منخفض بعض الشئ:
= خدي يا بت أقولك.
تأففت صدفة قائلة بينما تقترب منها:
= عايزة إيه يا أم عبير؟ اخلصي أنا سايبة الفرشة لوحدها.
همست أم عبير بينما تضع يدها بصدرها مخرجة إحدى الحافظات المصنوعة من القماش الرديء:
= ياختي خدي هاكلك ولا هاكلك. جتك نيلة بت هم.
لتكمل وهي تخرج عدة أوراق من المال من تلك الحافظة وتمدها نحو صدفة بينما تتلفت برأسها يمينًا وشمالًا.
= خدي. دول 4 آلاف جنيه بتوع دورك في الجمعية. كده يتبقى لك 4 زيهم آخر الأسبوع هكون لميتهم من الناس وهجبهملك.
أخذتهم منها صدفة ووضعتهم سريعًا بصدرها وهي تتلفت حولها حتى تطمئن أن أحدًا لم يراها، خاصة زوج والدتها الذي إذا ما علم عن هذه الأموال سوف يأخذها منها كما يأخذ جميع الأموال التي تحصل عليها من عملها.
غمغمت وهي تبتسم بفرح:
= تسلميلي يا حبيبتي. بس زي ما فهمتك محدش ياخد خبر إني معاكي في الجمعية دي.
قاطعتها أم عبير قائلة بتأكيد محاولة طمئنتها:
= متخفيش. هو أنا عيلة صغيرة؟ ما أنا فاهمة اللي فيها.
ابتسمت صدفة باشراق شاعرة بالسعادة تغمرها، فقد كانت تجلب بتلك الأموال التي تحصل عليها من تلك الجمعيات جهاز عرسها وتخبئه بشقة أم محمد حتى لا يعلم زوج والدتها شيئًا عنها.
غمغمت وهي تهرع مسرعة نحو وكالة الراوي التي لم تكن تبعد كثيرًا:
= يالهوي اتأخرت. ما أروح بسرعة أودي الساندوتشات لتوفيق بيه.
بعد عدة لحظات دلفت صدفة إلى الوكالة المكتظة بالعمال والأدوات الكهربائية الحديثة بمختلف أنواعها واتجهت مباشرة إلى المكتب الخاص براجح الراوي، فقد كانت تعلم بأن توفيق صديقه يجلس معه بالطبع.
لكن وقبل وصولها إلى الباب وقف أشرف ابن أشجان أمامها قائلاً بصوته الغليظ الحاد:
= بتعملي إيه هنا يا بت؟
أجابته صدفة بحدة مماثلة:
= جاية أرقص.
لوى أشرف شفتيه قائلاً بسخرية لاذعة:
= جتك ستين نيلة. وهو انتي بمنظرك اللي شبه الجاموسة ده ولا وشك العكر ده ينفع حتى ترقصي للميتين في الترب.
هتفت صدفة بحدة وغيظ وقد بدأ الغضب يشتعل بداخلها بسبب إهانته المستمرة لها:
= بقولك إيه بطل تلبيخ. وأنجز عايز إيه؟ الأكل هيبرد.
حك رأسه بأصابعه قبل أن يغمغم سريعًا:
= هاتي 50 جنيه.
شهقت صدفة بصوت مرتفع قائلة بغضب:
= 50 إيه يا خويا منين.
قاطعها أشرف بقسوة وقد بدأ وجهه يتشدد بالغضب:
= من الفلوس اللي موكشاها على قلبك من الشغل بتاعك. هو انتي بتهمدي؟
هتفت صدفة كاذبة:
= شغل إيه يا خويا ده إحنا لسه على الصبح وبنقول يا هادي.
اقترب منها مزمجرًا بشراسة قابضًا على ذراعها لويًا إياه خلف ظهرها:
= بقولك إيه يا بت انتي. انتي هتعمليهم عليا؟ هتجيبي 50 جنيه ولا أكسرلك دراعك.
أسرعت قائلة بذعر وهي تدرك أنه قادر على تنفيذ تهديده:
= هديك. هديك.
حرر ذراعها لتنتفض مبتعدة عنه واضعة يدها بجيب عباءتها مخرجة ورقة مالية ملقية إياها بوجهه:
= خد. حار و نار في جتتك يا بعيد.
التقط أشرف المال من فوق الأرض سريعًا مغمغمًا بحدة واشمئزاز:
= جتك نيلة. عيلة تسد النفس.
تركته ودلفت إلى داخل المكتب وهي تهمهم بصوت منخفض:
= اللهي مصيبة تاخدك يا بعيد وأخلص منك انت وأمك.
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما صوت راجح الراوي الغاضب أتى من خلفها بينما تغلق باب الغرفة:
= انتي يا بت انتي مش هتبطلي كل ما تدخلي الوكالة تعملي مشاكل وقلق وصوتك يعلي في المكان.
استدارت صدفة تتطلع بأعين متسعة إلى ذلك الجالس خلف مكتبه بطوله الفارع. شعرت بالارتباك عدة لحظات فور رؤيتها له ولوسامته التي تذيب قلوب جميع فتيات المنطقة، لكنها أبعدت أفكارها تلك مجيبة إياه بحدة:
= وأنا عملت إيه دلوقتي يا راجح باشا.
قاطعها راجح بقسوة بينما يرمقها بنظرات مشتعلة بالغضب:
= صوتك لو علي تاني هنا. هتبقى دي آخر مرة تخطي فيها الوكالة.
اشتعلت نيران الغضب بداخلها فور سماعها كلماته تلك وعندما همت تجيبه قاطعها توفيق الذي دلَف إلى الغرفة وهو يهتف بحماس فور رؤيته لها:
= أخيراً يا صدفة. ده أنا كنت لسه هبعتلك حد من العمال.
تناول منها الصحن الممتلئ بالشطائر ثم جلس على المقعد الذي بجانب مكتب صديقه وشرع في تناول طعامه بجوع.
زمجر راجح بها بغضب:
= واقفة عندك متنحة ليه.
مش سلمتي الساندوتشات؟ يلا غوري.
ظلت صدفة واقفة بمكانها تتطلع نحوه بنظرات عاصفة محترقة معتصرة قبضتيها بجانبها بقوة حتى لا تندفع نحوه وتمزق وجهه بأظافرها، فقد سأمت من معاملته لها بتلك الطريقة الفظة، فما إن يراها أمامه يبدأ بالصراخ بها وتعنيفها بدون سبب.
التفتت خارجة من الغرفة بغضب وهي تهمهم بصوت منخفض تلعنه وتشتمه.
قضم توفيق من الشطيرة التي بيده وهو يغمغم:
= يا عم أهدي على البت شوية مش كده.
زفر راجح بحدة بينما يتراجع في مقعده للخلف:
= دي بت لسانها طويل ودايمًا صوتها عالي.
قاطعه توفيق وهو لا يزال يتناول طعامه:
= يا عم دي بت غلبانة مش قدك.
مرر راجح يده على وجهه قائلاً بحيرة:
= عارف إنها غلبانة وبضايق من نفسي لما بعاملها كده، بس معرفش إيه اللي بيحصلي لما بشوفها بحس إن عفاريت الدنيا كلها بتتنطط في وشي.
اتّكأ صديقه على المكتب قائلاً بمرح بينما يلاعب حاجبيه بطريقة موحية:
= لتكون واقع فيها يا عم راجح.
ليكمل سريعًا وهو يعاود الجلوس على مقعده مجيبًا نفسه:
= بس لأ حب إيه؟ بشكلها الغريب ده. لأ شكلها ولا مستواها يشجعوا إنك تحبها أو حتى تفكر فيها. أومال إيه حكايتك يا عم.
قاطعه راجح بغضب قائلاً وهو يضع يده فوق الأوراق التي أمامه:
= لا حكاية ولا رواية. انت هتألف فيلم وهتصدقه. وخلص أكل يلا خلينا نشوف حل لمصيبتك خليك ترجع محلك مش كل شوية تتنططلي هنا.
أومأ توفيق برأسه قائلاً وهو يمسح يده بإحدى المناديل:
= أديني خلصت بس قولي الأول. لسه مصر متأمنش نفسك وتعملك حاجة للزمن بعد كلام الحاج عابد معاك.
هز راجح رأسه قائلاً بجمود:
= أعمل كده ليه؟ أبويا أكدلي إننا شركا وأن أنا ليا نص المحلات والوكالة.
قاطعه ناجي قائلاً بحدة:
= بس يا راجح لازم تكتب عقد بده. وبصراحة ده ميرضيش ربنا. الشغل ده انت اللي شيله على كتافك طول الـ 13 سنة اللي فاتوا والمحل اليتيم اللي كان أبوك يملكه خليته بتعبك وعقلك 10 محلات ومش أي محلات. لأ دي أكبر محلات في مصر كلها.
زفر راجح بغضب وهو يرفع الأوراق التي أمامه:
= خلصنا يا توفيق مش كل ما هتقعد معايا هتتكلم في نفس الحوار. انت عارف إن كلمة أبويا سيف ولا يمكن يقول كلمة ومينفذهاش.
أشار توفيق بيده على رأسه قائلاً:
= يا عم راجح كلمة الحاج عابد على عيني وعلى راسي بس اعمل زي ما أنا عملت. مضيت أبويا على بيع أجنس العربيات وضمنت حقي.
قاطعه حديثه طرق الباب ودخول حكيم رئيس العمال لديه:
= آسف على الإزعاج يا راجح باشا. بس حبيت أعرفك إن البضاعة هتوصل بكرة الصبح مش بليل زي العادة.
أومأ راجح برأسه قائلاً بهدوء:
= تمام يا عم حكيم. عرف بقى العمال على الميعاد وبلغهم إنهم أول ما يخلصوا نقل البضاعة للمخزن الكل يروح مش لازم يسهروا. واليوم محسوب لهم.
ابتسم حكيم بفرح قائلاً:
= ربنا يجبر بخاطرك يا بني دايماً يارب زي ما كل مرة بتجبر بخاطرنا.
ليكمل سريعًا وهو يتجه نحو الباب:
= استأذن أنا بقى.
ثم خرج سريعًا تاركًا كلا من راجح وتوفيق يتناقشون حول إيجاد حل للديون المتراكمة على المحل الخاص ببيع السيارات الذي يملكه توفيق.
بعد عدة ساعات.
كانت صدفة لازالت جالسة تصنع الشطائر وتقوم ببيعها للعمال وغيرهم من الأشخاص المارة عندما رن هاتفها. ترددت قليلاً قبل أن تجيب عندما رأت رقم وكالة عابد الراوي، فور تذكرها لطريقة تعامل راجح الراوي معها بالصباح، لكنها بالنهاية أجابت، فوكالة الراوي من أكبر الوكالات الممتلئة بالعمال والتي لا ترغب أن تخسرهم بالطبع. أجابت على مضض لتجد إحدى العمال يمليها إحدى الطلبات لتردد خلفه محاولة حفظ الطلب:
= أيوه.
2 طعمية و 2 بطاطس و 2 شاي تقيل.. حاضر.. حاضر
توقفت قليلاً قائلة بتردد:
= بقولك إيه يا عم صقر، هي الطلبات دي لمين يعني؟ لراجح باشا ولا لمين؟
أجابها صقر بنفاذ صبر:
= للحاج عابد.. و انجزي يا صدفة، انتي عارفة إنه مش بيحب التأخير.
غمغمت سريعاً وهي تشعر بالراحة بأن الشطائر ليست لراجح الراوي، فقد كانت لا ترغب بمقابلته.
= حاضر يا عم صقر.. ثواني و هيكون الأكل عنده.
في ذات الوقت..
كان عابد الراوي جالساً على المكتب، بينما والده الأكبر راجح يجلس في المقعد الذي أمامه.
غمغم عابد بحدة وغضب:
= يعني إيه تدي العمال إجازة نص يوم و بأجر كامل؟ ليه إن شاء الله فاتحينها تكية لأهلهم ولا إيه؟
أجابه راجح بهدوء بينما يفحص إحدى الأوراق التي بيده:
= يا حاج، العمال لازم ترتاح.. بعدين مفيش شغل لهم، أقعدهم في المخازن ليه؟ مش تعذيب هو.
هتف عابد بحدة بينما يرمق والده بغضب:
= لا مش تعذيب.. بس هو مش مال سايب.. علشان تتحكم وتتأمر فيه على كيفك.. الإجازة دي تتلغي، فاهم؟
التقط راجح نفساً طويلاً محاولاً السيطرة على غضبه، وحتى لا يجيبه بطريقة تناسب طريقته المتعجرفة معه.
لينجح بالنهاية بالسيطرة على غضبه مجيباً إياه بهدوء:
= الإجازة مش هتتلغي يا حاج.. مش هطلع نفسي صغير قدام العمال بدي قرار الصبح و أرجع فيه بليل..
ليكـمل وهو يضغط بقوة على ملف الأوراق الذي بيده حتى ابيضت مفاصله:
= ولو أنت عايز تلغيه.. اتفضل روح بلغهم أنت بقرارك ده.
ارتبك عابد فور سماعه ذلك، غمغم سريعاً بحنق:
= لا قايل ولا عايد.. إجازة.. إجازة.
أومأ راجح برأسه بصمت، فقد كان يعلم أن والده لن يجازف بإخبار العمال بإلغائه للإجازة ويجازف بتدمير صورته أمامهم التي يتباهى بها كثيراً.
بعد مرور عدة دقائق..
طرقت صدفة باب المكتب ودلفت إلى الداخل، وعلى وجهها ترتسم ابتسامة، لكن سرعان ما ذبلت ابتسامتها تلك فور رؤيتها لراجح الجالس مع والده بالمكتب، فقد كانت تعتقد أن الحاج عابد بمفرده.
وضعت صحن الطعام أمام الحاج عابد الذي كان منشغلاً بالتحدث بهاتفه.
بينما غمغم راجح بصرامة وهو لا يزال يتفحص بتركيز الأوراق التي بين يده، غافلاً عن تلك الواقفة بتجمد تتطلع إليه بأعين متسعة بالارتباك:
= ناوليني الشاي.
وقفت مترددة عدة لحظات قبل أن تتناول إحدى أكواب الشاي وتضعه على المكتب أمام الحاج عابد.
ثم تناولت الآخر واتجهت نحو راجح واضعة إياه بين يده الممدودة لها، لكن تصلب جسدها بخوف وذعر فور أن أطبقت يده على يدها بدلاً من الكوب الزجاجي نفسه، مما جعلها تنتفض متراجعة للخلف وهي تصرخ بفزع، ليسقط الكوب من يدها وتهشم على الأرض بعد أن انسكب بعضاً من محتوياته على ساق راجح، الذي انتفض واقفاً يلعن بعنف وهو ينفض السائل الساخن عن ساقه، صارخاً بها بعنف اهتزت له أرجاء المكان:
= إيه اللي انتي عملتيه ده يا بهيمة؟ انتي مجنونة ولا إيه حكايتك بالظبط؟
هتفت بحدة بينما تتراجع إلى الخلف:
= تستاهل علشان إيدك طويلة.
لتكمل بحدة وهي ترمقه بنظرات مشتعلة بالغضب والازدراء:
= إيه فاكراني لقمة سهلة هتقعد تحسس وتلمس براحتك ولا إيه؟ لا ده أنا هفضحك و أخـ....
قاطعها عابد الذي وقف هاتفا بحدة وهو يضع هاتفه بعيداً، ممرراً نظراته بينهم:
= إيه ده يا بت؟ انتي إيه الهيصة اللي انتي عاملها دي؟
أجابته صدفة وهي ترمق راجح بنظرات تملؤها الاشمئزاز:
= اسأل ابنك يا حاج عابد وهو يقولك.. ولا يقولك ليه؟ ما أقولك أنا، راجح باشا حاول يمسك إيديا، بيتحرش بيا ومش عامل حتى احترام لك.
اندفع راجح نحوها قابضاً على ذراعها يهزها بقوة هاتفا بغضب وعينيه تلمع بوحشية قاتلة، مما جعل الرعب يعصف بداخلها:
= انتي بتقولي إيه يا بت؟ اتحرش بمين؟
ليكمل مزمجراً بشراسة وهو يهزها بقوة أكبر جعلت أسنانها تصطك ببعضها البعض:
= قسماً بالله إن ما لميتي نفسك لأدفنك حية وما هتسوي عندي جنية.
جذبه والده للخلف بعيداً عنها هاتفا بحدة:
= اهدي يا راجح مش كده.
ليكمل ملتفتاً إلى صدفة التي التصقت بباب المكتب ووجهها شاحب من شدة الخوف:
= أكيد ميقصدش اللي فهمتيه ده.
قاطعه راجح هاتفا بحدة اهتزت لها أرجاء:
= جرى إيه يابا؟ انت هتبرر لها ولا إيه؟ دي عيلة قليلة الأدب ودماغها تعبانة.
ربت عابد على صدره محاولاً تهدئته:
= اهدي مش كده.
ليكمل ملتفتاً نحو صدفة:
= وانتِ يا صدفة، روحي على شغلك يلا.
ظلت صدفة واقفة في مكانها بتصلب تتطلع بأعين متسعة بالخوف نحو راجح الذي كان أشبه بأسد ثائر على وشك الهجوم عليها بأي لحظة، مما جعلها تسرع بفتح الباب والهرب من أمامه سريعاً.
راقب راجح هروبها هذا بأعين عاصفة محاولاً التحكم في نفسه وعدم اللحاق بها، فهو لا يصدق أنها اتهمته تلك التهمة الحقيرة، فقد لمس يدها بالخطأ حيث كان منشغلاً بقراءة الأوراق التي كانت بين يده ولم ينتبه إلى موضع يدها، وبدلاً من إمساكه لكوب الشاي، أمسك يدها.
ابتعد عن والده وجلس بتثاقل على المقعد وهو يتنفس بعنف، لكنه رفع رأسه بحدة فور سماعه كلمات والده الساخرة والقاسية في ذات الوقت:
= خلاص.. الـ.ـوسـ.ـاخة اتملكت منك، مش عارف تمسك نفسك حتى قدام أبوك.. لا ومع مين؟ مع بياعة الطعمية.
قاطعه راجح بحدة وصدمة في ذات الوقت:
= وسـ.ـاخة!! ليه هو أنت مصدق إني ممكن أعمل حاجة زي دي؟
التف عابد حول المكتب وجلس على مقعده قائلاً بنبرة غليظة حادة يتخللها التهكم:
= ومصدقش ليه؟ مش بيقولك ابن الوز عوام، وانت أبوك كان أيـ......
ثم توقف عن تكملة باقي جملته قائلاً بنبرة ذات مغزى، هو يتطلع بحدة نحو راجح الذي تصلب جسده بقسوة فور سماعه كلماته:
= ولا مالوش لزوم.
انتفض راجح واقفاً، بينما اخذ جسده يهتز من شدة الغضب الذي كان يعصف بداخله، هاتفا بنبرة شرسة:
= ومالوش لزوم ليه؟ ما تكمل كلامك.. زي ما أبويا اغتصب أمي مش كده؟ بس انت عارف كويس إني معرفوش ولا عمري شفته، وإنك أنت اللي مربيني على إيدك، يعني المفروض تبقى عارف كويس أنا على إيه.
ليكمل بصوت يملؤه الغضب والحسرة:
= بس الظاهر إنك عمرك ما اعتبرتني ابنك.. ولا عمرك عرفتني.
أنهى راجح كلماته تلك مندفعاً نحو باب الغرفة ينوي المغادرة قبل أن يفقد أعصابه ويفعل شيئاً قد يندم عليه.
لكن أسرع عابد خلفه ممسكاً بذراعه قائلاً بلهفة فور إدراكه فضاحة ما تفوه به، فهو لا يرغب في إغضابه أو خسارته، فقد كان بالنسبة إليه الدجاجة التي تبيض له كل يوم بيضة من الذهب.
= متزعلش مني يا بني.. أنت عارف إني مقصدش، أنا بس اتضايقت لما البت دي قالت كده عليك.
ليكمل وهو يربت على ظهره بقوة:
= بعدين إزاي تقول إن عمري ما اعتبرتك ابني؟ ده أنا واخدك في حضني من وأنت لسه حتة لحمة صغيرة مكنتش كملت يوم على وش الدنيا.
ضغط على كتفه قائلاً بارتباك وتوتر محاولاً استمالته وامتصاص غضبه:
= ده أنت ابني ونور عيني، أول فرحة ليا، ومسلمك مالي وحالي كله.
ضغط راجح على فكيه بقوة وهو يحاول التماسك حتى لا ينفجر ما في صدره من كلمات قد تؤذي والده وتدمر علاقته به إلى الأبد.
ربت عابد على ظهر راجح عندما ظل الأخير صامتاً، قائلاً وعلى وجهه ترتسم ابتسامة، بينما يوجهه نحو المكتب:
= يلا.. يلا يا حبيب أبوك.. كمل أنت شغلك.. الشغل كتير وهيأخد منك طول الليل.
ليكمل وهو يتجه نحو باب الغرفة يستعد للمغادرة:
= وأنا هطلع البيت أريحلي شوية.
أومأ راجح برأسه بصمت مراقباً إياه وهو يغادر المكان، ليرتمي بتثاقل فوق المقعد فاركاً وجهه بغضب وحدة، وفكرة المغادرة وترك كل شيء تسيطر عليه من جديد.
يرغب بترك هذا المكان والذهاب لمكان يمكنه البدء فيه من جديد، لكنه لا يستطيع ترك عائلته هكذا، خاصة والديه الذين تولوا تربيته ومنحه اسمهما عندما كان طفل لقيط عاجز.
فقد ظل طوال طفولته معتقداً بأن عابد وإنعام والديه كما كان كل الناس تعتقد ذلك، لكن عند بلوغه سن الحادية عشر أخبره والده في إحدى نوبات غضبه المعتادة أنهم ليس والديه. ثم عرف منه القصة بأكملها بأن والده الحقيقي اسمه مأمون كان صديقه المقرب، وكان صديقه هذا وحيداً بهذه الحياة لا يوجد له عائلة، فلم يكن له سوى عابد الذي كان يعده عائلته الوحيدة. بينما كانت والدته خادمة التي كانت أيضاً بدون عائلة، حيث كانت خرجت من دار الأيتام حديثاً عندما عملت بمنزل والده كخادمة، وفي يوم كان والده كعادته سكيراً حيث كان مدمناً للكحول، قام باغتصاب والدته وبهذا اليوم حملت به والدته، وعندما أخبرت مأمون عن نتيجة فعلته أنكر فعلته ورفض الزواج بها طاردها، مما جعلها تلجأ إلى عابد الذي فشل في إقناع صديقه بالزواج منها. لكن بعد فترة قليلة توفي مأمون بمرض السرطان الذي كان مصاباً به منذ فترة طويلة ولم يكتشفه إلا بوقت متأخر بعد أن انتشر بكامل جسده.
ثم توفيت والدته هي الأخرى أثناء ولادتها إياه، فأخذه عابد الذي كان قد مر على زواجه أكثر من 7 سنوات بدون أطفال.
أخذه عابد وزوجته نعمات وغادروا بيتهم حتى لا يعلم أحد بأنه ليس طفله، حيث ظلوا مسافرين بإحدى دول الخليج لمدة 5 سنوات ليعودوا بعدها إلى حيهم الذي به أقاربهم وجيرانهم الذين صدقوا أن راجح طفلهم بالفعل.
ومن وقتها أصبح راجح أمام الناس ابن عابد الراوي البكر.
وعندما أصبح راجح بسن السابعة حدثت المعجزة وحملت نعمات زوجت عابد وجلبت له شهد، ثم حملت أخرى، ثم أكرم الله عليها مرة أخرى مروان، ثم أنجبت أخيراً هاجر التي الآن بالسنة الأخيرة بالثانوية العامة، ومنذ هذا وبدأت معاملة عابد له تتغير، حيث أصبح جافاً في تعامله معه، يرمي له بالكلمات عن والده مقارناً إياه به كثيراً.
لكن رغم هذا لم يشتكي راجح أبداً، فهو سيظل مديناً له طوال حياته بما فعله معه، فلولا عطفه عليه لكان لقيطاً ملقى بالشوارع لا مأوى له. وسيظل هذا الدين في رقبته مدى الحياة يدين به لوالديه.
خاصة والدته نعمات، التي كانت تعشقه حد الجنون، مغدقة إياه دائمًا بحنانها.
خرج راجح من أفكاره تلك على صوت رنين الهاتف الذي على مكتبه، أجاب بهدوء ليصل إليه صوت والدته:
= إيه يا نور عين أمك، مجتش تتعشا ليه؟
تنحنح راجح محاولًا تصفية صوته حتى لا تلاحظ الضيق:
= معلش يا ماما، عندي شغل وهسهر في المكتب النهاردة.
قاطعته نعمات بحزم وحدة:
= شغل؟ شغل إيه؟ ما يتحرق الشغل.
لتكمل بصوت يتخلله الحنان:
= صحتك يا ضنايا مش كده؟ أنت من صبحية ربنا شغال، هتشتغل كمان الساعتين بتوع بليل اللي بتريح فيهم؟
لتكمل هامسة، محاولة إغراءه وحثه على القدوم:
= طيب عارف أنا عاملالك إيه على العشا؟ صنية البطاطس باللحمة اللي بتحبها وحمام محشي كمان.
غمغم راجح وهو يمرر عينيه بيأس على الأوراق المنتشرة على مكتبه:
= والله يا ماما ما هينفع.
لكن قاطعته نعمات بصوت صارم:
= والله يا راجح ما هحط حاجة في بوقي إلا لما تيجي، وأنت حر بقى، خلي سكري يعلى عليا وأتعب أنت.
قاطعها راجح على الفور، وقد أدفا قلبه حنانها هذا:
= خلاص يا ماما، خلاص، أنا طالع أهو، هقفل المكان بس مع العمال وطالع.
غمغمت نعمات بحماس:
= ماشي يا نور عيني، وأنا هقوم أجهز العشا تكون خلصت.
أغلق راجح مع والدته، ثم نهض يجمع الأوراق ليأخذها معه المنزل ويسهر عليها هناك.
مر بعض الوقت.
فبعد غلقه الهاتف مع والدته، فما إن قرر الذهاب، جاءه اتصال هام خاص بالعمل جعله يعاود فتح بعض الأوراق ومناقشتها مع الطرف الآخر.
رفع رأسه عن الأوراق التي أمامه عندما سمع الصوت الصاخب لشقيقته الصغرى هاجر:
= جري إيه؟ يا راجح كل ده شغل؟ ماما قاعدة مستنياك.
أخفض راجح سماعة الهاتف، يتطلع إليها بصدمة قائلًا بحدة:
= إيه اللي جابك في الوقت المتأخر ده؟ وأبويا إزاي سمحلك تنزلي لوحدك؟
قاطعته سريعًا وهي تجلس على المقعد الذي أمامه:
= متخافش، ماما وقفتلي في البلكونة، أصلها عمالة تتصل بيك وأنت مشغول.
أشار بيده للهاتف الذي بيده قائلًا:
= جالي تليفون مهم، خليكي قاعدة لحد ما أخلص ونطلع سوا.
أومأت برأسها بصمت، بينما تشاهده يعاود الحديث على الهاتف ويولي اهتمامه إليه. جلست تعبث ببعض الأشياء الموضوعة على المكتب، عندما رأت مبلغًا من المال موضوعًا بين الأوراق التي فوق المكتب، مما جعل عينيها تلمعان بحماس.
أخذت تحاول عدة مرات أن تمد يدها بهدوء، محاولة الوصول لها وأخذها، لكنها كانت تتراجع بآخر لحظة خوفًا من أن يراها شقيقها. لكنها عندما وجدته ينهض ويتجه نحو خازنة الأوراق يبحث بين الملفات، مولياً ظهره لها، نهضت سريعًا خاطفة تلك الأموال وتدسها بجيب بنطالها سريعًا قبل أن تعاود الجلوس بهدوء مرة أخرى.
ظلت جالسة بهدوء حتى أنهى المكالمة قائلًا:
= معلش يا جوجو، ذنبك معايا، وزمانك جوعتي، هلم الورق ده ونطلع على طول.
هتفت هاجر تتدلل على شقيقها كالمعتاد:
= آه ونبي يا راجح، بطني خلاص مش قادرة.
ضحك راجح بخفة وهو ينهض على قدميه، جامعًا الأوراق المتناثرة بعشوائية على المكتب. لكنه تذكر بأنه قد أخرج من جيبه ألف جنيه حتى يعطيها بالغد لحكيم لكي يقوم بسداد فاتورة الكهرباء الخاصة بالمخزن. فقد أخرجها ووضعها على المكتب قبل قدوم والده مباشرة.
أخذ يبحث عنها بين الأوراق لكنه لم يجدها. بحث على الأرض وبجيبه، لكنه عجز عن إيجادها.
راقبت هاجر بتوتر شقيقها وهو يبحث بين الأوراق، تصنعت عدم الفهم قائلة:
= بتدور على حاجة؟
أجابها راجح وهو يبحث بدرج المكتب:
= فلوس فاتورة الكهربا، كنت حاططها على المكتب هنا، مش عارف راحت فين.
لكنه قاطع باقي جملته فور تذكره لصدفة وما فعلته من اتهامها له بالتحرش بها. فبالطبع سرقت تلك الأموال وقامت بصنع هذا المشهد حتى تداري على فعلتها. همس بقسوة من بين أسنانه المطبقة بغضب:
= آه يا بنت الكـ...لب يا حرامـ...ية.
غمغمت هاجر بارتباك وهي تتصنع البحث أسفل المكتب:
= بتقول حاجة يا راجح؟
هز رأسه نافيًا، قائلًا بهدوء:
= بقولك مش مهم، وبكرة هبقى أشوفهم.
ليكمل وهو يضع الأوراق بخازنة الملفات قبل أن يلتف حول المكتب ويقف بجانبها:
= يلا بينا نطلع، عشان اتأخرنا عليهم.
لكن ما إن أنهى جملته حتى عاد الهاتف للرنين، وعندما أجاب وجده اتصالًا هامًا، مما جعله ينادي على أحد العمال، آمرًا إياه بتوصيل شقيقته للمنزل، واعدًا إياها بأن ينهي العمل ويعود للمنزل سريعًا.
هتفت أم محمد بحدة بينما تراقب صدفة، التي كانت منشغلة بصنع شطائر الفلافل للزبائن بوجه متجهم والغضب يرتسم عليه، فمنذ قدومها من وكالة الراوي وهي على حالتها تلك:
= يا بت ريحيني وقوليلي مالك في إيه؟ أنتي على الحال ده من وقت ما رجعتي من وكالة الراوي، في إيه حصل هناك خالكِ قالبة وشك كده؟
لتكمل بقلق عندما استمرت في صنع الشطائر بصمت دون أن تجيبها والتجهم لا يزال مرتسمًا على وجهها:
= طيب الحاج عابد زعقلك أو قالك حاجة؟ طيب راجح باشا عملك حا...
التفت إليها صدفة فور سماعها اسمه، هاتفة بحدة ونفاذ صبر:
= بقولك إيه يا أم محمد، متجبليش سيرته، أنا عفاريت الدنيا كلها بتتنطط في وشي ومش طايقة نفسي، أحسن أقسم بالله أقو...
لكنها قطعت باقي جملتها شاهقة بصدمة عندما قام أحد الأطفال باختطاف مصفاة الزيت التي كانت موضوعة على الطاولة أمامها، ثم فر هارباً راكضاً بأقصى سرعة لديه وهو يهتف مغيظاً إياها:
= عشان تبقي تاخدي الكورة اللي بنلعب بيها وتقطعيها كويس، ابقي شوفي هتطلعي الطعمية بتاعتك على إيه.
صرخت صدفة بغضب وهي تنتفض واقفة على قدميها:
= أنت ياض يا ابن الحرامية! رجع المصفى وإلا وديني هاجي آكلك الجزمة.
لكنه تجاهلها وركض بسرعة أكبر ومصفاة الزيت لازالت بيده، مما جعلها تصرخ بشراسة وهي تمسك بطرف عباءتها السوداء وتركض خلفه سريعًا وهي تصرخ:
= طيب وحياة أمك لأطلع فيك قرفي وغلي كله، أنت اللي جبته لنفسك يا ابن الرفدي.
ظل الطفل الذي كان يدعى أحمد يركض وهو يضحك، فقد كان معتادًا هو وأصدقاؤه على إغاظتها بهذا الشكل.
بينما ظلت صدفة تركض خلفه، تتبعه بأنفاس لاهثة منقطعة، يقودها غضبها المشتعل.
توقف أحمد عن الركض أخيرًا حتى يلتقط أنفاسه التي انقطعت، مراقبًا بتسلية صدفة وهي تتقدم نحوه راكضة.
لكن تباطأت خطواتها عندما أصبحت لا تبعد عنه سوى عدة خطوات بسيطة، تتقدم نحوه ببطء حتى لا يفر هارباً مرة أخرى.
لكن وقبل أن تصل إليه، قام بضرب المصفاة بالأرض بعنف عدة ضربات حتى تدمرت تمامًا، ثم ألقاها نحو صدفة، التي توقفت متجمدة بصدمة في مكانها عند رؤيتها لما فعله، وقد تسلطت عينيها العاصفة بالغضب على مصفاتها المدمرة أسفل قدميها.
لكن زاد اشتعال نيران الغضب بداخلها أكثر وأكثر ليصبح كالبركان الثائر، عندما وقف أمامها يرقص بحركات بهلوانية وهو يخرج لها لسانه مغيظًا إياها. فلم تشعر بنفسها إلا وهي تنحني وتلتقط إحدى الأحجار الكبيرة من الأرض وتلقيه به وهي تصرخ سابّة إياها بعنف.
لكنها ابتلعت باقي سبابها هذا، مطلقة صرخة فازعة فور أن رأت أحمد يقفز مبتعدًا سريعًا عن مسار الحجر، الذي سرعان ما أصاب واخترق الجدار الزجاجي للمحل الذي كان يقف خلفه، ليتهشم على الفور وتتناثر شظايا زجاجه على الأرض. شاهدت صدفة هذا المشهد بأنفاس محبوسة وقلبها يقفز داخل صدرها بعنف وجنون. رفعت عينيها المتسعتين بالخوف تتفحص المحل الذي تسببت في تدمير وجهته.
لتشهق وهي تلطم وجهها بيديها صارخة بفزع فور إدراكها أنه المحل الخاص براجح الراوي:
= يا نهار أسود ومنيل عليا وعلي حظي الأسود.
شاهدت برعب أحد عمال المحل، والذي كان يدعى سيد، يخرج من المحل وهو يهتف بغضب بينما يتجه نحوها مشيرًا نحو شظايا الزجاج المتناثرة على الأرض:
= إيه اللي هببتيه ده يا بت؟ أنتِ ليلة أمك سودا النهارده.
تراجعت صدفة إلى الخلف عدة خطوات، هاتفة بارتباك وقد أرعبها ضخامة مظهره، فقد كان ذا طول فارع وجسم ضخم للغاية:
= عملت إيه يا خويا؟
لتكمل وهي تتصنع البراءة حتى تهرب من تلك المصيبة التي أوقعت نفسها بها:
= وأنا مالي؟ أنت هتلبسني مصيبة ولا إيه؟ ده أنا كنت معدية لقيت الواد أحمد ابن سيد العطار ماسك قالب طوب وعايز يحدفه على إزاز المحل، حاولت أمنعه بس مقدرتش عليه، عيل قليل الأدب، روح بقى شوف شغلك معاه، هتتشطر عليا ولا إيه؟
لكنها ابتلعت باقي كلماتها بفزع عندما رأته يتقدم نحوها وعلامات الغضب مرتسمة على وجهه، لتكمل سريعًا متصنعة الغضب:
= أييييه؟ في إيه؟ انتوا؟ انتوا هترموا بلاكم على الخلق ولا إيه؟ بعدين يعني هو ده جزاتي إني حاولت أمنع الواد ده حتى؟
قاطعها سيد هاتفا بصوت قاسٍ جهور وهو يقبض على كتف عباءتها من الخلف يجذبها منه وهو يهزها بقوة:
= أنتِ هتستعبطي يا روح أمك؟ أنا شايفك في الكاميرا وأنتِ بتحدفي الطوبة في إزاز المحل ده، أنتِ يوم أهلك أسود النهارده.
استولى عليها الخوف فور سماعها كلماته تلك، لتدرك أنه تم الإمساك بها متلبسة ولا يمكنها الإنكار أكثر من ذلك.
انتفضت للخلف نازعة نفسها من قبضته، متخذة عدة خطوات للخلف بعيدًا عنه، لتسرع بنزع نعلها من قدمها وتمسك به بين يديها ملوحة إياه بتهديد أمام وجهه الذي كان يرتسم عليه معالم الشر والغضب، وهي تهتف بصوت مرتفع:
= وحياة أمك إن قربت مني خطوة كمان لأكون منسلة الشبشب ده على جتك وأصوت وألم عليك الحي كله.
لتكمل وهي تشير بالنعل إلى جسده الضخم:
= إيه مستتخن نفسك؟
ولا إيه، وانت شبه الطور كده.
اندفع سيد نحوها يهم بضربها فور سماعه كلماتها المهينة تلك، لكنه توقف في مكانه مرة أخرى محاولًا السيطرة على غضبه فور تذكره ما سيحدث له من راجح الراوي إذا علم بأنه قام بضرب امرأة فسوف يقتله.
هتف بها بحده وهو يشير نحو الزجاج:
= هتتدفعي تمن الإزاز ده ولا آخدك وأطلع بيكي على القسم وهم هناك يربوكي بمعرفتهم.
قاطعته صدفة بغضب وهي لازالت ممسكة بنعلها بيدها كما لو كان طوق نجاتها:
= هدفع.. هدفع، جيتك ستين نيلة عليك وعلى اللي مشغلك، صحيح تنح زيه.
لتكمل بتأفف وحدة:
= تمنه كام الهباب ده؟
أجابها سيد وهو يعقد ذراعيه أسفل صدره بتحدي:
= ألف جنيه.. ولمي لسانك بدل ما أجيب لك اللي مشغلني يعرفك مقامك.
شهقت بحده وهي تهتف بفزع ضاربة بيدها على صدرها:
= ألف إيه.. ألف عفريت لما ينططوك يا حرامي يا نصاب، ألف جنيه ليه، كان إزاز البيت الأبيض؟ وهات اللي مشغلك ووريني هيعمل إيه.
قاطعها سيد بغضب ووجه متصلب بقسوة وقد بدأ صبره ينفذ:
= ما تلمي نفسك بقى يا بت انتي، أنا ساكت لك من الصبح وماسك نفسي بالعافية، وإنجزي، هتدفعي ولا آخدك على القسم ونخلص.
غمغمت بحنق وهي تدير ظهرها له حتى تخرج حافظة الأموال التي تخبئها بصدرها مخرجة فلوس الجمعية التي أعطتها إياها أم كريم بالصباح:
= هدفع.. هدفع، حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا، عالم مفترية.
ثم مدت يدها إليه بالمال وهي تغمغم بغضب:
= امسك، حار ونار في جثتكوا يا بع* تصرفوهم على علاجكوا إن شاء الله.
ولكن عندما تحرك ليأخذ المال منها تصلب مكانه فجأة عندما أتى صوت راجح الراوي العاصف من خلفه:
= أنت بتعمل إيه عندك؟
اهتز جسد سيد بعنف كما لو ضربته صاعقة وقد ارتسمت معالم الارتعاب على وجهه الذي احتقن بشدة مدركًا أنه تم الإمساك به متلبسًا.
غمغم بارتباك بينما يلتف خلفه ليجد راجح الراوي يقف خلفه مباشرة بوجه مشتد بالقسوة والغضب:
= ابدا يا راجح باشا.
ليكمل سريعا بارتباك محاولًا تبرير ما يفعله:
= ده البت صدفة كسرت إزاز المحل وكنت باخد منها تمنه علشان نصلحـ.
قاطعه راجح بقسوة وحدة بينما يقبض على مقدمة قميصه يهز جسده بعنف:
= وإحنا من امتى بنقبل العوض يالا، علشان تاخد منها فلوس.
اخفض سيد وجهه عالمًا بأن راجح الراوي لن يمر هذا الأمر مرور الكرام، فقد كان يعلم بأنه لن يقبل بهذا المال لذا كان ينوي بأخذه لنفسه. انتفض في مكانه في فزع فور أن عصف راجح بغضب وهو يدفعه للخلف بقوة جعلته يسقط على الأرض:
= غور من وشي.. وحسابنا بعدين.
نهض سيد على قدميه المرتجفة ليفر هارباً من أمامه سريعًا مختفيًا داخل المحل، بينما اقتربت صدفة من راجح وهي لا تزال تدفع المال نحوه مغمغمة بحدة رغم الخوف الذي يعصف بداخلها منه، فهذه حالتها كلما رأته أمامها خاصة بعد ما فعله معها بالصباح:
= بتقبلوا عوض ولا مبتقبلوش، ماليش فيه، أنا كسرت حاجة وهدفع تمنها، امسك فلوسكوا أهها.
تسلطت عينين راجح بقسوة على المال الذي بيدها قبل أن تستقر على وجهها مرمقًا إياها بنظرة جعلت الدماء تجف بعروقها:
= خدي يا بت الملاليم اللي في إيدك دي وغوري من هنا.
شهقت صارخة بغضب واضعة يديها حول خصرها:
= ملاااا.. إيه يا عينيا.
لتكمل وهي تشير أمام وجهه بالمال الذي بيدها:
= دي ألف جنيه.. يعني جنيه ينطح جنيه، قال ملاليم قال.
قاطعها راجح وهو يجز على أسنانه بقسوة محاولًا السيطرة على الغضب الذي يشتعل بداخله بكل مرة يراها بها والذي لا يعلم سببه حتى الآن:
= قولتلك خدي فلوسك وغوري من وشي، واقصري الشر أحسن لك.
حاولت صدفة عدم إظهار خوفها من الغضب الذي يلتمع بعينيه متصنعة الجراءة:
= مش قبل ما تاخد الفلوس.
زمجر راجح من بين أسنانه وقد أوشك على أن يفقد السيطرة على غضبه:
= قولت مبنقبلش العوض، خصوصًا من واحدة ست.
ليكمل بنبرة يتخللها الإهانة ونظراته تمر ببطء عليها من أعلى لأسفل بنظرات تملؤها الاحتقار:
= وخصوصًا لو الواحدة دي زيك.
وقفت صدفة تطلع إليه بصدمة من إهانته تلك وجسدها يهتز بقوة وقد تحول الخوف الذي كان بداخلها إلى غضب أعمى.
تنفست بقوة محاولة السيطرة على رغبتها في الاندفاع نحوه وتمزيق وجهه المتغطرس هذا بأظافرها.
لتنجح بالنهاية برسم ابتسامة واسعة على شفتيها بينما تتخذ عدة خطوات إلى الخلف بعيدًا عنه حتى تضع مسافة آمنة بينهم وهي تومئ برأسها ببطء:
= قولتلي.. مبتقبلش العوض.
خصوصًا لو من واحدة زيي، مش كده.
لتكمل وهي تنحني سريعًا ملتقطة من الأرض حجرًا كبيرًا وهي تهتف بصوت حاد لازع:
= طيب متقبلش العوض على ده كمان.
أنهت جملتها تلك ملقية الحجر نحو الجدار الزجاجي الآخر للمحل ليتهشم على الفور ويتناثر على الأرض محدثًا ضجة مرتفعة. وقفت تتطلع إلى الزجاج المتهشم وهي تبتسم برضا، لكن ماتت ابتسامتها تلك ليحل مكانها الرعب فور رؤيتها لراجح الراوي يندفع نحوها وهو يزمجر بشراسة وعلى وجهه تعبير مظلم بث الرعب بداخلها مما جعلها تفر راكضة من أمامه وهي تصرخ فازعة.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الثاني 2 - بقلم هدير نور
دلفت صدفة إلى المنزل بجسد مرهق ووجه محتقن من شدة الانفعال.
أخذت الطريق ركضًا إلى المنزل خوفًا من أن يلحقها راجح، تاركة بسطة عملها لام محمد تجمعها.
لكنها تجمدت فور أن رأت متولي، زوج والدتها، يجلس على الأريكة البالية التي ببهو المنزل وهو يدخن من الشيشة الخاصة به، متسببًا بملء المكان بالدخان ذي الرائحة النفاذة والخانقة.
= خير جاية بدري ليه يا وش الفقر..؟
تقدمت ببطء للداخل بعد أن أغلقت باب الشقة، وهي تحاول السيطرة على الرجفة التي مرت بعنف بجسدها. فبرغم أنها لا تخاف من متولي، أرمل والدتها، فهي تواجهه كندا له، لكن أكثر ما كان يخيفها هي نظراته القذرة لجسدها. رغم تخبئتها له أسفل الملابس الفضافضة، إلا أنها لم تسلم من نظراته السامة تلك، حيث كان معروفًا عنه بالحي بأنه ذو أعين زائغة، لم تسلم امرأة بالحي من نظراته القذرة تلك.
أجابته كاذبة بينما تنزع حذائها وتضعه بجانب باب المنزل، محاولة عدم إظهار له شيئًا. إذا علم بما فعلته مع راجح الراوي فسوف يقتلها.
= مفيش تعبانة شوية... قولت أجى أريح....
هز متولي رأسه متهمًا بهدوء وهو يجذب نفسًا عميقًا من الشيشة الخاصة به.
= اممم تعبانة أهاا.. لا ياحبيبتي ألف سلامة عليكي......
تقدمت ببطء لداخل الردهة، وقد أثارت كلماته تلك الخوف بداخلها. لكنها قفزت للخلف سريعًا وهي تصرخ بهلع عندما قذف بقدمه الشيشة الخاصة به، لتتطاير الأحجار الملتهبة نحوها وهو يهتف بشراسة.
= انتي هتستعبطني يا روح أمك.... فكرك موصليش اللي عملتيه في وكالة راجح الراوي...
ليكمل بقسوة وهو ينتفض واقفًا، قابضًا على شعرها جاذبًا إياها منه نحوه.
= بتعادي راجح الراوي يا بنت الـ.ـكلـ.ـب.. إيه فكرك إنك قده.. ده سيد الناس هنا... السوق كله يتهد ويتبني بإشارة واحدة منه. عايزة تتسببي في طردنا من المنطقة..
استجمعت روح شجاعتها ودفعت يده بعيدًا عن شعرها متراجعة للخلف، هاتفة بغضب.
= سيدك أنت مش سيدي أنا..... ومتخفش أوي كده لو كلمك قوله ماليش دعوة بيها دي حيالله بنت مراتي الميتة...
لتكمل سريعًا بحدة وهي تضرب يدها على صدرها.
= يعني دي ليلتي وأنا اللي هشيلها لوحدي....
هتف بغضب وهو يندفع نحوها مرة أخرى.
= شوفوا... شوفوا بنت الـ.ـكلـ.ـب بتبجح إزاي....
قاطعه صوت أشجان التي خرجت من غرفتها، هاتفة بتأفف.
= ما خلاص يا متولي.. هي قصة ما قالتلك هتشيل ليلتها. سيبها تتصرف منها له.. يكش يقطم رقبتها ونخلص منها.
لتكمل بحدة وهي تزفر برفق على أصابعها المطلية باللون الأحمر القاني.
= ويلا قوم البس أنا وأشرف جهزنا.. مفضلش غيرك......
ثم التفتت إلى صدفة موجهة حديثها إليها ببرود، بعد أن مرت نظراتها الساخرة عليها ببطء.
= وأنتي عندك الطفح بتاعك في المطبخ... إحنا خارجين رايحين فرح ابن اختي سهام و احتمال نبات هناك النهاردة وبكرة....
تركتها صدفة تتحدث واتجهت نحو غرفتها مهمهمة بصوت يملؤه الفرح وهي تمسك بين أصابعها بصدر عباءتها تهزه برفق، معبرة عن مدى راحتها.
= أحمدك يارب... أخيرًا هاخد نفسي....
صاحت أشجان من خلفها وهي تتخذ خطوة.
= هتاخدي نفسك.... ليه يا بنت صباح؟ كنا كاتمين على نفسك... لكن أقول إيه ما أنتي زي البقرة... بهيمة بتحدفي طوب من بوقك اللي شبه الدبش...
تجاهلتها صدفة ودلفت إلى غرفتها، ولكن قبل أن تغلق باب غرفتها ابتسمت لأشجان ببرود، ملقية لها بقبلة في الهواء دلالة على عدم مبالاتها بإهانتها تلك.
مما جعل جسد أشجان يهتز بقوة صارخة بغيظ، قبل أن تلتف نحو زوجها وهي تصرخ بهستيريا مخرجة به غضبها.
= أنت لسة واقف عندك تعمل إيه؟ ادخل البس متعصبنيش.
هتف متولي وقد تغضن وجهه بغضب.
= جري إيه يا أشجان؟ هو أنت مش قادرة عليها فتهطلعي قرفك فيا أنا....
زمجرت أشجان وهي تجز على أسنانها بقسوة.
= متوووووولي.......
لوح متولي بيده وهو يتجه نحو الغرفة لكي يبدل ملابسه، ممتثلًا لأمرها هاتفا بحنق.
= بلا متولي بلا زفـ.ـت... دي عيشة تقصر العمر...
وقفت أشجان تتطلع بغل وحقد نحو باب غرفة صدفة المغلق، وهي تهمس بغضب.
= ماشي يا بنت صباح... ماشي.....
ثم صرخت بصوت مرتفع.
= بت يا صدفة....
لتعاود الصراخ مرة أخرى عندما تجاهلتها ولم تجبها.
= أنتي يا زفتـ.ـة مش سمعاني بنادي عليكي....
فتحت صدفة باب غرفتها وظلت واقفة به مغمغمة بتأفف.
= خييير..؟
اتجهت أشجان إلى الأريكة جالسة عليها.
= ادخلي اعملنا العشا... علشان ناكل قبل ما نمشي....
أطلقت صدفة زفيرًا حادًا وهي تغمغم بصوت لاذع من بين أسنانها.
= حاااااااضر.
ثم دلفت إلى المطبخ حتى تحضر لهم الطعام حتى تتخلص منهم وتسرع من ذهابهم.
في وقت لاحق...
جلس الجميع يتناولون الطعام، وكانت صدفة كعادتها تأكل سريعًا حتى تتخلص من معاناة جلوسها معهم.
زجرها أشرف بغضب هاتفا بحدة.
= جري إيه يا جامـ.ـوسة أنتِ؟ ما براحة... جسمك هيفرقع من كتر التخن يخربيتك....
تجاهلته صدفة واستمرت في تناولها للطعام، لكن بهدوء هذه المرة، رافضة إظهار مدى الألم الذي تتعرض له نتيجة سخريتهم المستمرة من شكل جسدها.
ليكمل ساخرًا وهو يزجرها.
= شوفي ياما البت... عاملة زي البـ.ـقرة مبتبطلش أكل... والله أنا خايف تيجي في يوم تاكلنا....
انتفضت صدفة واقفة بغضب هاتفة بحد وهي ترمقه بنظرات تتطاير منها شرارات وقد طفح كيلها.
= عارف يا أشرف أنت بتفكرني بإيه...
غمغم ببرود وهو يهز رأسه بسخرية.
= بإيه يا ملكة جمال عصرك..؟
أجابته صدفة بصوت حاد لاذع.
= بتفكرني بالمرا اللتاتة.. موركش حاجة غير إنك تتكلم عن الناس لأما قاعد تحشش مع صحابك الشمامين اللي زيك.. لأما قاعد في حضن أمك تدلع فيك وتهشتكك زي العيل الصغير اللي بشخ لسه....
انتفض أشرف واقفًا وهو يهتف بشراسة، بينما يهجم عليها يضربها ضربات متتالية في ذراعها وظهرها.
= هي حصلت تشتمني يا بنت الـ.ـكلـ.ـب.. طيب وديني لموتك.
جذبته أشجان بعيدًا عنها وهي تهتف به بحدة.
= خلاص... خلاص سيبها إيه هضيع روحك عشان كلبـ.ـة ولا تسوى زي دي.....
لتكمل وهي تجعله يعاود الجلوس مرة أخرى، واضعة قطعة من الخبز بفمه.
= اقعد يا حبيب أمك كمل أكلك وسيبك منها دي عيلة لسانها أطول منها....
رسمت صدفة ابتسامة باردة على شفتيها رغم الألم الذي يعصف بذراعها، التي كانت متأكدة من أنه أصبح به كدمات زرقاء الآن، مغمغمة بسخرية لاذعة بينما تسرع نحو غرفتها.
= أيوه اقعد كمل أكلك يا دلوع أمك....
زمجر أشرف بحدة وهو يهم بالهجوم عليها مرة أخرى.
= يا بنت الـ....
لكن أسرعت أشجان بالإمساك به.
= خلاص بقى قولتلك سيبك منها....
زفر أشرف بغضب وهو يعاود الجلوس مرة أخرى بجانب والدته.
= ماشي.. بس وديني لأعرفها مقامها.
التفتت أشجان إلى متولي الجالس يتناول بهدوء طعامه غير مكترث بما يحدث حوله.
= هو أنت مش معانا يا خويا ولا إيه..؟
وضع متولي إصبعه بجانب رأسه قائلًا بصوت منخفض يكاد يكون غير مسموع.
= بقولك إيه أنا شارب سيجارة... فمتضيعليش أم الدماغ اللي عاملها....
صرخت أشجان بفزع.
= عامل دماغ وإحنا مسافرين على طريق؟ الله يخربيتك يا بعيد....
لتكمل وهي تدفعه في ذراعه بقسوة.
= قوم... قوم البس جزمتك خلينا نمشي... الله نقابل لجنة وتشدك يا بعيد قوم....
في الصباح الباكر لليوم التالي...
وقفت صدفة بمنتصف غرفتها وابتسامة واسعة تملأ وجهها، فقد كانت تشعر بالراحة والهدوء بعد ذهابهم. فهذه تعد المرة الأولى التي تبقى بمفردها بالمنزل، خاصة وأن اليوم هو الجمعة يوم إجازتها من العمل.
أخرجت الحقيبة التي تخبئها أسفل فراشها، والتي كانت تحتفظ بداخلها بالملابس التي كانت تشتريها من أجل جهاز عرسها.
أخرجت تلك الملابس من الحقيبة وأخذت ترتديها والفرحة تملؤها. أخذت ترتدي كل قطعة منهم متأملة شكلها بهم، غافلة عن تلك الأعين الخبيثة التي تراقبها من خلف باب غرفتها غير المغلق كليًا.
وقف أشرف الذي عاد إلى المنزل مع والدته وزوجها من السفر للتو، لكنه سبقهم للأسفل تاركًا إياهم بالأسفل يتحدثون مع إحدى الجيران.
وقف يراقب بأعين تلتمع بالدهشة صدفة التي كانت ترتدي قميص بيتي يلتصق بجسدها الخلاب الذي كان على شكل ساعة رملية، والذي جعل لعابه يسيل همسًا بينما عينيه تمر بشهوة فوق جسدها.
= يا بنت الـ.ـكلـ.ـب... بقي كل ده مخبياه تحت العبايات السودا الواسعة........
ليكمل وهو يلهث بشدة، بينما عينيه تكاد تخرج من محجرها وهو يشاهدها تلتف حول نفسها.
= وأنا اللي فكرك مكعبرة... ده انتي جسمك كرباج.... صاروخ أرض جو....
ليكمل بأنفاس لاهثة وقد بدأ يلاحظ شعرها الحريري الأسود ووجهها الخلاب ذي البشرة الكريمية البيضاء.
= يا دين النبي.... البت قمر إزاي دي؟ هي دي....
أخذ يراقبها عدة لحظات حتى فقد السيطرة على نفسه. وما إن هم بالدخول لينالها، تراجع إلى الخلف منتفضًا بقوة عندما سمع صوت والدته وهي تغلق باب الشقة، هاتفة بصوت مرتفع.
= بت يا صدفة.......
أسرع بالدخول إلى غرفته التي تجاور غرفة صدفة سريعا، حتى لا يتم كشف أمره. ارتمى فوق الفراش وهو يلهث بقوة.
مرر يده فوق صدره هامسًا بأعين شاردة ولازالت صورة غالية تتراقص أمامه.
= البت طلعت صاروخ....
صاروخ معايا في نفس البيت وعمري ما خدت بالي منه إزاي.
ثم انتفض واقفًا مرة أخرى على قدميه بمنتصف الغرفة يتلفت حوله كما لو كان يبحث عن شيء ما.
= لا مش قادر... البت جننتني.
ارتمى فوق الفراش مرة أخرى مدركًا أنه لن يستطيع لمسها هنا، فوالدته طوال الوقت تظل بالشقة هي وزوجها، لذا يجب أن يجد حلًا لهذا، فهو لن ينتظر كثيرًا، خاصة بعد ما رآه اليوم.
في ذات الوقت...
كانت صدفة تنزع الملابس التي كانت ترتديها وترتدي عباءتها المنزلية الفضافضة قبل أن تراها أشجان التي كانت لا تزال تنادي عليها.
عبّأت بعشوائية الملابس المتناثرة على الفراش لتحشرها داخل الحقيبة التي أعادتها مرة أخرى لمكانها أسفل الفراش.
قامت بعقد وشاح حول رأسها حتى تخفي شعرها وهي تتمتم بغضب:
= الحيزبونة دي إيه جابها بدري.
أسرعت بالخروج من غرفتها لتجد أشجان جالسة على المقعد بالردهة.
تثاءبت صدفة بصوت مرتفع متصنعة النعاس كما لو كانت قد استيقظت للتو، هامسة بصوت أجش:
= في إيه يا خالتي؟ عايزة إيه؟
لتكمل وهي تفرك عينيها:
= بعدين إنتي إيه اللي رجعك تاني؟ مش المفروض الفرح لسه بكرة؟
أجابتها أشجان وهي تنزع حذاءها، ممددة قدميها أمامها بتعب:
= الجوازة اتفشكلت... والفرح باظ يا فقر.
هتفت بحدة وهي تنظر بطرف عينيها إلى زوج والدتها الذي دخل من الباب وهو يحمل بتثاقل حقيبة ملابسهم.
= الله... وأنا مالي.
أخذت أشجان تدلك قدميها مغمغمة بخبث:
= تلاقيقي إنتي اللي حسدتيهم، ما إنتي عانس بقى وزمان نارك كانت قايدة.
قاطعتها صدفة هاتفة بسخرية:
= أحسد مين؟ ابن اختك محمود ده شمام ومتسجل خطر.
احمر وجه أشجان بغضب لتضغط على أسنانها قائلة بحدة، شاعرة بالنيران تشتعل بصدرها بسبب فشلها في إغاظتها:
= أخفي، اعملي لنا الفطار، خلينا ناكل وننام، إحنا هلكانين.
وقف صدفة تتطلع إليها بسخط عدة لحظات قبل أن تلتف وتتجه نحو المطبخ وهي تهمهم بصوت منخفض بشتم لاذع.
هتفت أشجان بصوت مرتفع:
= سامعاكي يا أم لسان طويل وعايز أصه... وإن شاء الله أصه هيبقى على إيديا.
التفتت إلى متولي قائلة بحدة:
= شايف... شايف البت وقلة أدبها.
قاطعها متولي بتلملم وهو يجلس بجوارها:
= ما خلاص بقى يا أشجان، ما هي راحت تعمل اللي إنتي عايزاه... بعدين الواحد مفيش فيه دماغ للهري بتاع كل يوم ده، كفاية المشوار اللي خبطناه النهارده على الفاضي.
ليكمل وهو يتلفت حوله متجاهلًا نظراتها الشرسة المسلطة عليها:
= أومال فين الواد أشرف؟ ما أقوم أشوفه ييجي ياكل معانا.
ثم انطلق سريعًا نحو غرفة أشرف هاربًا من لسان زوجته السليط.
في وقت لاحق من الليل...
تسحب أشرف على أطراف قدميه متجهًا نحو غرفة صدفة وهو يتلفت حوله بخوف من أن يراه أحد، ولكن ما إن أدار مقبض الباب برفق وجده مغلقًا من الداخل، أطلق لعنة حادة وهو يعود إلى غرفته مرة أخرى وعقله يحاول إيجاد طريقة أخرى يمكنه أن ينال صدفة بها.
في اليوم التالي...
كان راجح يقود سيارته متجهًا نحو الوكالة الخاصة به عندما رأى تجمعًا من الناس يملأ الشارع مما جعله يوقف سيارته ويترجل منها ويتجه نحو ذلك التجمع ظنًا منه أن شخصًا ما قد تعرض لحادث، فنزل لكي يرى ما يحدث ويعرض المساعدة.
مر بين الناس الواقفين الذين ما إن رأوه أفسحوا الطريق له وعيونهم تمتلئ بالرهبة والاحترام في ذات الوقت، فقد كان الجميع يهابه، لكن في ذات الوقت يحبونه ويحترمونه، فقد كان معروفًا عنه أنه يقف مع الضعيف وإذا واجه أي شخص مشكلة ما يذهب إلى راجح على الفور لكي يساعده، وقد كانوا يحبونه من أجل تواضعه وشهامته معهم.
تجمد راجح بمكانه وقد اتسعت عيناه بالصدمة فور أن رأى السبب وراء تجمع الناس، فقد كان هناك طفل معلقًا من ملابسه فوق إحدى الأعمدة الحديدية وكانت صدفة تقف أمامه ممسكة بإحدى العصيان الخشبية الغليظة وهي تصرخ به بغضب:
= بقي أنا حتة عيل بشخه زيك... يسرق من القلاية ويطلع يجري ويلبسني في حيطه.
صرخ الطفل باكيًا:
= معلش والله يا صدفة... ما كنتش أقصد، أنا كنت بهزر معاكي.
قاطعته هاتفة بحدة وغضبها يزداد كلما تذكرت ما حدث لها بسببه، فقد قامت بكسر الزجاج لوكالة الراوي وتشاجرت مع راجح الراوي بسببه.
= بتهزر؟! ولما كنت واقف تترقص لي وتطلع لي في لسانك زي الكلب... كنت بتهزر برضو.
هتفت إحدى النساء الواقفات:
= ما تستهدي بالله بقى يا بت صدفة ونزلي الواد، ما قالك ميقصدش.
التفتت إليها صدفة قائلة بحدة وهي تشير بيدها أمام وجه تلك المرأة:
= بقولك إيه يا أم إبراهيم، خليكي في حالك أحسن لك، أنا عفاريت الدنيا بتنطط في وشي.
وضعت أم إبراهيم يدها على صدرها قائلة بتراجع:
= يوووه، وعفاريت الدنيا تتنطط في وشك ليه؟ أهو عندك أهو يا أختي، يكش تولعي فيه... أنا غلطانة.
تقدم راجح حتى وقف أمامها يرمقها بنظراته الحادة الصارمة، والذي ما إن رآه الطفل حتى صرخ باستنجاد:
= راجح باشا... راجح باشا الحقني نبي.
أشار راجح برأسه نحو الطفل قائلًا لصدفة بصوت ثبات أمر:
= نزّليه.
عقدت صدفة ذراعيها أسفل صدرها قائلة بصوت لاذع بينما عيناها تلتمع بتحدي:
= لا... مش هنزله.
لتكمل بحدة وهي تلوح بالعصا التي بيدها:
= واللي هيحاول ينزله هكسر له دراعه.
وقف راجح يتطلع إليها عدة لحظات قبل أن يومئ برأسه بصمت وهو يتطلع إليها بنظرات ممتلئة بالسخرية، قبل أن يتجه نحو العمود الذي به الطفل، لكن ما استوعبت صدفة ما يفعله اندفعت نحوه جاذبة إياه من ذراعه بقوة وهي تصرخ بغضب:
= سيب الواد... بقولك سيب الواد... مش هينزل بقولك.
قبض راجح على يديها الاثنين مقيدًا إياها بين يديه، بينما بيده الأخرى رفع الطفل المعلق بالعمود منزلًا إياه أرضًا، قائلًا له:
= على بيتك يلا بسرعة.
تلملمت صدفة بعنف محاولة الإفلات من قبضته وهي تصرخ خلف الطفل الذي ركض هاربًا:
= ماشي يا محمود، ورحمة أمي ما هسيبك برضو... هجيبك.
ثم التفتت نحو راجح هاتفة بشراسة وهي تحاول دفعه بعيدًا:
= أوعى أنت كمان.
أفلتها راجح ملتفتًا إلى الناس الواقفين يشاهدون ما يحدث كما لو كانوا يشاهدون فيلمًا ما:
= الموضوع خلص... يلا كل واحد يروح لحاله.
بدأت الناس تنصرف فور سماعهم أمره هذا، وفور تأكده من أنهم يقفون بمفردهم التف إلى تلك الواقفة تتطلع إليه بعينين تتقافز منها شرارات الغضب قائلًا بهدوء:
= فين الألف جنيه؟
عقدت حاجبيها قائلة بعدم فهم:
= ألف جنيه إيه؟
تقصد بتوع الازاز.
لتكمل بسخرية لاذعة:
= إيه غيرت رأيك و بقيت دلوقتي بتقبل العوض من النسوان عادي؟
أصدر راجح همهمة بصوت منخفض قبل أن يحك ذقنه بإصبعه قائلاً:
= ممم.. هنبتدي نستعبط.
ليكمل وهو يقترب منها خطوة واحدة:
= الألف جنيه اللي كانت امبارح على المكتب وانتِ سرقتيها وعملتي حوار إني بتحرش بيكي عشان تداري على لعبتك الوسخة.
قاطعته بحدة وعصبية مفرطة:
= حيلك حيلك.. إيه فاكرني هبلة ولا هبلة؟ ده انت اللي عامل الحوار ده وجاي تتهمني عشان تداري على تحرشّك بيا. فاكر إنك كده ذكي وهتقدر تداري على عملتك السودا.
أصبح الغضب بداخل راجح كالبركان الثائر الذي على وشك الانفجار، شعر بالإهانة من اتهاماتها تلك، فقد كان متأكداً من أنها من قامت بسرقة تلك الأموال. اقترب منها قائلاً بصوت قاسٍ:
= بتحرش مين؟!!
ثم أمسك بطرف أصبعيه ذراع عباءتها البالية كما لو كانت شيئاً قذراً سيلوثه، وهو يكمل بسخرية لاذعة وعيناه تمر على جسدها من الأعلى للأسفل:
= بيكي انتِ.. انتِ شكلك عمرك ما شفتي نفسك في المرايا قبل كده.
شحب وجهها فور سماعها كلماته القاسية تلك، فقد مست نقطة الضعف التي بداخلها مما جعلها ترغب بالبكاء، فقد كانت تعلم أن الجميع يراها قبيحة، سمينة. ارتجفت شفتيها في قهر دفين مما جعلها تضغط عليها بقوة حتى لا تنفجر باكية أمامه وتقوم بإذلال نفسها.
أكمل راجح حديثه مضيقاً عينيه بغضب محدقاً بها:
= أنا هعديها المرة دي، بس صدقيني إيدك دي هقطعهالك لو عرفت إنك سرقتي جنيه واحد من أي حد.. لأن من الواضح إنك واخدة على كده.
حاولت صدفة فتح فمها والرد عليه لكنها لم تستطع، فقد كان فكها ملتصقاً كما لو كان مغلقاً بلاصق قوي. شاهدته بعينين تلمعان بالحسرة والغضب وهو يلتف ويتجه نحو سيارته التي صعد إليها وقادها نحو وكالته.
في وقت لاحق من المساء...
كانت صدفة جالسة ببسطة عملها بوجه متجهم، فقد مضى عليها اليوم بصعوبة بالغة. فمنذ محادثتها مع راجح الراوي وهي تشعر بغصة من البكاء تسد حلقها، فلم يكتفِ بإهانته لها بالأمس ومحاولته للتحرش بها، بل أيضاً اتهمها بالسرقة ساخراً من شكلها. فهي تعلم بأن الجميع يراها قبيحة سمينة، لكنها ليست كذلك، فهي من تتقصد أن تجعل مظهرها بهذا الشكل القبيح.
فقد كانت خائفة من إظهار ولو القليل من جمالها خوفاً من نظرات الرجال التي حولها بكل مكان، فإذا انتبهوا لجمالها لن يرحموها.
كما أن كل فعل تفعله مهما كان صغيراً أو عادياً، سيتم انتقاده من قبل الناس من حولها وفهمه بطريقة خاطئة.
لقد أُلقيت في الشارع بسن السابعة عشر من أجل العمل، لذا كان يجب عليها حتى تحافظ على نفسها من أعين وأيدي الرجال الذين تحتك بهم بكل يوم بموجب عملها، أن تجعل نفسها قبيحة بملابسها المكونة من العباءة السوداء المهترئة المليئة ببقع الزيت والتي تجعلها تظهر بضعف وزنها الطبيعي. كما أنها تقوم بتشعيث بعض الخصلات التي تظهر من شعرها حتى يصبح خشن واشعث عكس طبيعته الحريرية الناعمة. أما حواجبها فقد كانت تقوم بوضع كحل أسود عليها حتى تظهر بمظهر بشع سميك.
رفعت عينيها الدامعة للسماء محاولة بصعوبة ابتلاع التنهيدة الممزقة التي كادت أن تفلت منها وتفضح أمرها، لكنها سرعان ما تملكت نفسها عندما جلست بجانبها أم مأمون إحدى النساء التي تسكن بالحي.
= بت يا صدفة، جايبالك حتة خبر هيفرحك.
تصنعت صدفة انشغالها بتقطيع البصل من أجل السلطة حتى لا تلاحظ أم مأمون الدموع التي بعينيها.
= خير يا أم مأمون.
ابتسمت أم مأمون وهي تجيبها بلهفة وصوت يملؤه الحماس:
= جايبالك عريس.
أدارت صدفة عينيها في مقلتيها بملل، لتكمل أم مأمون:
= عارفة بقى العريس ده يبقى مين؟ محروس.
هزت صدفة رأسها قائلة بارتباك:
= محروس مين؟
أجابتها أم مؤمن وهي تنكزها في ذراعها:
= محروس أخو جوزي يا بت.
صرخت صدفة وعيناها متسعة بالصدمة:
= عم محروس؟
لتكمل بحدة والغضب يشتعل بداخلها:
= بقى عايزاني أتجوز عم محروس ده قد أبويا؟ انتي اتجننتي يا وليه ولا إيه؟
قاطعتها أم مأمون هاتفة بعصبية:
= وماله يا أختي؟ محروس ده راجل مبسوط وهينغنغك.
هزت صدفة رأسها قائلة برفض حازم:
= لا عايزاه ينغنغني ولا ينيلني. أتجوز واحد قد أبويا ليه؟
ربتت أم مأمون على ذراعها قائلة بحدة:
= يا أختي مالك بتتلككي على إيه؟ ده انتي عنستي، داخلة على الـ 27 سنة ولا حد فكر يعبرك.
لتكمل وهي تلوح بيدها بطريقة ساخرة:
= ولا حد هيعبرك بمنظرك ده.
احمدي ربنا و وافقي و اهربي من الشقا اللي انتي فيه ده.
دفعتها صدفة في ذراعها هاتفة بقسوة و قد ألمتها كلماتها القاسية تلك:
قومي... قومي يا وليه من هنا... و روحي جوزيه لبنت اختك حنان هي اولي برضو بفلوسه.
دفعت أم مأمون يدها بعيدًا عن ذراعها وهي تنتفض واقفة شاهقة بقوة وغضب:
بنت اختي مين يا حبيبتي اللي اجوزهاله ده لسه 24 سنه و تقول للقمر قوم وانا اقعد مكانك.. ليه هي زيك؟
اهتز جسد صدفة من شدة الغضب فور سماعها كلماتها تلك مما جعلها تنتفض واقفة دافعة إياها في صدرها:
طيب اتكلي علي الله و غوري من وشي بدل ما اقسم بالله افرج المنطقة كلها عليكي و ما هخلي حتة في جسمك ساليمة.
تراجعت أم مأمون بخوف للخلف مغمغمة بفزع فور إدراكها ما صنعته كلماتها المندفعة:
يا بت أنا مقصدش متبقيش حمقية كده انتي عارفة اني بحبك زي بنتي.
قاطعتها صدفة هاتفة بصوت مرتفع جعلها تجفل بمكانها:
قولتلك امشي من قدامي يا أم مأمون احسنلك.
ابتعدت أم مأمون مغمغمة بخوف وهي تنصرف على عجل:
خلاص يا حبيبتي... هبقي اجيلك يوم تاني ونتكلم في موضوعنا.
راقبتها صدفة وهي تهرب سريعًا قبل أن تنهار جالسة مرة أخرى دافنة وجهها بين ذراعيها وتنفجر في بكاء مرير يمزق الفؤاد.
بعد مرور عدة ساعات.
كانت صدفة تتحدث بالهاتف بغضب:
عايز إيه يا منيل انت.
وصل إليها صوت أشرف الحاد:
ما تلمي لسانك يابت انتي بدل ما اجيلك و أطينلك عيشتك.. شكلك وحشتك العلق بتاع زمان.
زفرت بحدة قبل أن تغمغم بصوت جعله هادئ قدر الإمكان:
خير يا أشرف باشا تؤمرني بإيه؟
همهم أشرف برضا:
أيوه كده اظبطي.
ليكمل على الفور:
هاتي 4 ساندوتشات فول للمعلم عابد الراوي على المخزن بتاعه.
قاطعته صدفة بحدة وهي تعدل من وضع الهاتف على أذنها:
ساندوتشات الساعة 12 ده أنا يدوبك هلم حاجتي وهمشي.
لتكمل بعصبية وحدّة:
بعدين أنا مش هخطي برجلي أي مكان تبع الراوي بعد كده.
قاطعه صياح أشرف الغاضب:
بت انتي اتعدلي عايزاني أقول إيه للمعلم الكبير عايزاه يقطع عيشي.. اتهببي يلا هاتي الساندوتشات و اخلصي.
غمغمت صدفة بتردد وقد بدأت يدها بالتعرق:
الوقت اتأخر يا أشرف هدخل إزاي المخزن طيب تعالي انت خدهم مني.
قاطعها بسخرية لاذعة:
إيه خايفة على جمالك يا سانيورا؟ أنا مش فاضي ياختي ورايا شغل.. بعدين المخزن مرشق عمال بينقلوا بضاعة يعني متخفيش يا طاهرة.
ثم أسرع بإغلاق الخط بوجهها غير معطيًا لها الفرصة لكي ترد.
في وقت لاحق.
دلفت صدفة إلى المخزن وهي تلعن وتسب أشرف في عقلها فهي لم تكن ترغب بالقدوم إلى هنا غير راغبة بمقابلة راجح الراوي بعد ما حدث بينهم بالصباح.
وقفت بمنتصف الردهة الواسعة للمخزن الشاسع تنظر بارتباك إلى الغرف الكثيرة المخصصة لتخزين البضائع بها فقد كان المكان فارغًا فلم يكن يوجد أي عمال بالمكان كما أخبرها أشرف.
تراجعت للخلف بخوف تهم بالخروج مرة أخرى فقد انقبض قلبها خوفًا بدون سبب وما أن استدارت لكي تتجه نحو باب المخزن وتغادر أطلقت صرخة مرتفعة فازعة وقد سقط من يدها صحن الشطائر عندما هاجمها أحد الأشخاص من الخلف قابضًا بيد قاسية على عنقها مثبتًا ظهرها إلى صدره بينما يده الأخرى وضعها فوق فمها يكتم بها صوت صراختها جذبها هذا الشخص إلى الخلف معه محاولًا جرها بالقوة إلى داخل إحدى الغرف الخالية مما جعلها تضربه بقبضتها فوق يده المحيطة بعنقها محاولة جعله أن يبتعد عنها وافلاتها لكنه لم يتحرك من مكانه وظل يعتصر عنقها بقبضته القوية بينما مستمر بجرها معه للخلف لكنها قاومته واندفعت إلى الأمام بجسدها بأقصى قوة لديها متحررة من قبضته التي كان يحكمها حولها.
ركضت بكل ما لديها من سرعة محاولة الفرار لكنها ما خطت إلا خطوتين وشعرت بمهاجمها يقبض على شعرها من الخلف يجذبها منه بقوة للخلف مما جعلها تصرخ باكية فقد كان الألم برأسها يكاد يمزقها.
وضع مهاجمها يده فوق فمها مرة أخرى يكتم صوتها مانعًا محاولتها الفاشلة للصراخ وطلب المساعدة.
جاذبًا إياها من شعرها الذي لا يزال يقبض عليه بين يده مديراً إياها نحوه.
ليشحب وجهها واتسعت عينيها برعب وصدمة فور رؤيتها لوجه مهاجمها الذي لم يكن سوى أشرف الذي كان يتطلع إليها بوجه مليء بالتصميم وعينين سوداء تلتمع بشهوة قذرة والتي لأول مرة تراها بعينيه نحوها.
حاولت الصراخ لكن خرجت صراختها تلك كالزمجرة المكتومة بفعل يده التي كانت تغلق فمها بقوة.
أخذت تتملص بهسترية بين يديه محاولة التحرر من بين قبضته لكن ما أصابها من ذلك إلا أنه قد شدد من قبضته حول شعرها يجذبه بعنف أكثر مما جعلها تصرخ بألم منفجرة في بكاء مرير.
دفعها للخلف لتسقط بقسوة على الأرض الصلبة وهي لازالت بين يديه جعلها تستلقي بالقوة ضاغطًا بجسده الضخم فوق جسدها مما جعل جسدها محاصرًا أسفله بضعف وعجز لكنها رغم ذلك حاولت رفعت إحدى قدميها وضربه مما جعله يصفعها بقوة على خدها صائحًا بأنفاس لاهثة قذرة وهو يقرب وجهه الذي يلتمع بالعرق منها ينظر إليها بعينين تلتمع بوحشية مما جعلها ترتجف بخوف وبكائها يزداد بقوة.
ما تتهدي بقي يا بنت الكلب قطعتي نفسي.
هزت صدفة رأسها يمينًا ويسارًا بقوة وبكائها يزداد بشدة عندما أخذ يمزق ملابسها بيده الأخرى.
كان وجهها محتقنًا كالدماء بسبب محاولتها الفاشلة في الصراخ بسبب يده التي تكتم فمها.
اهتز جسدها بقوة شاعرة بالبرودة تتسلل إلى عروقها وقد اتسعت عينيها برعب فور رؤيتها ليده الحرة تنخفض إلى الأسفل وتفتح سحاب بنطاله. استغلت انشغاله هذا وتراخي يده التي فوق فمها قليلاً لتقوم بغرز أسنانها بقوة في راحة يده التي
طالع نجس زي اللي جابك....و ادي اهو الزمن بيعيد نفسه و زي ما ابوك اغتصب امك زمان...انت دلوقتي بتغتصب بنت غلبانة.....
قاطعه راجح مزمجرا بشراسة مميتة و قد شحب وجهه بشدة عند سماعه اتهامه هذا بينما اندلعت نيران الغضب بداخله من تشبيهه اياه بوالده الذي اغتصب والدته التي كانت تعمل بخدمته.
=اياك تقارني به مرة تانية...
ليكمل هاتفا و عينيه تلتمع بقسوه و حده لاذعة.
=و ملمستهاش و لا قربت منها ..انا سمعت صوت صريـ....
قاطعه عابد بقسوه وهو يلوح بيده بغضب.
=كداب...كداب و عينك بجحة و لولا ستر ربنا اني وعمك الشيخ ناصر كنا جايين المخزن بالصدفه علشان يشوف الاجهزة اللي عايزها لجهاز بنته...كان زمانك كملت وساختك و دوست علي شرفها.....
ليكمل وهو يزجره بعنف.
=طول عمري كنت خايف من اليوم ده يجي لاني عارف ان دم ابوك النجس بيجري في دمك...و ياريتك استنضفت لا....
اشاره بيده نحو صدفة التي كانت لازالت ملقية علي الارض غائبة عن الوعي بينما الشيخ ناصر يحاول افاقتها.
=ملقتش غير بياعة الطعمية..خلاص مش عارف تمسك نفسك بتعمل قرفك ده هنا وسط اكل عيشنا...اتاريك اديت للعمال اجازه النهارده وانا اقول ليه...اتاريك كنت بتخطط و ناويها من الاول.....
انسحب الدم من جسد راجح شاعرا بألم يكاد يحطم روحه الي شظاياو قد هدد الضغط الذي قبض علي صدره بسحق قلبه و هو يستوعب مدي سوء ظن والده فماذا فعل حتي يظن به ذلك.
همس بانفس محتقنه و هو يجز علي اسنانه بغضب محاولا السيطرة علي اعصابه حتي لا ينفجر بوجهه.
=قولتلك ملمستهاش..ولا قربت منها..انا جيت لقيتها مرمية علي الارض و هدومها متقـطعة...و عندي استعداد احلف علي كتاب ربنا بكده....
قاطعه عابد بسخريه لاذعه.
=قالوا للحرامي احلف....
ليكمل بقسوة وهو لا يزال يرمقه بنظراته النافرة الرافضة.
=لو حلفتلي علي ايه برضو مش هصدقك....الزمن بيعيد نفسه.
وقف راجح متصلبا بمكانه يعتصر يديه بجانبه بقسوة حتي ابيضت مفاصل يديه و قد ادرك اخيرا ان والده قد اصدر حكمه عليه ولا يوجد شئ سيغير حكمه هذا فهو مذنب..مغتصب بنظره..اشعلت افكاره تلك جحيم الغضب بصدره.
استدار راجح الي الشيخ ناصر الذي كان لا يزال يحاول افاقت صدفة قائلا بهدوء يعاكس النيران المشتعلة بداخله.
=عايزك تشهد علي كلامي ده يا شيخ ناصر..لو صدفة قالت بعد ما تفوق ان انا اللي معملتش فيها كده انا هفض الشراكة اللي بيني وبين الحاج عابد وهسحب نفسي من الشغل.....
شحب وجه عابد فور سماعه كلماته تلك لكن ازداد شحوبه اكثر و اكثر عندما سماعه باقي جملته.
=و لو قالت ان انا اللي عملت فيها كده...خلال اسبوع هكون كاتب عليها و متجوزها....
صاح عابد بعنف بينما يندفع نحوه.
=انت بتقول ايه..انت اتجننت تتجوز مين...انت عايز تفضحنا...تتجوز بياعة الطعمية اللي بتخدم علينا.....
ازداد الالم بداخل راجح وهو يستمع اليه فقد كان يعترض علي زواجه منها فقط حيث كان واثقا بانه من فعلها حقا.. ظل صامتا لم يجب عليه يشاهد باعين غائمة بالألم والغضب في ذات الوقت محاولات الشيخ ناصر لافاقة صدفة.
بعد مرور بعض الوقت.
فتحت صدفة عينيها ببطئ شاعرة بألم شديد برأسها و جسدها.
ارتجف جفنيها محاولة فتح عينيها بثبات عند سماعه صوت رجل يحدثها بلطف.
=صدفة يا بنتي انتي كويسة؟!
اخذت تطلع باعين متسعة بالصدمة الي الرجال الثلاث الذين كانوا يقفون فوق رأسها وهي لا تستوعب ما يحدث حاولها لكن سرعان ما صدر عنها شهقة فازعة وهي تنتفض جالسة ململمة اجزاء عبائتها الممزقة فوق ذراعها العاري لتنفجر باكية بشهقات ممزقة فور تذكرها كل ما حدث من هجوم اشرف عليها و محاولته لأغتصابها.
ربت الشيخ ناصر علي ظهرها بلطف قائلا.
=اهدي يا صدفة...اهدي يا بنتي و متخفيش....
قاطعه صوت عابد القاسي الذي اتخذ عدة خطوات نحوها.
=مين يا بت اللي عمل فيكي كده؟!
فور سماعها لسؤاله هذا شحب وجهها بشدة وقد تجمدت الدماء بعروقها فهي لا يمكنها اخبارهم بان اشرف من اعتدي عليها و حاول اغتصابها فهم بالطبع سيصرون عليه ان يتزوجها كما فعلوا بابنة الزيات عندما حاول احدي الشباب الاعتداء عليها زوجوها له و ذلك بأمر من الشيخ ناصر و عابد الراوي...
ظلت صامتة تتطلع الي الفراغ باعين متسعة ممتلئة بالفزع حيث كان يمر امام عينيها صور لمستقبلها البائس اذا ذكرت اسم اشرف...
لكنها خرجت من شرودها هذا منتفضة في مكانها بفزع عندما صرخ بوجهها عابد.
= ما تنطقي يا بت ساكتة ليه...
هزت رأسها ببطئ هامسة بصوت منخفض مرتعش.
=معرفش..مشوفتهوش....
قاطعها عابد بقسوه وغضب.
=كدابه ازاي متعرفيش...اكيد شوفتيه...
ليكمل قائلا بنبره ذات معني و هو ينظر بقسوه نحو راجح الذي كان يقف بالخلف يراقب بصمت ما يحدث بينما عينيه مثبته فوق صدفة.
=انطقي خايفة من مين...متخفيش...
تقابلت عينيها بعينين راجح الذي كان يرمقها بنظرات جليدية حاده.
مما جعلها تخفض عينيها سريعا وقد تسارعت نبضات قلبها خوفا فور ادراكها ان راجح قد يكون رأي اشرف اثناء هروبه اخذت ضربات قلبها تقصف داخل اذنيها من شدة الخوف من ان ينطق باسمه اخفضت رأسها محاولة ايجاد مخرج من ورطتها تلك عندما سمعت عابد الراوي يزمجر بحده جعلت رأسها يرتد للخلف بصدمة.
=راجح....راجح ابني اللي عمل فيكي كده؟!
تصلب جسد صدفة من الصدمة اخذت تمرر نظراتها المندهشة بين راجح وعابد الذين كانوا يقفون امامها مباشرة وهي لا تصدق ان عابد الراوي قد اتهم ولده بهذا الاتهام الشنيع خاصة راجح الراوي الذي تهتز له شوارب الحي بأكمله.. جذب انتباهها توتر جسد راجح برغم انه كان يحاول الا يظهر ذلك من خلال طريقة وقوفه المتصلبة همت ان تجيب بالنفي و تبرئته لكنها تراجعت باخر لحظة و قد اتاها صوت داخلي بان هذه فرصتها للهروب من الزواج بأشرف الحقير فيمكنها اخبارهم بانه كان راجح و وقتها عابد الراوي سوف يكتم علي الامر و يجعلها تذهب للمنزل بعد ان تعده بألا تخبر احدا بما حدث فهو بالطبع لن يزوجها ولده البكري و ذراعه الايمن....
شعرت بتأنيب الضمير لما تنوي ان تفعله لكنها ذكرت نفسها بانه ليس امامها خيار اخر...
اومأت رأسها بالموافقة علي سؤاله وهي تخفض عينيها بخوف من ردة فعل راجح الوشيكة علي اتهامها الباطل له.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الثالث 3 - بقلم هدير نور
صدح صوت عابد القاسي الذي اتخذ عدة خطوات نحوها.
= مين يا بت اللي عمل فيكي كده؟
فور سماعها لسؤاله هذا شحب وجهها بشدة وقد تجمدت الدماء بعروقها. فهي لا يمكنها إخبارهم بأن أشرف اعتدى عليها وحاول اغتصابها. فهم بالطبع سيصرون عليه أن يتزوجها، كما فعلوا بابنة الزيات عندما حاول أحد الشباب الاعتداء عليها، زوجوها له بأمر من الشيخ ناصر وعابد الراوي.
ظلت صامتة تتطلع إلى الفراغ بأعين متسعة ممتلئة بالفزع. حيث كان يمر أمام عينيها صور لمستقبلها البائس إذا ذكرت اسم أشرف.
لكنها خرجت من شرودها هذا منتفضة في مكانها بفزع عندما صرخ بوجهها عابد.
= ما تنطقي يا بت ساكتة ليه؟
هزت رأسها ببطء هامسة بصوت منخفض مرتعش.
= معرفش.. مشوفتهوش.
قاطعها عابد بقسوة وغضب.
= كذابة، إزاي متعرفيش؟ أكيد شوفتيه.
ليكمل قائلاً بنبرة ذات معنى وهو ينظر بقسوة نحو راجح الذي كان يقف بالخلف يراقب بصمت ما يحدث، بينما عيناه مثبتة فوق صدفة.
= انطقي خايفة من مين؟ متخفيش.
تقابلت عينيها بعيني راجح الذي كان يرمقها بنظرات جليدية حادة. مما جعلها تخفض عينيها سريعاً وقد تسارعت نبضات قلبها خوفاً. فور إدراكها أن راجح قد يكون رأى أشرف أثناء هروبه، أخذت ضربات قلبها تقصف داخل أذنيها من شدة الخوف من أن ينطق باسمه. أخفضت رأسها محاولة إيجاد مخرج من ورطتها تلك. عندما سمعت عابد الراوي يزمجر بحده جعلت رأسها يرتد للخلف بصدمة.
= راجح.... راجح ابني اللي عمل فيكي كده؟
تصلب جسد صدفة من الصدمة. أخذت تمرر نظراتها المندهشة بين راجح وعابد الذين كانوا يقفون أمامها مباشرة وهي لا تصدق أن عابد الراوي قد اتهم ولده بهذا الاتهام الشنيع، خاصة راجح الراوي الذي تهتز له شوارب الحي بأكمله. جذب انتباهها توتر جسد راجح برغم أنه كان يحاول ألا يظهر ذلك من خلال طريقة وقوفه المتصلبة. همت أن تجيب بالنفي وتبرئته، لكنها تراجعت بآخر لحظة. وقد أتاها صوت داخلي بأن هذه فرصتها للهروب من الزواج بأشرف الحقير. فيمكنها إخبارهم بأنه كان راجح، ووقتها عابد الراوي سوف يكتم على الأمر ويجعلها تذهب للمنزل بعد أن تعده بألا تخبر أحداً بما حدث. فهو بالطبع لن يزوجها ولده البكري وذراعه الأيمن.
شعرت بتأنيب الضمير لما تنوي أن تفعله، لكنها ذكرت نفسها بأنه ليس أمامها خيار آخر.
أومأت رأسها بالموافقة على سؤاله وهي تخفض عينيها بخوف من ردة فعل راجح الوشيكة على اتهامها الباطل له.
حضرت نفسها لسماع صراخه وسبابه لها، حتى أنها توقعت أنه سيقوم بضربها.
لكن لمفاجأتها لم يبدر منه أي رد فعل. حيث ظل واقفاً مكانه يتطلع إليها بصمت بعينين تندلع منها شرر الغضب، يطبق على فكيه بقوة كما لو كان يحاول السيطرة على غضبه هذا.
مما أرعبها الأمر أكثر. فلو كان قد صرخ بها لكان أهون عليها من صمته المخيف هذا.
هتف عابد بصوت مرتفع كما لو كان قد حقق انتصاراً عظيماً من إثباته لإدانة راجح.
= شوفت... شوفت يا شيخ ناصر مش قولتلك.
ثم التف إلى راجح ينظر إليه بأعين تلتمع بالتشفى، مزمجراً بصوت منخفض.
= مش قولتلك الدم النجس بيجري في دمك.
اشتد وجه راجح بغضب بينما يتطلع إليه بنظرات عاصفة ثابتة. زمجر من بين أسنانه المطبقة بقسوة.
= مبروك وصلت أخيراً للي طول عمرك بتحاول تثبته فيا.
غمغم عابد بحدة وهو يقطب حاجبيه متصنعاً عدم الفهم.
= تقصد إيه؟
أشاح راجح نظره بعيداً عنه متجاهلاً صراحة سؤاله هذا. ليركز نظراته على تلك الجالسة على الأرض بوجه محتقن وجسد مرتجف.
= عرفي متولي جوز أمك إني جاي بكرة أتقدملك.
انتفضت صدفة واقفة بفزع على قدميها المرتجفة فور سماعها كلماته تلك، بينما الصدمة تجتاحها وهي لا تصدق بأنه قد عرض عليها الزواج بالفعل.
وما أن حركت شفتيها حتى ترفض، قاطعها صوت صراخ عابد الذي اهتز له أرجاء المكان.
= تتقدم لمين؟ إنت اتجننت؟ عايز تفضحنا وسط الناس؟ على جثتي فاهم.
ليكمل بصوت غليظ خشن وهو يضرب بعصاه الأرض بقوة.
= على جثتي تتجوز بتاعت الطعمية.
تجاهله راجح كما لو أنه لم يتحدث. اتجه نحو صدفة متقدماً نحوها ببطء مخرجاً من جيبه هاتفه، أمراً إياها بصوت قاسٍ لاذع.
= هاتي رقم متولي جوز أمك.
تراجعت صدفة للخلف بتعثر وهي تحدق في وجهه بخوف من لهيب الكراهية والغضب الذي يلتمع بعينيه. ظلت تحدق به بأعين متسعة بالذعر ووجه شاحب، غير قادرة على فتح فمها أو النطق بحرف واحد، حيث قد شلها خوفها منه.
لكنها انتفضت في مكانها بفزع عندما هتف باسمها بعنف مكبوت وهو يزمجر بقسوة.
= قولتلك هاتي الرقم.
اندفع الشيخ ناصر الذي كان يراقب بصمت ما يحدث منذ البداية قائلاً وهو يقف حائلاً بينهم عندما لاحظ خوف صدفة الواضح.
= أنا معايا الرقم هدهولك.
خرجت صدفة من تجمدها فور سماعها هذا صارخة بصوت ضعيف مرتجف.
= أنا مش هتجوزك.
لتكمل بصوت باكي وهي تمسك بذراع الشيخ ناصر بيدين مرتجفة.
= أنا.. أنا مش موافقة يا شيخ ناصر... مش موافـ.
لكنها ابتلعت باقي جملتها متخذة عدة خطوات إلى الخلف عندما رأت راجح يقترب منها بخطوات سريعة غاضبة. لتطلق صرخة متألمة عندما قبض على ذراعها يعصره بقسوة بين قبضته الصلبة، مزمجراً من بين أسنانه بغضب.
= اكتمي.
ليكمل وهو يعتصر ذراعها بقسوة أكبر ستترك كدمات بذراعها في المستقبل.
= اكتمي خالص و مسمعش صوتك... و إلا قسماً بالله هدفنك مكانك.
ثم التف إلى الشيخ ناصر قائلاً بحدة.
= هات الرقم يا شيخ ناصر.
قام شيخ ناصر سريعاً بإخراج هاتفه يبحث به عن الرقم.
لكن تدخل عابد هاتفاً بغضب وهو يحاول جذب الهاتف من يد الشيخ ناصر.
= إنت بتعمل إيه يا ناصر؟ إنت هتطاوعه في الجنان اللي عايز يعمله؟
نفض الشيخ ناصر يده الممسكة بالهاتف بعيداً عن متناول يد عابد الذي كان يحاول أخذه منه بإستماتة، مجيباً إياه بحدة وصرامة.
= بعمل الصح يا عابد، واللي أنا وأنت حكمنا به على ناس كتير في مواقف كتير زي دي. ده حق ربنا.
صاح عابد ثائراً مقاطعاً إياه بعنف وقد احتقن وجهه من شدة الغضب وهو يشير بإصبعه للأعلى.
= حق ربنا إن ابني أنا... عابد الراوي.
ليكمل وهو يشير نحو صدفة الواقفة بوجه شاحب وجسد مرتجف خلف ظهر الشيخ ناصر.
= يتجوز دي.
هز الشيخ ناصر قائلاً بصرامة.
= أيوه مادام ابنك غلط يبقى لازم يصلح غلطه.
ليكمل بقسوة ونبرة يتخللها التهديد الصريح وهو يرمقه بنظرة ذات معنى.
= وأنت عارف كويس إنـي مش هسكت لو حصل غير كده. حتى لو إنت صاحب عمري مش هسكت.
ثم التف نحو صدفة.
= يلا يا بنتي علشان أوصلك بيتك الوقت اتأخر.
لكنه توقف عندما لاحظ ملابسها الممزقة. توقف متردداً قليلاً قبل أن ينزع عباءته التي كان يضعها فوق كتفيه ليضعه فوق جسدها مغطياً عري جسدها، جاذباً إياها معه للخارج قائلاً موجهاً حديثه لراجح.
= راجح بعتلك رقم متولي. حدد معاه بكرة ميعاد نزورهم في البيت علشان تتقدملها. ولو أبوك مش عايز يجي معاك كلمني وأنا هاجي معاك.
ثم غادر بصمت متجاهلاً نظرات عابد الغاضبة التي يسددها نحوه.
اندفع عابد نحو راجح فور تأكده من ذهاب كلا من الشيخ ناصر وصدفة، قابضاً على كتفيه قائلاً بصوته الهادئ الذي اعتاد على استخدامه دائماً عندما يرغب السيطرة أو التأثير عليه.
= يا بني... يا بني بلاش تتهور وتضيع حياتك. أنا خايف عليك.
قاطعه راجح بقسوة وهو يتراجع إلى الخلف بعيداً عن مجال يديه، مظهراً بوضوح عدم رغبته بأي اتصال جسدي به.
= ابنك..!! ابنك إيه بقي يا حاج عابد بعد اللي قولته وعملته.
ليكمل بحدة وهو يعلم أن ما سيفعله خطأ، فهو بزواجه منها يثبت ارتكابه لتلك الجريمة. وبدلاً من إنكاره لاتهامها ظل صامتاً مثبتاً على نفسه جريمة لم يفعلها. وذلك بسبب الكلمات القاسية التي ألقاها والده عليه.
فقد شعر وقتها بأن عالمه بأكمله ينهار فوق رأسه. فقد شبهه بأكثر إنسان يكرهه ويحتقره حسان والده الحقيقي الذي اغتصب والدته التي لم تكن تبلغ من العمر وقتها أكثر من تسعة عشر عاماً. لا يعلم كيف استطاع أن يرميه بتلك الاتهامات القذرة، رافضاً الاستماع إليه أو إلى إنكاره للأمر كما لو كان ينتظر هذه اللحظة طوال حياته اليوم، اللحظة التي سيثبت بها أنه قذر مثل أبيه.
لذا قرر الزواج من تلك الفتاة حتى يعاند إياه، راغباً أن ينتقم منه ومن اتهاماته القاسية تلك.
= وفر كلامك وطريقتك دي مش هتجيب نتيجة. الموضوع انتهى... وهتجوزها يعني هتجوزها.
أردف بسخرية لاذعة رغم الألم والغضب اللذان يعصفان بداخله.
= بعدين يا حاج عابد اعتبر إني بحاول أعمل الصح اللي أبويا معملهوش من 30 سنة.
صاح عابد مقاطعاً إياه وهو يحاول الاقتراب منه مرة أخرى، مغمغماً بارتباك.
= إيه حاج عابد... حاج عابد اللي إنت عمال تقولها دي، أنا أبوك.
هز راجح رأسه بقوة بصوت مرتجف بعض الشيء والقهر ينبثق منه.
= الكلام ده كان زمان قبل ما تدبحني بسكينة. من اللحظة دي لا انت أبويا ولا أنا ابنك، وأظن إنك بينت ده كويس النهارده. أنت الراجل اللي خيره خدني حتة لحمة حمرا ورباني في بيته بدل ما كنت اترمي في الشوارع وكلاب السكك تنهش فيا.
ليكمل وهو يضع يده فوق رأسه.
= وجميلك ده هيفضل فوق راسي وهيفضل دين في رقبتي وربنا يقدرني وأسدده.
أنهى جملته تلك ثم التفت مغادرًا المكان على الفور، تاركًا عابد يتطلع بغضب وقسوة بأثره وهو يدرك مدى حماقة ما فعله بكلماته القاسية التي ستجعله يدفع الكثير، وأكبر فقدان السيطرة على راجح.
***
بوقت لاحق.
كانت صدفة تدفن وجهها بصدر أم محمد التي كانت بمثابة شقيقة كبرى لها.
كانت تبكي بشهقات ممزقة بينما كامل جسدها يرتجف بقوة، بينما أخذت أم محمد تربت على ظهرها بحنان محاولة تهدئتها.
فقد أقنعت صدفة الشيخ ناصر بأن يقوم بإيصالها إلى منزل أم محمد بدلًا من منزلها، حتى لا يراها زوج والدتها بحالتها المذرية تلك. لكنها في الحقيقة كانت خائفة من العودة إلى ذات المنزل الذي به أشرف والبقاء معه تحت سقف واحد بعد ما حاول فعله بها. لا تعلم ما الذي يمكنه فعله، فقد يكرر محاولاته ووقتها قد ينجح فيما فشل به سابقًا.
ربتت أم محمد على شعرها بحنان محاولة تهدئتها، فمنذ وصولها وهي لم تكف عن بكائها بهذا الشكل الهستيري.
= اهدى يا حبيبتي، اهدى. كل حاجة ولها حل.
همست صدفة من بين شهقات بكائها الممزقة.
= أنا وحشة أوي يا أم محمد. مش عارفة إزاي قدرت أتبلى عليه كده قدام أبوه والشيخ ناصر.
لتكمل وبكائها يزداد بقوة.
= بس كنت هعمل إيه؟ عقلي وقف وقتها، مشوفتش نفسي غير وهما بيجوزوني للكلب اللي اسمه أشرف ده بالغصب. خوفي شل تفكيري، وأول ما الحاج عابد سألني إذا راجح اللي عمل فيا كده، كنت عاملة زي الغريق اللي رَمُوله طوق نجاة.
قولت إنه هو اللي عمل كده على أساس إن الحاج عابد هيعدي الليلة ويداري اللي حصل عشان خاطر ابنه، بس راجح الراوي هو اللي أصر يتجوزني، واللي رعبني إنه منكرش كلامي ولا نطق بحرف واحد عن الحقيقة، فضل ساكت.
لتدفن وجهها في حضن صديقتها أكثر وهي تهمس بألم وخوف.
= أنا مش فاهمة حاجة، وخايفة أوي.
أبعدتها أم محمد بلطف عن حضنها.
= أنا عارفة إن اللي أنتِ عملتيه ده غلط.
لتكمل وهي تمسح بيدها على وجهها بحنان مزيلة الدموع العالقة به.
= بس أنتِ لو كنتِ نطقتي باسم الكلب أشرف ده كان أصر الحاج عابد والشيخ ناصر إنه يجوزك له، زي ما عملوا مع البت عواطف وسيد العطار. ووقتها الحرباية أشجان مش هتسكت وهتفضحك في المنطقة كلها إنك كنتِ ماشية مع ابنها بمزاجك، وهتقول عليكي أوسخ الكلام، أنتِ عارفاها.
ضمت صدفة يديها إلى صدرها هامسة بصوت مرتجف والخوف يملأ عينيها بينما تهز جسدها بقوة.
= كله إلا أشرف. أنا عندي أموت نفسي ولا إني أتجوز الحشاش ده ولا إنه يلمسني.
انفجرت باكية وجسدها يهتز بقوة، وقد بدأت تتذكر هجوم عليها ومحاولاته في لمسها هامسة برعب.
= طيب أنا إزاي هقعد معاه في بيت واحد بعد اللي حصل ده؟ ده ممكن يعملها تاني.
لتبدأ بالتحدث إلى نفسها بعجز وهي تنظر للفراغ الذي أمامها بعينين غائمة بالدموع التي كانت تنحدر على وجهها بغزارة.
= أروح فين؟ أسيب البيت؟ أشوفلي أوضة أسكن فيها؟ بس محدش هيسيبني في حالي وكلاب السكك كلها هتنهش في لحمي، ومش بعيد هو نفسه يتهجم عليا هناك. أعمل إيه يا ربي؟
احتضنتها أم محمد بحنان بين ذراعيها محاولة تهدئتها، تاركة إياها تبكي وتخرج كل ما بصدرها، وعندما توقفت شهقات بكائها.
دفعتها بلطف فوق الفراش مساعدة إياها بالاستلقاء وإراحة رأسها على الوسادة.
= نامي دلوقتي وريحي نفسك، أنتِ شقيانة من الصبح وزمان حيلك مهدود.
لتكمل وهي تجذب الغطاء فوق جسدها المرتجف.
= ومتخفيش، المخفي جوزي مش هنا، مسافر شغل في بورسعيد ومش هيجي إلا على أول الشهر الجاي. قعدي معايا الفترة دي لحد ما نشوف حل.
لتكمل وهي تربت على رأسها بحنان.
= والله هنلاقي لها حل، ربك كريم.
تقوقعت صدفة على نفسها تضم ساقيها إلى صدرها، مغلقة عينيها بقوة محاولة إبعاد كل ما حدث عن عقلها.
***
في صباح اليوم التالي.
استيقظت صدفة على أصوات مرتفعة تأتي من الخارج، لكن وقبل أن تعي ما يحدث، فُتح باب الغرفة بعنف ودلف زوج والدتها إلى الغرفة هاتِفًا بقسوة.
= بتصل بيكي من الصبح مبترديش على تليفونك ليه يا بنت الرفدي انتي؟
ليكمل وهو يتقدم داخل الغرفة بينما تتبعه أم محمد بعينين مترقبتين بخوف.
= راجح الراوي طلبني امبارح وقالي إنه جاي البيت عندنا وطالب إنك تبقي موجودة. هببتي إيه يا بوذ الأخص انتي عشان يجيلنا البيت؟ أكيد عملتي مصيبة من مصايبك.
هزت صدفة رأسها بينما تعدل بيد مرتجفة العباءة المنزلية التي ترتديها والتي أخذتها من أم محمد بليلة أمس بدلًا من ملابسها الممزقة.
= معملتش حاجة، ومعرفش جاي ليه.
غمغم بحدة بينما يقبض على ذراعها جاذبًا إياها منه.
= طيب قومي خلينا نروح، زمانه على وصول.
نفضت صدفة ذراعها بعيدًا عن يده متراجعة إلى الخلف بخوف على الفراش بعيدًا عنه.
= أنا... أنا مش هروح في حتة، لو عايز تقابله، قابله انت.
صاح متولي مقاطعًا إياها بقسوة وغضب.
= يبقي عملتي مصيبة، وخايفة منها. ليلة أمك هتبقى سودا لو اشتكى منك تاني. إحنا مش قده عشان كل يوم تعملي مصيبة معاه، ده أجدعها راجل في المنطقة ميقدرش يرفع عينه فيه، وإنتي بقى عمالة تعاندي فيه وشغالة قلة أدب.
هتف بحدة وهو يكمل.
= قومي، قامت قيامتك، خلينا نشوف نيلتي إيه معاه تاني.
أخذت صدفة تهز رأسها بقوة رافضة وهي تصرخ بهستيرية.
= مش هروح معاك في حتة.
زمجر متولي بصوته الغليظ وهو يندفع نحوها.
= انتي بتعلي صوتك عليا يا بنت الرفدى؟
قبض بيده على شعرها بقوة كادت أن تقتلع خصلاته جاذبًا إياها منه لتسقط من الفراش على الأرض الصلبة بقسوة وهي تصرخ متألمة، جذبه من شعرها على الأرض رغم مقاومتها له غير ابهًا بصراختها تلك وهو يهتف بشراسة.
= هتيجي غصب عن عين أهلك. فكرك إني هقف قدام راجح الراوي عشان واحدة زيك؟ اللي قاله لازم يتنفذ.
صرخت صدفة باكية وهي تحاول التشبث بالأرض رافضة الذهاب معه، وخوفها من مواجهة راجح يسيطر عليها.
= يا خي يلعن أبوك.
لأبوه...
ضربها متولي بقدمه في بطنها عدة ضربات قاسية وهو يهتف بعنف
=بتشتميني يا بنت الكلـ،ـب يا فاجـ.رة....
اندفعت ام محمد هي تهتف بفزع ممسكه بذراعه محاوله جذبه بعيداً عن تلك الملقي علي الارض تأن بألم و هي تمسك ببطنها
=علشان خاطري يا عم متولي كفاية...كفاية...
ابتعد متولي عن صدفة ماسحاً جبينه المتعرق بيده مزمجراً من بين انفاسه اللاهثه
=و رحمة امك اللي معرفتش تربيكي لأعلمك الادب بس بعد ما راجح الراوي يمشي...هفضالك حاضر...
ليكمل وهو يلتف الي امينه يتطلع اليها ممرراً عينيه التي كانت تلتمع بالشهوه علي جسدها
=علشان خاطرك بس يا ام محمد انا هسيبها خدي بالك...
اومأت له ام محمد وهي ترسم ابتسامه مرتجفة علي شفتيها..
تنحنح بصوت مرتفع وهو يستدير نحو صدفة التي لازالت ملقية علي الارض قائلاً بصوت خشن غليظ
= انا هطلع برا و 5 دقايق و القيكي لبستي و حصلتيني...
ثم التف مغادراً الغرفة لترتمي علي الفور ام محمد بجانبها تطمئن عليها من انها لم تتأذي...
ارتمت بين ذراعيها صدفة تنتحب بينما جسدها ينتفض بقوة
=مش عايزة اروح معاه....
ربتت ام محمد علي ظهرها هامسه لها بصوت منخفض
=معلش علشان خاطرى روحي معاه ده شراني و مش هيرحمك...
لكنها ابتلعت باقي جملتها منتفضين سوياً انتفضوا عند سماعهم صوت متولي الغليظ يهتف من الخارج
= ما تخلصي يا روح امك هفضل مستنيكي كتير الراجل زمانه علي وصول...
ساعدتها ام محمد علي الوقوف مخرجة احدي عبائتها السوداء مساعده اياها في ارتدائها ثم اخرجت واحدة لها وقامت بارتدائها هي الاخري قائلة بتصميم مربته علي كتفها
=انا جاية معاكي متخفيش ..هكلم الواد محمد يجيب اخته ويجولنا علي بيتكوا لما يطلعوا من المدرسة
اومأت لها صدفة بالموافقه محتضنه اياها هامسه بصوت مرتجف
=ربنا يخاليكي ليا يا ام محمد.....
ربتت ام محمد علي ظهرها بحنان
=انا بعتبرك بنتي الكبيره يا هبله
لتكمل بمرح وهي تنكزها في ذراعها بخفه محاولة اخراجها من حزنها
=اي نعم الفرق بنا ١٨ سنه....بس يلا اديني بكبر نفسي لاجل عيونك يا جميل...
ارتسمت شبه ابتسامة مرتجفة علي شفتي صدفة شبكت ام محمد ذراعها بذراع صدفه قبل ان تأخذها و يخرجوا للخارج..
قطب متولي فور ان رأي ام محمد معها غمغم قائلاً
=معلش يا ام محمد مش هينفع تيجى معانا اصل اشجان هناك و انتي عارفها مبطقيش..اصلها وليه غياره
ليكمل وهو ينحني نحو ام محمد قائلاً بغزل
=بتغيير من اللي احلي منها...
تراجعت ام محمد مبتعده عنه للخلف بنفور مرمقة اياه بحدة و غضب
مما جعل يتنحنح بحرج قبل ان يستدير الي صدفة ويقبض علي ذراعها جاذباً اياه معه لخارج المنزل...
༺༺༺༺༻༻༻༻
في وقت لاحق...
غمغم متولي بصدمة بينما ينقل نظراته بارتباك بين كلاً من راجح و الحاج عابد الذي اضطر ان يحضر حتي لا ينفذ الشيخ ناصر تهديده و يذهب هو معه و وقتها سيتسبب ذلك في فضيحة لهم اذا علم الناس خاصة و الشيخ ناصر كان معروف عنه انه يقوم بتزويج البنات بمن خدوعهم و سرق عذريتهم فوقتها سيخمن الناس ما حدث ..
=صدفة مين اللي عايز تتجوزها يا باشا...مش فاهم؟!!!!
ليهمس بصوت منخفض محدثاً نفسه
=صدفة...صدفة ازاي بس اللاه بـَين ودنك عايزة تتسلك و لا ايه يا متولي....
وضع اصبعه باذنه يهزه بقوة كما لو كان يسلك اذنه حتي يتأكد من انه سمع جيداً راجح الراوي ذات نفسه يطلب الزواج من صدفة خاصتهم
قاطعه راجح الذي كان يجلس بجانب والده بوجه مكفهر
=لا سمعت صح...يا متولي...انا بطلب ايد صدفة بنت مراتك
حك متولي رأسه و هو يحدث نفسه و عقله لا يزال لا يستوعب ما سمعه
=طيب ازاي...ازاي بس يا اخواتي انا هتجنن..... راجح باشا و البت صدفة..!!
هتف عابد بغضب و هو يضرب بعصاه الارض بقوة
=ما تخلص يالا يا متولي انت هتظيط قوم انده عليها وخد رأيها خالينا نخلص................
ليكمل بسخرية لاذعة وهو يرمق بقسوة راجح الذي كان يتجاهل وجوده بصمت
=مع اننا عارفين رأي السانيورا كويس....
زفر راجح بحده وهو يشيح برأسه بعيداً معتصراً قبضتيه بقوة محاولاً السيطرة علي نفسه و عدم الاجابة عليه..
بينما اخذ متولي ينقل نظراته بينهم بارتباك قائلاً باستفهام و هو يلاحظ العصبية و الحدة التي بينهم
=ايـه ؟ و انتوا عرفتوا رأيها منين ؟!
اجابه عابد بحدة و هو يحاول تدارك فهوة لسانه
=الحاجة ام راجح سألتها امبارح و هي قالت موافقة...
اشرق وجه متولي بفرح قائلاً بلهفة و هو يسرع بفتح يديه
=حيث كده بقي نقرا الفاتحة...
نكزه عابد بعصاه في ذراعه محاولاً جعله يخرج من الغرفة حتي ينفرد براجح حتي و لو لعدة دقائق و بداخله أمل ان ينجح فيما فشل به بالأمس و بصباح اليوم و هو اقناع راجح بتغيير رأيه و عدم الزواج من تلك الفتاة..
=قوم...اتحرك و اسألها و خد رأيها...
هتف متولي وهو يضحك فاركاً ذراعه مكان نكزت العصا
=و اسألها ليه يا حاج مش بتقول موافقة...
هز عابد رأسه قائلاً بنفاذ صبر
=برضو لازم تسألها...و نسمع كلنا ردها بودننا...
نهض متولي متجهاً نحو الباب وهو يغمغم
=اللي تؤمر به يا حاج عابد...حاضر
ليكمل هامساً بسخرية و عينيه تلتمع بالجشع فور تخيله لكم المال الذي سيجنيه من وراء تلك الزيجة بالاضافة الي الشقه التي سوف تصبح ملكه
=قال يعني لو موافقتش كلمتها هتمشي...دي توافق و الجزمه فوق راس اهلها كلهم هي تطول بنت المستخبى...
راقب عابد متولي باعين تلتمع باللهفة متولي وهو يغادر الغرفة قبل ان يلتف الي راجح قائلاً
=يا بني فكر كويس بلاش تنشف راسك....
ليكمل باشمئزاز و هو يشير بعصاه بانحاء الغرفة
=ملي عينك كويس وشوف الناس اللي هتناسبهم وتقع فيهم....
ظل راجح صامتاً لا يجيبه مما جعله يهتف بعجز و غضب
=هدي للبت 50 الف جنية و هخليها متفتحش بوقها عن عملتك دي و اطمن انا.......
لكنه ابتلع باقي جملته عندما انكسر فجأة الكوب الزجاجي الذي كان بيد راجح اثر ضغطه القاسي عليه...
شاهد عابد باعين متسعة بالصدمة راجح و هو يضع قطع الزجاج الملتصقة بيده علي الطاولة التي امامهم مخرجاً منديلاً من جيبه يلفه حول الجرح الذي كان ينزف بيده قبل ان يلتف اليه قائلاً من بين اسنانه بغضب
=وفر فلوسك..يا حاج عابد..
ليكمل ضاغطاً بقسوة علي حروف كلماته
=و عملتي السودا.. زي ما بتقول انا قادر احلها....و اشيل ليلتى لوحدي..
ضغط بقوة علي المنديل الذي براحة يده المصابه وهو يردف بسخريه لاذعة
=بعدين المفروض تفرح ان اللقيط اللي ربيته في بيتك مش هيعمل زي ابوه و يهرب...و يسببلك فضيحة
هتف عابد بحدة و قد احمر وجهه من شدة الحرج والارتباك
=ايه اللي انت بتقوله ده لقيط ايه انت ابني.....
لكنه ابتلع باقي جملته عندما فتح الباب فجأة و دلفت اشجان زوجة متولي بوجه شاحب واعين محتقنة فمنذ ان اخبرها زوجها عن رغبة راجح الراوي بالزواج من صدفة وهي تشعر بالنيران تشتعل بصدرها تحرق قلبها من شدة الغيظ والغضب..
جلست علي المقعد بعد ان القت التحيه عليهم تطلع اليها عابد بغضب من مقاطعتها اياهم وعندما هم ان يطلب منها ان تتركهم بمفردهم تحدثت بصخب
=انا جاية انصحكوا لله....
لتكمل سريعاً و عينيها تتطلع باضطراب نحو باب الغرفة خوفاً من يأتي متولي باي لحظة
=البت دي متنفعش تدخل بيتكوا الأصيل..
ايه بس يوقعكوا الوقعة السودا دي بقي راجح باشا زينة الشباب يتجوز واحده زي دي..
تركها عابد تتحدث وعلي وجهه يرتسم الاستحسان و عينيه مسلطة علي راجح بأمل ان يتأثر بكلماتها تلك...
=بعدين دي لا مال ولا جمال تتجوزها ازاي بس يا راجح باشا ده انت.....
لتكمل وهي تضرب بيدها علي ساقها
=ده انا اللي مربيها و عارفة كل بلاويها و لسانها الطويل اللي عايز اصه ازاي واحدة زي تدخلوا بيتكوا من الاساس كيب انتوا عارفين دي..........
قاطعها راجح بخشونة و حدة
=قومي شوفيلنا جوزك اتأخر ليه...عايزين نمشي....
همهمت اشجان بصدمة
=ههاااا...؟!
زمجر بغضب و هو يشير نحو الباب
=اخلصي قومي....
انتفضت اشجان واقفه فور سماعها كلماته الحاة تلك تتلملم في وقفتها و قد احتقن وجهها من شدة الانفعال هامسة بحرج و خوف منه في ذات الوقت
=حاضر...أمرك...
أمرك يا راجح باشا.
ولكن ما إن همت بالتوجه نحو الباب، حتى فُتح ودلف متولي إلى الغرفة بوجه مشرق، بينما تتبعه صدفة بعباءتها السوداء المهترئة الفضافضة.
وقفت صدفة بمنتصف الغرفة تمرر عينيها بارتباك بين كلا من راجح وعابد الراوي. شعرت برجفة من الذعر تمر بداخلها فور أن تقابلت عيناها بعيني راجح العاصفة، التي كان يسلطها عليها بنظرات قاتلة سامة، ممتلئة بالاحتقار والغضب.
أشاحت نظراتها بخوف بعيدًا عنه، بينما يتردد في الغرفة الصوت الغليظ لعابد الراوي، وهو يرمقها هو الآخر بنظرات رافضة حادة.
"مقولتلناش رأيك إيه يا سانيورا؟"
ابتلعت صدفة الغصة التي تشكلت بحلقها، محاولة استجماع شجاعتها، هامسة بصوت مرتجف بالقرار الذي اتخذته بعد تفكير طويل ليلة أمس.
"مش... مش موافقة."
ارتسم الارتياح على وجه عابد فور سماعه كلماتها تلك، بينما صاح متولي، زوج والدتها، بغضب، وهو يضربها بقبضته الضخمة في ظهرها، مما جعلها تصرخ متألمة.
"بتقولي إيه يا بنت الكلب... انتي اتجننتي؟"
صاحت صدفة بحدة، وهي تحاول الابتعاد عن ضرباته الغاشمة لها.
"ده اللي عندي، مش عايزة اتجوزه... أنا حرة."
اندفع نحوها متولي وهو يزمجر بغضب، محاولًا الإمساك بها والهجوم عليها مرة أخرى.
"ليه هو كان بمزاجك يا بنت الرافدي؟"
قاطعه الصوت الصارم لراجح، الذي انتفض واقفًا، وعيناه مسلطة على صدفة بقسوة.
"سيبونا لوحدنا."
هتف عابد وهو يقف هو الآخر، موجهًا حديثه لوالده.
"يعني إيه نسيبكوا لوحدكوا... هتتكلم معاها في إيه، ما خلاص قالت رأيها... وانتهينا."
تجاهله راجح كما لو أنه لم يتحدث، قائلاً بصرامة وقسوة، وعيناه لا تزال مسلطة على صدفة الواقفة بوجه شاحب.
"قولت سيبونا لوحدنا."
جذب عابد طرف عباءته بحده، واضعًا إياها فوق كتفه، زاجرًا راجح بغضب، متمتمًا بكلمات قاسية لاذعة، قبل أن يخرج من الغرفة، ليتبعه سريعًا كلا من أشجان ومتولي، الذي أسرع بغلق الباب خلفه، تاركًا إياهم بمفردهم.
شعرت صدفة بضربات قلبها تتقافز داخل صدرها من شدة الخوف. ظلت متجمدة مكانها، تشعر بقدميها كالهلام، غير قادرة على تحريكهم.
بينما وقف راجح يتفحص تلك المخادعة التي اتهمته بأكثر تهمة وضيعة ممكن أن يتهم بها الرجل، ألا وهي محاولة اغتصاب امرأة ما.
فمنذ صغره، اتخذ على نفسه عهدًا ألا يسمح لشهواته أن تتحكم به وقيادته، وألا يجرح امرأة حتى ولو بنظرة واحدة، متخذًا على نفسه عهدًا ألا يصبح كالرجل الذي أنجبه.
لكن أتت تلك واتهمته بما لم يفعله ولن يفعله أبدًا بحياته، لتجعله بنظر والده نسخة من الرجل الذي اغتصب والدته.
راقبته صدفة بعينين متسعتين ممتلئتين بالذعر، بينما يتقدم نحوها بخطوات بطيئة متمهلة. لكن ما بث الرعب بداخلها الغضب والشراسة المرتسمان على وجهه، مما جعلها تتراجع إلى الخلف بتعثر، لكنها تجمدت بمكانها عندما شعرت بالحائط يضرب ظهرها من الخلف، مما جعلها محاصرة بينه وبين جسده الصلب الذي أصبح يقف أمامها مباشرة. أخذت دقات قلبها تزداد بعنف، حتى ظنت بأن قلبها سيغادر جسدها بأي لحظة من سدة الخوف.
انتفضت صارخة بفزع عندما انحنى نحوها، قابضًا على عنقها بيده، يضغط عليه بقوة، هامسًا بالقرب من أذنها بصوت شرس يملؤه الغضب.
"سامعيني بقي كنت بتقولي إيه..."
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الرابع 4 - بقلم هدير نور
جذب عابد طرف عبائته بحدة واضعًا إياها فوق كتفه، زاجرًا راجح بغضب، متمتمًا بكلمات قاسية لاذعة قبل أن يخرج من الغرفة، ليتبعه سريعًا كلا من اشجان ومتولي، الذي أسرع بغلق الباب خلفه، تاركًا إياهم بمفردهم.
شعرت صدفة بضربات قلبها تتقافز داخل صدرها من شدة الخوف، ظلت متجمدة مكانها، تشعر بقدميها كالهلام، غير قادرة على تحريكهم.
بينما وقف راجح يتفحص تلك المخادعة التي اتهمته بأكثر تهمة وضيعة ممكن أن يتهم بها الرجل، ألا وهو محاولة اغتصاب امرأة ما.
فمنذ صغره اتخذ على نفسه عهدًا ألا يسمح لشهواته أن تتحكم به بقيادته، وألا يجرح امرأة حتى ولو بنظرة واحدة، متخذًا على نفسه عهدًا ألا يصبح كالرجل الذي أنجبه.
لكن أتت تلك واتهمته بما لم يفعله ولن يفعله أبدًا بحياته، لتجعل منه بنظر والده نسخة من الرجل الذي اغتصب والدته.
راقبته صدفة بأعين متسعة ممتلئة بالذعر، بينما يتقدم نحوها بخطوات بطيئة متمهلة، لكن ما بث الرعب بداخلها الغضب والشراسة المرتسمان على وجهه، مما جعلها تتراجع إلى الخلف بتعثر، لكنها تجمدت بمكانها عندما شعرت بالحائط يضرب ظهرها من الخلف، مما جعلها محاصرة بينه وبين جسده الصلب الذي أصبح يقف أمامها مباشرة.
أخذت دقات قلبها تزداد بعنف، حتى ظنت بأن قلبها سوف يغادر جسدها بأي لحظة من شدة الخوف.
انتفضت صارخة بفزع عندما انحنى نحوها، قابضًا على عنقها بيده، يضغط عليه بقوة، هامسًا بالقرب من أذنها بصوت شرس يملؤه الغضب:
= سامعيني بقي كنت بتقولي إيه.
همست صدفة باختناق، بينما تحاول بصعوبة إبعاد يده التي كانت تعتصر عنقها:
= مش هتجوزك... وابعد عني... ابعد عني أحسن لك، بدل ما أصوت وألم عليك الناس كلها.
قاطعها مزمجرًا بشراسة، وقد اشتدت قبضته حول عنقها، مما جعل وجهها يزرق من شدة الاختناق:
= صوتي... صوتي زي ما صوتي في المخزن عشان تلبسني مصيبتك.
ليكمل بفحيح حاد ونبرة متوعدة مليئة بالغضب:
= بس قسماً بالله المرة دي لأعمل اللي كان المفروض كنت أعمله لما اتبليتي عليا، هقطعلك لسانك اللي كدبتي به.
شحب وجه صدفة بخوف فور سماعها تهديده هذا، لكنها هتفت بحدة متصنعة عدم الفهم، وهي لازالت تحاول فك حصار قبضته عن عنقها:
= كذب إيه... أنا ما كدبتش.
لتكمل بإصرار وثقة كاذبة تنافي ارتجاف جسدها من شدة الخوف:
= ما أنت فعلا اتهمت عليا وحاولت تغتصبني وأنا...
لكنها ابتلعت باقي جملتها، مطلقة صرخة متألمة عندما قبض على فكها بيده، يعتصره بقسوة هو الآخر، حتى كادت عظام فكها أن تنكسر بين أصابعه، هاتفا بقسوة:
= انتي هتستعبطي يا روح أمك... هو أنا كنت لمستك.
ليكمل بخشونة وعيناه تنطلق من شرارات الغضب والانفعال، وهو يكاد أن يفقد السيطرة على أعصابه ويقوم بقتلها:
= لو فاكرة إني راجل أهبل وهياكل معايا الجو اللي بتعمليه ده، تبقي غبية، ده أنا راجح الراوي اللي المنطقة كلها تقف له على رجل واحدة.
اشتدت قبضته حول فكيها، مما جعلها تصرخ باكية، زمجر بحدة غير متأثرًا بألمها هذا:
= فاكرة يا بت انتي أنا مش عارف الفيلم الوسـ.ـخ اللي عملتيه، انتي شوفتيني ليلتها داخل مكتب المخزن، وكنت عارفة إن العمال وخدينا إجازة في اليوم، جريتي على المخزن وقطعتي هدومك وفضلتِ تصوتي عشان أجري ألحقك وأوقعك.
و أكيد برضو شوفتي أبويا قاعد مع الشيخ ناصر على القهوة اللي قصاد المخزن قبل ما تدخلي، فكرتي إنك كده بتلبسني، و طبعاً عشان تسـ.ـبكي الدور جيتي قبلها بيوم واتهمتيني قدام أبويا إني اتحرشت بيكي، مش كده. طمعتي، فكرتي إنه هيديكي قرشين عشان يسكتك ومتتكلميش.
هزت صدفة رأسها ببطء، هاتفة باعتراض، وقد صعقها ما توصل إليه من كل ما حدث، ترغب بإخباره الحقيقة، لكنها خائفة من أن يخبرهم ويقوموا بتزويجها لأشرف:
= أنا معملتش حاجة ولا فكرت في حاجة من اللي قولتيها دي.
لتكمل بهستيرية ويأس، عندما لوى فمه بسخرية دلالة على عدم تصديقه لها، وعيناه تلمع بازدراء:
= بدل ما تلومني أنا إن أبوك صدقني وكدبك، شوف أنت عملت إيه يخلي أبوك يصدق على طول إنك تعمل كده من غير ما يتردد ولو للحظة، أكيد ليك سوابق قبل كده، شوف بقى كام واحدة عملت فيها كده خلت أبوك يـــــ ......
قطعت جملتها صارخة بفزع عندما اندفع للأمام فجأة، ضاغطًا إياها على الحائط بقسوة بجسده، وقد أشعلت كلماتها تلك بداخله نيران السعير الذي يكوي أعماقه بسبب عدم ثقة والده به، رغب بقتلها بسبب ضغطها على نقطة ضعفه هذه.
غرز أصابعه في عنقها، بينما تتقافز من عينيه شرارات الغضب، صائحًا وهو يقرب وجهه منها:
= وحياة أمك لهدفعك تمن اللي قولتي ده غالي أوي.
ليكمل وتعبير وحشي يرتسم على وجهه:
= لما قولت هتجوزك كان ليا هدف من ورا الجوازة دي... بس دلوقتي بقوا هدفين.
قرب وجهه منها ينظر إليها بعينين تلمع بنيران الغضب والكراهية، مما جعلها تخفض عينيها في ذعر:
= أول هدف ميخصكيش إنك تعرفيها، أما تاني هدف بقى، إني هربيكي، هخليكي تندمي على اليوم اللي فكرتي فيه توقعي راجح الراوي في لعبتك الوسخة دي.
قاطعته هامسة بصوت منخفض مختنق، وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة الخوف، واضعة يدها فوق يديه التي تحاصر وجهها وعنقها، محاولة نزعها:
= بس أنا برضو مش هتجوزك.
أحنى فمه بسخرية، بينما ضاقت عيناه محدقًا بها بقسوة، وهو يغمغم بصرامة:
= هتتجوزيني... ولو فكرك إنك لما ترفضي الجواز مني أبويا هيديكي قرشين عشان يسكتك ومتفتحيش بوقك تبقي هبلة... وأوعي تفتكري إنك وقعتيني بلعبتك الوسخـ.ـه دي، لا... أنا واقع فيها بمزاجي، أنا كنت أقدر أحميكي من على وش الدنيا بسبب كدبك وبجاحتك.
حرر عنقها وفكها من يديه، مما جعلها تتأوه بألم، بينما تفرك عظام فكيها وعنقها بيدين مرتجفتين:
= هتتجوزيني وإلا قسماً عظماً أطلع حالا أقول لجوز أمك إنك كنت ماشية معايا في الحرام ومش بعيد تبقي حامل مني.
ليكمل بخشونة وقسوة، وهو يرمقها بنظرات حادة ممتلئة بالازدراء:
= وأكيد هيصدقني، أصل زمانه قاعد برا دلوقتي هيموت ويعرف إزاي واحد زي يتجوز واحدة زيك.
مدت الأرض تحت قدميها، وقد فرت من جسدها الدماء فور سماعها كلماتها تلك، همست بصوت ضعيف مرتعش:
= هتتبلي عليا وتطعني في شرفي؟
أجابها بسخرية لاذعة، بينما يتطلع إليها بعينين تلمعان بالاحتقار:
= ومالك مصدومة أوي كده ليه؟
ده على أساس إنك متبتليش عليا بالكذب.
ليكمل وهو يهز رأسه بقوة قائلاً بصوت قاطع صارم:
= اعتقد إننا كده متفقين.
راقب برضا صمتها بينما تخفض وجهها الشاحب بانهزام. اتجه نحو باب الغرفة يفتحه منادياً على متولي زوج والدتها. ليدلف الجميع الغرفة مسرعين، من بينهم عابد الراوي بوجهه المتجهم.
تحدث راجح بينما عيناه مسلطة بتركيز على تلك الواقفة بجانبه:
= اعمل حسابك يا متولي، الفرح هيبقى بعد أسبوع يعني الخميس الجاي.
تهلل وجه متولي بالفرح فور سماعه ذلك، بينما اسود وجه عابد بالغضب وقد تشدد جسده بقسوة راغباً بالهجوم على راجح وهزه بيديه تلك، لعله يفيق من المصيبة التي سيرتكبها. لكنه ظل بمكانه ثابتاً، حيث كان يعلم مدى عناد ولده الذي لن يغير رأيه أبداً.
اقتربت أشجان من صدفة وعيناها مسلطة عليها بتركيز. أمسكت وجهها قائلة بخبث ووشك وهي ترفع وجهها للأعلى:
= ماله وشك ماله أحمر كده ليه؟
جذبت كلماتها تلك انتباه راجح، مما جعله ينتبه إلى العلامات الحمراء التي تملأ وجنتيها التي تركتها أصابعه عليها. أسرع بالقبض على ذراع صدفة جاذباً إياها بجانبه، بينما يجيب هو عليها:
= من الكسوف يا ست أشجان، اعذريها.
هزت أشجان رأسها بالرفض وعيناها لازالت مسلطة على العلامات التي تملأ وجنتي صدفة:
= بس في علامات على وشها دي زي ما تكون...
قاطعها راجح بقسوة جعلتها تنتفض في مكانها:
= قلت من الكسوف يا ست أشجان، فيه إيه؟
ليكمل بفظاظة وحدة:
= ما تعملنا الشربات وسمعينا زغروطة.
هزت أشجان رأسها بعصبية بينما تخرج مسرعة من الغرفة وهي تزغرط بصوت منفعل، مما جعل الصوت يبدو كالصراخ.
التف راجح إلى متولي قائلاً وابتسامة راضية تملئ وجهه:
= نتفق يا حاج متولي على التفاصيل.
أومأ متولي بسعادة متجاهلاً زفرات عابد الغاضبة وشحوب وجه صدفة التي كانت تنظر أسفل قدميها بأعين متحجرة، وقد أدركت أنها أوقعت نفسها بمأزق لا تعلم كيف ستنجو منه.
بعد مغادرة راجح الراوي ووالده، ظلت صدفة جالسة تتطلع أمامها بصمت، كما لو كانت في صدمة. لا تصدق أنها بعد أسبوع واحد سوف تكون زوجة راجح الراوي الذي أخبرها بصياحه أنه سوف يجعلها تدفع ثمن كذبها. شعرت بغصة من البكاء ترتفع بداخلها من شدة اليأس الذي تمكن منها بهذه اللحظة عند إدراكها أنه ليس هناك مهرب من ورطتها تلك.
خرجت من شرودها على صوت متولي الغليظ الجالس بجانبها:
= ده عايز يتجوزها بعد أسبوع، هنجيب إزاي جهازها في الوقت ده واحنا محلتناش جنيه واحد.
أجابته أشجان بحدة، ولازالت نيران الغيظ والغيرة تشتعل بصدرها. لا تصدق حتى الآن بأن تلك المعتوهة ستتزوج من راجح الراوي. فقد حاولت أن تخرب عليها الزيجة، لكنه كان مصر على زواجه منها. لازال عقلها يجد الصعوبة في تصديق بأن كبير المنطقة يرغب بالزواج بها، كيف يحدث ذلك.
= جهاز إيه اللي بتتكلم عنه، انت فاكرها مين؟ تروحله بشنطة هدومها وهو يبقى يجيب لها كل حاجة، هو اللي عنده قليل. هبقى أنزل استلقط لها كام عباية من محل البالة اللي على أول الشارع وخلاص.
غمغم متولي بتردد:
= إزاي بس يا أشجان تخرج من غير جهاز؟ بعدين يوم العزال الناس كلها هتقف مستنية تتفرج جبنا إيه لبيت الراوي، هياكلوا وشنا.
قاطعته أشجان بحدة وغيظ:
= ما ياكلوا يا أخويا، يعني هنسرق ولا هنسرق عشان نجهز عيونها.
لتكمل بغل وعيناها المسلطة على صدفة تنبثق منها شرارات الغيرة والغيظ:
= بعدين هيستنوا إيه منها يعني، دي حيالله بايعة فول وطعمية بعباية مقرحة وشبشب مقطع. أنا عارفة راجح الراوي اطس في نظره عشان يتجوز الجاموسة دي.
كانت صدفة تستمع إلى حديثهم هذا بصمت، إلا أنها لم تعد تحتمل عند كلماتها الأخيرة تلك. انتفضت واقفة هاتفة بغضب وقد ألمتها كثيراً كلماتها تلك:
= بقولك إيه، لمي لسانك، بدل ما أقسم بالله أخلي الشارع كله يتفرج عليكي. أنا أصلاً مش طايقة نفسي.
نفخت أشجان في صدر عباءتها التي جذبتها بطرف أصبعيها هاتفة بتهكم لاذع:
= اسم الله، اسم الله، تصدقي يا بت خوفت منك واترعبت.
تجاهلتها صدفة، ملتفة إلى متولي الجالس يتابع ما يحدث بينهم بصمت يتخلله القلق:
= أنا هخرج من البيت ده ورأسي مرفوعة قدام الناس كلها زي ما أمي كانت عايزة دايماً، يوم فرحي.
لتكمل وهي تخرج من الغرفة بخطوات مسرعة:
= تعالي ورايا يا عم متولي.
ثم اتجهت إلى الغرفة التي تحتفظ بباشياء والدتها بها، والتي أصرت على متولي عندما أتى بأشجان لكي تعيش معه بالشقة بعد وفاة والدتها أن تحتفظ بتلك الغرفة مغلقة، حيث كانت تضع بها أشياء والدتها ودائماً ما كانت تحتفظ بمفتاحها معها.
هتفت أشجان بحدة بينما تتبعها:
= هندخلنا أوضة كراكيب أمك نعمل إيه، هنحضر روحها.
تجاهلتها صدفة وأخرجت مفتاح الغرفة من صدرها، ثم فتحت الباب ودلفت إلى الداخل، ليتبعها متولي. أشعلت الإضاءة، ثم التفتت إلى متولي مشيرة بيدها إلى الصناديق التي تملأ الغرفة:
= الحاجة دي كلها جهازي و...
قاطعتها صوت صراخ أشجان الواقفة بمدخل الغرفة تتطلع بأعين متسعة إلى الصناديق التي تملأ الغرفة:
= إيه ده كله يا بنت صباح.
لتكمل وهي تتقدم لداخل الغرفة تفتح الصناديق وتتفحص ما بداخلها، ونيران الغل تشتعل بداخلها أكثر وأكثر كلما رأت مدى جمال وروعة الأشياء. فقد كانت الصناديق مليئة بصحون خزافية رائعة، وأطقم عديدة من الكؤوس والأكواب الزجاجية الرائعة، وجميع أنواع أطقم الحلل من تيفال لجرانيت، والكثير من مفارش الفراش زاهية اللون والجمال.
هتفت بحدة وهي تضرب بيدها أحدى الصناديق:
= جبتي ده كله منين.
يا بت
اجابتها صدفة بهدوء وهي تهز كتفيها ببرود
أمي الله يرحمها كانت بتجهزني وبتشيل حاجات ليا من وأنا لسه عندي 10 سنين......
هتف متولي مؤكداً على كلماتها بينما عينيه تمر بفرح على الصناديق
أيوه صحيح صباح كانت بتجيب حاجات ليكي وبتعينها ازاي تاهت دي عن بالي....
قاطعته أشجان بحدة ضاربة إياه على صدره
تعرف تتنيل تسكت وتنقطنا بسكاتك.....
لتلتف نحو صدفة مغمغمة بسخرية لاذعة رافعة إحدى حاجبيها بتشكك واضح
وأمك بقى الله يرحمها ويفشفش الطوبة اللي تحت راسها كان أيام ما كان عندك 10 سنين كان فيه أطقم حلل سيراميك وجرانيت والكاسات الكريستال....
انتي هتستعبطي يا روح أمك الحاجات دي لسة طالعة مبقالهاش كام سنة...
جزت صدفة على أسنانها بغيظ
لا ما الجرانيت والحلل دي أنا اللي جايباها...
وضعت أشجان يديها حول خصرها مائلة بجسدها للأمام
وجبتي بقى فلوسهم منين يا ننوس عين أمك...ودخلتيهم الأوضة إزاي من غير ما نحس ولا نعرف
التف متولي خارجاً من الغرفة فقد كان يعلم العاصفة التي ستحدث تالياً لذا فضل الهرب قبل أن تجعله زوجته تتدخل بينهم ولن يسلم من لسانها المؤذي.
وقفت صدفة تنظر إليها بصمت عدة لحظات قبل أن تدرك أن هذه فرصتها لتخلق معها مشكلة حتى تترك المنزل وتذهب للمبيت بمنزل أم محمد لحين موعد الزفاف فلا يمكنها البقاء في ذات المنزل مع أشرف بعد ما حدث فبرغم تأكيد أشجان أنه قد سافر صباح اليوم إلى محافظة دمياط للعمل بها فقد كانت تعلم بأنه قد فر هارباً خوفاً من أن تقوم بفضحه إلا أنها رغم ذلك لازالت خائفة من عودته.
جبتهم بفلوسي....وادخلتهم زي ما دخلتهم انتي مالك
صاحت أشجان شاهقة بحدة
فلوسك...اهااا يعني كنت بتغفلينا وبتلهفي نص اليومية اللي بتطلعلك علشان تجهزي نفسك...
اقتربت منها صدفة راسمًة على وجهها ابتسامة واسعة باردة محاولة استفزازها
اها...اومال كنت أديكي اليومية كلها علشان تصرفيها على كرشك وعلى ابنك الحشاش...
اندفعت نحوها أشجان تقبض على شعرها تجذبه بقوة وهي تصرخ بغضب
بقي بتعيرني يا بنت الـ.ـكلـ.ـب بتشتمي ابني ده سيدك وتاج راسك...
أخذت صدفة تصرخ بأعلى صوت لديها بانفعال وكان الصوت مرتفعاً لا يستدعيه الأمر مما جعل أشجان تنتفض مبتعدة عنها تتطلع إليها بصدمة بينما دلف للغرفة متولي راكضاً وهو يهتف بذعر
في إيه يا أشجان الله يخربيتك قتلتيها ولا إيه....
ثم قطع باقي جملته عندما رأى صدفة ملقية على الأرض وهي لازالت تصرخ باكية وهي تمسك ببطنها هتفت كاذبة
مراتك قعدت تضربني في بطني وقالتلي هتوديني لبيت الراوي مكسحة على رجلي.....
صرخت أشجان بدهشة وانفعال
أنا يا بت...!
أومأت صدفة برأسها وهي لازالت تصرخ متألمة مما جعل أشجان تندفع نحوها تحاول ضربها وهي تهتف بغضب
اها يا بنت الـ.ـكلـ.ـب يا كدابة.
لكن أسرع متولي بإمساكها محاصراً إياها بين ذراعيه وهو يهتف بغضب
اهدّي بقى يا أشجان راجح الراوي لو عرف هيطين عيشتنا.....
انتفضت صدفة واقفة مندفعة نحو الباب خارجة صارخة وهي لازالت تتصنع البكاء
أنا ماليش قاعد في البيت ده أنا أخاف على نفسي أقعد مع الست دي أنا هروح أقعد عند أم محمد....
صرخ خلفها متولي بفزع
خدي هنا يا بت يا صدفة اعقلي....
بينما نزعت أشجان خفها الذي ترتديه بقدميها ملقية إياه به وهي تصرخ بغيظ وغضب
في ستين داهية تاخدك انتي واللي جابوكي.....
حاول متولي التحدث ومنعها من الذهاب لكنها أسرعت خارجة من باب المنزل راكضة بأسرع سرعة لديها وعلى وجهها ترتسم ابتسامة ممتلئة بالسعادة لنجاح خطتها.
ركض متولي خلف صدفة يحاول اللحاق بها لكن أوقفه صراخ أشجان باسمه
متووولي ..إيه هتجري وراها تراضيها وهي اللي شتماني ومبهدلاني...
تراجع متولي للخلف مبتعداً عن باب المنزل قائلاً بحدة
مبهدلاكي إيه يا أشجان ده انتي عدمتي البت العافية ضرب وشتيمة.....
ضربت الأرض بقدمها صائحة بغضب من بين أسنانها ونيران الحقد تشتعل بصدرها
انت بتكدبني...وبتصدقها...
لتكمل وهي تدفعه في كتفه متجاوزة إياه في طريقها المنزل
طيب وحياة ابني ما أنا قعدالك فيها وابقى خليها تنفعك هي ونسب عيلة الراوي اللي هتريل من ساعة ما عرفت....
انتفض بفزع ممسكاً بذراعها محاولاً جذبها للداخل فور إدراكه أنها تنوي المغادرة بالفعل.
اعقلي يا أشجان مش كده..
لكنها دفعته بكل قوتها في صدره ثم خرجت من المنزل وهي تهمهم بشتائم متوعدة له ولصدفة.
بمنزل الراوي....
جلس راجح ينظر بصمت إلى والدته التي كانت جالسة بجانبه تبكي بهستيريا وانفعال فمنذ أن أخبرها بزواجه من صدفة وهي على حالتها تلك تبكي أحياناً وأحياناً تصرخ محاولة إرجاعه عن فكرته تلك.
ضربت نعمات بيديها على فخذيها وهي تصرخ باكية بحسرة بينما تحدث نفسها في ذهول.
بقي أنا ابني زينة الرجالة...كبير السيدة اللي بنات المنطقة يتمنوا نظرة منه يوم ما يتجوز...يتجوز حتة بياعة طعمية وبتنجان مخلل...صدفة... صدفة اللي الكلب يقرف يبصلها.
لتكمل بشهقات بكاء ممزقة بينما تربت بلطف على صدر راجح.
علشان خاطري علشان خاطر أمك يا ضنايا...سيبك من الجوازة دي وأنا...أنا هجوزك ست البنات كلهم.....
ربت راجح على يدها بحنان وقلبه ممزق من رؤيته لها وهي بحالتها تلك.
مينفعش...مينفعش ياما صدقيني....
همست نعمات وهي تتطلع إليه بذهول.
يعني إيه مينفعش.....
لتلتف نحو زوجها الجالس على المقعد الذي أمامها بصمت ووجه مكفهر صائحة بهستيريا.
ما تنطق يا عابد...انت هتسيبه ينفذ اللي في دماغه ده....
انتفض راجح واقفاً مزمجراً بقسوة غير معطياً لعابد الفرصة بالرد.
الموضوع منتهي ياما ملوش لازمة الكلام الكتير فيه...واعملوا حسابكم العمال هتيجي بكرة تشطب الشقة بتاعتي اللي فوق وبعدها العفش هايجي ويتفرش.....
أنهى جملته منحنيًا مقبلاً رأس والدته الباكية التي كانت تنظر إليه بأعين مليئة بالتوسل والرجاء.
لكنه تجاهلها وغادر الغرفة سريعاً بخطوات واسعة متجهاً نحو غرفته وشعور بالثقل يملأ صدره فأخر شيء يرغب به بهذه الحياة هي رؤية والدته تبكي بهذا الشكل فهي الشخص الوحيد الذي يحبه حقاً.
ظلت نعمات تراقبه وهو يغادر والدموع تنحدر على خديها بغزارة لطمت خديها بيديها وهي تطلق صرخة منخفضة.
هتف عابد بغضب وقد سأم من مشاهدته لها تفعل تلك الأشياء حيث تلطم وجهها بلطمات متتالية منتحبة بحسرة.
ما تهدي بقى يا نعمات وكفاية نواح صدعتيني..
هتفت بحدة زاجرة إياه بغضب.
أنا مش بنوح انت اللي بارد ومش همك إنه هيضيع مستقبله.....
لتكمل باكية وهي تحدث نفسها بحسرة.
بقي يرفض بسنت بنت خاله المتعلمة بنت الحسب والنسب اللي تقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك ويروح يتجوزلي صدفة بياعة الطعمية أم عباية أتقرف أعملها قماشة للمطبخ...ده لا مال ولا جمال علشان أقول زغللة عينيه أكيد في إيه في الموضوع...
هتف عابد مقاطعاً إياها بارتباك وخوف من اكتشافها لدوره في هذه الزيجة فلولا ضغطه عليه ومقارنته إياه بوالده الحقيقي ما كان عاند معه وتزوج بتلك الفتاة.
إنه إيه وهباب إيه انتي هتعملي فيلم وهتصدقيه يا ولية كل الحكاية البت عجبته وقرر يتجوزها خلصنا مش حكاية.....
هتفت نعمات بغضب.
مش حكاية...!! ده مستقبل ابني.....
قاطعها عابد بحدة وقد فقد السيطرة على أعصابه.
ابنك، ابنك لا مش ابنك يا نعمات وكفاية بقى قرفتني....
انتفضت نعمات واقفة على قدميها بحدة فور سماعها كلماته تلك منحنية نحوه وعلى وجهها ترتسم شراسة موحشة.
قطع لسانك...ده ابني وحتة من قلبي وروحي كمان....
اتسعت عينين عابد بذهول من رؤيته لها على حالتها تلك التي لأول مرة يراها بها.
بتشتميني يا نعمات هي حصلت......
ابتعدت عنه تستقيم في وقفتها متجاهلة كلماته تلك لتكمل بحدة وتصميم ولازال التعبير الشرس مرتسماً على وجهها.
اسمع وركز في كلامي ده كويس راجح ابني ضنايا...اها أنا مخلفتهوش من بطني بس أنا واخداه في حضني وهو حتة لحمة حمرا ابن يوم واحد...أول فرحتي عوض ربنا لينا بعد ما كنت مش بتخلف فاكر ولا أفكرك.....
لتكمل وهي تتطلع إليه بقسوة.
وأقولك حاجة كمان راجح عندي في كفه وانت وولادك وأهلي كلهم في كفه تانية يعني قسماً بالله يا عابد يا راوي لو نطقت بالكلام ده تاني ما أقعد على ذمتك يوم واحد...
ثم تركته وغادرت الغرفة وهي تبكي بحرقة وألم.
ظل عابد يتطلع بصدمة في أثر زوجته وهو يشعر بالصدمة فلأول مرة تقف أمامه هكذا وتتحدث معه بتلك الطريقة فهو يعلم مدى تعلقها وحبها لراجح لكن لم يتخيل أنها يمكنها أن تقف بوجهه من أجله.
فماذا ستفعل إذا علمت ما قاله له وماذا ترتب على كلماته تلك فهو لا يستبعد أن تقوم بقتله.
زفر بحنق قبل أن ينهض ويتبعها حتى يقوم بمراضتها وإلا فإن أيامه القادمة ستصبح جحيم.
في اليوم التالي....
كان راجح جالساً بمكتبه يراجع بعض أوراق العمل عندما دلف عابد وجلس على الأريكة التي بأقصى الغرفة مغمغماً بحدة.
عجبك الفضيحة اللي عملتهالنا...متولي ما صدق ونشر الخبر للناس كلها إنك خطبت بنت مراته وكل اللي بيقابلني بيسألني إذا كان الخبر حقيقي ولا لأ طبعاً محدش مصدق ولا مستوعب إزاي ابني أنا...يتجوز بياعة الطعمية...
هز راجح كتفيه مغمغماً ببرود وعينيه لازالت مسلطة على الأوراق التي أمامه.
فضيحة ليه...هو الجواز الأيام دي بقى فضيحة..
ضغط عابد على مقبض عصاه بغضب وهو يجز على أسنانه هاتفاً بصوت مرتفع.
واد يا مصلحي.....
دلف إلى الغرفة على الفور شاب في أواخر العشرينات.
أيوه يا حاج عابد....
أشار بعصاه نحو راجح قائلاً.
روح هات فطار لسيدك راجح...
غمغم راجح بهدوء وهو لا يزال يفحص الورق.
مش عايز....
قاطعه عابد بسخرية لاذعة.
مش عايز ليه..
ده حتى من إيد خطيبتك اللي كلها يومين وهتبقى حرمك المصون.
همهم راجح بهدوء يعاكس الغضب المشتعل بداخله، فقد كان يحاول استفزازه. قبض بقوة على الورق الذي بيده حتى ابيضت مفاصله، محاولًا التحكم بأعصابه.
= صدفة مبقتش تنزل الشغل.
ضحك عابد بصوت مرتفع ساخرًا، وابتسامة صفراء ترتسم على شفتيه.
= كده... أومال مين دي اللي كانت قاعدة على الفرشة تقلي في الطعمية والبتنجان وأنا في طريقي لهنا؟
ليكمل محدثًا مصلحي:
= ميكونش خيالها ياض يا مصلحي.
ارتفع رأس راجح بحدة عن الأوراق فور سماعه ذلك، هاتِفًا بحدة يسأل مصلحي:
= الكلام ده حقيقي صدفة على فرشتها؟
هز مصلحي رأسه قائلًا بارتباك:
= أيوه يا راجح باشا، من صبحية ربنا وهي على فرشتها... حتى أنا لسه جايب منها ساندوتشين أفكر بيهم الصبح.
لم ينتظر راجح سامع باقي كلامه، حيث انتفض واقفًا مغادرًا المكان، متجاهلًا ضحكات والده الساخرة التي ملأت الأرجاء.
كانت صدفة جالسة تقلي الطعمية، بينما أم محمد جالسة بجانبها تتحدث معها محاولة إقناعها بأن تغادر.
= يا بنتي اسمعي الكلام... وروحي، هو مش راجح محرج عليكي تنزلي الشغل تاني؟
هزت صدفة كتفيها قائلة بعدم اكتراث:
= ما يقول زي ما يقول، وأنا أسمع كلامه ليه؟
نكزتها أم محمد في كتفها هاتفة بحدة:
= انتي... انتي مش هترجعي إلا لما يكسر لك رقبتك عشان تبطلي عندك ده أهو.
ابتلعت باقي جملتها هامسة بأذن صدفة بهلع وهي تضربها بذراعها:
= الحقي... الحقي راجح جاي علينا وغضب ربنا كله على وشه.
رفعت صدفة رأسها لتجده يتقدم نحوهم والنيران تلمع بعينيه، مما جعل رجفة من الخوف تزحف أسفل ظهرها.
هتف راجح بقسوة فور أن وصل إلى بسطتها:
= انتي بتنيلى إيه هنا؟
أجابته ببرود كاذب، بينما تتصنع انشغالها بتقليب الطعمية في المقلاة:
= بقلي طعمية... أعملك ساندوتش؟
زمجر بشراسة مقاطِعًا إياها:
= انتي هتستعبطي يا روح أمك، أنا مش منبه عليكي الفرشة دي متخطيهاش... فزي قومي روحي.
تجاهلته مستديرة نحو أم محمد التي كانت تراقب ما يحدث بارتباك، موجهة حديثها إليها:
= كفاية الطعمية دي لطلبية السانوتشات يا أم محمد، ولا أعمل دور كمان؟
نكزتها أم محمد في ذراعها وهي تتطلع إليها بتحذير.
بينما هتف راجح بحدة لاذعة، وقد أشعل تجاهلها له ذلك الغضب بصدره:
= قومي فزي بدل ما قسَمًا بالله أحط وشك في حلة الزيت اللي قدامك دي.
نظرت إليه بهدوء، راسمَة اللامبالاة على وجهها دون أن تتحرك من مكانها، محاولة إظهار القوة على الرغم من قلبها الذي كانت دقاته تعصف بداخلها من شدة الخوف. ربتت أم محمد على ظهرها هامسة لها برجاء:
= علشان خاطري قومي.
لكنها ظلت جالسة مكانها دون أن تتحرك، لكن عندما رأته يتحرك نحوها بوجه متصلب بالغضب والوعيد يلمع بعينيه، انتفضت من مكانها ناهضة منفذة أمره لتتجه نحوه هاتفة باستياء:
= اديني اتنيلت قومت أهو، عايز إيه بقي؟
زمجر بقسوة من بين أسنانه المطبقة:
= قدامي على البيت.
التفت تنظر باضطراب حولها، وقد لاحظت جميع من بالشارع أعينهم مسلطة عليهم يتابعون ما يحدث بينهم بفضول، فبالطبع بعد انتشار خبر خطبتهم التي سبب صدمة للجميع.
الفضول حول علاقتهم يقتلهم، لذا يراقبون كل حركة لهم بأعين متلهفة متصيدة، لذا قررت تنفيذ أمره حتى لا تسبب بفضيحة أخرى.
= هتزفت أروح حاضر.
قبض على ذراعها دافِعًا إياها أمامه بحدة:
= اتنيلى قدامي.
غمغمت بحدة بينما تتقدمه بخطوات غاضبة:
= هروح لوحدي، ريح نفسك أنتَ وارجع وكالتك.
دفعها أمامه مغمغمًا بتهكم لاذع:
= لا إزاي، لازم أوصل خطيبتي لحد باب بيتها، عايز الناس تاكل وشي.
لوت صدفة فمها هامسة محدثة نفسها:
= لا وأنت شهم أوي اسم الله عليك.
ضربها بظهر يده من الخلف هاتِفًا بحدة:
= بتبرطمي بتقولي إيه؟
زفرت بحنق هاتِقة بتأفف وهي تضرب الأرض بقدميها:
= مبتنيلش.
ليظلوا بعدها صامتين طوال الطريق إلى المنزل، بينما هي كانت تمشي أمامه وهو خلفها، لتقف بمنتصف الطريق مستديرة إليه قائلة بغيظ:
= على فكرة بقي من الاحترام إنك تمشي قدام وأنا وراك أو جنبك، علشان مينفعش أمشي قدامك وأنتَ قاعد تبحلق في جسمي.
قاطعها بسخرية بينما يقبض على مرفقها مُديرًا إياها لتكمل الطريق أمامه:
= أبْحَلِق في إيه؟ اتنيلى بالخيمة السودا اللي أنتِ لابساها دي، ده مش باين لك وش من قفا.
هتفت بحنق وهي تشعر بالإهانة من كلماته تلك، وهي تدفع يده بعيدًا عنها:
= خلاص، المرة الجاية هبقى ألبس لك المحزق والملزق وأنا بتعامل مع رجالة طول اليوم علشان...
وقبل أن تنهي جملتها، قبض على ذراعها موقفًا إياها، يديرها نحوه بحدة مزمجرًا من بين أسنانه المطبقة بقسوة:
= اظبطي نفسك... واعرفي أنتِ بتقولي إيه.
ليكمل وقبضته تتشدد على ذراعها بقسوة:
= ومن هنا ليوم الفرح لو لمحتك في الشارع هولع فيكي حية، فاهمة.
نزعت يدها من قبضته هاتفة باضطراب وخوف:
= فاهمة... فاهمة.
لتكمل بينما تشير إلى الشارع الذي يقع به مسكن أم محمد:
= أنا هبات النهاردة عند أم محمد.
قطب حاجبيه مستفسرًا بحدة:
= اشمعنى؟
أشارت نحو منزل متولي الذي كان يقع على بعد شارعين عن منزل أم محمد:
= اتخنقت مع المنيلة أشجان وهقعد عند أم محمد لحد يوم الفرح.
قاوم راجح بصعوبة الفضول من أن يعرف سبب شجارها مع زوجة متولي، قائلاً بهدوء:
= حد في بيت أم محمد دلوقتي ولا هتقعدي لوحدك لحد أم محمد ما ترجع؟
أجابته بينما تستدير وتدلف إلى الشارع:
= مريم ومحمد ولادها فوق.
أومأ بينما يتبعها حتى وصلوا إلى أسفل المنزل، وقبل أن تدلف للداخل هتف خلف بتحذير يتخلله التهديد:
= خليكي فاكرة لو لمحتك في الشارع هعمل فيكي إيه.
هتفت بسخرية دون أن تستدير إليه:
= حاضر... يا راجح باشا هفتكر.
ثم صعدت الدرج دون أن تلتفت إليه.
بعد مرور 5 أيام...
في الصباح الباكر لليوم المحدد لنقل جهاز صدفة إلى منزل راجح.
أخذت تتلفت حولها أشجان التي أمضت الأيام الماضية عند شقيقتها، رافضة محاولات متولي المستمرة لمراضاتها والعودة معه إلى منزلهم.
دَلَفت إلى شقتها بعد تأكدها من ذهاب متولي لعمله، اتجهت على الفور نحو الغرفة التي تحتفظ بها صدفة بجهاز زواجها. كان الباب مفتوحًا، كما تركته صدفة قبل ذهابها بعد مشاجرتهم سويا.
أخذت عينيها تمر بغل وحقد على كم الصناديق التي كانت تملأ الغرفة. غمغمت من بين أسنانها المطبقة بشراسة:
= بقي كل ده بنت صباح كانت مخبياه هنا طوال السنين اللي فاتت دي وأنا محلتيش طقم أطباق واحد عليه القيمة.
لتكمل بحقد وهي تتجه نحو إحدى الصناديق المعبأة بالأكواب الزجاجية، تحمله وتلقيه بقوة على الأرض، والغل والغضب يسيطران عليها، ليسقط على الأرض بقوة ويتحطم ما بداخله من أكواب وأشياء زجاجية، لتمتلئ الغرفة على الفور بشظايا الزجاج وهي تصرخ بغيظ وحقد:
= وديني ما هخلي لك حتى كوباية واحدة تتهنى بها.
ثم أخذت تلقي بصندوق تلو الآخر على الأرض، وعينيها تلمع بالفرح والشماتة، حتى لم يتبقَ صندوق واحد قد سلم من شرها وحقدها.
وبعد أن تأكدت بأنه لم يعد أي من الأطقم الزجاجية سليم وأنها قد هشمت جميعها.
أسرعت بإخراج مقص من حقيبتها، كانت قد أتت به من منزل شقيقتها، واتجهت نحو المفارش، أخذت تخرج الملاءات الخاصة بالفراش وتمزقها بغل بالمقص الذي بيدها، حتى أصبحوا خرقات بالية ممزقين، ألقت بهم على الأرض فوق الزجاج.
هتفت بحدة من بين أسنانها وهي تبحث بعينيها بين حطام الأشياء:
= البت دي حاطة هدومها فين مش لاقيها، مخبياها فين.
أخذت تبحث عنها لكنها لم تعثر عليها، لتظن بأنها لم تقم بشراء ملابس بعد، لتستمر بتمزيق وتدمير باقي الأشياء.
وبعد انتهائها، وقفت بمنتصف الغرفة تلهث بعنف محاولة التقاط أنفاسها المتلاحقة، ممسكة بين يديها بالمقص، بينما عينيها تمر برضا وفرح على أرضية الغرفة الممتلئة بجهاز عرس صدفة المدمر بأكمله.
= كده كله بقي تمام.
لتكمل بتشفٍ وابتسامة واسعة تملئ شفتيها:
= يا فضحتك اللي هتبقى بجلاجل وسط الناس لما راجح الراوي يجي بالعربيات وماتلاقيش طبق واحد تخرجي به من بيت أمك.
ثم اختطفت حقيبتها من على الأرض مغادرة الغرفة، مواربة الباب كما كان، ومن ثم غادرت المنزل سريعًا قبل قدوم أحد ويرآها هنا، فهي ستظل بمنزل شقيقتها حتى يأتي متولي لأخذها بنفسه من هناك حتى تبعد الشبهات عنها.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الخامس 5 - بقلم هدير نور
بعد عدة ساعات...
هتفت أم محمد بأنفاس متثاقلة وهي تصعد الدرج خلف صدفة، ناكزه إياها في ظهرها.
= يابت افردي بوزك يخربيتك.. ده منظر عروسة عزالها النهاردة وبكرة فرحها، الناس هتقول إيه؟
قاطعتها صدفة بحدة وهي تستمر في صعود الدرج المؤدي لشقة والدتها.
= حاضر هفرد وأشي، وهقوم أرقص بلدي كمان عشان هتجوز راجح الراوي اللي أنا دبسته في جوازتي بعد ما اتبليت عليه وحالف يمين تلاتة إنه يطلع عيني وعين اللي جابوني كمان.
همهمت أم محمد بصعوبة من بين لهاثها أثر صعودها الدرج.
= يا بت ما أنا عارفة كل ده، وعذراكي والله.. بس كل اللي يقابلك واحنا في الطريق ويبارلك لك، يلاقي بوزك مترين قدامك يسألني في إيه، أقوم متحججلهم بإن أشجان مقرفاكي.
لتكمل بينما تراقب صدفة وهي تضع المفتاح بباب الشقة.
= وبينى وبينك محدش لحد دلوقتي مستوعب إنك هتتجوزي راجح الراوي، مش عارفة المواكين عايزين إيه أكتر من إنكوا كتبتوا الكتاب والفرح كمان بكرة.
أطلقت صدفة ضحكة ساخرة بينما تفتح الباب.
= قوليلهم سحرتله وعملتله عمل سفلي وحطيتهوله في سندوتش الطعمية وجبته على بوزه.
دفعتها أم محمد بحدة في كتفها ضاحكة.
= يا بت اتهدي يخربيتك.
لتكمل هامسة وهي واقفة على مدخل الشقة مترددة بالدخول.
= بت، أوعي متولي جوز أمك يكون هنا، الراجل ده جسمي كله بيقشعر لما بشوفه.
شبكت صدفة ذراعها بذراع أم محمد جاذبة إياها للداخل.
= لا متخفيش، مادام الأنوار مطفية يبقى مش هنا ولا الحرباية مراته.
لتكمل بسخرية وهي تتجه نحو الغرفة التي تخزن بها جهازها.
= تلاقيه مستني عربيات النقل اللي راجح باشا هيبعتها عشان تنقل العزال، والمنيلة مراته تلاقيها عند...
لكنها ابتلعت باقي جملتها مطلقة صرخة مدوية فور فتحها الباب ورؤيتها للدمار الذي حل بالغرفة، فقد كان جميع جهاز عرسها الذي ظلت تجمعه هي ووالدتها طوال السنين الماضية، كان متناثرًا على أرضية الغرفة وقد أصابه الدمار تمامًا، كما لو إعصار قد حل عليه.
لطمت أم محمد التي كانت تقف خلفها على وجهها شاهقة بفزع وصدمة فور رؤيتها لهذا المشهد هي الأخرى.
بينما اندفعت صدفة لداخل الغرفة غير آبهة بشظايا الزجاج المتناثر على أرضية الغرفة، تلملم بيدها بقايا جهازها من فوق الأرض وعقلها لا يستوعب ما تراه عينيها. أمسكت بإحدى المفارش الممزقة ترفعها بيدها تتطلع إليها بأعين يملؤها الذهول والصدمة، لتنفجر باكية بشهقات ممزقة فور تذكرها أن والدتها من قامت بشراء هذا المفرش لها قبل وفاتها مباشرة. أخذت تبكي بهستيرية بينما عينيها تمر بحسرة على جهازها الذي أصبح مجرد خرق بالية وقطع من الزجاج.
انهارت على الأرض داخله في نوبة من البكاء الهستيري، لاطمة وجهها وهي تصرخ بألم وحسرة.
اندفعت نحوها أم محمد تمسك بذراعيها ترفعها منها وهي تهتف بخوف من أن تجرحها شظايا الزجاج.
= قومي، الإزاز هيعورك، قومي.
ارتمت صدفة بين ذراعيها باكية هامسة بصوت مرتحف متألم.
= شقا عمري، وعمر أمي راح.
أخذت أم محمد تربت على ظهرها بحنان محاولة تهدئتها، باكية هي الأخرى عاجزة عن قول شيء يخفف عنها، فما الذي يمكن أن يخفف عنها مصيبتها تلك.
دلف إلى الغرفة متولي الذي وصل للتو إلى المنزل وهو يهتف بحدة.
= إيه الصويت ده؟ في إيه؟
لكنه ابتلع باقي جملته يتطلع بصدمة للغرفة المتدمرة، بينما غمغمت أشجان من خلفه التي وافقت على العودة معه إلى المنزل هذه المرة بعد أن حققت هدفها.
= خير يا ولاد، في إيه؟ إيه الصويت ده؟
لتكمل شاهقة بمبالغة ضاربة يدها على صدرها متصنعة الصدمة.
= يالهوي، إيه اللي حصل للعفش؟
انتفضت صدفة واقفة هاتفة بشراسة وهي تندفع نحوها تقبض على شعرها بيديها الاثنين جاذبة إياه بكامل قوتها.
= بقي مش عارفة إيه اللي حصل للعفش يا حرباية؟
أخذت أشجان تصرخ محاولة دفعها بعيدًا، لكن ابت صدفة تركها حيث تشبثت يديها بشعرها أكثر جاذبة إياه بقوة مما جعل أشجان تصرخ بهستيرية.
= الحقيني، الحقيني يا متولي.
اندفع متولي نحو صدفة ممسكًا بذراعها يجذبها بعيدًا، لكن ليس بكامل قوتها حيث وجدها فرصة حتى يتشفى بأشجان.
لكنه اضطر بالنهاية جذب صدفة بعيدًا عنها عندما أصبح صراخ أشجان مرتفعًا بشكل هستيري مما قد يجمع الجيران عليهم.
نجح أخيرًا بابعاد صدفة عنها لكن بعد أن أخرجت بعضًا من شعرها بيدها.
اختبأت أشجان خلف ظهر متولي صارخة بانفعال وخوف عندما حاولت صدفة الهجوم عليها مرة.
= الحقني يا متولي، البت شكلها اتجننت.
صرخت صدفة بشراسة وهي تحاول بضراوة تجاوز متولي الذي وقف حاجزًا بينهم.
= اتجننت؟ انتي لسه شوفتي جنان، دمرتيلي شقا عمري يا مفترية، منك لله.
قبض متولي على ذراعها هاتفا بغضب وهو يدفعها بقوة إلى الخلف مما جعلها تترنح متعثرة حتى كادت أن تسقط على الأرض لولا أسرعت أم محمد بإسنادها بها من الخلف.
= ما تتلمي بقي يا بت، إيه محدش مالي عينك، هتمدي إيدك عليها تاني؟
ضربت صدفة يديها ببعضها البعض وهي تهتف بحدة وعينيها محتقنة كالدماء.
= بتشطر عليا أنا وبتعملي فيها راجل؟ روح اتشطر عليها اللي عاملاك مهزئة بين الخلق، ده انت مداس في رجلها.
صفعها متولي على وجهها بقوة هاتفا بشراسة وهو يقبض على شعرها يجذبه بعنف.
= مين ده اللي مداس؟ أنا راجل غصب عنك وعن أهلك يا بنت الكـ.ـلب.
ليكمل وهو يزيد من جذبه لشعرها بقسوة.
= إيه محدش مالي عينك، طايحة في الكل، بتضرب في ده شوية وبتشتمي ده شوية.
تدخلت بينهم أم محمد جاذبة إياها من يده قائلة بتلعثم وخوف.
= وحد الله يا عم متولي، هي متقصدش، هي محروقة على عفشها اللي باظ.
لتكمل وهي تنظر بحدة نحو أشجان التي كانت ترتسم على شفتيها ابتسامة ملتوية.
= وبصراحة بقى كده مفيش غير مراتك اللي عملت كده في الحاجة.
شهقت أشجان واضعة يدها حول خصرها وهي تهتف بحدة.
= حاجة إيه يا عمر اللي بوظتها؟ هو أنا كنت هنا أصلاً؟ ولا هو رمي بلا؟
لتكمل بصوت رقيق متصنعة البراءة واضعة يدها فوق صدر متولي.
= قولهم يا متولي، أنا كنت فين طول الأسبوع اللي فات؟ مش أنا كنت غضبانه عند أختي من بعد مشكلتي مع المحروقة دي وسيبتلك البيت ومشيت ومرجعتش إلا معاك النهاردة عشان بس قولتلي إن نقل عزالها النهاردة ومينفعش نسيبها لوحدها، مش كده؟
أومأ متولي قائلا بخشونة مؤكدًا على كلماتها.
= حصل، وأنا وهي لسه داخلين البيت حالًا، يبقى عملت كل ده إمتى؟
قاطعته صدفة قائلة ببكاء مرير وحسرة.
= منكم لله، حسبي الله ونعم الوكيل فيكم، أشوف فيكم يوم.
اندفع نحوها متولي وهو يزمجر بخشونة وقسوة.
= ما تلمي لسانك بقي يا بنت الرفدي، ما تخلينيش أمد إيدي عليكي.
أسرعت أم محمد بجذبها بعيدًا عنه بخوف وهي تتمتم بارتباك وهلع.
= خلاص يا عم متولي، أنا هديها، صبرك بس عليها، مش كده البت برضه مصدومة.
ثم جذبتها معها للخارج رغم مقاومة صدفة لها، لكنها دفعتها لداخل غرفتها مغلقة الباب عليهم، لتنهار صدفة على فراشها تنتحب باكية بشهقات ممزقة وصورة والدتها الحزينة أمام عينيها كما لو كانت تقف أمامها.
بعد مرور ساعتين.
فتح متولي باب الغرفة واقفا بوجهه محتقن والارتباك مرتسم عليه، غمغم بحدة.
= بت يا صدفة، راجح باشا مستني تحت ومعاه العربيات اللي هتنقل العفش، هنعمل إيه؟
ظلت صدفة جالسة على فراشها رأسها يستند إلى كتف أم محمد تتطلع أمامها بصمت دون أن تجيبه متجاهلة إياه.
اتخذ عدة خطوات للداخل متحدثًا بتوتر.
= بصي، انتي هتنزلي تقولي له سقف الأوضة وقع على العفش، وإن كله باظ، وإن مفيش حاجة تنقليها، وخليه يمشي العربيات اللي تحت دي.
رفعت صدفة رأسها بحدة من فوق كتف أم محمد فور سماعها كلماته تلك قائلة بقسوة وعينيها تتطاير منها شرارات الغضب.
= طيب، ما تشملل انت وتنزل تقوله البوقين الهبل دول اللي ميصدقهمش عيل صغير في أولى حضانة.
لتكمل وهي تمرر عينيها عليه من أعلى لأسفل بنظرات مليئة بالسخرية والازدراء.
= ولا خايف منه وجسمك بيرتعش وهتعملها على روحك؟
زمجر متولي بشراسة وهو يندفع نحوها يهم بضربها.
= ورحمة أمك ما هخلي عضمة فيكي سليمة.
انتفضت صدفة واقفة على الفراش وهي تهتف بحدة مستغلة خوف زوج والدتها من راجح لتحتمي به رغم علمها لو أن الأمر متروك له فسوف يمزقها هو بيديه بعد ما فعلته به.
= طيب، مد إيدك عليا كده وأنا أصرخ وأصوت، وشوف وقتها راجح اللي واقف تحت البيت ده هيعمل فيك إيه لما يسمعني ويعرف إنك مديت إيدك عليا.
تراجع متولي للخلف وقد ظهر على وجهه الخوف ليلتف نحو أم محمد قائلا بارتباك.
= شاهدة، شاهدة بنت الكـ.ـلب بتهددني بيه إزاي.
ليكمل بقسوة وهو يندفع خارج الغرفة بغضب.
= انزلي عرفيه إن مفيش عفش، بدل ما يطلعلك هو بنفسه، ولو سأل عني هخلي أشجان تقوله إني في الشغل.
شاهدت صدفة هروبه هذا بغضب هامسة باشمئزاز وهي تبصق خلفه.
= يا خي اتفو عليك صحيح، راجل ندل وواطي من يومك.
ربتت أم محمد على ظهرها عندما تعالت أبواق السيارات الواقفة أسفل المنزل تعجل إياهم.
= انزلي وعرفيه اللي حصل.
لتكمل وهي تناول إياها حقيبة الملابس الكبيرة الممتلئة بملابس عرسها التي كانت تخبئها أسفل فراشها.
= خدي شنطة لبسك دي قبل ما الحرباية تشوفها وتعمل فيها حاجة هي كمان، وخلي راجح يجيب عربية نقل على شقتي وننزل من هناك الحاجات التانية اللي كنت بتخبيها عندي، أي نعم هما مش كتير بس أحسن من مفيش.
أومأت لها صدفة بهدوء لتحمل الحقيبة وتهبط لمقابلة راجح المنتظر بالأسفل.
فور أن هبطت صدفة إلى الأسفل اجتاح قلبها غصة قاسية فور رؤيتها سيارة النقل المنتظرة لنقل جهاز عرسها الذي قامت بتدميره زوجة متولي، أدارت رأسها بعيدًا، لكن ما أن وقعت عينيها على راجح الذي كان يستند إلى سيارته بينما يدخن سيجارة بيده.
شعرت بضربات قلبها تتسارع بتوتر، فقد كان يبدو وسيمًا للغاية بقميصه الأبيض الذي يظهر عرض كتفيه وصدره العضلي. فقد كانت دائمًا معجبة به، لكن كان دائمًا يقتل إعجابها أسلوبه الفظ معها، بكل مرة يراها بها.
اتجهت نحوه بقدمين مرتجفتين بعض الشيء، حتى وقفت أمامه، واضعة بجانب قدميها حقيبة ملابسها. ثبتت نظراته عليها باهتمام وهو يدخن بعمق من سيجارته.
اندفعت في الكلام قائلة بسرعة، قبل أن تخونها شجاعتها:
"مفيش جهاز."
لتكمل بعصبية تكاد تصل إلى حد الهستيريا، وهي تستخدم الكذبة التي قام بتأليفها متولي، حيث لا يمكنها اتهام أشجان، فلن يصدقها، خصوصًا أنها أثبتت أنها لم تكن بالمنزل طوال الأسبوع المنصرم:
"العفش اللي في الأوضة كله اتكسر، سقف الأوضة وقع عليه، أصل كانت الرطوبة واكلاه."
انخفض صوتها ببطء عندما رأته ينظر إليها بصمت دون أن يبدي أي ردة فعل. كلامها، أخذت تنظر إليه بتوجس متسع بالارتباك، بينما تلوى أصابعها يدها بتوتر.
جذب راجح نفسًا عميقًا من سيجارته التي كانت لا تزال بين يديه، قبل أن يعتدل في وقفته فجأة ويقترب منها حتى أصبح لا يفصل بينهم سوى عدة بوصات قليلة، قائلاً بصوت حاد:
"هو أنا مش جيت في الأول وقولتلك مش عايز منك جهاز أو عفش، وإن الشقة جاهزة من كله. وإنتي اللي قولتي: لا أنا عفشي يطلع من بيت أمي زي باقي كل البنات. حصل ولا لأ؟"
أومأت برأسها بالموافقة، فهذا ما حدث بالفعل.
انتفضت في مكانها بفزع عندما زمجر بقسوة، وهو يلقي السيجارة من يده على الأرض، مقتربًا منها حتى أصبح لا يفصل بينهم سوى بوصات قليلة. حدقت في وجهه بخوف من لهيب الغضب الذي يلتمع في عينيه:
"يبقى لازمته إيه تكدبي وتألفي الفيلم العربي اللي عملاه دلوقتي ده، وأجيب في عربيات وأمشي عربيات؟"
ليكمل بقسوة لاذعة والاشمئزاز يسيطر على نظراته عليها:
"إنتي إيه معجونة بمية كذب؟ كل حاجة في حياتك كذب في كذب."
شهقت صدفة بصدمة فور سماعها كلماته تلك، فقد كان يظن أنها تكذب عليه، وأنه لم يكن يوجد أي جهاز عرس من الأساس. هتفت بارتباك، بينما تتراجع بقوة للخلف بعيدًا عنه:
"أنا مش كدابة ولا أنا بعمل أفلام. ولو مش مصدقني اطلع معايا أفرجك الأوضة المليانة بحاجتي المكسرة."
قاطعها بحدة، رافعًا يده بوجهها كإشارة على أن تصمت:
"مات الكلام. أنا لا طالع ولا نازل."
ثم التف إلى سائق سيارة النقل المنتظر بجانب سيارته، رافعًا يده إليه كإشارة، هاتِفًا بصوت مرتفع حتى يصل إلى مسمعه:
"معلش يا عم محمود، ارجع للمخزن، بس حسابك زي ما هو عندي."
أسرعت صدفة بالامساك بيده المرتفعة تلك، قائلة بلهفة:
"لا متخليهوش يمشي، في حاجات ليا في بيت أم محمد، هنروح نجيبها من هناك."
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما رأت عينيه مسلطة للأعلى، لتنتبه إلى يدها الممسكة بيده بقوة، مما جعل خديها يحترقان بالخجل. نفضت يدها بعيدًا عنه بارتباك.
بينما تنحنح راجح بخشونة، قبل أن يغمغم بحدة:
"أنا مش هروح في حتة. عايزة تروحي روحي إنتي معاه. كفاية إني جيتلك لحد هنا زي أي عريس أهبل مضحوك عليه."
ليكمل بسخرية لاذعة، بينما يتجه نحو باب سيارته:
"بعدين مش يمكن لو رحنا عند أم محمد نلاقي العفش اللي هناك سقف الأوضة وقع عليه هو كمان."
اشتعلت نيران الغضب بصدرها من إهانته تلك، هتفت بغيظ من خلفه، مسددة نحوه نظرات قاتلة:
"روح ربنا ياخدك يا بعيد."
أغلق راجح بعنف باب السيارة الذي كان قد فتحه، ملتفًا عائدًا إليها، مما جعلها تتراجع إلى الخلف بتعثر ووجهها يرتسم عليه الارتباك والخوف. قبض على ذراعها يعتصره بقوة، مزمجرًا من بين أسنانه المضغوطة بقسوة:
"لسان أهلك ده لو متلمش هقطعهولك، وأخلي حسابك معايا يتقل كمان."
دفعها للخلف بحدة، وهو يغمغم بازدراء، زاجرًا إياها بنظرات يملؤها الاحتقار والغضب، قبل أن يلتف عائدًا إلى سيارته مرة أخرى:
"جتك ستين نيلة في شكلك، عيلة تسد النفس."
اندلعت نيران الغضب داخل صدفة، التي لم تعد تستطيع تحمل إهانته المستمرة لها.
أعمها غضبها الذي كان أشبه بالأعصار بداخلها، أخذت تتلفت حولها بعصبية بحثًا عن شيء تضربه به. لتنحني سريعًا وتلتقط إحدى الأحجار من الأرض، وما إن رفعت يدها عاليًا تهم بإلقائه به، التف نحوها فجأة دون سابق إنذار وشاهد ما تنوي فعله، مما جعل يدها التي تمسك بالحجر تتصلب في الهواء.
أسرعت بخفض يدها التي أخذت ترتجف عندما رأته يعود إليها مرة أخرى. راقبته بأعين متسعة ممتلئة بالذعر، بينما يتقدم نحوها بخطوات بطيئة متمهلة. لكن ما بث الرعب بداخلها الغضب والشراسة المرتسمان على وجهه، مما جعلها تتراجع إلى الخلف بتعثر. لكنه وقف أمامها مباشرة، وتعبيرات وحشية مرتسمة على وجهه، قابضًا على يدها الممسكة بالحجر، قائلاً بحدة لاذعة:
"عايزة تضربيني؟ مش قولتلك حسابك بيتقل."
ليكمل وهو يشير برأسه بحدة نحو الأفراد الذين يملؤون الشارع:
"عايزة تفضحينا وسط الناس؟ طيب، كنت اعمليها وأنا وديني لكنت أقلب فرحك لمأتم أسود على دماغك."
قاطعته صدفة، قائلة بارتباك وهي تهز كتفيها ببرود، بعكس الخوف الذي يعصف بداخلها، فلا تصدق أن غضبها قد سيطر عليها وكادت أن تضربه بحجر وسط شارع ممتلئ بالناس، فقد كان يمكن أن يقتلها وقتها دون أن يتردد لحظة واحدة:
"وأنا عملت إيه يعني."
لتكمل كاذبة، وهي تشير نحو قطة تقف خلفه بعدة أمتار قليلة، كما لو أتت لإنقاذها من موقفها المحرج هذا:
"أنا... أنا كنت بهش القطة."
لم يلتفت راجح لكي ينظر إلى تلك القطة التي تشير إليها، فقد كان يعلم أنها كاذبة. قبضت أصابعه على فمها يغلقه بقوة، وهو يزمجر غاضبًا:
"هو إنتي مبتفتحيش بوقك ده إلا عشان تكذبي وبس."
ليكمل وهو يزيد من ضغط يده الأخرى على يدها التي لا تزال ممسكة بالحجر، مما جعله ينغرز براحة يدها بقسوة، مما جعلها تتأوه متألمة بصوت منخفض. لم يثر به الشفقة، ليزيد من اعتصاره ليدها، هامسًا بصوت حاد مليء بالوعيد:
"عايزك تدعي كل ليلة من هنا لحد يوم الفرح إن ربنا يقويكي على أيامك السودا الجاية."
ثم تركها، ملتفًا إلى سائق السيارة النقل، معطيًا إياه تعليمات بأن يأخذها لبيت أم محمد، ثم اتجه نحو سيارته. لكنه توقف مستديرًا نحوها مرة أخرى، مخرجًا من جيبه 5 آلاف جنيه، كانت المتبقية من مال الجمعية الذي قبضه وأنهى به فرش شقته.
التف إليها ممسكًا بيدها، واضعًا بها المال، مغمغمًا بسرعة:
"امسكي دول خليهم معاكي علشان لو احتجتي حاجة قبل الفرح. وفلوس الفستان والكوافير هبعتهالك بليل مع مصلحي."
نفضت يدها بعيدًا، رافضة أخذ المال منه، وهي تهمهم بارتباك وقد اشتعل وجهها بخجل:
"لا مش عايزة حاجة."
أمسك يدها مرة أخرى، واضعًا المال بها، قائلاً بحزم:
"امسكي الفلوس بقولك. إنتي خلاص بقيتي ملزومة مني. بعدين متنسيش إن أنا قعدتك فجأة من شغلك، وأكيد فيه حاجات محتاجة تجيبيها."
ليكمل وهو يشعر بالذنب من سخريته السابقة بها، فقد كانت فتاة يتيمة تعيل نفسها، فكيف كانت ستأتي بكل هذا الجهاز الذي كان يكلف مبلغًا وقدره لا يقدر عليه الرجال أنفسهم الذين يجهزون بناتهم:
"وعايزك متقلقيش، الشقة جاهزة من كل حاجة، مش لازم تجيبي حاجة."
احمر خديها بشدة، هامسة بانفعال، شاعرة بأنها قليلة للغاية أمامه:
"على فكرة أنا شايلة حاجات كتير برضه عند أم محمد."
لتكمل بحدة، وهي تشير إلى عربة النقل:
"وإن شاء الله هملي العربية، يعني متحسسنيش بقى إنك بتتصدق ولا بتعطف عليا يعني ولا حاجة."
زفر راجح بحنق وهو يهز رأسه، عالمًا بأنه لا يوجد أمل معها، مغمغمًا يحدث نفسه بينما يعود إلى سيارته:
"كدابة، ودبش، ولسانها طويل. كل ده اكتشفته في أقل من أسبوع. اومال لما أتنيل أتجوزها هكتشف إيه تاني."
بينما وقفت صدفة تراقب سيارته وهي تبتعد، بأعين تلتمع بالدموع، وهي تقبض بقوة على المال الذي بيدها، داعية على أشجان التي وضعتها بهذا الموقف المذل.
بيوم الزفاف.
وقفت صدفة بنهاية رواق محل الكوافير، وهي ترتدي فستان زفافها المتواضع الذي اختارته من إحدى المحلات الشعبية الرخيصة، ممسكة بأطرافه بين يديها، صارخة بحدة لسحر، مالكة الكوافير، والتي كانت جارتها في ذات الوقت:
"بقولك إيه يا بت يا سحر، ابعدي عني أحسن لك."
وقفت سحر بعيدة عنها بعدة خطوات، تحاول بيأس إقناعها بجعلها تزين وجهها:
"يا بت اتهدي، يخربيتك. هتحطي لنفسك إزاي بس؟ إنتي عمرك مسكتي قلم روج في إيدك عشان عايزة تحطي مكياج فرحك بنفسك."
لتكمل وهي تتحرك نحوها بتمهل:
"بصي، هخلص في ثواني، وهتطلعي من تحت إيديا بدر منور."
هتفت صدفة بعناد، وهي تركض للجهة الأخرى من الغرف، محاولة الهرب منها، وهي لا تزال تصر على رأيها، حيث كانت لا ترغب بتجميل نفسها وهدم صورتها البشعة لدى راجح:
"ورحمة أمي ما في إيد هتتمد في وشي غير إيدي أنا."
توقفت سحر بمكانها، مغمغمة بحدة، ولا تزال الصدمة تسيطر عليها، فمنذ أن رأت صدفة بعد أن غسلت وجهها من تلك الأشياء الغريبة التي تضعها، تكاد تجزم أنه لو لم تقم بغسل وجهها أمامها، لكانت اعتقدتها شخصًا آخر. فقد كانت ذات جمال خلاب تخطف الأنظار بوجهها المستدير وخدييها الممتلئين وجمال بشرتها الكريمية البيضاء، التي تعاكس تمامًا اللون الغامق الرمادي لبشرتها التي اعتادت أن تراها به. لا تعلم لماذا تفعل تلك الأشياء الغريبة بوجهها، كما لو كانت تتقصد تقبيح نفسها:
"مش هتعرفي تحطي لنفسك. اسمعي مني."
هزت صدفة رأسها بالرفض، عاقدة ذراعيها أسفل صدرها بعناد.
اقتربت منها أم محمد، مغمغمة بصوت منخفض، محاولة إقناعها بهدوء، فقد كانت تعلم أنها خائفة من أن تتجمل وتظهر جمالها، وأنها ترغب بوضع المكياج لنفسها حتى تقوم بتقبيح نفسها وتخفي جمالها الخلاب الذي لا يعلم أحد عنه سوى هي، حيث رأتها عدة مرات بدون تلك الأشياء الغريبة التي تضعها على وجهها:
"استهدي بالله يا صدفة، وخلي سحر تعملك المكياج، وبلاش اللي في دماغك ده، مينفعش النهاردة."
لتكمل بهمس حتى لا يصل صوتها إلى مسمع سحر:
"ياختي، بيني جمالك اللي إنت دفناه بالحيا ده طول عمرك، وحجتك بأنك تحمي نفسك من الرجالة مبقتش لها لازمة خلاص، بعد ما بقيتي في عصمة راجل، ومش أي راجل، لا ده راجح الراوي."
قاطعتها صدفة، وهي تتمسك بطرف فستانها بقوة:
"أهو سي راجح بتاعك ده اللي عايزة أحمي نفسي منه دلوقتي."
حدقت بها أم محمد بصدمة، هامسة:
"تحمي نفسك من مين؟ يا بنت الهبلة، إنتي اتجننتي؟ ده جوزك على سنة الله ورسوله."
أدارت صدفة عينيها بسخرية، مما جعل أم محمد تبتعد عنها، مغمغمة بحنق وضجر:
"سيبها براحتها يا سحر، خلينا نخلص في يومنا ده، العريس زمانه على وصول."
تنهدت سحر باستسلام مشيرة نحو المقعد الذي أمامها.
= قعدي يا أختي، المكياج كله قدامك أهو. شوفي هتعملي إيه، خلينا نخلص.
جلست صدفة على المقعد الذي أمام المرأة وأخذت تتطلع عدة لحظات طوال بحيرة وارتباك للأدوات الكثيرة المنتشرة أمامها على الطاولة. فمعظمها لا تعلم ما هي وفيما تستخدم. تنهدت بحدة قبل أن تتناول علبة بودرة خاصة بالوجه وتنشرها على وجهها بعشوائية. لكنها كانت درجة أغمق بكثير من لون بشرتها البيضاء، مما جعل سحر تهتف ممسكة بيدها.
= بتنيلى إيه دي، مش لون بشرتك، هتغمقي نفسك.
نفضت صدفة يدها بعيداً وهي تجيبها.
= مالكيش دعوة، أنا عارفة أنا بعمل إيه. بعدين دي الدرجة اللي أنا متعودة أحطها على طول.
غمغمت سحر بارتباك وهي تكاد أن تجن بسبب ما تفعله بوجهها.
= إنتي مجنونة يا بت إنتي، الناس بتحط البودرة عشان تفتحهم مش تغمقهم.
ربتت أم محمد فوق كتف سحر قائلة بحدة بينما تتطلع نحو صدفة بغضب وحسرة في ذات الوقت.
= متتعبيش قلبك معاها، دي واحدة عدوة نفسها. بعدين مصدومة أوي من لون البودرة، اصبري لما تشوفي باقي البلاوي اللي هتعملها في نفسها.
ابتسمت صدفة مرسلة لها قبلة بالهواء مغيظة إياها، مما جعل أم محمد تزفر بغضب وهي تشيح بوجهها بعيداً.
جلست سحر مرة أخرى بمكانها وهي تغمغم بخبث.
= بس مقولتيش يا بت يا صدفة ليه مش هتعملوا فرح وهتكتفوا بزفة عربيات؟ لا مؤاخذة يعني، لما راجح الراوي ما يعملش فرح أومال مين هيعمل؟ ده الكل كان متخيل يوم ما يتجوز هيعمل فرح بأربع ليالي يتحكى عنها الحي كله.
ظلت صدفة تتصنع الانشغال بتوزيع البودرة على وجهها حتى تمنح نفسها فرصة لإيجاد كذبة مناسبة تستطيع إقناعها بها، لتنجح بإيجادها على الفور كعادتها في تأليف الكذبات للخروج من المآزق التي تواجهها. فقد علمها خوفها من زوج والدتها وتعسفه معها الكذب لكي تتجنب غضبه.
= أصل خال أم راجح اتوفى من أسبوع.
لتكمل كاذبة وهي تمضغ العلكة التي بفمها، وهي تدرك بأن كلماتها تلك ستنقلها سحر إلى جميع من بالحارة، فقد كانت معروفة بنقلها الكلام بين الناس.
= مش عايز أقولك يا بت يا سحر، راجح أصلاً كان حاجز لنا قاعة في فندق كبير، بس لما خال أمه مات، ألغى الحجز وقال لي مينفعش عشان أمه متزعلش وأهله أمه اللي في الصعيد كمان. فهنكتفي بزفة عربيات من الكوافير لحد البيت، حاجة على الضيق كده، هنعمل إيه، نصيبنا بقى.
أصدرت سحر صوتاً بفمها يدل على التعاطف الكاذب، مغمغمة.
= امممم، حظك يا حبيبتي، معلش. بس مش مهم، إنتي برضه واقعة واقفة، متجوزة كبير الحي كله. أموت وأعرف وقعتيه إزاي يا بت.
هزت صدفة كتفيها قائلة بدلال مغيظة إياها، فقد كانت تعلم أنها تراها أقل بكثير من راجح، مفكرة كيف لهذه النكرة أن تتزوج شخص كراجح الرواوي.
= الحب، وعمايله بقى. راجح كان بيموت فيا وطلب إيدي أكتر من مرة، بس أنا كنت بتقل عليه.
فتحت سحر فمها بصدمة فور سماعها كلماتها تلك، بينما أخذت أم محمد الجالسة بالخلف تضحك بصوت منخفض، مما جعل صدفة تزجرها بغضب قبل أن تلتف مرة أخرى تنظر بالمرآة وهي تمسك بيدها قلم أحمر شفاه فاقع اللون.
= بقولك إيه يا بت يا سحر، بطلي رغي بقى وخليني أخلص.
ثم أخذت تضع على وجهها كل ما تقع يدها عليه غير آبِهة بتنسيق الألوان، فكل ما يهمها هو جعل راجح ينفر منها.
وما أن انتهت، استدارت إليهم قائلة بهدوء وهي تحاول التحكم بالابتسامة التي تتلاعب على شفتيها، فقد كانوا واقفين فاغرين الفم والصدمة مرتسمة على وجوههم.
= إيه رأيكوا؟
أخذت سحر تمرر عينيها المستعرة بالصدمة على وجهها الذي كان يبدو كالبلايتشو. فقد رسمت حاجبيها بشكل سميك بالكحل الأسود، كما هي معتادة، واضعة أحمر شفاه فاقع ملطخ بعض الشيء، يتنافى تماماً مع لون بشرتها الغامقة بشدة بسبب البودرة التي وضعتها على وجهها. كما وضعت فوق عينيها لون أخضر فاتح للغاية، راسمًة عينيها بالكحل الأسود، ولونت وجنتيها ببقعتين حمراء فعلتهما بقلم حمرة الشفاة، وأنهت كل هذا برسمها بقلم الكحل الأسود نقطتين، واحدة فوق فمها وأخرى على ذقنها لتبدو كوشمتين لكن قبيحتين الشكل.
فتحت سحر فمها أكثر من مرة تحاول التحدث لكنها فشلت.
عاجزة عن قول شيء.
تعالى صوت حاد ورافض لأم محمد التي كانت ترمق صدفة بعينين تلتمع بالغضب.
= أقول إيه، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة.
لتكمل بأسف وهي ترمق مظهرها البشع هذا.
= قلب أمك يا بني، ده إنتي هتصرعي أمه بشكلك ده.
ابتسمت صدفة ملاعبة حاجبيها السمكين المرسومين باللون الأسود وهي تهز جسدها مغيظة إياها.
= لا هيعجبه يا أختي، متحشريش نفسك إنتي بس.
ابتلعت باقي كلماتها عند دخول إحدى مساعدات سحر.
= قبلة سحر، العريس واقف بره مستني.
أسرعت أم محمد بالإمساك بصدفة من ذراعيها هاتفة بهلع يتخلله الرجاء.
= وحياة أمك، لتمسحي وشك وتخلي سحر تحط لك مكياج هادي.
تراجعت صدفة للخلف منتزعة نفسها من بين يديها هاتفة بمرح.
= بيقولك العريس بره، مفيش وقت.
ثم أمسكت فستانها بين يديها.
مسرعة للخارج وهي تهمس.
= استعنا على الشقا بالله.
بينما هتفت أم محمد من خلفها.
= خليه يقرأ المعوذتين طيب.
وقف راجح بالبهو الخاص بالكوافير ينتظر عروسه وهو يتطلع بنفاذ صبر إلى ساعته، فقد كان يرغب بأخذها والذهاب إلى المنزل سريعاً حتى ينهي هذا اليوم.
كما كان يشعر بثقل بقلبه يجعله يرغب بالإسراع وإنهاء كل هذا. فطوال الأسبوع المنصرم لم تكف والدته عن رجائه بأن يصرف نظره عن هذه الزيجة، محاولة معه بكل الطرق لكي تجعله يغير رأيه، لتبدأ ببكاء هستيري بليلة أمس فور أن عقد قرانه على صدفة بمسجد الحي، رافضة الحضور أو التحدث إليه، كما تركها بالمنزل رافضة الحضور معه لإحضار عروسه.
حتى أنها رفضت أن يحضر أشقاءه.
خرج من أفكاره تلك على صوت الزغاريط الذي تعلى من إحدى أرجاء المكان دلالة على خروج العروس. رفع رأسه ينظر إلى باب الغرفة المتوقع أن تخرج منها.
لكن ما إن رآها تخرج من الغرفة، تراجع إلى الخلف بفزع وتعثر، مما جعله يصطدم بقوة بصديقه توفيق الذي كان يقف خلفه، مما جعله يسقط على الأرض.
لكن راجح لم يعره اهتماماً، حيث وقف متجمداً بمكانه، عينيه المملوءة بالصدمة مثبتة على تلك الواقفة أمامه ترتدي فستان عرس أبيض فضافض للغاية مليء بالورود البشعة والأحجار الضخمة، فقد كان أشبه بزي مناسب لحضور حفل تنكري سخيف. مرت عيناه على فستانها هذا حتى وصلت إلى وجهها الذي كان كارثة كاملة، فقد كانت تضع على وجهها ألوان مختلفة تشبه المهرج، وحاجبيها المرسومان بلون أسود أشبه لحبر الأقلام.
تشددت قبضتيه بجانبه فور سماعه صديقه الذي نهض من فوق الأرض وعينيه مسلطة على صدفة يضحك بصوت منخفض، مما جعله يستدير إليه يزجره بشراسة جعلته يصمت في الحال.
اتجه نحوها راجح قابضاً على ذراعها هامساً بغضب من بين أسنانه المطبقة بقسوة.
= إيه القرف اللي إنتي منيلآه في خلقتك ده.
رفعت صدفة وجهها إليه مبتسمة وهي ترفرف برموشها.
= إيه، عجبتك؟
اشتدت يده القابضة على ذراعها وهو يهمس بقسوة وغضب.
= البلايتشو مبحطش كمية الدهان اللي إنتي حطاه على خلقتك ده.
اتسعت ابتسامة صدفة قائلة بغرور وهي تشير إلى وجهها بيدها.
= ليلة العمر بقى، قولت أصرف وأكلف، ومستخسرش حاجة في نفسي حاجة.
من خلفهم سمعوا توفيق صديقه ينفجر ضاحكاً بصوت مرتفع هذه المرة، مما جعل راجح يضغط على ذراعها بقوة مزمجراً بغضب.
= كسفتينا، روحي اللهي يكسفك.
اندفعت نحوهم سحر هاتفة وهي تشير نحو صدفة.
= والله يا راجح باشا، أنا ماليش دعوة باللي هي عاملآه ده، هي اللي أصرت تحط مكياجها بإيدها.
غصب راجح شفتيه أن ترسم ابتسامة واسعة عليها حتى لا يظهر غضبه.
= عارف يا سحر.
ليكمل طابعاً قبلة سريعة على رأس صدفة.
= تسلم إيدك يا حبيبتي، طالعة زي القمر.
أطلقت سحر صوتاً يدل على صدمتها فور سماعها كلماته تلك.
متراجعة للخلف بعيداً عنهم هامسة بصوت منخفض تحدث نفسها.
= قمر! قمر إيه! يا أختي البت باينها ساحرآلة فعلاً ولا إيه زي ما بيقولوا.
أمسك راجح بطرحة العرس المعلقة فوق رأسها مما جعلها تهتف بحدة مرجعة رأسها للخلف بعيداً عن يده.
= بتعمل إيه؟
أمسك راجح بالطرحة مرة أخرى قائلاً بحدة.
= مسمعش صوت أهلك ده خالص النهارده، فاهمة.
ليكمل وهو يخفض الطرحة الشفاف على وجهها الذي أخفاه أسفله.
= أم الزفتة دي متتشالش من على وشك لحد ما نطلع شقتنا، مش عايزين نصرع الناس.
قاطعته صدفة قائلة وهي تحاول كتم ضحكتها حتى لا تظهر له مدى استمتاعها من ردة فعله تلك.
= من جمالي مش كده.
هز راجح رأسه قائلاً بسخرية لاذعة بينما يقودها لخارج الكوافير حتى يصعدوا سيارته.
= أها، من جمالك طبعاً.
صعدوا سيارتهم لتنطلق خلفهم عدة سيارات مليئة بأصدقاء راجح ومعارفهم، حيث لم تحضر أشجان الغاصبة من ضرب صدفة لها أو متولي الذي بالطبع لم يستطع كسر كلمتها.
بدأت زفة السيارات المتعارفة بمصر خاصة بالمناطق الشعبية، حيث تنطلق السيارات بالطريق وهي تطلق زماميرها الاحتفالية مع صوت الأغاني المرتفعة حتى يصلوا إلى منزل العروسين.
ظلت السيارات تجوب الشوارع بزماميرها الاحتفالية والأغاني المرتفعة.
حتى وصلوا أخيراً إلى عمارة الراوي التي يقع بها شقة راجح، الذي هبط من السيارة مساعداً صدفة على الخروج من السيارة ثم جذبها سريعاً معه إلى داخل مدخل البناية، صاعداً إلى الدرج بخطوات سريعة جاراً إياها خلفه، لكن سمرت قدميها بالأرض رافضة الصعود ومعه وهي تغمغم بحدة من أسفل الطرحة التي لا تزال تغطي وجهها.
= بتعمل إيه، مش هنسلم على الناس اللي في العربيات دي.
جذبها بحدة من ذراعها وهو يزمجر من بين أسنانه.
= بشكلك اللي يقرف ده، ليه عايزة تفضحينا، اطلعي.
صعدت صدفة معه وهي تبتسم لكنها غمغمت بغضب مصطنع.
= و هتقولهم إيه بقى إن شاء الله؟
أجابها بينما يستمر بالصعود جاذباً إياها معه.
= هطلعك وهنزلهم، هقولهم تعبتي ولا حصلك أي مصيبة.
شهقت هاتفة بحدة بينما تحاول جذي ذراعها.
= بعد الشر عليا، إن شاء الله اللي يكرهني.
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما شاهدت والدة راجح واقفة أمام باب شقتها التي كانت تقع أسفل شقة راجح، ومن خلفها تقف شقيقتي راجح شهد وهاجر.
هتفت نعمات بحدة وفزع فور أن وقعت عينيها على صدفة.
= يا نهار أبوكي أسود.
لتكمل وعينيها تمر بفزع على الفستان الذي ترتديه صدفة.
= إيه الكفن اللي متنيلة لابساه ده.
أجابتها صدفة ببرود وهي تمرر يدها على فستانها.
= وماله الفستان بقى يا حماتي.
هتفت نعمات وهي تزجرها بنظرات حادة.
= حماتك!
وهي تلتفت نحو راجح الذي كان يزفر بحنق وغضب.
= أنت إزاي سبتها تلبس المصيبة اللي هي لابساها دي؟
أجابها راجح بحدة ونفاذ صبر، بينما يجذب صدفة ويهم بإكمال صعوده للدرج.
= بقولك إيه يا أمي، نبقى نكمل كلامنا ده بعدين. أنا مستعجل وعلى آخري.
لوت نعمات شفتيها قائلة بسخرية، وقد أساءت فهم كلماته.
= على آخرك؟! وبتقولهالي يا خي اتكسف على دمك، عيب ده أنا أمك.
قاطعها راجح سريعا بحدة.
= يا أمي اللي مش في دماغك.
ليكمل باقتضاب وخشونة.
= خلينا نطلع، وبكرة نبقى نشوف حوار الفستان ده.
ظلت نعمات تتطلع نحو صدفة بنظرات تملؤها الازدراء، قبل أن تهمهم بحدة.
= طيب خليها ترفع الهباب اللي حاطاه على وشها ده، خليني أشوف خلقتها.
لتكمل، تحاول نزع الطرحة من فوق وجه صدفة وهي تسدد ناحيتها نظرة سامة.
= مخبية وشك ليه يا أختي؟ خايفة على جمالك؟ شيلي الهباب ده خليني أشوفك.
ابتعدت عنها صدفة، مقتربة أكثر من راجح الواقف بجسد متشدد، واضعة يدها فوق صدره هامسة بصوت رفيع.
= مينفعش والله يا حماتي، أصل رجوحتي حالف عليا ما أبين وشي على حد في ليلة فرحنا، بيغير عليا موت...
أنهت جملتها تلك، مطلقة تأوه منخفض بسبب الوجع الذي عصف بها عندما أمسك راجح بيدها التي على صدره، ضاغطاً عليها بقوة مؤلمة، وهو يزيحها بعيداً.
بينما شهقت نعمات بحدة وهي تهز شفتيها يميناً ويساراً، غافلة عن الحرب الصامتة التي بينهم.
= رجوحتك وجمالك!
لتكمل، موجهة حديثها لراجح.
= غيران على إيه يا قلب أمك؟ ده أعفن بنت في الحي كله.
اندفعت صدفة نحوها هاتفة بحدة، وقد تحول صوتها إلى غليظ حيث اشتعلت نيران الغضب بداخلها.
= لا بقولك إيه، احترمي نفسك.
لكن جذبها راجح من ذراعها بقسوة للخلف، بعيداً عن والدته، مزمجراً بأذنها بصوت بث الرعب بداخلها.
= صوتك ما يعلاش، وإلا قسماً بالله أقطعهولك.
ليكمل بقسوة وغضب، مشيراً بيده إلى نعمات الواقفة بوجه شاحب.
= وأنتي يا أمي ادخلي شقتك، خلي الليلة دي تعدي بقى، أنا زهقت.
اندفعت نحوه نعمات بخطوات مترددة، محتضنة إياه بين ذراعيها فور إدراكها أنها قد تسببت بغضبه، هامسة ببكاء مختنق.
= حقك عليا يا قلب أمك، متزعلش، بس أنت عارف اللي فيها، غصب عني.
ربت راجح على ظهرها بلطف، قبل أن يلتفت إلى صدفة الواقفة تراقب هذا المشهد، وغصة تتكون بداخلها، مدركة رفض والدته للزواج منها، فهي بالنسبة إليها ليست سوى صدفة بائعة الفول والفلافل التي كانت تجلب لها الفطار كل يوم حتى باب منزلها.
أفاقت من شرودها هذا عندما أمسك راجح بها ودفعها للصعود الدرج أمامه، حتى وقفوا أمام باب شقته، التي فتح بابها بمفتاحه الخاص، دافعاً إياها للداخل، قائلاً بجفاف.
= أنا نازل أسلم على الناس اللي لسه واقفة تحت دي.
ليكمل بقسوة وهو يتجه نحو الباب.
= عايزك وإنتي قاعدة كده تراجعي في عقلك كل وساختك اللي عملتيها معايا، علشان وقت الحساب قرب.
ثم تركها وغادر، مغلقاً باب الشقة بقوة اهتزت لها أرجاء المكان.
تاركا صدفة واقفة مكانها بجسد مهتز، والخوف يعصف بداخلها من كلماته تلك.
بعد مرور ساعة.
كانت صدفة جالسة بفستان عرسها على إحدى مقاعد السفرة ببهو الشقة، وعينيها مسطلة على الباب بترقب وخوف، تنتظر قدوم راجح. فمنذ أن تركها وهي قابعة بمكانها هذا، لم تتحرك خطوة واحدة، محاولة مقاومة الخوف الذي يعصف بداخلها، مطمئنة نفسها بأنه لن يقترب منها بعد كل ما فعلته بنفسها، فهي قبيحة الآن وبأمان منه.
خرجت من شرودها هذا عندما سمعت صوت المفتاح يدار بالباب، انتفضت واقفة على قدميها بفزع عندما رأته يدلف من باب الشقة بوجه متجهم.
شعرت برجفة من الذعر تسري أسفل ظهرها عندما رأته يتقدم نحوها بخطوات متمهلة.
ابتلعت بصعوبة الغصة التي تشكلت بحلقها عندما وقف أمامها مباشرة بجسده الصخم العضلي الصلب وطوله الفارع.
شاهدت برعب يده وهي تمر على ذراعها بلمسات خفيفة، هامساً بأذنها بصوت أجش خشن.
= جاهزة يا عروسة.
تراجعت للخلف بقوة بعيداً عن يده، هامسة بارتباك وقد بدأ قلبها يعصف بداخلها برعب.
= جاهزة لأيه بالظبط.
لتكمل بعدوانية، بينما تتصنع القوة.
= لا بص بقولك إيه.
لكنها ابتلعت باقي جملتها، مطلقة شهقة فازعة عندما شاهدت شفتيه تقترب من شفتيها بغرض واضح وصريح، مما جعلها تلتف حول طاولة السفرة هاربة من أمامه، وهي تصرخ، لتدخل أول غرفة تواجهها، والتي ما كانت إلا غرفة النوم الرئيسية، وما إن همت بغلق بابها، ظهر راجح دافعاً إياه بقوة، مما جعل الباب ينفتح على مصراعيه بسهولة، متسبباً بترنح صدفة التي كانت ممسكة بالباب للخلف بقوة وسقوطها على الأرض.
زحفت على الأرض بجسدها للخلف، وعينيها مسلطة برعب على راجح الذي كان يتقدم نحوها بخطوات متمهلة، بينما ينزع سترة بدلته التي ألقاها بإهمال على الأرض. تابعت عينيها برعب أصابعه التي كانت تحل أزرار قميصه، وهو يغمغم بهدوء.
= دلوقتي أقدر فيكي اللي أنا عايزه، ومش هيبقى فيه لوم عليا.
شحب وجهها بشدة فور سماعها كلماته تلك، ظلت تتراجع بجسدها، مطلقة شهقة منخفضة، وهي تشعر بالأرض تميد من أسفلها عندما بدأ بنزع قميصه هو الآخر، وألقاه بجانب سترته على الأرض، ليقف أمامها بصدره العاري الممتلئ بالعضلات.
ظلت تزحف للخلف على الأرض وعينيها مسلطة عليه بخوف، همست بصوت لاهث باكي، وهي تراه يتقدم نحوها وعلى وجهه ترتسم تعبيرات وحشية.
= لو قربت مني قسماً بالله هصوت وهلم عليكي الحي كله.
ابتلعت باقي جملتها، مطلقة صرخة ذعر مرتفعة عندما انحنى عليها، حاملاً إياها بين ذراعيه كما لو كانت دمية صغيرة وليست امرأة ذات جسد ممتلئ.
ألقاها على الفراش بحده، ثم استلقى بجسده فوقها، محاصراً جسدها أسفل جسده الضخم.
قرب شفتيه من أذنها، هامساً بصوت أجش مثير، غير آبه بارتجاف جسدها المرتعب أسفله.
= وأنا عايزك تصوتي.
ليكمل بقسوة وعينيه التي تنطلق منها الشرارات النارية مثبتة بعينيها المحتقنة بالدموع.
= صوتي زي ما صوتي في المخزن.
اعتصر خصرها بأصابعه بقسوة حتى تأوهت متألمة بصوت منخفض، لم يثر به الشفقة، ليزيد من اعتصاره لخصرها أكثر، وهو يتمتم بصوت قاس حاد.
= فاكرة يوم المخزن مش كده.
حدقت في وجهه بخوف من لهيب الكراهية الذي يلتمع في عينيه، هامسة بذعر عندما بدأ ينزل الجزء العلوي من فستان عرسها للأسفل.
همست بصوت منخفض مرتجف، وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة الخوف.
= أنت.. أنت بتعمل إيه؟
أجابها بصوت غليظ حاد، وهو يقرب وجهه منها، ينظر إليها بعينين تلتمع بالقسوة، مما جعلها تخفض عينيها في ذعر.
= هعمل اللي قولتي إني عملته فيكي في المخزن.
همست بصوت مكتوم باكي، والقهر ينبثق منه، وهي تحاول دفعه في صدره بضراوة.
= هتغتصبني.
نظر إليها بعينين تلتمع بوحشية، وقد ارتسمت ابتسامة متوعدة على شفتيه، جعلت الرعب يجمد جسدها أسفله.
شاهدت برعب شفتيه التي أصبحت لا تبعد عن شفتيها
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل السادس 6 - بقلم هدير نور
ابتلعت باقي جملتها مطلقة صرخة ذعر مرتفعة عندما انحنى عليها حاملاً إياها بين ذراعيه كما لو كانت دمية صغيرة وليست امرأة ذات جسد ممتلئ.
القاها على الفراش بحدة ثم استلقى بجسده فوقها محاصرًا جسدها أسفل جسده الضخم.
قرب شفتيه من أذنها هامسًا بصوت أجش مثير غير آبه بارتجاف جسدها المرتعب أسفله.
«وأنا عايزك تصوتي..»
ليكمل بقسوة وعينيه التي تنطلق منها الشرارات النارية مثبتة بعينيها المحتقنة بالدموع.
«صوتي زي ما صوتي في المخزن....»
اعتصر خصرها بأصابعه بقسوة حتى تأوهت متألمة بصوت منخفض لم يثِرْ به الشفقة ليزيد من اعتصاره لخصرها أكثر وهو يتمتم بصوت قاسٍ حاد.
«فاكرة يوم المخزن مش كده....»
حدقت في وجهه بخوف من لهيب الكراهية الذي يلتمع بعينيه هامسة بذعر عندما بدأ ينزل الجزء العلوي من فستان عرسها للأسفل.
همست بصوت منخفض مرتجف وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة الخوف.
«...أنت.. أنت بتعمل إيه...؟!»
أجابها بصوت غليظ حاد وهو يقرب وجهه منها ينظر إليها بعينين تلتمع بالقسوة مما جعلها تخفض عينيها في ذعر.
«هعمل اللي قولتي إني عملته فيكي في المخزن.....»
همست بصوت مكتوم باكية والقهر ينبثق منه وهي تحاول دفعه في صدره بضراوة.
«هتغتصبني.....»
نظر إليها بعينين تلتمع بوحشية وقد ارتسمت ابتسامة متوعدة على شفتيه جعلت الرعب يجمد جسدها أسفله.
شاهدت برعب شفتيه التي أصبحت لا تبعد عن شفتيها سوى بوصات قليلة حيث لفحتها أنفاسه الحارة على وجهها مما جعلها تصرخ بأعلى صوت لديها طالبة المساعدة.
لكنه أسرع بوضع يده فوق فمها يضغط عليه بقوة كاتمًا صراخاتها تلك لتصبح همهمات مكتومة.
انفجرت باكية وهي تشاهد التصميم والغضب يلتمعان بعينيه قبل أن ينحني رأسه نحوها.
و يطبق بشفتيه على شفتيها بقوة.
أصدرت صدفة تذمرًا حادًا وهي تضربه بيديها في صدره عدة ضربات متتالية محاولة دفعه بعيدًا شاعرة بالرعب يدب في أوصالها لكنه قبض على يديها حاجزًا إياها فوق رأسها بينما لا يزال يلتهم شفتيها بنهم.
وقد صدمته المشاعر التي عصفت بجسده ما إن لامست شفتيه شفتيها التي كانت ناعمة كالحرير.
بينما أخذ جسد صدفة يهتز بقوة وقد بدأ ذعرها يتحول إلى استجابة حيث سرعان ما تبدلت الصدمة إلى مشاعر أخرى غريبة تسري بأنحاء جسدها لأول مرة في حياتها تشعر بها مما جعلها ترتجف بقوة بين ذراعيه.
فصل راجح شفتيهما لثوانٍ قليلة حتى يلتقطا أنفاسهما لكنه سرعان ما أطبق على شفتيها مرة أخرى كما لو كان غير قادر على الابتعاد عنها.
ازداد ضغط شفتيه فوق شفتيها الناعمة بتملك حارق فقد كان عقله شبه مغيب حيث كان غارقًا في المتعة التي هزت كيانه بأكمله.
رفعت ذراعيها تحيط عنقه تدس يديها بشعره الأسود الحالك تجذب بلطف خصلاته الحريرية مما جعله يطلق تأوهًا عميقًا بينما يعمق قبلته أكثر.
لكنه توقف فجأة فور تذكره خطورة ما يفعله.
تفحّصها بعينين مظلمتين حيث كان وجهها محتقن بينما كانت مغمضة العينين تلهث بشدة.
أخذ يتفحّصها عدة لحظات بصمت والصدمة تهز كيانه لا يصدق أنه قبلها بتلك الطريقة فلم يكن مستعدًا لكم المشاعر التي عصفت به فعندما قبلها.. قبلها من أجل تخويفها وإرهابها ليس أكثر.
لكنه لم يتوقع أن يهتز عالمه لهذا الشكل.
فتحت صدفة عينيها ببطء شاعرة بالغضب والخجل من ذاتها فكيف سمحت لنفسها أن تستجيب لقبلته تلك.
دفعته في صدره بقوة هاتفة بحدة لاذعة.
«ابعد... ابعد عني....»
لوى شفتيه بسخرية مغمغمًا بهدوء مصطنع قاصدًا التلاعب بأعصابها.
«ابعد..؟! هو أنا لسه عملت حاجة علشان أبعد احنا لسه بنقول يا هادي...»
شاهدت صدفة بعينين متسعتين بالترقّب والخوف في ذات الوقت شفتيه وهي تقترب من شفتيها مرة أخرى مما جعلها ترفع ساقها وتضربه أسفل بطنه مما جعله يطلق سبابًا بذئًا وهو يتراجع للخلف.
لتنتهز الفرصة وتفر ناهضة من أسفله ركضت نحو باب الغرفة تنوي الهرب للخارج لكن تجمدت قدميها بمنتصف الغرفة عندما سمعت صوته الحاد يهتف اسمها بعنف مكبوت.
استدارت إليه وهي تصرخ بحدة.
«عايز إيه من زفتة انـ.......»
لكنها توقفت عن تكملة جملتها تبتلع لعابها بخوف فور أن حدّقها بنظرة حادة أخرسَتْها على الفور.
شاهدته بعينين متسعتين بالرعب وهو يخطو مقتربًا منها مزمجِرًا بشراسة من بين أسنانه.
«صوتك مايعلاش...»
ابتلعت الغصة التي تشكلت في حلقها بصعوبة وهي تراقب تقدّمه نحوها بينما عيناه تشعّان بالغضب عليها كان يأخذ خطوات متوعّدة نحوها مما جعلها تتراجع إلى الخلف لتتصدم بعلاقة الملابس المصنوعة من الخشب.
لْتَسْرَعْ بالإمساك بها ودفعها نحوه وهي تهمس بصوت لاهث.
«متقرّبش مني.....»
اهتزّت يدها الممسكة بعلاقة الملابس عندما ظلّ يتقدّم نحوها كما لو أنها لم تتحدث وعينيه تضيق عليها وعلى وجهه ترتسم تعبيرات وحشية جعلت الدماء تجف بعروقها.
وعندما أصبح يقف أمامها مباشرة رفعت العلاقة ذات الوزن الثقيل محاولة ضربه بها لكنه كان أسرع منها حيث أطبق على العلاقة جاذبًا إياها من يدها ملقيًا إياها بعيدًا وهو يزمجر بشراسة.
«إيدك دي لو اترفعت عليّا تاني أنا هقطعهالك....»
ليكمل وهو يلوي ذراعها خلف ظهرها بقسوة مما جعلها تصرخ متألمة.
«ده الرجالة اللي بشنبات يقف عليها الصقر تخاف بس ترفع عينها فيا تيجي حتّة عيلة هبلة زيك وعايزة تضربني...»
تراجعت صدفة للخلف منتزعة نفسها بقوة من بين قبضته القاسية واتجهت نحو باب الغرفة تنوي الهرب للخارج لكنها توقفت متجمدة عندما سمعت صوته القاسي يهتف من خلفها.
«لو خطيتي برجلك برّا الإضه قسماً بالله لأكسرهالك...»
استدارت صدفة إليه هاتفة بحدة وعينيها تنطلق منها شرارات الغضب رغم الخوف الذي يعصف بها لكنها حاولت ألا تظهر له خوفها هذا.
«هتكسرها إزاي يعني ليه هي سايبة...»
وقف راجح بمكانه دون أن يجيبها ممرّرًا عينيه عليها متفحّصًا إياها من فستانها الفضفاض الذي أصبح ممزّقًا من عند الكتف والرقبة بفعل يديه مما أظهر القميص الأسود ذات الرقبة العالية الذي ترتديه أسفل الفستان.
وصلت عينيه إلى وجهها الملطّخ بالألوان المختلفة مما جعلها أشبه بمهرج سيرك لكن على رغم من كل ذلك عندما قبلها لم يرَ أيًّا من هذا حيث تفاجأ بكم المشاعر التي ضربته وعصفت بكيانه.
تنَهَّنَحْ مخرجًا نفسه من أفكاره اللعينة تلك وقد ازداد غضبه من نفسه لاستسلامِهِ لمشاعره تلك.
التقط هاتفه من فوق الطاولة التي بجانب الفراش مغمغمًا بنبرة ذات معنى مليئة بالتهديد محاولًا إخافتها أكثر.
«هتصل بجوز أمك.. يجي يشوف مش عايزة ليه تديني حقّي الشرعي......»
لكن وقبل أن ينهي جملته كانت صدفة أمامه تحاول جذب الهاتف من يده مما جعله يبعد الهاتف عنها ناقلًا إياه من يد إلى يد وهي تتبعه كالقطة الشرسة تحاول خطفه منه مما جعله يستمتع بتعذيبها بهذا الشكل.
ظلّت صدفة تحاول خطف الهاتف منه والرعب يسيطر عليها من أن ينفّذ تهديده هذا فزوج والدتها ذو عقل مريض قذر وسوف يستنتج أشياء خاطئة إذا اتصل به أخبره هذا.
رفع راجح يده التي تمسك بالهاتف عاليًا مما أصبح من الصعب عليها الوصول إليه بسبب قصر قامتها لم تفكر مرتين قبل أن تقفز على ظهره غارزة أظافرها في جانب عنقه بقسوة مما تسبّب بجرح عنقه الذي أخذ ينزف.
أطلق سبابًا لاذعًا وهو يلقي الهاتف من يده على الأرض بغضب وقد أصبح كالثور الهائج.
دفعها عن ظهره ملقيًا إياها على الفراش بقسوة مما جعلها تطلق صرخة ألم.
استلقى فوقها محاصرًا جسدها أسفله وقد اسودّ وجهه من شدة الغضب رفع يده عاليًا ينوي ضربها وقد أعمَاهُ غضبُهُ لكن تجمّدت يده بالهواء فور أن انفجرت باكية بخوف واضعة يديها فوق وجهها بحماية بينما شهقات بكائها تمزّق السكون من حولهم.
انتفض مبتعدًا عنها وهو يطلق لعنات حادة.
ظلّ واقفًا بمنتصف الغرفة بجسد متصلب وعينين مسلّطتين على تلك المستلقية فوق الفراش تنتحب.
سحب يده من فوق عنقه الذي كان يؤلمه كالجحيم ليطلق سبابًا قاسيًا عندما وجد يده بها بضعة لطخات من الدماء.
اندفع نحوها قابضًا على ذراعها جاذبًا إياها من فوق الفراش غير مكترث بصراختها المعترضة الفزعة.
جذبها معه لخارج الغرفة يجرّها خلفه جرًّا حتى وصل بها لداخل المطبخ دفعها بقوة لتسقط بقسوة فوق أرضية المطبخ الصلبة مما جعلها تصرخ متألمة.
«من هنا ورايح دي أوضتك.. اللي هتنامي فيها...»
رفعت صدفة وجهها الباكي إليه هاتفة بصوت مرتفع.
«ليه بقى إن شاء الله أنا.......»
قاطعها راجح بنبرة حادة حازمة بينما نظراته العاصفة مسلّطة عليها بقسوة.
«صوتك.....»
ابتلعت لعابها بصعوبة قبل أن تكمل بصوت مهتز منخفض.
«أنا مش أنام هنا... أنا مش خدامة...»
لتكمل وهي تعدل وضع كتفيها المتصلبة قبل أن تنهض من فوق الأرض متجهة نحو باب المطبخ.
«هروح أنام في أوضة الأطفال..»
قاطعها راجح بحدة وهو يقبض على ذراعها بقسوة عندما مرّت من جانبه دافعًا إياها للخلف لتسقط بقسوة على الأرض مرة أخرى.
«وأنا قولت هتنامي هنا...»
ليكمل بتهديد وهو يغادر المطبخ.
«لو رجلك خطت أوضة الأطفال متلوميش إلا نفسك....»
راقبَتْهُ صدفة وهو يغادر بعينين ملتمعتين بالدموع الحارقة لتنهار مستلقية على الأرض الصلبة الباردة لغرفة المطبخ دافنة وجهها بين يديها وهي تنفجر باكية بشهقات ممزّقة.
ظلّت مستلقية على الأرض لفترة طويلة لا تعلم مدتها ضمّت ساقيها إلى صدرها عندما أخذ جسدها يرتجف بقوة فقد كانت الأرض باردة بالإضافة إلى برودة ليل الشتاء القارس كما لم يساعدها فستان عرسها ذو القماش الرقيق الذي لا يمكنه تدفئتها وحمايتها من الهواء البارد.
تنفّست بعمق قبل أن تنهض ببطء على قدميها وقد اتَّخَذَتْ أخيرًا قرارَها.
«وربنا ما هنام هنا واللي يحصل يحصل...»
اتجهت بخطوات هادئة نحو باب المطبخ الذي أخرجت رأسها منه تبحث عن راجح لكن كانت الردهة خالية وهادئة تمامًا.
مما جعلها تخرج من المطبخ وتسرع بخطوات صامتة نحو غرفة الأطفال التي كانت تقع بمواجهة غرفة النوم الرئيسية.
فتحت بابها بهدوء وهي تتطلّع خلفها بترقّب وخوف نحو باب غرفة النوم المغلق خوفًا من أن يظهر راجح أمامها بأيّ لحظة.
دلفت إلى داخل الغرفة مغلقة خلفها الباب بهدوء دون أن تصدر صوتًا ووقفت تتأمّل الغرفة رائعة الجمال فقد كانت مكوّنة من فراشين ذوي حجم متوسط وخازنة للملابس صغيرة الحجم كان لونُهُما وردي جميل بينما الرسومات الكرتونية تملأ جدران الغرفة.
اتَّسَعَتْ ابتسامة صدفة وهي تتأمّلها بسعادة فقد كانت هذه الغرفة الوحيدة التي تمكّنت من فحصها فغرفة النوم وباقي أنحاء الشقّة لم تستطع حتى أن تلاحظَهُمْ بسبب خوفِها وانشغالِها بمشاجرتِها مع راجح.
جلست على إحدى الفراشين تستمع بنعومته متنَهِّدَة براحة وهي تتلمّس المفرش الناعم الذي عليه.
لا تصدق أنه كان يرغب بحرمانها من هذا النعيم وجعلها تعاني على أرضية المطبخ الصلبة الباردة.
أمسكت إحدى الوسائد تعتصرها بين يديها وهي تغمغم بحنق بينما عقلها يعصف بأفكار جنونية من شدة الغضب راغبة بالانتقام منه.
همست بصوت منخفض بينما عينيها مسلّطتان بشرّ على الوسادة التي بين يديها.
«استغل إنه نايم وأكتّم نفسه بالمخدّة دي.. وأخلّص منه»
لتكمل زافِرَة بحنق وهي تلقي الوسادة على الأرض.
«لا ممكن يصحى وأنا بعملها وده مفتري ممكن يولّع فيّا وأنا حيّة عادي ولا يفرق معاه....»
ارتمت بجسدها على الفراش هامسة وهي تزفر بحنق.
«إيه الهبل اللي أنا بقوله بايني اتهبّلت ولا إيه...»
لتكمل بدراما وهي تفرك وجهها بإيديها بحدة.
=منك لله يا ابن نعمات جننتني بعملك السودا....
رفعت إيديها أمام وجهها لتصدم عندما رأت إيديها الملطخة بالألوان العديدة للمكياج اللي تضعه.
ضحكت فور تذكرها تقبيله لها هامسة.
=و الله نفسه حلوة... باسني إزاي بشكلي ده والنعمة أنا نفسي مقروفة مني....
ذبلت ضحكتها تلك وقد أتتها فكرة جنونية.
أخذت تحاول إنها تتذكر موقع غرفة نعمات وعابد بالشقة اللي أسفلها.
فقد دخلت شقتهم لمرات عديدة حتى توصل لهم طعام الإفطار.. وأحياناً العشاء.
اتسعت ابتسامتها فور تأكدها إنها تقع أسفلها مباشرة.
اتجهت نحو باب الغرفة تضع أذنها عليه قبل إنها تفتحه برفق.
و من إن باب الغرفة الرئيسية لا يزال مغلقاً وعندما لم تسمع شيء اتجهت نحو الفراش.
تقف عليه ثم قفزت من فوقه إلى الأرض حتى يصل الصوت إلى الشقة اللي أسفلها.
فقد كانت متأكدة إن الصوت سيدوي بالأسفل فقد كان الوقت الثانية صباحاً والجو هادئاً.
ظلت تقفز من فوق الفراش عدة مرات متتالية حتى انهارت مستلقية على الأرض لاهثة بقوة بينما من الجهد اللي بذلته وهي تضحك.
=و نبي شكلي فعلاً اتجننت إيه اللي أنا بنيله ده...
لتكمل بسخرية وهي تمسح العرق عن جبينها.
=يلا هعتبره تمارين.. يمكن تحصل معجزة وأخس...
لكنها انتفضت جالسة بفزع وقد شحب وجهها بذعر فور سماعها رنين جرس الباب لتتأكد وقتها من نجاح خطتها الحمقاء.
نهضت بتعثر تنوي الرجوع إلى المطبخ قبل إن يستيقظ راجح على صوت رنين الجرس اللي ظل يرن دون إن يقطع.
فتحت الباب ببطء لكنها أعادت غلقه سريعاً تاركة شق بسيط به عندما رأت راجح يخرج من غرفة النوم بتعثر وعلى وجهه علامات النعاس.
هاتفاً بصوت خشن أجش بينما يتجه نحو الباب.
لكن وقبل إن يفتح الباب كما لو تذكر وجودها بالمطبخ شاهدته يسرع بدخول المطبخ.
لكنه خرج منه بعد ثوان قليلة وهو يسب ويلعن بعصبية.
وعندما رأته يتجه نحو غرفة الأطفال بينما رنين جرس الباب اللي لم يتوقف يصدح بالأرجاء.
أسرعت راكضة بتعثر لداخل الغرفة تستلقي على الفراش تغلق عينيها بقوة متصنعة النوم.
فتح راجح باب غرفة الأطفال ليجدها كما توقع نائمة بعمق على الفراش.
أسرع بحملها بين ذراعيه سريعاً متجهاً بها نحو غرفة النوم ملقياً إياها بإهمال فوق الفراش غير آبه بصرختها المحتجة.
قبل إن يسرع ويتجه نحو باب المنزل يفتحه لتندفع على الفور والدته بملابس النوم إلى الداخل مما جعله يهتف بقلق.
=في إيه ياما... حد حصله حاجة...
اتجهت نعمات إلى غرفة الأطفال تفتح بابها على مصراعيه.
=فيه مصيبة....
لتكمل بحدة وعينيها تمر بسخط على الفراش المبعثر والوسائد الملقية على الأرض.
=في إن بنت صباح طرداك من فرشتك ومن أول يوم ومنيامك في أوضة الأطفال...
مرر راجح يده بشعره مبعثراً إياه مغمغماً بنفاذ صبر ولا يزال النعاس مسيطر عليه.
=ياما طرداني إيه بس.. أنا كنت نايم في الأوضة الكبيرة جوا..
هتفت نعمات بسخرية حادة وهي تخرج من الغرفة.
=والعفاريت هي اللي كانت بتدبدب في الأوضة ونازلة رزع وهبد فيها ده أنا وأبوك صحينا على الصوت...
وقف راجح يتطلع إليها بعد فهم عدة لحظات قبل إن يدرك إنها قد سمعت خطوات صدفة بالغرفة عند ذهابها للنوم بها.
=ياما مفيش حاجة إنتي اللي ودانك سالكة بس شوية..
=سالكة أها.... وطبعاً بنت صباح نايمة ومريحة على السرسري الكبير وطرداك من أوضتك في ليلة دخلتك ومنيامك في سرير صغير علشان ظهرك يتقطم.
همهمت نعمات بسخرية لاذعة وهي تغافله وتسرع بفتح باب غرفة النوم مما جعل راجح يهتف بغضب فور رؤيته لفعلتها تلك.
=مينفعش كده ياما.... عيب اللي بتعمليه ده.
همت نعمات بالتراجع من الغرفة عند سماعها نبرته الغاضبة تلك لكنها تجمدت في مكانها صارخة بفزع فور إن وقعت عينيها على تلك المستلقية على الفراش بوجهها الملطخ بالألوان.
=نهار أسود... إيه اللي هي عاملاه في نفسها ده...
هتف راجح بحدة وارتباك.
=عادي كانت بتسلى نفسها وقالت تجرب المكياج وإنتي عارفة إنها خام ومبتعرفش تستعمل الحاجات دي..
قاطعته نعمات بحدة بينما تستدير نحو صدفة اللي كانت جالسة بمنتصف الفراش تتابع ما يحدث باستمتاع.
=و مراتك عايزة حاجة تسليها ليه في ليلة دخلتكوا...
لتهتف بصدمة عندما لاحظت فستان العرس اللي لازالت صدفة ترتديه موجهة حديثها لولدها الواقف بوجه متجهم متصلب بالغضب.
=مراتك لسه بفستان فرحها ليه يا راجح...
لتكمل هاتفها بصدمة أكبر عندما وقعت عينيها على عنقه المجروح.
=و إيه اللي عور رقبتك كده.....
توتر جسد راجح الواقف بجانبها.
صارخة بغضب.
=عملتي فيه إيه يا بنت الـ..........
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما اعتدلت صدفة في جلستها مما جعل غطاء الفراش اللي كانت تضعه فوق صدرها ينزلق للأسفل مظهراً صدر فستانها الشبه ممزق بالكامل.
=يا نهار أبوكوا أسود منيل... إنتوا عملتوا في بعض إيه بالظبط....
أمسك راجح بذراعها جاذباً إياها معه إلى خارج الغرفة وقد فقد السيطرة على أعصابه متجهاً بها نحو باب الشقة اللي فتحه ودفعها برفق يتخلله الصرامة إلى الخارج مزمجراً من بين أسنانه المطبقة بقسوة.
=انزلي ياما شقتك... ومينفعش تدخلي علينا بالمنظر ده الفجر...
وضعت نعمات يدها على خدها قائلة بمأساوية.
=طيب فهمني إيه اللي بيحصل بينكوا خالكوا مبهدلين بعض بالشكل ده...
قاطعها بحدة لاذعة وقد نفذ صبره.
=دي حاجة بيني وبين مراتي...
ليكمل بهدوء عندما رأى الدموع تلتمع بعينيها.
=ياما اطمني مفيش حاجة بس هي كانت قلقانة القلق الطبيعي بتاع أي عروسة.. فشدينا مع بعض.
أومأت نعمات وقد ارتسم الارتياح على وجهها قائلة بحنان.
=طيب براحة عليها يا قلب أمك.. معلش ما احنا برضو عندنا ولايا.......
لتكمل بحدة لاذعة وقد تغيرت تعبير وجهها إلى القسوة عندما وقعت عينيها على الجرح اللي برقبته.
=بس ورحمة أمها لو لمستك تاني لأطلع أطين عيشة أهلها أنا صاحية ووداني معاكوا...
هتف راجح بحدة فور إدراكه إن والدته لن تتغير أبداً.
=روحي نامي ياما... روحي نامي الله يباركلك الحكاية مش ناقصة....
هبطت نعمات السلم مغمغة بحنان.
=تصبح على خير يا نور عين أمك وادخل يلا علشان متخدش برد...
غمغم راجح بالإيجاب لكنه ظل واقفاً بمكانه حتى سمع صوت الشقة يغلق بالأسفل ليتأكد من دخولها إلى شقتها.
دلف إلى شقته وأغلق بابه هو الأخر من ثم اتجه نحو غرفة النوم ليجد صدفة لازالت جالسة على الفراش كما تركها.
لتسرع بالاعتدال في جلستها وهي تغمغم بدفاع وخوف من ردة فعله على ما فعلته.
=قبل ما تزعق وتقلب الدنيا عليّ أنا مشيت على طراطيف صوابعي ودخلت الأوضة كنت سقعانة.. أمك هي اللي ودانها سالكة وبتسمع دبة النملة.
أشار بيده نحو الباب بغطرسة مقاطعاً إياها.
=على المطبخ.....
نهضت من فوق الفراش متجهة نحوه تنظر إليه بعيون واسعة دامعة هامسة بصوت مرتجف وهي تتصنع الحزن محاولة كسب استعتافة.
=الجو برد.. والأرض هناك ساقعة.
لتكمل بلهفة وهي تمسك بيده بين إيديها هامسة برجاء.
=وحياة أمك يا راجح سيبني أنام في أوضة الأطفال...
أخفض عينيه نحو إيديها الممسكة بيده شاعراً بشيء غريب يتحرك بداخله لكنه أفاق من حالته تلك متنحنحاً وهو يبتعد عنها مغمغماً بارتباك.
=أوضة الأطفال متنفعش أديكي شوفتي اللي حصل...
قاطعته صدفة مغمغة بسخرية وهي تلاعب حاجبيها له.
=إيه خايف من أمك...
ندمت فور نطقها كلماتها تلك متمنية إن تقطع لسانها المندفع هذا.
تراجعت للخلف مبتعدة عنه بخوف لكنه أسرع بالقبض على ذراعها جاذباً إياها إليه وهو يزمجر بصوت قاسي.
=مبخافش من حد.....
ليكمل وهو يشدد من قبضته حول ذراعها.
=بس بخاف على شكلي... لما أمي ولا حد من أهلي يعرف إن من أول يوم بنام في أوضة الأطفال شكلي هيبقى إيه...
همست صدفة بصوت مهتز.
=أنا اللي هنام هناك...
قاطعها بحدة.
=تفرق......
دفعها نحو خزانة الملابس.
=غيري الفستان ده واخفيه في أي حته كفاية فضايح...
أومأت برأسها قائلة وهي تفتح باب الخزانة.
=طيب وهنام فين...
أجابها بهدوء وعينيه مسلطة على الفراش الواسع اللي يحتل نصف الغرفة.
=هنا معايا...
انتقلت عيني صدفة إلى الفراش تتطلع إليه وهي تستوعب ببطء كلماته لتهتف بفزع فور إن استوعبت أخيراً مقصده.
=معاك فين.... هنا.
لتكمل وهي تندفع واقفة أمامه.
=لا بص أنا هلبس لبس تقيل كده وأفرش بطانية على أرض المطبخ وهنام هناك متشغلش بالك...
تسلطت نظرات راجح عليها مراقباً باستمتاع الفزع المرتسم على وجهها.
=يعني إنت عندك النوم في المطبخ أرحم من النوم جنبي...
أجابته وهي تهز رأسها بقوة ولا يزال الذعر يسيطر عليها من فكرة النوم معه على فراش واحد.
=طبعاً.....
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه قائلاً برضا.
=أنا لو أعرف كده من الأول كنت وفرت علينا كتير.....
همست صدفة بعدم فهم وعينيها مسلطة بحذر على الابتسامة المرتسمة على شفتيه.
=تقصد إيه...؟
اتسعت ابتسامته وهو يجيبها.
=أقصد كنت نيمتك من الأول هنا بدل المطبخ......
ليكمل بسخرية وهو يتجه.
=قلة راحتك دي أهم حاجة عندي يا حرمي المصون....
ليكمل بحدة عندما لاحظ وجهها الملطخ.
=غوري اغسلي وشك من القرف..
هتفت صدفة مقاطعة إياه بارتباك.
=لا أنا هنام كده...
دفعها نحو الحمام بحدة.
=لا مش هتنامي تنامي جنبي بشكلك ده مش عايز أتصرع بليل...
ليكمل وهو يتجه نحو باب الغرفة.
=وغيري هدومك عقبال ما أتأكد إن باب الشقة مقفول وأعمل كوباية شاي أشربها يعني قدامك ٥ دقايق بالظبط وهدخل الأوضة ميخصنيش بقى كنت لابسة ولا...
غمز لها بعينه وهو يكمل.
=قالعة....
أغلق الباب خلفه وهو يضحك باستمتاع لتضرب صدفة الباب بإحدى قطع الملابس اللي كانت بيدها وهي تلعنه بصوت منخفض حتى لا يصل إلى مسمعه.
قبل إنها تتجه نحو الخزانة وتخرج إحدى العباءات المنزلية اللي اشترتها لجهازها من ثم اتجهت نحو غرفة الحمام لكي تغسل وجهها.
وهي تفكر إنه بالتأكيد كان سيأتي يوم لا محالة له ويرا وجهها دون تلك الأشياء اللي تضعها عليه فإذا رأها الآن أو فيما بعد لن يشكل فرقاً كثيراً عندها.
فما يهمها هو إن تحافظ على نفسها وهذا ما ستحاول بكل جهدها فعله.
بعد مرور ١٠ دقائق...
فتح راجح باب الغرفة دلفاً إلى الداخل وهو يحمل بيده كوباً من الشاي هاتفاً بسخرية.
=هااا قالعة ولا لابسة علشـ.....
لكنه ابتلع باقي جملته مسقطاً الكوب أرضاً بعد أن انزلق من يده ليسقط على السجادة تتناثر محتواه فوقها وعلى قدمه لكنه لم يكترث حيث كانت عينيه متسعة بالذهول والصدمة مسلطة على تلك الواقفة أمام المرآة تمشط شعرها.
ظل واقفاً مكانه يتفحصها والصدمة تسيطر عليه كما لو صاعقة قد ضربته يتطلع بنظرات ممتلئة بالإنبهار إلى جمال وجهها الملائكي الذي كانت تخفيه أسفل تلك الألوان والأشياء الغريبة التي كانت تضعها عليه.
فقد كان وجهها مستدير ذو بشرة بيضاء كريمية وأعين واسعة بلون العسل ورموش سوداء كثيفة وأنف صغير رقيق ملامحها كانت خلابة دقيقة للغاية.
انخفضت عينيه إلى شفتيها الوردية الممتلئة بإغراء مما جعل رغبة عاصفة تضربه فور تذكره لملمسها الحريري أسفل شفتيه بينما كان خديها ممتلئين بشكل محبب جعله يرغب بقضمها بأسنانه.
قفز قلبه داخل صدره بعنف بينما يتشدد جسده أكثر عندما انخفضت نظراته إلى جسدها يتفحصه بعينين مشتعلتين بنيران الرغبة حيث أظهرت العباءة التي ترتديها جمال قوامها الذي كان أشبه بالساعة الرملية وقد كانت تخفيه أسفل ملابسها الفضفاضة التي تظهرها على الأقل ضعفين حجمها الطبيعي فعلى الرغم من أنها لازالت ممتلئة القوام إلا أن امتلئها هذا جاء في الأماكن الصحيحة مما جعله يكاد أن يخر على ركبتيه.
انتبه إلى شعرها الحريري الأسود الذي كان بلون الليل منسدلاً بنعومة على ظهرها يصل إلى أسفله جاعلاً أصابعه تتوسل لكي يدفنها به ويتلمس نعومته الحريرية اتخذ خطوة نحوها هامساً بصعوبة بأنفاس ثقيلة وهو لا يستطيع تجميع أفكاره.
=إزاي... مين...
ليكمل وهو يهز رأسه بقوة محاولاً تجميع كلماته والخروج من صدمته تلك التي لازالت تؤثر عليه.
=فين... فين صدفة...
ليكمل بتعثر وذهول بينما يتلفت حوله يتفحص الغرفة.
=هي دي شقتي صح ولا أنا فين...
احتقن وجه صدفة بالخجل فور سماعها كلماته تلك فقد كانت تعلم ما يقصده لكنها أجابته بحدة مصطنعة وعدم فهم.
=احنا هنستظرف...
أخرجته كلماتها الحادة تلك من حالة الذهول التي وقع بها.
=أيوة.. أيوة هو نفس الصوت.. و اللسان الطويل...
قبض على ذراعها جاذباً إياها نحوه ليصطدم جسدها اللين بجسده العضلي الصلب مما جعلها تشهق بخوف وهي تحاول التراجع والابتعاد عنه لكنه شدد من قبضته حولها رافضاً إطلاق سراحها.
همس بصوت أجش شارد ويده تمر فوق وجهها يرسم ملامحه برقة مستمتعاً بملمسه الحريري.
=ليه بتعملي في نفسك كده؟
عقدت صدفة حاجبيها مجيبة إياه بعدم فهم وهي تشعر بالخجل والخوف في ذات الوقت فقد كانت عينيه الجائعة مسلطة عليها كما لو كان يرغب بإلتهامها.
=بعمل إيه...؟!
أجابها بينما يتحسس بأصابعه وجنتيها الممتلئتين المحتقنة بلون الدماء.
=القرف اللي كنت بتحطيه على وشك...
دفعته في صدره بقوة تتراجع إلى الخلف بعيداً عنه مجيبة إياه بحدة بينما قلبها يقصف داخل صدرها بخوف.
=وأنت.. وأنت مالك...
ثم تركته راكضة لداخل الحمام الذي استندت إلى بابه بجسدها بينما قلبها يقفز داخل صدرها بجنون داخل صدرها الذي أخذ يعلو وينخفض بقوة من شدة الخوف والانفعال.
بينما ظل راجح واقفاً مكانه بمنتصف الغرفة وعينيه مسلطة فوق الباب الذي أغلقته خلفها وهو لا يزال لا يصدق أن صدفة تملك كل هذا الجمال والذي قد يجعل أي رجل يقع أسيراً له.
لكن ما يحيره لما تفعل ذلك بنفسها فأي امرأة تمتلك جمالها هذا ستحب أن تظهره لا أن تخفيه بتلك الطريقة البشعة.
فرك وجهه بعصبية هامساً.
=قال وأنا كنت شايل الهم هنام إزاي جنبها... أومال وهي بشكلها ده هنام إزاي...
رفع رأسه للأعلى هاتفاً بقلة حيلة.
=الصبر والقوة من عندك يا رب.
سمع باب الحمام يفتح لتخرج بعدها صدفة وتقف بوجه مضطرب قلق مما جعله يصعد إلى الفراش نازعاً القميص الذي كان ارتداه على عجل عند استيقاظه على صوت رنين جرس الباب.. القاه على الأرض بإهمال متجاهلاً النظرات المنصدمة لتلك الواقفة بتردد على الجهة الأخرى من الفراش همست بارتباك يتخلله الخوف.
=هو أنت هتنام كده...
لم يجيبها راجح واستلقى على الفراش براحة مما جعلها تتنحنح قبل أن تستلقي هي الأخرى على الفراش بجانبه لكنها أسرعت بجذب وسادة كبيرة ووضعتها كفاصل بينهم قبل أن تسرع بالابتعاد إلى طرف الفراش تاركه أكبر مساحة فارغة بينهم جاذبة الغطاء حتى عنقها ثم تدير ظهرها له وكامل جسدها يرتجف بخوف وتوتر... غير مدركة لذلك المسلط عينيه عليها يتفحصها باستمتاع ورضا.
في الصباح.
استيقظ راجح على يد تهزه بقوة ليتراجع إلى الخلف بقوة هاتفاً بفزع فور أن فتح عينيه ورأى وجه ملطخ بالألوان وشعر مشعث.
=إيه ده في إيه.. بسم الله الرحمن الرحيم..
ليكمل زافراً بحنق وهو يفرك وجهه فور تعرفه على وجه صدفة.
=الله يخربيتك هقطع الخلف بسببك..
قاطعته صدفة هاتفها بحدة.
=ليه إن شاء الله شوفت عفريت...
أجابها راجح بحدة لاذعة بينما يعتدل جالساً.
=ألعن أقسم بالله.... إيه اللي هببتيه تاني في وشك ده...
اقتربت منه هامسة والتوتر مرتسم على وجهها.
=أمك وأخواتك برا...
أسند راجح رأسه قائلاً ببرود.
=وأعملهم إيه...
لكنه أكمل سريعاً وهو يشير بإصبعه إلى وجهها.
=شافوكي بالمنظر ده..؟!
هزت رأسها بالإيجاب مما جعله يطلق سباباً لاذعاً بينما عينيه تتفحص ما فعلته بوجهها الملائكي فكالمعتاد رسمت حاجبيها بلون أسود فاقع تزيد من حجمهم بشكل مبالغ به واضعة على وجهها لون كريم غمق لون بشرتها ليصبح عكس لونها الطبيعي الكريمي.
وشعرها الذي كان مسترسلاً ليلة أمس على ظهرها كشلال من الحرير أصبح أشعثاً لللغاية.
=روحي اغسلي وشك وشيلي الزفت اللي عملتيه في نفسك ده وسرحي شعرك...
احتقن وجهه بالغضب فور سماعها كلماتها تلك.
=ليه إن شاء الله مالي...
ظل ينظر إليها بصمت دون أن يجيبها مما جعل خديها يحترقان بالخجل فقد كانت تعلم ما الذي بوجهها فقد خربته بيدها بالصباح بعد أن أصابها الخوف فور تذكرها لنظراته الجائعة التي كانت تلتهمها بالأمس.
أمسكت بذراعه هامسة بتوتر فور تذكرها لما أيقظته.
=أمك عايزة تشوف البتاع...
عقد راجح حاجبيه مغمغماً بعدم فهم.
=بتاع إيه..؟!
أجابته هامسة وقد أصبح وجهها بلون الدماء وهي تحاول إيصال المعلومة له دون أن تنطق بها صراحةً فقد كانت والدته ترغب برؤية دليل عذريتها كالعادة المتبعة بحيهم حيث يأتي أهل العروس والعريس لرؤيته بيوم الصباحية.
=البتاع.. بتاع الفرح...
فهم راجح مقصدها لكنه استمر في تصنع عدم الفهم.
=إيه هو بتاع الفرح ده... ما تنطقي؟!
هتفت صدفة بحنق وهي تضرب جانب الفراش بيدها.
=القماشة البيضا... ارتحت.
هز راجح رأسه قائلاً بهدوء.
=اهاااا القماشة البيضا.
ليكمل وهو يسند ظهره باسترخاء إلى ظهر الفراش.
=طيب ما توريهالها...
هتفت صدفة بغضب من برودها هذا.
=أوريالها هو كان حصل حاجة علشان أوريهاالها...
غمغم راجح وهو يقبض على ذراعها جاذباً إياها نحوه لتسقط بجسدها فوق صدره العاري.
=طيب ما إحنا ممكن نصلح ده دلوقتي...
شهقت بفزع وهي تنتفض واقفة مبتعدة عنه بخوف لتقف بأقصى الغرفة هاتفة بارتباك وتلعثم.
=بطل حركاتك دي واتصرف يلا أمك مستنية برا...
هز راجح كتفيه مغمغماً ببرود وهو يتثائب.
=واتصرف ليه... أنا مالي...
وقفت صدفة تنظر إليه بعينين يملؤهما الخوف والعجز قبل أن تهمس بصوت مكتوم باكٍ والقهر ينبثق منه.
=وغلاوة أمك عندك يا راجح اتصرف... كده هتفضح...
زفر راجح باستسلام فور سماعه كلماتها تلك قائلاً بهدوء.
=موافق بس بشرط...
اندفعت نحوه قائلة بلهفة.
=إيه هو..؟؟
أجابها بينما ينهض بهدوء من فوق الفراش مشيراً بيده إلى جسدها.
=تدخلي تغسلي وشك من العك ده وتسرحي شعرك وتلبسي حاجة عدلة...
وقفت تتطلع إليه بتردد عدة لحظات قبل أن تهز رأسها بالموافقة.
=حــ... حاضر.
ثم اتجهت سريعاً نحو الخزانة مخرجة عباءة استقبال بلون أحمر غامق كانت قد اشترتها ضمن جهازها أخذتها ودلفت الحمام سريعاً تنفذ ما قاله.
بعد وقت قليل.
كان راجح يغلق أزرار القميص الذي ارتداه استعداداً للخروج إلى أهله والترحيب بهم عندما سمع صوت باب الحمام يفتح رفع رأسه لكي يلقي نظرة خاطفة عليها وهو مستمر بغلقه للأزرار لكن تجمدت حركة أصابعه وقد انحبست أنفاسه داخل صدره بينما أخذ قلبه يخفق بجنون فور أن وقعت عينيه عليها تفحص بعينين تلتمعان بالشغف العباءة الحمراء التي تظهر لون بشرتها المرمرية البيضاء مبرزة قوامها الرائع الذي كان يشبه الساعة الرملية بمنحنياتها الممتلئة التي جعلت جسده يتشدد بقوة بينما كان شعرها منسدلاً فوق ظهرها وكتفيها كشلال من الحرير الأسود مما أبرز جمالها أكثر وأكثر.
جذب نفساً عميقاً هامساً بصوت أجش وعينيه المحترقة بنيران الرغبة تمر فوق جسدها بجوع.
=بطل عليا النعمة بطل...
اقتربت منه صدفة مغمغمة بارتباك غافلة عن حالته تلك.
=هااا عملت إيه طمني...
خرج راجح من تأمله لها متنحنحاً بصوت مرتفع مبعداً عينيه عنها مجيباً إياها بينما يشير نحو الفراش.
=عندك إهها...
احمر وجهها وقد أصبح كالدماء فور أن وقعت عينيها على بقعة الدماء التي تتوسط قطعة القماش أبعدت نظرها بعيداً هامسة بصوت مرتجف.
=عملتها إزاي...
رفع إصبعه ليظهر به جرح بسيط مما جعلها تشهق ضاربة يدها فوق صدرها قائلة بفزع.
=عورت نفسك...
لوى شفتيه بسخرية مكملاً غلق أزرار قميصه بصمت بينما اتجهت صدفة نحو الفراش ملتقطة قطعة القماش بأطراف أصابعها لتمدها نحوه قائلة بخجل.
=أمسك اطلع وريهالها...
أزاح راجح يدها الممسكة بقطعة القماش بحدة بعيداً هاتفاً بقسوة.
=إنتي اتجننتي ولا إيه قماشة إيه وزفت إيه اللي أوريهالها.... ما تظبطي كده...
تأففت صدفة هاتفة بغضب وهي تلقي بغضب قطعة القماش على الأرض.
=وأنا كمان مش هوريها حاجة... أصلاً محدش بقى بيعمل كده أمك اللي حطتني في دماغها.
قاطعها بصرامة ونبرة قاطعة حادة يتخللها التحذير بينما عينيه تضيق عليها محدقاً بها بغضب.
=صوتك...
أخفضت صدفة صوتها على الفور مغمغمة بتصميم.
=برضو ماليش فيه مش هوريها حاجة...
زفر راجح بحنق قبل أن يغمغم بحدة.
=ومين قالك أصلاً إني موافق أنها تشوف حاجة زي كده.
هتفت صدفة بحدة وهي تندفع نحوه.
=ولما إنت مش ناوي توريها حاجة.. خالتني أشيل الهم كل ده ليه...
مرر عينيه على جسدها من الأعلى للأسفل قائلاً بنبرة أجش.
=علشان أخلي البطل يظهر...
قطبت صدفة حاجبيها مغمغمة بارتباك وهي لا تفهم مقصده.
=بطل إيه... مش فاهمة حاجة..
قاطعها راجح بينما يتجه لباب الغرفة.
=خلصي يلا... وحضريني.
قم غادر الغرفة تاركاً إياها واقفة بمكانها ولازالت تحاول فهم كلماته.
همست نعمات بصوت حاد منخفض حتى لا يصل إلى مسمع ابنتها شهد الجالسة بجانبها.
=يعني إيه مش هتخليني أشوف القماشة..
ده عرف عندنا من زمان.
قاطعها راجح بحدّة:
= أديكي قولتيها زمان... يعني محدش بقى بيعمل كده دلوقتي...
ليكمل بصرامة، مرَبّياً على يد والدته:
= متخليش ياما كرهك لصدفة يعميكي لأنك كده بتشككي فيا أنا...
هتفت نعمات سريعاً مقاطعة إياه:
= ما عاش ولا كان اللي يشكك فيك يا نور عين أمك.. ده أنت سيد الرجالة أنا بس كنت عايزة أطمن عليك...
لتكمل متنهدة بحسرة:
= مش عارفة شوفت فيها إيه يا ضنايا علشان تتجوزها... ده لما فتحتلنا الصبح كنت هتقلب من على السلم من الخِضّة..
ضحك راجح بصوت منخفض مما جعلها تهتف بحدّة:
= أنت بتضحك ونبي باينها سحرك زي ما بيقولوا أها منها بنت صبـــ.....
لكنها ابتلعت باقي جملتها صاحت بقوّة فور رؤيتها لصدفة تدلف إلى الغرفة بعباءتها الحمراء.
همست نعمات بارتباك رافضة تصديق ما يخبره به حدسها:
= مين دي يا راجح أنتوا عندكوا ضيوف..؟
أجابها راجح الذي كان جسده يهتز بقوّة من شدّة الضحك:
= دي صدفة ياما.....
هتفت نعمات التي انتفضت واقفة على قدميها:
= صدفة...
لتكمل وهي تلتفت نحو ابنتها شهد الجالسة تنظر لصدفة بعيون متسعة هي الأخرى وفمها مفتوح على مصراعيه:
= صدفة إزاي....
أجابها راجح بينما يحاول كتم ضحكته:
= ما قولتلك ياما بتحب تلعب بالمكياج وت بوظ شكلها...
هتفت نعمات وعينيها لم تنزاح عن صدفة الواقفة خلف مقعد راجح تتابع ما يحدث بتملّمل:
= تلعب إيه... دي كانت مشوهة وشها...
بينما نهضت شهد متجهة نحو صدفة بعد أن أفاقت من صدمتها تلك وابتسامة واسعة تملأ فمها:
= ما شاء الله يا صدفة ده أنتي طلعتي زي القمر...
ثم احتضنتها مباركة إياها...
بينما وقفت نعمات مغمّغة باختصار وهي تجَزّ فوق أسنانها:
= مبروك..
لتكمل بسخرية وهي تلوّي فمها بعدم رضا:
= وابقي يا أختي بطلعي لعب بالمكياج أنا ست كبيرة ومش حمل خِضّة تانية...
ثم جذبت شهد من ذراعها دافعة إياها نحو الباب:
= أنا نازلة يا راجح... احضري لأبوك لقمة قبل ما يرجع من الوكالة..
أومأ راجح رأسه بصمت بينما عينيه مسلّطة باستمتاع على تلك الواقفة ترمق والدته بنظرات مشتعلة.
وفور مغادرة والدته نهض قائلاً:
= أنا داخل أكمل نوم...
ليكمل بسخرية محاولاً مشاكستها:
= ما نمتش طول الليل بسببك شغالة شخير.. وترفيص وحاجة تقرف...
هتفت صدفة مقاطعة إياه باستنكار واضعة يديها حول خصرها:
= فشرت... ده أنا مبتتقلبش حتى وأنا نايمة.
اتجه نحو الباب قائلاً بسخرية مستفزاً إياها:
= يا شيخة أتنيلي أومال بقى لو بتتقلبي كنتي عملتي إيه...
أصدرت صدفة زمجرة غاضبة وهي تحاول التحكّم في أعصابها وعدم الرد بينما غادر هو الغرفة وابتسامة واسعة تملأ شفتيه...
في وقت لاحق..
دلف إلى غرفة الاستقبال راجح الذي استيقظ للتو فهو لم يكذب عندما أخبرها أنه لم يستطع النوم بليلة أمس لكن ليس بسبب شخيرها كما أخبرها أنما بسبب تلك النائمة بجانبه ورغبته بها التي كانت تعصف به.....
توقفت خطواته على مدخل الغرفة عندما وقعت عينيه على تلك الجالسة على الأريكة تبكي بشهقات منخفضة وقد أصبح وجهها محمر من شدّة البكاء..
شعر بشعور من الضيق يتغلغل بداخله فور رؤيتها بحالتها تلك..
تقدّم إلى داخل الغرفة حتى وقف أمامها مباشرة وما أن رأته اعتدلت في جلستها منتفضة كما لو أنها تفاجأت من رؤيته..
تناهَح راجح بصوت منخفض قبل أن يغمْغم بصوت أجش خشن من أثر النوم:
= بتعيطي ليه...؟!
ليكمل وهو يتفحّصها بنظرات ثاقبة:
= علشان يعني أهلك مجوش يباركولك..؟!
عقدت صدفة حاجبيها مغمْغة بحيرة:
= أهلي مين....؟!
مسحت دموعها العالقة بعينيها وخدّيها بكم عباءتها وهي تغمْغم بعدم حماس:
= قصدك جوز أمي ومراته يا أخي ما بولعوا ودول يفرقوا معايا برضو ده أنا ما صدقت خلصت من خلاقهم العكّرة...
لتكمل وهي تشير بيدها إلى شيء يقع خلفه بينما تدس يدها الأخرى بصحن الفشار الذي بجانبها وتضع منه كميّة كبيرة بفمها ليملأه:
= ده أنا بتفرج على مسلسل تركي مدبلج.
استدار راجح يتطلّع خلفه بدهشة إلى التلفاز الذي يقع خلفه والذي لم ينتبه أنه كان مفتوحاً فقد انصبّ كامل تركيزه عليها عندما وجدها تبكي:
= مسلسل...؟!
أومأت صدفة برأسها مجيبة إياه بصوت يتخلّله الحزن والتأثّر بينما تمضغ الفشار الذي بفمها بصوت مرتفع:
= أصل البطلة يا قلب أمها عملت حادثة واتشالت بسبب إن البطل كان هيجوزها غصب وفضل يعذّبها فيها...
لتكمل وهي ترمقُه بنظرات سامة مملوءة بالسخط والغضب:
= أصله كان واطي.. ومستقوي نفسه عليها..
ضيّق راجح حدقتيه عليها مكتفياً ذراعيه فوق صدره بينما يستمع إليها تكمل بنبرة يملؤها الازدراء بينما تسدّد إليه نظرات شرسة قاتلة عالماً أنها تعنيه بكلماتها تلك:
= مفتري وظالم وما يقدر عليه إلا ربنا......
قطعت جملتها مطلقة صرخة فزعة عندما جذبها من ذراعها بقوّة جعلتها تنهض على قدميها، أطبق أصابعه على شفتيها مغلّقاً إياها بقسوة مزمجرًا بفحيح حادّ:
= وهيديها بالجزمة فوق دماغها لو ملمتش لسانها وقفلت بوقها وغارت من وشها..
ثم دفعها جانباً بحدّة مما جعلها تتعثّر وتسقط جالسة على المقعد الذي كان يقع خلفها مباشرةً.
شاهدته بعيون متسعة بالصدمة وهو يستلقي باسترخاء على الأريكة التي كانت تجلس عليها سابقاً متناولاً جهاز التحكّم مغيّراً قناة التلفاز عن المسلسل الذي كانت تشاهده.
انتفضت واقفة وهي تهتف بحدّة:
= إيه ده في إيه بتقلب عن المسلسل ليه؟
رمَقَها بنظرة متصلبة قبل أن يشير بجهاز التحكّم الذي لا يزال بيده قائلاً بضجر:
= اخفي يا بت يلا اعملي حاجة أكلها...
اندلعت نيران الغضب بداخلها فور سماعها كلماته المتعجرفة تلك وقد طفِح كيلها من معاملته لها بتلك الطريقة، اندفعت نحوه حتى وقفت أمامه مباشرة هاتفة بشراسة وعينيها تعصف بغضب عارم:
= لا بقولك إيه بقى أنا مش الخدامة بتاعتك علشان كل شوية عمال تؤمر وتتحكم فيا......
ارتسمت تعبيرات وحشيّة على وجهه مزمجرًا من بين أسنانه المطبقة بقسوة بينما تتقافز شِرَرَات الغضب من عينيه:
= صوتك ميعلاش... واخفي اعملي اللي قولتلك عليه أحسنلك.
وضعت يديها حول خصرها هاتفة بصوت مرتفع للغاية معاندة إياه غير آبهة بتهديده هذا وقد أعماها الغضب:
= مش عملالك حاجة.. وإيه هو كل شوية تهدّدني.. وشغال كل ما أجي أتكلم.......
لتكمل وهي تخَشْن من صوتها مقلّدة إياه:
= صوتك..... صوتك... صوتك.
ألْقَتْ بيدها أمام وجهه هاتفة بشكل هستيري:
= إيه هتكتمني..... مش هطي صوتي ومش عملالك حاجة ووريني بقى هتعمل إيه....
ابتلعت باقي جملتها صاحت بفزع متراجعة للخلف بتعثّر عندما انتفض واقفاً فجأة وعلامات القتل مرتسمة على وجهه المشتعل بغضب لم ترَه من قبل مما جعلها تتأكّد أنه سيقوم هذه المرّة بقتلها.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل السابع 7 - بقلم هدير نور
دلف إلى غرفة الاستقبال راجح الذي استيقظ للتو، فهو لم يكذب عندما أخبرها أنه لم يستطع النوم الليلة الماضية، لكن ليس بسبب شخيرها كما أخبرها، إنما بسبب تلك النائمة بجانبه ورغبته بها التي كانت تعصف به.
توقفت خطواته على مدخل الغرفة عندما وقعت عيناه على تلك الجالسة على الأريكة تبكي بشهقات منخفضة، وقد أصبح وجهها محمرًا من شدة البكاء.
شعر بشعور من الضيق يتغلغل بداخله فور رؤيتها بحالتها تلك. تقدم إلى داخل الغرفة حتى وقف أمامها مباشرة، وما إن رأته اعتدلت في جلستها منتفضة كما لو أنها تفاجأت من رؤيته.
تنحنح راجح بصوت منخفض قبل أن يغمغم بصوت أجش خشن من أثر النوم.
= بتعيطي ليه؟
ليكمل وهو يتفحصها بنظرات ثاقبة.
= علشان يعني أهلك مجوش يباركولك؟
عقدت صدفة حاجبيها مغمغمة بحيرة.
= أهلي مين؟
مسحت دموعها العالقة بعينيها وخديها بكم عباءتها وهي تغمغم بعدم حماس.
= قصدك جوز أمي ومراته، يا أخي ما يولعوا، ودول يفرقوا معايا برضه، ده أنا ما صدقت خلصت من خلاقهم العكرة.
لتكمل وهي تشير بيدها إلى شيء يقع خلفه، بينما تدس يدها الأخرى في صحن الفشار الذي بجانبها وتضع منه كمية كبيرة في فمها ليملئه.
= ده أنا بتفرج على مسلسل تركي مدبلج.
استدار راجح يتطلع خلفه بدهشة إلى التلفاز الذي يقع خلفه والذي لم ينتبه أنه كان مفتوحًا، فقد انصب كامل تركيزه عليها عندما وجدها تبكي.
= مسلسل؟
أومأت صدفة برأسها مجيبة إياه بصوت يتخلله الحزن والتأثر، بينما تمضغ الفشار الذي في فمها بصوت مرتفع.
= أصل البطلة يا قلب أمها عملت حادثة واتشلت بسبب إن البطل كان اتجوزها غصب وفضل يعذب فيها.
لتكمل وهي ترمقه بنظرات سامة مملوءة بالسخط والغضب.
= أصله كان واطي ومستقوي نفسه عليها.
ضيق راجح حدقتيه عليها مكتفًا ذراعيه فوق صدره، بينما يستمع إليها تكمل بنبرة يملؤها الازدراء، بينما تسدد إليه نظرات شرسة قاتلة، عالمًا أنها تعنيه بكلماتها تلك.
= مفتري وظالم وما يقدر عليه إلا ربنا.
قطعت جملتها مطلقة صرخة فازعة عندما جذبها من ذراعها بقوة جعلتها تنهض على قدميها، أطبقت أصابعه على شفتيها مغلقًا إياها بقسوة، مزمجرًا بفحيح حاد.
= وهديها بالجزمة فوق دماغها لو ملمتش لسانها وقفت بوقها وغارت من وشه.
ثم دفعها جانبًا بحدة، مما جعلها تتعثر وتسقط جالسة على المقعد الذي كان يقع خلفها مباشرة.
شاهدته بعينين متسعتين بالصدمة وهو يستلقي باسترخاء على الأريكة التي كانت تجلس عليها سابقًا، متناولاً جهاز التحكم مغيراً قناة التلفاز عن المسلسل الذي كانت تشاهده.
انتفضت واقفة وهي تهتف بحدة.
= إيه ده في إيه؟ بتقلب عن المسلسل لييييه؟
رمقها بنظرة متصلبة قبل أن يشير بجهاز التحكم الذي لا يزال بيده، قائلاً بضجر.
= اخفي يا بت يلا، اعملي حاجة آكلها.
اندلعت نيران الغضب بداخلها فور سماعها كلماته المتعجرفة تلك، وقد طفح كيلها من معاملته لها بتلك الطريقة. اندفعت نحوه حتى وقفت أمامه مباشرة، هاتفة بشراسة وعيناها تعصف بغضب عارم.
= لأ بقولك إيه بقى، أنا مش الخدامة بتاعتك عشان كل شوية عمال تؤمر وتتحكم فيا.
ارتسمت تعبيرات وحشية على وجهه، مزمجرًا من بين أسنانه المطبقة بقسوة، بينما تتقافز شرارات الغضب من عينيه.
= صوتك ما يعلاش، واخفي اعملي اللي قوللتلك عليه أحسنلك.
وضعت يديها حول خصرها، هاتفة بصوت مرتفع للغاية، معاندة إياه، غير آبهة بتهديده هذا، وقد أعماها الغضب.
= مش هعملالك حاجة، وإيه هو كل شوية تهددني؟ وشغال كل ما أجي أتكلم...
لتكمل وهي تخشن من صوتها مقلدة إياه.
= صوتك... صوتك... صوتك.
أطاحت بيدها أمام وجهه، هاتفة بشكل هستيري.
= إيييه؟ هتكتمني؟ مش هوطي صوتي ومش هعملالك حاجة، ووريني بقى هتعمل إيه؟
ابتلعت باقي جملتها، شاهقة بفزع، متراجعة للخلف بتعثر عندما انتفض واقفًا فجأة، وعلامات القتل مرتسمة على وجهه المشتعل بغضب لم تراه من قبل، مما جعلها تتأكد أنه سيقوم هذه المرة بقتلها.
قبض على ذراعها مانعًا إياها من التراجع، جاذبًا إياها بحدة نحوه، لتصطدم بقسوة بجسده الصلب، مما جعلها تتخبط بطريقة هستيرية بين ذراعيه محاولة الهرب منه، لكنه أسرع بالقبض على ذراعيها بقسوة، مديراً إياها لتواجهه، غارزًا أصابعه في شعرها يجذبه بقوة حتى سقط رأسها للخلف، لتتقابل عيناه التي تنطلق منها شرارات الغضب بعينيها الفازعة.
همس بالقرب من أذنها بصوت أجش خشن.
= عايزة تعرفي هعمل إيه؟ مش كده؟
أنهى جملته تلك، دافعًا إياها بقسوة فوق الأريكة لتصبح مستلقية عليها، مما جعلها تحاول بفزع النهوض والهرب منه، لكنه كان أسرع منها، حيث استلقى فوقها متجاهلاً صراختها الفازعة، ليصبح جسدها محاصرًا أسفل جسده الضخم.
ثم أطبق بشفتيه على شفتيها بقسوة، مبتلعًا داخل فمه صراختها المحتجة.
صرخت بألم عندما بدأ يلتهم شفتيها بضراوة وقسوة، ممزقًا إياها بأسنانه، مما جعلها تضربه بيدين متخبطتين في صدره محاولة إبعاده، لكنه أسرع بالقبض على يديها بيده مقيدًا إياها فوق رأسها، بينما لا يزال يلتهم شفتيها بشراسة وغضب.
كانت قبلته تلك لم يكن بها شيء من الإثارة أو الرغبة، بل كانت قبلة للعقاب، ممتلئة بالغضب والقسوة.
ابتعد عنها بالنهاية، تاركًا إياها حتى تستطيع أن تلتقط أنفاسها عندما رأى وجهها يحمر من شدة الاختناق.
أخذت صدفة تلهث بصوت مرتفع، محاولة التقاط أنفاسها المختنقة، بينما الألم الذي يعصف بشفتيها يكاد يقتلها.
لكن سيطر عليها الرعب الذي اجتاحها فور أن رأت عينيه المسلطة عليها، والتي اظلمت بالرغبة بشكل قاسٍ، جعلها ترغب بالبكاء والفرار بعيدًا عنه.
أصدرت صوتًا مكتومًا مليئًا بالذعر عندما رأت رأسه ينحني عليها مرة أخرى، دافنًا وجهه في عنقها، ممررًا بلطف هذه المرة شفتيه على جلد عنقها الحار الحساس، مما جعل جسدها يهتز بقوة.
شاهقة بصوت مرتجف عندما أخذ يطبع على عنقها قبلات محمومة رقيقة، مما جعل رجفة حادة تسري بسائر أنحاء جسدها. حرر يديها، ثم التفت ذراعيه حول خصرها، جاذبًا إياها نحوه، ليلتصق جسدها اللين بجسده الصلب، ضامًا إياها إليه بقوة، بينما لا يزال رأسه مدفونًا في عنقها يقبله بنهم وشغف. أطلق تنهيدة مرتفعة، مجبرًا ذاته بالتوقف عما يفعله، دافنًا وجهه في شعرها الحريري، يستنشق رائحتها الرائعة بشغف، محاولًا تهدئة ذاته وتذكير نفسه السبب وراء ما يفعله، وهو معاقبتها فقط، لكن خرج الأمر عن سيطرته فور ملامسته إياها. فمنذ ليلة أمس وهو يحاول السيطرة على رغبته بها وكبحها، لكنه فقد السيطرة فور أن لمسها وشعر بجسدها اللين الذي كان يرتجف أسفله. التقط نفسًا عميقًا قبل أن يرفع رأسه عن شعرها وينظر إليها.
ظلت صدفة صامتة تتطلع إليه بعينين متسعتين، بينما دقات قلبها تعصف داخل صدرها من شدة الخوف والارتباك بسبب ما حدث.
ابتلعت بصعوبة الغصة التي تشكلت بحلقها عندما قرب شفتيه من أذنها، يهمس لها بصوت أجش مثير.
= لو مش هتقومي تعملي الأكل، هاخدك دلوقتي على أوضة النوم، وهناك هعاملك على إنك مراتي، مش الخدامة اللي اشتريتها زي ما بتقولي.
هزت رأسها بقوة، هامسة بصوت مرتعش ضعيف، وهي تشعر بكامل جسدها يشتعل أثر لمسة إصبعه الذي كان يمرره ببطء على عنقها.
= هقوم أعملك الأكل.
نهض راجح من فوقها، محررًا إياها، وعلامات الرضا ترتسم على وجهه. جلس على الأريكة متناولاً مرة أخرى جهاز التحكم، مغمغمًا ببرود يعاكس النيران المشتعلة بجسده، وهو يصطنع انشغاله في تقليب قنوات التلفاز.
= اعملي لنا محشي.
نهضت صدفة من فوق الأريكة، تعدل من ملابسها، هاتفة بصدمة وهي تقف بصعوبة على قدميها التي كانت أشبه بالهلام.
= محشي؟!!!
رفع راجح حاجبه، قائلاً بنبرة يتخللها التحدي.
= إيه، في حاجة؟
هزت رأسها قائلة، وهي لازالت شبه مخدرة بسبب ما حدث بينهما منذ قليل.
= الساعة 10 بالليل، هجيب منين حاجة المحشي ده دلوقتي؟
أجابها ببرود، بينما يتمدد فوق الأريكة باسترخاء.
= الديب فريزر عندك في المطبخ فيه خير ربنا كله.
ليكمل بحدة عندما وجدها لازالت واقفة مكانها ولم تتحرك.
= هتفضلي متنحة مكانك؟ ما تتحركي.
أسرعت صدفة بمغادرة الغرفة وهي تتأفف بغضب، لاعنة إياه بصوت منخفض.
دَلفت إلى غرفة النوم لكي تبدل ملابسها حتى لا تتسخ العباءة التي ترتديها، وبدلتها بعباءة أخرى قديمة، ومن ثم اتجهت نحو المرآة لكي تتفحص شفتيها التي كان الألم يعصف بها. أطلقت شهقة صادمة فور أن رأت الجرح والرضوض التي بشفتيها المكدومة بشدة، فقد كانت تؤلمها، لكنها لم تتوقع أن تكون قد جرحت وأنها بهذا السوء.
أخذت تتحسس بأصابعها المرتجفة شفتيها برفق، هامسة بغضب.
= منك لله يا بعيد.
ابتعدت عن المرآة وهي تزفر بحنق وغضب، ولم تهتم بجمع شعرها، داعية الله أن يمتلئ الطعام بشعرها ويقف في حلقه يختنق به عند تناوله إياه.
دَلفت إلى المطبخ، محاولة السيطرة على أعصابها المشتعلة حتى لا تندفع إلى حجرة المعيشة وتمزق وجهه بأظافرها على ما فعله بها.
بدأت بإعداد الطعام وهي تهمهم بصوت منخفض، تحدث نفسها بغضب وحدة، ولا يزال الغضب يشتعل بداخلها.
= أنا السبب في ده كله، كان يتقطع لساني يوم ما قولت إنه نيل عمل فيا حاجة.
لتكمل وهي تغرز السكين في ورق الملفوف تقطعه بحدة، مخرجة غضبها به.
= ونبي في عروسة في يوم صبحيتها تقف تطبخ محشي؟ اللهي تطفحه يا بعيد.
استمرت في تحضير المحشي وهي لا تزال تهمهم بصوت منخفض تلعنه بأفظع الشتائم.
لكنها ابتلعت لعناتها تلك منتفضة في مكانها، صارخة بفزع وخوف عندما شعرت بيد تجذب خصلة من شعرها من الخلف، وصوت حاد صارم يأتي من خلفها.
= بتبرطمي بتقولي إيه يا بت؟
استدارت حول نفسها بتخبط لتصطدم بصدر راجح الذي كان يقف خلفها مباشرة، لتصبح محاصرة بينه وبين خشب المطبخ الذي يقع خلفها. ألقت السكين بحده من يدها وهي تصرخ بغضب وجسدها يهتز بشدة من أثر الفزع.
= يا أخي حرام عليك بقي.
أمسك بذراعها يلويه خلف ظهرها قائلاً، وهو يجذبها نحوه حتى أصبح جسدها يستند على جسده.
= كنت بتبرطمي بتقولي إيه؟
أجابته بارتباك وقد احتقن وجهها بشدة خوفاً من أن يكون قد سمعها.
= مبرطمش، كنت بستغفر.
امتدت يده إلى الخلف ممسكاً بشعرها المنسدل على ظهرها، يجذب خصلة منه للأسفل بحدة مما جعلها تصرخ متألمة.
= طيب لمي شعرك اللي إنتِ فرحانة بيه ده بدل ما يقع في الأكل.
زفرت صدفة بحدة مجيبة إياه من بين أسنانها بغيظ، محاولة السيطرة على غضبها حتى لا تنفجر في وجهه، ومن ثم ستتحمل عواقب انفجارها هذا.
= حاضر، هروح أغسل إيدي وهلمه.
غمغم بصرامة أمراً إياها.
= لفي.
أدار جسدها بين ذراعيه ليصبح ظهرها يواجه صدره. أمسك بخصلات شعرها بين يديه متنعماً بملامسه الحريري بين أصابعه، ثم أخذ يجمع شعرها في جديلة قد تعلمها خصيصاً وهو صغيراً من أجل شقيقته شهد التي كانت ترفض أن تمشط لها والدتهم شعرها وتصر بأن يقوم هو بهذه المهمة.
بينما تجمد جسد صدفة من فعلته غير المتوقعة تلك.
استمر بتجديل شعرها حتى تجمع في جديلة سميكة وطويلة تنتهي أسفل ظهرها.
تراجع مبتعداً عنها وهو يقاوم بصعوبة رغبته في حملها والتوجه بها إلى غرفة نومهم، يدفن نفسه به حتى يطفئ جوعه لها. غمغم بصوت خشن صارم بينما يبتعد عنها.
= طول ما إنتِ بتطبخي شعرك يبقى ملموم، فاهمة؟
زفرت صدفة قائلة بحنق.
= فاهمة.
تنحنح قائلاً، بينما يتجه نحو الديب فريزر ويخرج منه كيساً مغلفاً.
= اعملي اللحمة دي مع المحشي.
استدارت إليه صدفة مغمغمة بحدة وقد نفذ صبرها.
= طيب وإيه اللي تاعب نفسك وليه مطلع اللحمة من الفريزر؟
لتكمل وهي تشير إلى ذراعها بغضب.
= ما أقطعلك من لحمي أحسن وأطبخهولك علشان تبقى كملة التعذيب.
قاطعها راجح بصوت أجش.
= أنا لو هاكل لحمك مش هخليكي تطبخيه.
ليكمل وهو يتقدم خطوة منها وعينيه المشتعلة بالنيران مسلطة على شفتيها المرضوضة أثر قبلتهم السابقة.
= هاكله ني.
انحبست أنفاسها داخل صدرها فور أن فهمت مقصده. حدقت في وجهه بخوف من لهيب الرغبة الذي يلتمع في عينيه، مما جعلها تستدير بتخبط مولية إياه ظهرها، مغلقة عينيها بقوة وهي تهمس بصوت مرتجف منخفض.
= نهار أسود.
بينما وقف راجح خلفها يمنع نفسه بصعوبة من جذبها بين ذراعيه، قاذفاً بعيداً بكل الأسباب التي تمنعه من لمسها، لذا أسرع بالخروج من المطبخ قبل أن يستسلم لرغبته التي أصبحت تسيطر عليه تماماً.
تاركا إياها واقفة في مكانها وعينيها لا تزال مغلقة وصدرها يعلو وينخفض بخوف وارتباك في ذات الوقت.
في وقت لاحق.
وضعت صدفة الطعام الذي صنعته على الطاولة، ثم ذهبت إلى غرفة الاستقبال لتخبر راجح الذي كان يشاهد التلفاز أن الطعام جاهز.
= الأكل برا على السفرة.
غمغم بهدوء دون أن يلتفت إليها وعينيه مسلطة على التلفاز يشاهد إحدى ماتشات الكرة الخاصة بإحدى الفرق الأجنبية.
= أكل إيه؟
أجابته صدفة بعبوس وهي تعقد يديها فوق صدرها.
= المحشي اللي إنت طالبه وعملتلك معاه لحمة محمرة.
غمغم راجح بلامبالاة وعينيه لا تزال مسلطة على التلفاز.
= مش عايز أكل محشي، عندك عكاوي وممبار في الفريزر اعمليهم.
صرخت صدفة بغضب وهي تندفع عدة خطوات نحوه.
= نعم؟ اومال خالتي أعمله ليه؟ ده أنا بقالي ساعتين بعمل فيهم لحد ما ظهري اتقطم.
زمجر بصوت منخفض شرس، زاجراً إياها بنظرة قاسية مشتعلة.
= صوتك ميعلاش.
صرخت صدفة بحنق بينما تضرب بيديها على قدميها وقد احتقن وجهها من شدة الغضب.
= يا أخي يلعن أبو صوتي اللي إنت قارفني بيه.
قاطعها راجح بقسوة.
= بطلي نواح وغوري اعملي العكاوي والممبار عشان جعان.
تنفست صدفة بعمق محاولة تهدئة نفسها والتحكم في أعصابها حتى لا تثير غضبه.
هامسة بصوت مرتجف محاولة إقناعه بهدوء.
= ممبار وعكاوي إيه بس ده الساعة 12 نص الليل، وعقبال ما أعملهم ويستويا هياخدوا أقل حاجة 3 ساعات.
هز راجح كتفيه مغمغماً ببرود وهو يتناول سيجارة ويشعلها.
= 3 ساعات ولا حتى خمسة، وإنتِ وراكي إيه يعني.
وقفت صدفة تتطلع إليه بعينين عاصفة بالغضب، هاتفة بشراسة وهي تعقد يديها على صدرها.
= مش عاملة حاجة، عندك المحشي برا عايز تاكل كل، مش عايز انت حر.
راقبته بعينين مضطربة وهو يومأ برأسه بهدوء، ناهضاً على قدميه برفق، مقترباً منها حتى وقف أمامها مباشرة ينظر إليها بصمت عدة لحظات مما أثار الخوف والارتباك بداخلها. أشاحت بعينيها بعيداً عن عينيه المسلطة عليها.
لكنها أطلقت صرخة فازعة عندما انحنى عليها فجأة حاملاً إياها بين ذراعيه خارجاً بها من الغرفة. صرخت صدفة بخوف.
= بتعمل إيه؟ نزلني.
أجابها بهدوء بينما يتجه بها نحو غرفة النوم.
= مش بتقولي مش هتعملي حاجة؟ خلاص هندخل ننام.
هزت رأسها بقوة مقاطعة إياه بصوت لاهث يملؤه الذعر وهي تدرك ما يقصده.
= لا خلاص، والله هعملك اللي إنت عايزه.
توقفت قدميه على مدخل الغرفة قائلاً بصوت هادئ بينما يراقبها باستمتاع.
= متأكدة؟
أومأت برأسها بلهفة وعينين مستمتعة. أخفض راجح ببطء على قدميها، ثم دفعها برفق ليستند ظهرها على باب الغرفة. وقبل أن تدرك المذهولة ما يحدث، أخفض رأسه متناولاً شفتيها في قبلة رقيقة سريعة.
دفعته صدفة في صدره، فاصلة شفتيها عن شفتيه، هاتفة بصوت مختنق.
= إيه اللي بتعمله ده؟
أجابها بهدوء وهو يمرر إصبعه فوق خدها الممتلئ.
= مش قولتي هعملك اللي إنت عايزه.
انتزعت نفسها من بين ذراعيه هاتفة بعصبية بينما ضربات قلبها تضرب بجنون داخل صدرها.
= أقصد العكاوي.
لتكمل سريعاً وهي تلتف هاربة من الغرفة عندما رأته يقترب منها مرة أخرى.
= ما ألحق أحطها على النار.
وقف راجح يتابع هروبها هذا وجسده يهتز من ضحكته المكتومة.
بعد مرور أكثر من ثلاث ساعات.
تحركت صدفة ببطء وجسدها يصرخ بالتعب والإنهاك، واضعة الطعام أمام راجح الجالس على طاولة الطعام يراقبها بعينين تلتمع بالتسلية والغطرسة.
بعد أن انتهت من وضع الطعام، التفتت خارجة متجاهلة إياه، لكن أوقفها صوته الحاد.
= أومال فين المحشي؟
التفتت إليه مجيبة إياه بتململ.
= في التلاجة، مش قولت مش هتاكل منه؟
تراجع راجح في مقعده باسترخاء.
= غيرت رأيي، سخّنيه وهاته.
هتفت صدفة بحدة بينما تشير إلى طاجن العكاوي وصحن الممبار الذي أمامه.
= هتاكل محشي مع عكاوي؟
هز كتفيه ببرود قائلاً، وهو يدفع الطاجن بعيداً من أمامه.
= ومين قالك إني هاكل عكاوي؟ ماليش في الأكل ده.
احتقن وجهها من شدة الغضب، شاعرة بأن قدرتها على التحمل بدأت تنفذ.
= أومال خالتي أطبخها ليه؟
تراجع راجح باسترخاء في مقعده.
= عشانك.
ليكمل وهو يدفع الطاجن نحوها.
= اتعشى بيه.
اهتز جسدها بعنف وقد اشتعل الغضب كبركان ثائر داخل صدرها.
أطلقت صرخة حادة بينما تندفع نحوه وعينيها مسلطة بشر على طاجن العكاوي التي تتصاعد منه الأبخرة، ليدرك نيتها على الفور. زمجر بقسوة.
= إياكي.
تجمدت يدها التي كانت تهم بالإمساك بالطاجن، مبتلعة لعابها بخوف فور أن رأت النظرة الشرسة التي يحدقها بها.
لكنها لم تبالِ وأمسكت بالطاجن الذي كانت تغلي مكوناته وتتصاعد الأبخرة الحارة منه، لكنها سرعان ما تركته من يدها مطلقة صرخة حادة متألمة عندما أحرقته سخونة الطاجن الملتهبة يدها.
تراجعت للخلف تضم يدها المحترقة إلى صدرها، والألم يعصف بها.
لكنها رفعت وجهها نحوه راسمًة الجمود عليه عندما سمعته يغمغم بحدة وهو ينتفض واقفاً.
= عارفة لو كانت نقطة منه بس لمستني كنت هعمل فيكي إيه.
ليكمل بقسوة وعيناه تشع بالغضب عليها، بينما كان يأخذ خطوات متواعدة نحوها مما جعلها تتراجع إلى الخلف بخوف.
= قسمًا بالله كنت ولعت فيكي بجاز وسخ.
زمجر بقسوة بينما يشير نحو باب الغرفة.
= غوري سخّني المحشي وهاتيه.
التفتت صدفة مغادرة الغرفة سريعاً شبه راكضة وهي تضم يدها المحترقة إلى صدرها. وفور أن أصبحت داخل المطبخ انفجرت باكية بسبب الألم الذي يعصف بيدها، والألم الذي يعصف بروحها بسبب معاملته الفظة لها، لا تعلم كيف ستنتهي من كل هذا فقد بدأت طاقتها تنفذ من أول يوم فقط.
بعد وقت قصير لحق راجح بها لداخل المطبخ عندما تأخرت، لكن تجمدت ساقيه بمدخل المطبخ عندما رآها واقفة بمنتصف المطبخ منحنية الرأس تضم يدها إلى صدرها، بينما شهقات بكائها المكتومة تملأ السكون من حولها. شعر راجح بالذنب يتخلله لما فعله بها. تقدم منها وهو يتنحنح بصوت منخفض مما جعلها تنتفض في مكانها فازعة تسرع بمسح وجنتيها بيد مرتجفة.
غمغم راجح بهدوء وهو يمسك ذراعها برفق جاذباً إياه معه للخارج.
= تعالي معايا.
همست صدفة معترضة رافضة الخروج معه.
= الأكل على النار بيسخن.
استدار راجح بصمت مغلقاً نار الموقد، ثم جذبها معها للخارج بتصميم. ساعدها على الجلوس على طاولة الطعام قبل أن يتركها ويختفي داخل غرفة النوم، ليعود مرة أخرى بعد عدة دقائق وبيده كريم طبي مخصص للحروق. جلس على المقعد الذي يجاور مقعدها متناولاً بهدوء يدها المصابة يفحصها بدقة ليجد أنه لا يوجد ضرر بها سوى التهابات بسيطة. وضع فوقها المرهم بلطف، بينما كانت صدفة تراقب ما يفعله بصمت حيث كانت تشعر بالاستنفاذ والتعب.
وفور أن أنهى ما يفعله، نهضت على قدميها هامسة بخفوت.
= هروح أسخنلك المحشي و...
قاطعها راجح على الفور مشيراً نحو الطعام المنتشر فوق الطاولة.
= ما تسخنيش حاجة، هاكل من الأكل ده.
أومأت رأسها بصمت مغمغمة بتعب.
= طيب هروح أنام أنا.
جذبها من ذراعها مجلساً إياها مرة أخرى قائلاً بصرامة:
=اتعشى الأول.. بعد كده نامي...
غمغمت بهدوء بينما تحاول النهوض مرة أخرى:
=مش جعانة....
تشددت يده الممسكة بذراعها مزمجراً بحزم:
=قولت لما تتعشي الأول...
ثم بدأ بوضع الطعام في صحنها وصحنه لتبدأ صدفة بتناول الطعام حتى تذهب سريعاً للنوم. وبالفعل أنهت طعامها سريعاً، من ثم نهضت مغمغمة بخفوت أنها ستذهب للنوم، ثم غادرت الغرفة سريعاً، تاركة راجح يتبعها بعينيه وتعبير قاتم مرتسم على وجهه.
***
في الصباح..
وقف راجح أمام المرآة يرتدي ملابسه لكي يستعد للذهاب للعمل، وبين الحين والآخر كان يلتف ويتطلع إلى تلك النائمة بهدوء وسلام على الفراش، غير واعية لأي من تحركاته بالغرفة.
اقترب منها ببطء حتى وقف بجانب الفراش، حاول إلقاء نظرة على يدها لكنها كانت تضعها أسفل الغطاء فلم يستطع رؤيتها.
هز كتفيها برفق ميقظاً إياها. فتحت صدفة عينيها بصعوبة هامسة بصوت أجش:
=ايه... في ايه.....؟
أجابها بهدوء بينما يبتعد عنها مغلقاً أزرار قميصه:
=قومي حضري لي الفطار...
غمغمت بتذمر وصوت ناعس بينما تلقي نظرة على الساعة المعلقة على الحائط:
=بتصحيني الساعة 7 علشان أحضر لك الفطار؟ ما تحضره لنفسك، أنت صغير...
قاطعها بحدة بينما يتناول الفرشاة ويبدأ بتمريرها بشعره:
=مش عايز رغي كتير، اخلصي أنا متأخر...
ألقت الغطاء بعيداً، ناهضة من فوق الفراش وهي تزفر بحنق وغضب:
=كده كتير، ربنا على المفتري والظالم....
لكن وما إن مرت من جانبه أمسك بذراعها موقفا إياها، رافعاً يدها يتفحصها، مغمغماً بصوت جعله غير مكترث قدر الإمكان:
=ايدك عاملة إيه؟
أجابته بارتباك من سؤاله غير المتوقع هذا:
=كويسة... دي كانت مجرد لسعة بسيطة.
أومأ برأسه بهدوء بينما يرى أن بالفعل الاحمرار الذي كان بيدها قد اختفى بالفعل.
ترك يدها واتجه نحو الطاولة متناولاً ساعته، مغمغماً بهدوء:
=اعملي حسابك تبقي تنزلي تساعديهم في عمل الغدا، خالاتي جايين من البلد يبركولنا....
ليكمل وهو يضع الساعة حول معصمه:
=هما فاكرين إننا معزمناهمش بسبب أننا معملناش فرح لأن جدك أبو أمك مات من شهر..... فاهمة.
التفت صدفة مغادرة الغرفة وهي تغمغم بسخرية لاذعة:
=حاضر، أي أوامر تانية للخدامة بتاعتك أنت وأهلك قبل ما تنزل الشغل....
أجابها راجح بينما يلحقها للخارج، متجاهلاً سخريتها تلك:
=تلبسي عدل وبلاش شغل البلايتشو اللي بتنيليه في وشك ده...
دلفت صدفة المطبخ وهي تخرج لسانها وتصنع بوجهها بحركات ساخرة على كلماته تلك، قبل أن تتجه للبراد وتبدأ بتحضير طعام الفطار له.
***
في وقت لاحق من اليوم...
كانت صدفة واقفة بالمطبخ الخاص بشقة عابد الراوي، تنهي تحضير الطعام للضيوف. استندت بتعب على إحدى المقاعد وهي لا تشعر بقدميها من شدة الألم، فقد كانت تعمل بمفردها منذ الصباح بتحضير أنواع مختلفة من الطعام.
فعند نزولها إلى هنا بالصباح استقبلتها حماتها التي أخذت تخبرها بما تنوي أن تحضره من أجل الضيوف، ثم أخذت تساعدها بتحضير الطعام في أول نصف ساعة، ثم بعدها اختفت من المطبخ. وعندما ذهبت صدفة للبحث عنها وجدتها مستلقية على الفراش بغرفتها، متحججة بأن ضغط دمها قد ارتفع وأنها بحاجة للنوم لمدة ساعة واحدة.
لوت صدفة فمها بسخرية، فالساعة أصبحت 4 ساعات ولم تستيقظ بعد حتى الآن.
كانت تضع اللمسات الأخيرة على الطعام عندما دلفت نعمات إلى المطبخ بوجه ناعس:
=خلصتي.....؟
أجابتها صدفة بحدة بينما تضع ديك الرومي من يدها فوق طاولة المطبخ:
=اها.....
غمغمت نعمات بأسف مصطنع:
=معلش بقى سيبتك لوحدك، أصل كنت تعبانة أوي وشهد راحت لحماتها من الصبح مش هترجع إلا بكرة وهاجر في دروسها 3 ثانوي، بقى مش فاضية، أنتي عارفة...
ألقت صدفة المنشفة الصغيرة التي كانت بيدها بحدة فوق الطاولة، قبل أن تلتف إليها قائلة بغضب:
=بقولك يا أم راجح، بلاش الحوارات دي عليا نبي.... ده أنا بنت سوق، يعني لا صغيرة ولا هبلة علشان تضحكي عليا بكلمتين، ده أنا بشتغل في الشارع من وأنا 17 سنة.....
هتفت نعمات بغضب يتخلله الاستنكار، بينما تململت في جلستها بعدم راحة:
=ايه أم راجح دي؟ وحوارات إيه يابت انتي اللي بتتكلمي عنها؟
أجابتها صدفة بانفعال وحدة:
=حوار إنك مرة واحدة تعبتي، وإن سبحان الله بنتك من امبارح عند حماتها والتانية في دروسها، ده على أساس مش أنك اللي مسرباهم علشان تلبسيني الليلة كلها....
انتفضت نعمات على قدميها، هاتفة بحدة وغضب:
=بت اقفي عوج واتكلمي عدل، نسيتي نفسك ولا إيه يا بايعة الطعمية....
لتكمل وهي ترفع حاجبها بتحدي:
=وها أنا قاصدة إنك تشتغل، ومتشتغلش ليه ياختي على راسك ريشة....
قاطعتها صدفة بحدة وقد بدأت الدماء تثور في عروقها:
=على راسي مخدة ريش بحالها.
مش ريشة واحدة.....
لتكمل بغطرسة زاجرة إياها بقسوة:
=ولا أنا مش صدفة بياعة الطعمية اللي كلكم كنتوا بتتسمخروا عليها، أنا هنا صدفة مرات راجح الراوي اللي أجدعها شنب فيكي يا ستي يعمله ألف حساب وكرامتي من كرامته.... ولعلمك بقى أنا كنت ممكن أسيبلك الليلة دي وأطلع ومعملش حاجة.
لتكمل بتحدي وهي تشير بإصبعها نحو جانب رأسها:
=بس عملت بمزاجي وبكيفي... كنوع من الذوق مني، لكن لا أنتي ولا غيرك يقدر يغصبني على حاجة.
ثم تركتها وغادرت المطبخ صاعدة إلى شقتها لكي تقوم بتبديل ملابسها قبل وصول الضيوف.
***
وقفت صدفة أمام المرآة تعدل من ملابسها، وابتسامة واسعة مرتسمة على شفتيها. مرت يدها فوق عباءتها السوداء الفضافضة البالية. وبالطبع لم يخلو وجهها من الألوان المتعددة القبيحة.
همست بصوت جعلته خشن ساخر مقلدة راجح:
=تلبسي عدل وبلاش شغل البلايتشو اللي بتنيليه في وشك ده...
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها بينما تتجه نحو خزانة الملابس، تخرج وشاح أسود قديم لكي تعقده حول رأسها وهي تغمغم:
=ابقى وريني بقى هتعمل إيه لما تشوف منظري ده....
=هولع فيكي......
أطلقت صدفة صرخة مرتفعة وهي تنتفض فازعة مكانها فور سماعها تلك الكلمات بجانب أذنها. استدارت لتصطدم بصدر راجح الذي كان يقف خلفها مباشرة بوجه مكفهر. حاولت التراجع للخلف لكنه أسرع بالقبض على ذراعها ولويه خلف ظهرها قبل أن يجذب عنق عباءتها السوداء ممزقاً إياها، فاركا بيده وجهها الممتلئ بالألوان ليتحول وجهها إلى كتلة من الفوضى، غير مكترثاً بصراخها المعترض.
=لما أبقى عايز الناس تقول إني متجوز بلايتشو.. ولا لما تبقي مش لاقية تاكلي أبقى ألبسي الزبالة اللي انتي لابساها دي....
دفعها بقسوة بعيداً عنه، متجهاً نحو خزانة الملابس، أخذ يبحث بها قبل أن يخرج منها عباءة استقبال أعجبته، ألقاها بوجهها مزمجراً بشراسة بثّت الرعب بداخل صدفة:
=غوري ادخلي استحمي وغيري هدومك، الناس زمانها على وصول....
ليكمل مشيراً بازدراء إلى شعرها المشعث بشكل مزري:
=وسرحي شعرك... اللي عاملاه شبه سلك المواعين ده.....
ليكمل بقسوة وعلامات القتل بادية على وجهه وهو يتخذ خطوة نحوها مما جعلها تتراجع بخوف إلى الخلف:
=قسماً بالله المرة الجاية اللي هلاقيكي عاملة فيها كده في وشك لهرمي مية نار عليه وأبقى شوهتهولك ريحتك منه خالص.... فاهمة.
ظلت صدفة متجمدة بمكانها تنظر إليه بعينين متسعتين بالخوف، غير قادرة على فتح فمها، لكنها انتفضت في مكانها بفزع عندما زمجر بقسوة:
=انطقي فاهمة....
هزت رأسها بصمت، قبل أن تهرب مسرعة داخل الحمام الذي أغلقت بابه عليها، مسندة إليه وهي تلهث بخوف وذعر.
بعد عدة دقائق...
وقف راجح يتأمل باعين تلتمع بالإعجاب والرضا تلك الواقفة أمامه، ترتدي العباءة التي قام باختيارها لها.
فقد كانت تبرز جمالها، بينما أصبح شعرها المشعث سابقاً، مسترسلاً على ظهرها إلى أسفل ظهرها كشلال محيطاً وجهها كغمامة من الحرير الأسود، مما أظهر جمال وجهها الملائكي ذات الوجنتين الممتلئتين، لكن تغضن حاجبيه بعدم رضا فور أن استقرت عينيه على شفتيها المجروحة أثر قبلته لها بليلة أمس.
اقترب منها فجأة مما جعلها تنتفض للخلف محاولة الابتعاد عنه لكنه لف ذراعه حول خصرها جاذبا إياها إليه ليستند جسدها اللين على جسده الصلب ممررا إصبعه برفق على شفتيها المجروحة مغمغما بصوت أجش ممتلئ بالرغبة وعيناه مسلطة فوق شفتيها.
= مفيش حل نداري به جرح شفايفك ده....
همست بصوت متثاقل مرتعش ضعيف وهي تشعر بكامل جسدها يشتعل أثر لمسته تلك.
= مش.. مش عارفة...
ظل ينظر إليها عدة لحظات بصمت وأصابعه لا يزال يمر فوق شفتيها المكدومة زافرا بعمق قبل أن يتركها ويتجه نحو طاولة الزينة متناولا أحمر الشفاه الخاص بها.
ثم عاد إليها مرة أخرى مغمغما بصوت غير متزن بعض الشيء.
= يمكن ده يداريه شوية....
ثم أخذ يضع منه على شفتيها المرتجفة بينما كانت هي حابسة أنفاسها مثبتة نظرتها على كتفه. وفور أن انتهى تفحصه بعينيه ليجده أن اللون الأحمر القاني لم يستطع أن يخفي بشكل كاف الجرح بشفتيها لكن هذا أفضل ما يمكنه فعله. هز رأسه مغمغما.
= يلا ننزل زمانهم وصلوا...
ثم أمسك بيدها وهبطا معًا للأسفل. لكن فور أن أصبحا أمام باب شقة والده التف إليها قائلا بحده بينما يشير نحو الوشاح التي تضعه حول رقبتها.
= حطي الطرحة على راسك....
رفعت صدفة بيد مرتجفة الوشاح من حول عنقها لتضعه فوق رأسها مغمغمة بارتباك وقد نفذ صبرها.
= اهو... وبطل شخط فيا بقي أنا زهقت....
تجاهلها مديرا إياها إليه مغمغما بقسوة بينما يدس بيده شعرها المتناثر على ظهرها أسفل حجابها.
= شعرك كله يتغطي إيه هتغطي نصه و تسيبي نصه...
زفرت صدفة بحدة بينما تدير عينيها بمحجرها بملل.
أمسك بيدها ثم دلف إلى داخل الشقة ثم إلى غرفة الضيوف ليحيوا ضيوفهم.
في وقت لاحق.
كانت صدفة جالسة بجانب شوقية شقيقة نعمات والتي رحبت بها بمحبة وفرح وبجانب منيرة زوجة شقيق نعمات والتي قابلتها بجفاف مرمقة إياها بين الحين والآخر بحدة وغضب.
ربتت شوقية على ذراعها قائلة بإعجاب.
= ما شاء الله... ما شاء الله يا زين ما اختار راجح بدر منور...
لتكمل وهي تلتف نحو زوجة شقيقها.
= مش كده يا منيرة؟
ألقت منيرة نظرة حادة على صدفة قبل أن تدير وجهها بعيدا برفض دون أن تنطق حرفًا واحدًا مما جعل جسد صدفة يتشدد بارتباك.
اقتربت منها شوقية هامسة في أذنها بصوت منخفض.
= سيبك منها... أصلها كانت هتموت وتجوز راجح لبنتها...
لتكمل وهي تجذب حجاب صدفة بعيدا عن رأسها.
= ياختي مكتفة نفسك ليه الرجالة في الأوضة التانية فكي كده خاليني أتفرج على الحلاوة....
لتطلق شهقة إعجاب فور أن سقط حجاب صدفة ورأت شعرها المسترسل كالحرير الأسود فوق ظهرها.
= بسم الله ما شاء الله.....
وقفت صدفة مغمغمة بارتباك وخجل فلما تكن معتادة على أن يقوم أحد بمدحها أو مدح جمالها.
= هروح.. هروح أسخن الأكل....
ثم فرت مغادرة من الغرفة وعينين شوقية تتبعها بإعجاب وهي تغمغم داعية.
= يرزقك ربنا يا مدحت يا ابني ببطاية حلوة زيها كده....
اندفعت نعمات هاتفة مقاطعة إياها بحدة حيث كانت ترغب بتزويج مدحت ابن شقيقتها الطبيب إلى ابنتها هاجر والتي كانت عكس صدفة تمامًا فقد كانت قصيرة وحسد نحيل هزيل.
= زيها إيه.. دي جسمها مليان و مفصول....
لتكمل بحدة وتذمر.
= وبصراحة كده حاسة إنها مش عاجبه راجح....
أطلقت شوقية ضحكة صاخبة قبل أن تنهض وتجلس بجانب شقيقتها هامسة بأذنها.
= يا وليه بطلي الصورم اللي جواكي ده... ده البت تقول للقمر قوم وأنا اقعد مكانك....
لتكمل بسخرية ناكزه إياها في ذراعها.
= وواضح إن ابنك مش عاجباه فعلا باين من شفايفها اللي ابنك مقطعها و لا هتعملي مش واخده بالك من دي.....
قاطعتها نعمات هاتفه بخجل.
= يخربيتك بس... انتي إيه هيفضل لسانك قبيح طول عمرك....
ضحكت شوقية قائلة.
= عايزاني أقولك إيه ما انتي اللي بصورم وماسكة البت كلام زي السم... ده أنا لو مكانك أمسك البت هاجر وأفضل أزغط فيها لحد ما تبقى زي صدفة كده بدل ما هي شبه خلة السنان اللي هتتقطم...
قاطعتها نعمات قائلة بحدة وقد اشتعل الغضب بداخلها فور سماعها كلماتها تلك.
= لا يا حبيبتي أنا حابة بنتي كده رشيقة عود فرنساوى... مبحبش أنا التخان.....
رمقتها شوقية بسخرية مغمغمة بهدوء مغيظة إياها.
= ليه و هي صدفة تخينة يا وليه.
لتكمل عندما رأت وجه شقيقتها يشتد بالغضب مشيرة نحو منيرة التي كانت جالسة بوجه متجهم غاضب.
= شايفة مرات أخوكي هتموت.. مكنتش عايزة تيجي أصلا....
أجابتها نعمات بصوت منخفض.
= حقها بقى يرفض بنت خاله صاحبة المال والجمال ويتجوز دي... ده أنا فضلت 4 سنين أقنع فيه يتقدملها وده أبدًا... وفي ثانية ألاقيه جاي يقولي هتجوز صدفة بتاعت الطعمية....
قطعت جملتها مغمغمة بحدة عندما رأت شقيقتها تنفجر ضاحكة.
= في إيه يا شوقية هو كل كلمة هأقولها هتعقدى تتريقي وتضحكي..
ربتت شوقية على ساقها قائلة وهي تضحك.
= معلش ياختي سامحيني بس انتي اللي كلامك غريب...
لتكمل بجدية.
= وما لها بتاعت الطعمية يا نعمات انتي نسيتي إن أبوكي الله يرحمه كان بياع بطاطس على عربية بحمار....
ارتبك وجه نعمات وما إن همت بالرد دلفت صدفة للغرفة مقتربة منهم قائلة بهدوء.
= احضر السفرة....
أجابتها نعمات بحدة.
= أيوه حطي الأكل وأنا جايه وراكي اهو أساعدك....
أومأت صدفة برأسها وما إن همت بالمغادرة وصل إلى مسمعها كلمات شوقيه.
= ما شاء الله هي صدفة اللي طابخلنا النهارده....
أجابتها نعمات بحدة وارتباك.
= صدفة إيه ياختي اللي طبخت هي مدت إيدها في حاجة... دي لسه أول مرة تنزل هنا وانتوا جايين.
لتكمل بابتسامة واسعة.
= هاجر هي اللي طابخة كل ده من بليل وصحت الصبح يا حبيبتي ونزلت راحت دروسها... دي عاملة شوية حاجات هتاكلوا صوابعكوا وراها يا شوقية........
لكن الثانية دي ممدتش إيدها في حاجة ولما بعتلها تنزل تساعد هاجر طنشتني ولا نزلت ولا عبرت...
لتكمل قائلة بأنف منعكف بازدراء.
= وبيني وبينك أحسن أنا أتقرف أكل من إيدها....
زجرتها شوقية مغمغة بعتاب.
= يوه عليكي يا وليه... لسانك مش كده.
أكملت صدفة طريقها للخارج كما لو أنها لم تسمع شيئًا من حديثهم هذا وكامل جسدها ينتفض بالغضب حيث كانت الدماء تغلي في عروقها كالبركان الثائر. دلفت للمطبخ وهي تزمجر من بين أسنانها المطبقة.
= اها يا وليه يا ناقصة يا واطية بقي بعد هدتي وتعبى من الصبح تقولي بنتك اللي عاملة كل ده.... لا وبتقرفي تاكلي من إيدي....
عقدت ذراعيها أسفل صدرها بينما تهز جسدها بغضب وحركة عصبية. لكن سرعان ما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة واسعة اتجهت سريعًا نحو إحدى خزائن المطبخ وهي تغمغم.
= مش بنتك اللي طابخة طيب اشربى بقى انتى و هي...
أخرجت إحدى العبوات الكبيرة المكتوب عليها شطة أسواني والتي كان معروف عمها بأنها أشد الأنواع حرارة.
أخذت تضع منها بكثرة في جميع الأطعمة والابتسامة الواسعة التي على شفتيها تتسع بشر وفرح.
مغمغمة بانتصار.
= و ديني ما هخليهم يعرفوا يحطوا معلقة واحدة في بوقهم.. إن ما خلتهم يتفوا عليكي.
= بتنيلى إيه عندك.....
ابتلعت باقى جملتها منتفضة في مكانها صارخة بفزع فور سماعها تلك الكلمات تأتي من خلفها ليتجمد جسدها ويشحب وجهها بخوف فور رؤيتها لءاك الشخص الواقف بباب المطبخ يرمقها بنظرات حادة مشتعلة. لتدرك أنه قد تم كشف أمرها.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الثامن 8 - بقلم هدير نور
عقدت صدفة ذراعيها أسفل صدرها بينما تهز جسدها بغضب وحركة عصبية، لكن سرعان ما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة واسعة. اتجهت سريعًا نحو إحدى خزائن المطبخ وهي تغمغم:
= مش بنتك اللي طابخة، طيب اشربي بقى انتي وهى.
أخرجت إحدى العبوات الكبيرة المكتوب عليها "شطة أسواني"، والتي كان معروف عنها أنها أشد الأنواع حرارة.
أخذت تضع منها بكثرة في جميع الأطعمة، والابتسامة الواسعة التي على شفتيها تتسع بشرًا وفرحًا.
مغمغمة بانتصار:
= وديني ما هخليهم يعرفوا يحطوا معلقة واحدة في بوقهم، إن ما خلتهم يتفوا عليكِ.
= بتنيلى إيه عندك؟
ابتلعت باقي جملتها منتفضة في مكانها، صارخة بفزع فور سماعها تلك الكلمات تأتي من خلفها. تجمد جسدها وشحب وجهها بخوف فور رؤيتها لذاك الشخص الواقف بباب المطبخ يرمقها بنظرات حادة مشتعلة، لتدرك أنه قد تم كشف أمرها.
أسرعت بإخفاء عبوة الشطة خلف ظهرها، مراقبة بأعين متسعة وأنفاس لاهثة ثقيلة راجح وهو يتقدم نحوها بخطوات ثابتة وعينيه مسلطة بتركيز عليها.
غمغم بحدة فور أن أصبح يقف أمامها، مشيرًا برأسه نحو يدها التي تخفيها خلف ظهرها:
= مخبية إيه ورا ضهرك؟
ظلت صدفة تتطلع إليه بصمت دون أن تجيبه. حاولت تحريك شفتيها والإجابة، لكن لم تطعها شفتيها، حيث تجمدت من شدة التوتر والخوف. مما جعله يطبق على يدها التي تخفيها خلف ظهرها، جاذبًا إياها بحدة إلى الأمام.
حدق بغضب بعبوة الشطة التي بيدها، مغمغمًا بقسوة وقد اشتدت قبضته حول يدها:
= بتهببي إيه بالشطة دي؟
خرجت من صمتها لكي تنقذ نفسها، مجيبة إياه بحدة وهي تنفض يده بعيدًا عنها، متصنعة الغضب حتى لا تكشف أمرها:
= هيكون إيه يعني بالظبط، بهارات الأكل زي ما أمك قالتلي.
ضيق عينيه محدقًا بها، وعينيه تنتقل بشك بينها وبين عبوة الشطة التي لا تزال بيدها:
= اومال لما شوفتيني اتخضيتي ليه؟
أجابته بسخرية وهي تهز كتفيها:
= وأنا من امتى شوفتك ومتخضتش؟
لتكمل بطريقة مأساوية، واضعة يدها فوق صدرها تضرب عليه برفق:
= بعيد عنك، لما بشوفك كأني شوفت ولا أعوذ بالله عفريت، يا ساتر يارب، كأن حاجة كده بتكتم على قلبي.
قبض على ذراعها جاذبًا إياها نحوه، لتصطدم بقسوة بصدره الصلب. أخفض رأسه مزمجرًا بجانب أذنها بصوت خشن:
= قسما بالله يا صدفة، لأقطعلك لسانك اللي أطول منك ده.
ليكمل وهو يشدد من قبضته بقسوة حول ذراعها، مما جعلها تطلق تأوهًا من الألم:
= وعايزك تحمدي ربنا إن في ناس برا، وإلا ورحمة أمك لكنت عرفتك إزاي بكتم على نفسك كويس.
ابتعدت عنه مغمغمة بارتباك فور إدراكها أنه يعني تهديده هذا:
= بقولك إيه، ما تطلع تعقد مع الرجالة برا، بدل ما انت لازق لي هنا زي العمل الرادي كده.
لكنها توقفت عن تكملة جملتها، تبتلع لعابها بخوف فور أن حدقها بنظرة حادة آخرستها على الفور.
تلاعبت أصابعها بتوتر بأطراف غطاء الرأس الذي تضعه حول رقبتها. جذبت حركتها تلك انتباهه إلى شعرها المسترسل على كتفيها وظهرها.
قبضت يده على بعضًا من خصلاته، جاذبًا إياه بحدة للأسفل، وهو يزمجر بشراسة وعينيه مشتعلتين بنيران الغضب:
= أنا مش قولتلك تتنيلى تلبسي الطرحة وتغطي شعرك ده؟
أرجعت رأسها للخلف، محررة خصلات شعرها من بين أصابعه، وهي تغمغم بعصبية:
= أعمل إيه يعني، خالتك اللي عايزة تشوف شعري.
قاطعها وهو يجز على أسنانه بقسوة، بينما يحرر الطرحة من حول رقبتها ويضعه على رأسها، مغطيًا شعرها بأكمله بحركات منفعلة:
= بلا خالتي بلا أمي، شعرك يتغطى، فاهمة؟
هزت رأسها قائلة بطاعة مزيفة يتخللها السخرية، بينما تخفض عينيها:
= أمرك يا سي السيد، حاضر.
أخذ يحاول لف الطرحة حول رأسها، لكن كانت تنزلق كل مرة من فوق رأسها بسبب نعومة شعرها. هتف بحنق وهو ينزعه من فوق رأسها، واضعًا إياه بين يديها:
= امسكي اعمليه انتي.
تنهدت صدفة بحدة وهي تتناوله منه، ثم بدأت بجمع شعرها بكعكة قبل أن تبدأ بعقد الطرحة حول رأسها.
وما إن انتهت، غمغمت بنفاذ صبر وهي تشير نحو رأسها:
= تمام كده؟
وقف راجح يتفحصها بنظرات ثاقبة حتى يتأكد من أن شعرها قد غطى تمامًا.
أومأ رأسه بالنهاية برضا، ثم ظل يتطلع إليها عدة لحظات بنظرات مشتعلة،
قبل أن يلتف ويتجه نحو الباب، وهو يهمهم بغضب:
= جهزي الأكل وطلعيه يلا، وأنا هخلي أمي تيجي وتساعدك.
ليكمل بغضب وهو ينظر للساعة التي بساعده:
= مش عارف الزفتة اللي اسمها هاجر دي اتأخرت كده ليه، تلاقيها بتهرب من عمايل الأكل كالعادة.
غمغمت صدفة بخبث، بينما تتصنع تعديل الوشاح حول رأسها:
= تتهرب إيه بس، ده هاجر اللي عاملة الأكل ده كله.
استدار إليها راجح بحدة، مغمغمًا بصدمة يتخللها الشك:
= هاجر اللي طبخة الأكل، إزاي؟ دي مبتعرفش تسلق بيضة.
أجابته ببرود، بينما تهز كتفيها:
= معرفش، أمك اللي قالت كده لخالتك.
هز راجح رأسه مهمهمًا بصوت منخفض:
= آه، خالتي قولتيلي.
حيث كان يعلم أن والدته دائمًا تحاول أن تجمل صورة شقيقته أمام أقاربهم، مغرقة إياها بالمدح الكاذب. فبالتأكيد والدته من قامت بطبخ كل هذا ونسبته إليها حتى تبهر شقيقتها.
أكمل طريقه للخارج، وهو يغمغم بهدوء:
= جهزي الأكل، الناس مستنية، وهبعتلك أمي تساعدك.
وقفت صدفة تراقبه وهو يغادر، وابتسامة واسعة على وجهها تملئ شفتيها، تشعر بالحماس لما سيحدث لحماتها عندما تعلم ما فعلته.
في ذات الوقت...
كانت هاجر، شقيقة راجح، في طريقها إلى المنزل، حاملة بين ذراعيها الكتب الخاصة بدراستها، وهي تتحدث بصوت منخفض بالهاتف:
= يا حبيبي، أجيب لك المبلغ ده كله منين؟ ما أنت عارف مصروفي على قدي.
تنفست بعمق وهي تستمع إليه يجيبها بحدة، وقد شحب وجهها:
= طيب خلاص، خلاص، متزعلش، أنا هحاول أتصرف في أي مبلغ.
ثم أشرق وجهها بابتسامة واسعة فور سماعها كلماته على الطرف الآخر:
= ويخليك ليا يا حبيبي، وأنا كمان بحبك.
وما إن وصلت أمام منزلها، غمغمت بصوت منخفض حتى لا يسمعها أحد:
= طيب يا حبيبي، أنا هقفل بقي، لأن خلاص داخلة على البيت، وبكرة بعد درس العربي نتقابل وهديك الفلوس.
سمعت إجابته مبتسمة، ثم أغلقت الهاتف، واضعة إياه داخل بنطالها، قبل أن تدخل إلى بهو المنزل، ومنه إلى الشقة الخاصة بعائلتها.
وفور أن فتحت باب الشقة، وصل إليها الصوت الصاخب لضحكات وحديث عائلتها الآتي من غرفة الاستقبال، حيث كان أقارب والدتها قد أتوا لزيارتهم لكي يهنئوا راجح بزواجه.
استغلت أن البهو خالي، ودلفت مسرعة إلى غرفة والديها. اتجهت بأنفاس لاهثة نحو خازنة الملابس، تفتحها بحثًا عن الصندوق التي تحتفظ به والدتها بالأموال. أخرجته سريعًا وهي تتلفت بخوف نحو باب الغرفة، لكن خابت آمالها فور أن فتحت الصندوق ووجدته فارغًا. زفرت بإحباط وغضب، فكيف الآن ستأتي بالأموال التي وعدت حبيبها بها؟
لكن سرعان ما أشرق وجهها فور أن وقعت عينيها على المفتاح الخاص بشقة شقيقها راجح، الذي تحتفظ به والدتها بالصندوق. حيث قامت والدتها قبل زواجه بنسخ مفتاح شقته دون علمه، وقامت بتخبئته، مخبرة إياهم أنه كنوع من الاحتياط.
التقطت المفتاح سريعًا، ثم أعادت الصندوق إلى مكانه مرة أخرى، قبل أن تسرع بالخروج من الشقة كما دخلتها دون أن يراها أحد، ثم أسرعت بالصعود إلى شقة راجح. قامت بطرق الباب والانتظار قليلاً حتى تتأكد بأنه لا يوجد أحد بالداخل.
على الرغم من علمها بأن راجح وزوجته بالأسفل للترحيب بأقاربهم، إلا أنها فعلت ذلك كنوع من الأمان حتى لا يتم كشف أمرها.
فتحت باب الشقة ودلفت إلى الداخل، مغلقة الباب بهدوء خلفها.
دلفت إلى غرفة النوم الرئيسية، واتجهت نحو خازنة الملابس تهم بفتحها، لكنها تذكرت أن شقيقها قبل زواجه كان معتادًا على وضع أمواله بالدرج الذي بالطاولة التي بجانب فراشه.
اتجهت مسرعة نحو الطاولة، تفتحها، لكنها وجدتها فارغة. لتسرع نحو الطاولة الأخرى التي على الجانب الآخر من الفراش، تفتح درجها، ليشرق وجهها بابتسامة واسعة فور أن رأت الأموال التي بها. أسرعت بأخذ مبلغ من المال، قامت بعده، لتكتشف أنه خمسمائة جنيه. كانت ترغب بأخذ أكثر من ذلك، لكن المال الذي بالدرج لم يكن كثيرًا، ولا ترغب أن يكشف أمرها.
خبأت الأموال بجيب بنطالها، ثم أسرعت بالخروج من الشقة، وهبطت الدرج بخطوات صامتة حتى لا يسمعها أحد ويكشف أمرها، ودلفت إلى شقة عائلتها كما لو كانت عائدة للتو من دروسها.
بدأت صدف بوضع الطعام على الطاولة بمفردها، فلم تأتِ نعمات لمساعدتها، لذا بدأت هي بوضع الأطباق المختلفة التي أعدتها بيدها، والتي خربتها بيدها أيضًا. ابتسمت ضاحكة بصوت منخفض فور تخيلها وجه نعمات عندما تعلم ما فعلته.
= بتضحكي على إيه، ضحكينا معاكي.
التفت صدفة حول نفسها لتجد شاب في العشرينيات يقف عند باب غرفة الطعام.
هزت صدفة رأسها بصمت، لا تدري ما تقوله، بينما تقدم منها قائلًا وهو يمد يده نحوها:
= مدحت الأباصيري، ابن خالة راجح.
ليكمل سريعًا وهو يبتسم ببشاشة:
= وأنتي أكيد صدفة مرات راجح، مش كده؟
أومأت صدفة برأسها، بينما تمد يدها نحوه مصافحة إياه، مغمغمة بابتسامة:
= أيوه.
ترك مدحت يدها متراجعًا إلى الخلف، قائلًا وهو يهز يدها برفق:
= مبروك يا صدفة، ألف مبروك، راجح دائمًا بيثبت إنه ذوقه حلو.
أجابته صدفة بصوت منخفض، وقد احمر وجهها بخجل:
= الله يبارك فيك.
ليكمل بمرح مشيرًا لرأسه الشبه أصلع:
= على فكرة، أوعى تفتكري إني كبير ولا حاجة، لا ده أنا 28 سنة بس، ده أثر كلية الطب والمرار اللي شوفته فيها.
هتفت صدفة بدهشة، بينما تسحب يدها بعيدًا:
= هو أنت دكتور؟
اومأ مبتسما لها قائلا، يعدل من ياقة يصطنع الفخر:
= دكتور بطري قد الدنيا...
هزت صدفة رأسها مهمهمة دون حماس بصوت منخفض:
= اممم دكتور بهايم يعني....
انفجر مدحت ضاحكا فور سماعه كلماتها تلك، بينما ابتسمت هي بتشنج شاعرة بالخجل من اندفاع لسانها الأحمق. غافلين عن ذلك الذي كان واقفا بمدخل الغرفة يراقب ذلك المشهد، وجسده ينتفض من شدة الغضب، بينما عيناه كانت كالعاصفة تنطلق منها شرارات من النيران. زمجر بحدة لاذعة وهو يتقدم نحوهم:
= خير بتضحكوا على إيه..
التف إليه مدحت قائلا وهو لا يزال يضحك:
= تخيل يا راجح بقول لمراتك إني دكتور بطري، بتقولي دكتور بهايم يعني...
همست صدفة باضطراب وخجل، وقد ازداد احمرار خديها:
= مكنتش أقصد والله..
غمغم راجح من بين أسنانه المطبقة بعنف وهو يحاول السيطرة على أعصابه وإخماد تلك النيران المشتعلة داخل صدره حتى لا ينقض على ابن خالته:
= أكيد متقصدش...
ليكمل ضاغطا على حروف كلماته بقسوة، كما لو يثبت ملكيته لها:
= معلش، أصل مـراتـي عفوية في كلامها شوية..
التفت صدفة تنظر بدهشة إلى راجح الواقف بجانبها عند سماعها نبرة صوته الغاضبة، التي لاحظتها على الفور. حتى وإن كان ظاهرا أنه يتحدث بشكل طبيعي، إلا أنها لاحظت غضبه، فقد أصبحت تعرفه جيدا عندما يكون غاضبا.
بينما أسرع مدحت بمقاطعة راجح قائلا، وهو ينظر إلى صدفة وابتسامة واسعة على شفتيه:
= أنا مش مضايق خالص والله، بالعكس دي عجباني جدا..
زمجر راجح بشراسة بينما يندفع نحوه وشرارات الغضب تتقافز بعينيه:
= نعم يا خويا...
أسرع مدحت قائلا بارتباك وهو يتراجع للخلف:
= أقصد عفويتها طبعًا.. عجبتني عفويتها، أنت فهمت إيه..
أمسكت صدفة بذراع راجح هامسة له بصوت منخفض وهي لا تفهم ما به:
= في إيه يا راجح؟ ما تهدى شوية..
اخفض رأسه هامسا بأذنها بصوت خشن:
= اكتمي خالص.. مسمعش صوتك..
نظرت إليه بارتباك من حدته تلك، فلأول مرة تراه بحالته الغير مفهومة تلك.
دَلَفَت شوقية إلى الغرفة، والتي ما إن رأتهم يقفون ثلاثتهم معا، هتفت بفرح:
= أخيرًا اتعرفت على صدفة يا مدحت..
لتكمل وهي تتقدم نحوهم وتضع يدها حول صدفة مشيرة إلى مدحت بيدها:
= بص بقى علشان نبقى متفقين من أولها، أنا عايزة أتاتجوز بطاية حلوة كدة زي صدفة..
هتف راجح بحدة مقاطعا إياها ويجز على أسنانه بغضب:
= إيه يا شوقية.. إيه يا شوقية.. في إيه..
أجابته شوقية بمرح وهي تضحك:
= إيه يا ابن نعمات، بطمن على مستقبل ابني..
لتكمل وهي تربت على كتف صدفة:
= ولا أنت عايز تاكل بط لوحدك..
زمجر راجح بقسوة، حيث أصبح على حافة أعصابه، جاذبا صدفة التي كان وجهها بلون الدماء من شدة الخجل، بعيدا عن خالته، محيطا خصرها بذراعه يضمها إليه بتملك واضح، بينما عيناه تتسلط بغضب على مدحت الذي هتف:
= يا عم بتبصلي كده ليه، أنا مالي، خالتك اللي لسانها متبري منها..
هتفت شوقية بصدمة ضاربة ولدها في كتفه بحدة:
= مالها خالته يا ابن الجزمـ.ـة! الحق عليا إني خايفة على مستقبلك..
غمغم مدحت بسخرية بينما يشير نحو راجح:
= خايفة على مستقبلي إيه، ده أنت هتضيعيهولي.. راجح فضله تكه ويقتلني..
ضحكت شوقية مربته على صدرها:
= لا اطمن إنك ابني، مديك الحصانة، متخافش راجح لا يمكن يزعل خالته..
لتكمل بسخرية ومرح وهي تلتفت نحو راجح الذي كان يعقد ذراعه حول خصر صدفة ضامها إليه:
= وانت يا خويا ضمها أكتر كمان.. أقولك أحسن افتح صدرك وخبيها جواه..
لتكمل وهي تضحك وتتعجب بداخلها من حالة ابن شقيقتها تلك، فبحياتها لم تراه هكذا:
= إيه يا راجح، مش هناكلها منك يا حبيبي..
قاطعها راجح، شاعرا بالحرج من ردة فعله السابقة، حيث شعر أنه كان مكشوفا:
= عايزة إيه يا شوقية..
ربتت على كتفه قائلة بحنان:
= عايزة أخوك بخير وسعيد يا قلب شوقية..
لتكمل بحده وهي تلتفت نحو مدحت:
= وعايزة ابن الهبلة ده يتجوز بقى هو كمان ويخلصني، عايزة أطمن عليه هو كمان..
هتف مدحت بغضب مصطنع، بينما يتجه نحو باب الغرفة يغادرها مسرعا وهو يلوح بيده بضجر:
= يوه، مش هنخلص النهارده..
لحقت به شوقية للخارج وهي تهتف:
= خد تعالى هنا يالا، والله ما هسيبك..
وقفت صدفة تضحك عليهم بمرح، بينما أدارها راجح بين ذراعيه قائلا بحدة:
= بتضحكي.. عجبك أوي..
ليكمل بقسوة وهو يشير نحو الباب الذي غادر منه مدحت وشوقية قبل لحظات:
= ينفع تقفي مع راجل غريب وشغاله ضحك ومرقعه معاه..
هزت كتفيها قائلة بارتباك:
= أنا مضحكتش.. هو اللي كان بيضحك وأنا مالي..
تشددت ذراعه التي تحيط خصرها، وهو يدرك أنه بالغ برد فعله.
غمغم بينما يشير إلى طاولة الطعام:
= برضو بتشتغلي لوحدك، أومال أمي فين..
أجابته قائلة وهي تتلملم بين ذراعيه:
= أمك قاعدة مع مرات خالك برا.. بتقول ضغطها عالي..
زفر راجح بحنق قبل أن يغمغم وهو يتحرك بها نحو المطبخ:
= طيب تعالى أنا هساعدك في..
أمسكت بذراعه توقفه قائلة بتردد وهي تشير نحو الغرفة التي يتواجد بها الرجال، فقد كانت تعلم أنه إذا شاهده أحد وهو يساعدها من الممكن أن يسخر منه:
= افرض حد شافك..
دفعها أمامه نحو المطبخ قائلا بصرامة وحدّة:
= ما اللي يشوف.. يشوف.. هو أنا بعمل حاجة غلط..
شعرت صدفة بقلبها يرتجف داخل صدرها تأثرا، بينما تتبعه إلى داخل المطبخ، حيث أخذ يساعدها بالفعل بتوزيع الطعام بالصحون ووضعها على طاولة الطعام حتى انتهوا سريعا.
في وقت لاحق..
كانت صدفة جالسة على طاولة الطعام بجانب زوجها الذي كان منشغلا بالحديث مع خاله مأمون. وعيناها تمر بين الجميع بترقب، وأنفاسها منحبسة داخل صدرها. وضعت يدها فوق فمها حتى تخبئ ابت
بعد مغادرة شوقية، وقفت نعمات تتطلع نحو صدفة بعينين مشتعلتين بالنيران، وجسدها بأكمله يهتز من شدة الغضب. ترغب بالانقضاض عليها وجلبها من شعرها لما أوقعتها به وتسببت لها بإحراج أمام عائلتها. لكنها حاولت أن تسيطر على غضبها أمام راجح حتى لا يثير غضبه، خاصة إذا علم أن صدفة من صنعت كل هذا الطعام بمفردها ونسبته هي لابنتها.
خرجت هاجر من غرفتها هاتفة بمرح:
= مشيوا....!
أجابها راجح بحده وهو يستدير إليها:
= أنتي يا بت انتي مطلعتيش تقعدي مع خالتك وخالك ليه..
أجابته هاجر بارتباك وخوف، فنادراً ما تحدث معها راجح بهذا الغضب والعصبية:
= كان... كان عندي مذاكرة.
قاطعه راجح بغضب وقسوة:
= مذاكرة إيه دي اللي تمنعك إنك حتى تسلمي عليهم؟ انتي هتستعبطي؟
اقترب عابد من ابنته محيطاً كتفها بذراعه، مغمغماً بحدة:
= ما قالتلك عندها مذاكرة... إيه هي قصة؟
ليكمل وهو يربت على كتف هاجر الذي أشرق وجهها بابتسامة واسعة:
= بعدين حبيبة أبوها براحتها تعمل اللي هي عايزاه... محدش له دعوة بيها...
زفر راجح بحده قبل أن يغمغم موجهاً حديثه لهاجر:
= روحي هاتي حلة الشوربة من جوا...
أومأت هاجر برأسها قبل أن تركض مسرعة نحو المطبخ، بينما هتفت نعمات بصدمة:
= هتعمل بها إيه يا راجح دي نار ومولعة يا بني...
لتكمل وهي تقترب منه، واضعة يدها بحنان فوق بطنه:
= تتعبلك بطنك يا حبيبي....
ربت راجح على كتفها بلطف:
= متقلقيش ياما... مش هتتعبني...
ثم استدار يتطلع إلى صدفة بقسوة، مما جعلها تبتلع بصعوبة الغصة التي تشكلت بحلقها، وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة الخوف.
غمغم بحدة موجهاً حديثه لها وهو يتجه نحو باب المنزل:
= يلا.....
تبعته صدفة للأعلى بصمت.
فور دخولهم إلى شقتهم، وضع راجح طنجرة الحساء على طاولة الطعام التي بالبهو، مشيراً برأسه نحوها قائلاً بصرامة لصدفة الواقفة بجانبه بجسد متوتر:
= شايفة الحلة اللي قدامك دي.. تشربيها كلها..
تراجعت صدفة إلى الخلف هامسة بصوت منخفض مرتجف:
= أشرب إيه... دي كلها شطة نار عايزني أتعب....
اندفع نحوها قابضاً على ذراعها يهزها بقوة وهو يهتف بقسوة:
= ولما إنتي خايفة على نفسك أوي كده... مخوفتيش ليه على الناس الكبيرة اللي عندهم أمراض سكر وضغط اللي هتاكل من القرف اللي عملتيه؟
ليكمل وهو يدفعها بقوة نحو المقعد لتسقط جالسة عليه بوجه شاحب كشحوب الأموات:
= اشربي....
ظلت جالسة تتطلع إليه بعينين متسعتين ممتلئتين بالدموع فور إدراكها فضاحة فعلتها، فهي لم تفكر أنه من الممكن أن يتأذى أحد من فعلتها تلك.
ابتلعت بصعوبة لعابها، وما إن همت بفتح فمها والاعتراض، لكنها أسرعت بغلقه مرة أخرى عندما رأت تحفز عضلات صدره، والتي كانت تشير بأنه على حافة غضبه. أمسكت بالملعقة بيد مرتجفة، تشجع نفسها على تناولها حتى تنتهي من هذا الأمر، فهو لن يتركها إلا بعد أن تنفذ ما قاله.
أمسكت بالملعقة ثم بدأت ترتشف من الحساء، والذي ما إن وضعته بفمها أطلقت صرخة متألمة،
شاعرة كما لو أن هناك حمم من اللهب قد انفجرت بفمها.
تركت الملعقة من يدها تنظر إلى ذاك الواقف بجانبها بعينين ممتلئتين بالدموع والرجاء، لكنه أمرها بصوت صارم:
= اشربي...
ظلت صامتة تتطلع إلى الطنجرة الممتلئة بالحساء بعينين دامعتين ممتلئتين باليأس.
بينما راقبها راجح منتظراً أن تتناول الملعقة الثانية من الحساء حتى يوقفها وينهي الأمر.
ظلت صدفة تتطلع إلى الطنجرة عدة لحظات قبل أن تقوم بحملها بين يديها وتبدأ أن تشرب من الطنجرة مباشرة حتى تنتهي سريعاً منها.
شعر راجح بالصدمة تشل حركته فور أن رأى ما فعلته تلك الحمقاء، فهو كان سيجعلها ترتشف ملعقة أخرى فقط حتى تدرك خطأ ما فعلته ثم كان سيدعها تنهض.
هتف بها بحدة وهو يندفع نحوها جاذباً الطنجرة عن فمها:
= بتعملي إيه.. انتي اتجننتي؟
أبعد سريعاً عن فمها الطنجرة التي كانت قد ارتشفت بالفعل نصف محتوياتها.
القتها صدفة من يدها بعيداً، وهي تنفجر باكية تنتحب بصوت مرتفع بسبب الألم الذي يعصف بفمها ومعدتها.
نهضت راكضة بتعثر نحو الحمام وهي تمسك ببطنها التي كانت تؤلمها بشدة.
فقد كان كما لو هناك حمم من النيران مشتعلة بداخلها.
أسرعت بدخول الحمام مغلقة بابه خلفها.
بينما اندفع راجح خلفها يضرب باب الحمام بقبضته، والقلق والخوف ينهشان بداخله، هاتفا بصوت مرتجف:
= صدفة... انتي كويسة...
لكنها لم تجبه، وظل الصمت يملأ المكان حتى سمع صوتها المتألم وهي تتقيأ مفرغة ما في معدتها، مما جعل قلبه ينقبض بقوة، شاعراً بألم يكاد يحطم روحه إلى شظايا عندما وصل إلى مسمعه صوت شهقات بكائها الحادة.
حاول فتح الباب والدخول إليها، فلم يتحمل أن يقف مكانه دون أن يفعل شيئاً وهو يسمعها تتألم بهذه الطريقة.
لكنه وجد الباب قد أغلق من الداخل، ضرب الباب بقبضته طالباً منها أن تفتح الباب له، لكن لم يصله سوى صوت تقيئها المصحوب ببكائها الحاد.
شعر بالندم يمزقه من الداخل، فهو من أوصلها إلى حالتها تلك متسبباً في إيلامها، فهو كان فقط يرغب بجعلها تتناول ملعقة أو اثنين مما صنعته حتى تدرك أنها كان من الممكن أن تؤذي أحداً ما بوضعها كل تلك الشطة بالطعام.
زفر بغضب لاعناً نفسه عندما فتح الباب وشاهدها تخرج من الحمام بوجه وعينين محتقنين كالدماء، بينما شفتيها متورمتين. تراجع للخلف، بينما ألقت هي عليه نظرة خاطفة قبل أن تتجه نحو الفراش وهي لا تزال ممسكة ببطنها، واستلقت عليه مغمضة عينيها المحتقنتين، بينما وقف راجح يحدق بها بنظرات مليئة بالبؤس والندم قبل أن يتركها ويغادر بصمت.
بعد مرور نصف ساعة...
دلف راجح إلى المنزل بملابس مبتلة بسبب الأمطار الغزيرة التي تنهمر بالخارج، فقد تعطلت سيارته مما جعله يضطر إلى الترجل على قدميه حتى أقرب صيدلية حتى يأتي لصدفة بدواء لحالتها.
حيث أخبر الطبيب الذي هناك عن ما تعانيه وأعطاه دواء مناسب سيخفف من آلام معدتها، ونصحه بجعله تشرب أكبر قدر من الحليب الرائب، لذا توجه على قدميه أسفل المطر المنهمر بغزارة إلى أقرب متجر وأتى بعدة عبوات من الحليب الرائب كما نصحه الطبيب حتى يهدأ من النيران المشتعلة بمعدتها.
فور دخوله إلى غرفة النوم تجمد مكانه، شاعراً بقبضة تعتصره من الداخل، والضغط الذي قبض على صدره يهدد بسحق قلبه، عندما وقعت عينيه على تلك المستلقية على الفراش غارقة بالنوم وهي تحتضن جسدها كالطفل الصغير، بينما الدموع تغرق وجهها المحتقن كالدماء، والذي يظهر عليه الألم بوضوح.
اقترب منها ببطء، جالساً على عقبيه على الأرض بجانب الفراش، ممرراً يده برقة فوق وجهها يزيل الدموع العالقة بوجنتيها، مبتلعاً بصعوبة الغصة التي تشكلت بحلقه، هامساً بصوت منخفض وهو يربت برفق على كتفها محاولاً إيقاظها:
= صدفة...
وبعد عدة محاولات لإيقاظها،
فتحت أخيراً عينيها التي كانت لا تزال محتقنة، تتطلع إليه بنظرات مشوشة غائمة.
غمغم بينما يضع يديه أسفل ذراعيها مساعداً إياها بالجلوس على الفراش، واضعاً بيدها إحدى عبوات الحليب الرائب:
= اشربي ده هيريحك....
أطاعته على الفور، مما جعله يشعر بالصدمة، فقد كان يتوقع منها أن تجادله كعادتها، لكنها جلست بهدوء ترتشف الحليب الرائب وهي تتطلع أمامها بنظرات شبه غائمة، مما جعل ضيق غريب يستولي عليه، فهو بحياته لم يراها بهذا الضعف أو الهدوء.
ظل يراقبها وهي ترتشف الحليب حتى أنهت العبوة، التي سرعان ما بدلها بأخرى ممتلئة، يحثها بلطف على ارتشافها، وما إن انتهت بدلها بأخرى ممتلئة، مما جعلها تهمس بصوت ضعيف منخفض:
= كفاية مش قادرة....
مرر يده برفق على وجنتها مبعداً شعرها المتناثر على عينيها إلى وراء أذنها بحنان، وهو يهمس لها كما لو كان يحدث طفلة صغيرة:
= معلش دي آخر واحدة.. اشربيها وخلاص...
أومأت برأسها بضعف وعينيها شبه مغلقة، وقد بدأت تتناول الحليب الرائب، وما إن انتهت مسح بحنان أعلى شفتيها بإصبعه من أثر الحليب الذي عليها، وهو يشعر بشعور غريب من الحماية يتعلق بها.
ساعدها على تناول الدواء الذي جلبه لها، ثم جعلها تستلقي على الفراش مرة أخرى، همس بالقرب من أذنها والقلق لا يزال يسيطر عليه:
= أحسن..!!
أومأت رأسها بصمت، ثم أغلقت عينيها لتغرق على الفور بنوم عميق.
بينما ظل هو بمكانه عدة لحظات يراقبها بعينين متلهفتين مهتمتين، قبل أن يزفر بقوة ويتجه نحو خازنة الملابس حتى يبدل ملابسه المبتلة.
وما إن انتهى استلقى على الفراش بجانبها، وعينيه مسلطة عليها، شعر بالتردد عدة لحظات قبل أن يقترب منها ويجذبها برفق بين ذراعيه، محتضناً إياها، ممرراً يده برفق فوق ظهرها، دافناً وجهه بشعرها، متنفساً رائحتها بعمق، قبل أن يغلق عينيه ويغرق بالنوم.
في الصباح....
استيقظت صدفة وشعور غريب من الراحة يسيطر عليها، فلم تعد بطنها تؤلمها ولم تعد هناك نيران بها.
فتحت عينيها بصدمة عندما شعرت بجلد حار يلامس خدها، لتصدم عندما وجدت أن رأسها مدفون في عنق راجح الذي كان يحتضنها بقوة بين ذراعيه.
شعرت بكامل جسدها يهتز بعنف عندما وجدت أنه كان يحيطها بجسده الضخم كما لو كان يخشي أن تختفي، ليصبح جسدها ملتصقاً بجسده الصلب الحار، مما جعل الدماء تتدفق إلى خديها.
نزعت برفق ذراعه التي كانت تحيطها، قبل أن تنهض بهدوء من جانبه وتخرج من الغرفة وتتجه إلى غرفة الاستقبال، التي ارتمت جالسة على أريكتها بجسد مرتجف، شاعرة بالغضب يعصف بداخلها فور تذكرها ما فعله بها وتسببه بألمها، فقد أرغمها على شرب ذلك الحساء رغم علمه أنه قد يؤذيها.
نعم هي أخطأت عندما وضعت تلك الشطة بالطعام.
لكنها كانت تعلم بأنهم ما إن يتناولوا ملعقة واحدة منه سوف يتركونه، أي أنها لم تقصد أن تؤذي أحداً، على عكسه تماماً، فهو بالتأكيد يكرهها كثيراً حتى يفعل بها هذا.
أتت صور مشوشة برأسها له وهو يساعدها بتناول شئ ما، لكنها هزت رأسها مقنعة نفسها بأنها تتخيل هذا، فبعد خروجها من الحمام ليلة أمس، ارتمت فوق الفراش تنتحب من شدة الألم، وشاهدته وهو يغادر الغرفة بكل برود كما لو كان ألمها شيئاً لا يعنيه، لتظل بعدها تبكي حتى سقطت بالنوم والألم بمعدتها يمزقها.
لن تنسى له فعلته تلك أبداً طوال حياتها.
في وقت لاحق....
انتفض راجح مستيقظاً فور أن شعر بالفراش فارغاً بجانبه.
أخذت عينيه تدور بالغرفة بحثاً عن صدفة، نهض بتعثر متجهاً نحو الحمام متوقعاً أن يجدها هناك مريضة، لكنه وجده فارغاً.
مما جعله خرج من الغرفة إلى البهو ليجد ضوء غرفة الاستقبال مفتوحاً، وفور أن دلف إلى الغرفة وقعت عينيه على تلك الجالسة بهدوء على الأريكة تنظر إلى الفراغ الذي أمامها بشرود.
اتجه نحوها مغمغماً بصوت أجش من أثر النوم، جاعلاً إياه هادئاً قدر استطاعته، عكس القلق الذي يشتعل بداخله.
"قعدة كده ليه... انتي كويسة؟!"
أجابته صدفة بهدوء بينما تنهض على قدميها.
"الحمد لله..."
لتكمل وهي تتجاوزه في طريقها للخارج.
"هروح أحضرلك الفطار عقبال ما تاخد دش وتغير هدومك...."
أمسك بذراعها مديراً إياها نحوه، مغمغماً بهدوء.
"لا متحضريش حاجة، مش مهم، هبقى أفطر في الوكالة..."
حررت يدها برفق منه قائلة وهي تتجه نحو الخارج.
"الفطار جاهز، يدوب هحطه على السفرة..."
ثم خرجت من الغرفة بكل هدوء.
وقفت راجح مكانه يتطلع إلى أثرها بعينين شاردتين، مندهشاً من أنها لم تصرخ بوجهه على ما تسبب به لها، حتى أنها لم تلومه، فقد اكتفت أن تتعامل معه ببرود.
زفر بضيق فاركاً وجهه بعصبية قبل أن يتحرك ويدلف إلى غرفة النوم حتى يتجهز للذهاب إلى عمله.
بعد مرور أقل من 5 دقائق.
دلفت صدفة إلى غرفة النوم، وقفت تتطلع بقلق نحو باب الحمام حتى تطمئن أن راجح لا يزال يستحم، وما إن سمعت صوت المياه الجارية بالداخل اتجهت مسرعة نحو خزانة ملابسها مخرجة حقيبة صغيرة سوداء كانت تخبئها أسفل ملابسها، فتحتها وأخرجت منها عبوة صغيرة تحتوي على ما يسمي "بودرة العفريت"، وهي مسحوق أبيض إذا لمس جلد الإنسان يسبب له الحكة الشديدة، فقد قامت بشرائها من العطار قبل زواجها من ضمن أشياء كثيرة قامت بشرائها كنوع من السلاح لكي تحمي نفسها كما كانت تعتقد وقتها من راجح.
حيث كانت قبل زواجها لا تعلم ما ينتظرها أو ما هي مقبلة عليه.
اتجهت نحو ملابس راجح التي أخرجها بوقت سابق لكي يرتديه ويذهب للعمل بها، والتي كانت موضوعة بعناية فوق إحدى المقاعد، أمسكت بقميصه الذي سيرتديه وأغرقته بتلك البودرة وابتسامة واسعة تعلو وجهها.
لكن اختفت ابتسامتها تلك، مطلقة شهقة منخفضة عندما توقف فجأة صوت المياه بالحمام، لتعلم بأن راجح سيكون هنا بأي لحظة، لذا أسرعت بفتح درج الطاولة التي بجانب الفراش وخبأت عبوة البودرة بداخلها قبل أن تركض خارجة من الغرفة.
عائدة إلى المطبخ مرة أخرى، متصنعة بانشغالها بإعداد الإفطار له بكل براءة، كما لو كانت لم تكن السبب في حدوث المصيبة التي ستحدث بعد قليل.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل التاسع 9 - بقلم هدير نور
انتهى راجح من ارتداء ملابسه ثم اتجه إلى الطاولة التي بجانب الفراش، يفتح درجها حتى يأخذ محفظته والأموال التي يحتفظ بها داخل الدرج. لكن لفت انتباهه تلك العبوة الصغيرة الملقية بزاوية الدرج، لكنه لم يهتم بها كثيرًا، معتقدًا أنها شيء من أشياء صدفة التي تملئ بها كل مكان بالشقة.
تناول المال الذي كان يجمعه من أجل سداد الجمعية التي دخل بها مؤخرًا، حتى يستطيع الزواج بأمواله الخاصة دون أن يضطر إلى أخذ المال من والده.
أخذه يعده، لكنه وجده ناقصًا خمسمائة جنيه. شك أنه قد قام بعدهم بشكل خاطئ، لذا قام بعدهم أكثر من مرة ليجدهم بكل مرة بالفعل ناقصين تلك الخمسمائة جنيه. قطب حاجبيه محاولًا التذكر إذا أخذ منهم شيئًا، لكنه هز رأسه، فهو قد وضعهم منذ يومين بيده حيث كان مرتاحًا، أنه أكمل قسط الجمعية، فأين قد ذهبت تلك الـ ٥٠٠ جنيه؟
وردت في عقله ذكرى الألف جنيه التي سرقتها منه صدفة من قبل، بذاك اليوم الذي اتهمته فيه أنه قام بالتحرش بها أمام والده. فيمكن أيضًا هي من قامت بسرقة تلك الـ ٥٠٠ جنيه.
لكنه هز رأسه بقوة رافضًا تلك الفكرة، فيمكن أنه قام بصرفها دون أن يلاحظ. لذا سيقوم بوضع تلك الـ ٥٠٠ جنيه من مرتبه ويكمل المبلغ بعد يومين عندما يقبض مرتبه الشهري، لذا سوف يقوم بالاتصال بصاحب الجمعية ويطلب منه أن ينتظر يومين حتى يسدد له المبلغ بالكامل.
لوي فمه بسخرية فور تخيله ما سيحدث إذا علم الناس أن راجح الراوي لا يمتلك بجيبه خمسمائة جنيه، سيظنونه مجنونًا، فالجميع يعتقد بأنه يملك أموالًا كثيرة لا طائل لها.
فهو من يدير الوكالة وجميع المتاجر التابعة لهم والمسؤول عن كل العمل.
لا يعلمون أنه لا يملك سوى مرتبه الشهري الذي لا يتعدى الثلاث آلاف جنيه، الذي يقبضه من الحسابات مثله مثل أي موظف آخر بالوكالة.
كما أن الجميع يتحدث عن أن كل تلك الأفرع والمتاجر تعد ملكه، فهو من قام بتكبير وتوسيع عمل والده وجعله على ما هو عليه الآن.
فقد كان في السابعة عشر عندما بدأ بالعمل بمتجر والده الصغير المتواضع لبيع الأجهزة الكهربائية المستعملة. وبعد فترة ما أن أصبح راجح بالغًا، ترك له والده المتجر ليديره بمعرفته، وفي أقل من سنة حول راجح بذكائه ومهارته المتجر الصغير إلى أكبر متجر لبيع أفخم الأدوات المنزلية الحديثة المحلية الصنع والمستوردة.
ظل يعمل ويجتهد حتى جعل لمتجره سبعة أفرع منتشرة بأنحاء جمهورية مصر.
ورغم كل هذا لا يملك سوى سيارته وشقته هذه، حيث قام بشرائهم بماله الخاص.
لكن الناس لا تعلم كل هذا، هم يرون المظاهر فقط.
خرج من أفكاره تلك ينظر إلى الأموال التي بيده محاولًا أن يتذكر أين أنفق ذلك المبلغ، لكنه زفر بعجز واضعًا المال بجيبه قبل أن يلتف ويخرج من الغرفة.
***
ظلت صدفة جالسة بجانب راجح تراقب باهتمام وترقب وهو يتناول إفطاره، بينما تنتظر أن يحدث له شيء نتيجة تلك البودرة التي وضعتها بقميصه، لكن لم يحدث ما تنتظره، فيبدو أن ذلك العطار الذي أعطاها تلك البودرة محتال وقد خدعها.
زفرت بحنق عندما رأته يتناول كوب الشاي الخاص به والاسترخاء ظاهر عليه، همست بصوت منخفض يملأه الغيظ، تحدث نفسها مصوبة نحوه نظرات قاتلة سامة:
= اللهي تزور يا بعيد...
وضع راجح الكوب من يده عندما لاحظ نظراتها تلك، بينما تحرك شفتيها بكلمات غير مسموعة:
= بتبرطمى بتقولى إيه...؟
عقدت ذراعيها فوق صدرها بعصبية وهي تتأفف بحنق:
= مبرطمش...
وقف بهدوء يعدل من ملابسه استعدادًا لذهابه، مغمغمًا بنبرة صارمة:
= طيب افردي بوزك ده... أحسنلك...
رفعت وجهها إليه مرغمة شفتيها على الانفراج ورسم ابتسامة واسعة متشنجة، مغمغمة بسماجة:
= آهووو...
مر من جانبها واضعًا يده فوق شعرها يفركه بحركات مغيظة مشعثًا إياه. دفعت يده بعيدًا وهي تهمهم بكلمات حانقة مما جعله يبتسم وهو يتجه للباب مغادرًا.
بعد مرور ربع ساعة.
ركضت صدفة تفتح باب الشقة الذي كان يطرق أحدهم عليه طرقات متتالية عنيفة، وهي تهتف بصوت مرتفع:
= طيب... طيب ياللي على الباب، جاتك خبطة في إيدك، إيه الدنيا اتهدت.......
لكنها ابتلعت باقي جملتها شاهقة بقوة، متراجعة للخلف فور أن فتحت الباب ورأت راجح يندفع للداخل هاتفا بغضب بينما يديه تحك أنحاء جسده بحركات شبه هستيرية:
= إيه ساعة علشان تفتحي....
وقفت صامتة لم تستطع إجابته، حيث كانت متجمدة بمكانها تشاهده بأعين متسعة بالصدمة، بينما يحك أنحاء جسده ملتفًا حول نفسه محاولًا الوصول إلى ظهره ليطلق لعنة حادة عندما فشل.
تنحنحت مغمغمة بصوت جعلته طبيعيًا قدر الإمكان، متصنعة عدم فهم ما يحدث له، بينما تحاول السيطرة على موجة الضحك المتصاعدة بداخلها:
= في إيه مالك...؟
أجابها بصوت مختنق نافذ الصبر، بينما لا يزال يحاول الوصول إلى ظهره ليحكه:
= ضهري... في حاجة بتقرص فيه، مش عارف إيه اللي حصلي فجأة...
ليكمل وهو يجذبها من ذراعها نحوه بينما يستدير مشيرًا إلى ظهره:
= اهرشي...
كتمت صدفة ضحكتها بينما تضع يدها أسفل قميصه تحك له ظهره برفق بأظافرها.
لكنه تحرك بعدم صبر هاتفا بحدة:
= اهرشي حلو يا صدفة....
زادت من حكها لظهره هاتفة بحدة:
= آهوووو
لكنه اندفع للأمام بعيدًا عنها ويغمغم بحدة ونفاذ صبر:
= لا أوعى.. مش قادر
أنهى كلماته تلك مطلقًا لعنة حادة وهو يسرع بنزع قميصه ويركض بخطوات متعثرة نحو الحمام الذي أغلق بابه بعنف.
وقفت صدفة تحاول السيطرة على نفسها حتى لا تكشف أمرها، لكنها لم تستطع لتنفجر ضاحكة فور أن وصل إلى مسمعها صوت شيء ثقيل يسقط على أرضية الحمام، ثم تبعها صرخات ولعنات راجح الحادة الغاضبة التي هزت أرجاء المكان.
بعد مرور نصف ساعة.
كانت جالسة على إحدى المقاعد بغرفة النوم عندما شاهدته يخرج أخيرًا من الحمام عاري الصدر، لا يرتدي سوى شورت أسود قصير.
شهقت بصوت منخفض بينما شحب وجهها عندما استدار ورأت ظهره الملتهب الذي كان بلون الدماء.
شعرت بالذنب يغرز أنيابه الحادة بقلبها فور إدراكها أنها من تسببت له بهذا، فهي لم تكن تقصد إيذاءه، فقد كانت فقط ترغب أن تتسبب له ببعض الحكة انتقامًا لما فعله بها.
انحبست أنفاسها داخل صدرها كما لو أن المكان يطبق جدرانه من حولها، وهي تراقبه يتمدد على بطنه فوق الفراش، دافنًا وجهه المرتسم عليه الألم بالوسادة.
تحركت مغادرة الغرفة حتى تحضر له خلطة من الأعشاب قد تعلمتها من جدتها حتى تهدأ من التهاب ظهره، فقد كانت جدتها تصنعها لها عندما كانت صغيرة، فقد كان يوجد أمام منزل جدتها بالأرياف حقل مليء بعشب العفريت والذي يصنع منه تلك البودرة التي ابتاعتها من العطار.
كانت وهي طفلة تحب اللعب بذلك الحقل المليء بذلك العشب، رغم تحذير جدتها لها مما كان يتسبب لها بالحكة والالتهاب بجسدها، لكن كانت تلك الخلطة كانت كالسحر تعالج الالتهاب في دقائق قليلة.
***
كان راجح يدفن وجهه بالوسادة محاولًا تحمل الألم الذي يعصف بظهره، فهو لا يعلم ما أصابه فجأة، فقد كان في طريقه إلى العمل يقود سيارته بهدوء عندما أصابته تلك الحكة والتي جعلته كالمجنون يحك أنحاء جسده، مما جعله يلتف ويعود إلى المنزل مرة أخرى حتى لا يفضح نفسه أمام عماله أو زبائنه.
فاذا كان شاهده أي شخص وهو بحالته تلك لكان انتشر الأمر بين الناس وأصبح محل للسخرية بينهم.
انتفض جسده بمفاجأة عندما شعر بشيء بارد يلمس ظهره، استدار ليجد صدفة جالسة بجانبه على طرف الفراش ممسكة بيدها صحن صغير، بينما الارتباك والتردد ظاهر عليها.
غمغم باقتطاب مشيرًا إلى الصحن الذي بيدها:
= إيه اللي في إيدك ده...؟
أجابته بصوت لاهث بينما تبتلع لعابها بارتباك واضح:
= دي خلطة هتهدي الالتهاب في ضهرك...
لتكمل سريعا وهي تنهض على قدميها، شاعرة بالحرج عندما أخذ ينظر إليها بعينين تلتمع بالشك:
= لو مش عايز خلاص براحتك.....
أسرع بالإمساك بيدها معيدًا إياها للجلوس مرة أخرى بجانبه قائلًا بحزم بينما يدفن وجهه بالوسادة مرة أخرى وهو يحاول بصعوبة السيطرة على الدماء التي تعصف بداخله عندما تخيل فقط يدها تمر فوق جسده:
= اعملي اللي عايزاه....
أومأت بصمت واضعة من الخليط على ظهره ثم بدأت يدها المرتجفة تدلك ظهره برفق، بينما تحبس أنفاسها عندما شعرت بتيار كهربائي يمر بجسدها فور ملامستها لجلد ظهره الساخن تحت يديها، تنفست بعمق محاولة التركيز على ما تفعله حتى لا تفضح نفسها أمامه.
بينما كان هو مستلقيًا وهو يقبض على فكيه بقوة محاولًا تمالك نفسه حتى لا يجذبها أسفله وينالها كما يرغب ويشتهي، فالشعور بيدها تمر على جسده أسوأ أنواع العقاب التي تعرض لها، فقد كانت زوجته ملكه لكن في ذات الوقت لا يستطيع لمسها كما يرغب.
غمغمت صدفة بصوت لاهث وهي لازالت تدلك ظهره الذي بدأ احتقانه يقل كثيرًا:
= حاسس إنك أحسن مش كده...
أجابها بهدوء بينما يدفن رأسه بالوسادة أكثر، فقد كانت حقًا تلك الخلطة قد خففت كثيرًا من ألم ظهره:
= الخلطة دي سحر فعلاً....
ابتسمت مغمغة بعفوية وهي مستمرة بتدليك ظهره:
= كنت عارفة إن مفيش حاجة هتضيع مفعول بودرة العفريت غيرها أصل............
ابتلعت باقي جملتها منتفضة واقفة مبتعدة عنه فور إدراكها ذلة لسانها الأحمق، أدارت ظهرها له، ل "اطمة" بيدها على خدها وهي تهمس برعب:
= احيييه عليا وعلى غبائي.....
استدارت مبتعدة تتجه بخطوات مسرعة نحو خارج الغرفة وهي تغمغم بتلعثم بينما تدعو الله ألا يكون انتبه إلى ما تفوهت به:
= هروح.. هروح أشوف الباب باين بيخبط...
لكنها أطلقت صرخة فازعة عندما شعرت بيده تقبض على ذراعها بقسوة من الخلف، مديراً إياها نحوه ليصطدم جسدها بصدره العضلي العاري، حيث كان يقف خلفها مباشرة. زمجر بشراسة جعلت الدماء تجف بعروقها.
"قولتيلي بودرة عفريت..."
ظلت تتطلع إليه عدة لحظات برعب، قبل أن تنطق أخيراً بصوت مكتوم متلعثم وهي تقطب حاجبيها، بينما تتصنع عدم الفهم.
"بودرة عفريت إيه؟!"
قربها منه أكثر، محاوطاً خصرها بذراعه لتصبح محاصرة بين ذراعيه. أخفض رأسه، مزمجراً بقسوة بجانب أذنها.
"متستعبطيش..."
ليكمل وهو يجذبها أكثر نحوه، مزمجراً بأذنها بصوت حاد لاذع.
"يعني إنتي حطتيلي بودرة عفريت في هدومي؟ كنت عايزة تفضحيني قدام الناس في الوكالة، مش كده؟"
حدقت في وجهه بخوف من لهيب الغضب الذي يلتمع بعينه. هزت رأسها هامسة بتلعثم، بينما تضع يدها فوق صدره العاري محاولة دفعه بعيداً، ولا زالت تتصنع عدم الفهم.
"مش فاهمة حاجة..."
شدد من ذراعيه التي تلتف حول خصرها بقوة حتى تأوهت متألمة بصوت منخفض. لم يثر به الشفقة، ليزيد من اعتصاره لخصرها أكثر وهو يتمتم بصوت قاسٍ حاد.
"مخبية فين البودرة؟"
هزت رأسها برعب، بينما اتجهت عينيها تلقائياً نحو درج الطاولة التي تخبئ بها العبوة، شاعرة بالرعب يشل أطرافها فور تذكرها أنها نسيت أن تنقلها من مكانها وتعيد تخبئتها بحقيبتها مرة أخرى.
ارتسمت ابتسامة إدراك على شفتيه، بينما تتبع عينيه اتجاه نظراتها التي تسلطت على الطاولة التي بجانب الفراش. ليتذكر على الفور تلك العبوة التي رآها بجانب المال قبل ذهابه للعمل صباحاً.
ابتعد عنها متجهاً نحو الطاولة، يفتح الدرج ليجد العبوة البيضاء لازالت بمكانها. رفعها أمام وجه صدفة الشاحب وعينيها المتسعة المليئة بالارتباك.
"أومال دي إيه؟!"
همست كاذبة بصوت منخفض مرتجف، وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة الخوف.
"دي.. دي.. بودرة كنت جايباها من العطار لجسمي علشان..."
لكنها ابتلعت باقي جملتها، متخذة عدة خطوات إلى الخلف عندما وجدته يقترب منها بخطوات متكاسلة بطيئة. لكنها تجمدت بمكانها عندما شعرت بالحائط يضرب ظهرها من الخلف، مما جعلها محاصرة بينه وبين جسد راجح الصلب الذي أصبح أمامها مباشرة. أحاط خصرها بذراعه جاذباً إياها إليه، مخفضاً رأسه نحوها، مقرباً شفتيه من أذنها يهمس لها بصوت أجش.
"قولتيلي بودرة لجسمك..."
هزت رأسها بالإيجاب، بينما عينيها المتسعة الممتلئة بالارتباك والخوف مسلّطة على وجهه الوسيم. لكن تصلب جسدها عندما قام فجأة بوضع العبوة داخل ظهرها وقام بإفراغ كامل محتوياتها لتصيب البودرة كتفيها وظهرها، مما جعلها تصرخ فازعة. وقد تسلل الرعب بداخلها فور إدراكها ما فعله. هتفت بينما تضربه بصدره محاولة جعله يقوم بتحريرها.
"أوعى! إنت بتعمل إيه... أوعى!"
أجابها ببرود، بينما يتراجع للخلف مبتعداً عنها بعد أن نفذ مراده.
"دلوقتي بقى هنعرف إذا كانت فعلاً بودرة لجسمك..."
ليكمل وهو يضغط على حروف كلماته بقسوة.
"ولا بودرة عفريت..."
التفت بخطوات مسرعة، محاولة الوصول إلى الحمام حتى تنزع ملابسها تلك وتستحم سريعاً قبل أن يبدأ مفعول تلك البودرة ويتم فضح أمرها أمامه.
لكن ولصدمتها، شاهدت راجح وهو يسرع قبلها نحو الحمام، وقد أدرك نيتها، مغلقاً بابه بالمفتاح. ثم اتجه نحو باب الغرفة، أغلقه هو الآخر بالمفتاح.
مغمغماً بسخرية، بينما يتجه نحو خازنة الملابس يغلق أبوابها بالمفتاح.
"إنسي... العبي غيرها، مش هتتحركي من قدامي هنا إلا لما أعرف دي بودرة إيه..."
ابتلعت صدفة بصعوبة الغصة التي تشكلت بحلقها، قبل أن تجلس بجسد متصلب على المقعد، تعقد ذراعيها حول جسدها، داعية الله ألا يتأثر جسدها بتلك البودرة.
وإلا سينتهي أمرها.
شاهدته بينما يتجه نحو الفراش ويستلقي عليه باسترخاء، عاقداً ذراعيه أسفل رأسه، بينما عينيه مسلطة عليها، يراقب أدق حركاتها. مما جعلها تحاول أن تضغط يدها على ذراعها بقوة، غارزة أسنانها بشفتيها بقوة عندما شعرت بجسدها يبدأ يحكها، لكنها حاولت التماسك حتى لا تفضح أمرها أمامه. ظلت على حالتها تلك عدة دقائق، لكنها انتفضت واقفة وهي تصرخ بألم عندما أصبحت الحكة بجسدها لا تطاق. أخذت تحك أنحاء جسدها بحركات عنيفة شبه هستيرية، وهي تطلب منه أن يفتح لها باب الحمام، لكنه ظل مكانه يتطلع إليه ببرود. مما جعلها تركض نحو الحمام محاولة فتحه، تهز مقبضه بقوة، حتى وصل بها اليأس إلى ضربه بكتفها كما تشاهد بالأفلام حتى تفتحه، لكنه لم يستجب لها.
ابتعدت عن الباب وهي تحك جسدها بقوة حتى كادت أن تمزقه، مما جعلها تطلق صرخة محبطة، نازعة عنها عباءتها الممتلئة بتلك البودرة، لتصبح بقميصها الداخلي، وقد أصبحت بحالة جنونية تحك أنحاء جسدها بجنون.
انتفض راجح جالساً فور أن رآها تنزع عباءتها تلك وتقف أمامه بقميصها الداخلي القصير هذا.
اللمعت عيناه على الفور بالرغبة التي اشتعلت كالنيران بأنحاء جسده.
انحبست أنفاسه داخل صدره وهو يمرر ببطء عينيه التي اظلمت بالرغبة العاصفة على جسدها الشبه عاري بهذا القميص محكم التفصيل حول منحنياتها الرائعة.
حيث كان يبرز قوامها الذي كان أشبه بالساعة الرملية، والممتلئ بشكل جيد بكل الأماكن الصحيحة.
كما أبرز لونه الأسود الفحمي بشرتها البيضاء المرمرية.
قبض على يديه بقوة محاولاً السيط
اومأت برأسها بالايجاب بصمت وهي تشعر بجسدها يشتعل اثر لمساته تلك لكنها اطلقت شهقة منخفضة عندما شعرت بشفتيه تمر برفق فوق كتفها و عنقها من الخلف قبل ان يديرها بين ذراعيه بلطف لتصبح بمواجهته دفن وجهه بحنايا عنقها مقبلاً حلقها و عنقها الابيض المرمري و هو يطلق تأوه منخفض..
مما جعل الدماء تعصف بعروقها لكنها شهقت بقوه شاعرة بالصدمه تجتاحها عندما رفع رأسه عن عنقها بدون سابق انذار و تناول شفتيها في قبله حارة مشتعلة..هزتها رجفة قوية مرت بسائر جسدها عندما شعرت بملمس شفتيه فوق شفتيها التى كان يلتهمها بنهم مما جعلها ترتجف بقوة بين ذراعيه..
زاد من ضغط شفتيه فوق شفتيها الناعمه بتملك حارق فاستجابت بشغف الي قبلته و كامل جسدها ينتفض باستجابة قوية مما جعله يعمق قبلته لها ويتذوق شهد شفتيها رفعت احدي ذراعيها واحاطت عنقه به بينما يدها الاخري تشبثت بقوة بعنق مأزرها حتي لا يسقط منفتحاً تسببت حركتها البسيطة تلك بجعل دقات قلب راجح تزداد بعنف حتي ظن بان قلبه سوف يغادر جسده بأي لحظة...
اضطر اخيراً الي فصل شفتيهم عندما شعر بحاجتهم الي الهواء.. ابتعد عنها و هو يلهث بانفس ثقيلة محتقنة بينما الدماء تقصف بأذنيه بجنون...
تنفس بعمق محاولاً تهدئت نفسه قبل ان يعدل من وضع المأزر حول جسدها عاقداً أربطته جيداً حول خصرها...
و عينيه مسلطة بشغف علي وجهها المنخفض المشتعل بالخجل مرر يده بحنان مبعداً للخلف خصلات شعرها المتناثرة علي عنقها..
انحني طابعاً بشفتيه علي عنقها قبله رقيقة قبل ان يجبر نفسه بصعوبة علي الابتعاد عنها و تركها متوجهاً نحو الحمام تاركاً اياها جالسة بجسد مرتجف و وجه مشتعل بحمرة الخجل...
لكن لفت انتباهها الحقيبة البيضاء التى بجانب الفراش و التى لم تلاحظها من قبل غمغمت بصوت مرتجفة موقفة اياه
=راجح ايه الكيس ده...؟
التف راجح واقفاً بمدخل الحمام ينظر الى ما تشير اليه ضرب يده فوق جبينه قائلاً
=اها نسيت ده كيس فيه علب اللبن الرايب الفاضية اتلبخت امبارح فيكى و نسيت ارميها..
ليكمل وهو يدلف الى الحمام
= معلش ارميه في الزبالة...
ثم اغلق باب الحمام خلفه لتنهض صدفة متناولة الحقيبة تنظر بها لتجد عبوات حليب رائب فارغة و عبوة دوء صغيرة احتقن وجهها بشدة فور تأكدها ان الصور التى وردت بعقلها بالصباح كانت حقيقية و ليست خيال كما توقعت فراجح قد تركها لكى يأتى بدواء لها و ليس كما كانت تعتقد قد تركها تعانى دون ان يكترث بألمها
اطلقت لعنة منخفضة على غبائها فلو كانت تذكرت هذا لم تكن وضعت له تلك البودرة فقد انتقمت منه ليس لانه جعلها تتناول تلك الشوربة بلا لأنها اعتقدت انه رأى بكائها وتألمها و لم يحاول مساعدتها...
زفرت بغضب من نفسها و هى تأخذ الحقيبة الى حاوية النفايات قبل ان تعود الى الغرفة و تبدل ملابس و تستلقى علي الفراش سريعاً قبل خروج راجح من الحمام...
༺༺༺༺༻༻༻༻
بعد مرور عدة دقائق..
خرج راجح من الحمام ليجد صدفة مستلقية علي الفراش نائمة بعد ان بدلت المأزر الذي كانت ترتديه الي عابئة فضفاضة للغاية باهته اللوان شبه باليه ذات مظهر بشع تغطيها من عنقها الي اصابع قدميها... واضعة فوق رأسها وسادة كبيرة تخبئ وجهها اسفلها..
ارتسمت ابتسامة بطيئة فوق شفتيه بينما يدرك انها تحاول تجنبه و قتل رغبته بها بارتداءها تلك الملابس البشعة..
لا تعلم بان نيران رغبته بها ستشتعل حتي و ان كانت ترتدي كيساً مصنوعاً من الخيش الشائك...و ليست مجرد عبائة فضاضة فحاجته لها لم تعد جسدياً فقط...
استلقي بجانبها محيطاً خصرها بذراعه ليشعر بجسدها يتصلب بشدة تحت يده لكنه لم يبالي و جذبها نحوها متجاهلاً همهماتها العترضة و المختنقة الصادرة من اسفل الوسادة التي تضعها فوق رأسها...
احتضنها بين ذراعيه نازعاً الوسادة التي تضعها فوق رأسها ملقياً اياها على الارض مما جعلها تصرخ وهي تدفعه بيديها في صدره محاوله ابعاده
=ابعد......
شدد من احتضانه لها دافناً وجهها بصدره الدافئ مغمغماً بجانب اذنها بصوت اجش خطير
=هتسكتي و تنامي... و لا هتفضلي تتنططى كده لحد ما اسمع كلام الشيطان اللي بيزن علي وداني...
رفعت رأسها عن صدره بحدة هاتفة بحنق و غضب
=و سي الزفت الشيطان بقى بيزن علي ودانك بايه...
وضع اصبعه فوق شفتيها المكتنزة ممرراً اياه ببطئ متلمساً حناياها الشهية الممتلئة هامساً بصوت اجش بينما عينيه مسلطة برغبة عاصفة عليها
=بيقولي كُل المهلبية اللى بين ايدك... و بيني و بينك هموت و اكلها و ماسك نفسي بالعافية....
اطلقت شهقة منخفضة فور سماعها كلماته تلك لتسرع بدفن وجهها المشتعل بصدره مرة اخري..
شعرت بجسده يهتز كما لو كان يضحك قبل ان يحيط جسدها بذراعه مشدداً من احتضانه لها دافناً وجهه بشعرها بينما اخذت يده تمسد اعلى رأسها برفق..
همست بتردد و لازال وجهها مدفون بصدره
=راجح....
همهم مجيباً اياها بصوت منخفض..
وضعت يدها فوق ظهره العريض تمسده برفق وهى تغمغم بخجل
=مش عايزاك تزعل منى... انى حطتلك بودرة عفريت في هدومك...
رفع راجح وجهها عن صدره برفق متأملاً اياها عدة لحظات بصمت قبل ان يغمغم بصوت اجش
=و انتى متزعلش منى انى خليتك تشربى الشوربة... انا كنت هخليكى تشربى معلقتين بس بس انتى اللى شربتيها كلها...
ابتسمت صدفة هامسة بلطف و هى تشعر بالراحة انه لم يكن يقصد ايذائها
=مش زعلانة...
بادلها ابتسامتها تلك طابعاً على شفتيها قبلة قصيرة مما جعلها تسرع بدفن وجهها بصدره مرة اخرى بخجل بينما شدد هو من احتضانه لها دافناً وجهه بشعرها بينما يده تمسد ظهرها برفق
اغلقت صدفة عينيها بقوة و لم تمر سوا عدة لحظات قليلة لتسمع صوت انفاسه المنتظمة لتدرك انه قد نام لتغلق عينيها هي الاخري وتغرق بالنوم متمتعة بدفئه الذي يحاوطها...
༺༺༺༺༻༻༻༻
في مساء اليوم التالى....
كانوا جالسين بغرفة الاستقبال يشاهدون سوياً احدى الافلام العربية....
تركزت عينين راجح علي تلك الجالسة بالاريكة المجاورة له تشاهد الفيلم بكامل تركيزها و اهتمامها تصدر كل فترة تعليق بهمهمة منخفضة..
كان يتابع بشغف تعبيرات وجهها المتفاعلة بحماس مع كل مشهد من الفيلم حيث كانت مراقبته لها بالنسبه اليه امتع بكقير من متابعته لذلك الفيلم..
فقد كانت عفوية و تلقائية للغاية تتحدث بما يخطر على عقلها دون ان تفكر كثيراً عكس الكثير من النساء الذين يتصنعون كل شئ بحياتهم حتى يظهروا بمظهر الرقة و الدلال حتى يصلون الي ما يرغبون...
لكن صدفة ليست كذلك فهى تتعامل بطبيعتها العفوية فاحياناً يشعر انها امرأة بالغة ذات لسان سليط حاد يرغب وقتها بخنقها بيديه..
واحياناً اخرى يشعر انها ضعيفة كطفلة صغيرة تحتاج الى من يراعاها مما تثير بداخله غريزة الحماية راغباً باحتضانها و تطمئنتها...
ارتسمت علي شفتيه ابتسامة واسعة عندما سمعها تهمهم بانفعال و عينيها مسلطة علي شاشة التلفاز بترقب و انفعال
=متدخليش...متدخليش...
لتكمل بهمهة عصبية و هي تزفر بحنق
=يا بنت الهبلة مش قولتلك متدخليش...
ضحك بصوت منخفض مستمتع مما جعلها تستدير اليه فور سماعها صوت ضحكته تلك مغمغمة بارتباك
=بتضحك علي ايه.....
اعتدل في جلسته متنحنحاً بحرج مشيراً الي التلفاز
=علي الفيلم طبعاً...
عقدت حاجبيها قائلة بعدم فهم
=بتضحك ان البطلة دخلت بيت فيه واحد سفاح و هيقتلها..
تململ في جلسته لا يدرى بما يجيبها لكنه اسرع بالهتاف بانفعال و هو يشير نحو التلفاز
=الحقي... الحقي هيقتلها...
التفت صدفة على الفور نحو التلفاز و هى تطلق شهقة فزع مركزة اهتمامها على الفيلم فور سماعها كلماته تلك مما جعله يبتسم على سذاجتها تلك..
اخرجه من افكار صوت رنين هاتفه الذى كان على الطاولة امامه التقاطه واجاب عليه بامتعاض عندما رأى اسم المتصل...
سمعته صدفة بينما يتخدث الة العاتف لكنها لم تهتم...
لكنها التفت اليه تتطلع اليه بفضول عندما سمعته يغمغم بحدة
=ياستى.. قولتلك مالوش لزوم تيجى...
ليكمل بحنق و قد تغضن وجهه بغضب
=تحت البيت.!! طيب ماشى اطلعى
اغلق الهاتف هو يزفر بغضب قبل ان يلتف الي صدفة التى كانت تنطلع اليه بفضول قائلاً بينما ينهض
=صدفة غيرى هدومك.. في ضيوف طالعين..
نهضت مغمغمة بارتباك
=ضيوف مين...؟
اجابها بينما ينهض هو الاخر..
=واحدة لنا شغل معاها.... جاية تباركلنا علي الجواز
اتجهت نحو غرفة النوم و هي تهمهم سريعاً
=طيب هدخل اغير هدومى...و انت افتحلها..
اومأ برأسه بينما عقله منشغل بتلك القادمة...
الجزء الثاني من الفصل التاسع
في وقت لاحق...
دلفت صدفة الي غرفة الاستقبال بعد تبديلها ملابسها لكن تجمدت خطواتها عندمت رأت تلك الجالسة علي احدى المقاعد فقد كانت تتوقع ان تكون سيدة كبيرة بالعمر و ليست فتاة بنفس عمرها تقريباً كانت فائقة الجمال بشعر اشقر ينسدل باناقة على ظهرها و كتفيها و اعين زرقاء مما جعل صدفة تفكر بانها تشبه كثيراً الفتيات الاجانب اصحاب الجمال الرائع الذين تشاهدهم دائماً بالتلفاز...
تفحصت ملابسها الفاخرة التى كانت ترتديها حيث كانت ترتدى تنورة سوداء ضيقة ذات تصميم غريب فقد كانت قصيرة من الامام تصل الى اعلى ركبتيها بقليل و طويلة للغاية من الخلف حتى انساب قماشها على الارض و قميص احمر ضيق هو الاخر بدون اكمام ...
وقفت تتفحصها صدفة و هى تشعر انها رأتها من قبل اخذت عدة لحظات حتى تذكرت اين رأتها فقد رأتها ذات مرة بمكتب راجح عندما كانت تقدم لهم الشاى...
بينما جلست رنين تتابع بصدمة تلك التى دلفت الي الغرفة فكيف ان تلك الفاتنة هي ذاتها الفتاة التى رأتها ذات مرة بوكالة الراوى فعندما عادت من السفر و اخبروها ان راجح تزوج ببائعة الطعمية صدمت وشعرت بالفضول لمعرفة من هى لذا طلبت من احدى العاملين لديها بان يأتى بصورة لها و عندما رأت الصورة التى اتى بها العامل تذكرتها على الفور...
فقد رأتها ذات مرة عندما كانت تزور راجح بمكتبه فوقتها قد لفتت انتباهها بمظهرها البالى و القبيح بعبائتها السوداء البالية...
لكنها الان فهمت لما راجح تزوجها ...
اخذت تمرر عينيها التى تلتمع بالغيرة عليها فقد كانت جميلة ذات جمال شرقى خلاب بشعرها الاسود الذى يظهر جزء منه من اسفل طرحتها و جسدها الممتلئ باغراء...
خرجت من تأملها لها و قد اشتعلت النيران الحارقة داخل صدرها عندما رأت راجح ينهض متجهاً نحو صدفة يعقد ذراعه حول كتفيها مقرباً اياها منه برفق قائلاً بهدوء
=صدفة مراتى...
ليكمل و هو يشير نحو رنين
=رنين يا صدفة... تبقي صاحبة الشركة اللي بتستوردلنا كل الادوات الكهربائية اللي بنحتاجها من برا.....
مدت رنين يدها نحو صدفة، مرغمة شفتيها على رسم ابتسامة متشنجة.
= أهلاً يا صدفة.. مبروك.
صافحتها صدفة مبتسمة.
= الله يبارك فيكي.
لتكمل سريعًا ببشاشة.
= تشربي إيه؟
أجابتها رنين وهي تهز يدها برفض.
= ولا حاجة.. أنا جيت بس أباركلكوا. أي نعم جاية متأخر شوية.
لتكمل بنبرة غريبة وعينيها مثبتة على راجح.
= بس معلش، كنت مسافرة ولسه عارفة الخبر النهاردة.
انتبهت صدفة إلى نبرتها تلك، مما جعل جسدها يتشنج بانتباه، قائلة بحدة ضاغطة على حروف كلماتها.
= لا إزاي، لازم تشربي حاجة.. أنتي ضيفة في بيتنا.
غمغمت رنين بتشنج وعينيها مسلطة على يد راجح التي لازالت تحيط كتف صدفة.
= يبقى قهوة مظبوط.
أومأت صدفة قبل أن تغادر الغرفة، لكن فور وصولها للبهو شهقت بفزع عندما شعرت بيد تمسك بذراعها من الخلف. التفتت حول نفسها لتجد راجح الذي لحق بها يقف خلفها مباشرة.
همست بقلق وعينيها تتطلع باضطراب نحو غرفة الاستقبال التي تقع بنهاية البهو.
= في إيه؟
غمغم بحدة مشيرًا إلى العباءة التي ترتديها.
= غيري ام العباءة دي.
قطبت حاجبيها مغمغمة بعد فهم.
= ليه بقى.. مالها؟
أمسك بطرف صدر عباءتها بين أصابعه يهزه.
= رقبتك و صدرك باينين.
أخفضت عينيها إلى صدر عباءتها تتفحصه، لتجده منخفضًا قليلاً، لتعدل من حجابها التي تضعه حول رأسها وتسقط جزء منه على صدرها لكي تخفي عنقها والجزء العلوي من صدرها.
= داريته خلاص بالطرحة.
عدل من حجابها جاذبًا إياه إلى الأمام حول رأسها، قائلاً بصرامة.
= وشعرك ميبانش.
هتفت صدفة بصدمة وهي تنفض يده بعيدًا عن حجابها.
= جرى إيه يا راجح، دي واحدة ست زيك زيي، متحبكهاش أوي كده.
قاطعها بحدة وهو يعيد من تعديل الحجاب على صدرها.
= بقولك إيه، كلامي يتنفذ، بلا راجل بلا ست.
أومأت برأسها ضاحكة وهي تستغرب حالته تلك. غمغمت من بين ضحكاتها وهي تكمل طريقها نحو المطبخ.
= حاضر.
وقف راجح يستمع إلى ضحكتها هذه وابتسامة تملأ وجهه، مراقبًا إياها وهي تبتعد بأعين تلتمع بالشغف.
= جتك نيلة وانتِ زي العسل.
وقف مكانه عدة لحظات قبل أن يزفر بعمق ويلتف عائدًا إلى غرفة الاستقبال، جالسًا على الأريكة الكبيرة. ليتفاجأ برنين تنهض وتجلس بجانبه قائلة بحدة.
= هي دي بقى اللي فضلتها عليا.
لتكمل بنبرة يملؤها الازدراء.
= صدفة بتاعت الطعمية.. صدفة اللي كانت شبه الـ...
قاطعها راجح بقسوة وقد تصلب وجهه بعنف.
= قبل ما تل بخي في الكلام، خدي بالك انتي قاعدة فين، وبتتكلمي مع مين عن مين.
ليكمل بحدة لاذعة وعينيه تلتمع بشرارات الغضب.
= انتي في بيت صدفة اللي مش عاجباكي، وبتتكلمي مع جوزها اللي كرامتها من كرامته، واعتقد انتي عارفة أنا بعمل إيه لو حد فكر يهوب بس من كرامتي.
تراجعت وعيونها متسعة بالدهشة من النبرة القاسية الموجودة في صوته، لتعلم أن سلاح الهجوم لن ينفع معه، لتقرر استخدام السلاح الذي لا يقدر أي رجل على مقاومته، ألا وهو الدموع.
همست بصوت مرتجف وقد امتلأت عينيها بدموع كاذبة.
= يا راجح أنا بحبك.. أنا فضلت أحايل فيك أكتر من سنتين عشان تحس بيا وانتَ ومفيش. قولتلك هكتبلك الشركة باسمك وانتَ متهزش منك شعرة واحدة. وفي الآخر تتجوز دي.
لتكمل بنبرة يتخللها الغل والغيرة.
= عجبك فيها إيه.. أنا أحلى منها بمليون مرة.. الرجالة بتترمى تحت رجلي تتمنى نظرة واحدة مني.. بس أنا مش عايزة غيرك انت.
قاطعها راجح بحدة وهو يحاول إنهاء محادثتهم هذه قبل أن تأتي صدفة.
= الكلام ده مالوش لازمة، أنا واحد دلوقتي متجوز، وانتي أكيد ربنا هيرزقك باللي أحسن مني.
هتفت رنين بعنف مكبوت وهي تشير على صدرها.
= بس أنا مش عايزة غيرك.
لتكمل بصوت يملؤه القسوة والحقد.
= انت عجبك فيها جمالها وبس، جمالها اللي ظهرلك فجأة بعد ما كانت صدفة اللي الناس كلها كانت بتتريق عليها.
سخر راجح في عقله، لا يعلم ماذا ستكون ردة فعلها إذا علمت أنه كان يتأثر بها من قبل حتى أن يظهر له جمالها هذا.
لذا كان يعاملها دائمًا بفظاظة، متهربًا من رؤيتها، حتى تعجب من حوله من معاملته القاسية لها، لكنه كان يحارب انجذابه لها بمعاملته لها بتلك الطريقة الفظة، فقد كان متعجبًا من نفسه كيف ينجذب لها وهي بحالتها تلك، حتى ظن أن به شيء خطأ.
ورغم ما فعلته به وادعائها الحقير بأنه حاول اغتصابها، إلا أنه لم يستطع اتخاذ موقف ضدها يبرد به نيران قلبه وكرامته التي دعست عليهم.
رجل آخر لو كان في وضعه لكان قتلها على فعلتها تلك.
شعوره بالضعف نحوها هو سبب غضبه وعصبيته المستمرة، فهو لم يشعر بمثل هذا العجز اللعين طوال حياته.
خرج من شروده هذا على صوت رنين الغاضب الحاد.
= انت سرحت في إيه.. مش بكلمك.
زمجر راجح بقسوة مقاطعًا إياها.
= في إيه.. انتي نسيتي نفسك ولا إيه.. ما تتكلمي عدل.
ليكمل بخشونة وعصبية مفرطة.
= وآخر الحوار ده.. انتي مش أكتر من واحدة بينا شغل، أكتر من كده مفيش.. ومراتى خط أحمر، مش مسمحولك تتكلمي عنها كده.
همست بصوت منكسر محاولة جذب تعاطفه بعد أن أدركت أنها أوصلته للحافة.
= معلش سامحني، والله غصب عني يا راجح، أنا بحبك ومش قادرة أستحمل أشوفك مع غيري.
في تلك الأثناء، كانت صدفة تهم بدخول الغرفة، لكن تجمدت خطواتها على مدخل الغرفة الخارجي عندما سمعت كلمات رنين الأخيرة تلك، مما جعل جسدها يهتز بعنف من شدة الغضب والصدمة.
تراجعت خطوة إلى الخلف، واضعة الصينية التي عليها كوب القهوة على الطاولة التي بالبهو، وهي تهمهم بغضب.
= أها يا بنت الجزمة.. يا بجحة جاية تشقطي الراجل من قلب بيته.. وقدام عيني.
أسرعت بنزع حجابها، ملقية إياه بعيدًا، محررة شعرها من عقدته لينسدل على ظهرها كشلال من الحرير الأسود. أمسكت بالصينية ودلفت إلى الغرفة. اهتز جسدها بعنف عندما شاهدت بأعين عاصفة تعميها الغيرة تلك التي أصبحت تجلس بجانب راجح على الأريكة، لا يفصل بينهما سوى مسافة صغيرة. وضعت الصينية على الطاولة بحدة، مما جعل نصف محتويات فنجان القهوة تقع على الصينية.
متجاهلة نظرات راجح التي تلتمع بالشراسة والغضب فور رؤيته لشعرها المنسدل على ظهرها وعنقها وأعلى صدرها الظاهر من عباءتها.
اتجهت نحوهم جالسة بالمسافة التي تفصل بينهم، دافعة رنين في ذراعها بحدة.
= اتزحزحي كده شوية يا حبيبتي.
رمقتها رنين بغضب وشدة قبل أن تتحرك مبتعدة لأقصى الأريكة، متيحة لها مكان.
بينما همس راجح بالقرب من أذنها بقسوة.
= بتنيلى إيه؟
هزت كتفيها ببرود متصنعة السذاجة.
= قاعدة عادي، عملت إيه دلوقتي؟
ثم عقدت ذراعيها فوق صدرها وهي تستريح بظهرها للخلف، جالسة بينهم كسد منيع. استدارت إلى رنين ترمقها بنظرة متحدية، وعلى شفتيها راسمًة ابتسامة صفراوية واسعة. لتبادلها رنين بنظرات مشتعلة غاضبة.
تشدد جسد صدفة عندما شعرت بيد راجح تستقر أسفل ظهرها من الخلف، هامسًا بالقرب من أذنها بصوت منخفض مليء بالغضب والتهديد.
= حلو شعرك اللي فرحانة به ده.
أنهى جملته تلك، عاقدًا إحدى خصل شعرها حول أصابعه، جاذبًا إياها للأسفل بحدة، مما جعلها تطلق صرخة مرتفعة مبالغ بها وهي تنتفض مكانها.
التفتت إليها رنين تنظر إليها بدهشة، مما جعل صدفة تستغل الموقف، مغمغمة بدلال لراجح بصوت جعلته كما لو أنه همس، لكنها تأكدت من أن يصل إلى مسمع تلك التي تصب اهتمامها عليهم.
= راجح شيل ايدك عيب.. في ضيوف.. مش كده.
احتقن وجه رنين بالغضب ونيران الغيرة تشتعل داخل صدرها فور سماعها كلماتها تلك، وعقلها يصور لها ما تفعله يده خلف ظهرها. أخذت تهز قدميها بحدة ونيران الغيرة تتأجج بداخلها.
بينما لم يفهم راجح نيتها الحقيقية التي خلف كلماتها الخبيثة تلك، حيث ظن أنها تقصد جذبه لشعرها. هم بالحديث، لكن قاطعه صوت رنين هاتفه، مما جعله يضطر أن يجيب عليه عندما رأى أنه اتصال هام للعمل، مما جعله يخرج إلى الشرفة الخارجية بعد أن أخبرهم أنه عليه الإجابة على هذه المكالمة.
فور مغادرته، استدارت صدفة إلى رنين الجالسة بجانبها تهز قدميها بقوة، بينما عينيها مسلطة على صدفة بنفور ورفض.
ضربت صدفة يدها على قدميها قائلة بفحيح لاذع.
= بقولك إيه يا ست صوت الجرس انتي.
صرخت رنين بفزع واستنكار.
= صوت الجرس؟
أجابتها صدفة بصوت رفيع وهي تهز رأسها، بينما تلوى شفتيها بسخرية مقلدة إياها.
= أيوه يا أختي صوت الجرس.
لتكمل بحدة مقربة وجهها منها، تتطلع إليها بعينين تلتمع بوحشية.
= أوعى تكوني فاكراني يا بت هبلة ومش عارفة انتي جاية ليه.. بس عشمك عشم إبليس في الجنة.
ابتسمت رنين ابتسامة واسعة هامسة بصوت حاد لاذع.
= طيب كويس إنك طلعتي عارفة أنا جاية ليه.. بس انتي طلعتي زكية أهو مش زي يعني ما بيقولوا إن من كتر قعدتك في الشارع وقلّيتك للطعمية الزيت جلد دماغك وخلى مخك تخين.
لتكمل بفحيح سام قابضة على معصم صدفة، تضغط عليه بقوة وغِل.
= راجح ليا.. دلوقتي.. بعدين ليا.
ده أنا حفيت وراه بقالي أكتر من سنتين، تفتكري هسيبهولك بالساهل كده.
تشددت قبضتها بقسوة فوق معصم صدفة، وهي تكمل بأعين تلتمع بالتصميم والتحدي.
= هيبقى ليا.. حتى لو هبقى زوجة تانية له أنا موافقة.. بس بعدها هخليه يطلقك ويرميكي في الشارع وترجعي تلبسي تاني عبايتك السودا المقرّحة اللي كلها بقع زيت وعفن.
اشتعل الغضب كبركان ثائر داخل صدفة فور سماعها كلماتها المهينة تلك. نزعت معصمها بقوة من قبضتها، محررة إياه، بينما ترسم على شفتيها ابتسامة واسعة، مغمغمة بمكر، وهي تهز كتفيها ببرود.
= اديكي قولتيها، بتحفي وراه بقالك أكتر من سنتين، تصوري وهو عازب معبركيش، تفتكري بقى دلوقتي وهو متجوز هيبص في وشك ولا حتى هيعبرك.. ده انتي يا بت عاملة زي اللزقة اللي كل ما يتف عليها بتلزق أكتر.
احتقن وجه رنين بشدة، بينما لمعت عينيها بنيران الغِل والغضب، مزمجرة من بين أسنانها.
= بتغلطي في أسيادك يا شحاتة يا أم عباية مزيتة.. مقرّحة.
ضغطت صدفة على أسنانها بقوة، تعتصر قبضتيها بقوة محاولة السيطرة على أعصابها حتى لا تنقض عليها وتمزقها بأظافرها وأسنانها.
لكنها نجحت برسم ابتسامة واسعة على شفتيها، مقتربة منها ببطء، هامسة بصوت منخفض بالقرب من أذنها كما لو كانت تخبرها سرًا، ضاغطة بقوة على كل حرف من حروف كلماتها بتهديد واضح.
= قومي.. خدي نفسك.
امشي قبل ما أقوم أجيبك من شعرك وأرميكي من البلكونة.
شحب وجه رنين بخوف فور سماعها كلماتها دي، أخدت تتطلع إليها بعينين متسعتين بالذعر، بينما هزت صدفة راسها لها ببطء والابتسامة اللي بتدل على جنونها لازالت مرسومة على شفتيها، كأنها بتأكد لها إنها سمعت كلماتها صح وإنها قادرة تنفذ اللي قالته.
انتفضت رنين واقفة، اختطفت شنطتها من فوق الأريكة، في نفس اللحظة اللي رجع بيها راجح للغرفة، مغمغم بهدوء وهو مش واعي للصراع اللي كان داير هنا قبل لحظات.
= معلش اتأخرت عليكوا، كانت مكالمة مهـ...
قطع جملته لما لاحظ إن رنين واقفة شايلة شنطتها استعدادًا للمغادرة.
= إيه ده، انتي ماشية؟
= أها، يا دوب أروح، انت عارف إني مسافرة وراجعة تاني إسكندرية بكرة الصبح.
همهمت رنين كلماتها دي، بينما بتتقدم خطوة لقدام، مما جذب انتباه صدفة لذيل تنورتها اللي كانت قصيرة من قدام وطويلة جدًا من ورا، حتى كانت بتجرها خلفها على الأرض. ده خلى فكرة تقفز لعقلها الشيطاني، لتسرع بتنفيذها على الفور. وقفت برجليها الاثنين فوق ذيل تنورتها، وما إن تقدمت رنين للأمام، اندلع بالأنحاء صوت تمزق قماش تنورتها، مما خلاها تصرخ وهي تستدير حول نفسها بفزع تحاول ستر ساقيها اللي ظهرت من القماش اللي اتقطع.
بينما أسرعت صدفة نحو راجح، تقف على أطراف رجليها قدامه، تضع يديها فوق عينيه وهي تصرخ بحدة.
= غمض عينك، ما تبصش.
هتف راجح بحدة وهو يضع يديه حول خصرها محاولًا يدفعها بعيدًا عنه.
= إيه يا صدفة، اتجننتي؟ أوعي، خليني أشوف حصلها إيه.
قاطعته صدفة بحدة.
= هيكون حصلها إيه، الجيبة بتاعتها اتقطعت.
ثم أدارته بحدة ليصبح ظهره ناحية رنين، اللي كانت تتمتم بكلمات غاضبة وهي تحاول تصلح تنورتها اللي تدمرت تمامًا.
= لف، لف، ما يصحش تبص عليها، ما تقلقش، أنا هساعدها.
هتفت رنين بحدة بينما تحاول تصلح تنورتها الممزقة.
= تساعديني؟ ده انتي اللي قطعتيها.
هزت صدفة حاجبيها بحركات راقصة ساخرة، راسمًة على وشها ابتسامة مستفزة، مستغلة إن راجح ظهره لهم، قائلة بصوت هادئ يعاكس حركتها المغيظة لها.
= أنا؟ وأنا جيت جنبك؟ ياختي، وأنا مالي، انتي اللي مسترخصة في لبسك.
هتفت رنين بوجه مشتعل بينما تندفع نحوها تهجم عليها.
= انتي؟ هتستعبطي؟
استدار راجح بسرعة فور سماعه صرخة صدفة، لما قبضت رنين على شعرها. اندفع نحوهم، محررًا صدفة من بين يدي رنين، واضعًا إياها خلف ظهره بحماية، مزمجرًا بشراسة خلت وجه رنين يشحب.
= إيه؟ هي حصلت تمدي إيدك على مراتي في بيتها؟
هتفت رنين بغضب مشيرة باستعلاء ناحية صدفة.
= انت بتزعقلي يا راجح عشان دي؟
همت صدفة بالرد عليها، لكنها صمتت لما جذبها راجح لجنبه، محيطًا كتفها بذراعه بحماية، وهو يزمجر مقاطعًا رنين بقسوة، وعينيه تنطلق منها شرارات الغضب.
= دي اللي هي مين؟ انتي مجنونة، دي مراتي.
وضعت صدفة يدها على صدره، واستغلت عدم رؤية راجح لها، وأخرجت لسانها لها بإغاظة، شاعرًة بالفرح من دفاعه عنها.
ثم رسمت الجدية على وشها، قائلة ببراءة وهي ترفع وجهها إليه.
= خد بالك يا راجح، أنا ممكن أرد عليها، بس أنا محترمة وجودك على فكرة.
ربت راجح على ظهرها بلطف، مما خلى الحقد ينبش أظافره داخل صدر رنين، اللي كانت تشاهد هذا بعينين محتقنتين بالغضب، لكنها همست بصوت منكسر محاولة جذب تعاطفه.
= أنا مقصدش يا راجح، بس هي فعلاً دوست على الجيبة وقطعتها لي، عشان بتكرهني.
قاطعها راجح بصرامة ويده تتشدد حول كتف صدفة.
= وهي هتكرهك ليه؟ تعرفك منين أصلًا عشان تكرهك أو تحبك؟
وقفت رنين تتطلع بعجز، عالمة إنها لا يمكنها إخباره بما حدث بينهم.
ليكمل راجح وهو يدفع صدفة نحو الباب، لما لاحظ قطعة القماش اللي تلفها رنين حول ساقيها.
= معلش يا صدفة، هاتيلها عباية من عندك، مش هينفع تنزل كده.
تنهدت صدفة باستسلام وهي تغمغم بهدوء، متصنعة الوداعة.
= حاضر.
وفور أن خرجت صدفة من الغرفة، أوقعت رنين القماش اللي تحيط به ساقيها، لتظهر عارية أمامه في محاولة منها لإغرائه، لكنه غمغم بقسوة وشدة، وقد اشتعل الغضب بداخله كالحمم.
= احترمي نفسك ولفي الزفتة دي على جسمك.
أجابته بارتباك من حدته غير المتوقعة، عالمة أن خطتها لإغرائه قد فشلت.
= أعمل إيه؟ مش عارفة أعملها، بتقع مني.
زفر بحنق وهو يستدير مولياً إياها ظهره، مدركًا لألاعيبها تلك، فقد كان يرغب بمغادرة الغرفة، لكنه لا يرغب بتركها بمفردها مع صدفة بعد ما حدث بينهما.
دَلفت صدفة حاملة بين يديها عباية سوداء، اقتربت من رنين، واضعة إياها بين يديها، هامسة بصوت منخفض للغاية بالقرب من أذنها.
= ملقيتش ليكي أغلى من عبايتي السودا المزيتة المقرحة.
لتكمل وهي تطلع إليها بشماتة.
= عباية الشغل بتاعتي أم بقع زيت وعفن.
هتفت رنين بصدمة بينما تلقي العباية من يدها باشمئزاز.
= إيه القرف ده؟ أنا ألبس دي؟
هتف راجح بحدة وهو لا يزال يدير ظهره إليهم.
= فيه إيه تاني؟
أجابته رنين وهي ترمق صدفة من الأعلى للأسفل بازدراء.
= تخيلي، جايبالي عباية مليانة بقع.
غمغم راجح زافراً بحنق.
= هاتيلها عباية تانية يا صدفة، خلينا نخلص في يومنا ده.
اقتربت منه صدفة، واقفة أمامه على أطراف أصابعها، واضعة يدها فوق كتفه، محاولة الوصول لأذنِه، لكن لم يساعدها قصر قامتها، لذا أخفض راجح رأسه لها، مساعدًا إياها، واضعًا يده بعفوية حول خصرها.
همست صدفة بأذن راجح كاذبة، بينما لا تزال واقفة على أطراف قدميها.
= مش هينفع، الهدوم بتاعتي كلها بودرة عفاريت.
ضيق عينيه عليها قائلاً بشك.
= وإيه جاب بودرة العفاريت على هدومك اللي في الدولاب يا صدفة؟
هزت كتفيها، مغمغمة ببرود.
= معرفش، أهو اللي حصل بقى، ممكن وأنت بترش عليا وقع عليها.
قاطعها راجح قائلاً بشك واستنكار.
= وقع عليها وهي جوه الدولاب؟
تجاهلت سؤاله، لتكمل وهي تتصنع محاولتها لإيجاد حل.
= أقولك، انزل هات عباية من أمك أو هاجر.
لتقطع باقي جملتها، قائلة بأسف مصطنع، وهي تضرب على يدها بيدها الأخرى، كما لو أنها تذكرت الآن.
= يوه، نسيت، دول مسافرين البلد.
هز راجح رأسه وهو يدرك أنه لن يصل معها إلى حل، فسوف تجعله يدور في دوائر مفرغة، وبالنهاية ستفعل ما تريده. غمغم لرنين، التي كان يوليها ظهره.
= البسيها وخلاص يا رنين، وانتِ كده كده عربيتك راكنة تحت البيت.
تأففت رنين بغضب، بينما تمسك بالعباية بأطراف أصابعها، والاشمئزاز يملأ وجهها. ارتدتها، ثم وقفت تتطلع إلى صدفة بحقد وغضب، قبل أن تسرع راكضة من الغرفة، وهي لا تتحمل ملمس تلك العباية على جسدها، راغبة بالوصول إلى سيارتها بأقصى سرعة، بينما تبعها راجح حتى يقوم بايصالها إلى الخارج.
انفجرت صدفة ضاحكة فور أن أصبحت بمفردها، شاعرًة بالنصر بجعلها ترتدي ذات العباية التي سخرت منها.
لكنها أسرعت بإزالة ضحكتها تلك فور سماعها باب المنزل الخارجي للشقة يغلق. لم تمر لحظات إلا ودلف راجح إلى الغرفة بوجه جامد، مشيراً بإصبعه نحوها لكي تتقدم نحوه.
= تعالي.
تقدمت نحوه ببطء، راسمًة البراءة على وجهها، حتى أصبحت تقف بعيدة عنه بعدة خطوات قليلة.
أمسك راجح بذراعها، جاذبًا إياها نحوه، حتى أصبحت تقف أمامه، مغمغمًا بصرامة.
= قطعتي جيبتها ليه؟
فتحت فمها تهم بالنفى، لكنه قاطعها قائلاً بحدة.
= وقبل ما تكدبي كعادتك، أنا شايفك وأنتِ قاصدة تدوسي عليها برجلك.
غرست أسنانها بشفتيها وهي تشعر بالإحباط من أنه اكتشف أمرها، بالطبع سيبدأ بتعنيفها على فعلتها تلك، مما جعلها تهتف بانفعال.
= أيوه، أنا اللي قاصدة أقطعها جيبتها، كنت باخد حقي منها عشان قلة أدبها عليا.
لتكمل بعصبية وانفعال، بينما صدرها يعلو وينخفض بقوة.
= قعدت تتريق عليا وتقول إنها كانت فاكراني غبية من كتر قلي الطعمية وإن الزيت جاب دماغى، وإني بعباية سودا مقرحة مزيتة.
ثم صمتت، متجنبة إخباره بما قالته لها بأنها ستتزوجه وتجعله يلاقيها بالشارع مرة أخرى.
خرجت من شرودها هذا على يدي راجح، التي أحاطت وجهها برفق، مغمغمًا بهدوء.
= طيب خلاص، ما تزعليش، وسيبك منها، دي مجنونة.
تراجع رأسها للخلف، هامسة بصدمة.
= إيه ده؟ انت مش هتزعقلي؟
أزاح شعرها المتناثر فوق وجهها إلى خلف أذنها، ممسدًا إياه برفق.
= وأزعقلك ليه؟ مش كنتِ بتاخدي حقك؟
ليكمل ويده مستمرة بتمسيد شعرها، مستمتعًا بنعومته الحريرية.
= بس ده ما يمنعش إني هعاقبك على حاجة تانية.
تراجعت للخلف، محاولة الابتعاد عنه فور سماعها كلماته تلك، لكنه أسرع بإحاطة خصرها، جاذبًا إياها نحوه، ليصطدم جسدها اللين بجسده الصلب العضلي، قرب شفتيه من أذنها، يهمس لها بصوت أجش مثير.
= شعرك، اللي دخلتي تتباهي بيه قدامها، رغم إني محذرك إن الطرحة ما تتقلعش من على راسك.
هزت صدفة كتفيها، قائلة بسخرية.
= طيب ما هي مش لابسة طرحة، وكنت قاعد قدامها متنح وعيونك بتطلع نجوم.
لتكمل وهي تمسك بجزء من شعرها تضرب به وجهه، بينما ترفع من طبقة صوتها مقلدة رنين بحركاتها.
= ولا هو حلال لها، وحرام ليا؟
لدهشتها، انفجر راجح ضاحكًا بصوت أجش رجولي، تسبب بتسارع دقات قلبها. شدد من ذراعه حول خصرها، ملصقًا جسدها بجسده، قائلاً من بين ضحكاته.
= أولًا، مكنتش قاعد متنح، وعيوني مكنتش بتطلع نجوم زي ما بتقولي، وهي من الأساس مش فارقة معايا.
ليكمل بحزم وأصابعه تتخلل شعرها.
= ثانيًا، بقي متحاوليش تتوّهيني، عشان برضه هتتعاقبي.
تراجع رأسها للخلف بذعر، لكنه أسرع بحني رأسه نحوها، وتناول شفتيها في قبلة قوية نهمة، ولدهشته، ألقت ذراعيها حول عنقه، تبادله قبلته تلك بشغف، وكان هذا أول عرض للعاطفة التلقائية تقوم به نحوه.
تأوه باسمها، بينما يعمق قبلته، ويديه ترتفعان وتحيطان وجهها بحنان، بينما يستولي على شفتيها بجوع. تشددت ذراعاها حول عنقه، وهي تميل نحوه أكثر، وهي تتنهد بنعومة، جعلت كل عضلة في جسده تتصلب.
بالنهاية، اضطر أن يفصل قبلتهم عندما شعر بيديها تنخفض إلى صدره وتدفعه بعيدًا برفق.
حررها، مسندًا جبينه على جبينها، يتنفس أنفاسها الحارة بشغف، قبل جبينها بلطف، ثم خدها.
قبل أن يغمغم بصوت أجش لاهث مرح.
= حلو العقاب، مش كده؟
ضحك بخفة عندما احمر خداها بقوة من شدة الخجل، انحنى مقبلًا خديها المحتقنين، قبل أن يحيط خصرها، وهو يغمغم برفق.
= يلا، تعالي نكمل الفيلم بتاعك، ما نشوف البطلة ماتت ولا لسة.
ضحكت صدفة، بينما تتبعه نحو الأريكة، ليجلسا عليها، يتابعان باقي الفيلم، الذي قد وصل إلى نهايته.
كانت صدفة جالسة بشقتها تشاهد التلفاز بهدوء بعد أن أنهت إعداد الطعام. لكنها كانت تعلم أن راجح لن يعود من عمله إلا بوقت متأخر كعادته بالفترة الأخيرة، فقد كان منشغلاً باستلام البضائع الخاصة بمتاجره وتوزيعها عليها.
حيث كان يخرج في السابعة صباحاً ويعود في الثانية فجراً. يأكل طعامه سريعاً ثم يرتمي فوق الفراش نائماً. لا يستيقظ إلا على صوت المنبه ليبدأ بإعادة يومه من أول وجديد.
لذا كانت الحياة بينهم هادئة، فهو لا يجد وقتاً حتى ليعقب على الطعام الذي تطهيه له.
خرجت من شرودها هذا على صوت رنين جرس الباب الخارجي.
نهضت لتفتحه، لكي تجد أمامها هاجر شقيقة راجح، التي ما إن رأتها غمغمت سريعاً:
= صدفة ونبي انزلي اقعدي في الشقة تحت، خدي بالك من الأكل اللي على النار.
هزت صدفة كتفيها مقاطعة إياها:
= وأنا مالي آخد بالي منه ليه؟ أمك فين؟
أجابتها هاجر سريعاً، بينما تنظر بتوتر إلى هاتفها:
= ماما راحت لخالتي نبوية بعتتلها عايزاها في حاجة، وقالتلي آخد بالي من المحشي اللي على النار، بس المدرس بعت إن في حصة دلوقتي ولازم أروح السنتر. لو مروحتش الدرس هيمنعني أدخل الدرس التاني. ولو قفلت عليه هيبوظ وماما مش هترحمني، أنتِ عارفها.
لتكمل وهي تربت على صدرها برجاء:
= ونبي.. ونبي يا صدفة انزلي تاخدي بالك منه، هي ربع ساعة بالكتير وماما هترجع.
زفرت صدفة بحدة قبل أن تغمغم باستسلام:
= طيب استني ما أجيب الطرحة أحطها على راسي وهنزل معاكي.
جذبتها هاجر من ذراعها قائلة:
= طرحة إيه بس، الشقة تحتنا، ومفيش حد تحت.
حررت صدفة ذراعها منها هاتفة بسخرية بينما تدلف للداخل حتى تجلب الطرحة:
= قولي ياختي لأخوكي الكلام ده، ده بيطين عيشتي لو فتحت بس باب الشقة من غير ما ألبسها.
خرجت بعد عدة لحظات وهي تضع وشاحاً أسود على رأسها، هابطة معها للأسفل.
بعد عدة دقائق.
كانت صدفة خارجة من المطبخ الخاص بوالدة راجح عندما رأت نعمات تدلف من باب المنزل.
غمغمت نعمات بحدة ما إن رأتها:
= إيه ده، بتعملي إيه هنا؟ وفين هاجر؟
أجابتها صدفة بهدوء بينما تتجه نحو الأريكة التي ببهو الشقة:
= هاجر راحت الدرس، وطلبت مني إنزل أخلي بالي من الأكل لحد ما أنتي تيجي.
لتكمل وهي تجذب وشاح رأسها من فوق الأريكة:
= مادام جيتي هطلع أنا شقتي بقى.
قاطعتها نعمات ممسكة بذراعها، موقفة إياها عندما تجاوزتها:
= لا، استني هديكي حاجة تديها لراجح.
لتكمل وهي تتجه نحو غرفة النوم:
= أعمل إيه، مبقتش أشوفه، كل يوم راجع وش الصبح من الوكالة.
تنهدت صدفة عاقدة ذراعيها على صدرها، بينما تنتظرها ممسكة بأطراف ساحها تتلاعب به بين أصابعها، تعد اللحظات حتى تعود إلى شقتها، لكنها أطلقت صرخة مرتعبة عندما سمعت نعمات تهتف بشراسة بينما تهجم عليها من الخلف:
= فين يا بت الألفين جنيه اللي كانوا على الطرابيزة اللي في أوضة النوم؟
دفعتها صدفة بعيداً، محاولة تحرير نفسها منها:
= ألفين جنيه إيه اللي بتتكلمي عنهم؟
صرخت نعمات بغضب وانفعال، غارزة يدها بشعر صدفة تجذبه بقوة:
= هتستعبطي يا روح أمك؟ طلعي يا بت الألفين جنيه، بدل ما أطلع روحك.
دفعتها صدفة بحدة بعيداً، محررة شعرها من بين يديها وهي تهتف بغضب:
= ابعدي إيدك دي عني، أنتِ هترمي بلاكي عليا يا ست انتي، ولا إيه؟
هجمت نعمات عليها مرة أخرى وهي تهتف بهسترية، ممزقة عنق عباءة صدفة من الأمام، غير عابئة بصراخها المذعور:
= طيب، وحياة أمك لتتفتشي، وما هتخرجي من هنا إلا لما تطلعي الفلوس.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل العاشر 10 - بقلم هدير نور
تنهدت صدفة عاقدة ذراعيها على صدرها بينما تنتظر نعمات التي دخلت إلى غرفة النوم...
أمسكت بأطراف وشاحها تتلاعب به بين أصابعها تعد اللحظات حتى تعود إلى شقتها لكنها أطلقت صرخة مرتعبة عندما سمعت نعمات تهتف بشراسة بينما تهجم عليها من الخلف..
"فين يا بت الألفين جنيه اللي كانوا على الطرابيزة اللي في أوضة النوم..."
دفعتها صدفة بعيدًا محاولة تحرير نفسها منها.
"الفين جنية إيه اللي بتتكلمي عنهم....!!!"
صرخت نعمات بغضب وانفعال غارزة يدها بشعر صدفة تجذبه بقوة.
"هتستعبطي يا روح أمك... طلعي يا بت الألفين جنيه... بدل ما أطلع روحك..."
دفعتها صدفة بحدة بعيدًا محررة شعرها من بين يديها وهي تهتف بغضب.
"ابعدي إيدك دي عني أنتي هترمي بلاكي عليا يا ست أنتي ولا إيه...."
هجمت نعمات عليها مرة أخرى وهي تهتف بهستيريا ممزقة عنق عباءة صدفة من الأمام غير عابئة بصراخها المذعور.
"طيب وحياة أمك لتتفتشي وما هتخرجي من هنا إلا لما تطلعي الفلوس..."
صرخت صدفة بغضب وهي تحاول دفعها عنها لكنها فشلت.
"يا وليه ابعدي عني أنا مش عايزة أتغبي عليكي..."
غرزت نعمات يدها بشعرها تجذبه بقوة وهي تسدد لها الضربات المتفرقة بأنحاء جسدها وهي تزمجر بشراسة.
"طلعي الفلوس يا حرامية يا لمامة... فاكراني هسيبك.. وديني والمعبود ما هحلك إلا لما..."
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما سمعت صوت راجح الحاد الذي جاء من خلفها وهو يدلف من باب الشقة المفتوح.
"في إيه.. إيه الصوت ده....."
وقف عدة لحظات قليلة يتطلع بارتباك إلى ظهر والدته التي كانت تحجب عنه الرؤية لكنه اندفع نحوهم سريعًا فور أن سمع صوت صراخ صدفة المتألم ليتشدد جسده بغضب عاصف فور أن رأى ما تفعله والدته بها...
وبحركة تلقائية قبض على ذراع صدفة جاذبًا إياها نحوه بحماية بعيدًا عن والدته التي كانت أشبه بالبركان الثائر هاتفًا بقسوة.
"هي حصلت تمدي إيدك على مراتي ياما...."
تمسكت صدفة بيدين مرتجفتين بقميصه تتشبث به بقوة محاولة أن تستمد منه القوة والحماية بينما تحاول السيطرة على ارتجاف جسدها مما جعله يشدد من ذراعه حولها محاولًا تهدئتها..
مما جعل نعمات تهتف بغضب بينما تحاول الهجوم عليها مرة أخرى وقد جن جنونها عندما رأت حركاتها تلك.
"اتمسكيني يا بت واعملي بريئة أوي كمان........."
قاطعها راجح بصوت حاد صارم أسكتها على الفور بينما يزيح صدفة خلف ظهره بحماية ليقف حائلًا بينهم و يصبح هو بمواجهة والدته.
"إيدك متتمدش على مراتي تاني ياما وكلامك معايا أنا.. إيه حصل لكله ده......"
توقفت نعمات عن محاولاتها للانقضاض على صدفة فور سماعها كلماته الحادة تلك فقد كانت تعلم ولدها جيدًا وتعلم أنه الآن قد وصل إلى أقصى غضبه التقطت نفسًا مرتجفًا قبل أن تجيبه بأنفاس ثقيلة.
"كنت سايبة علي الطرابيزة اللي في أوضة النوم الفين جنية كان أبوك مديهم لي الصبح علشان أنزل السوق وأتسوق للشهر..."
توقفت حتى تلتقط نفسها.
"روحت لخالتك أم إبراهيم كانت عايزاني في موضوع رجعت لقيت مراتك هنا في الشقة لوحدها... لما سألتها قالتلي هاجر اللي طلعتلها و قالتلها تنزل تاخد بالها من الأكل اللي على النار علشان راحة الدرس..."
قاطعتها صدفة هاتفة من خلف ظهر راجح الذي كانت تختبئ به بينما تتشبث بقميصه من الخلف بقوة.
"يارتني ما طاوعتها ولا نزلت كنت سبته يتحرق ولا يولع على دماغكوا...."
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما استدار راجح إليها زاجرًا إياها بنظرة قاسية صارمة أخرسها على الفور...
بينما أكملت نعمات حديثها بانفعال متجاهلة إياها.
"دخلت الأوضة علشان أغير هدومي بسرعة وأطلع أديها حله محشي كنت عملهالك بصيت على الطرابيزة ملقتش الفلوس....."
اهتز جسد راجح بعنف كألو صاعقة ضربته فور سماعه ذلك.
بينما تجمدت الدماء بعروق صدفة فور رؤيتها لوجه راجح الذي كان يشتعل كبركان ثائر من الغضب همست بصوت مرتجف بينما تهز رأسها بقوة.
"والله العظيم ما شوفت الفلوس ولا حتى لمحتها.... شوفي مين خداها."
قاطعتها نعمات بقسوة مرمقة إياها بنظرات ممتلئة بالازدراء.
"مين يا اختي اللي هياخدهم الخمد لله معنديش حد حرامي أنا عيالي كلهم متربين...."
زمجر راجح مقاطعًا إياها بحزم وهو يجز على أسنانه بقسوة.
"وانا مراتي مش حرامية..."
غمغمت نعمات بارتباك وانفعال وقد أدركت أن راجح أصبح على حافة غضبه منها وآخر ما تريده هو التسبب في إغضابه.
"أومال الفلوس راحت فين يعني.... يا راجح."
أجابها وهو يتحرك نحو غرفة النوم الرئيسية.
"هروح أدور عليهم أنا...."
هتفت من خلفه بصوت مرتفع.
"متتعبش نفسك مش موجودين..."
لتكمل بفحيح لاذع بينما تستدير نحو صدفة الواقفة بهدوء عاقدة يديها فوق صدرها.
"وحياة أمك لأخليه يطلقك يا حرامية يا واطية...."
لوت صدفة شفتيها بسخرية مهمهمة بصوت منخفض وهي تهز قدميها بقوة.
"يبقى ريحتيه وريحتيني يا اختي بلا نيلة..."
هتفت نعمات بحدة وهي تزجرها بغضب.
"بتقولي إيه يا بت أنتي....."
أشاحت صدفة وجهها بعيدًا بينما تلوح بيدها كإشارة على عدم مبالاتها بينما تهمهم بكلمات حانقة.
مما جعل نعمات تندفع نحوها لكن تجمدت قدميها معتدلة في وقفتها فور أن رأت راجح عائدًا إلى البهو مرة أخرى مشيرًا أمام عينيها بمبلغ من المال.
"دي فلوسك ياما...!"
شحب وجه نعمات فور رؤيتها للمال الذي بيده خطفته سريعًا من يده تعد إياهم وهي تهمس بارتباك وحرج.
"لقيتهم فين...!"
أجابها بوجه متصلب جامد.
"في درج الطرابيزة...."
همهمت نعمات بخجل وهي تعصر بقبضتها المال الذي بين يدها.
"أنا... أنا مبصتش ولا دورت في الأدراج لأني كنت متأكدة أني حطيتهم على الطرابيزة...."
هتفت صدفة مقاطعة إياها بحدة وهي تضع يديها حول خصرها.
"لا يا اختي ابقي بصي ودوري كويس قبل ما ترمي بلاكي على الناس......"
لتكمل زاجرة إياها باشمئزاز وغضب.
"صحيح ست مفترية و....."
هتف راجح اسمها بعنف مكبوت مما جعلها تصمت وتبتلع باقي الشتائم التي كانت ستلاقيها عليها عقدت ذراعيها أسفل صدرها وهي تحمد الله أنه أوقفها والا كانت قامت بخنقها بيديها.
تجاهلتها نعمات مقتربة من ولدها تربت بلطف على صدره وهي تهمهم بندم.
"متزعلش مني يا نور عيني حقك عليا...."
أبعد راجح يدها من فوق صدره بحزم قائلًا بحدة.
"تاني مرة ياما لو مراتي شوفتيها بعينك كده بترمي جاز وبتولع نار في البيت متمديش إيدك عليها... غلطت.. عملت حاجة.. تعرفيني وأنا هتصرف معاها غير كده محدش يتجرأ ويقرب منها.... أنا مراتي مش ملطشة ليكوا...."
ليكمل بنبرة قاسية دون رحمة أو شفقة أو تأثر بوجه والدته الذي شحب.
"صدفة مراتي.. وكرامتها من كرامتي......"
غمغمت نعمات سريعًا بأنفاس لاهثة وهي تقترب منه ممسكة بذراعه.
"ما عاش ولا كان اللي يهوب ناحية كرامتك يا حبيبي.... واهو......."
لتكمل سريعًا وهي تقترب من صدفة تقبل رأسها.
"حقك علي يا صدفة... أنا محقوقالك يا اختي..."
وقفت صدفة متجمدة مكانها دون أن تتحرك تتطلع إليها ببرود فقد كانت تعلم أنها لا تعني اعتذارها هذا ولا تفعل ذلك إلا لكي ترضي راجح..
أومأ راجح بينما يمسك بذراع زوجته مغمغمًا وهو يدفعها أمامه نحو باب الشقة.
"يلا...."
هتفت نعمات بارتباك وهي تلحق بهم للخارج.
"ما تعقد تتغدى معانا... ده أنا عامله المحشي والبط اللي بتحبهم..."
أجابها راجح باقتضاب بينما يصعد الدرج خلف صدفة نحو شقتهم.
"مره تانية....."
أومأت نعمات برأسها وهي تتابعه بعينين تلتمع بالحسرة قبل أن تخفض عينيها إلى الأموال التي بين يدها وهي لا تعلم كيف انتقلت تلك الأموال إلى الدرج فهي متأكدة أنها قد وضعتها بيدها فوق الطاولة قبل أن تخرج من المنزل عنت حظها قبل أن تعاود للداخل وتغلق الباب خلفها...
فور دخولهم إلى شقتهم الخاصة استدارت صدفة نحو راجح هاتفة بغضب.
"بقولك إيه أنا سكت لأمك بس علشان مش عاي..."
لكنها ابتلعت باقي جملتها صارخة بألم عندما قام راجح بالقبض على شعرها يجذبه بقوة مزمجرًا بشراسة مقربًا وجهه منها ينظر إليها بعينين تلتمع بوحشية مما جعلها تخفض عينيها في ذعر.
"طلعي الفلوس اللي خدتيها.... والا وعرش ربنا هدفنك مكانك."
شعرت بالبرودة تتسلل إلى جسدها وبانفاسها تنسحب من داخل صدرها فور سماعها كلماته تلك.
همست بصوت مرتجف محدقة في وجهه بخوف من لهيب الغضب الذي يلتمع بعينيه.
"فلوس إيه تاني..!"
شدد من قبضته حول شعرها يجذبه بعنف أكثر مما جعلها تصرخ متألمة شاعرة بخصلات شعرها سوف تقتلع من جذورها في أي لحظة بين أصابعه التي كانت تقبض على شعرها بقوة مؤلمة...
زمجر بحدة وقسوة بث الرعب بداخلها وقد اشتدت يده التي تقبض على شعرها أكثر وأكثر مما جعلها تنفجر باكية..
"هتستعبطي يا روح أمك.. الألفين جنية اللي نتشيتهم من على الطرابيزة تحت..."
صرخت باكية وهي تقاومه محاولة الإفلات من بين قبضته.
"ما أنت لقيتهم وأديتهم لأمك تحت...."
قاطعها منحنيًا عليها حتى أصبح وجهه لا يبعد عن وجهها سوى ببوصات قليلة قائلًا بشراسة بينما عينيه تلتمعان بوحشية جعلتها ترتجف رعبًا.
"أنتي عارفة كويس أني ملقتش حاجة... وأني حطيتهم من جيبي وعملت نفسي لقيتهم علشان مفضحش نفسي ومراتي تطلع حرامية قدام أمي وأهلي..."
شحب وجهها فور سماعها ذلك هامسة بقهر وقد أخذت شفتيها ترتجف بخوف.
"والله العظيم ما خدت حاجة...."
قاطعها بحدة يضغط على فكيه بقوة محاولًا السيطرة على الغضب المشتعل بداخله حتى لا يقوم بقتلها.
"متحلفيش بالله كدب.... بعدين حلفانك ده كان ممكن أصدقه لو الفلوس بتاعتي من يوم ما عرفتك مبتنقصش...."
ليكمل وهو ينظر إليها بنظرات ممتلئة بالاشمئزاز والازدراء.
=يوم ما كان أهل أمي هنا الفلوس نقصت ٥٠٠ جنيه وقولت يمكن صرفتهم في حاجة ومرضتش أظلمك...
قاطعته صدفة بفزع وهي تشعر بعقلها يدور في دوائر فارغة من شدة الخوف من اتهاماته تلك التي تتوالى عليها كالصواعق المتتالية.
=٥٠٠ جنيه إيه كمان.. أقسم بالله عمري ما مديت إيدي على جنيه واحد من فلوسك...
جذب شعرها بقسوة مرجعًا رأسها للخلف بعنف أكثر مما جعلها تصرخ بألم وبكائها يزداد بقوة.
=أنتي إيه معجونة بمية كدب...
ليكمل بقسوة وهو يطبق على فكها بيده يعتصره بقوة.
=والألف جنيه اللي سرقتيها في المكتب لما قولتي إني بتحرش بيكي... هتنكريها هي كمان برضو؟
أخذت تضربه بقبضتيها بعنف فوق يده المحيطة بفكيها محاولة جعله أن يبتعد عنها ويفلّتها لكنه لم يتحرك من مكانه وظلت يده تعتصر فكيها مما جعلها تصرخ بهستيريا وضرباتها تصيبه بكل مكان في جسده.
=مخدتش حاجة..... مخدتش حاجة.....
أصابته إحدى ضرباتها بجانب عنقه مما جعل يديه التي تحيطها ترتخي قليلاً لتستغل الأمر وتنجح أخيرًا في تحرير نفسها من قبضته هامسة بصوت مرتجف وهي تتراجع إلى الخلف بذعر بعيدًا عنه.
=أنت يومها قولت كده علشان تداري على عملتك الوسخة معايا.... أنا مسرقتش حاجة منك يومها ولا سرقت النهاردة.
لتكمل هاتفه بشراسة.
=أنت لقيت الفلوس زي ما قولت لأمك تحت بس حبيت تتسلي عليا وتلبسني مصيبة علشان تذل اللي جابوني...
بس أنا مش حرامية فاهم مش حرامية غصب عنك وعن أهلك كلهم... أنا أشرف منكوا كلكوا...
ابتلعت باقي جملتها صارخة بذعر عندما اندفع نحوها يحكم قبضته القاسية فوق ذراعها يجذبها نحوه مرة أخرى أخذ يهزها بعنف حتى اصطدمت أسنانها ببعضها البعض بقسوة هاتفًا بوحشية.
=بقولك إيه يا روح أمك شغل الأفلام ده مبياكلش معايا... طلّعي الألفين جنيه...
نزعت نفسها بقوة من بين ذراعيه متراجعة خطوة إلى الخلف لتمسك بطرفي عبائتها التي كان صدرها ممزق بالفعل ومزقتها إلى نصفين وهي تصرخ بحالة شبه جنونية وقد فقدت السيطرة على نفسها تمامًا تصرخ بهستيريا وانفعال.
=فتشني...
لتكمل بصرخ وهي تنفجر باكية بشهقات ممزقة بينما تمزق عبائتها أكثر.
=واقف ليه تعالى فتشني زي ما أمك كانت عايزة تعمل... ولا أقولك وديني القسم وهما هيتصرفوا معايا بطريقتهم هناك.
وقف راجح يتطلع إليها بعيون متصلبة حادة يعتصر قبضتيه بجانبه محاولًا السيطرة على بركان الغضب الثائر بداخله حتى لا يفعل شيئًا قد يندم عليه... دفعها من طريقه بحدة جعلتها تسقط بقسوة على الأرض.
متجاوزًا إياها للخارج مغلقًا باب المنزل خلفه بقوة جعلتها تنتفض مكانها بذعر...
بعد مرور عدة ساعات...
كانت هاجر تتطلع بعيون مرتبكة قلقة خارج نافذة السيارة التي تجلس بداخلها قبل أن تلتف إلى الجالس بجانبها بمقعد السائق قائلة بخوف.
=أنا خايفة أوي حد يشوفنا...
قاطعها الجالس بجانبها بنفاذ صبر.
=مين هيشوفنا... ما أحنا بعدنا عن الحي اهو...
همست هاجر بصوت مرتجف يملؤه الرعب.
=عارف... عارف راجح هيعمل فينا إيه لو عرف اللي بنا...
تنحنح مبتلعًا غصة الخوف التي تشكلت بحلقه فور تخيله للأمر قبل أن يهمهم بارتباك.
=عارف...
التفت هاجر في جلستها على المقعد حتى أصبحت بمواجهته هاتفة بغضب.
=طيب لما أنت عارف كل ده يا توفيق.. متقدمتش ليا ليه زي ما وعدتني...
قاطعها توفيق ممسكًا بيدها برفق.
=ما أنتي عارفة اللي فيها يا هاجر راجح لو اتقدمتلك دلوقتي استحالة يوافق صاحبي وأنا عارفة كويس...
هتفت بوجه متغضن وهي تسحب يدها من يده بحدة.
=ليه بقى إن شاء الله...
أجابها توفيق بهدوء محاولًا السيطرة عليها مثل كل مرة بحججه الواهية.
=أول حاجة فرق السن بنا أنتي ١٨ وأنا ٣٥ يعني فرق ١٧ سنة بنا...
قاطعته هاجر بحدة.
=والله فرق السن بنا مش مشكلة...
لتكمل بغضب وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها.
=المشكلة الحقيقية اللي راجح هيرفضك بسببها هي إنك متجوز وأنت بايدك تحل المشكلة دي بس أنت مش عايز تحلها...
غمغم توفيق بهدوء بينما يربت على شعرها بحركات بطيئة محاولًا تهدئتها.
=قولتلك هطلقها... والله هطلقها بس مستني الوقت المناسب وأموري تتعدل مش حمل أنا نفقة ومؤخر وقضايا...
وإحنا الصع العربيات عليه ديون وبلاوي متلتلة...
ليكمل زافرًا بحدة.
=بعدين لازم أصبر للوقت المناسب علشان أتقدملك فيه أنا مقدرش على زعل راجح... راجح هو اللي ضامني عند الناس اللي مستلف منها كل الديون لو رفع إيده عني هيسجنوني...
زفرت هاجر بحنق رافعة عينيها إلى سقف العربة قبل أن تديرها نحوه عندما أمسك بيدها بين يديه مغمغمًا بصوت رقيق يستخدمه دائمًا عندما يرغب أن يسيطر عليها.
=يا بت أنا بحبك... ونفسي النهاردة قبل بكرة تبقي حلالي ويتقفل علينا باب واحد...
ليكمل وهو يضغط على يدها برفق.
=ووعد مني يا ستي أول ما تخلصي ٣ ثانوي وتدخلي الكلية هاجي أتقدملك تكون الدنيا اتعدلت... اعقلي بقى وافهمي بلاش نشوفي دماغك دي والله بحبك يا جوجو...
ابتسمت هاجر وقد لمعت عينيها بالفرح فور سماعها كلماته تلك هامسة بشغف.
=وأنا كمان بحبك وبموت فيك...
ابتسم بوجهها ابتسامة واسعة قبل أن يترك يدها ويتصنع بحثه عن شيء في جيبه مغمغمًا بصوت جعله هادئ غير مكترث.
=صحيح عملتلي إيه في الفلوس اللي قولتلك عليها...
ضربت هاجر يدها بجبينها وهي تهتف مسرعة بإخراج المال من حقيبتها.
=اها صحيح نسيت...
لتكمل سريعًا وهي تفتح حقيبتها وتخرج منها المال.
=معرفتش أجيب غير ٣ آلاف جنيه... اتصرفت فيهم بالعافية ألف مصروفي وألفين جنيه ماما كانت حطاهم على الترابيز...
ظلت صامتة قليلاً قبل أن تهمس باضطراب وهي تمد يدها الممسكة بالمال نحوه.
=أنا هحاول أهدي الدنيا شوية لحد ما أشوف موضوع الألفين جنيه دول ماما هتعمل فيهم إيه.
أخذ منها توفيق المال قائلًا بقلق وقد تغضن وجهه خوفًا من أن يتم كشف أمرها وبالتالي سيتم كشف أمرهم سويًا.
=إيه.. ممكن تفقس إنك اللي خدتيهم ولا إيه...
هزت هاجر رأسها مغمغمة سريعًا محاولة تطمئنه.
=لا طبعًا عمرها ما يجي في بالها إني ممكن أعمل حاجة زي دي... هي ممكن تشك في مرات راجح أصل هي مبطقتهاش...
أومأ توفيق برأسه ثم ظل صامتًا عدة لحظات قبل أن يغمغم بتردد وفضول.
=الا صحيح الكلام اللي سمعته ده البت صدفة اتغيرت وبقت صاروخ زي ما بيقولوا...
ليكمل سريعًا مبررًا عندما ضيقت عينيها عليه بشك.
=أنا بسأل عادي... أصل الحي كله مالوش سيرة غير صدفة وحلاوتها...
هتفت هاجر بغضب وقد اشتعلت نيران الغيرة بداخلها.
=ولا حلوة ولا نيلة...
اقترب منها على الفور ممررًا يدها ببطء فوق خدها متلمسًا إياه وهو يغمغم بغزل محاولًا تدارك ذلة لسانه وامتصاص غضبها.
=ولو حلوة هاتيجي إيه في جمالك يا روح الروح...
ابتسمت بسعادة فور سماعها كلماته تلك وقد تبخر غضبها سريعًا لكنها شهقت مرتعبة عندما صدح رنين هاتفها الذي كان بيدها ورأت اسم راجح على شاشته أجابت سريعًا بارتباك وخوف.
=الو... أيوه يا راجح.
وصل إليها صوته الحاد من الطرف الآخر للهاتف.
=اتأخرتي ليه... درسك بيخلص ٨ والساعة دلوقتي ٩:٣٠.
أجابته سريعًا وضربات قلبها تتسارع داخل صدرها بخوف.
=أنا... أنا.. مع سارة صاحبتي بنشتري لها فستان علشان فرح أختها...
قاطعها صوته الغاضب الحاد.
=وقولتي لمين إنك خارجة بعد الدرس...
أجابته سريعًا كاذبة حتى تتفادى غضبه.
=قولت لبابا...
وصل إليها صوته الذي قد أصبح أهدأ قليلاً.
=طيب خلصي وتعالي الحظر هيبدأ كمان ساعة.
ليكمل بتردد وقلق.
=قوليلي أنتوا فين وأنا أجي أخدكوا بالعربية بدل ما الدنيا تقفل عليكوا...
غمغمت مسرعة وقد دب الذعر بداخلها.
=لا... لا أحنا خلاص في التاكسي كله ربع ساعة وهبقى في البيت متقلقش...
همهم موافقًا قبل أن يغلق معها لتستدير على الفور نحو توفيق الذي كان يلعب بهاتفه.
=أنا همشي...
أمسك توفيق بذراعها عندما فتحت الباب.
=طيب استني أوصلك وهنزلك قبل الحي ومن هناك كملي...
ذبت ذراعها منه قائلة بصوت مرتجف من الخوف.
=لا لا حد ممكن يشوفنا مش ناقصة سلام...
أسرعت بالخروج عابرة الطريق حتى توقف إحدى سيارات الأجرة بينما كان توفيق يتابعها وشفتيه ملتوية مغمغمًا بسخرية.
=عيلة هبلة بصحيح...
ثم قاد سيارته وانطلق بها بعيدًا...
بعد مرور أسبوع...
كانت صدفة جالسة على الفراش تتطلع أمامها بصمت دون أن تفعل شيئًا وشعور من الحزن والاكتئاب يسيطران عليها فمنذ ذلك اليوم الذي اتهمها به راجح بالسرقة وهي أصبحت محاصرة داخل قوقعة من الحزن والحسرة على النفس...
لا تدري لماذا يحدث معها هذا فهي لم تكن تتوقع عند زواجها منه أن يحبها أو يعاملها جيدًا حيث كانت تعلم جيدًا أنه يكرهها بسبب افترائها عليه..
لكنها ولصدمتها كان يعاملها جيدًا في كثير من الأحيان خاصة بالفترة الأخيرة تقربوا من بعضهم البعض رغم مناوشتهم وعنادهم مع بعضهم البعض الا أنه كان هناك نوع من السلام بينهم...
لكن كل هذا انهار باتهامه لها بالسرقة هذا ما لم تستطع تحمله خاصة وأنه منذ ذلك اليوم وهو يتعامل معها بقسوة وحدة لا يتحدث معها الا لكي يعطيها الأوامر كما لو كانت خادمة لديه.. ووجهه دائمًا متجهم والغضب مرتسم عليه..
أطلقت تنهيدة مرتجفة فعليها الصبر قليلاً حتى يمر على الأقل ثلاثة أشهر على زواجهم ووقتها ستطلب الطلاق منه عليها أن تنتظر هذه المدة حتى لا يتحدث عنها الناس بسوء...
لكنها أيضًا لا تعلم ما الذي سيحدث لها بعد الطلاق كيف ستعاود العيش مع أشرف في منزل واحد بعد ما فعله بها وإن كانت خائفة بالماضي من تأجير شقة لنفسها فالآن مستحيل فسوف تصبح مطلقة... ونظرة بعض الناس للمرأة المطلقة سيئة ولن تسلم من مضايقات الرجال لها...
مسحت بيد مرتجفة الدموع التي انسالت على خدييها فور سماعه ينادي عليها من الخارج لكنها تجاهلته ولم تجيبه فقد ملت من أوامره لكن فور سماعها إياه يهتف بغضب وتوعد.
=هاتيجي ولا أجيلك أنا...
نهضت وهي تتأفف صارخة بغضب بينما تخرج من الغرفة.
=جاية.... جاية.
لتكمل بحدة وهي تدلف إلى غرفة الاستقبال الجالس بها.
=أفندم... أؤمر... خير.
أشار راجح الجالس باسترخاء فوق الأريكة يشاهد التلفاز مشيرًا بيده نحو الأرض.
=امسحي العصير اللي وقع ده...
أخفضت عينيها تنظر إلى ما يشير إليه لتجد بقعة كبيرة من العصير تغطي الأرض.
عقدت ذراعيها فوق صدرها وهي تغمغم ببرود يتخلله التحدي.
=مش ماسحة حاجة......
اعتدل في جلسته فور سماعه كلماتها تلك يتطلع إليها بعينين تلتمع بالشرار.
أشار بيده مرة أخرى نحو البقعة ناطقاً بعنف مكبوت.
=امسحي الأرض ومش هعيدها تاني...
هزت كتفيها مقاطعة إياه ببرود يعاكس الخوف الذي يقصف به قلبها داخل صدرها.
=امسحه أنت.... أنت مش صغير.....
لكنها ابتلعت باقي جملتها فور أن رأته ينتفض واقفاً على قدميه لتفر من أمامه مطلقة صرخة مرتعبة وهي تهتف بحنق.
=خلاص... خلاص هروح أجيب قماشة وأتزفت أمسحها...
عاد راجح إلى مقعده يتابع باستمتاع هروبها هذا مقاوماً الابتسامة التي ترتجف بها شفتيه رغم غضبه منها حيث كادت أن تتسبب بفضحهم أمام والدته وعائلته فكيف كان سيبرر سرقتها لتلك الأموال....
فقد قام بالتغاضي عن الكثير من أفعالها لكن أن يصل بها الأمر لسرقة والدته رغب وقتها بقتلها خاصة أنه لا ينكر أنه قد بدأ يشعر نحوها بمشاعر لا يمكنه تحديدها حتى الآن..
لكن مشاعره تلك تربكه تجعله لا يستطيع اتخاذ موقف حاد ضدها...
أطلق زفرة طويلة فاركاً وجهه بعصبية وهو لا يعلم ما يجب عليه فعله معها فأحياناً يرغب بخنقها وأحياناً أخرى يرغب بضمها إليه وتقبيلها..
اعتدل في جلسته راسمًا الصرامة على وجهه فور أن رأها تدلف إلى الغرفة وهي تمسك بقطعة من القماش بيدها.
انحنت تمسح البقعة عن الأرض وفور أن انتهت وقفت أمامه تنفض قطعة القماش التي كانت تمسح بها ثم قامت بفردها واستعراضها أمام عينيه قائلة بابتسامة واسعة وعينيها تلتمع بتحدي.
=تمام كده... ولا في حاجة تانية عايزني أمسحها؟
انتفض راجح واقفاً جاذباً من يدها قطعة القماش التي كانت تمسكها بيدها مزمجراً بقسوة والصدمة تهز أركان جسده.
=هو ده القميص الجديد بتاعي اللي لسه اشريه إمبارح...؟!
هزت كتفيها بينما تتراجع إلى الخلف عدة خطوات بعيداً عنه.
=معرفش....
هتف بوحشية بينما يلقي من يده القميص الذي أصبح مليء بالبقع بحده على الأرض وهو يندفع نحوها.
=ده أنتي ليلتك أمك سودا النهاردة.....
اختبئت صدفة خلف إحدى المقاعد هاتفة باضطراب وهي تشاهده بعينين متسعتين بالخوف يقترب منها.
=علشان تبقى تحرم وتفهم إني مش الخدامة بتاعتك....
قطعت جملتها مطلقة صرخة مرتفعة عندما أمسك بها رافعاً إياها على كتفه ليصبح رأسها متدلى للأسفل مما جعلها تضرب ظهره بقبضتيها لكنه لم يهتز حيث ألقاها بحدة على الأرض لتصبح مستلقية عليها...
حاولت النهوض لكنه كان أسرع منها حيث استلقى فوقها مشرفاً عليها متجاهلاً صراختها ليصبح جسدها محاصرًا أسفل جسده الضخم مقيداً يديها فوق رأسها مطبقاً بيده على فكها منحنياً عليها حتى أصبح وجهه لا يبعد عن وجهها سوى بوصات قليلة قائلاً بصوت خشن.
=أعمل فيكي إيه... أضربك لحد ما تعقلي وتبطلي جنانك.. ولا أموتك..... ولا أعمل في أهلك إيه؟
صمت فجأة بينما أخذ يتطلع إليها عدة لحظات طويلة بصمت متفحصاً إياها بعينين تلتمع بالشغف والنيران.
وجهها الخلاب خاصة وجنتيها الممتلئتين والمحتقنتين بحمرة بينما شعرها الأسود الحريري كانت ترفعه فوق رأسها بكعكة عشوائية يتناثر منها بعض الخصلات الشاردة فوق عنقها الأبيض الغض.
شعر برجفة حاد تمر بجسده وقد أصبح تنفسه متثاقل بشدة التقط نفساً مرتجفاً قبل أن ينحني عليها هامساً بالقرب من أذنها بصوت أجش ممرراً شفتيه على خدها الممتلئ قبل أن يغرز أسنانه يعضه برفق.
=و لا أكلك وأحلي بيكي......
ابتلعت صدفة غصة الخوف التي تشكلت بحلقها فور سماعها كلماته تلك خاصة عند رؤيتها لعينيه التي أصبحت مظلمة بشكل مخيف وما همت أن تفتح فمها لكي تتحدث شهقت بقوة عندما شعرت بذراعه تلتف حول خصرها جاذباً إياها بقوة نحوه ليصطدم جسدها الناعم بصلابة صدره..
شعرت بالصدمة تجتاحها عندما أخفض رأسه بدون سابق إنذار وتناول شفتيها في قبلة حارقة مشتعلة.. هزتها رجفة قوية مرت بسائر جسدها عندما شعرت بملمس شفتيه فوق شفتيها التي كان يلتهمها بنهم وشغف لكن سرعان ما تبدلت هذه الصدمة إلى مشاعر أخرى تسري بسائر أنحاء جسدها مما جعلها ترتجف بقوة بين ذراعيه..
زاد ضغط شفتيه فوق شفتيها الناعمة بتملك حارق فصدر أنيناً منخفضاً منها كانت تستجيب بشغف إلى قبلته تلك وكامل جسدها ينتفض باستجابة قوية.
رفعت ذراعيها تدس يديها بشعره الأسود الحالك تجذب بلطف خصلاته الحريرية مما جعله يطلق تأوهًا عميقاً بينما يعمق قبلته أكثر...
ظلوا عدة لحظات على حالتهم تلك بينما يديه أخذت تجوب بجرأة على جسدها متلمساً منحنياتها من فوق ملابسها.. لكنه اضطر أخيراً فصل شفتيهم عندما شعر بحاجتها إلى الهواء....
لكنه أسرع بدفن وجهه بعنقها ممرراً شفتيه بلطف على جلدها الحار الحساس والرغبة المشتعلة بجسده تكاد أن تقتله.
أخذت يديه تجوب أنحاء جسدها وقد فقد السيطرة تماماً على نفسه.
همست بصوت مرتجف لاهث ضعيف بينما تنزع يدها من بين خصلات شعره محاولة إبعاد وجهه عن عنقها وقد دب الرعب في أوصالها عندما شعرت بيده تمر بجرأة مبالغة فوق منحنياتها.
=كفاية.....
لتكمل هاتفة بحدة وقد أصبح خوفها يشل تفكيرها تدفعه بقوة في كتفيه وقد سيطر عليها الفزع من أن يتمدى أكثر من ذلك.
=بقولك كفاية.... مش عايزاك.
لتكمل بقسوة وهي تتذكر إهاناته لها المستمرة.
=إيه .... هتغتصبني؟
انتفض مبتعداً عنها فور سماعه كلماتها تلك واقفاً على قدميه وتعبيرات وحشية مرتسمة على وجهه عينين مشتعلة بالنيران وقد ثار الغضب كالبركان الثائر داخل صدره فقد ضغطت على نقطة ضعفه الا وهي تهمة والده.
زمجر بشراسة هزت أرجاء المكان.
=لا مش هغتصبك متخفيش....
ليكمل بقسوة وهو ينظر إليها بازدراء جعلها ترتجف.
=مش هعمل فيكي زي ما اتبليتي عليا...
اعتصر قبضتيه بقوة وهو يردف بقسوة لاذعة وهو يحاول ترميم كبريائه الذي انجرح.
=بعدين أنتي مش أكتر من واحدة مكنش موجود غيرها في لحظة ضعف.. ولولا إني ادبست واتجوزتك أنا عمري ما كنت بصتلك ولا حتى فكرت فيكي.
لأن مفيش فيكي ميزة واحدة ممكن تشدني...
ليكمل بقسوة دون شفقة أو رحمة راغباً بإيلامها.
=ولو على الشكل فأنتي مفيش فيكي عجباني ومتهزيش فيا شعرة واحدة.
ارتجفت شفتيها في قهر دفين وقد تجمعت دموع كثيفة بعينيها مما جعلها تضغط على شفتيها بقوة مرفرفة رموشها المبللة محاولة كبت دموعها وعدم إظهار تأثرها بكلماته تلك التي مزقت قلبها فقد نعتها بأسوء الصفات فهو يراها حقاً بهذا القبح والبشاعة...
كما أنها كانت تعلم طوال حياتها بأنها ليست جميلة كباقي الفتيات لكن سماعها إياه ينطق بهذا جعلها ترغب بالموت...
وقف راجح متردداً يتطلع إليها وضعف غريب يستولي عليه عندما وقفت تنظر إليه وعينيها مغرورقتين بالدموع.
رغب بضمها إلى ذراعيه وإخبارها أنه كذب فقد كانت أجمل فتاة رآها بحياته يهتز عالمه بأكمله فور أن يلمحها فقط..
لكنه سيطر على ضعفه هذا مذكراً نفسه برفضها له وتكرارها لاتهامها السابق له.
استدار مغادراً سريعاً قبل أن يضعف ويفعل ما يأمره به قلبه..
بينما راقبته يغادر وهي تضغط بيدها على قلبها للتخفيف من الألم الذي يعصف به والذي أصبح لا يطاق..
كانت أشجان جالسة تتطلع إلى ولدها الذي كان جالساً على الأرض يتناول بشراهة الطعام الذي أمامه على الأرض..
فأخيراً قد عاد بعد غيابه المفاجئ...
=مش ناوي برضو تريحني وتقولي كنت غطسان فين كل الفترة اللي فاتت دي...؟!
أجابها أشرف باستياء وهو يقضم من فخذ الدجاجة الذي بيده.
=ياما متصدعناش بقى أنا جاي من طريق سفر طويل عايز أطفح اللقمة وأدخل أنخمد...
ضربت أشجان يدها فوق ساقها قائلة بحدة.
=لا ما أنا برضو مش هرتاح إلا لما أعرف كنت فين...
زفر أشرف بحدة قبل أن يغمغم بنفاذ صبر.
=كنت مسافر دمياط كان في شغلانة هناك خلصتها وبعدها طلعت على رأس البر قضيت هناك أسبوعين بالفلوس اللي خدتها من الشغلانة ارتحتي...
ليكمل سريعاً وهو يغمغم بتوتر بينما عينيه مسلطة على غرفة صدفة.
=أومال البت صدفة فين مظهرتش يعني من أول ما جيت...
لوت أشجان شفتيها مصدرة صوتاً من بينهما وهي تقول بتهكم.
=صدفة...
لتكمل مربتة فوق ظهر أشرف الجالس أسفل قدميها على الأرض.
=صدفة اتجوزت يا عين أمك... ما أنت صحيح غطست وحتى تليفونك قفلته........
شحب وجه أشرف فور سماعه ذلك وقد توقف عقله عن استيعاب باقي كلمات والدته.
غمغم بصوت مرتجف.
=اتجوزت مين... راجح الراوي...؟!
ضيقت أشجان عينيها عليه قائلة بشك.
=وأنت عرفت منين إنها اتجوزت راجح الراوي....
غمغم أشرف بارتباك وهو يحشر الطعام بفمه بتوتر.
=هااا.....
نهضت أشجان من فوق الإريكة لتجلس بجانبه على الأرض هاتفة بحدة وهي تمسك بذراعه تهزه بحدة.
=هااا إيه يا روح أمك أنت هتعملي مصدوم.... عرفت منين يالا أنطق...
أخذ أشرف يتطلع إليها عدة لحظات بارتباك وتردد قبل أن يقرر أن يخبرها بما حدث بذلك اليوم حتى تنقذه من المأزق الذي أوقع نفسه به فإذا علم راجح الراوي ما حدث سوف يقتله دافناً إياه حياً فهو يعرفه جيداً.
ألقى الطعام من يده قائلاً بصوت مشدود.
=بصراحة كده ياما أنا عملت مصيبة..
ثم بدأ يخبرها ما حدث بذلك اليوم من محاولته للاعتداء على صدفة ومحاولته للهرب من الباب الخلفي للمخزن الذي وجده مغلقاً مما جعله يختبئ خلف صناديق البضاعة التي بالمخزن..
وسماعه للحديث الذي دار بين راجح وعابد واتهام صدفة له وكذبها بأنه من حاول الاعتداء عليها وإصرار راجح الغريب للزواج منها....
هتفت أشجان التي كانت تستمع إليه بوجه شاحب ضارب يدها فوق صدرها.
=يا نهار أبوك أسود.... أنا قولت إنك أكيد عملت مصيبة مادام اختفيت مرة واحدة كده..
صمتت قليلاً قائلة بتفكير.
=وأنا برضو أقول إزاي راجح الراوي يتجوز واحدة زي البت صدفة اتاري البت لبسته مصيبة....
لتكمل بغيظ وهي تضرب أشرف في ذراعه.
=وأنت يا موكوس ملقتش غير المنيلة دي تتطافس عليها.. دي معفنة ومتساويش في سوق النسوان بصلة....
قاطعها أشرف مشوحاً بيده.
=بقولك إيه ياما فكك من حوارتك دي اعمليهم على غيري البت صاروخ أرض جو وأنتي عارفة كده كويس.. بس هي اللي مبهدلة في نفسها.....
همهمت أشجان بينما تهز رأسها بحسرة.
=عندك حق البت حلوة.. أنا اللي كنت بسمعها كلام زي السم علشان أعقدها علشان أكسرها ومتشوفش نفسها علينا....
لتكمل بغل وهي تهز رأسها.
=تعالى دلوقتي شوفها مش هتعرفها نضفت وبقت بتلبس لبس ده أنا قابلتها في السوق مرة معرفتهاش والحي كله بيحلف بجمالها وكله مستغرب إزاي حالها اتشقلب كده...
جلس أشرف على الأرض وقد بدأ بتناول طعامه مرة أخرى وهو يغمغم بحسرة.
=الفلوس ياما.. دي مش متجوزة أي حد...
ده راجح الراوي ده معاه فلوس يشتري الحي ده كله.... والبت فرسة زمانها كلت بعقله....
هزت أشجان رأسها قائلة بتفكير وهي تلوي إحدى خصلات شعرها حول إصبعها.
«تبقي أهبل لو صدقت إن الجوازة دي حقيقية.. راجح الراوي لا يمكن يعدي اللي عملته فيه....»
لتكمل وابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيها.
«و مهمتي أنا بقى أحط البنزين على النار علشان تولع أكتر...»
همهم أشرف بتقطيب و فمه ممتلئ بالطعام.
«مش فاهم هتعملي إيه يعني ياما...»
ربتت أشجان على كتفه قائلة ببراءة مصطنعة.
«كل خير يا عين أمك... دي صدفة دي حبيبتي و ما صدقت أقي الفرصة علشان أخدمها...»
أردفت هامسة بصوت منخفض وعينيها تلتمع بالحقد والغل.
«ده أنت متعرفش أمك كانت مقهورة إزاي إنها اتجوزت جوازة زي دي.... و أهو الحمد لله فرصتي جاتلي.»
كان أشرف لا يستمع إلى حديثها هذا حيث كان عقله مشغولاً بأمر آخر غمغم بتردد.
«صحيح ياما أنا سمعت راجح و الحاج عابد يومها بيتكلموا كلام غريب أوي قعد يقوله طالع لأبوك.. دمك نجس زيه... و حاجات كتير كده مفهمتش منها حاجة.... كان بيكلمه كأنه مش أبوه.....»
دفعته أشجان في ذراعه بحدة مغمغمة بسخط.
«أتنيل على عين أمك... تلاقيك كان بيتهيألك من الخرا اللي أكيد كنت شاربه يومها.»
لتكمل و هي تضع بفمه قطعة من اللحم.
«أطفح أنت و نقطني بسكاتك خليني أشوف هعمل إيه مع البلاوي اللي عرفتها عن ست الحسن و الجمال اللي الحي مالوش غير سيرة عنها...»
ثم جلست تفكر وعينيها تلتمع بالشر والحقد.
***
بعد مرور يومين...
كانت صدفة جالسة في غرفة الاستقبال تشاهد التلفاز بعيون زائغة تملئها الدموع فمنذ ذلك اليوم الذي رفضت به راجح وعقلها لا يكف عن التفكير في كلماته القاسية التي مزقت قلبها..
فقد كانت بدأت تكتسب بعض الثقة في نفسها كانت بدأت تشعر إنها جميلة خاصة بعد رؤيتها لنظرات الإندهاش والإعجاب بعيون الناس عندما ذهبت منذ فترة للسوق....
كما إنها رأت الإعجاب يلتمع بعينيه كثيراً.. أو ربما خدعها قلبها الذي كان متلهفاً على أن ينال إعجابه تساقطت الدموع من عينيها مخرجة شهقة ممزقة... فقد وقع قلبها الأحمق بحبه لا تعلم لماذا فهي لم ترَ منه سوى القسوة والسخرية المستمرة منها..
هزت رأسها برفض لا فهي بالتأكيد لا تحبه.. لا يمكنها أن تحبه فهي تعلم جيداً كيف يراها وما هي نهاية علاقتهم تلك...
صوت الباب الخارجي يفتح جعلها تعتدل في جلستها ماسحة وجهها بظهر يدها حتى لا يراها بحالتها تلك ليدلف بعدها إلى الغرفة بوجه متجهم تسلطت عينيه عليها بحدة.
«قعدة عندك تنيلي عندك إيه... و ملبستيش ليه مش عارفة إن عيد ميلاد فارس ابن شهد النهاردة...»
أجابته ببرود بينما تتناول أدوات الحياكة من فوق الطاولة.
«مش نازلة...»
زفر بعنف قبل أن يشير إليها بيده أن تنهض مزمجراً بحدة.
«طيب يلا... يلا قومي البسي و خلي ليلتك دي تعدي على خير....»
بدأت صدفة بالحياكة متصنعة الإنشغال بها وهي تغمغم بذات البرود.
«قولت مش نازلة..»
اندفع نحوها جاذباً إياها بقسوة من فوق الأريكة قابضاً على ذراعها بقسوة هامساً بالقرب من أذنها بنبرة لاذعة حادة جعلت رجفة من الخوف تمر أسفل ظهرها.
«قدامك ربع ساعة تلبسي فيهم وتحصليني على تحت... والا قسمًا بالله لأعمل اللي كنت المفروض أعمله من زمان وأربيكي بمعرفتي....»
قاطعته هاتفة بقسوة وغضب.
«برضو مش نازلة...»
لتكمل بسخرية لاذعة وهي ترمقه بنظرات ممتلئة بالإزدراء.
«و أعلى ما في خيلك أركبه.... أنت وأهلك..»
زمجر راجح الذي اشتعلت النيران بصدره فور سماعه كلماتها المهينة تلك دفعها بجسده للخلف ليصطدم ظهرها بقسوة بالحائط الذي كان خلفها قابضاً على شعرها يجذبه بعنف.
«أنتِ كده جبتي آخرك معايا....»
ليكمل وهو يلوي ذراعها خلف ظهرها بقسوة مما جعلها تصرخ متألمة مزمجراً بأذنها بقسوة.
«وحياة أمك لولا إنك لازم تنزلي تحت علشان الناس ما تتكلمش لكنت ما خليت في جسمك أو وشك حتة ساليمة علشان تبقي تعرفي أعلى ما خيلي أنا وأهلي إيه بالظبط.......»
دفعها عنه باشمئزاز مما جعلها تتعثر وتقع على الأرض بقسوة..
«ربنا ابتلاني بواحدة كدابة.. وحرامية وكل الصفات الوسخة اتجمعت فيها...»
ثم تركها جالسة على الأرض بوجه شاحب كشحوب الأموات متجهاً نحو الباب بخطوات غاضبة ليلتفت إليها وهو يفتحه.
«ربع ساعة وتبقي تحت وتلبسي حاجة عدلة قرايبنا كلهم تحت... وعايزك تبقي تعملي أي حركة من حركاتك الوسخة علشان ساعتها مش هرحمك.»
ثم تركها وغادر لتنفجر باكية بمرارة دافنة وجهها بين يديها بينما شهقات بكائها الحادة تمزق السكون من حولها لا تعلم متى سينتهي عذابها هذا...
ظلت على حالتها تلك عدة دقائق قبل أن تنهض بانكسار وتتجه نحو خزانة الملابس تخرج منها عباءة بلون الأزرق ارتدتها ثم توجهت نحو طاولة الزينة حتى تعقد حجابها لكن لفت انتباهها أدوات المكياج التي لم تستعملها إلا مرات قليلة.
ظلت عينيها مسلطة عليها بتفكير وعقلها يبدأ بنسج خطة للانتقام منه..
ترددت قليلاً قبل أن تفتح عبوة ظلال العيون المليئة بالألوان العديدة أخذت تضع من اللون الأخضر حول عينيها ثم قليل من الأزرق والأحمر والأسود كانت تضع الألوان بعشوائية وعدم خبرة محاولة الوصول إلى غايتها حتى انتهت أخذت تتطلع إلى عينها تلك التي كانت تبدو الآن كما لو كانت كدمة قاسية حول عينها....
وفور أن انتهت أخذت تتطلع إلى ما صنعته يدها بصدمة فقد كانت تبدو حقاً عينها مكدومة كما لو قام أحد بضربها بها همست بقسوة وهي تتطلع برضا إلى عينها تلك.
«مش أنت لولا الناس مكنتش هتخلي في وشي أو جسمي عضمة ساليمة.. طيب أشرب بقى يا ابن نعمات إن ما فضحتك.»
ثم ارتدت حجابها وهبطت للأسفل لحضور حفل عيد الميلاد الذي سيحضره جميع العائلة والجيران متجاهلة الصوت الذي يحذرها من تنفيذ فكرتها المجنونة التي ستجعل راجح هذه المرة يقوم بقتلها بالتأكيد...