تحميل رواية «مقيد بأكاذيبها» PDF
بقلم هدير نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بإحدي الاحياء الشعبية تحديدا فى إحدي المنازل التي يدل مظهره الخارجي علي مدي فقر سكانها الشديد... كانت صدفة واقفة بالمطبخ تحضر لنفسها شطيرة سريعة حتي تتناولها قبل ذهابها الي العمل.. لكنها تأففت بحنق مطلقة لعنة منخفضة فور سماعها صوت اشجان الزوجة الثانية لزوج والدتها المتوفية يأتي من خلفها =ايه يا منيلة الدوشة اللي انتي عاملها علي الصبح....الساعة لسه 5 الفجر الله يخربيتك قلقتي منامنا اللهي يقلق منامك يا بعيدة.... اختطفت صدفة الشطيرة الخاصة بها من فوق الطاولة قبل ان تستدير اليها مغمغة بحدة و نفاذ صب...
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الحادي عشر 11 - بقلم هدير نور
ترددت صدفة قليلا قبل تفتح عبوة ظلال العيون المليئة بالألوان العديدة، أخذت تضع من اللون الأخضر حول عينيها، ثم قليل من الأزرق والأحمر والأسود. كانت تضع الألوان بعشوائية وعدم خبرة، محاولة الوصول لغايتها، حتى انتهت. أخذت تتطلع إلى عينها تلك التي كانت تبدو الآن كما لو كانت كدمة قاسية حول عينها.
وفور أن انتهت، أخذت تتطلع إلى ما صنعته يدها بصدمة، فقد كانت تبدو حقاً عينها مكدومة كما لو قام أحد بضربها بها. همست بقسوة وهي تتطلع برضا إلى عينها تلك.
= مش انت لولا الناس مكنتش هتخلي في وشي أو جسمي عضمة سليمة.. طيب اشرب بقى يا ابن نعمات إن ما فضحتك.
ثم ارتدت حجابها وهبطت للأسفل لحضور حفل عيد الميلاد الذي سيحضره جميع العائلة والجيران، متجاهلة الصوت الذي يحذرها من تنفيذ فكرتها المجنونة التي ستجعل راجح هذه المرة يقوم بقتلها بالتأكيد.
فور أن دلفت إلى بهو شقة حماتها، اتجهت نحوها شوقية، شقيقة نعمات، هاتفة بفرح.
= يا أهلاً يا أهلاً بست العرايس كل...
لكنها ابتلعت باقي جملتها فور أن اقتربت منها ورأت عينها المكدومة، شهقت صارخة بفزع.
= يا نهار أسود ومنيل.. إيه اللي عمل في عينك كده..؟
لتكمل بصدمة يتخللها الغضب وهي ترفع وجه صدفة للأعلى تتفحص عينيها القلقة.
= راجح اللي عمل فيكي كده..؟
اندفعت كل من شهد، شقيقة راجح، ونعمات نحوهم فور سماعهم كلمات شوقية تلك، بينما وقفت صدفة صامتة دون أن تجيبها، راسمًة الإنكسار على وجهها، مصطنعة الحزن.
غمغمت شهد بفزع وهي تقترب منهم فور أن رأت عين صدفة.
= إيه اللي حصل يا صدفة فاهمينا..؟
هتفت شوقية بحدة وهي تمسك بذراع صدفة.
= هنفهمنا إيه ما الحكاية واضحة زي الشمس أخوكي ضربها...
همست شهد باضطراب بينما نظراتها تمر فوق عين صدفة المكدومة.
= راجح لا يمكن يعمل كده.. ده عمره ما مد إيده على واحدة فينا، أكيد في حاجة غلط.
قاطعتها نعمات بغضب وهي تتجه نحو صدفة تتطلع إليها بحدة.
= أيوه أنا ابني ميعملش كده...
لتكمل بانفعال وهي تزجر صدفة بنظرات مشتعلة.
= ولو عمل كده.. فاكيد هي ضايقته في حاجة أو عصبته، ما أنا عارفاها لسانها أطول منها.
دفعتها شوقية في كتفها مقاطعة إياها بقسوة وغضب.
= يا شيخة اتقي الله، ده انتي عندك ولايا، ترضي إن حد يعمل كده في بناتك..؟
احمر وجه نعمات وصمتت، بينما تدير عينيها بارتباك في أنحاء الغرفة رافضة الإجابة.
بينما وقفت صدفة تراقب ما يحدث بتوتر، وهي تغرز أسنانها بشفتيها، شاعرة بمدى حماقة فعلتها، لذا قررت أن تخترع كذبة أخرى تبرئ لها راجح من تلك التهمة التي دفعها غضبها منه إلى اختراعها.
لكن شحب وجهها بخوف فور أن رأت راجح يدلف من باب المنزل وهو يحمل حقيبة بيده، قائلاً بمرح موجهاً حديثه إلى شوقية، غافلاً عن حالة صدفة.
= إيه ده شوشو جت.. دايماً أول واحدة بتوصلي في العيلة دي.
استدارت إليه شوقية تتطلع إليه بحدة دون أن تجيبه.
اقترب منهم مغمغماً بقلق فور أن لاحظ تجمعهم غير الطبيعي حول صدفة التي كانت توليه ظهرها.
= فيه إيه.. فيه حاجة حصلت.. ولا إيه..؟
لم يجبه أحد، حيث أخذوا يتطلعون إليه بنظرات منها الحادة الغاضبة وأخرى مرتبكة.
مما جعله يندفع نحو صدفة، يمسك بذراعها مديراً إياها نحوه، وقد سيطر القلق عليه.
قاومته صدفة رافضة الاستدارة إليه، وهي تشعر بالخوف من ردة فعله على فعلتها الحمقاء تلك التي دفعها الانتقام لفعلها دون الحسبان لردة فعله.
جذبها راجح بقوة أكبر حتى جعلها تستدير نحوه، ليهتز جسده بالصدمة فور رؤيته لعينها المكدومة، هتف بجمود والغضب يشتعل بصدره.
= إيه اللي عمل في عينك كده..؟
ليكمل وهو يستدير نحو والدته، هاتفا بشراسة معتقداً أنها من قامت بإيذائها.
= مين اللي عمل فيها كده..؟
قاطعته شوقية بنبرة حادة لاذعة.
= لا ونبي يعني مش عارف مين اللي عمل فيها كده.
لتكمل وهي تزجره بنظرات يملؤها السخط والغضب.
= آخر حاجة كنت أتوقعها إنك تمد إيدك على مراتك يا راجح، ده أنا بقول إنك زينة شباب العيلة، ويا ريتهم يبقوا زيك يعمل كده.....
زمجر راجح بقسوة وهو يتطلع إليهم بارتباك.
= إيه اللي بتقوليه ده ضربت مين....؟
ليكمل وهو يسلط عينيه التي تنطلق منها شرارات الغضب على صدفة التي كانت تخفض رأسها.
= هي اللي قالت إني عملت فيها كده...؟
أجابته شوقية باضطراب وتردد.
= لا... بس واضحة يعني، البنية نازلة من شقتها وهي كده، هتبقى مين اللي عمل فيها كده العفاريت....
أومأ راجح برأسه مغمغماً بصوت منخفض قد بدأ يفهم ما يحدث.
= آها.. نازلة من فوق كده.
ليكمل وهو يقبض على ذراع صدفة بقسوة جاذباً إياها إليه، مما جعلها تطلق شهقة فازعة.
= طيب تعالي معايا....
قاومته صدفة رافضة الذهاب معه، فقد كانت تعلم ما هو مصيرها إذا صعدت معه إلى الأعلى.
مما جعل شوقية تندفع نحوهم فور أن رأت اعتراضها هذا، تمسك بذراعها الآخر قائلة بحدة وهي تحاول تحريرها من قبضته.
= هتاخدها على فين يا راجح استهدي بالله مش كده....
جذب راجح صدفة بقوة نحوه بعيداً عن شوقية، قائلاً بحدة من بين أسنانه المطبقة بقسوة وهو يكظم غضبه بصعوبة.
= شوقية... دي حاجة بيني وبين مراتي يعني محدش يدخل....
ثم تركهم وغادر وهو يدفع صدفة أمامه.
التفت شوقية هاتفة بنعمات التي كانت واقفة تشاهد ما يحدث بصمت.
= إنتي ساكتة ليه... هتسيبيه يطلع يكمل عليها فوق....؟
أجابتها نعمات ببرود وهي تعقد ذراعيها فوق صدرها.
= وأنا أعمله إيه يعني.. ما هو قالك حاجة بينه وبين مراته، أدخل ليه....
قاطعتها بحدة وهي تتطلع إليها بصدمة.
= مالك يا نعمات إنتي عمرك ما كان قلبك قاسي ولا جاحد كده... ده انتي أحن واحدة فينا... إيه حصلك..؟
ارتبك وجه نعمات شاعرة بتأنيب الضمير، لكنها نفضت شعورها هذا، مغمغمة باختناق وهي تلتف وتتركهم.
= هدخل المطبخ أشوف الأكل اللي على النار، الناس زمانها جاية.
التفت شوقية إلى شهد الواقفة بجانبها.
= عجبك كده...
ربتت شهد على ظهر خالتها قائلة بحزن.
= معلش يا خالتي... ومتخفيش، والله راجح أخويا حنية الدنيا فيه، أكيد مش هيعملها حاجة.
لكنها ابتلعت باقي جملتها فور تذكرها لعين صدفة المكدومة، بينما زفرت شوقية بحدة وهي تتحرك للداخل والقلق يسيطر عليها.
فور دخولهم إلى شقتهم، استغلت صدفة انشغال راجح بإغلاق باب الشقة، وركضت بأقصى سرعة لديها نحو غرفة النوم، ودخلت إلى الحمام الذي قامت بإغلاق بابه بالمفتاح من الداخل بيد مرتعشة، والذعر يسيطر عليها، خائفة من ردة فعله، تعلم أنها قد تجاوزت حدودها بما فعلته هذه المرة.
لكنها تراجعت للخلف بفزع مطلقة صرخة مدوية فور أن سمعته يضرب فوق الباب من الخارج بغضب، صائحاً بشراسة.
= افتحي الباب...
ليكمل بشراسة وضرباته تزداد فوق الباب الذي أخذ يهتز بقوة.
= افتحي الباب أحسنلك وخلي يومك يعدي...
هتفت صدفة بصوت مرتجف، بينما كان قلبها ينتفض فازعاً داخل صدرها، وهي ترى الباب الذي أخذ يهتز بقوة من قوة ضرباته المتلاحقة عليه.
= مش هفتح... إلا لما تهدي...
قطعت جملتها عندما توقفت الطرقات فوق الباب فجأة، وحل صمت غريب بالمكان. اقتربت ببطء من الباب تضع أذنها فوقه محاولة التنصت إلى أي صوت يصدر من الخارج ويدل على وجوده، لكنها لم تسمع أي شيء، فقد كان هناك الصمت فقط.
وضعت يدها فوق صدرها الذي كان يعلو وينخفض بقوة محاولة استراق السمع إلى أي حركة تدل على وجوده، وما إن اطمأنت أنه قد ذهب.
عادت الضربات فوق الباب مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت أكثر قوة وشدة، مما جعلها تتراجع بعيداً عن الباب وهي تنظر برعب حولها محاولة إيجاد منفذ يمكنها الهرب منه.
سمعته يزمجر بشراسة من خلف الباب.
= قدامك عشر ثواني لو مفتحتش الباب هكسره فوق دماغك، ووقتها محدش هيرحمك من تحت إيدي...
وقفت تتطلع إلى الباب بأعين متسعة بالذعر والخوف، وضربات قلبها المتسارعة تقصف بأذنيها بجنون. التفت نحو الحوض عينيها تبحث بارتباك عن شيء تحمي نفسها به.
استقرت عينيها على إحدى شفرات الحلاقة الحادة الخاصة به، أمسكت بها مخرجة إياها بيد مرتعشة من تغليفها الورقي، ملتقطة نفساً مرتجفاً، وهي تقبض عليها بين يدها، قبل أن تتجه نحو باب الحمام وتفتحه، متراجعة للخلف سريعاً بعيداً عنه فور أن رأته يندفع إلى الداخل بوجه محتقن ترتسم عليه علامات الوحشية، بينما عينيه تنطلق منها شرارات الغضب العاصف.
همست بصوت مرتجف.
= اهدى... اهدى ونبي، والله ما قولت إنك ضربتني، هما اللي افتكروا كده....
لتكمل كاذبة محاولة إخماد غضبه.
= ده أنا... أنا اتخبطت في الباب وعيني ورمت، ولما نزلت تحت هما افتكروا...
لكنها ابتلعت باقي جملتها متخذة عدة خطوات إلى الخلف عندما وجدته يقترب منها بخطوات بطيئة وشرارات الغضب تتفاقم من عينيه، لكنها تجمدت بمكانها عندما شعرت بالحائط يضرب ظهرها من الخلف، مما جعلها محاصرة بينه وبين جسده الصلب الذي أصبح أمامها مباشرة.
وقف يتطلع إليها بصمت، قبل أن يغمغم بقسوة وهو يضغط على فكيه بقوة.
= اتخبطتي في الباب قولتيلي...
أومأت برأسها بينما تحدق في وجهه بخوف من لهيب الغضب الذي يلتمع بعينيه.
قبض على ذراعها بقسوة مما جعلها تشهق صارخة، دفعها نحو الحوض الذي فتح صنبوره، ثم أخفض رأسها أسفل المياه متجاهلاً صراخاتها المعترضة، حيث ثبت رأسها بيده أسفل المياه، قبل أن يملأ يده بالصابون فاركاً وجهها وعينيها بحدة به.
وما إن انتهى، رفع رأسها من أسفل الصنبور، هتفت صدفة بحدة بشهقات متقطعة وهي تحاول التقاط أنفاسها.
= هتموتني حرام عليك....
تجاهلها قابضاً على فكها، يرفع رأسها إليه قائلاً بتحدٍ يتخلله الغضب.
= أومال فين الكدمة والزراق اللي كان مالي عينك...
ابتلعت لعابها بخوف صامتة وقد تسللت البرودة إلى جسدها فور إدراكها أنه تم كشف لعبتها. لا تعلم ما يجب عليها قوله.
أكمل بقسوة ويده تقبض على وجهها يعتصره بقسوة حتى تأوهت متألمة بصوت منخفض. لم يثر به الشفقة، ليزيد من اعتصاره أكثر وهو يتمتم:
= عايزة تفضحيني. ها؟ عايزة الناس تقول بضربك وبعذب فيكي.
هزت رأسها هامسة بخوف:
= مكنتش أقصد.
ضرب بيده الحائط بجانب رأسها مما جعلها تنهي جملتها صارخة وهي تنتفض بفزع.
قبض على يدها يضغط عليها بقوة معتصراً إياها، مزمجراً بشراسة:
= مكنتيش تقصدي. أومال لو كنت تقصدي هتعملي فيا إيه. فضحتيني وخلتيني شكلـ...
ابتلع باقي جملته عندما رآها تنفجر باكية وهي تصرخ متألمة بهستيرية:
= إيدي... إيدي.
اخفض عينيه إلى يدها ينظر إليها بارتباك وهو يخفف قبضته عنها، رافعاً يدها إليه وهو يزمجر بغضب:
= مالها إيدك؟
ليشتد وجهه بقسوة فور رؤيته للدماء التي تنساب من يدها.
رفع يدها إليه سريعاً يفتح قبضتها المنغلقة لتظهر شفرة الحلاقة التي كانت تخبئها بيدها وانغرست في راحة يدها فور أن ضغط على يدها. هتف لاعناً بقسوة والقلق والغضب يسيطران عليه، بينما يتجه بها نحو الحوض. يضع يدها أسفل المياه الجارية بعد أن نزع الشفرة من يدها وألقاها بعيداً، بينما كانت هي تبكي بشهقات ممزقة فقد كان الألم بيدها لا يطاق.
تفحص راجح الجرح الذي بيدها ليزفر وهو يغمغم براحة:
= الحمد لله الجرح سطحي مش عميق.
ليكمل بخشونة وعصبية مفرطة فور تذكره أن تلك الشفرة قد تكون ملوثة وقد تؤذيها:
= الموس ده جديد ولا كان مستعمل؟
أجابته هامسة بصوت مرتجف من بين شهقات بكائها الممزقة:
= جديد.
زفر براحة ثم أخرج صندوق الإسعافات التي يحتفظ به بخزانة الحمام، ثم بدأ يطهر جرحها واضعاً لاصقة طبية عليه.
وما إن انتهى وقف بصمت يتطلع إلى رأسها المنخفض وجسدها الذي يهتز بشهقات ممزقة مما جعله يشعر بقبضة تعتصر قلبه. جذبها بلطف بين ذراعيه يحتضنها، مربتاً بحنان على ظهرها وهو يغمغم بجانب أذنها:
= متخافيش الجرح بسيط.
ليكمل وهو يبعدها قليلاً، زافراً بضيق، ممرراً إصبعه على خديها يزيل دموعها برقة:
= بتوجعك؟
هزت رأسها بالنفي بينما تبتعد عنه بارتباك، شاعرة بالغضب من نفسها لبكائها أمامه.
تنحنح راجح قائلاً بهدوء بينما يمسك بمرفقها ويجذبها معه للخارج:
= طيب يلا غيري هدومك اللي اتبلت دي عشان نلحق ننزل قبل ما عيد الميلاد ما يبدأ.
ليكمل بشك وهم يقفون بمنتصف الغرفة:
= هو الموس كان بيعمل إيه في إيدك؟
احمر وجهها فور سماعها سؤاله ذلك، غرزت أسنانها بشفتها السفلية وهي تهمس بصوت منخفض متردد:
= كنت... كنت بحمي نفسي بيه.
رفعت رأسها تحدق به بغضب عندما انفجر ضاحكاً بصوتٍ عميق، مما جعلها تهتف بعدائية:
= بتضحك على إيه؟
فوجئت به يقترب منها محيطاً وجهها بيديه قائلاً بحيرة حقيقية:
= طيب قوليلي انتي أعمل إيه معاكي.
ليكمل وهو يبعد خصلات شعرها المتناثرة خلف أذنها:
= كل مرة تعملي مصيبة و ببقى هاين عليا أخنقك بإيديا، وميعديش خمس دقايق تعملي حاجة تخليني أقعد أضحك زي العيل الصغير، وأنسى كل البلاوي اللي بتعمليها.
اشتد احمرار وجهها مما جعله يبتسم من ارتباكها وخجلها هذا. أطلق تنهيدة عميقة مغمغماً برفق وهو يربت على رأسها:
= يلا غيري هدومك.
ابتعد عنها ينوي المغادرة لكنه توقف عندما همست اسمه بصوت منخفض، ليلتف إليها في الحال.
همست بتردد بينما تشير إلى خزانة ملابسها:
= هو أنا ينفع ألبس فستان بدل العباية زي شهد وهاجر؟ أنا.. أنا عندي فستان كنت شارياه في جهازي.
لتكمل بخجل وهي تضغط على خدها الملتهب براحة يدها السليمة:
= أصل بصراحة عمري ما لبست واحد ونفسي أجربه.
وقف راجح يتطلع إليها بصمت عدة لحظات، وشعور غريب من الضعف يسيطر عليه عند سماعه كلماتها تلك التي تدل على مدى حرمانها من أبسط الأشياء التي تتمتع بها الفتيات الأخريات.
ارتبكت صدفة من نظراته الغريبة المسلطة عليها مما جعلها تتململ في وقفتها بعدم راحة، لكن أشرق وجهها بابتسامة واسعة عندما سمعته يجيبها بهدوء:
= البسي اللي انتي عايزاه يا صدفة.
ليكمل وهو يلتف مغادراً الغرفة سريعاً حتى لا يستجيب لرغبته في الالتفاف إليها وضمها بين ذراعيه:
= هروح المخزن أطمن إنهم نقلوا البضاعة وهرجع على طول. خلصي انتي وانزلي.
اومأت برأسها بصمت قبل أن تركض مسرعة بفرح نحو خزانة الملابس مخرجة الفستان. مرت يدها عليه تتحسس قماشه وعيناها تلتمع بالانبهار والحماس. فطوال حياتها كانت ترى الفتيات ترتدي فساتين رائعة الجمال بينما كانت هي مجبرة بالاختباء داخل عباءتها السوداء البالية. تمنت كثيراً لو ارتدت فستان مثلهم ولو لليلة واحدة، لذا ابتاعت ذلك الفستان ووضعته بين جهاز عرسها على أمل أن ترتديه يوماً ما. وها هو هذا اليوم قد أتى أخيراً.
بعد مرور نصف ساعة.
وقفت صدفة تنظر إلى صورتها بالمرآة بتردد، شاعرة بعدم الراحة فقد كان الفستان ضيقاً بعض الشيء. شعرت كما لو كان يظهر امتلاء جسدها.
اتجهت نحو الخزانة تنوي أن تنزعه عنها وترتدي إحدى عباءتها، لكنها توقفت مترددة فالجميع سيرتدون فساتين وستكون بينهم أقل شأناً بعباءتها تلك.
عادت للمرآة مرة أخرى تتفحص مظهرها. هزت كتفيها هامسة بينما اكتسبت بعض الثقة بنفسها:
= ماله؟ طيب والله حلو. أنا اللي معقدة نفسي.
ارتدت حجابها رافضة الاستماع للصوت الذي يحثها على نزعه، فلأول مرة تحارب عدم ثقتها بنفسها وترتدي كما تريد.
وضعت أحمر للشفاه أبرز جمال شفتيها الممتلئة، ثم أخذت تحاول رسم عينيها بظلال العين بيد مرتجفة تحاول أن تضبطه لتنجح بالنهاية. واضعة القليل من الأحمر فوق وجنتيها الممتلئة ثم فركتهم بلطف محاولة توزيع اللون وتخفيفه.
وما إن انتهت وقفت تتطلع إلى نفسها بالمرآة وابتسامة مشرقة على شفتيها، فقد كانت جميلة. فلأول مرة بحياتها تشعر أنها جميلة حقاً.
ألقت نظرة أخيرة على نفسها قبل أن تهبط للأسفل بوجه مشرق بالسعادة.
وقفت أمام باب شقة حماتها تمرر يديها المرتجفة على قماش فستانها محاولة تهدئة ضربات قلبها التي كانت تضرب بجنون بصدرها.
التقطت نفساً عميقاً مرتجفاً قبل أن تدلف إلى داخل الشقة الذي كان بابها مفتوحاً على مصراعيه لاستقبال الضيوف.
لتجد المكان قد امتلأ بالضيوف حيث وجدت النساء جالسات ببهو المنزل يتحدثن بصخب ومرح، بينما الأطفال يلعبون من حولهم.
وما إن شاهدتها شوقية وشهد ونعمات، تركن النساء واتجهن نحوها سريعاً، لكنهن توقفن أمامها يتطلعن نحوها بأعين متسعة بالدهشة. غمغمت شوقية بارتباك وهي ترفع وجه صدفة للأعلى تتفحصه:
= إيه ده؟ أومال فين الكدمة اللي كانت في عينك؟
أجابتها صدفة وقد اشتعل وجهها من شدة الخجل:
= ما هو مكنش في كدمة أصلاً.
اقتربت منها شهد ممسكة بذراعها تديرها نحوها مضيقة عينيها عليها، بينما تتفحص عينها قائلة بشك:
= أنتي حطيتي حاجة تداري بيها الكدمة؟
قاطعتها صدفة سريعاً نافية:
= لا والله أبداً.
لتكمل وهي تمسح حول عينها بالمنديل الذي كان بيدها محاولة تجنب كحل عينيها حتى لا يتخرب:
= شوفي أهو مفيش حاجة.
غمغمت بحدة نعمات التي كانت واقفة تتابع ما يحدث بصمت:
= أومال اللي كان في عينك ده كان إيه؟ وحمة؟
أجابتها صدفة كاذبة وهي ترسم ابتسامة مستفزة على شفتيها:
= ده مكياج يا حماتي.
لتكمل بصوت منخفض كما لو كانت تخبرهم سراً ما:
= أصل حبيت أشوف غلاوتي عند راجح، فقولت أشوف هيعمل إيه لما يشوف عيني كده.
زمجرت نعمات بقسوة:
= وإنتي علشان تشوفي غلاوتك عنده تلبسيه مصيبة يا أختي.
هزت صدفة كتفيها قائلة باستفزاز مستمتعة بإغاظتها لها:
= إنتوا اللي فهمتوا غلط يا حماتي ومدتنيش فرصة أشرح حاجة.
لتكمل وهي تلتفت إلى شوقية التي كانت تستمع إليها مبتسمة:
= ده راجح زعل مني وأنا قعدت أصالح فيه لحد ما الحمد لله فك أخيراً.
رمقت نعمات بنظرات ذات معنى وهي تكمل بخبث:
= أصله اتخض عليا وافتكر إن حد كده ولا كده اتجرأ ومد إيده عليا بيقولي كان هيهد البيت باللي فيه.
زجرتها نعمات بنظرات غاضبة حادة، بينما ضحكت شوقية بصوت مرتفع قائلة بإعجاب:
= حقه طبعاً. ده إنتي عسل يا بت يا صدفة، يعني فوق ما إنتي حلوة، لأ ونغشة كمان. يا بخت راجح بيكي والله.
لتكمل باستفزاز وهي تنظر لشقيقتها الواقفة بوجه متصلب بالغضب:
= أمّه ادعاله بصحيح.
ابتسمت صدفة قائلة بخجل، فلم تكن معتادة أن يمدح بها أحد مثلما تفعل معها شوقية دائماً:
= تسلميلي يا خالتي.
شهقت نعمات مقاطعة إياها بغضب:
= خالتك؟
وقفت صدفة تتطلع إليها بارتباك، شاعرة بالحرج من ذلة لسانها.
لكن أشرق وجهها عندما عقدت شوقية ذراعها حول كتفيها تضمها إليها بحنان وهي تجيب شقيقتها بحدة:
= أيوه يا أختي خالتها. مالك؟
لتكمل وهي توجه حديثها لصدفة مربتة على كتفها بحنان:
= ولو عايزة كمان تقولي ماما، تقولي. ده كفاية أدبها وحلاوتها وفوق ده كله مرات الغالي.
زجرتها نعمات بقسوة قبل أن تلتف مبتعدة عنهم مغمغمة بكلمات غير مترابطة من شدة الغضب.
لتتبعها شوقية ضاحكة محاولة مراضاتها.
نكزت شهد ذراع صدفة قائلة:
= بس إيه الجمال ده يا صدفة.
مررت صدفة يديها على فستانها مغمغمة بفرح:
= بجد حلو.
اومأت لها شهد غامزة لها بعينها:
= زي القمر ما شاء الله. راجح شافك؟
هزت صدفة رأسها قائلة:
= لا هو نزل راح المخزن.
قاطعتها شهد بينما تشير نحو غرفة الاستقبال:
= لا ده جه من بدري وقاعد مع الرجالة جوه.
لتكمل بمرح هامسة بأذن صدفة:
= أنا لو منك أفضل لازقاله. اسمعي مني ده أنا كنت مأسيبش جوزي في أول جوازنا، كنت بروح معاه في كل مكان لحد ما طفش وسافر دبي.
أطلقت صدفة ضحكة مرتفعة بادلتها إياها شهد مما جعل الرؤوس من حولهم تلتفت إليهم.
غمغمت شهد بدراما مصطنعة:
= دلوقتي هيقيموا علينا الحد عشان ضحكنا بصوت عالي.
مررت صدفة عينيها على الحاضرين لتجدهم يرمقونهم بالفعل بنظرات رافضة، مما جعلها تتوتر.
كان راجح جالساً بغرفة الاستقبال يستمع لحديث ابن عمه وليد عندما سمع صوت تلك الضحكات مما جعل عينيه تتجه بحده نحو باب الغرفة المفتوح على مصراعيه ليجد كلا شقيقته وصدفة واقفتان يضحكان بالبهو بصوت مرتفع.
تجاهلت عيناه شقيقته وركزت على تلك المرتدية فستان جعلت الدماء تغلي بجسده، فقد كان ضيقاً يظهر جمال قوامها الذي يجعل أي رجل يركع على قدميه. تصلب وجهه بالغضب، فهو لا يحب أن يراها أحد بهذا الشكل. فعندما قالت له بأنها سترتدي فستان لم يعتقد أنه سيكون بهذا الشكل.
= مش دي صدفة مراتك يا راجح اللي واقفة مع شهد؟
استدارت عيناه بحده نحو ابن عمه الواقف بجانبه عندما سمع كلماته تلك ليجيبه بحده:
= اها هي... بتسأل ليه خير؟
هز وليد رأسه قائلاً بتهكمه المعتاد:
= ابداً بسأل عادي بس مين يصدق أن دي صدفة بياعة الطعمية؟ ده الواحد كان يقرف يبص في وشها.
ليكمل بهيام غافلاً عن ذاك الواقف بجانبه بجسد متشدد وشرارة الغضب تنطلق من عينيه:
= لا بس إيه طلعت صاروخ ضرب نار... جسمها نار مولــ...
وقبل أن ينهي جملته اندفع راجح نحوه مسدداً له لكمة قوية أصابت وجهه كادت أن تطيح برأسه من مكانه، ليسقط مرتطماً بالأرض بقسوة وهو يصرخ متألماً.
التف رجال العائلة من حولهم يشاهدون ما يحدث باستمتاع، فقد كان الجميع يكره وليد حيث كان مدمناً سكيراً وابن عاق لوالده الذي بكل يوم يتسبب بمرضه بأفعاله القذرة.
سدد له راجح لكمة أخرى هاتفا بشراسة، حيث كان كما لو كان إعصاراً من الغضب والنيران بداخله:
= أنت اتجننت يالا في دماغك ولا شارب حاجة من البلاوي اللي بتطفحها؟
ليكمل وهو يهجم عليه مرة أخرى ضارباً إياه عدة لكمات بوجهه، مزمجراً بغضب وعلامات الوحشية مرتسمة على وجهه:
= عليا النعمة ما هيطلع عليك صبح... وما هتخرج من هنا إلا على نقالة.
صاح وليد بينما يضع يديه على وجهه النازف محاولاً حمايته من ضربات راجح محاولاً تهدئته:
= والله ما أقصد... الكلام خرج مني كده، أنت عارف أن لساني دايماً فلت مني.
أمسك راجح بياقة قميصه يجذبه منها ويهزه بقوة هاتفا بغضب عاصف:
= لا لسانك فالت منك هربطهولك متقلقش.
هتف عمه وهو يحاول جذب راجح بعيداً عن وليد الذي أصبح وجهه ينزف دماً:
= خلاص يا راجح... خلاص يا بني أنا عارف أنه قليل الأدب وأكيد عمل حاجة تخليك تعمل فيه كده بس علشان خاطري كفاية.
أجابه راجح بأنفاس ثقيلة لاهثة من شدة الانفعال والغضب، بينما يجذب وليد من فوق الأرض ليضربه بقدمه في بطنه:
= لا قليل الأدب يتربى يا عمي... وأنا بقي اللي هربيهولك.
اندفع عابد الذي ما إن دلف إلى الغرفة وشاهد ما يحدث، اتجه نحو راجح جاذباً إياه بعيداً عن وليد الذي كان منحنياً على نفسه وهو يمسك بطنه يصرخ من الألم، هاتفا بحدة:
= سيبه يا راجح كفاية.
رفض راجح الانصياع لوالده مما جعل عابد يجذبه بعيداً بقوة مزمجراً:
= قلتلك سيبه يا راجح... إيه هتكسر كلمتي؟
تردد راجح عدة لحظات مقاوماً رغبته بضرب كلمات والده عرض الحائط والهجوم على وليد مرة أخرى، لكنه بالنهاية ابتعد عنه منفذاً أمر والده، فلا يمكنه كسر كلمته أمام أقاربهم.
جذبه عابد إلى خارج الغرفة دالفا به إلى داخل إحدى الغرف الفارغة حتى يتحدث معه.
بينما غمغم توفيق الذي وصل للتو وهو يقترب من صديقه مصطفى، والذي كان أيضاً شقيق زوج شهد:
= في إيه راجح ماله؟
هز مصطفى كتفيه قائلاً:
= والله ما عارف، في إيه راجح قام مرة واحدة فجأة ومسك وليد ابن عمه ونزل فيه ضرب زي المجنون محدش عارف ليه.
تفحص توفيق بفضول وليد الذي كان لا يزال جالساً على الأرض بوجه متورم ملئ بالكدمات، بينما أنفه وفمه ينزفان بشدة:
= ضربه إيه... ده طحنه مخلـ...
لكنه ابتلع باقي جملته مطلقاً صفيرة من بين شفتيه فور أن وقعت عينيه على صدفة التي كانت لا تزال تقف مع شهد:
= أوباااااا مين الوحش ده؟
تتبع مصطفى نظراته ليرى ما يشير إليه، غمغم وهو يضحك عندما رأى الفتاة التي يقصدها:
= دي صدفة يا عمنا مرات راجح.
هتف توفيق بحدة بينما عينيه بالصدمة:
= نعم يا خويا... صدفة إزاي أها أنا سمعت أنها أحلوت بس مش كده، ده البت بقت وتكة.... دي تقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك.
ليكمل بشهوة وعينيه تمر ببطء على جسدها:
= ولا جسمها.... يا دين أمي.
قاطعه مصطفى بحدة وهو يزجره بغضب:
= يا عم عيب احترم نفسك دي مرات صاحب عمرك برضو ميصحش اللي بتقوله ده.
غمغم توفيق بارتباك نازعاً عينيه بصعوبة عن صدفة:
= يا عم وأنا قولت حاجة... أنا اتصدمت لما شوفتها بس... أنت عارف راجح بالنسبالي إيه ده أخويا ومراته يعني أختي.
التوى فم مصطفى بسخرية عندما عادت نظرات توفيق على صدفة مرة أخرى يطالعها بنظرات قذرة.
ربت على ذراعه:
= هروح أسلم على شهد وأمشي علشان عندي شغل.
أومأ توفيق رأسه بشرود بينما عينيه لازالت مسلطة على صدفة.
في ذات الوقت، هتف عابد بغضب ما إن دلف هو وراجح إلى الغرفة وأصبحوا بمفردهم:
= هي حصلت تضرب ابن أخويا في قلب بيتي.
قاطعه راجح بشراسة بينما شرارة الغضب لا تزال تتقافز من عينيه:
= ابن أخوك اللي بتتكلم عنه اتكلم في حق مراتي.
هتف عابد بصوت غليظ ساخر:
= مراتك!!!!!
ليكمل بقسوة وهو يتقدم نحوه رافعاً طرف عبائته التي يضعها حول عنقه على كتفه بحده:
= مراتك إيه.. أنت صدقت المهزلة اللي أنت أصريت عليها علشان تعاندني وتحرق في دمي بس.... أنت عارف وأنا عارف كويس أن آخرها معاك شهرين وهتطلقها.
قاطعه راجح هاتفا بحدة وقد أثار تهكمه هذا استعال غضبه أكثر:
= المهزلة اللي بتتكلم عنها دي اسمها جوازة... واطمن صدفة هتفضل على ذمتي مش هطلقها.
ليكمل بشراسة ضاغطاً بقسوة على كل حرف من حروف كلماته:
= صدفة مراتي.. ومراتي خط أحمر اللي هيتكلم عليها أو يجيب سيرتها عليا النعمة لأمحيه من على وش الدنيا.
اسود وجه عابد بغضب هاتفا بقسوة ضاغطاً على رأس العصا التي بين يديه:
= عال أوي بقى كده... لحقت تضحك عليك وتهبلك بمرقعتها وعلشان بقت حلوة بقيت تريل على جسمها اللي ماشية تستعرضه بالمحذق والملزق اللي هي لابساه.
قاطعه راجح مزمجراً بشراسة وقد انفجر الغضب بداخله كبركان من النيران الثائرة:
= حاجة عابد خد بالك من كلامك.
ليكمل بوحشية وعينيه تقدحان بشرارة الغضب وقد فقد السيطرة على أعصابه:
= بعدين تضحك عليا.. تهبلني... أريل عليها مريلش أنا حر... على الأقل دي مراتى حلالى.
رمقه بعينين تلتمع بالازدراء هامساً بقسوة من بين أسنانه المطبقة بقوة:
= أحسن من اللي بيريل على واحدة قد بناته وبتضحك عليه ومخلصة كل فلوسه أول بأول.
زمجر عابد بحدة وقد شحب وجهه خوفاً من أن يكون راجح قد علم بعلاقته التي يخبئها عن الجميع:
= قصدك إيه؟
أجابه راجح وهو يهز رأسه دلالة على مبالاته:
= أقصد اللي أقصدة بقى.
ليكمل مشيراً نحو الباب قائلاً بخشونة وقسوة:
= والواد ده هيطلع بره... ومش هيقعد هنا دقيقة واحدة.
صاح عابد بغضب وهو يندفع نحوه ممسكاً بذراعه عندما رآه يتجه نحو الباب مانعاً إياه من الخروج:
= إيه.. حيلك حيلك... تطرد مين بره.
ليكمل بقسوة وهو ينكزه في صدره بمؤخرة عصاه المدببة:
= ده ابن أخويا.. وده بيتي يعني متقدرش تطرده من هنا
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الثاني عشر 12 - بقلم هدير نور
فور دخولهما شقتهما التفتت صدفة إلى راجح هامسة بصوت مرتجف وقلبها لا يزال يقصف بخوف داخل صدرها من الغضب المرتسم على وجهه.
"في إيه يا راجح؟ إيه اللي حصل؟"
أجابها هاتفا بقسوة وهو يتخذ عدة خطوات غاضبة نحوها.
"فيه إنك خليتي واحد وسخ يتكلم عليكي عشان لابسة فستان زي ده."
ليكمل بشراسة قابضا على ذراعها وهو يقرب وجهه منها، ينظر إليها بعينين تلتمع بوحشية.
"فستان لازق على كل حتة في جسمك ومفصّلا. فستان مينفعش واحدة زيك تلبسه."
شحب وجه صدفة فور سماعها كلماته تلك التي هدمت في ثوانٍ فرحتها والثقة التي اكتسبتها منذ أقل من ساعة. شعرت بالألم يعصف بداخلها من معنى كلماته القاسية تلك، والتي كانت تعني أن الفستان الذي ارتدته غير مناسب لفتاة مثلها بجسدها الممتلئ.
ضغطت بيدها على قلبها للتخفيف من الألم الذي يعصف به وهي تأنب نفسها بقسوة على ارتدائها هذا الفستان. فلما لم تستمع إلى حدسها الذي أخبرها أنه لا يليق بها ارتداء مثله؟ ولماذا جازفت بارتدائه؟ فبالطبع قام الشخص الذي ضربه راجح بالسخرية منها ومن امتلاء جسدها الذي أظهره هذا الفستان بوضوح.
عند هذه الفكرة انفجرت باكية بشهقات ممزقة، مما جعل راجح، الذي كان واقفا يتابعها بنظرات مشتعلة بالغضب، يصدم عندما رآها تنفجر باكية بهذا الشكل. هتف بعصبية وحدة.
"بتعيطي ليه دلوقتي؟"
همست بصوت مرتجف ضعيف من بين شهقات بكائها الممزقة.
"عشان عندك حق. مكنش ينفع واحدة تخينة زيي تلبس فستان زي ده. كنت المفروض أفضل لابسة العباية."
لتكمل بصوت مكتوم باكي القهر، ينبثق منه بينما تدفن وجهها بين يديها وبكائها يزداد بقوة.
"زمان كل قرايبكوا و صحابكوا اتريقوا عليا."
شعر راجح بالذنب فور سماعه كلماتها تلك، فقد كانت سعيدة للغاية لارتدائها فستان لأول مرة في حياتها، وهو أخرج بها غضبه من ذلك الحقير.
اقترب منها عاقدا ذراعه حول خصرها، جاذبا إياها بلطف ليستند جسدها اللين إلى جسده الصلب. أبعد يديها عن وجهها قائلا بلطف محاولا تهدئتها.
"بصيلي."
رفضت النظر إليه مخفضة رأسها للأسفل، بينما الدموع تنسدل على خديها أكثر، مما جعله يزفر ببطء قائلا.
"أولاً، أنا مجبتش سيرة إن الفستان متخّنِك أو الكلام الأهبل اللي إنتي قولتي ده. أنا كنت أقصد بكلامي إنه مش مناسب لواحدة متجوزة."
ليكمل وهو ينظر إليها بحنان يحيط وجهها بيديه، وهو يدرك مدى انعدام ثقتها بنفسها.
"ثانياً، بقي إنتي مش تخينة، ومحدش اتريق عليكي. بالعكس، الكل كان معجب بيكي تحت."
هزت رأسها هامسة بصوت أجش من أثر البكاء.
"إنت بتقول كده عشان صعبت عليك، لكن إنت نفسك قبل كده قلت إني مش حلوة ومهزتش فيك شعرة واحدة."
لعن نفسه بقسوة على كلماته الغبية التي أسمعها إياها وقت سابق لكي ينقذ كرامته التي كانت مجروحة بسبب رفضها إياه. شعر بقبضة تعتصر قلبه عندما لمح ومضة الألم التي ظهرت بعينيها. وقد بدأ يفهم الآن ما حدث بالأسفل، فقد كان سبب غضبه منها غيرته العمياء. فعندما رآها بذلك الفستان شعر بالنيران تشتعل بصدره فور تخيله لكل رجل بالحفل سيراها بهذا الجمال، وما زاد الأمر سوءا كلمات الحقير وليد ووالده. لكن الحقيقة أنها لم ترتكب أي خطأ، ففستانها لم يكن يختلف كثيرا عن فستان شقيقته شهد وباقي الفتيات بالحفل، لكنهم انتقدوا صدفة لأنهم لا يزالون يرونها صدفة بائعة الطعمية التي هي أدنى منهم، الجميع يستكثرون عليها أن تُرى بحال أفضل.
اشتعل الغضب أكثر وأكثر بداخله، رغب بالنزول إلى الحفل مرة وتلقين كل أحمق درسا لن ينساه طوال حياته.
أمسك بيدها جاذبا إياها بصمت لداخل غرفة النوم، دفعها أمام المرآة التي كانت بطول الحائط. واقفا خلفها بينما يديه تقبض على كتفيها بلطف، مغمغما بلطف بأذنها.
"بصي في المرايا وقوليلي شايفة إيه..."
نظرت صدفة إلى المرأة بتردد، هامسة بصوت مرتجف وهي تتفحص برفض مظهرها بذلك الفستان.
"شايفة جاموسة لابسة فستان مش لايق عليها."
عقد ذراعيه حول خصرها جاذبا إياها إليه، ليستند ظهرها إلى صدره الصلب. همس بالقرب من أذنها وهو يصر على رفع ثقتها بنفسها.
"طيب أقولك أنا شايف إيه..."
ليكمل هامسا بالقرب من أذنها بصوت مليء بالعاطفة، بينما نظراتهم تتلاقى بالمرآة.
"شايف بطلة قدامي. أجمل واحدة كانت في عيد الميلاد كله."
أخذ يمرر يديه على جسدها هامسا لها بصوت أجش وقد اسودت عيناه برغبة.
"مفكيش غلطة واحدة."
هزت رأسها قائلة بصوت مكتوم باكي وهي لا تصدق كلماته تلك.
"إنت بنفسك قلت إنك ضربت ابن عمك عشان اتريق عليا."
لم يجيبها راجح، حيث قام بنزع حجاب رأسها الذي كانت ترتديه، محررا شعرها الحريري الذي انسدل بنعومة على كتفيها وظهرها. أزاح بيده شعرها عن كتفها، دافنا وجهه بعنقها المرمري الناعم، يمرر شفتيه بلطف عليه وهو يكمل محاولا إقناعها.
"ابن عمي ضربته عشان بصّلك بطريقة مينفعش يبصلك بيها."
ليكمل بتملك حارق وهو يقبض على عنقها بين أسنانه، يقضمها بلطف.
"ولا من حق أي راجل تاني إنه يبصلك بالطريقة دي."
شعرت صدفة بالصدمة والارتباك عند سماعها كلماته المتملكة تلك، بينما بدأ شعور من الراحة يتخللها فور إدراكها أنه قد قام بضرب ابن عمه ليس لسخريته منها، وإنما بسبب مغازلته.
شهقت عندما ازداد ضغط أسنانه على رقبتها، ليحررها ببطء مقبلا مكان لدغته بلطف.
قرب شفتيه من أذنها يهمس لها بصوت أجش مثير، بينما يديه تمر على أنحاء جسدها بشغف.
"الفستان أول ما شوفتك بيه اتجننت، واللي جنني أكتر لما اتخيلت أي راجل كان هيشوفك بيه خياله المريض كان هيصورله إيه."
ليكمل وهو يتأمل جسدها بالمرآة بأعين تشتعل بنيران الرغبة.
"تخينة إيه يا هبلة؟ ده إنتي بطلة! على النعمة بطل ومفكيش غلطة واحدة."
احمر وجهها بشدة من الخجل، بينما شعرت برجفة حادة تسري بسائر جسدها عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تمر فوق عنقها الذي كان يقبله بشغف. وقفت تنظر إلى انعكاسهم بالمرآة بعينين متسعتين، بينما أخذ صدرها يعلو وينخفض بشدة وهي تكافح لالتقاط أنفاسها.
شهقت باستجابة عندما بدأت يديه تمر فوق منحنياتها التي كان فستانها يبرزها بإغراء. أسندت رأسها على كتفه، بينما كان مستمرا بتقبيل عنقها وحلقها بقبلات شغوفة ملتهبة.
صدح رنين هاتفه، لكنه تجاهله، مستمرا بتذوق عنقها المرمري الناعم. لكن عندما استمر رنين الهاتف لأكثر من مرة، ابتعد عنها مطلقا لعنات حادة غاضبة، وهو يخرج هاتفه من جيب بنطاله، أجاب بحنق على المتصل.
"خير ياما؟ في إيه؟"
ليكمل هاتفا بغضب.
"ألف جنيه إيه تاني اللي ضاعت منك؟"
استقرت نظراته على صدفة، بينما يستمع إلى والدته تهتف بغضب وصوت مرتفع وصل إلى مسمع صدفة، التي تراجعت للخلف بعيدا عنه، شاعرة بالاضطراب عندما استقرت نظراته بحدّة عليها.
"ألف جنيه خالتك شوقية منطّة بهم اختك شهد، واختك اتدهملي. حطتهم في الدرج بتاع الطرابيزة اللي في الصالة ومراتك كانت واقفة ساعتها."
لتكمل بحدة وغضب.
"مفيش غيرها خدتهم. ولا إنت فاكر إني مخدتش بالي إنك حطيت الألفين جنيه المرة اللي فاتت من جيبك عشان تداري على مصيبتها؟ الألفين جنيه كانوا كلهم متينات مش ميات يا قلب أمك. لسه معايا مصرفتش منهم جنيه عشان ناوية أرجعهم لك. أنا خدتهم منك يومها وسكت، قلت بلاش أحرجك وعفى الله. بس المرة دي وديني ما هعديها يا راجح."
زمجر راجح بغضب مقاطعا إياها، شاعرا كما لو تم سكب دلو من الماء على رأسه، شاعرا بالغضب والإحراج في ذات الوقت.
"طيب اقفلي ياما. اقفلي أنا نازلك."
همست صدفة بصوت مرتجف وهي تراقب وجهه المشتد بالغضب، بينما يغلق هاتفه ويضعه بجيب بنطاله، محاولة التأكد من صحة ما سمعته.
"في إيه يا راجح؟"
ظل واقفا يتطلع إليها بصمت، يضغط على فكيه بقوة كادت أن تكسر أسنانه، وهو يحاول بصعوبة التحكم بأعصابه حتى لا يفعل شيئا قد يندم عليه. التف مغادرا الغرفة دون أن يجيبها، مما جعلها تركض خلفه تلاحقه، لتجده قد وصل إلى باب الشقة الذي فتحه استعدادا للمغادرة، لكنها هتفت موقفة إياه بصوت لاهث.
"راجح..."
التف إليها، لتسرع هامسة بصوت القهر ينبثق منه.
"والله العظيم ما خدت حاجة."
وقف ينظر إليها بصمت عدة لحظات، ولا يزال التعبير الحاد المقطّب مرتسما على وجهه، ثم التف خارجا، مغلقا الباب خلفه دون أن يجيبها، تاركا إياها واقفة مكانها بجسد يرتجف بقوة، تبكي بشهقات مكتومة.
بعد مرور يومين...
جلست صدفة تشاهد التلفاز بأعين شاردة، بينما الثقل الذي بقلبها يزداد. فقد مر يومان على ما حدث بحفل ميلاد فارس ابن شهد، ومنذ ذلك اليوم وراجح يتعامل معها ببرود مقيت. لا يتحدث معها أبدا، يأتي كل ليلة بوقت متأخر من عمله، يأكل طعام العشاء الذي تعده، ثم يذهب للفراش مباشرة دون أن يتحدث إليها.
حاولت أكثر من مرة أن تتحدث معه وتقنعه أنها لم تسرق شيئا، لكنه بكل مرة يقاطعها ببرود وجفاف، أنه لا يريد التحدث بالأمر، ثم يتركها ويذهب.
قاطع شرودها هذا صوت رنين جرس الباب. نهضت متجهة نحوه لكي تفتحه، وهي تتوقع أن تكون هاجر أو شهد، فلا يوجد سواهما من يأتون لزيارتها.
لكن فور أن فتحت الباب، أسرعت بمواربته، مختبئة خلفه فور رؤيتها لتوفيق، صديق راجح.
هتفت بارتباك وهي تخطف طرحتها من فوق الطاولة التي بجانب الباب.
"ثواني..."
خرجت إليه مرة أخرى بعد أن غطت رأسها بالحجاب.
"أيوة، خير."
غمغم توفيق، الذي تحجج وأتى إلى هنا لكي يراها. فمنذ يوم الحفل وهو سيجن ويرىها مرة أخرى، لكن عندما فتحت له الباب ورآها بذلك الشعر الحريري الأسود، اعتقد أن قلبه سيقف من شدة جمالها.
هتفت صدفة بحدة عندما ظل يتطلع إليها بصمت.
"بقول خير، عايز حاجة؟"
خرج توفيق من شروده هذا، متنحنحا قائلا بارتباك.
"راجح هنا..."
هزت صدفة رأسها قائلة بهدوء وهي تمسك بالباب الذي كانت مواربه إياه:
= لا مش موجود.
أومأ رأسه وهو يخرج مبلغًا من المال من جيبه قائلًا:
= طيب لما يجي أديله الفلوس دي، دول ١٠ آلاف يبقى عليا له لسه ٥ آلاف.
أخذتهم منه صدفة مغمغمة بهدوء:
= طيب ماشي.
ثم انتظرت أن يلتفت ويذهب حتى تغلق الباب، لكنه ظل واقفًا مكانه مما جعلها تهمهم بنفاذ صبر:
= مش خلاص ولا في حاجة تانية؟
أجابها توفيق وهو يمرر عينيه على جسدها من فوق لأعلى بنظرات ذات معنى:
= بصراحة فيه. من يوم ما شوفتك في عيد الميلاد وأنا بقول لنفسي ياريتك كنت اتبليتي عليا أنا وبقيتي من نصيبي.
ليكمل وهو يرمقها بنظرات وقحة:
= بس قول لي إنتي إزاي احلويتي كده يا بت يا صدفة؟ ده إنتي طلعتي جامدة يا بت.
اهتز جسدها بعنف كما لو صعقة قد ضربته فور إدراكها أنه يعلم سبب زواجها من راجح، لكنها قررت تجاهل كلماته تلك هاتفة بحدة مقاطعة إياه:
= بت لما يبتك يا بقف، وابقي اسألي أمك وهي تقول لك إزاي.
هتف توفيق بحدة وهو يضغط على فكيه بغضب:
= وإيه لزمته إيه قلة الأدب دي، أما بت قليلة الأدب بصحيح.
نزعت صدفة النعال المنزلي الذي كانت ترتديه ممسكة به بيدها تلوح به أمامه بتهديد:
= واديك كمان بالجزمة فوق دماغك صحيح راجل ناقص.
لتكمل بحدة وهي لازالت ممسكة بالنعال بيدها تضغط على حروف كلماتها بقسوة، بينما وقف توفيق يتلفت حوله خوفًا أن يسمع أحد صوتها المرتفع:
= لولا إني مش عايزة أعمل مشاكل كنت عرفت جوزي وهو كان يتصرف معاك، وتاني مرة متخطيش هنا طول ما راجل البيت مش موجود عندك التليفون ابقي اتصلي به واعرفي هو فين، وغور روح له.
أنهت جملتها تلك وهي تنظر إليه من الأعلى للأسفل بنظرة ممتلئة بالنفور والغضب مهمهمة بازدراء:
= جتك ستين داهية تاخدك، نطع بصحيح، اتفو.
ثم أغلقت الباب في وجهه بقوة اهتزت لها الأرجاء تاركة إياه واقفًا بوجه محتقن وجسد متصلب هامسًا من بين أسنانه المطبقة:
= بالشبشب.
ليكمل بسخرية وهو يعتصر يديه بجانبه بقسوة:
= عاملالي فيها شريفة أوي بروح أمك، ماشي.
ثم التفت مغادرًا مسرعًا قبل أن يأتي أحد ويرآه.
بينما وقفت صدفة تستند إلى باب الشقة تستمع إلى خطواته المبتعدة وكامل جسدها يرتجف بعنف، وضعت يدها فوق صدرها الذي كان يعلو ويهبط بقوة بانفعال.
لا تصدق أنه تجرأ وأسمعها تلك الكلمات وكيف علم بأمر المخزن وادعائها على راجح.
احترقت عيناها بالدموع وقد انقبض قلبها، فبالطبع راجح قد أخبره فمن غيره الذي سيخبره فقد كان صديقه المقرب.
لكنها لا يمكنها أن تلوم راجح فهي من أذته بادعائها الكاذب عليه وبالطبع يكرهها لما فعلته به فلما سيخاف على سمعتها، لذا لا يمكنها لوم أحد سوى ذاتها.
انهارت جالسة على الأرض تدفن وجهها بين ساقيها وقد اتخذ جسدها يرتجف بقوة والألم الذي بقلبها يكاد يزهق روحها.
في وقت لاحق.
دلف راجح إلى المنزل بعد يوم عمل مرهق ليجد صدفة جالسة بغرفة الاستقبال والظلام يحيط المكان. دلف إلى الغرفة مشعلًا الضوء قائلًا بحدة:
= قاعدة في الضلمة ليه؟ إيه بتحضري عفاريت؟
لم تجبه حيث أخذت تتطلع أمامها بصمت متجاهلة إياه مما جعله يزفر بحنق وهو يتقدم لداخل الغرفة، لكنه توقف مكانه عندما لمح الأموال الموضوعة فوق الطاولة. أشار نحوها قائلًا:
= إيه الفلوس دي؟
أجابته دون أن تنظر إليه:
= فلوس جابها لك توفيق صاحبك وبيقول لك يبقى عليه خـ...
قاطعها بقسوة بينما يقبض على ذراعها جاذبًا إياها منه لتصبح واقفة أمامه:
= قولتي لي مين؟
أجابته بارتباك وهي تتلملم في وقفتها:
= توفيق صاحبك.
هتف بحدة ويده تتشدد حول ذراعها بقسوة مما جعلها تأن متألمة:
= وتوفيق زفت إيه جابه وأنا مش هنا؟
نزعت ذراعها من قبضته بحدة هاتفة بغضب:
= وأنا مالي ما تروح تقوله، هو.
أخذت عينيه العاصفة بشرارات الغضب تمر على جسدها المحكم داخل عباءتها الضيقة، أشار برأسه نحو عباءتها التي ترتديها والنيران تندلع بصدره عند تخيله لصديقه يراها بهيئتها تلك:
= فتحتي له بمنظرك ده؟
ارتبكت صدفة، شاعرًة بالخوف من إخباره بالحقيقة خوفًا من ردة فعله، لكنها بالنهاية همست بالحقيقة فهي لم تفعل شيئًا لكي تخاف منه.
= كنت... كنت لابسة طرحة طويلة وكنت واقفة ورا الباب. اداني الفلوس من على الباب ومش.
أومأ برأسه مزمجرًا بقسوة لاذعة:
= تاني مرة مادام أنا مش في البيت متفتحيش الباب لحد.
قاطعته بحدة واضعة يديها حول خصرها بانفعال وقد صدمتها كلماته تلك:
= ليه إن شاء الله، عيلة صغيرة أنا ومش هعرف آخد بالي من نفسي.
لتكمل بحدة ونفاذ صبر وقد احتقن وجهها من شدة الغضب:
= إنت مش ملاحظ إنك بقيت خناقني وكل شوية أوامر وتحقيقات، ألبسي ده، لأ متلبسيش ده، بتتكلمي مع ده ليه، لأ بتضحكي مع ده ليه، متطلعيش البلكونة إلا وطرحة على شعرك، إيه خلاص وصلت كمان لباب الشقة.
وقف يتطلع إليها بصمت.
شعر بالارتباك والتوتر وهو يرى صدق ومنطق كلماتها، فهو بالفعل صار مهوسًا بالتحكم بها وبتصرفاتها، يود لو يخفيها عن أعين جميع الرجال، بل لو أراد الصدق مع نفسه فهو يود لو يخفيها عن أعين جميع الرجال والنساء، يرغب بها لنفسه فقط.
زفر بحنق فاركًا وجهه بغضب، مديرًا ظهره لها بينما يخرج هاتفه فسوف يحدث توفيق ويحذره من ألا يأتي هنا مرة أخرى إلا بعد أن يتصل به حتى وإن كان الأمر هامًا.
شاهدته صدفة يتجه نحو الشرفة الخارجية ثم سمعته يتحدث بالهاتف مع صديقه بصوت حاد لاذع ثم تحول إلى غاضب صارم.
ضربت يدها بخدها وهي تهمس:
= كل ده علشان عرف إنه جه وهو مش موجود، أومال بقى لو عرف بقى اللي قاله هيعمل فيه إيه؟ هيقتله.
لذا إذا كان لديها رغبة بإخباره عما فعله صديقه فقد تبخرت رغبتها تلك لأنها تعلم إذا أخبرته فسيحدث شيئان.
إما أن راجح سيصدق كلماتها وبهذه الحالة من المؤكد أنه سيقوم بقتله، وهذا بالطبع ليس ما تريده ليس خوفًا على ذلك الحقير الذي يدعى توفيق إنما خوفًا على راجح فقد كان متهورًا ولا تضمن ردة فعله.
أو أنه لن يصدقها ويشكك بها وينعتها بالكاذبة كعادته، وهذا ما لا تريده أيضًا فهي قادرة على التعامل بمفردها مع الأمر فقد واجهت الكثير من هذه المواقف.
خرجت من أفكارها تلك عندما رأت راجح يخرج من الشرفة بعينين ملتمعتين بالقسوة ووجهه محتقن بشدة.
تراجعت للخلف وهي تغمغم سريعًا مشيرة نحو المال الموضوع على الطاولة:
= فلوسك عندك أهه، أنا خدتها منه ومعدتهاش، عدها إنت براحتك.
لتكمل بتوتر وحدة:
= علشان لو طلعت ناقصة تكلم صاحبك وتعرفه.
غمغم راجح بقسوة تتخللها التهكم بينما يتجه نحو الطاولة:
= متأكدة إنها هتبقى ناقصة بسبب صاحبي مش بسببك يعني.
ليكمل بسخرية لاذعة وهو يتناول المال من فوق الطاولة:
= ده الواحد المفروض بعد ما يسلم عليكِ لازم يعد صوابع إيده، ويخاف منك.
فرت الدماء من جسدها فور سماعها كلماته القاسية تلك، شاعرة بأنفاسها تنسحب من داخل صدرها كما لو أن المكان يطبق جدرانه. اخفضت رأسها بينما تحاول السيطرة على الدموع التي ملئت عينيها، بينما شعورها بالظلم والإهانة ينهشان قلبها.
وقف راجح يتابع حالتها تلك، شاعرًا بالارتباك والتوتر فقد توقع أن تجادله وتتشاجر معه وليس أن تقف بحالتها المنكسرة تلك.
تجمد جسده عندما رأى كتفيها يهتزان بضعف بينما رأسها لا يزال منخفضًا يحجبه ستارة شعرها الحريري. خرج منها صوت صغير متألم كان كسكين غرز بقلبه.
اقترب منها مغمغمًا بارتباك:
= صدفة.
لكنها ابتعدت عنه مندفعة خارجة من الغرفة، مما جعله يلعن بحدة بينما يلحقها لداخل غرفة النوم ليجدها جالسة على طرف الفراش بوجه شاحب وعينيها ضبابيتين تحاول مكافحة الدموع.
لكن ما إن رأته دفنت وجهها بين يديها بينما حلقها ينقبض وهي تحاول كتم شهقات بكائها لكنها فلتت منها منكسرة.
أحشاءه التوت بشدة بداخله فور سماعه صوتها المنكسر هذا.
اقترب منها جالسًا على عقبيه أمامها وهو يشعر بالندم على كلماته القاسية تلك.
أبعد يديها عن وجهها رغم مقاومتها له مما جعلها تشيح بوجهها بعيدًا، لكن ليس قبل أن يرى خطوط الدموع المتساقطة على خديها.
مال إلى الأمام ممسكًا بيديها بين يديه وظل ينظر إليها حتى بادلته النظرات بعينين مغروقتين بالدموع. غمغم بصوت مختنق:
= حقك عليا، متزعليش.
همست بألم من بين شهقات بكائها الممزقة:
= أنا تعبت، تعبت من إني كل شوية أسمع كلام زي السم على حاجة معملتهاش.
لتكمل بصوت ممزق وجسدها يرتجف:
= والله العظيم أنا مش حرامية، ولا عمري مديت إيدي على حاجة مش بتاعتي.
نزعت يدها من يده، مائلة بجسدها على الفراش متناولة من فوق الطاولة المصحف الشريف رافعة إياه على وجهها وهي تهمس بصوت مختنق:
= والمصحف الشريف، أنا مسرقتش منك ولا من غيرك.
أنهت كلماتها محتضنة المصحف إلى صدرها تبكي بحرقة وألم.
شعر راجح بقبضة تعتصر قلبه، اقترب منها ملتقطًا المصحف منها، واضعًا إياه برفق فوق الطاولة مرة أخرى قبل أن يجلس بجانبها ويسحبها برفق بين ذراعيه يحتضنها، ولمفاجأته لم تقاومه بل استسلمت له دافنة وجهها بصدره تنتحب بشدة.
أخذ يمسد بيده برفق فوق شعرها، أحنى رأسه هامسًا لها بصوت منخفض مختنق مقبلًا رأسها بحنان وهو يدرك أن ردة فعلها تلك لا يمكن أن تخرج إلا من شخص يشعر بالظلم لاتهامه بشيء لم يرتكبه.
= حقك عليا، متزعليش.
ظل يردد تلك الكلمات وهو مستمر بتمسيد شعرها وظهرها بحنان تاركًا إياها تبكي فوق صدره محاولًا تهدئتها وإراحتها.
ظلت صدفة مستكينة فوق صدره، شاعرة بالاستنزاف والخمول بعد أن أخرجت كل ما بصدرها من بكاء.
ابتعدت عنه بهدوء تنوي التمدد فوق الفراش حتى تنام وينتهي هذا اليوم، لكن أسرع راجح بجذبها من ذراعها مانعًا إياها. همست باعتراض بينما تحاول الإفلات منه:
= سيبني يا راجح أنا عايزة أنام.
شدد قبضته حولها مانعًا إياها وهو يغمغم بصرامة:
= لا مش هتنامي وإنتي زعلانة.
ليكمل وهو ينحني نحوها حاملًا إياها بين ذراعيه مما جعلها تصرخ متفاجئة:
= هطلب لنا أكل من برا، ونسهر أنا وإنتي قدام التليفزيون ونتفرج على مسلسل لن أعيش بجلباب أبي اللي إنتي بتحبيه.
همست بارتباك بينما تعقد ذراعيها حول عنقه حتى لا تسقط:
= عرفت منين إني بحب مسلسل لن أعيش في جلباب أبي؟
أجابها بينما يحني رأسه نحوها وابتسامة واسعة متسامحة ترتسم على شفتيه:
= وهو إنتي بتتفرجي على حاجة غيره ليل نهار مشغلاه.
احمر وجهها بخجل، بينما أخذت ضربات قلبها تزداد داخل صدرها بجنون. أنزلها برفق فوق الأريكة بغرفة المعيشة، ثم جلس بجانبها قائلاً وهو يتناول هاتفه:
= هاا عايزة تاكلي إيه يا ستي.
بيتزا... كريب... شاورما.
عضت شفتيها بارتباك، غير قادرة على إخباره أنها لم تتناول أيًا من تلك الأشياء من قبل. فهي تعرفها فقط من مشاهدتها للإعلانات على التلفاز. حيث إن المال الذي كانت تقتطعه من مال عملها كانت تدخل به جمعيات حتى تأتي بجهاز عرسها، والذي بالنهاية دمرته أشجان. وعندما كانت ترغب أحيانًا بالترفيه عن نفسها، تأتي بعبوة كشري مصري صغيرة.
همست أخيرًا باضطراب، بينما تهز كتفيها خائفة من اختيار شيء لا تعرفه، لذا اختارت ما اعتادت على أكله:
= كشري مصري.
غمغم راجح بمرح، بينما يشير نحو التلفاز:
= ده بمناسبة إننا بنتفرج على فاطمة كشري، مش كده.
ضحكت صدفة بخفة. اقترب منها ممررًا يده بحنان فوق وجهها، مبعدًا شعرها خلف أذنها:
= عايزة حاجة تانية أجبهالك.
هزت رأسها بالرفض، وقلبها يتضخم داخل صدرها، متمتعة بحنانه هذا.
وفور أن طلب الطعام، شغل التلفاز على المسلسل، ثم جلس بجانبها على الأريكة، جاذبًا إياها بجانبه، محيطًا إياها بذراعه، يحتضنها، مما جعلها ترتبك وتتردد. لتستسلم بالنهاية وتسند رأسها على كتفه، تشاهد معه المسلسل. لترتسم على شفتيها ابتسامة عندما انحنى طابعًا على رأسها قبلة حنونة، بينما ذراعاه اللتان تلتف حولها تتشدد من حولها، محتضنًا إياها أكثر.
بعد مرور نصف ساعة.
كان كلًا من راجح وصدفة يجلسان على الأرض بجانب بعضهما البعض، يتناولان الطعام الموضوع فوق الطاولة المنخفضة بغرفة المعيشة، بينما يشاهدان التلفاز باهتمام.
توقف راجح عن تناول طعامه، متابعًا بشغف تلك التي تبتسم بينما تتابع مسلسلها المفضل بكامل تركيزها.
تنحنح مترددًا، قبل أن يستجمع شجاعته حتى يطرح عليها ذلك السؤال الذي كان من المفترض أن يسألها إياه منذ ذلك اليوم الذي ادعت عليه به بتلك التهمة الحقيرة.
وبداخله أمل أن يكون هناك سبب لفعلتها تلك، وألا تكون تلك المخادعة التي نصبت له فخًا.
= صدفة.
همهمت مجيبة إياه وهي تتناول طعامها، بينما عيناها لازالت مسلطة على التلفاز. تشددت قبضة راجح الممسكة بملعقة الطعام، قائلًا بصوت جعله هادئًا قدر الإمكان:
= ليه اتبليتي عليّ يوم المخزن؟ وإنه حاول اغتصابك؟
شحب وجه صدفة فور سماعها سؤاله هذا، وقد فرت الدماء من جسدها، شاعرة بالأرض تميد من تحتها. التفت تنظر إليه بعينين متسعتين مليئتين بالاضطراب والخوف، لا تدري بما تجيبه، خائفة من قول الحقيقة له عن اعتداء أشرف عليها، فيكون قد نصب لها فخًا حتى يقوم بالإيقاع بها وإثبات براءته، ليقوم بعدها بتطليقها وفضحها.
أخذ عقلها الفازع يصور لها ما يمكن أن يحدث إذا أخبرته، فليس من المستبعد أن يقوموا بتزويجها لأشرف بعد أن يطلقها راجح.
وضعت الطعام من يدها، مغمغمة بحدة، بينما أخذ جسدها يرتجف:
= هيكون إيه يعني... ما أنت عارف كل حاجة... لازمة إيه تفتح في الموضوع.
لتكمل بحدة لاذعة، متصنعة الغضب:
= ولا أنت لقيتني قاعدة مرتاحة شوية، قولت تعكنن عليا... ما أنت مش بترتاح إلا لما تقرف فيا وتحرق في دمي.
انتفض راجح واقفًا، ملقيًا بحدة عبوة طعامه على الطاولة، مقاطعًا إياها بقسوة، وهو يشعر بخيبة الأمل:
= لا أقرفك ولا تقرفيني.
ثم تركها وغادر الغرفة بخطوات ممتلئة بالغضب والحدة.
شاهدته صدفة يغادر، شاعرة بقلبها ينقبض بالألم. دفنت وجهها بين يديها، بينما حلقها ينقبض وهي تحاول كتم بكائها، لكنها أفلتت منها منكسرة، لتنفجر بعدها ببكاء ممزق، وهي لا تدري هل ما فعلته كان صحيحًا أم خطأ.
دلفت بعدها إلى غرفة النوم، لتجدها فارغة. ظلت جالسة على طرف الفراش تنتظره، معتقدة أنه بالحمام، لكن مر أكثر من ساعة ولم يظهر بعد. نهضت أخيرًا لتتفحص الحمام. اتجهت نحو غرفة نوم الأطفال، تفتح بابها برفق، لتجده غارقًا بالنوم بإحدى الأسرّة، مما جعلها ترغب بالبكاء مرة أخرى. فرغم كل ما حدث بينهما، كانت هذه المرة الأولى التي يترك بها غرفتهم.
في اليوم التالي.
غمغم بحدة أشرف، الذي كان مستلقى على الأريكة التي ببهو شقتهم، عندما رأى والدته تتجه نحو باب المنزل تستعد للمغادرة:
= راحة فين يا ماما؟
التفت إليه أشجان قائلة، بينما تنحني ترتدي حذائها:
= هروح أعمل اللي قلتلك عليه.
انتفض أشرف جالسًا، قائلًا بفزع:
= يا نهار أسود.
ليكمل وهو ينهض متجهًا نحوها:
= يا ماما اللي عايزة تعمليه ده خطر. راجح الراوي لو قفشك كدبك في حاجة زي دي ممكن يقتلك.
هتفت أشجان بانفعال، وهي تدفعه بيدها في وجهه:
= متفولش في وشي يا ابن الـ... بعدين هيعرف منين؟ أنت مش قلت إنها دبسته في الجوازة واتبلت عليه.
أومأ أشرف برأسه قائلًا:
= أيوه... بس افرضي كان دخل عليها وجوازهم بقى حقيقي. البت صاروخ متتسبش.
ضربت أشجان يدها فوق يدها الموضوعة أسفل صدرها، هاتفة بحدة:
= لا اطمن جوازهم مش حقيقي. ومدخلش عليها أي راجل مكانه، مهما كانت حلوة هتفضل حتة إنها اتبلت عليه وفضحته واقفة في زوره، مش هيقدر يبلعها.
قاطعها أشرف هامسًا بشغف، بينما يفرك بيده صدره:
= عليا النعمة... لو حتى قاتلني بسكينة تلمه، ما هيفرق معايا. دي صاروخ أرض جو يا ماما.
بصقت أشجان عليه، مغمغمة بغضب:
= وهو أنت راجل؟ ده أنت عيل بريالة. ماشي تريللي عليها وطول اليوم مصدعني بيها.
مسح أشرف وجهه، قائلًا بحدة:
= أنتي بتتكلمي كده عشان مشوفتهاش. ده أنا الأسبوع اللي فات كنت واقف بشرب عصير قصب في العصارة اللي في السوق وشوفتها معدية هي وشهد الراوي. عليا النعمة زمان كنت بضرب المثل بشهد الراوي في الجمال والحلاوة. المرة دي شهد هوا جنبها، ولا كأنها باينة كده. البت فرسة بحق.
ربتت أشجان على صدره، قائلة بسخرية:
= طيب يا أبو ريالة. اديني راحة أجبهالك هنا تاني تعيش خدامة تحت رجلك، على الله ترحم أمي من صدعاك.
أسرع أشرف بلف ذراعيه حول والدته، هاتفا بحماس وهو يحتضنها:
= يا حبيبتي يا أمي بتعملي كل ده عشاني.
دفعته أشجان بحدة بعيدًا، هاتفة بغضب:
= ابعد يا أهبل يا ابن الأهبل. هتخنقني.
لتكمل وهي تعدل من وضع شعرها الذي بعثره:
= بعدين مش بعمل ده لسواد عيونك. أنا بعمل ده عشان فيه نار جوايا بتغلي كده، كل ما بسمع الناس بتتكلم عن العز اللي هي عايشة فيه.
لتكمل بحقد وغل، وهي تشير بإصبعها نحو الأرض بجانب حذائها:
= وديني لأرجعها هنا تحت جزمتي، وأخليها أعفن وأوسخ من الأول.
ثم اختطفت حقيبتها وغادرت المنزل، مغلقة الباب خلفها بقوة، تاركة أشرف يراقب مغادرتها تلك، وابتسامة واسعة ترتسم فوق شفتيه.
بعد مرور نصف ساعة.
كان راجح يتطلع بشرود إلى الأوراق التي أمامه على مكتبه، وعقله منشغل بتلك التي تركها بالمنزل نائمة، حيث إنه ذهب إلى العمل مبكرًا حتى لا يتواجه معها. فقد حاول بالأمس جعلها تتحدث معه وتخبره لما قامت بهذا الادعاء الحقير بحقه. فحتى وإن أخبرته أنها فعلته من أجل حاجتها للمال، كان سيحاول يتفهم لما احتاجته، خاصة وأنه كان سيتقبل الأمر بسبب فقرها وحاجتها اليائسة للمال.
خرج من شروده هذا عندما سمع طرقًا على باب مكتبه. رفع رأسه ليجد أشجان زوجة متولي تدلف إلى الغرفة وهي تهتف بصوت مرتفع:
= السلام عليكم.
لتكمل وهي تتقدم نحو مكتبه:
= ازيك يا راجح باشا.
تعجب راجح من زيارتها تلك، أومأ برأسه مغمغمًا بهدوء:
= وعليكم السلام.
ليكمل مشيرًا نحو المقعد الذي أمام مكتبه:
= اقعدي يا أم أشرف. خير.
جلست أشجان على المقعد الذي أشار إليه، مغمغمة بارتباك:
= خير... خير طبعًا يا راجح باشا.
لتكمل سريعًا وهي ترسم على وجهها الحزن:
= بصراحة كده، أنا جايلك تبقى وسطة خير بيني وبين صدفة.
تراجع راجح في مقعده، يتطلع إليها بصمت، مما جعلها تردف بصوت حزين:
= أصل بكلمها بقالي مدة مبتردش عليا في التليفون، وبصراحة خايفة أروحلها شقتها تطردني، أصلها شايلة مني أوي.
قاطعها راجح بحدة:
= ما عندها حق تزعل. لما أنتِ وجوزك اللي المفروض أهلها ومالهاش غيركم، محدش فيكم فكر يحضر فرحها ويقف معاها. وحتى في الصباحية وطول الشهر اللي فات من يوم ما اتجوزت، محدش فيكم فكر يجي يزورها أو يرفع عليها تليفون ويطمن عليها.
همست أشجان بارتباك:
= نعمل إيه بس؟ ما هي بعد خناقتنا يوم العفش هي اللي حرّجت علينا، محدش يقرب منها أو يحضر الفرح.
لتكمل بخبث، بينما ترسم على وجهها الهدوء، كما لو كانت تتحدث بعفوية:
= هي من بعد ما عرفت إني عرفت اللي كان بينكم قبل الجواز، وهي مش طايقاني، فاكراني هزلها باللي عرفته عنها.
تشدد جسد راجح بقسوة فور سماعه كلماتها تلك، اعتدل في جلسته، مغمغمًا بصوت جعله هادئًا قدر الإمكان:
= وأنتي عرفتي إزاي اللي حصل بينا قبل الجواز؟
ضربت أشجان يدها على صدرها، ممثلة الفزع:
= يقطعني ويقطع لساني اللي متبري مني ده.
ضيق عينيه بغضب عليها، مقاطعًا إياها بخشونة وعصبية مفرطة:
= أنجزي، عرفتي منين؟
همست أشجان بصوت مرتجف، بينما تتطلع إليه بارتباك:
= عرفت... عرفت بالصدفة والله. من 3 شهور، كنت سمعت صدفة في مرة بتتكلم في التليفون بليل، كانت فاكرة إنها في البيت لوحدها، عشان كنا بايتين عند أختي، بس أنا رجعت أجيب الشاحن بتاع الموبايل أصل كنت نسيته و...
ضرب راجح بيده فوق سطح مكتبه، مقاطعًا إياها بقسوة ونفاذ صبر:
= أنجزي، هتحكيلي قصة حياتك.
أومأت برأسها بهلع، وهي تهمهم بخوف:
= حاضر حاضر... سمعتها بتكلم واحد وهي بتعيط، بتطلب منه يتجوزها ويستر عليها بعد ما سلمت نفسها له.
انسحبت الدماء من جسد راجح، شاعراً بلكمة قوية تصيب صدره فور سماعه كلماتها تلك. بينما توقفت أشجان تراقب ردة فعله على كلماتها تلك، لترتسم ابتسامة داخلها فور أن رأت وجهه الذي احتقن بالغضب والصدمة. لتكمل سريعًا:
= ولما دخلت عليها وحاولت أعرف اسم الجدع اللي غلطت معاه عشان أحاول أخليه يصلح غلطته منها، رفضت وقعدت تزعق معايا.
قاطعها راجح بصوت مشدود خشن، بينما يضيق عينيه بغضب:
= الكلام ده كان إمتى؟
أجابته بصوت مرتجف، وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة الخوف من عينيه المظلمة المسلطة عليها:
= مش... مش فاكرة والله يا باشا.
لتكمل موضحة، جاعلة شكه يزداد أكثر وأكثر:
= ممكن من حوالي شهرين، بس أنت جيت بعدها اتقدمتلها، فهمت إن لا مؤاخذة يعني، إن أنت اللي غلطت معاها.
لتكمل بعفوية مصطنعة متجاهلة شرارات النيران التي تندلع من عينين مستمعها.
"أصل بصراحة يعني واحد زيك يا باشا هيعوز يتجوز واحدة زي صدفة؟ ليه ده الحي كله اتصدم لما عرف بجوازك منها."
توقفت قليلا، ثم ضربت يدها فوق ساقها هامسة بصوت باكي:
"ويوم العفش بتاعكوا لما واجهتها وفهمتها إن أنا عارفة إنه أنت قعدت تصوت وتضرب فيا وحلفت 100 يمين ما أحضر أنا ومتولي الفرح. كانت خايفة إن أقول لحد."
ثم أكملت مشيرة نحو المصحف الموضوع على المكتب بجانب راجح:
"مع إن، والمصحف الطاهر ده يا باشا، حلفتلها إن سرها في بير وما هفتح بوقي. بس هي ما سمعتنيش ومن يومها وهي مقاطعة أنا حتى الاتصال ما بتردش علينا. عشان كده جيتلك تتوسط لنا وتفهمها إن أنا والله ما هانطق. دي بنتي يا ناس، حد يفضح بنته؟"
أخذت تتحدث بكلمات منفعلة، لكن لم يكن راجح يستمع إليها. فقد بدأ عقله يربط كلماتها بما حدث. فالآن يعلم لماذا اتهمته بذلك الاتهام الحقير. فقد سلمت نفسها إلى رجل آخر، وعندما هربت منه ولم يتزوجها، قامت بإلصاق تلك التهمة البغيضة به محاولة التستر على فعلتها.
تسارعت أنفاسه واحتدت بشدة، شاعرًا كأن ستارًا أسود من الغضب قد أعمت عينيه. غضب عاصف لو أطلق له العنان لأحرق الأخضر واليابس، ولا يترك خلفه سوى الدمار والموت. انتفض واقفًا وعروق عنقه تتنافر، بينما يزداد وجهه احتقانًا من عنف ووحشية أفكاره في تلك اللحظة.
هتفت أشجان بقلق مصطنع عندما رأته ينتفض واقفًا متجهًا نحو باب الغرفة:
"رايح فين يا راجح باشا؟"
لكنه تجاهلها واتجه نحو الباب بخطوات غاضبة مشتعلة، ليصطدم بقوة بتوفيق الذي كان واقفًا بمدخل الباب، والذي سمع بالصدفة الحديث الذي دار بالداخل. هتف بقلق حقيقي محاولًا الإمساك براجح:
"رايح فين؟ اعقل يا راجح، متتهورش."
لكن راجح جذب نفسه منه واندفع خارجًا، وعلى وجهه يرتسم تعبير وحشي يجعل من يراه يفر هاربًا.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الثالث عشر 13 - بقلم هدير نور
وقف راجح بمدخل الشقة بجسد متشدد بالغضب وعروق عنقه تتنافر، بينما يزداد وجهه احتقاناً من عنف وحشية أفكاره. عيناه الثائرة تدور بحثاً عن تلك التي اكتشف مدى حقارتها، فقد أوقعته بتلك الزيجة وملصقة به جريمة أبشع ما يمكن أن يتهم به رجل، لتلصق به خطيئتها مع رجل آخر قد سلمت نفسها له.
وقعت عيناه على سكين موضوع بجانب طبق الفاكهة على طاولة الطعام. لم يشعر بنفسه إلا وهو يندفع يلتقط السكين بين يديه، ورغبة بالقتل تشتعل بعروقه وتعمه عقله.
تصلب وجهه واشتدت قبضته حول السكين فور رؤيته لصدفة تخرج من المطبخ. ما إن رأته توقفت بمكانها، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة فرحة.
"ايه ده، انت جيت بدري؟"
لتكمل بحماس وهي تشير نحو الطنجرة الممتلئة بأوراق الملفوف. لقد استيقظت باكراً لتعد له الأطعمة التي يحبها، في محاولة منها لمراضاته بعد أن تسببت في إغضابه ليلة أمس.
"عارف أنا بعملك ايه، محشي وبط..."
تسارعت أنفاس راجح واحتدت بشدة وهو يراقبها دون أن يسمع كلمة واحدة مما تقوله. كان السعير الذي بداخله من خيانتها له يصم أذنيه ويكوي أعماقه. يرغب بأن يمزقها بتلك السكين، لكنه أولاً سيجعلها تدفع ثمن ما تسببت له من ألم.
اتجه نحوها بخطوات مندفعة غاضبة، جاذباً إياها نحوه بقسوة مما جعلها تشهق بقوة، بينما تسقط الطنجرة من يدها وتتناثر محتوياتها على الأرض.
همت بالتحدث، لكنه قبض على شفتيها يلتهمها بعنف، مما جعلها تهمهم محتجة، لكن أصبحت همهمتها مكتومة بفعل فمه الذي كان يطبق على شفتيها بقسوة مؤلمة.
أصبح يلتهم شفتيها بضراوة عنف، ممزقاً إياها بأسنانه، جاذباً عنق عباءتها ممزقاً إياها. مما جعلها تدفعه بيدين متخبطتين في صدره، محاولة إبعاده وهي تصرخ متألمة. لكنه أسرع بالقبض على يديها بين يديه الخالية من السكين، مقيداً إياها خلف ظهرها، بينما لا يزال يلتهم شفتيها بشراسة وغضب.
كانت قبلته تلك لم يكن بها شيء من الإثارة أو الرغبة، بل كانت قبلة مليئة بالغضب، يرغب بإيذائها من خلالها.
حرر شفتيها التي أصبحت مكدومة بشدة، قبل أن ينحني مقبلاً عنقها، يقضمها بعنف بقسوته، مما جعلها تصرخ متألمة. لكنه كان غارقاً في عاصفة غضبه ولم يهتم بألامها.
عاد مرة أخرى لشفتيها يلتهمها بقسوة أكبر، وكانت قسوته تلك تزداد أكثر وأكثر بدافع نيران الغيرة التي كانت تلتهم قلبه وتمزقه كلما تذكر أنها سلكت نفسها لرجل آخر وسمحت له بلمسها وتقبيلها، أن يتملكها.
كانت تتألم مما يفعله بها، لا تعلم ما به. يجب عليها أن تتغلب على غضبه الذي كانت قد تسببت به برفضها الحاد ليلة أمس بإخباره بما حدث بتلك الليلة المشؤومة.
لذا بدأت تستجيب لقبلته القاسية تلك برقة، محاولة امتصاص غضبه. وفور أن أطلق سراح يديها، قامت بعقد ذراعيها حول عنقه، تدس يديها بشعره الأسود الحالك، تدلك بلطف خصلاته الحريرية، لتنجح خطتها بالفعل، حيث أصبحت شفته ألين كثيراً من قبل.
مقبلاً إياها برفق، لكن لم تمر سوى لحظات وانتفض مبتعداً عنها، وهو يلعن نفسه بقسوة بسبب ضعفه نحوها.
تراجع خطوة للخلف، ويده تقبض بقسوة على السكين الذي لا يزال بيده، والتي كانت صدفة غافلة عنه، بينما شيطانه يأمره بالاندفاع نحوها وغرز السكين تلك بقلبها. لكنه تراجع للخلف خطوة، مزمجراً بشراسة من بين أسنانه المطبقة بقسوة، وقد أرعبته أفكاره الوحشية حولها.
"ادخلي الأوضة واقفيلي على نفسك بالمفتاح."
همست صدفة بارتباك وهي لا تفهم لماذا يطلب منها فعل هذا.
"راجح... أهدى. ايه حصل بس لكل ده؟"
أنهت كلماتها بينما تتقدم نحوه بخطوات بطيئة مترددة، لكنها تراجعت وعيونها متسعة بالخوف فور أن زمجر هاتفاً بها بشراسة جعلت الدماء تجف بعروقها.
"قولتلك ادخلي الأوضة واقفيلي عليكي."
وقفت تتطلع إليها بتردد، لكنها انتفضت في مكانها بفزع فور أن صرخ بها، وعيناه كانت محتقنة بشكل جعل قلبها يرتجف خوفاً.
"يلا."
التفت راكضة نحو غرفة النوم، تغلق بابها بالمفتاح كما أمرها، تستند عليه وقلبها يقصف داخل صدرها برعب وهي لا تفهم ما يحدث معه.
بينما ظل راجح واقفاً بمكانه، يتطلع بأعين مظلمة بالوحشية إلى المكان الذي أخلته، قبل أن يلقي السكين الذي بيده، وهو يطلق صرخة مدوية تنم عن مدى الغضب والألم الذي يشعر به.
ثم أخذ يدمر ويكسر كل ما تقع يده عليه، مخرجاً، محاولاً إخماد غضبه الذي كان يلتهمه من الداخل، وهو يلعن نفسه لضعفه نحوها الذي جعله عاجزاً بهذا الشكل المزرى.
كانت صدفة تستند إلى الباب تبكي، وجسدها يرتجف بخوف وهي تسمع صوت صياحه الوحشي وتدميره للأشياء بالخارج، وهي لا تستوعب هل كل هذا لأنها رفضت إخباره عما حدث، أم ظلت تضم جسدها حتى انهارت قدماها أسفلها، لتجلس على الأرض وهي تضع يديها حول أذنها، محاولة حجب صوته المرعب وتدميره للأشياء، حامدة الله أنه لا يوجد معهم أحد بالمنزل، حيث ذهبت عائلته لزيارتهم الشهرية لأقارب عابد بالصعيد.
مرت عدة دقائق.
حتى حل الصمت بأرجاء المكان.
نهضت على قدميها المرتجفة، وترددت قليلاً قبل أن تستجمع شجاعتها وتفتح الباب وتخرج.
وما إن خرجت للبهو، أطلقت شهقة قوية فور رؤيتها للمكان الذي دمر بالكامل، حيث كانت شظايا زجاج الزهريات وتحف الزينة المحطمة تملئ الأرضية، ومقاعد الطاولة ملقاة أنحاء المكان، وكان يوجد واحد بينهم محطم تماماً، كما لو أنه قد أخذ يضربه بالأرض عدة مرات. أخذت تبحث عنه، لكن المكان كان فارغاً، لتدرك أنه قد غادر مرة أخرى.
قبل أن تنهار، جالسة على الأرض غير عابئة بشظايا الزجاج، وهي لا تعلم كيف ستتعامل مع غضبه هذا عندما يعود.
بعد مرور عدة ساعات.
كانت صدفة جالسة بغرفة الاستقبال، وعيناها نصف مغلقة، والتعب والإرهاق يمزقان جسدها، فقد أمضت الساعات الماضية في تنظيف الفوضى التي أخلفها راجح.
ورغم تعبها هذا، إلا أنها لم ترغب بالنوم حتى تطمئن عليه. فقد ظلت تتصل به عدة مرات طوال الساعات الماضية، لكنه لم يجيب عليها. تعلم أنه غاضب منها بسبب عدم إجابتها على سؤاله بليلة أمس، لكنها لم تتخيل أن يصل بها الغضب إلى هذا الحد. لذا قررت إخباره، ستجازف وتخبره بكل شيء، فهي لا تقوى على إغضابه أو إحزانه، حيث أصبح لا يمكنها إنكار أو مقاومة الأمر أكثر من ذلك، فهي تحبه. نعم تحبه، فمنذ زواجها منه، وهو رغم المصائب التي ارتكبتها بحقه، لم يعاملها بسوء كما عاملها جميع الأشخاص الذين مروا بحياتها.
لا تنكر أنه بأوقات يصبح غاضباً ولا يطاق، لكنه لا يستمر في غضبه هذا كثيراً، كما لا يتسبب في إيذائها عن قصد.
حيث كان يغدقها بحنانه في كثير من الأحيان، حنان لم تجربه من قبل، فالجميع كان يعاملها بقسوة، بدءاً من متولي زوج والدتها، إلى أشجان زوجته وابنه أشرف.
وجميع الأشخاص التي كانت تتعامل معهم بحكم عملها، فقد كانوا يتعاملون معها بازدراء، كما لو أنهم أعلى منها شأناً.
لذا واجبها نحوه أن تعترف له بكل ما حدث بتلك الليلة. لا تقوى أن تراه على حالته تلك، ترغب بأن تستعيد أوقاتهم السعيدة سوياً، مثل أن يقضوا الأمسية ككل ليلة يحتضنوا بعضهم البعض وهم يشاهدان مسلسلها المفضل.
فوقتها تشعر بأنها ملكت العالم بأكمله، بأنها آمنة بين ذراعيه، لا شيء يمكنه أن يؤذيها.
انسابت الدموع من عينيها، بينما شعور من الخوف يقبض على صدرها. ماذا لو قام بتطليقها بعد أن يعلم الحقيقة؟ فكيف ستعاود العيش مع أشرف تحت سقف واحد؟ أو الأسوأ، ماذا لو أخبر عابد والشيخ حسان وأجبروها على الزواج من أشرف بعد أن يطلقها راجح؟
هزت رأسها بقوة طاردة تلك الأفكار التي تكاد أن توقف قلبها من شدة الخوف.
فهي ستخبره، نعم ستخبره ولن تتراجع عن قرارها هذا، أياً كانت عواقبه.
ظلت جالسة تنتظره، حتى بدأت عيناها تغلق من شدة النعاس، لكنها انتفضت مستيقظة عندما سمعت الصوت القوي لإغلاق باب الشقة.
فتحت عينيها لتجد راجح يدلف إلى غرفة الاستقبال بوجه مقتضب حاد، وعينين قاسيتين تلتمعان بالغضب.
لكنها تجاهلت غضبه الواضح هذا، ونهضت متجهة نحوه قائلة بلهفة:
"راجح، اتأخرت ليه؟"
لتكمل بصوت مرتجف عندما ظل يتطلع إليها بصمت، وذات التعبير الحاد القاسي مرتسماً على وجهه.
"أنا عارفة إنك مضايق مني ومش طايقني..."
وضعت يدها فوق يده تمسك بها، وهي تهمس بصوت مرتجف وقلبها يقصف بخوف داخل صدرها بسبب ما هي مقبلة عليه.
"أنا والله هحكيلك على كل حاجة حصلت في يوم المخزن... بس انت اهدى ومتتعصبش."
تركت يده، بينما تتخذ خطوة للخلف، وهي تلتقط نفساً عميقاً، مستجمعة شجاعتها قبل أن تبدأ بإخباره بما حدث بذلك اليوم ومحاولة أشرف للاعتداء عليها، وهروبه فور سماعه صوت خطواته يقترب منهم.
همست بصوت ضعيف مهتز، بينما ترفع عينيها إليها وهي تبكي.
"عارفة إني ظلمتك..."
لتكمل بينما الخوف يضرب أعماقها عندما رأت وجهه الذي اشتد أكثر بالقسوة والغضب. فإذا كان غاضباً عندما أتى قيراط واحد، أصبح الآن غاضباً عشرين قيراط.
ارتجف صوتها خوفاً بسبب عينيه المسلطة عليها بحدة.
"والله ما كان قدامي غير إني أتبلى عليك، وإلا كان هيجوزوني لأشرف... بعدين أنا قلت أبوك هيدارى على الليلة عشان انت ابنه، ومستحالة هيجوزك لواحدة زيي."
لتكمل بانفعال ورجاء، وهي تنفجر باكية، منحنية على يده محاولة تقبيلها، وهي تشعر باليأس عندما استمر على صمته الغاضب، وقد تملك الخوف منها.
"أبوس إيدك يا راجح، لو هتطلقني بلاش تجيب سيرة أشرف، مش عايزة يجوزوني ليه."
سحب راجح يده من مجال فمها بحدة، مانعاً إياها من تقبيلها، ممسكاً بذراعها، يرفعها إليه، ولصدمتها جذبها بين ذراعيه يحتضنها بقوة، رافعاً يدها إلى فمه يقبلها بحنان، وهو يهمس لها بصوت مختنق لاهث.
"حقك عليا..."
همست صدفة بارتباك وصدمة من ردة فعله تلك، فقد توقعت أن يغضب منها، أو حتى يحاول ضربها، لكنها لم تتوقع أن تكون هذه ردة فعله.
"راجح...!!!"
لم يجيبها، شدد من احتضانه لها، دافناً وجهه بعنقها، وهو لا يعلم كيف سيخبرها بما فعلته أشجان ومحاولتها لتشكيكه بها، لكنه كشف كذبها هذا منذ وقت كبير للغاية.
فلاش باك
كان راجح جالساً على الأريكة التي بمكتبه، يعقد يديه خلف عنقه، بينما يحني رأسه الذي كان يشعر أنه سينفجر منه، فقد كان على حالته تلك منذ أن غادر المنزل بعد أن فشل بمواجهتها، وأخرج غضبه بتدمير الأثاث، ثم غادر سريعاً قبل أن يستسلم لرغبته ويقتحم الغرفة التي أغلقتها عليها ويقوم بقتلها.
لكنه منذ أن غادر وهو لا يفعل شيئاً سوى تذكر كل كلمة من كلمات أشجان، يديرها بعقله، وبعد أن هدأت ثورة غضبه، توصل إلى أنها كاذبة.
فقد أخبرته أن صدفة أخطأت مع إحدى الرجال وسلمت نفسها إليه.
فلو كان ما قالته صحيحاً، فلماذا صدفة عندما اتهمته بالمخزن قالت إنه حاول اغتصابها، ولم تقل إنه اغتصبها بالفعل، إن كانت ترغب في إلصاق غلطتها مع رجل آخر؟ حيث هناك فرق كبير بين أنه حاول اغتصابها وبين أنه اغتصبها بالفعل.
وأيضاً، إذا كانت ترغب حقاً في توريطه حتى يتزوجها، فلماذا رفضته عندما تقدم إليها؟ فقد قاومته ووقفت أمام الجميع وقالت إنها غير موافقة على الزواج منه، فلولا تهديده لها لما وافقت على الزواج منه.
كم كان الجميع يعلم بأن العلاقة بين أشجان وصدفة لم تكن دائماً جيدة.
وغضبه منها ليلة أمس عندما رفضت إخباره سبب اتهامها إياه، جعل عقله يتشوش عند سماع كلمات أشجان السامة تلك.
رفع عينه بحدة نحو الباب الذي انفتح، ليرى توفيق يدلف قائلاً، وهو يتجه نحو الأريكة ويجلس بجانبه:
= أظن أنا كده سبتك لوحدك كفاية زي ما طلبت.
ليكـمل وهو يضرب بيده على ذراع راجح:
= ما خلاص بقي يا عم راجح... هتفضل مضايق نفسك على إيه... دي واحدة متستهلش.
ليكـمل غافلاً عن وجه راجح الذي تصلب بغضب:
= بعدين يا عم مضايق نفسك ليه يا عم هد منها اللي انت عايزه وبعدها طلقها واتجوز ست ستها يعني هي حيالله إيه دي حتة بت شمال ولا تســ...
ولكن، قبل أن يكمل جملته، انتفض راجح جاذباً إياه من ياقة قميصه بعنف، لكمه بقوة وهو يصرخ به بشراسة جعلت الدماء تجف بعروق توفيق الذي كان ملقياً على الأرض:
= قطع لسانك أنت واللي جابوك... مراتى أشرف منك ومن أهلك كلهم.
قاطعه توفيق بخوف من ردة فعله القاسية تلك:
= جري إيه يا راجح ما براحه مش كده يا جدع.
ليكـمل وهو يفرك أثر اللكمة التي تركت كدمة على فكه:
= بعدين ما أنا عارف اللي فيها، وأنها اتبلت عليك وقالت إنك حاولت تغتصبها ودبستك في جوازها.
انحنى عليه راجح قابضاً على عنقه بقسوة وهو يزمجر بوحشية:
= وأنت بقي عرفت منين الموضوع ده؟
أجابه توفيق بصوت مختنق بفعل يده التي كانت تقبض بقسوة على عنقه:
= الحاج عابد جالي وقال لي قبل ما تروح تتقدملها، كان عايزني أقنعك ترجع في كلامك، بس أنا قولتله إني ماليش دعوة علشان عارف دماغك الناشفة.
دفعه راجح بقسوة للخلف وهو يزمجر بقسوة، بينما كامل جسده ينتفض غضباً:
= غور من وشي، بدل ما أرتكب جريمة.
انتفض توفيق واقفاً، يفرك عنقه الذي كان يؤلمه كالجحيم:
= طيب هاتيجى معايا بكرة أصالح مراتي وأرجعها من بيت أبوها زي ما وعدتني.
أومأ راجح رأسه بالموافقة بصمت، ثم التف إليه مغمغماً بحدة عندما رآه لا يزال واقفاً:
= قولتلك غور من وشي بقي.
اتجه توفيق نحو الباب مغمغماً بحدة:
= خلاص يا عمنا ماشي أهو متتعصبش عليا.
راقبه راجح وهو يغادر، وفور أن أصبح بمفرده، أخرج هاتفه متصلاً بأشرف، الذي ما إن أجاب أخبره أنه يريد التحدث إلى والدته.
وصل إليه صوت أشجان الملهوف من الطرف الآخر، التي كانت تنتظر طوال اليوم أي خبر عن صدفة:
= راجح باشا... خير في حاجة ولا إيه؟ صدفة حصلها حاجة؟
أجابها راجح بهدوء مصطنع:
= ابداً يا أم أشرف مفيش حاجة، اطمني.
ليكـمل راجح بمكر:
= حبيت بس أعرفك إني اتكلمت مع صدفة بخصوص إنكوا تتصالحوا، وهي وافقت، وإن شاء الله هتيجي تزوركوا الجمعة الجاية.
هتفت أشجان بصدمة يتخللها الخوف، مقاطعة إياه:
= قولتلها إيه؟ أوعى تكون قولتلها على الموضوع اللي حكيتلك عليه.
أجابه بهدوء وهو يلاحظ خوفها وقلقها الواضح، لتتأكد شكوكه بها:
= لا اطمني، مقولتلهاش حاجة.
همست أشجان بصدمة تحدث نفسها وهي لا تستوعب كيف تقبل الأمر بهذه السهولة:
= بس إزاي، يعني.
غمغم بسخرية وهو يعلم ما تقصده:
= هو إيه اللي إزاي بالظبط يا أم أشرف؟
غمغمت أشجان بارتباك وهلع فور إدراكها أنها تحدثت بصوت مرتفع:
= أقصد إزاي، إزاي يعني أقنعت صدفة إننا نتصالح؟
أجابها ويده تضغط بقوة على الهاتف حتى ابيضت مفاصله من شدة الغضب، متمنياً لو عنقها كان مكان هذا الهاتف:
= صدفة قلبها طيب، ما أنتِ اللي مربياها وعارفها، هو أنا برضو اللي هقولك.
همهمت أشجان بالموافقة بشرود، حيث كان عقلها يحاول إيجاد مبرر لما حدث، فكيف لراجح الراوي أن يتقبل كلامها كما لو أنها أخبرته بشيء يعرفه بالفعل.
أغلق راجح معها متحججاً بعمله.
وفور أن أغلق معها، قام بالاتصال بإحدى معارفه طالباً منه خدمة ما. ثم غادر وهو يتوعد لها بأن يجعلها تدفع ثمن كل هذا، فقد كانت ترغب بكذبتها تلك أن تجعله يسحق صدفة، وهذا ما كاد أن يفعله بالفعل.
نهاية الفلاش باك
شدد راجح من احتضانه لصدفة التي كانت لا تزال تبكي على صدره، رفع وجهه الذي كان يدفنه بعنقها، وأحاط وجهها بيديه برفق، مبعداً خصلات شعرها المتناثرة على عينيها إلى خلف أذنها، قرب وجهه منها هامساً بصوت حاد، بينما كامل جسده ينتفض غضباً من الأفكار التي تعصف بداخله:
= قسمًا بالله لأجيب لك حقك... من الكلب هو وأي حد فكر يأذيكي.
طبع قبلة على جبينها، قبل أن يتركها ويتجه نحو الباب مغادراً. بينما وقفت صدفة تتطلع إلى أثره بصدمة عدة لحظات، عندما بدأت تدرك أخيراً ما ينوي فعله، فتحت باب الشقة وركضت تهبط الدرج خلفه، تهتف باسمه محاولة إيقافه، لتنجح باللحاق به في البهو الداخلي للمبنى، أمسكت بذراعه تجذبه وهي تهتف بلهث حاد وخوف:
= رايح فين يا راجح؟ مضيعش نفسك عشان كلب زي ده.
استدار راجح يتطلع إليها بحدة فور رؤيته لحالتها التي خرجت بها، هاتفا بها بحدة:
= اطلعى فوق يا صدفة بمنظرك ده.
وقفت تتطلع إليه بأعين متسعة بالدموع، تهز رأسها بالرفض، وهي تتشبث بذراعه رافضة تركه يذهب، والخوف يسيطر عليها، فقد كانت تعلم كيف يكون عندما يكون غاضباً، فقد يرتكب جريمة دون حتى أن يشعر.
دفعها برفق من ذراعها نحو الدرج، هاتفا بصرامة وغضب:
= قولتلك اطلعى فوق بشعرك ولبسك ده... متخلنيش أتجنن عليكي أنتِ كمان.
ظلت ممسكة بذراعه هامسة بصوت مرتجف:
= هطلع بس استهدى بالله وتعالى معايا.
زفر راجح بحدة فور إدراكه خوفها هذا، خفف قبضته الممسكة بذراعها، مربتاً على ظهرها برفق:
= طيب اطلعى يا صدفة ومتخفيش، مش هعمل حاجة.
قبضت يدها المرتعشة الباردة على يده هامسة بصوت مرتجف:
= والنبي ما تتهور، ده ميستهلش، بعدين ده عيل أهبل لو زقيته زقة واحدة ممكن يموت فيها وتروح أنت في داهية.
ابتسم راجح فور سماعه كلماتها تلك رغم الغضب المشتعل بداخله، هز رأسه قائلاً:
= حاضر، متخفيش.
ليكـمل مغمغماً بتهديد وهو يجذبها نحوه:
= هتطلعي ولا أرزعك بوسة في قلب المدخل ونتفضح في الحي كله.
تركت صدفة ذراعه التي كانت تتشبث به بخوف فور أن رأت شفتيه تقترب من شفتيها، راكضة نحو الدرج وهي تغمغم:
= لا هطلع، هطلع.
أخذ راجح يتابعها وهي تسرع صاعدة الدرج، وابتسامة على وجهه، ظل واقفاً بمكانه حتى وصل إليه صوت إغلاق باب شقتهم، ليلتف مغادراً، وقد اختفت ابتسامته تلك ليحل مكانها تعبير شرس قاتل على وجهه.
فتح أشرف باب الشقة الذي كان يطرق بعنف وقوة، وهو يهتف بحدة:
= طيب، طيب يا اللي على الباب في إيه.
لكنه ابتلع باقي جملته برعب فور أن فتح الباب ورأى راجح يقف أمامه وشرارات الغضب تتساقط من عينيه.
تراجع للخلف بينما يهمس بصوت مرتجف وقد التوت أحشاؤه بداخله من شدة الخوف:
= راجح باشا، خير في إيــ...
لكن، وقبل أن ينهي جملته، اندفع راجح نحوه مسدداً له لكمة أصابت وجهه كادت أن تقتلع رأسه من فوق جسده.
ليسقط مرتطماً بالأرض بقسوة، وهو يصرخ برعب وهو يحاول بتعثر النهوض من فوق الأرض:
= في إيه يا باشا بتضربني ليه أنا عملت إيه.
لكن لم يسمح له راجح بالنهوض، حيث باغته وسدد له ركلة بقدمه وجهه، ليسقط مرة أخرى على الأرض وهو يصرخ متألماً، ممسكاً بمناخره الذي أخذ ينزف بشدة.
انحنى عليه راجح، يقبع فوقه كالوحش الكاسر، هاتفا بشراسة:
= عايز تعرف في إيه يا نجـ...
ليكـمل مزمجراً بوحشية وهو يسدد له لكمات متفرقة غاضبة، والتي كادت أن تحطم وجهه:
= في إيه إنك عيل وسخ وزبالة وحاولت تدوس على شرف البنت اللي متربي معاها، اللي المفروض تبقى زي أختك، يعني شرفها من شرفك وعرضك.
اهتز جسد أشرف بعنف فور سماعه ذلك، هتف بتلعثم، بينما يسرع بتخفاء وجهه النازف بين ذراعيه محاولاً حمايته من ضربات راجح المستمرة له:
= كدابة، والله كدابة ملمستهاش ولا جيت جنبها.
قاطعه راجح مزمجراً بوحشية، وهو يقبض على عنقه يعتصره بقوة:
= هي برضو اللي كدابة يا ابن الكلـ... يا واطي.
ليكـمل ويده تتشدد أكثر حول عنقه، متجاهلاً وجهه الذي أصبح باللون الأزرق من شدة الاختناق:
= وحياة أمك لأخليك تفكر ألف مرة قبل ما ترفع عينك فيها بس، مش حتى تلمسها.
أنهى جملته تلك، محرراً عنقه من قبضته، ليرجع أشرف رأسه النازف إلى الخلف، وهو يلهث بقوة محاولاً التقاط أنفاسه المختنقة، لكنه أطلق صرخة مدوية عندما قبض راجح على ذراعه وقام بلويه بقسوة حتى دوى صوت كسر عظامه:
= ده جزاء الأيد اللي فكرت تلمسها في يوم بها.
ليكـمل وهو ينهض غير متأثراً ببكائه وصراخه المتألم، ليدوس بقدمه على مفصل ساقه، يضغط عليه بكامل قوته:
= وده بقى جزاء الرجل اللي خطيت بها للمخزن علشان تعمل عملتك الوسخة.
تجاهل راجح صراخاته الباكية أو توسله له، حيث استمر بالضغط على ساقه حتى سمع دوي صوت انكسار العظام، بينما كان أشرف يبكي ويعض الأرض من شدة الألم الذي كان يعصف به.
ابتعد عنه راجح متأملاً معاناته تلك بأعين تلمع بالرضا:
= المرة دي اكتفيت بالكسر بس، للمرة الجاية قسماً بالله لأقطعهملك خالص.
ليكـمل بوحشية وعينيه تتركز على جزء جسده السفلي:
= ومش هكتفي بقطع رجلك وإيدك بس، خد بالك.
شحب وجه أشرف فور سماعه كلماته المهددة تلك، حاول حماية هذا الجزء من جسده بيده السالمة، متناسياً الألم الذي يعصف به والخوف من أن ينفذ راجح تهديده يسيطر عليه وجعله يرتجف كالورقة التي في مهب الريح.
وقف راجح يرمقه بنظرات ممتلئة بالاشمئزاز والاحتقار، قبل أن يولي ظهره له ويغادر. لكن ما إن وصل إلى باب الشقة، اصطدم بأشجان التي كانت تدلف إلى الشقة، لكنها تراجعت إلى الخلف بصدمة فور رؤيتها له في شقتها. همست بقلق:
= راجح باشا.. بتعمـ...
لكنها قاطعت جملتها مطلقة صرخة فازعة تلطم صدرها بيدها، فور أن وقعت عيناها على أشرف الملقي على الأرض بوجهه المتورم النازف، والذي كان يبكي كالأنطال.
= يا نهار أسود ومنيل...
لتكمل وهي تندفع نحو أشرف تحاول رفعه عن الأرض، لكنه أطلق صرخات متألمة بسبب ساقه وذراعه المكسورين.
= عملت إيه في الواد؟ منك لله...
نهضت متجهة نحو راجح تهتف بغل وغضب:
= أكيد بنت صباح اللي وزتك عليه وقعدت تزن على ودنك بكلام عشان تداري على فضيحتها.
قبض راجح على ذراعها يلويه خلف ظهرها:
= وحياة أمك إن جبتي سيرتها تاني لأكون مكومك جنب ابنك المتلقح هناك ده.
دفعها للخلف وعلى وجهه ترتسم الوحشية:
= ومتقلقيش، حق الواجب اللي انتي قمتي به النهاردة هيتردلك بكرة.
ليكمل وهو يرمقها بنظرات مليئة بالاشمئزاز والاحتقار:
= أصل متعودتش امد إيدي على واحدة ست، خصوصاً لو كانت ست وسخة وزبالة زيك. وليا كلام تاني مع اللي متجوزك لما يرجع من السفر.
ثم غادر، تاركاً إياها واقفة بوجه شاحب ترتسم عليه معالم الخوف والذعر.
بعد مرور عدة دقائق.
دلف راجح إلى الشقة الخاصة به ليجد صدفة نائمة بمكانها، وهي تجلس على المقعد الذي كان بجانب باب الشقة، كما لو سقطت بالنوم أثناء انتظارها إياه.
رفعها برفق بين ذراعيه حاملاً إياها نحو غرفة النوم، لكنها استيقظت فاتحة عينيها وهو بمنتصف الطريق إلى الغرفة. هامسة:
= راجح...
لتكمل وهي تمرر عينيها بلهفة على وجهه، متحسسة صدره بيدها بحثاً عن أي إصابة به.
= عملت إيه معاه؟ حصلك حاجة؟
قبل جبينها بحنان وهو يضعها برفق فوق الفراش:
= متخافيش، مماتش. سايبه مرمي زي الكلـ... في بيته.
ليكمل وهو يجلس على عاقبيه أمامها محيطاً وجهها بيديه عندما وجد القلق لا يزال مرتسماً على بعينيها.
= والله ما فيه حاجة، غير كسر في دراعه ورجله. ووشه عايزله شهر عقبال ما يخف وملامحه ترجع تظهر وتبان من تاني.
لصدمته، رآها تبتسم وعيناها تلتمع بالفرح فور سماعها هذا. غمغم ضاحكاً بمرح وهو يقبل مقدمة أنفها:
= شريرة...
اتسعت ابتسامتها قائلة وهي تهز كتفيها بلا مبالاة:
= يستاهل. اللهي يولع هو وأمه.
في ساعة واحدة.
ربت راجح على رأسها مشعثاً شعرها وهو ينهض على قدميه، بينما لا يزال يبتسم، متجهاً نحو الحمام حتى يأخذ دشاً سريعاً قبل أن ينام، فقد كان مرهقاً بسبب أحداث اليوم التي استنزفته نفسياً أكثر منها جسدياً.
وبعد عدة دقائق.
خرج من الحمام يجفف شعره بمنشفة صغيرة، لكنه توقف عندما رأى صدفة واقفة عند الخزانة وقد بدلت ملابسها إلى عباءة نوم باللون الأحمر الذي كانت محكمة التفاصيل حول جسدها، مما جعله يكاد يركع على قدميه من شدة رغبته بها. اتجه نحوها محيطاً جسدها بذراعه يضمها إلى جسده الصلب، بينما عيناه مسلطة بشغف على وجهها الخلاب، خاصة وجنتيها الممتلئتين والمحتقنتين بالحمرة، بينما شعرها الأسود الحريري كانت ترفعه فوق رأسها بكعكة عشوائية تتناثر منها بعض الخصلات الشاردة فوق عنقها الأبيض الغض.
لكنه شعر برجفة حادة تمر بجسده وقد أصبح تنفسه متثاقلاً بشدة عندما لاحظ الكدمة التي بجانب عنقها إثر عنفه معها بوقت سابق عندما كان في ثورة غضبه بسبب كلمات أشجان.
دفن وجهه بحنايا عنقها ممرراً شفتيه برفق فوق تلك الكدمة يقبلها بحنان وهو يهمس لها معتذراً.
ظل يقبلها عدة لحظات أخرى قبل أن يبدأ يوزع قبلاته فوق عنقها الأبيض المرمري وحلقها، قبل أن يرفع رأسه ويلتقط شفتيها في قبلة قوية نهمة. ولدهشته، ألقت ذراعيها حول عنقه تبادله قبلته تلك بشغف وخجل في ذات الوقت.
تأوه باسمها بينما يعمق قبلته ويديه ترتفعان وتحيطان وجهها بحنان يتحسس بشرتها الحريرية، بينما يستولي على شفتيها أكثر، بينما جوعه لها يمزقه.
تشددت ذراعيها حول عنقه وهي تميل نحوه أكثر وهي تتنهد بنعومة جعلت كل عضلة في جسده تتصلب.
فصل قبلتهم برفق هامساً بلهث يسألها بصمت، بينما عيناه تحترقان بنيران الرغبة:
= صدفة...؟
فهمت صدفة ما يسألها إياه لتهز رأسها بالموافقة بصمت، بينما تخفض رأسها ووجهها يشتعل خجلاً.
تنهد راجح براحة وهو يسرع بحملها بين ذراعيه متجهاً بها نحو الفراش، ليسرع بضمها إليه ويغرقان بنيران شغفهم ببعضهم البعض.
في وقت لاحق.
عندما استعادت صدفة بعضاً من وعيها، كان راجح يضمها بشدة إلى جسده، حيث كانت مستلقية فوقه، بينما شعرها منسدلاً على جانب واحد من عنقها، بينما كان راجح يدفن وجهه بجانب عنقها الآخر المكشوف، يمرر شفتيه صعوداً وهبوطاً من أسفل أذنها إلى أعلى كتفها بقبلات رقيقة حنونة محاولاً تهدئتها.
بينما يتخلله شعور من الراحة والسعادة من نجاحه بجعلها أخيراً ملكه.
رفعت رأسها تنظر إليه ووجهها مشتعلاً بنيران الخجل، مما جعله يمرر يده بحنان فوق خدها يتحسسه برفق هامساً بقلق:
= كويسة؟
أومأت برأسها بصمت، مما جعله ينحني واضعاً قبلة على جبينها برفق مشدداً من ذراعيه حولها، بينما دفنت هي وجهها بجانب عنقه مغلقة عينيها لتغرق سريعاً بالنوم. بينما ظل هو يحتضنها بقوة إليه متمتعاً بالشعور بأنفاسها الدافئة التي تلامس جانب عنقه حتى غرق بالنوم هو الآخر وهو يشعر بأن قد ملك الدنيا وما بها.
في اليوم التالي عصراً.
كان راجح قد استيقظ منذ فترة طويلة وظل يتردد على غرفة النوم متظراً استيقاظ تلك التي لازالت غارقة بالنوم.
فقد أراد أكثر من مرة إيقاظها، لكنه كان يتراجع بكل مرة تاركاً إياها ترتاح، حيث قد أتعبها كثيراً بليلة أمس.
لكن لم يستطع الانتظار أكثر من ذلك، فقد أوشك العصر أن يؤذن.
جلس على طرف الفراش بجانبها يتأملها بعينين تلتمع بالشغف، حيث كان شعرها مناشراً على الوسادة، مشعثاً بطريقة مغرية إثر ليلتهم، مما جعله يرغب بالتهامها مرة أخرى. انحنى عليها طابعاً على عنقها قبلات متفرقة بقصد إيقاظها، لينجح في الأمر، حيث فتحت عينيها وابتسامة ترتسم على وجهها. رفع رأسه يتطلع إليها بعينين تلتمع بالرغبة، مما جعل يدها تتشبث بارتباك بالشرشف الذي كان يغطي جسدها العاري، مما جعله يضحك عندما لاحظ حالتها المضطربة تلك.
مرر يده فوق جانب وجهها يبعد شعرها إلى خلف أذنها مقبلاً خدها.
= صباح الخير يا مهلبيتي. قومي يلا يا الساعة بقت 3 العصر.
همست صدفة بخجل وهي لا تشعر بالراحة من وضعهم الجديد هذا:
= صباح النور. هو انت مروحتش الوكالة؟
طبع قبلة على كتفها العاري قبل أن يجيبها:
= لا، خدت النهاردة إجازة.
ليكمل وهو ينهض سريعاً قبل أن يستسلم إلى رغبته وينضم إليها بالفراش، غير آبه بقراره بجعلها ترتاح، حيث أن جسدها لن يتحمل جولة أخرى من شغفه.
= قومي يلا وأنا هاخد دش بسرعة وأحلق دقني تكوني فوقتي وبعدها نطلب أكل من برا.
أومأت برأسها بينما تغرق أكثر أسفل الشرشف محاولة تغطية جسدها، مما جعله يرفع حاجبه قائلاً بمرح وهو يمسك بطرف الفراش يتصنع جذبه وهو يحاول إغاظتها:
= بتخبي إيه يا مهلبية؟ ما كل ده أنا شوفته امبارح.
تشبثت صدفة بالشرشف أكثر جاذبة إياه منه وهي تهمس بتلعثم وخجل:
= بس يا راجح.....
ترك الشرشف من يده وهو يضحك مفتوناً بخجلها هذا، رفع يدها طابعاً على راحتها قبلة عميقة قبل أن يلتف ويتجه نحو الحمام وهو لا يزال مبتسماً.
بوقت لاحق.
كان راجح واقفاً يحلق ذقنه أمام المرآة التي بالحمام عندما رأى صدفة تقف بتردد عند إطار الباب الذي كان مفتوحاً وهي ترتدي مأزر سميك يغطيها جيداً. مدت يدها نحوه بهاتفه قائلة:
= تليفونك كان عامل يرن.
سألها بينما يده منشغلة بالحلاقة:
= مين؟
غرست صدفة أس
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الرابع عشر 14 - بقلم هدير نور
صدح صوت توفيق الصاخب بحماس من مكبر الصوت.
= ايووووة بقي يا عم راجح يبقى عملت اللي قولتلك عليه وخدت منها اللي انت عايزه دلوقتي تقدر تطلقها و ترميها مش قولتلك دي واحدة شمال و متستـ........
سقط الهاتف من يد صدفة التي شحب وجهها كشحوب الاموات فور سماعها تلك الكلمات تتطلع امامها باعين غائمة لا ترى شيئا. بينما وقف راجح متصلبا بمكانه و عينيه الممتلئة بالصدمة و الخوف مسلطة عليها.
استدارت راكضة للخارج بجسد مرتجف و هى لا ترى امامها بسبب عينيها الغائمة بالدموع الحارقة بينما الالم الذى بداخلها يكاد يمزق قلبها الى اشلاء.
اسرع راجح الذي ما ان افاق من صدمته يلحق بها راكضا.
قبض على ذراعها قبل ان تصل الي باب الغرفة مديرا اياها نحوه قائلا بصوت لاهث يملئه الذعر.
= استني يا صدفة... انتي فهمتي غلط..
نفضت يده بعيدا عنها هاتفة بقسوة تعاكس الانكسار الذى يتصدع بداخلها.
= فهمت ايه غلط بالظبط....
لتكمل صارخة بصوت مرتجف ملئ بالألم.
= انك متفق مع صاحبك عليا.....
امسك بها مقربا اياها منه و هو يغمغم برفق محاولا تهدئتها.
= طيب اهدي يا صدفة... و هفهمك كل حاجة...
ضربته قوة في صدره بقبضتيه دافعه اياه بعيدا عنها و هي تهتف بشبه هسترية.
= لا تفهمني و لا افهمك مش خدت اللي عايزه منى زي ما اتفقت مع صاحبك.....
لتكمل و هي تندفع نحو خازنة الملابس تخرج ملابسها.
= كمل بقي اتفاقك معاه و طلقني....
هتف بحده و هو يتقدم نحوها و قد بدأ يفقد هدوءه.
= بطلى ام جنانك ده و اسمعي اللي حصل الاول...
اجابته و هي تبتلع الغصة التي تشكلت بحلقها حتي لا ينهار جدار القوة الذى تظهره امامه.
= مش محتاجة اسمع منك حاجة.... البركة في توفيق صاحبك قال حاجة....
ثم اندفعت نحو الحمام لتنحنى و تلتقط هاتفه الملقي علي الارض و تقذفه علي الفراش الذي بجانبه و هى تهمس بصوت مرتجف.
= امسك كلمه... و احكيله علي اللي حصل بنا امبارح زي ما بتحكيله كل حاجة..
لتكمل بصوت مهتز مختنق و شفتيها ترتجف في قهر بينما الالم الذى تشعر به بداخلها يكاد يحطم روحها الي شظايا.
= احكيله ازاي الشمال استسلمت ليك بسهولة و خدت منها اللي انت عايزه....
اهتز جسد راجح بعنف فور سماعه كلماتها تلك شاعرا بقبضه قاسية تعتصر قلبه اندفع نحوها مغمغما بصوت اجش خشن من شدة العاطفة التي تثور بداخله راغبا بازالة فكرتها الخاطئة تلك باي ثمن.
= صدفة اقسم بالله مـ...
لكنها اسرعت بغلق باب الحمام بوجهه غير سامحة له باكمال جملته مغلقة الباب بالمفتاح من الداخل قبل ان تنهار علي الارض و هي تنفجر باكية و قد انهار السد الذى كانت تتصنع خلفه بالقوة وضعت يدها فوق فمها تكتم شهقات بكائها الممزقة حتي لا تصل اليه بالخارج بينما ظل هو يضرب علي الباب طالبا منها ان تفتح و تستمع اليه لكنها دفنت وجهها بين ساقيها واضعة يديها حول اذنها رافضة ان تستمع اليه.
في ذات الوقت.
كانت اشجان جالسة تدهن اظافرها بطلاء الاظافر و هي تغني بصوت مرتفع مع مسجل الصوت الذي كان يصدح بالارجاء عندما اخذ باب المنزل يطرق بقوة.
هتفت بحدة لأشراف المستلقي على الاريكة التي بجانبها بوجهه المتورم الملئ بالجروح و ساقه و ذراعه المحبران بسبب الكسور التي بهم.
= يا دي الباب و سنينه السودا .. يا خويا من الصبح مش مبطل خبط و رن كل صحابك الشمامين جاين يطمنوا عليك...
لتكمل بتهكم و هى تلوى شفتيها بسخرية.
= طيب ماتقولهم ياخويا يخدوا حقك من اللي يتشك في قلبه ابن الراوي اللى عجنك.. و لا عنده و بتقلبوا لفراخ بيضة.....
هتف اشرف بحدة مقاطعا اياها.
= لا مش فراخ بيضا احنا رجالة اوي... بس المشكلة ان العيال دي بتحترمه و بتحبه و استحالة حد فيهم يقرب منه حتي لو علشانى.....
همهمت بازدراء وهي تضع عبوة الطلاء بحدة من يدها.
= بيحترموه.... جتهم ستين نيله تاخدهم... و تاخدك معاهم
لتكمل و هي تزفر بحنق و غضب عندما اخذت الطرقات التي علي الباب تزداد.
= ما اقوم اتنيل افتحلهم... هيكسروا الباب ولاد الهرمـ.ـه..
هتفت بنفاذ صبر بينما تتجه نحو الباب الذي كان يطرق بقوة اكبر وهي تنفخ في اظافرها حتي يجف طلاء الاظافر التي تضعه.
= طيب... طيب و المصحف لو الباب اتكسر لاخاليكوا تدفعوا تمنه انت و هـ.........
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما فتحت الباب و رأت امرأتين ضخام الهيئة يرتدان الاسود مما جعل مظهرهم يبث الرعب بداخل من يراهم.
= نعم يا ست انتي و هى عايزين مين ؟
اجابتها احدي النساء بصوت غليظ.
= انتي اشجان مرات متولى...؟
اومأت اشجان برأسها مجيبة اياها و عينيها تتنقل بينهم باضطراب و توجس.
= ايوة انا... في اية..؟
لم تدعها المرأة تكمل كلامها حيث اندفعت نحوها تجذبها من ذراعها و هي تهتف بصوت حاد.
= طيب تعاليلي بقي يا روح امك....
صرخت اشجان بفزع و خوف وهي تحاول مقاومتهم و الرجوع الي الخلف.
= عايزين مني ايه... اوعى يا وليه منك لها.. اوعى......
جذبتها المرأة الاخرى من شعرها بقسوة و هى تزمجر بشراسة.
= عايزين منك كل خير يا روح امك... تعالى... ده انتى مش هيبقي في عضم امك عضمة ساليمة....
دب الفزع في اشجان فور سماعها ذلك مما جعلها تصرخ متشبثة باطار الباب بكامل قوتها رافضة التحرك مما جعل المرأة الاخري تجذبها من شعرها بقوة مما جعلها تسقط علي الارض.
لتجر جسدها فوق الدرج من خلال شعرها الذى كانت تجذبه بقوة لتتعالى صراخات اشجان بسبب الألم الذي كان يمزق جسدها بسبب اصطدامه بالدرج.
و فور وصولهم لخارج المنزل اخذت اشجان تصرخ باكية محاولة الاستنجاد بجيرانها و المارة بالشارع و رغم انهم يبغضونها بسبب افعالها الشائنة لكن حاول بعض الرجال انقاذها من بين ايدي تلك النساء لكن اخرجت احدهم سكين غليظ من صدرها تلوح به امامهم هاتفة بوحشية.
= عليا النعمة اللي هيقرب لهشقه نصين....
لتكمل و هي تجذب شعر اشجان التي كانت تبكي متألمة.
= الحوار بنا و بين المرا.. دى محدش يدخل....
تراجع الرجال علي الفور الي الخلف فليس منهم من سيضحي بحياته من اجلها.
جذبوها معهم حتي وصلوا الي الشارع الذي يقع به منزل الرواي اسقطوها بعنف علي الارض امام المنزل ثم بدئوا ينهالوا عليها بالضرب و السب بينما صراخاتها تشق الاذان.
في ذات الوقت.
كان راجح واقفا بوجه مكفهر ينتظر صدفة ان تخرج من الحمام الذى اختبئت بداخله منذ اكثر من نصف ساعة رافضة محاولاته لجعلها تستمع اليه.
تشدد جسده بترقب عندما انفتح الباب و رأها تخرج بوجه شاحب و اعين حمراء محتقنة ليعلم انها كانت تبكي مما جعل قبضة حاد تعتصر قلبه.
تقدم نحوها لكنه توقف عندما لاحظ الملابس التي ترتديها والطرحة التي تضعها حول عنقها اندفع نحوها هاتفا بشراسة.
= راحة فين ان شاء الله ؟
لم تجيبه صدفة و وضعت الطرحة فوق رأسها بينما تتجه نحو الباب دون ان تعيره اى اهتمام.
مما جعله يلحق بها قابضا علي ذراعها مزمجرا بشراشة.
= بقولك راحة فين...انطقة
نفضت يده بعيدا عنها كما لو كانت لا تطيق لمسته و هى تصرخ بحدة لاذعة.
= ابعد ايدك دى عنى و متلمسنيش.... و ميخصكش انا راحة فين.....
قاطعها راجح مزمجرا بعنف.
= لا يخصني....
ليكمل بصوت حاد متملك و هو يحيط خصرها بذراعه جاذبا اياه نحوه لتصطدم بجسده بقوة مما جعلها تشهق بصدمة.
= كلك على بعضك كده تخصيني...
ضربته بقبضتيها في اعلى كتفيه وهي تقاطعه بغضب.
= كان زمان كنت تاكل عقلي بكلامك ده... بس خلاص كل انكشف و بان...كل كلامك كان كدب... تمثيلية متفق عليها انت و صاحبك
قاطعها بينما يشدد من احتضانه لها.
= تبقي غبية لو ده تفكيرك و مفهمتيش لحد دلوقتى انتي بالنسبالي ايه....
اتسعت شفتيها بابتسامة ساخرة و هى تنظر الى عينيه.
= لا طبعا عارفة..
لتكمل هامسة بصوت بارد يعاكس النيران و الألام التي تمزق قلبها.
= واحدة شمال....
زمجر راجح بقسوة و هو يقرب وجهه من و جهها حتي اصبح لا يفصل بينهم سوا بوصة واحدة مسلطا عينيه بعينيها.
= عمرى ما فكرت فيكي كدة....انتى مراتى
هزت صدفة رأسها هامسة بصوت مرتعش وقد امتلئت عينيها بالدموع التى لم تستطع حجبها.
= طيب نسأل توفيق صاحبك...
احاط كف يده بجانب وجهها بينما يده الاخري التي حول خصرها تجذبها نحوه اكثر حتي اصبحوا ملتصقين كجسد واحد.
همس بالقرب من شفتيها وعينيه التي تنطلق منها الشرار مسلطة داخل عينيها المرتسم بها الالم بوضوح.
= توفيق ده عيل و سـ.ـخ و عليا النعمة لهخليه يدفع تمن كلامه ده...
دفعته صدفة في صدره بقسوة محررة نفسها من بين ذراعيه.
= و انت مين هيدفعك تمن اللي عملته فيا.....
لتكمل وهي تنحنى تختطف طرحتها التي سقطت بوقت سابق علي الارض.
= انا هروح اقعد عند ام محمد... و ورقتي توصلي على هناك.....
هتف راجح الذى وصل غضبه الي الحافة فور سماعه كلماتها تلك.
= ما تبطلى جنان بقي و اعقلى.... علشان افهمك اللى حصل...
همت صدفة بالرد عليه لكن قاطعها صوت صراخ حاد لأمرأة تستغيث يأتى من الشارع لذا ركضت صدفة الى شرفة المنزل حتى ترى ما يحدث لكنها ضربت بيدها فوق صدرها و هى تهتف بفزع فور رؤيتها لأشجان ساقطة علي الارض بالشارع و امرأتين ذو مظهر مرعب ينهالان عليها بالضرب المبرح.
= يا نهار اسود....
رفعت اشجان رأسها للاعلى و فور رؤيتها لهم صرخت باكية.
= الحقني يا راجح باشا... الحقني
التفت صدفة حولها و هى لا تفهم ما يحدث لتجد راجح يقف بجانبها بالشرفة يتابع ما يحدث و هو يدخن سيجارة بيده بهدوء دون ان يعير ما يحدث اهتماما.
امسكت صدفة ذراعه مغمعمة باضطراب.
= هو ايه اللي بيحصل بالظبط...
اداراه راجح بهدوء نحو الشرفة مرة أخرى.
"اتفرجي وملي عينك الأول."
قاطع حديثه صوت جرس الباب مما جعله يلتفت ويخرج لكي يفتحه، بينما ظلت صدفة تشاهد ما يحدث لأشجان بصدمة، لكنها لا تنكر أنها لم تشعر بالعطف نحوها، بل على العكس كانت تشعر بالشماتة.
قطبت حاجبيها عندما سمعت صوت ضجيج يأتي من داخل الشقة، خرجت من الشرفة لتجد عابد بوجهه الغاضب يقف ببهو الشقة أمام راجح.
يهتف بقسوة وهو يشير بإصبعه للأسفل:
"انزل فض الليلة اللي تحت دي، إحنا كفاية فضايح."
أجابه راجح بهدوء بينما يعقد ذراعيه فوق صدره:
"وفضيحة لينا ليه؟ واحدة ستات وبتتخانق مع بعض، إحنا مالنا."
قاطعه عابد بقسوة وقد احتقن وجهه بغضب عاصف:
"مالنا إيه؟ مش ده النسب اللي يعر اللي ست الحسن والجمال مراتك جاية من بيتهم."
قاطعه راجح مزمجراً بشراسة:
"مالكش دعوة بمراتي، خرجها برا الليلة."
ضرب عابد بعصاه الأرض بقسوة وهو يغمغم بازدراء واضح:
"أخرجها ليه من الليلة؟ دي هي أساس القرف اللي إحنا فيه."
ليكمل وعيناه تلمعان بالقسوة:
"وكل شوية مراتي، مراتي يا أخي دوشتنا، لتكون فاكر إني مصدق الفيلم اللي أنت عامله ده؟ أنا عارف كويس إنك مستمر في الجوازة دي بس عشان تعاند معايا، وفي نفس الوقت البت حلوة، قلت تتمتع نفسك يومين بيها بعدين ترميها."
اهتز جسد صدفة بعنف وانسحبت أنفاسها من داخل صدرها، كما لو المكان يطبق جدرانه من حولها، فاقدة قدرتها على التنفس من شدة الضغط الذي قبض على صدرها والذي هدد بسحق قلبها.
فقد كانت كلماته تلك ليست سوى تأكيد لكلمات توفيق. لم تتحمل سماع إهانتها أكثر من ذلك، لذا انسحبت بهدوء وغادرت المنزل دون أن يشعر بها أحد، لكن فور وصولها للدرج سمعت صوت راجح الغاضب يدوي في أرجاء المكان، لكنها لم تتوقف حتى تستمع لرده على والده.
وما أن وصلت للشارع رأت أشجان لازالت ملقية على الأرض والنساء تنهال عليها ضرباً. اقتربت منهم ببطء، وفور أن رأتها أشجان هتفت باكية مستنجدة بها كما لو كانت طوق نجاتها:
"الحقيني، الحقيني يا صدفة."
وقفت صدفة تتطلع إليها بصمت عدة لحظات، وكل ما فعلته بها أشجان منذ أن كانت لازالت طفلة يمر أمام عينيها كشريط سام من الذكريات المؤلمة.
تراجعت للخلف باصقة عليها وهي ترمقها بازدراء وغضب، قبل أن تلتف وتكمل طريقها نحو منزل أم محمد بجسد منهك وقلب يؤلم كالجحيم بداخلها.
وما انتهت النساء من أشجان، أمسكت إحدى النساء بشعرها تجذبه بعنف مرجعة رأسها للخلف وهي تهمس بجانب أذنها كالفحيح بأذنها:
"راجح باشا الراوي بعتلك السلام وبيقولك ده رد الواجب بتاع امبارح."
ثم دفعت رأسها للخلف بقوة مما جعله يصطدم بالأرض، لتنفجر أشجان في بكاء وصراخ هستيري.
في ذات الوقت...
هتف عابد وعيناه تلمعان بالقسوة:
"مراتك، مرتك يا أخي دوشتني، لتكون مصدق إني مصدق الفيلم اللي أنت عامله ده؟ أنا عارف كويس إنك مستمر في الجوازة دي بس عشان تعاند معايا، وفي نفس الوقت البت حلوة، قلت تتمتع نفسك يومين بيها بعدين ترميها."
اندفع راجح نحوه وغضب عاصف يحترق بداخله، لو أطلق العنان له لأحرق الأخضر واليابس ولا يترك خلفه سوى الدمار والموت، لكنه توقف على بعد خطوة منه وقد نجح بالسيطرة على أعصابه بآخر نفس قبل أن يرتكب شيئاً قد يندم عليه. زمجر ببطء من بين أسنانه المطبقة بقسوة:
"قلتلك قبل كده جوازي من صدفة مش فيلم، ومش هطلقها لا دلوقتي ولا بعد سنة ولا 100 سنة قدام."
قاطعه عابد بسخرية لاذعة:
"والله عال، يعني ناوي تخلي حتة البت الجربة دي تبقى أم عيالك على كده."
ليكمل وهو غافل عن الغضب الأسود المرتسم بعيني راجح:
"فكر بعقلك وبطل العند اللي أنت فيه، وده هيضيعك. دي آخرها يومين، شهرين، تشبع منها وترمي لها قرشين في النهاية وتطلقها، ولو على الفلوس هدفعها لك أنا، بس طلقها وخلصنا."
أغمض راجح عينيه بقوة معتصراً قبضتيه وقد تسارعت أنفاسه واحتدت بشدة وهو يحاول التحكم في غضبه، لكنه فتح عينيه شاعرًا بالبرودة تجتاحه فور تذكره صدفة المتواجدة بالشرفة والتي قد تكون سمعت كلمات والده تلك، مما سيتسبب في تأكيد ما سمعته من قبل. تطلع بقلق نحو الشرفة لكنه لم يجدها واقفة، فيبدو أنها لازالت بالداخل تشاهد ما يحدث لأشجان بالأسفل. استدار إلى والده مغمغمًا بصرامة تتخللها الحدة والغضب:
"أنا مش بعاند معاك ولا مع غيرك، صدفة مراتي لأني عايزها تبقى مراتي، وإها لو ربنا أراد بإذن الله في يوم هيبقى لنا عيال."
ضرب عابد الأرض بعصاه عدة مرات وهو يكمل بشراسة غافلاً عن الصراع الدائر بداخل راجح:
"عليا النعمة يا راجح لو ما طلقتها لأكون دبحها قدام عينيك."
لم يشعر راجح بنفسه إلا وهو يندفع نحوه يقبض على عنق عباءته وقد ارتسمت معالم الوحشية على وجهه:
"تدبح مين؟ ده أنا كنت أقلبها لك مجزرة."
ركز عابد نظراته المتسعة بالصدمة على يد راجح التي كانت تقبض على عنق عباءته وهو لا يصدق أنه تجرأ وفعل به ذلك. أخفض راجح نظره إلى يده شاعرًا بالصدمة هو الآخر مما فعله، أسرع بنزع يده متراجعًا للخلف باضطراب:
"بتمد إيدك عليا يا راجح؟"
ليكمل عابد بقسوة صارخًا بغل وغضب:
"بتمد إيدك عليا يا ابن مأمون، ده رد الجميل بعد ما لميتك من الشارع وربيتك، بتمد إيدك عليا."
ظل راجح يتطلع إليه بصمت وهو يشعر بالارتباك مما فعله، ليكمل عابد بقسوة وهو يرمقه بازدراء وحدّة:
"أقول إيه، ما أنت نجس وقليل الأصل زي اللي جابك."
قاطعه راجح بشراسة هاتفا بصوت حاد لاذع:
"أنا لا نجس ولا قليل الأصل."
ليكمل بعنف مكبوت وهو يقترب منه حتى وقف أمامه مباشرة وتعبيرات وحشية على وجهه:
"أنا اللي شلتك طول السنين اللي فاتت، أنا اللي فضلت خدام تحت رجلك أنفذ كل اللي بتقوله ومكسرش كلمتي أبدا حتى لو كلمتك دي كانت غلط."
غرز إصبعه في صدره وهو يكمل:
"أنا اللي حولت محلك الصغير اللي ما كانش بيدخلك في اليوم 50 جنيه لـ 7 محلات كبار بوكالة طويلة عريضة يحلف بها الكل."
زمجر عابد بقسوة وقد أرعبه ما قاله، فراجح بحياته لم يذكر أبدًا أنه من صنع كل هذا:
"بتذلني، بتذلني يا راجح."
هتف راجح مقاطعًا إياه بحدة:
"أنا مبذلكش، ولا بأذل غيرك."
ليكمل وهو يضرب بقسوة على صدره:
"بس أنا تعبت، ده أنا لو جبل كنت وقعت. إيه مستكتر عليا؟ مستكتر عليا إنك تشوف إن ليا بيت ومرتاح مع مراتي؟ كل يوم إهانة وقلة قيمة، بس لا أنا معتش هستحمل كده ولا هقبل حد يهين مراتي تاني."
زمجر مقتربًا منه وعيناه مسلطة بعينيه التي تشع غضبًا وقسوة:
"فاهمني يا حاج عابد."
وقف عابد يتطلع إليه بحدة عدة لحظات قبل أن يهز رأسه ببطء واضعًا طرف عباءته حول عنقه وينصرف، مغادرًا بخطوات تشتعل بالغضب.
ظل راجح واقفًا بمكانه عدة لحظات وهو يصارع ما بداخله من ألم وغضب، قبل أن يفرك وجهه ويلتفت إلى داخل الشرفة حتى يرى صدفة ويوضح لها سوء الفهم الذي بينهم، فقد كان يشعر أنه يحتاجها الآن أكثر من أي وقت مضى.
لكنه صدم عندما وجد الشرفة خالية، مما جعله يندفع ويبحث عنها بأرجاء المنزل الذي وجده هو الآخر فارغًا. انهار جالسًا بقلب مثقل ووجه شاحب كشحوب الأموات فور إدراكه أنها قد غادرت المنزل، وبالتأكيد قد سمعت كلمات والده القاسية بحقها والتي لا تختلف تمامًا عن كلمات توفيق.
دفن وجهه بين يديه وهو لا يعلم كيف سيقنعها الآن بأنه لا يفكر بها بهذا الشكل الشنيع، وكل من حوله يؤكدون عكس ذلك.
بعد مرور ساعتين...
كان راجح في طريقه إلى منزل أم محمد حتى يقوم بإرجاع صدفة للمنزل، فقد تركها لتهدأ بعض الوقت وتخرج ما بقلبها لصديقتها. يعلم أن الأمر كثير عليها لتتحمله، لكنها تفهم الأمر خطأ، فهو لا يمكنه أن يراها رخيصة أو امرأة سيئة كما قالوا، حتى عندما اتهمته كذبًا لم يفكر بها هكذا أبدًا.
تبطأت خطواته عندما رأى توفيق الجالس على القهوة، والذي ما أن رآه يتقدم نحوه نهض مسرعًا هاتفا بصخب وهو يفتح ذراعيه على اتساعهما وهو يبتسم:
"صباحية مباركة يا عريس."
ليكمل وهو يتجه نحوه غامزًا بعينه:
"شوفت لما سمعت كلامي وعملت اللي..."
ولكن لم ينهي جملته إلا ولكمه راجح بقوة في وجهه مما جعله يترنح للخلف بقوة. فتح فمه لكي يتكلم لكن لم يتح له راجح الفرصة، حيث أخذ يسدد له اللكمات المتفرقة بوجهه وأنحاء جسده.
فقد كان راجح كالإعصار الذي سيبتلع ويدمر كل شيء بسبب غضبه، ضربه بكل قوته، فهو من تسبب بكل هذا بكلماته الحمقاء.
هتف توفيق وهو ينحني على نفسه يلهث بألم:
"إيه يا راجح، بتضرب ليه يا جدع."
أمسك راجح بمؤخرة عنقه يضغط عليها بقوة مزمجرًا بصوت منخفض حتى لا يسمعه الناس الذين تجمعوا من حولهم:
"قسمًا بالله، لو لسانك ده جاب سيرة مراتي تاني لهولع فيك حي، وأنت عارف كويس إني مبحلفش كدب. أنا مراتي أشرف من أي واحدة في الحارة دي كلها."
شحب وجه توفيق فور سماعه كلماته تلك، فتح فمه بصعوبة هامسًا:
"والله يا راجح مكنتش..."
دفعه راجح للخلف مما جعله يسقط بقوة على الأرض المتربة هاتفا بشراسة:
"خلص الكلام، وما تتكلمش تاني."
ثم تركه ملقيًا على الأرض وأكمل طريقه نحو منزل أم محمد.
بمنزل أم محمد...
كانت أم محمد مستلقية على الفراش تحتضن صدفة التي كانت غارقة بالنوم، لكنها رغم ذلك كانت تصدر تنهدات باكية أثناء نومها، مما جعل أم محمد تربت على ظهرها مقبلة رأسها بحنان محاولة تطمينها.
وهي تشعر بالحزن والأسف عليها، فقد أمضت صدفة الساعات الماضية في البكاء الهستيري وهي لا تردد سوى أنها ليست رخيصة، كما لو أصابتها حالة من الهذيان، لذا ظلت تحتضنها محاولة احتوائها حتى سقطت بالنوم بين ذراعيها.
صدح رنين جرس الباب مما جعلها تنهض ببطء من جانبها حتى لا توقظها، معدلة من وضع الغطاء حول جسدها.
فتحت الباب متوقعة أنه ابنها محمد الذي عاد من درسه الخاص به، لكنها صدمت عندما رأت راجح الراوي يقف أمامها، والذي ما أن فتحت الباب دلف إلى الداخل مغمغمًا بلهفة واضحة:
"فين صدفة؟"
أجابته أم محمد باضطراب وقد أربكها حضوره إلى منزلها:
"نايمة... نايمة في أوضة محمد جوه."
ضيق عينيه عليها بغضب محدقًا بها بقسوة هامسًا بصوت مخيف مظلم:
"نعم، في أوضة مين؟"
أسرعت أم محمد مغمغمة بارتباك وخوف:
"لا، لا ما هو محمد في الدرس مش هنا."
لتكمل وهي تحاول التوضيح له:
"بعدين يا راجح باشا محمد ده عيل ويعتبر أخو صدفة الصغير."
قاطعها راجح بحدة:
"عيل إيه يا أم محمد، ده شحط في تانية ثانوي."
ليكمل وعيناه تدوران بين الغرف.
= هي في أي أوضة؟
أشارت أم محمد إلى إحدى الغرف وهي تغمغم بتردد.
= اللي هناك دي بس ا...
اتجه راجح نحو الغرفة على الفور دون أن ينتظر سماع باقي جملتها، وهو يشعر بقلبه يعصف بداخله.
فتح الباب ودلف إلى الغرفة، مغلقًا الباب خلفه برفق. اقترب من تلك الغارقة بالنوم، تغطي كامل جسدها ووجهها بالغطاء. جلس على عقبيه على الأرض بجانب الفراش، مزيحًا برفق الغطاء عن وجهها.
ليشعر بقبضة حادة تعتصر قلبه فور أن رأى أثر الدموع على وجنتيها الشاحبتين وتغضن حاجبيها بعدم راحة، كما لو كانت ترى حلمًا سيئًا.
شعر بالذنب يجتاحه، فبدلاً أن يجعلها سعيدة، وبعد أن وثقت به وسلمت نفسها إليه، جعلها تبكي وتتألم حتى في نومها.
انحنى عليها، موزّعًا قبلات خفيفة على وجنتيها وعينيها، وهو يقسم بداخله أنه سيعوضها عن كل هذا، فهي زوجته وحبيبته.
وقريبًا سيجعلها والدة أطفاله.
شعر بقلبه يخفق بقوة وسعادة تجتاحه فور تخيله لطفلة تشبه صدفة بشعرها الأسود ووجنتيها الممتلئتين وبشرتها الكريمية البيضاء.
رفع يدها طابعًا قبلة عميقة براحتها، قبل أن يهمس بالقرب من أذنها باسمها بلطف، محاولًا إيقاظها وهو يزيح شعرها المتناثر على وجهها إلى الخلف.
فتحت عينيها ببطء، ليرى الألم المرتسم بداخلها، مما جعله يرغب بسحق توفيق، الذي لو كان أمامه الآن لكان قام بقتله في الحال.
أخذت تتطلع إليه عدة لحظات بتشوش، لكنها حين تذكرت ما حدث، انتفضت مبتعدة عنه، هاتفة بصوت متحشرج من أثر البكاء والنوم:
= بتعمل إيه هنا؟
أجابها بينما ينهض واقفًا على قدميه:
= جاي آخدك، عشان ترجعي على بيتك.
هزت رأسها بقوة، هامسة بصوت مختنق:
= ده مش بيتي، ده بيتك انت.
جلس بجانبها على الفراش، ممسكًا بيدها بين يديه:
= لأ بيتك، وكل قشاية فيه بتاعتك.
نزعت يدها من بين يده بحدة، هاتفة بإصرار وغضب:
= مش بيتي، ومش هرجع معاك يا راجح، وكفاية اللي حصل لحد كده.
قاطعها راجح وهو يعاود الإمساك بيدها:
= كل اللي هقدر أقولهولك دلوقتي إنك فهمتي الموضوع، ولما نروح بيتنا وتهدي هحكيلك على كل حاجة حصلت، لأن الموضوع مينفعش نتكلم فيه في بيت غريب.
هزت رأسها وقد أصبحت عيناها ضبابية من الدموع، وكلمات كلا من عباد وتوفيق تتردد بأذنها كما لو كانت خناجر تمزق قلبها:
= مفيش حاجة فهمتها غلط، امشي وسيبني في حالي بقى الله يرضي عليك.
استقام واقفًا، ممسكًا بذراعها يجذبها برفق منه، قائلاً:
= طيب قومي يا صدفة يلا، ربنا يهديكي.
نفضت بعيدًا يده الممسكة بذراعها، هاتفة بغضب:
= قولتلك مش هروح معاك في حتة.
زفر بحنق، قبل أن يقترب منها قائلاً بنبرة خطرة:
= قدامك حاجة من الاتنين، لا تقومى معايا يا بنت الناس ونروح بيتنا، لأما قسماً بالله هقعد معاكي هنا.
أخذت صدفة تتطلع إليه بصمت دون أن تعير لتهديده هذا اهتمامًا، كأنها لا تصدقه، مما جعله يغمغم بجدية:
= مش مصدقاني.
ليكمل وهو يستلقي براحة على الفراش بجانبها، أسفل نظراتها المنصدمة:
= طيب.
هتفت بصدمة، دافعة إياه بذراعها محاولة جعله ينهض من فوق الفراش:
= تقعد فين؟ قوم يا راجح ميصحش كده، الناس معندهاش غير أوضتين، أوضة بينام فيها ندى وأم محمد، والأوضة التانية بينام فيها محمد.
عقد حاجبيه قائلاً وهو يستند على مرفقه مقتربًا منها:
= أومال كنت ناوية تنامي فين؟
أجابته مشيرة إلى الخارج:
= هنام في الصالة برا.
انتفض جالسًا فور سماعه كلماتها تلك، هاتفا بقسوة، قد تسارعت أنفاسه واحتدت بشدة:
= آها، ومحمد بقى طول الليل طالع يشرب، لا ياكل، لا داخل الحمام، وأنتي نايمة قدامه.
أجابته صدفة بارتباك، وقد أرعبها التعبير المرتسم على وجهه:
= وفيها إيه؟ محمد ده أخويا الصغير.
انتفض ناهضًا على قدميه، ممسكًا بيدها يجذبها وهو يزمجر بوحشية، ونيران الغيرة تتأكله من الداخل:
= طيب قوميلي يلا كده، بدل ما أتجنن عليكي وأصور جريمة هنا.
نهضت على قدميها، جاذبة يدها بحدة منه، هاتفة بصوت مرتجف مختنق، بينما تقاوم حتى لا تنهار أمامه:
= قولتلك مش هاجي معاك في حتة، وياريت تمشي بقى، إحنا اللي بينا خلص وكفاية لحد كده.
اقترب منها ممسكًا برفق بمؤخرة عنقها، ليدفن وجهها في صدره، متناسيًا غضبه، هامسًا بصوت أجش وهو يحيط خصرها بذراعه:
= مفيش حاجة خلصت، إحنا لسه بنقول يا هادي.
ليكمل بجدية خطرة عندما قاومته ورفعت رأسها عن صدره، دافعة إياه بقوة رافضة لمسته:
= ها، هاتيجى معايا البيت، ولا نقعد هنا؟
أخذت تتطلع إليه بصمت عدة لحظات، وهي تفكر بأنه قادر على تنفيذ تهديده هذا، وهي لا ترغب بافتعال مشكلة بين صديقتها وزوجها، الذي إذا علم بأن رجل غريب قد قضى الليل بمنزله، فهي تعلم جيدًا مصلح زوج أم محمد ذو العقل المريض.
لذا ستوافق على الذهاب معه، وبالليل ستعود إلى هنا مرة أخرى، لكن هذه المرة ستحذر أم محمد بألا تفتح له الباب إذا عاود القدوم مرة أخرى.
أومأت برأسها، هامسة بضعف:
= هاجي معاك.
زفر راجح براحة فور سماعه كلماتها تلك، قبل أعلى رأسها بحنان، لكنها أرجعت رأسها للخلف رافضة، مما جعله يتنحنح وهو يخبر نفسه بأن يتحمل حتى يذهبوا للمنزل، وهناك سيحلوا كل شيء.
في إحدى المنازل بشبه منطقة نائية.
كانت أشجان جالسة على الفراش تدلك قدميها وذراعيها المتورمين والممتلئين بالخدوش والكدمات.
= آها ياني، آها بقى أنا أشجان يتعمل فيا ده كله.
لتكمل بحدة وهي تلتفت للرجل الجالس بجوارها على الفراش:
= هتجبلي حق ولا لأ؟
ربت الرجل على ساقها برفق قائلاً:
= اهدى يا أشجان.
طلبتي إني أوديكي للدكتور وعملتلك اللي انتي عايزاه، برغم إنك عارفة إن علاقتنا مينفعش تطلع برا الشقة دي.
هتفت أشجان بحدة وهي تنزع يده من فوق ساقها:
= بقى هو ده كل اللي همك.
لتكمل وهي تنهض بتثاقل على قدميها التي تؤلمها لكي تقف أمامه:
= جرالي إيه يا عابد؟ كنت عايزني أفضل مرمية في الشارع بعد ما ابنك سلط النسوان يدغدغوا جثتي؟ بعدين كنت أعمل إيه؟ أشرف متكسر ومتلقح في البيت لا بيعرف يهش ولا ينش، ومتولي مخفي مسافر بورسعيد بيستلقط رزقه هناك.
زفر عابد وقد تجهم وجهه بغضب، مما جعلها تخفض صوتها هامسة ببكاء مصطنع:
= مش كفاية، وقفت تتفرج عليا وأنا بتضرب، ومهنش عليك تنزل تحوش عن شوشو حبيبتك.
أمسك عابد بذراعها مجلسًا إياها بجانبه، عاقدًا ذراعه حول كتفيها:
= أعمل إيه؟ لو نزلت وحوشت عنك، وقتها نعمات هتفقس اللي بينا، خصوصًا إنها مش بطيقك.
ليكمل ووجهه يتصلب بالغضب فور تذكره ما حدث بينه وبين راجح:
= بعدين ما أنا طلعت لراجح عشان ينزل يحوش عنك، ودبيت أنا وهو خناقة لرب السما، وسمعته كلام زي السم.
تغضن وجهه بغضب، وتلمعت عيناه بالقسوة، وهو يكمل بشرود:
= تخيلي لأول مرة في حياته يقف قصادي ويعلي صوته عليا، البت لحست دماغه وبقت مسيطرة عليه.
وضعت يدها فوق خده تدير وجهه إليها في محاولة منها لجذب انتباهه:
= يبقى لازم تخلص منها، وتحسره عليها، عشان يرجع تحت رجلك تاني.
أومأ عابد برأسه وهو ينظر بعينيها بتفكير:
= وده اللي هيحصل، بس في وقته.
قاطعته أشجان بحدة:
= يعني إيه في وقته؟ أنا عايزة حق الضرب اللي ضربته ده ييجي النهاردة، قبل بكرة.
زفر عابد بغضب، قبل أن يغمغم بحدة وهو يفرك وجهه:
= حاضر يا أشجان، حقك هاييجي النهاردة أو بكرة بالكتير ياستي، ارتحتي.
ابتسمت أشجان بفرح، قائلة وهي تعدل من ملابسها:
= طيب قوم يلا وصلني.
جذبها عابد من يدها لتصطدم بصدره:
= وإحنا لحقنا.
مررت يدها فوق صدره باغراء، متلاعبة بأزرار عبائته:
= لما حقي ييجي، عليا النعمة لأعيشك ليلة عمرك ما عشتها قبل كده.
لتكمل هامسة ببطء وهي تمط شفتيها:
= ولا حتى مع البت سحر.
شحب وجه عابد، مغمغمًا بارتباك فور سماعه كلماتها تلك:
= ها ها، سحر، سحر مين؟
أجابته وهي لا تزال تتلاعب بأزرار عبائته:
= سحر اللي فاتحة محل خردة في آخر الشارع، واللي انت على علاقة بيها بقالك شهر، ده قد بناتك يا راجل.
غمغم عابد باضطراب، وقد احمر وجهه فور إدراكه أنه تم كشف أمره:
=
استيقظت صدفة ترفرف بعينيها ببطء، وهي لا تزال لا تستوعب أين هي. لكن فور أن تذكرت، انتفضت جالسة، خاصة وأن خطتها للهرب قد خربت بسبب سقوطها في النوم. لكنها تنفست براحة فور أن وقعت عيناها على النافذة، لتجد أن الظلام لا يزال يسود بالخارج.
نهضت على قدميها تهم بالخروج من الغرفة، لكنها توقفت عندما انتبهت إلى راجح النائم بالفراش الذي يجاور فراشها. شعرت بالصدمة، فلما ينام هنا بذلك الفراش الصغير غير المريح ويترك فراشه الكبير الواسع.
لم تستطع المقاومة واتجهت نحوه، جالسة على عقبيها بجانب فراشه. أخذت تتشرب بعينيها ملامحه الوسيمة التي كانت يطغى عليها الرجولة والصرامة حتى أثناء نومه.
سدت غصة من الألم حلقها وهي تفكر، لما قام بخداعها؟ فقد كان أملها الوحيدة بهذه الحياة. لقد أحبته. أحبته كثيراً. كان يمكنها أن تضحي بنفسها من أجله.
لكنها لا تعلم ماذا فعلت بحياتها حتى تحصل على كل هذا الألم. فهي لم ترغب سوى ببداية جديدة معه، فلأول مرة بحياتها تشعر بالسعادة وأن لها حياة ومكان تنتمي إليه.
فهو الوحيد الذي كان يعاملها جيداً، ويغدقها بحنانه واهتمامه، لكن حتى هذا اتضح أنه كذب. فهي لم تكن بالنسبة إليه سوى امرأة رخيصة راهن صديقه عليها.
انفجرت باكية، لتسرع بوضع يدها فوق فمها مانعة شهقة كادت تفلت من بين شفتيها.
ظلت على حالتها تلك عدة لحظات قبل أن تستجمع شجاعتها وتنهض، وهي تمسح وجهها من الدموع العالقة به، لكنه غرق مرة أخرى بدموعها التي لم تتوقف عن الانسياب من عينيها.
اختطفت حجابها ووضعته على رأسها قبل أن تتجه إلى الباب وتغادر المنزل. فهي ستعود إلى منزل أم محمد، وسوف تمنعه من الدخول إلى هناك. وبعد أن يقوم بتطليقها سـ...
توقف عقلها عن التفكير إلى هذا الحد، فهي لا تعلم إلى أين ستذهب أو ماذا ستفعل إذا قام بتطليقها. لكن ما تعلمه أنها لا يمكنها الاستمرار معه بعد ما حدث.
فور وصولها إلى الشارع الساكن، شعرت برجفة من البرد تجتاحها، حيث كان الطقس بارداً للغاية، فهذا الوقت المتأخر من الليل.
أسرعت خطاها حتى تصل إلى منزل أم محمد الذي كان لا يبعد عن منزل راجح سوى عدة شوارع قليلة.
لكن زادت سرعة خطواتها أكثر عندما وصلت إلى منطقة تسودها الظلام الدامس.
لتشعر بقلبها يكاد يتوقف من الرعب عندما سمعت صوت خطوات ثقيلة خلفها، كما لو كان هناك من يتبعها. فلم تشعر بنفسها إلا وهي تركض بأقصى سرعة لديها، ودقات قلبها أخذت تزداد بعنف حتى ظنت بأن قلبها سيغادر جسدها من شدة الخوف عندما زادت سرعة الخطوات التي خلفها، كما لو كان هناك من يركض خلفها. ولم تمر ثوانٍ إلا وشعرت بيد قاسية تقبض عليها من الخلف، ويد أخرى وضعت فوق فمها تكتم صرختها الفازعة.
مادت الأرض تحت قدميها، وقد فرت من جسدها الدماء فور أن التفتت ورأت مهاجميها. فقد كانوا اثنين من الرجال ذوي أجساد ضخمة للغاية، لم تستطع رؤية وجوههم بسبب الظلام الذي يحيط بهم.
نزع الرجل يده عن فمها، وقبل أن تستطيع الصراخ وطلب المساعدة، وضع على فمها لازقاً قوياً يكتم صوتها.
وبرغم الرعب الذي يسيطر عليها، أخذت تقاوم الرجل الذي كان يمسك بها، تدفعه بقسوة في صدره، لكنه كان ضخماً للغاية، فلم تهتز به شيء.
قبض الرجل على عنقها وهو يصدر زمجرة شرسة أرسلت الرعب بداخلها، ويده تتشدد حول عنقها تعتصره بقوة. فأخذت تضربه فوق يده المحيطة بعنقها محاولة جعله أن يبتعد عنها ويفلتها، لكنه لم يتحرك من مكانه وظل يعتصره حتى شعرت بالاختناق وانعدام الهواء من حولها.
رفعت ساقها بصعوبة ضاربة إياه بين ساقيه، مما جعله يفلتها ويتراجع للخلف وهو يطلق سباباً عنيف. انتهزت الفرصة وحاولت الفرار رغم نفسها المنقطع المختنق.
لكن أسرع الرجل الآخر بالقبض على شعرها من أسفل طرحتها، يجذبه بقوة صافعاً إياها بقسوة على وجهها، مما جعلها تسقط وترتطم بالأرض بقوة، وهي تنفجر باكية مصدرة صوتاً صغيراً متألماً، شاعرة برأسها يدور من شدة قوة الصفعة.
لكنها رغم ذلك حاولت النهوض والهرب، لكن أسرع أحد الرجال بجذبها من ساقها قبل أن تستطيع النهوض على قدميها بالكامل.
وصفعها مرة أخرى بقوة أكبر.
ارتطم رأسها بالأرض، شاعرة بالدوار والألم يعصف بوجهها.
لكنها تناست ألمها هذا، منفجرة باكية بنحيب شبه هستيري فور أن رأت الرجلين يقتربان منها، وهي مستلقية على الأرض عاجزة بأنف نازف ووجه متورم.
ينحنيان عليها وعيونهما تلتمع بالظلام بشكل موحش.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الخامس عشر 15 - بقلم هدير نور
حاولت صدفة النهوض والهرب، لكن أحد الرجال أمسك بها من ساقها قبل أن تستطيع الوقوف بالكامل. صفعها مرة أخرى بقوة أكبر. ارتطم رأسها بالأرض، شعرت بالدوار والألم يعصف بوجهها.
لكنها تناست ألمها، انفجرت باكية بنحيب شبه هستيري فور أن رأت الرجلين يقتربان منها وهي مستلقية على الأرض عاجزة، بأنف نازف ووجه متورم.
ينحنيان عليها وعيونهما تلمع بالظلام بشكل موحش. تقدم منها أحدهما، لكن زميله أسرع بالإمساك بذراعه وشده للخلف هامساً بأذنه بصوت منخفض حتى لا يصل إلى مسمع تلك الملقية على الأرض بوجه شاحب وهي تنتحب لقوة:
= كفاية لحد كده.
استدار إليه الرجل الآخر، والذي كان يدعى مرزوق، فور سماعه ذلك يتطلع إليه بصدمة:
= كفاية إيه؟ طيب واتفاقنا مع عابد الراوي، إحنا متفقين معاه منسيبش في جسمها حتة سليمة.
شدد حسان على ذراعه وهو يجيبه بنفس الهمس:
= هو اتفق معانا نستنى تحت البيت لحد ما هو يخرج راجح الراوي الفجر من البيت بحجة الشغل، بعدها نطلع إحنا نستفرد بيها. وأهو هي اللي نزلت لنا برجليها، كفاية عليها الألمتين اللي خدتهم، ويلا بينا نمشي.
سخر مرزوق منه مرمقاً إياه بغضب:
= إيه حنية القلب اللي نزلت عليك دي فجأة؟ يا عم حسان، من إمتى؟
أجابه حسان بحدة وعيناه مسلطة على صدفة التي كانت تحاول النهوض مرة أخرى:
= مش حنية قلب، بس راجح الراوي خيره مغرقك قبل ما يكون يغرقني، وياما وقف معانا في زنقاتنا. والبت صدفة غلبانة، متستاهلش كل ده. أنا وافقت على اللي طلبه عابد الراوي عشان القرشين، وبيني وبينك خوفت أرفض يجيب حد غيرنا ويبهذلها.
زمجر مرزوق بصوت حاد أمراً صدفة التي كانت قد نهضت على قدميها، مغيراً من صوته حتى لا تتعرف عليه:
= لو اتحركت خطوة واحدة هفجر راسك بالمسدس اللي في إيدي.
تجمد جسد صدفة، دب الرعب بداخلها فور سماعها تهديده ذلك، مما جعل انتحابها يزداد بشدة، بينما كامل جسدها ينتفض بخوف وهي تشاهدهم يعاودان لتهامسهم سوياً:
= خلاص يا عم، ماشي. هنسيبها طيب، وهنقول إيه لعابد؟ إحنا يدوبك إدناها قلمين.
أجابه حسان بهدوء:
= نقوله ضربناها، بس وإحنا لسه بنزود العيار صرخت، فـاضطرّينا نهرب قبل ما حد يشوفنا.
أومأ مرزوق برأسه قائلاً بموافقة:
= ماشي، عشان خاطر راجح الراوي بس، وزي ما قولت، خيره علينا ومغرقنا.
وقفت صدفة تتطلع إلى هيئتهم في الظلام وهم يتهمسون، والخوف جعل جسدها يرتجف بقوة، وهي لا تدري ما يجب عليها فعله. فـإما أن تتحرك فيقتلونها، لكن الموت أرحم لها مما يريدون فعله بها. فسـتحاول الهرب وما يحدث يحدث. وما أن همت بالتحرك توقفت متجمدة مكانها، وهي متسعة العينين عندما رأتهم يستديرون ويتحركون مبتعدين عنها بالاتجاه الآخر من الطريق دون أن ينطقوا بحرف واحد لها.
تاركين إياها تقف تتطلع إلى أثرهم بصدمة، وهي لا تصدق أنهم تركوها وذهبوا هكذا دون أن يؤذوها.
ودون أن تفكر كثيراً، استدارت عائدة من الطريق الذي أتت منه، راكضة بأقصى سرعة لديها، وهي لا تفكر سوى بالعودة إلى راجح والاحتماء به، فليس لديها غيره بهذه الحياة لتختبئ به، حيث لم ترغب بهذه اللحظة سوى الارتماء بين ذراعيه والاختباء بحضنه.
ظلت تركض وهي تتلفت خلفها بين الحين والآخر، خائفة بأن يعودوا ويلحقوا بها مرة أخرى.
كان راجح نائماً عندما أيقظه صوت الطرقات الحادة على باب المنزل، مما جعله ينتفض جالساً بذعر وهو يهمس باسم صدفة، وقد انتقلت عيناه تلقائياً نحو الفراش الذي يجاوره بحثاً عنها ليجده فارغاً. انتفض واقفاً هاتفاً باسمها ظناً منه أنها ذهبت إلى الحمام.
لكنه انتبه إلى صوت الطرقات الحادة على باب المنزل ليدرك أن هذا الطرق ما أيقظه.
أسرع خارجاً من الغرفة بتعثر أثر النعاس الذي لا يزال يسيطر عليه، فتح باب المنزل مسرعاً، لكنه تراجع للخلف بصدمة عندما رأى صدفة تقف أمامه بملابس متسخة ممتلئة بالتراب، وهي تنتحب. لم تتح له الفرصة للتحدث، حيث ألقت بنفسها بين ذراعيه وهي تنتحب بشهقات باكية ممزقة، تعقد ذراعيها حول خصره، دافنة وجهها بصدره.
هتف راجح بصوت يتخلله الصدمة وهو لا يزال يستوعب ما يحدث:
= صدفة؟
ليكمل سريعاً بغضب، وقد أفاق من صدمة رؤيته لها تأتي من الخارج، مبعداً إياها بحدة عن صدره، وهو يتنبه إلى الظلام الذي لا يزال يسود الخارج. نظر إلى الساعة المعلقة بالحائط ليجدها تشير إلى الثلاثة والنصف:
= إنتي كنتِ بتنيلِ إيه برا في وقت زي ده؟
أجابته بتردد بصوت مختنق من بين شهقات بكائها:
= أصل... أصل...
قاطعه بحدة وهو يضغط بقوة على كتفيها:
= أصل إيه؟ ما تنطقي، إيه خرجك برا في وقت زي ده؟ وكنتِ بتنيلِ إيه؟
ليكمل هاتفاً بها بقسوة عندما ظلت تنظر إليه بصمت دون أن تجيبه:
= ما تنطقي.
انتفضت فازعة فور سماعها نبرته الحادة تلك، لتسرع مجيبة إياه هامسة بصوت مرتعش:
= كنت... كنت راحة بيت أم محمد.
صاح بها بحدة وقسوة بثت الرعب بداخلها، وقد اشتدت يديه التي تحيط كتفيها:
= نعم، راحة بيت أم محمد الساعة 3 الفجر!!
أخذت تتطلع إليه بأعين متسعة بالخوف والندم على حماقتها، فلم يكن يجب عليها الخروج من المنزل بهذا الوقت المتأخر من الليل.
أزاحت يديه القابضة على كتفيها بيد مرتجفة، متخذة خطوة للخلف هامسة بصوت مرتجف باكي:
= كنت عايزة أمشي، إنت اللي غصبتني أرجع معاك.
قاطعها بقسوة وهو يتجه نحوها بأعين تتقافز منها شرارات الغضب:
= غصبتك ترجعي، تقومِ تخرجي الشارع في وقت زي ده.
قفزت في مكانها فازعة عندما سمعته يكمل صارخاً بها بشراسة، انتفضت لها عروق عنقه:
= وقت الشارع كله مليان بالشمامين واللي بيضربوا حقن ومخدرات.
حاولت التحدث، لكن كان حلقها متشنجاً من شدة الخوف عندما رأته يتقدم نحوها بخطوات حادة غاضبة، مما جعلها تتخذ عدة خطوات للخلف بقدميها المرتجفتين عندما وجدته لا يزال يقترب منها، قابضاً على مرفقها. لكنها أخذت تتخبط بطريقة هستيرية حتى يفلتها من قبضته التي تحاصرها، لكن تشددت يديه حول ذراعها أكثر وهو يصرخ بها بشراسة أرسلت بداخلها هزات من الخوف:
= أعمل فيكي إيه؟ أنا زهقت... زهقت منك ومن عمايلك السودا.
دب الرعب بأوصالها فور سماعها كلماته تلك، فهي تعلم أنها أخطأت، لكن يأسها والألم الذي تشعر به هو السبب في جعلها تقدم على فعلتها الحمقاء تلك.
خرجت من شرودها هذا عندما اقترب منها، ماسحاً بإصبعه الدم الذي أسفل أنفها، وقد انتبه إليه بعد أن هدأ غضبه قليلاً، مزمجراً من بين أسنانه بصوت قاسٍ لاذع، وهو يطلق لعنة حادة كما لو كان لم ينتبه إليه إلا الآن:
= إيه اللي حصل لمناخيرك؟ وقعتي ولا اتخبطتي فيها؟
أجابته بصوت مرتجف وعيناها منخفضة بخوف من ردة فعله على ما ستقوله:
= وأنا... وأنا في الطريق طلع عليا اتنين رجالة.
توقفت، تبتلع بصعوبة الغصة التي تشكلت بحلقها عندما رأت النظرة القاسية التي ارتسمت بعينيه:
= و... و ضربوني.
تجمدت الدماء بعروق راجح فور سماعه كلماتها تلك، لتتسارع أنفاسه واحتدت بشدة، شاعراً كأن ستاراً أسود من الغضب أعمى عينيه.
مرر نظراته بلهفة على جسدها ووجهها بحثاً عن أي ضرر أو إصابة أخرى قد حدثت لها، قائلاً بصوت أجش يملؤه القلق عليها والغضب في نفس الوقت مما عرضت نفسها له:
= ضربوكي إزاي؟
ليكمل وهو يقترب منها متحسساً أنحاء جسدها بحثاً عن أي كدمة أو كسر بها، وعقله يصور له صوراً بشعة مما قد تكون تعرضت له، لتندلع نيران الغضب كالبركان العاصف داخل صدره:
= عملوا فيكي حاجة تانية؟ حد فيهم لمسك؟
هزت صدفة رأسها بالنفى، مغمغمة:
= لا... لا، هما ضربوني كذا قلم على وشي، بعدها سابوني وجروا. و مـ...
ابتلعت باقي جملتها بخوف عندما سمعته يطلق سباباً لاذعاً من بين أنفاسه المحتقنة، بينما تصلب وجهه بعنف وغضب عاصف، لو أطلق له العنان له لأحرق العالم بأكمله ولا يترك خلفه سوى الدمار والموت. غمغم من بين أسنانه المكبوتة بقسوة وعروق عنقه تتنافر:
= ضربوكي في شارع إيه؟
أجابته بصوت مرتجف لاهث:
= في آخر شارع مكارم النجار.
= شكلها إيه العيال دي؟
سألها بهدوء لم يخدعها، فقد كانت تعلم بأنه كالإعصار الثائر الذي سيبلع ما حوله. أجابته هامسة:
= الدنيا كانت ضلمة، بس هما كانوا طوال أوي وجسمهم ضخم ومليان.
أومأ برأسه بصمت، وهو ينحيها جانباً ويتجه نحو باب المنزل:
= راجح... رايح فين؟
لتكمل بذعر فور إدراكها أنه سوف يذهب للبحث عنهم:
= رايح فين؟ مشيوا.
اندفعت خلفه لخارج الشقة تلحق به، لكنه دفعها بحدة لداخل الشقة، مزمجراً بشراسة:
= لو رجلك خطت برا عتبة الشقة، عليا النعمة لأكسرهالك. فاهمة؟
= ادخلي جوا.
تراجعت صدفة للخلف بخوف تشاهده يندفع للخارج، مغلقاً باب الشقة خلفه بعنف اهتزت له أرجاء المكان.
بعد مرور نصف ساعة...
كانت صدفة جالسة على المقعد الذي بجوار باب الشقة، تضم يديها إلى صدرها الذي كان يعلو ويهبط بقوة، بينما تحاول التقاط أنفاسها اللاهثة بسبب خوفها على راجح، فقد ذهب غاضباً يبحث عن هؤلاء الرجال. ماذا لو عثر عليهم وقاموا بإيذائه؟
انتفضت واقفة فور أن فتح باب المنزل ودلف راجح إلى الداخل بوجه مكفهر غاضب. اتجهت إليه هاتفة بلهفة:
= لقيتهم؟
سدد إليها نظرة حادة قبل أن يتجاوزها ويدلف لداخل غرفة النوم دون أن يجيبها، لتتبعه صدفة مغمغمة بإصرار:
= ما ترد يا راجح، لقيتهم؟
أجابها بنفاذ صبر وهو يستدير إليها بأعين تتقافز منها شرارات الغضب:
= متزفتش لقيت حد.
ليكمل بقسوة وهو يعتصر قبضتي يديه بقوة والغضب يهز جسده بعنف بسبب عدم نجاحه في العثور عليهم، فقد دار بأنحاء الشوارع بحثاً عن رجال ضخام الهيئة كما وصفتهم له لكنه لم يجد أحداً. فالشوارع كانت فارغة بهذه الليلة الباردة.
"تلاقيهم عيالين شمامين لما شافوك افتكرك واحدة من اياهم... وحبوا يرخموا عليك."
هتفت صدفة بشراسة وهي تقف أمامه تنظر إليه بأعين عاصفة.
"واحدة من اياهم!! تقصد إيه... لا بقولك إيه أنا..."
قاطعها هاتفا بغضب اهتزت له أرجاء المكان.
"انتي تخرسي خالص.. ومسمعش صوتك.. ولا أسمعلك نفس."
ليكمل بصوت مخيف مظلم ونيران الغضب تلتهمه من الداخل كلما تصور ما كان سيحدث لها لو لم يدعها تذهب.
"أيوه واحدة من اياهم. قوللي مين واحدة محترمة هتنزل من بيتها وتمشي لوحدها في الشارع في ساعة زي دي..."
همست بصوت مختنق وهي على وشك البكاء.
زفر راجح بحدة فاركاً وجهه بعصبية محاولاً تهدئة غضبه هذا عندما رأى عينيها تلتمع بدموع حبيسة محتقنة بينما شفتيها قد بدأت بالارتجاف.
ليكمل لعنة حادة عندما دفنت وجهها بين يديها بينما حلقها ينقبض وهي تحاول كتم شهقات بكائها لكنها فلتت منها منكسرة.
اتجه نحوها على الفور يجذبها بين ذراعيه محتضناً إياها، دافناً وجهها بصدره. همست من بين شهقات بكائها وهي تشعر بالإهانة من كلماته الجارحة تلك.
"انت السبب.. انت اللي خليتني أنزل في الوقت المتأخر ده... لما غصبتني عليا أرجع معاك هنا..."
لتكمل بحدة وهي تنتفض مبتعدة من بين ذراعيه.
"ولما ضحكت عليا واتفقت مع صاحبك عليا..."
قاطعها راجح بقسوة وقد نفذ صبره هاتفا بغضب.
"أنا مضحكتش عليكي... وانتي مكنش زمانك في الشارع لو كنت اتنيلتي سمعتي اللي حصل.. من امبارح بحاول أحكيلك وانتي منشفة راسك وسدة ودانك بحجر..."
مسحت صدفة وجنتيها من الدموع العالقة بها بحركات حادة وهي تغمغم بانفعال.
"طيب اتفضل احكي..... اديني هسمعك..."
غمغم بحدة وهو يشير نحو الحمام وعينيه تمر على ملابسها المتسخة الممتلئة بالتراب.
"ادخلي استحمي وغيري هدومك المتربة دي الأول علشان الموضوع طويل...."
عقدت صدفة ذراعيها فوق صدرها قائلة بعناد.
"مش هستحمى ولا هغير حاجة... ولو مش عاجبك ا......"
قاطعها راجح واضعاً يده فوق فمها يكتم باقي كلماتها.
"اكتمي.. اسكتي واقفل البلاعة اللي انتي فتحاها دايماً دي."
ليكمل وهو يزيح يده من فوق فمها فور أن انتبه للدم الذي أسفل أنفها، ممسكاً بذقنها يرفع وجهها لأعلى.
"وريني كده مناخيرك حصلها حاجة..."
أخذ يمرر أصابعه فوق عظمة أنفها باحثاً عن أي كسر بها، لكن صدفة أرجعت وجهها للخلف بعيداً عن مجال يده مغمغمة بحدة.
"مفيش حاجة... ده مجرد نقطتين دم لما واحد منهم ضربني بالقلم جامد..."
زمجر راجح بشراسة وهو يعتصر قبضته بقوة ويضغط على فكه بقوة كادت أن تكسر أسنانه.
"يا ولاد الكلـ.ـب لو إيدي وقعت عليهم وديني ما هرحمهم..."
همست صدفة بتردد.
"راجح...."
استدار إليها هاتفا بحدة وعينيه تلتمع بالغضب العاصف الذي جعل جسدها ينتفض بخوف.
"قولتلك ادخلي استحمي وخلي ليلتك دي تعدي على خير، أنا على أخرى...."
هرعت صدفة على الفور نحو الخزانة تخرج ملابسها وهي تهمهم بارتباك وخوف.
"هتنيل أهو...."
أمسكت بملابسها ودلفت إلى الحمام مغلقة بابه بقوة كإعلان عن غضبها حتى تشوش على جبنها أمامه.
في وقت لاحق....
خرجت صدفة من الحمام بعد أن اغتسلت وارتدت ملابس النوم الخاصة بها، اتجهت نحو الفراش الذي كان راجح نصف مستلقي عليه يستند رأسه إلى ظهر الفراش بينما عينيه مسلطة عليها باهتمام وتركيز. جلست بجانبه بتردد لتتفاجأ به يضع أمامها صنية صغيرة بها طعام، أمراً إياها.
"كلي الأول... وبعدين نتكلم."
دفعت الصنية بعيداً قائلة برفض.
"مش جعانة..."
أعاد راجح الصنية أمامها قائلاً بحدة.
"لا هتاكلي انتي من امبارح ما أكلتيش حاجة...."
ليكمل وعينيه تمر ببطء على جسدها.
"بقالك فترة أصلاً مبتاكليش كويس لحد ما جسمك خس...."
عقدت صدفة ذراعيها فوق صدرها قائلة برضا.
"أحسن برضو.... أنا أصلاً عايزة أخس..."
قطعت جملتها مطلقة شهقة منخفضة عندما التفت يده حول خصرها جاذباً إياها نحوه.
"وأنا مش عايزك تخسي...."
ليكمل وهو يمرر عينيه التي كانت تلتمع بالشغف على جسدها.
"عجباني كده...."
ابتعدت عنه صدفة هاتفة بحدة.
"وانت مالك... أخس مخسش دي حاجة تخصني...."
جذبها راجح نحوه مرة أخرى مغمغماً بصرامة.
"قولتلك كلك على بعضك تخصيني...."
أنهى جملته دافناً وجهه بعنقها يقضمه بقوة مما جعلها تصرخ متألمة، ليقوم بتقبيل أثر قضمته تلك بلطف محاولاً التخفيف من ألمها مما جعلها تلهث استجابة.
رفع رأسه بعد عدة لحظات ليقرب وجهه من وجهها وعينيه مسلطة على شفتيها بجوع.
شاهدت صدفة برعب شفتيه تقترب من شفتيها ونيته مرتسمة بعينيه بوضوح مما جعلها تفعل أول شيء خطر على عقلها.
لتمد يدها وتمسك بإحدى الساندوتشات الموضوعة على الصينية وتقضم منه قضمة كبيرة للغاية ملئت فمها مما جعل راجح يتراجع إلى الخلف بعيداً عنها وهو يضحك بقوة على فعلتها تلك.
لكنه أسرع برسم الجدية على وجهه متنحنحاً وهو يسند رأسه إلى ظهر الفراش قائلاً بتهديد وهو يشير بإصبعه نحو الصينية.
"تخلصي كل الساندوتشات اللي قدامك دي وإلا........."
ليصمت وعينيه مسلطة على شفتيها بتهديد صريح لتفهم صدفة مقصده وتبدأ بتناول الطعام سريعاً.
ظل راجح يراقبها وفور أن انتهت من الطعام وضع الصينية أرضاً قبل أن يغمغم بهدوء.
"هحكيلك على كل حاجة حصلت بس عايزك تفهمي اللي حصل كويس ومتتسرعيش..."
أومأت برأسها بصمت بالموافقة ليبدأ بإخبارها ما حدث مع أشجان وما قالته بأنها قد سمعتها تتحدث مع رجل وعلمها بأنها كانت على علاقة برجل آخر وأنها اتهمته كذباً في المخزن حتى تلصق به فعلتها مع ذلك الرجل وترغمه على الزواج منها وتستر على فعلتها مع ذلك الرجل.
وسماع توفيق لحديث أشجان هذا وطلبه منه أن يتمم زواجه منها ويقوم بتطليقها بعدها. وأخبرها بمشاجرته معه وما فعله بأشجان وتسليك امرأتين عليها من أجل جعلها تدفع ثمن افتراءها الكاذب هذا.
ظلت صدفة تستمع إليه بصمت وقد تحول شحوب وجهها إلى لون رمادي كما لو كانت قد فقدت الحياة، غرزت أس
خلاص اهدى يا ضنايا.
اهدأ يولع عابد وسنين عابد، انت اللي مهم عندي.
تراجع راجح للخلف هامساً بصوت مختنق، وهو يشعر بأنه على وشك الانهيار ولا يرغب لوالدته أن تراه بحالته تلك.
= علشان خاطري ياما، سيبني لوحدي.
همست نعمات بتردد، غير راغبة بتركه وهو في حالته تلك.
= بس...
قاطعها وهو يهز رأسه.
= معلش ياما، سيبني... لوحدي.
وقفت تتطلع إليه عدة لحظات بتردد، وعيناها تلمع بالقلق عليه، قبل أن تومئ برأسها وتنفذ له ما يريده وتغادر.
انهار راجح جالساً على المقعد، يدفن وجهه بين يديه، بينما حلقه ينقبض وهو يحاول كتم نوبة البكاء المتصاعدة بداخله. فبحياته بأكملها لم يفعلها، ولن يفعلها الآن. لكن الأمر كان كثيراً عليه هذه المرة، فالجميع أصبحوا يضغطون عليه بقسوة يهدفون إلى تدمير حياته. وصدفة لم تسامحه حتى بعد أن أخبرها بما حدث، فكيف ستسامحه بعد أن سمعت كلمات والده السامة والآن والدته.
وقفت صدفة تشاهد راجح في حالته تلك، بأعين غائمة بالدموع، بينما قلبها يؤلمها عليه. حيث استيقظت على صوت شجاره مع والدته، وسمعت حديثه معها. لم تتحمل الوقوف صامتة هكذا ومشاهدته في حالته تلك، اتجهت نحوه جالسة على عقبيها أمامه، تعقد ذراعيها حول خصره. وما إن نزع راجح يديه عن وجهه يتطلع إليها بصدمة، دفنت وجهها بعنقه تقبله برفق وهي تضمه إليها بقوة، هامسة بصوت مرتعش.
= حقك عليا، أنا عارفة إني ضغطت عليك كتير.
أبعدها راجح عنه برفق، هامساً بارتباك وقد صدمته فعلتها تلك.
= لسه زعلانة مني؟
هزت صدفة رأسها بالنفي قائلة بصوت مختنق.
= امبارح أنا فهمت كل حاجة لما حكيتلي، بس الصدمة اللي خلتني أنام، والنهاردة صحيت وسمعت كلامك مع أمك.
لتكمل هامسة، هي تمرر يدها على خده بحنان.
= عندك حق، إحنا اللي مدمرين حياتنا كلام اللي حوالينا. كله بيحاول يأذينا ويدمر جوازنا. كلهم مستكترينك عليا. مستكترينك على صدفة بياعة الطعمية اللي متسواش.
أحاط راجح وجهها بيديه مقرباً وجهه منها، هامساً وهو ينظر إليها بأعين تلمع بالشغف.
= انتي تسوى الدنيا وما فيها يا صدفة، وانتِ اللي كتير عليا. مش أنا اللي كتير عليكي.
ليكمل وهو يرفع يدها إلى فمه يقبلها بحنان وشغف.
= كفاية جمالك وحنيتك. وطيبة قلبك. حتى جنانك.
ابتسمت بفرح، بينما بدأت الدموع تنساب من عينيها، مما جعله ينحني مقبلاً أنحاء وجهها، قبل أن يلتقط شفتيها في قبلة جائعة مشتاقة. ضاماً إياها إليه بقوة، وكامل جسده يرتجف باستجابة. عقدت ذراعيها حول عنقه تضمه إليها، مستجيبة إلى قبلته تلك بشغف، تبث بها مدى حبها وعشقها له.
فصل راجح قبلتهما لثوانٍ قليلة، حتى ينهض ويحملها بين ذراعيه، ليعاود التهام شفتيها مرة أخرى وهو يتجه بها نحو غرفة النوم الخاصة بهم.
***
بعد ثلاثة أيام.
كانت صدفة مستلقية بين ذراعي راجح بالفراش الخاص بهما، متنعمة بدفئه وحنانه. فقد أمضوا الأيام الماضية بين ذراعي بعضهما البعض، حيث لم يذهب راجح للعمل، فقد أخذ أسبوع إجازة، قائلاً بأنه حقه السنوي من الإجازات، والذي لأول مرة يستعمله. ورغم ذلك، اتصل به عابد وتشاجر معه بسبب تلك الإجازة، إلا أن راجح قد أصر على موقفه ولم يذهب للعمل، تاركاً الأمر له.
كان راجح يدفن وجهه بعنقها يقبله بشغف وحنان، مما جعلها تمرر يدها بشعره تتنعم بملمسه الحريري، هامسة باسمه.
همهم بصمت كإجابة، وهو لا يزال منشغلاً بتقبيلها.
= أنا جعانة.
رفع راجح رأسه عن عنقها، ينظر إليها بنظرة ممتلئة بالحنان، جعلت قلبها يرتجف بداخلها.
قبل جبينها بلطف، وهو يبعد عن وجهها شعرها المتناثر عن وجهها.
= عايزة تاكلي إيه يا مهلبية، وأنا أطلبه.
أمسكت بذراعه عندما انحنى والتقط هاتفه، حتى يطلب الطعام لهم مثل الأيام الماضية.
= لا، متطلبش أكل. أنا زهقت من أكل بره.
لتكمل وهي تنهض، عاقدة الشرشف حول جسدها العاري.
= أنا هقوم أعمل لنا أكل.
قبض على الشرشف يجذبها منها، قائلاً بحدة.
= انتي اتهبلتي ولا إيه، راحة فين وسايباني؟ تيجي تقعدي جنبي هنا متحركيش.
تشبثت صدفة بالغطاء خوفاً من أن يسقط من حول جسدها.
= الأكل مش هياخد مني ساعة واحدة.
قاطعها بصرامة لاذعة، وهو يجذب الشرشف بقوة.
= ولا 5 دقايق حتى.
تشبثت صدفة بالشرشف، وهي تحاول جذبه من بين يديه، وقد أرعبها فكرة أن يسقط من فوق جسدها العاري.
= أوعى يا راجح، سيب.
جذبها منه بقوة أكبر، لتسقط مرة أخرى على الفراش. استلقى فوقها محاصراً إياها أسفل جسده، قرب وجهه منها، هامساً بشغف، طابعاً قبلة خفيفة على خدها المحمر بالخجل.
= انتي لسه بتتكسفي مني؟
همست صدفة كاذبة، وهي تهز رأسها نافية.
= لا.
غمغم راجح بمكر، وعينيه مسلطة عليها بتركيز.
= متأكدة؟
أومأت برأسها بتأكيد، لكنها أطلقت صرخة عندما جذب الغطاء من حول جسدها، ضربته بصدره، هاتفة بحرج وغضب، وهي تحاول نزع الشرشف من بين يديه وتغطية جسدها به.
= ما تحترم نفسك يا راجح.
ضحك راجح فور سماعه كلماتها تلك.
= أحترم نفسي إيه، انتي هبلة، انتي مراتي.
ليكمل والرغبة تحترق في عمق عينيه الدخانية، التي كان يمررها على جسدها.
= ده أنا لو احترمت نفسي أبقى "راجل لامؤاخذة".
همست بخبث، بينما تبعد وجهه الذي كان يقترب من وجهها بتصميم.
= طيب وفيها إيه؟ هي اللامؤاخذة وحشة؟
أجابها راجح، بينما وجهه ينحني عليها وعينيه تضيق محدقاً بها.
= متستعبطيش.
أطلقت صدفة ضحكة رنانة، مما جعله يبتسم، وقلبه يدق بعنف داخل صدره، شاعراً بشعور من الراحة من رؤيتها تضحك فرحة بهذا الشكل. ضغط بشفتيه على شفتيها مقبلاً إياها بحرارة، بينما يديه تتلمس جسدها بشغف، بينما بادلته هي قبلته تلك بشغف أكبر، ليذوبا ببعضهما البعض، متناسيان تماماً الطعام أو أي شيء آخر من حولهما.
***
بعد مرور أسبوع.
كانت صدفة جالسة بجانب راجح على الأريكة بغرفة الاستقبال، تتناول من صحن الفشار الذي أمامهم، تدير عينيها بتململ، وهي تزفر بحنق. حيث كان راجح يشاهد كعادته عرض لعبة المصارعة على التلفاز. فمنذ أن انتهوا من تناول الغداء، وهو يجلس يشاهده، وكامل اهتمامه وتركيزه منصب عليه.
اقتربت منه تلتصق به، مسندة رأسها على كتفه، واضعة يدها على صدره، تمررها ببطء عليه، متلمسة عضلاته من فوق قميصه.
= رجوحتي.
همهم راجح يجيبها، بينما عينيه لازالت مسلطة على التلفاز، يتابع ما يحدث بحماس.
زادت صدفة من حركات يدها فوق صدره، هامسة بالقرب من أذنه بإغراء.
= مش يلا بينا بقي ننام.
استدار إليها راجح مبتسماً، مغمغماً بمرح، وهو يغمز لها بعينه.
= ننام برضه.
احمر وجه صدفة بشدة، مما جعله يضحك، طبع قبلة على رأسها، مشبكاً أصابع يديهما ببعضها البعض، وهو يجيبها.
= هخلص بس المصارعة، بعدين نقوم.
زفرت صدفة هاتفة بحنق، وهي تدير وجهه إليها.
= يعني من صبحية ربنا في الشغل، ولما تيجي تعقد تتفرجلي على المصارعة بتاعتك.
لتكمل بغيظ، وهي تضرب قبضتها بذراعها.
= عجبك إيه فيهم دول، جوز تيران بيضربوا في بعض.
استدار راجح يتطلع إليها بصدمة فور سماعه كلماتها تلك، مغمغماً وهو يضحك عليها.
= تيران؟
ليكمل وهو يستدير يتابع بلهفة التلفاز، عندما صرخ المعلق بشيء ما.
= دي رياضة يا صدفة، وما يفهمهاش ولا يلعبها غير الرجالة.
نهضت صدفة واقفة أمامه، قائلة بغضب، وهي تحاول جذب انتباهه لها.
= ليه إن شاء الله بقي، حد قالك إن الستات ناقصها رجل ولا إيد.
لتكمل بحدة، وهي تضع يدها بجانبيها، وهي تتطلع إليه بتحدي.
= طيب إيه رأيك بقي، هلعبها معاك وهغلبك كمان.
أزاحها راجح من أمامه، مجلساً إياها بجانبه مرة أخرى، وهو يغمغم بسخرية، بينما يعاود لمشاهدة التلفاز.
= اقعدي يا صدفة في جنب، مش ناقصة هبل.
نهضت واقفة أمامه، هاتفة باستياء، والغضب يشتعل بداخلها أكثر وأكثر من سخريته تلك.
= برضو هتلعب معايا.
زفر راجح بحنق، وهو يبعدها من أمامه، هاتفاً بحدة.
= يا بت اقعدي بقى وبطلي هبل، ده أنا لو زقيتك زقة هطيري.
لكنه ابتلع باقي جملته، مطلقاً لعنة حادة، عندما ضربته بقبضتها في ذراعه بقوة، وهي تطلع إليه بتحدي، مما جعله ينتفض واقفاً ليصبح بمواجهته.
= يعني انتي عايزة كده، طيب تمام.
تراجعت صدفة للخلف، وهي تمرر عينيها على جسده العضلي الضخم، لتبتلع ريقها بخوف.
غمغم راجح بسخرية فور رؤيته للخوف المرتسم بعينيها.
= إيه مالك خوفتي؟ مش كنتي عاملالي دكر دلوقتي.
استجمعت صدفة شجاعتها، واندفعت نحوه، تقفز فوقه، مقلدة إحدى حركات لاعبي المصارعين التي شاهدتهم يفعلونها، مما جعل وزنهم يختل، ويسقطوا على الأرض. هتف راجح بها بحدة، وهو يستدير ليجعلها أسفله، ممسكاً بيديها، يرفعها فوق رأسها.
= عايزة تلعبي مصارعة؟ طيب تمام.
ليكمل بغضب، وقبضته تتشدد حول يديها بقسوة مؤلمة.
= أوريكي بتتلعب إزاي.
صرخت صدفة، مطلقة أنين ألم مرتفع، عندما ازداد ضغط قبضته على يديها، مما جعله يخفف من قبضته حولها، مخففاً رأسه، دافناً بعنقها، يمرر شفتيه بشغف، مقبلاً حلقها وعنقها، صعوداً إلى أذنها، يهمس لها بصوت أجش مثير، ويديه تمر على جسدها.
= يا هبلة، اعقلي، هو في مهلبية برضه تلعب مصارعة.
شهقت صدفة باستجابة، بينما لمساته أخذت تزداد جرأة على جسدها، لكنه كتم شهقاتها تلك، عندما أخفض رأسه وقبض على شفتيها بين شفتيه، مقبلاً إياها بشغف وحرارة، مشدداً من ذراعيه حولها، ضاماً إياها إلى صدره، كما لو كان يرغب بدفنها بداخله.
فصل قبلتهما بعد عدة لحظات، ناهضاً على قدميه، وهو يحملها بين ذراعيه.
همست صدفة بخبث، وهي تشير نحو التلفاز.
= طيب والمصارعة بتاعتك.
طبع قبلة على شفتها، قائلاً.
= بقي عايزاني أسيب المهلبية، وأتفرج على المصارعة، ده أنا أبقى "راجل لامؤاخذة".
أطلقت صدفة ضحكة رنانة، دافنة وجهها بعنقه، مقبله جانب عنقه، حتى وصلت إلى أذنه، لتقبلها بخفة، ليزمجر راجح باستجابة، وهو يسرع خطواته نحو غرفة النوم، وقد أشعلت به حركتها تلك الاستجابة الحارة في سائر جسده.
***
بعد مرور يومين.
كانت صدفة جالسة على طاولة الطعام، تراقب بقلق راجح، الذي كان يتناول إفطاره حتى يذهب للعمل، لكنه كان يظهر عليه أعراض المرض، حيث كان يسعل بقوة ويرشح، ووجهه محتقن بشدة.
همست صدفة بقلق، وقلبها منقبض من رؤيتها له على حالته تلك.
= راجح، ما تخليك النهاردة. مش لازم تروح الشغل.
هز رأسه وهو يسعل بالمنديل الذي بيده.
= لا، لازم أروح، في بضاعة جاية النهاردة.
اقتربت منه تنوي تحسس جبهته حتى تتأكد من حرارته، لكنه نهض متراجعًا للخلف بعيدًا عنها واضعًا مسافة فاصلة بينهم.
= لا، ابعدي، لا تتعدي.
هتفت صدفة به وهي تقترب منه بتصميم.
= أتعدى من إيه يا راجح؟ أوعى، خليني أشوف حرارتك.
هتف بها بحدة وهو يتراجع مبتعدًا عنها.
= قولتلك متقربيش يا صدفة، متنرفزنيش بقى، أنا مش ناقص.
اقتربت بتصميم وقد تغلب قلقها عليه قائلة بحدة وهي تتجه نحوه.
= بلاش هبل يا راجح.
قاطعها هاتفا بغضب.
= يووه.
ليختطف هاتفه ومحفظته من فوق الطاولة قبل أن يخرج من المنزل غير سامحًا لها بالاقتراب منه.
في وقت لاحق من اليوم.
كانت صدفة جالسة بغرفة الاستقبال تحاول الاتصال براجح حتى تطمئن عليه، حيث كانت قلقة عليه للغاية بسبب مرضه.
فقد كان يجب أن يظل بالمنزل حتى تستطيع الاعتناء به.
فقد اتصل بها فور وصوله إلى الوكالة وطمأنها عليه، لكنها لم تطمئن، حيث بدا صوته أسوأ من قبل.
حاولت بعدها الاتصال به لكنه لم يجب عليها.
انتفضت صدفة فازعة من مكانها ملقية الهاتف من يدها فور سماعها صوت نعمات يأتي من الأسفل بشقتها تصرخ ببكاء هستيري وهي تردد.
= ابني، ابني.
ركضت صدفة مسرعة إلى الأسفل وقلبها يكاد يخرج من صدرها من شدة الخوف والفزع، وعقلها لا يردد سوى أن راجح قد أصابه شيء.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل السادس عشر 16 - بقلم هدير نور
انتفضت صدفة فازعة من مكانها ملقية الهاتف من يدها فور سماعها صوت نعمات يأتي من الأسفل بشقتها تصرخ ببكاء هستيري وهي تردد بانتحاب:
=ابني... ابني...
ركضت صدفة مسرعة إلى الأسفل وقلبها يكاد يخرج من صدرها من شدة الخوف والفزع، وعقلها لا يردد سوى أن راجح قد أصابه شيء.
لكنها تجمدت خطواتها عند آخر درجتين من الدرج، تضع يدها فوق قلبها الذي كان يضرب بصدرها بجنون، تتنفس براحة عندما رأت راجح يقف سالماً أمام شقة والدته.
لكن تشدّد جسدها بخوف مرة أخرى عندما سمعت والدته لا تزال تصرخ وصوت حاد لعابد يأتي من داخل شقته هاتفا لراجح:
=ما تقفش كده اتحرك امشي من هنا...
تراجع راجح للخلف عدة خطوات قائلا بحدة:
=يابا ما أنا بعيد عنكوا أهو، متخفش مش هعديكوا. بعدين أنا كنت طالع وانت اللي وقفتني، رغم إني متصل بيك وعارفك ومنبه عليك محدش يطلع لي فوق، وعشان أعرف إني مش رايح الشغل اليومين دول. يبقى لازمته إيه أسلوبك ده؟
تحول شحوب وجه صدفة إلى لون رمادي فور أن انتبهت إلى الكمامة التي كان يرتديها راجح، والتي ربطتها بكلماته السابقة، مما جعل الدماء تفر من عروقها. وقد هدد الضغط الذي قبض على صدرها بسحق قلبها، وانسابت الدموع بصمت على وجنتيها وهي تدرك أن راجح كان مصابًا بالكورونا.
صرخ عابد الذي كان يختبئ خلف بابه، بينما يحاول منع نعمات المنهارة التي كانت تصرخ بهستيرية محاولة الخروج إلى راجح:
=ما تغور يا أخي! شوف لك أي مصيبة اقعد فيها لحد ما البلوة اللي عندك دي تروح. إحنا ناقصين قرف...
شحب وجه راجح فور سماعه كلماته تلك، شاعرًا بألم يكاد يحطم روحه إلى شظايا، وهو يشعر بوحدة لم يشعر بها من قبل.
بينما اهتز جسد صدفة بعنف فور سماعها كلمات عابد المهينة تلك ومعاملته القاسية لراجح، أسرعت بهبوط الدرج وهي تمسح وجهها من الدموع العالقة به، هاتفة بحدة وغضب وهي تتجه نحو راجح:
=يشوف له مصيبة ليه؟ عنده شقته فوق...
لتكمل وهي تتجه نحو راجح الذي كان واقفًا يتطلع إليها بذهول، حيث لم يتوقع ظهورها. احتضنه بقوة مغمغمة بحظة وهي تزجر عابد بنظرات قاتلة:
=وعنده مراته اللي هتقعد تحت رجليه وتخدمه لحد ما يخف ويقوم بالسلامة...
ابتعد عنها راجح متراجعًا للخلف فور أن فاق من صدمته، هاتفا بها بحدة وهو يجعل بينهم مسافة واسعة:
=ابعدي يا صدفة... ومت `تقربيش.
هتف بها عابد بقسوة وغضب وهو يلوح بيده إلى الأعلى، بينما لا يزال يحبس نعمات بالداخل:
=طيب خديه يا اختي واطلعي، يكش تتعدي منه ونخلص منك ومن خلق...
قاطعه راجح بقسوة وغضب، وقد أصبحت نظراته عاصفة:
=بعيد الشر عليها، متدعيش عليها...
ليكمل بحدة وهو يتجه نحو الدرج:
=بعدين عايز إيه؟ عايزني أمشي من وشك؟ اديني همشي. وارحمني بقى.
ليسارع صاعدًا الدرج نحو شقتهم، تاركًا صدفة واقفة أمام شقة عابد الذي كان يختبئ خلف بابه الشبه مغلق.
هتفت به بحدة، بينما الدماء تغلي بعروقها بسبب معاملته السيئة لراجح، فلأول مرة بحياتها ترى أي والد يفعل ذلك بولده، خاصة عند مرضه بفيروس خطير كالكورونا:
=انت أب؟ انت انت راجل مفترى وظالم...
لتكمل من بين أسنانها بغضب وهي تتطلع إليه بنظرات ممتلئة بالاحتقار والازدراء:
=روح يا شيخ اللهي اللي فيه يجي فيك، ومتلاقيش كلب حتى يعبرك، ولا حتى يناولك بؤ مياه يا راجل جاحد يا مفترى...
صرخ عابد بها وكامل جسده يهتز بالغضب:
=بتدعي عليا يا بنت الكلب...
ليكمل بقسوة ويده تقبض بشدة على الباب كما لو كان يرغب بخنقها:
=لولا إني خايف تكوني اتعديتي منه، لكنت طلعت كسرت عضمك وعرفتك مقامك...
نفضت صدفة بيدها بلامبالاة قائلة بحدة:
=يا عم اتنيل بقى... ده انت ظالم.
ثم أسرعت بالصعود إلى شقتها حتى تلحق براجح، تاركة إياه يصرخ خلفها بكلمات قاسية من سباب ووعيد لها.
فور دخولها إلى الشقة اتجهت مباشرة إلى غرفة النوم، لكنها وجدت بابها مغلقًا. أخذت تدير مقبض الباب لتجده مغلقًا من الداخل، لتعلم أن راجح قد أغلقه.
ضربت الباب هاتفة بحدة وهي تقاوم غصة البكاء التي تسد حلقها:
=افتح يا راجح الباب...
أجابها راجح هاتفا من الداخل بحدة، برغم ضعف صوته بسبب مرضه:
=ادخلي يا صدفة أوضة الأطفال واقفي على عليكي. وأنا هنام هنا، زمان الأوضة بقت مليانة عدوى لأني كنت بنام فيها.
طرقت على الباب هاتفة بصوت حاد، برغم ارتجافه الواضح:
=طيب افتح يا راجح، افتح عشان خاطري. إحنا أصلاً كنا مع بعض الأيام اللي فاتت دي كلها، يعني زماني اتعديت...
شحب وجهه فور سماعه كلماتها تلك، لكنه أسرع بالقول وهو يحثها على الذهاب، فكل ما يرغب به هو الاطمئنان عليها وحمايتها:
=لا إن شاء الله مش هتكوني اتعديتي.
ليكمل هامسا بتعب، وقد بدأ المرض يسيطر عليه:
=يلا... يلا بقى يا حبيبتي ادخلي أوضة الأطفال، وأنا كده كده مش طالع من الأوضة. الحمام وكل حاجة هنا والأكل...
قطع كلماته عند سماعه صوت انتحابها من خلف الباب، لينهض بتثاقل وتعب من فوق الفراش ويتجه نحو الباب، يقف بعيدًا عنه بعدة خطوات:
=بتعيطي ليه يا صدفة دلوقتي...
أجابته من بين شهقات بكائها الممزقة:
=افتح الباب يا راجح عشان خاطري، أنا عايزة أبقى معاك...
تنفس بعمق محاولا السيطرة على أعصابه، فاكثر ما يحتاجه الآن هو أن تكون بين ذراعيه حتى تهدأ النيران التي تثور بداخله بسبب معاملة والده له، بالإضافة إلى مرضه هذا الذي لا يعلم إذا كان سيشفى منه أم سينهيه، كما أنهى الكثير من الناس.
عند هذه الفكرة شعر بغصة تخترق قلبه، فماذا ستفعل صدفة بدونه؟ فلن يرحمها أحد، خاصة والده.
تنفس بعمق قبل أن يغمغم بصوت جعله صارمًا، خاليًا من أي تعبير أو انفعال:
=ادخلي يا صدفة أوضتك يلا...
همست صدفة بكلمات متقطعة وهي تنتحب بشدة، ضاغطة بيدها على قلبها للتخفيف من الألم الذي يعصف بها.
=عشان خاطري... أنا خايفة عليك...
شعر راجح بقلبه يقصف داخل صدره بعنف، تمنى لو أنها أمامه حتى يأخذها بين ذراعيه ويطمئنها، لكن حتى هذا الآن أصبح من المستحيل.
=أنا هبقى كويس، متخفيش عليا. هيبقى زي دور برد وهيعدي.
ليكمل بصوت جعله مرحًا قدر الإمكان، محاولا التخفيف عنها:
=إيه؟ هنقضيها عياط ومش هتعملي لي حاجة آكلها طيب؟
مسحت صدفة عينيها بيديها المرتجفة سريعا:
=عايز تاكل إيه يا حبيبي وأنا أعملهولك...
لتكمل سريعا وهي تتذكر برأسها المأكولات التي قد تكون جيدة له في هذا الوقت من المرض:
=أعملك فراخ مسلوقة وليمون على الشوربة؟
قاطعها راجح من خلف الباب، وقد تذمرت معدته فور تخيله للطعام:
=لا... لا بطني مش هتتحمل كل ده، اعمليلي بس شوربة خضار.
ليكمل سريعا فور تذكره للأطباق الورقية ذات الاستعمال الواحد، والتي قد اشتراها فور علمه بمرضه، حتى لا تقوم صدفة بغسل الأطباق من خلفه وينتقل لها العدوى.
=صدفة في أطباق وكوبايات كنت جايبهم معايا وأنا جاي، هتلاقيهم في المطبخ، اعمليلي فيهم ومتستعمليش حاجة من اللي هنا.
غمغمت صدفة باضطراب وهي لا تفهم سبب رغبته تلك:
=طيب وليه؟ ما الأطباق هنا يا راجح.
قاطعها بهدوء وهو يعاود الاستلقاء على الفراش، حيث لم يعد قادرًا على الوقوف أكثر من ذلك:
=اعملي بس اللي بقولك عليه يا صدفة.
همهمت بالإيجاب قبل أن تذهب إلى المطبخ وتعد له الطعام، وقلبها مثقل بالحزن والخوف عليه، خوف وقلق لم تشعر بمثلهم من قبل، فراجح أصبح حياتها بلا الهواء الذي تتنفسه، لا يمكنها أن تتخيل حياتها من غيره.
أخذ الشيطان يذكرها بالأشخاص الذين توفوا في الحي بسبب هذا الوباء، مما جعل كامل جسدها يرتجف ونفسها ينسحب من داخل صدرها.
جلست على أرض المطبخ تدفن وجهها بين يديها، وقد تحولت دموعها إلى شهقات بكاء عالية ممزقة.
بعد عدة دقائق نجحت أخيرًا في استجماع نفسها والسيطرة على أعصابها، ونهضت تعد له الشوربة، ثم صنعت له زجاجة كبيرة من عصير البرتقال، وأثناء كل هذا كان لسانها لا يكف عن الدعاء والاستغفار.
***
فور أن انتهت ذهبت إلى غرفة راجح، طرقت الباب ليصل إليه صوته المتحشرج وتضعفه بسبب مرضه، مما جعل قلبها ينقبض بألم والدموع تعود إلى عينيها:
=راجح الأكل...
أجابها بهدوء، بينما ينهض بصعوبة من الفراش وهو يشعر بالضعف والمرض بكامل أنحاء جسده:
=حطيه عندك على الأرض وأنا هفتح أخده، وادخلي أوضتك يا صدفة.
غمغمت صدفة بتردد، فقد كانت ترغب برؤيته حتى تطمئن قلبها عليه.
=بس أنا...
قاطعها راجح بحدة وغضب:
=قسمًا بالله يا صدفة إن ما دخلتي الأوضة، ما أنا فاتح الباب ولا واكل ولا متنيل.
هتفت صدفة سريعا:
=لا خلاص... خلاص.
ثم اتجهت لداخل غرفة الأطفال التي كانت تواجه غرفة النوم، لكن دون أن تغلق بابها.
كانت تنظر بلهفة إلى باب غرفة النوم تنتظر فتحه، وفور أن فتح ورأته أمامها بوجهه الشاحب والكمامة التي يضعها فوق أنفه وفمه، انفجرت باكية.
فتح راجح الباب، والذي ما إن رأى أنها تركت باب غرفتها مفتوحًا، تراجع إلى الخلف داخل غرفته. كان يهم بتعنيفها، لكن فور أن رآها تبكي، تبخر غضبه هذا.
تنحنح محاولا تنظيف حلقه حتى يظهر صوته طبيعيًا، قائلا بلطف وهو يتراجع أكثر داخل الغرفة حتى يترك مسافة آمنة بينهم، برغم أنها بغرفة أخرى وتبعد عنه بعدة أمتار، نزع الكمامة عن وجهه حتى يظهر إليها أنه بخير:
=إيه يا مهلبية... هنقضيها عياط؟
مسحت وجهها بيديها المرتجفة وهي تهز رأسها:
=لا... لا مش بعيط أهو.
لتكمل وعيناها تمر عليه تتفحصه بلهفة:
=انت عامل إيه؟ وحاسس بإيه؟
ابتسم قائلا وهو يشير بيديه إلى كامل جسده:
=كويس... شوية برد وهيروحوا لحالهم، متخفيش.
اومأت برأسها بصمت بينما عينيها متعلقة على وجهه بقلق ولهفة.
صمت للحظة قبل أن يتابع بنبرة متحشرجة وهو ينظر إلى عينيها الممتلئة بالدموع محاولاً الاطمئنان عليها.
"كلتي...!"
هزت رأسها بارتباك قبل أن تغمغم:
"كاذبة حتى تطمئنه، فلم يكن لديها شهية للطعام."
"الأكل في المطبخ، هاكل أهو..."
أومأ برأسه قائلاً وهو يتذكر الأدوية التي جلبها من أجلها أثناء شرائه لكورس علاج الكورونا:
"في كيس على طاولة السفرة فيها فيتامينات، خدي منها بعد الأكل... دي عشان تقوي مناعتك... تاخديها بعد الأكل على طول... متنسيش يا صدفة."
اومأت برأسها بصمت بينما تأخذ نفساً طويلاً مرتجفاً، محاولة التماسك أمامه.
"أنا كويسة، المهم أنت متنساش تاخد أدويتك... وتاكل كويس، وأنا كل شوية هعملك حاجة سخنة تشربها..."
لتكمل سريعاً عندما فتح فمه لكي يعترض:
"هسيبهالك والله على الباب وهدخل الأوضة بتاعتي..."
غمغم راجح بصرامة مؤكداً عليها:
"و تقفلي الباب عليكي..."
همست بصوت مكتوم باكي وهي تومأ برأسها، وقد انسابت الدموع التي لم تعد تستطع حبسها بصمت على وجنتيها، لكنها أشاحت وجهها بعيداً حتى لا يراها.
"حاضر......"
زفر راجح بعنف فاركاً وجهه بعصبية. بينما أشاحت وجهها بعيداً، لكن ليس قبل أن يرى خطوط الدموع المتساقطة على خديها. أراد أكثر من أي شيء سحبها بين ذراعيه وتركها تبكي في حضنه. أراد تهدئتها وإراحتها واحتضانها حتى يهدئ من مخاوفها، لكن كيف ذلك وهو نفسه أصبح خطراً عليها. همس بعجز:
"صدفة...."
همست بصوت منخفض وهي تنظر إليه بلهفة وخوف عليه، بينما تمسح دموعها:
"هتكلمني على الموبيل....."
اومأ برأسه وهو يتطلع إليها بعجز:
"حاضر... هتكلم معاكي على الموبيل..."
ابتسمت له وهي تمسح وجنتيها بأصابع مرتجفة:
"طيب خد أكلك يلا... وكل كويس، وأنا على بليل هعملك فراخ بلدي مسلوقة بالخضار... تكون معدتك ارتاحت شوية."
أومأ راجح برأسه قائلاً بحنان وهو يشير نحو بابها:
"طيب اقفلي الباب يلا يا مهلبية، خاليني أطلع أجيب الأكل..."
رسمت ابتسامة مرتجفة على شفتيها قبل أن تتجه نحو الباب. ظلت تنظر إليه عدة لحظات قبل أن تغلقه بيد مرتجفة وقلب مثقل.
***
في اليوم التالي...
كان راجح مستلقياً بالفراش، شاعراً ببعض التحسن عن الأمس بفضل الدواء والمشروبات والطعام التي كانت صدفة تزوده بهم. فقد أمضت ليلة أمس بصنع المشروبات الساخنة، فكل نصف ساعة تطرق بابه وتضع له مشروب ساخن، طعام، فاكهة، عصائر. حتى جاء بآخر اليوم أخبرها أن تكف عن العمل وترتاح قليلاً، لكنها لم تستمع له وظلت على حالتها تلك حتى الثالثة صباحاً.
وبعد ذهابها إلى الفراش فجراً، أخذت تتحدث إليه بالهاتف لتسقط بالنوم وهي تتحدث معه.
وها هي الساعة الآن الرابعة عصراً، ولم تظهر صدفة، ولم تطرق حتى الباب عليه.
لقد اعتقد في بادئ الأمر أنها مرهقة بسبب سهرها معه، لذا تركها نائمة حتى ترتاح، لكن الوقت تأخر ولم تظهر بعد، مما أثار القلق بداخله. حاول الاتصال بها، لكن هاتفها كان مغلقاً. فبالتأكيد فصل شحن أثناء حديثه معها بالأمس.
فتح باب الغرفة وقام بالنداء عليها، لكنها لم تجبه، مما زاد قلقه أكثر.
ارتدى كمامة على وجهه وعقم يديه بالكحول قبل أن يدخل إلى غرفتها ليتجمد مكانه بباب الغرفة فور رؤيتها لها نائمة على الفراش بوجه محتقن غارق بالعرق، تهذي بكلمات غير مفهومة. اندفع نحوها، لكنه توقف فور تذكره أنه لا يستطيع لمسها.
هتف باسمها عدة مرات حتى استجابت أخيراً وفتحت عينيها ببطء، تنظر إليه بأعين غائمة غير واعية. ليسرع راجح يسألها بلهفة وقلق:
"مالك يا صدفة... حاسة بإيه؟"
أجابته بصوت منخفض متحشرج يظهر به التعب:
"جسمي مكسر وزوري واجعني أوي..."
شحب وجه راجح فور سماعه ذلك، ليدرك أنها قد التقطت العدوى منه.
لعن غباءه، فبالطبع التقطته، فقد كانت نائمة بحضنه قبل مرضه مباشرة. لا ينكر أنه فكر في هذا، لكن كان لديه أمل بالأ تكون قد أصيبت.
وقف ينظر إليها عدة لحظات بعجز، وقد توقف عقله عن العمل. فعند تعبه تقبل الأمر، لكن هي... هي لا يمكنه أن يفكر حتى. زفر بقوة قائلاً:
"طيب قومي... قومي يا حبيبتي البسي، خالينا نروح للدكتور..."
همست وهي تدفن وجهها بالوسادة:
"مش قادرة يا راجح..."
أومأ برأسه بينما يخرج هاتفه ويتصل بالطبيب الذي كان صديقه في ذات الوقت. طلب منه يأتي بفحص صدفة وأخبره بأنه يعتقد بأنه قد نقل إليها العدوى.
جاء الطبيب وقام بفحصها تحت نظرات راجح الثاقبة. أخبره بأنه 90% أنها مصابة بالكورونا، لكن لن يؤكد هذا سوى التحاليل الطبية التي ستظهر هذا. لكن نظراً لمرض راجح وتأكيد تحاليله لحمله الفيروس، وصدفة كانت مخالطة له، سيعدوها كورونا وأعطاها كورس علاج كامل مثل راجح، وطلب منهم الالتزام بالمنزل حتى لا ينقلوا العدوى لغيرهم من الناس.
بعد ذهاب الطبيب، أخذت صدفة دوائها ونامت مرة أخرى.
بينما دخل راجح المطبخ يبحث به عن طعام حتى تتناوله صدفة، لكنه لم يجد شيئاً، وهو كان لا يستطيع حتى سلق بيضة بمفرده وليس صنع طعام.
كان واقفاً عاجزاً بمنتصف المطبخ عندما اتصلت والدته كعادتها، حيث لم تكف عن محادثته منذ الأمس. فور أن أجاب عليها، سألته بلهفة ما الذي كان يفعله الطبيب عنده. ليخبرها بمرض صدفة، لتنفجر باكية:
"طيب مين هياخد باله منك ومنها دلوقتي....."
لتكمل بحسرة وألم:
"منه لله عابد... مانعني أطلعلك... على عيني يا قلب أمك... على عيني أسيبك لوحدك كده....."
قاطعها راجح مهدئاً إياها:
"تطلعي فين ياما بس، أنت عندك السكر والضغط..."
ليكمل محاولاً تطمينها:
"بعدين ده زي دور البرد، وباذن الله هيعدي...... متخفيش."
همهمت نعمات باكية:
"باذن الله يا حبيبي....."
لتكمل سريعاً:
"أنا هعملكوا الأكل وهخلي هاجر تطلع تحطهولكوا قدام باب الشقة..."
قاطعها راجح رافضاً، وهو لا يرغب شيئاً من مال والده:
"لا ياما متعبيش نفسك... الأكل هنا كتير..."
هتفت نعمات بحدة وصرامة:
"الأكل هيطلعلك... كل يوم لحد ما تقوم أنت ومراتك بالسلامة..."
لتكمل وهي تدرك سبب رفضه:
"ولو عامل عشان أبوك، فأنا معايا الألف جنيه اللي كنت مديهملي في عيد الأم... هجيبلك أكلك بيهم، ارتحت يا راجح...."
زفر بعنف وهو يفرك شعره بحدة:
"ماشي ياما... وأنا أول ما الموضوع ده يعدي هرجعهملك...."
هتفت نعمات بصوت باكي:
"مش عايزة حاجة من الدنيا دي كلها غير إنك تقوملي بالسلامة...."
غمغم راجح بصوت مختنق:
"ربنا يخليكلي ياما...."
همست نعمات وهي تحاول كبت دموعها:
"ويخليك ليا يا نور عين أمك...."
ثم أخذت تطمئن عليه وتتأكد من تناوله دوائه، ثم أغلقت معه حتى تعد الطعام لهم.
وبعد ساعة اتصلت به مرة أخرى لتخبره بأن الطعام على باب الشقة. أخذه راجح، ثم أيقظ صدفة وجعلها تتناول طعامها وتأخذ دوائها.
استلقت صدفة على الفراش بعد تناولها لدواءها ولعدة أكواب من المشروبات الساخنة التي أعدها راجح لها، هامسة بتعب عندما رأت راجح يتجه نحو باب الغرفة لكي يعود إلى غرفته:
"راجح..."
استدار إليها في الحال قائلاً بلهفة:
"أيوة ياحبيبتي؟"
مدت يدها له هامسة بصوت منخفض، وجفنيها ثقيلان من شدة التعب:
"خاليك معايا هنا في الأوضة..."
هز رأسه قائلاً بأسف:
"مينفعش...."
قاطعته هامسة برجاء:
"مينفعش ليه؟ إحنا الاتنين تعبانين؟!"
غمغم بتردد وهو يقاوم رغبته بالبقاء معها:
"مش عارف يا صدفة بس بتهيألي غلط..."
مدت يدها نحوه بينما رأسها يتراجع على الفراش، هامسة بأعين تلمع بالدموع:
"علشان خاطري... متسبنيش."
زفر راجح بقوة قبل أن يستسلم ويومأ بالموافقة، فهو أيضاً لا يرغب بتركها بمفردها وهي مريضة بهذا الشكل.
"هفضل معاكي.... بس كل واحد على سرير...."
تغضن وجه صدفة مغمغمة برفض:
"ليه بس....."
أجابها وهو يتجه نحو الفراش الآخر، ليستلقي عليه:
"علشان أنا معرفش غلط ولا لأ نبقى مع بعض، وأخاف أزود الفيروس عليكي وتتعبي أكتر...."
ليكمل بغضب وهو ينتفض جالساً عندما رآها تحاول النهوض من فراشها، فقد كان يعلم نيتها:
"قسماً بالله يا صدفة لو قربتي لهسيب الأوضة وأرجع أوضتي...."
استلقت على الفراش مرة أخرى وهي تزفر بحنق، لتستدير على جانبها لتصبح بمواجهته، هامسة بينما تمد يدها إليه قائلة بابتسامة:
"مش هقرب علشان أنت حلفت... قرب أنت...."
أخذ يتطلع إلى يدها بصمت عدة لحظات بتردد، مما جعلها تهتف بحدة وهي تسعل بقوة:
"يا راجح واحشتني......."
ظل ينظر بصمت إلى يدها وهو يجد الصعوبة في مقاومتها، لتكمل هامسة بدلال أطاح بعقله:
"علشان خاطر مهلبيتك واحشتني وعايزة أنام في حضنك..."
استسلم لها راجح أخيراً، ونهض متجهاً نحوها قائلاً بتذمر وغضب من نفسه بسبب ضعفه نحوها وعدم قدرته على رفض شيء لها:
"النهاردة وبس، علشان بس أنت تعبانة ومش عايز أزعلك. بعد كده كل واحد هينام في سريره....."
أومأت برأسها بحماس وهي تبتسم. استلقى بجانبها على الفراش، لتسرع بإلقاء نفسها على صدره، تحتضنه بقوة، مقبلة صدره موضع قلبه بقبلات متتالية شغوفة، وهي تغمض عينيها بقوة، مستمتعة بشعورها بين ذراعيه، فقد اشتاقت له.
بينما أحاطها راجح بذراعه، يحتضنها بقوة إليه، وهو يدفن وجهه بشعرها، يتنفس رائحتها بعمق وشغف، مربتاً بحنان على ظهرها، وهو يشعر بقلبه يكاد يقفز من صدره من شدة دقاته، فهي أغلى وأجمل ما بحياته.
لن يستطع تحمل خسارتها.
ظل محتضناً إياها حتى سمع صوت أنفاسها ينتظم، ليلحق بها بعد عدة دقائق غارق بثبات عميق.
***
بعد مرور أسبوعين...
كانت صدفة نائمة على فراشها، بينما راجح نائم على الفراش الآخر الذي بجانب فراشها بعدة أمتار قليلة.
فمنذ ذلك اليوم ناموا به بين أحضان بعضهم البعض، ابتعد عنها وأصبح كلاهما ينام على فراشه الخاص. وبرغم أنه لا يزال معها بغرفة واحدة، إلا أنه لا يقترب منها، حتى يدها لا يلمسها. رغم اختفاء جميع أعراض المرض لديهم منذ عدة أيام، إلا أنه لا يزال خائفاً عليها بطريقة سببت مراضيه.
أخذت صدفة تشاهد بتململ التلفاز الذي قام راجح بنقله بوقت سابق إلى غرفة الأطفال حتى يتمكنوا من مشاهدته أثناء حجزهم بهذه الغرفة.
استدارت إلى راجح الذي كان يلعب بهاتفه:
"راجح أنا زهقت من كتر النوم... عايزة أتمشي...."
أجابها بينما عيناه لازالت مسلطة على هاتفه:
"اتمشي في الأوضة... إنتي عارفة إننا مينفعش نطلع برا علشان منعديش حد......"
زفرت بحنق بينما تنهض واقفة من الفراش، تمط جسدها للخلف محاولة ضخ الدم به وتحريك عضلاتها المتيبسة من قلة الحركة.
رفع راجح عينه عن الهاتف ليصطدم بها على حالتها تلك التي تظهر جسدها بوضوح، مما جعل الدماء تقصف بعروقه بنيران الرغبة. فقد أصبح في الأيام الماضية على الحافة بسبب بعده عنها طوال تلك المدة، فقد كان يتألم من رغبته بها وعدم قدرته على لمسها كما يرغب.
فقد أصبحت كل حركة منها توصله إلى حد الجنون. أصدر لعنة قاسية من بين أسنانه وعينيه المحترقة مثبتة على جسدها.
مما جعلها تستدير إليه عند سماعها لعنته تلك، مغمغمة بارتباك:
= في إيه؟
أجابها بغضب وهو يزجرها بقسوة وحدّة:
= في إنك تلمي نفسك وتقفي عدل.
هتفت صدفة بحدة وهي تعتدل في وقفتها، وهي لا تفهم ما الخطأ الذي ارتكبته:
= وأنا عملت إيه أصلاً؟
لتكمل بغضب وهي تعقد ذراعيها فوق صدرها، مرمقة إياه بنظرات مشتعلة:
= أنت مش ملاحظ إنك بقالك يومين مش طايقلي كلمة، كل ما أتحرك ولا أتكلم تعقد تزعق فيا.
رمقها بنظرة متصلبة قبل أن يشير بالهاتف الذي بيده قائلاً بحدة:
= أيوه أنا مش طايقلك كلمة، ويا ريت تترزعي بقى ومسمعش صوتك.
اندلعت نيران الغضب بداخلها فور سماعها كلماته المتعجرفة تلك، وقد طفح كيلها من معاملته لها بتلك الطريقة. هتفت بشراسة وعينيها تعصف بغضب عارم:
= هو في إيه بالظبط؟ ما أكتم نفسي ومتنفسش أحسن عشان صوت نفسي ما يزعجش سيادتك.
أجابها بفظاظة وحدّة من بين أسنانه المطبقة بقسوة، بينما تتقافز شرارات الغضب من عينيه:
= يبقى أحسن وإنكتمي بقي وغوري من وشي، مش ناقص صداع ووش.
تحول شحوب وجهها إلى لون رمادي فور سماعها كلماته القاسية تلك، أومأت برأسها بصمت بينما شفتيها ترتجف وهي على وشك الانفجار بالبكاء. استدارت صاعدة إلى فراشها، مستلقية عليه توليه ظهرها، جاذبة الغطاء حتى أعلى رأسها لتنفجر باكية، مما جعلها تسرع بدفن وجهها بالوسادة حتى تكتم شهقات بكائها.
أجابها بفظاظة وحدّة من بين أسنانه المطبقة بقسوة، بينما تتقافز شرارات الغضب من عينيه:
= يبقى أحسن وإنكتمي بقي وغوري من وشي، مش ناقص صداع ووش.
تحول شحوب وجهها إلى لون رمادي فور سماعها كلماته القاسية تلك، أومأت برأسها بصمت بينما شفتيها ترتجف وهي على وشك الانفجار بالبكاء. استدارت صاعدة إلى فراشها، مستلقية عليه توليه ظهرها، جاذبة الغطاء حتى أعلى رأسها لتنفجر باكية، مما جعلها تسرع بدفن وجهها بالوسادة حتى تكتم شهقات بكائها.
لعن راجح بقسوة وغضب فور أن لاحظ جسدها الذي يهتز أسفل الغطاء ليدرك أنها تبكي. لعن نفسه على غباءه وأسلوبه الفظ معها. أراد الذهاب إليها لكنه توقف خوفاً من لمسها.
هاتف باسمها لكنها لم تجيبه، مما جعله يستسلم وينهض متجهاً نحوها. نزع الغطاء عن رأسها جاذباً إياها برفق من ذراعها، يديرها نحوه. شعر بغصة بصدره فور رؤيته لوجهها الغارق بالدموع. همس بارتباك وهو يشعر بالذنب:
= حقك عليا، أنا عارفة إني مزودها معاكي بس والله غصب عني، أنا على آخري يا صدفة وأنتي قدامي ومش قادر حتى ألمس إيدك، وإنتي سايقة فيها.
همست بصوت متحشرج بالدموع، بينما الدماء تضج بخديها من شدة الخجل:
= أنا!! وأنا عملتلك إيه؟
أجابها وهو يعاود الرجوع إلى فراشه حتى يترك مسافة فاصلة بينهم:
= لا عملتي كتير.
امبارح مثلاً سبتي الحمام وأوضة النوم وجيتي تغيري هدومك قدامي هنا.
هتفت صدفة بصدمة وقد ازداد احمرار وجهها حتى أصبح بلون الدماء من شدة الحرج:
= أنا مغيرتش غير العباية اللي برا، بعدين أنت جوزي إيه المشكلة إني أغير قدامك.
قاطعها وهو يفرك شعره بحدة:
= جوزي، بس مش أيامه يا صدفة، مش أيامه خالص.
غرزت أسنانها بشفتيها وهي تشعر بالارتباك والاضطراب، لا تعلم ما تقوله فقد أصبحت تصرفاته غريبة.
هتف بها وهو ينتفض واقفاً:
= شوفتي، شوفتي أهو بتستفزني برضه، عمالة تضغطيلي على شفايفك.
اتسعت عينا صدفة بذهول قبل أن تهمس بارتباك:
= راجح أنت اتجننت، أنا عملت إيه دلوقتي.
اتجه نحو باب الغرفة بخطوات غاضبة ووجه متجهم، هاتفا بتذمر:
= أنا هروح أنام لوحدي في أوضة النوم عشان أنتي إنسانة مستفزة، وبكرة هنروح للدكتور، إحنا كده داخلين ع الـ 20 يوم، خلينا نخلص من أم الليلة دي بقي.
ثم خرج صافعاً الباب خلفه بغضب.
بينما ظلت صدفة تتطلع إلى أثره بذهول قبل أن تنفجر ضاحكة وهي لازالت تصدق ما يفعله.
في اليوم التالي.
ذهبوا إلى الطبيب الذي طمأنهم أنهم بخير ويمكنهم الخروج والتعامل بشكل طبيعي على أن يعقموا منزلهم جيداً.
وهذا ما فعلوه فور عودتهم. ساعد راجح صدفة في تنظيف المنزل وتعقيم كل شيء حتى الملابس التي كانوا يرتدوها، ثم استحموا جيداً بصابون طبي.
قاموا بتنظيف كل ركن بالمنزل حتى عاد نظيفاً ولامعاً.
بعد أن انتهوا كانت صدفة مستلقية بحضن راجح تدفن وجهها بعنقه، بينما كان هو يحتضنها بقوة موزّعاً قبلات على كتفها وعنقها حتى وصل إلى أذنها هامساً بصوت أجش يملؤه الشغف:
= واحشتيني.
رفعت رأسها إليه تحيط عنقه بذراعها هامسة بمكر:
= واحشتك إيه، ما أنت كل يوم كنت معايا في الأوضة.
حدق راجح بها مغمغماً وهو يدرك ألعابها تلك:
= بطلي استعباط، يا مهلبية.
ضحكت ضحكة رنانة لتطبع قبلة على ذقنه قبل أن تمرر يدها بحنان على خده:
= وأنت كمان واحشتني يا حبيبي.
مرر يده برفق متلمساً جسدها بشغف مما جعلها تشعر بكامل جسدها يشتعل أثر لمساته تلك.
دفن وجهه بعنقها لتمر رجفة حادة بسائر جسدها عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تمر فوق عنقها قبل حلقها وعنقها بشغف. ظل يقبلها عدة لحظات أخرى قبل أن يبدأ يوزع قبلاته فوق عنقها الأبيض المرمري وحلقها، قبل أن يرفع رأسه يلتقط شفتيها في قبلة قوية نهمة.
تأوه باسمها بينما يعمق قبلته ويديه ترتفعان وتحيطان وجهها بحنان، بينما يستولي على شفتيها، بينما جوعه لها يمزقه.
تشددت ذراعيها حول عنقه وهي تميل نحوه أكثر وهي تتنهد بنعومة جعلت كل عضلة في جسده تتصلب. ليغرقان بعدها ببحر شغفهم واشتياقهم.
بعد مرور أسبوع.
كانت صدفة وراجح جالسين بمنزل عابد مع باقي العائلة ينتظرون قدوم مروان شقيق راجح الذي كان مسافراً إلى الإسكندرية حيث جامعته، فقد كان يقطن بالمدينة الجامعية وما أن بدأت إجازة نصف السنة عاد إلى المنزل في زيارة.
كانت صدفة تحدق بنظرات ممتلئة بالازدراء والغضب بعابد الجالس أمامها والذي كان يبادلها تحديقها بنظرات غاضبة مليئة بالكراهية، ليلاحظ راجح صراعهما الصامت هذا.
أحاط كتف صدفة بذراعه يضمها إليه
نهضت صدفة بحدة ووجهها أصبح أحمر كالدم، تمتمت بارتباك:
= هروح... هروح أشوف الأكل اللي على النار فوق...
ثم تركتهم وغادرت، وعينا راجح تتبعها.
زفر بغضب من نفسه بسبب غيرته الحمقاء تلك، فعقله يتجمد ويغلق عندما يتعلق الأمر بها.
جلست شوقية بجانبه هامسة بخبث:
= تصدق وتؤمن بالله يا ابن نعمات، أنا عمري في حياتي ما شوفت راجل واقع على بوزه وبيغير على مراته زيك... البت هتجننك، يخربيتك، اهدى...
لتكمل ناكزة إياه في ذراعه:
= بس أقولك، البت برضه تستاهل... ونبي لأفضل ورا الأهبل ابن الهبلة ابني لحد ما أوقعه في واحدة زيها كده...
نهض راجح من جانبها قائلاً بحدة:
= أنا هقوم من جنبك... بدل ما أرتكب جريمة عشان إنتي مستفزة يا شوقية...
ضحكت شوقية قائلة بمرح:
= أنا مش مستفزة يا نن عين أمك، إنت اللي بتغير والغيرة دي هتجننك... وبكرة تقول شوقية قالت...
تركها راجح وغادر حتى يراضي صدفة، التي صعدت إلى شقتهم غاضبة.
دلف راجح إلى المطبخ بشقتهم الخاصة ليجد صدفة أمام موقد النار تقلب الطعام بوجه متجهم بالغضب.
أحاط خصرها بذراعيه، يضمها إليه، مما جعلها تنتفض فازعة، لكن فور استيعابها أنه هو، أخذت تتلملم بين ذراعيه هاتفة بحدة:
= ابعد عني يا راجح عشان مش طايقاك...
زاد من احتضانه لها رافضا أن يفلتها، مما جعلها تهتف وهي تشير بالمعلقة الضخمة التي تمسك بيدها:
= هتبعد عني ولا أشيل حلة الكوارع دي أغرقك بها...
دفن وجهه في عنقها يقبله برفق:
= وأهون عليكِ...
استدارت بين ذراعيه حتى أصبحت تواجهه قائلة بغضب:
= وإنت ينفع تحرجني كده قدام أمك وخالتك...
زفر بحدة قائلاً بتلملم:
= شوقية هي اللي ودانها سالكة وكانت مركزة معانا وفهمت...
ضيقت عينيها بغضب عليه مغمغمة بحدة:
= لا ورايح تمسك في ممدوح كمان وعايز تضربه...
أحاط وجنتها بيده قائلاً وعيناه مسلطة بعينيها:
= طيب أعمل إيه بغير عليكي...
ليكمل وهو يزيد من احتضانه لها قائلاً بصوت مخيف مظلم:
= عقلي بيوقف والدم بيغلي في عروقي أول ما بحس إن أي راجل ممكن يبصلك بصة مش تمام...
ابتسمت صدفة، شاعرة بالخجل من كلماته تلك، وقلبها يغني فرحاً بها، فقد كان حقاً يغير عليها.
تنحنحت محاولة أن تحافظ على جديتها وموقفها الغاضب منه، لكنها لم تستطع عندما انحنى عليها مقبلاً حلقها وعنقها وهو يهمس لها:
= خلاص بقى يا مهلبيتي، حقك عليا...
زفرت باستسلام قبل أن تدفن يديها في شعره، تتحسسه بشغف، مما جعله يرفع رأسه ويلتقط شفتيها في قبلة نهمة شغوفة وهو يضغط جسدها على جسده، وقد ازداد التهامُه لشفتيها ويده تمر ببطء على عنقها، بينما يستحوذ بالكامل على شفتيها مقبلاً إياها بشغف والحرارة تنتشر داخل عروقه سريعاً كالحمم الملتهبة، فقد كان يريدها كثيراً.
لكنه اضطر إلى قطع قبلتهم، مقبلاً جبينها بحنان، قبل أن يمرر إصبعه على شفتيها يفركها برفق وهو يغمغم بصوت لاهث من أثر العاطفة:
= يلا يا حبيبتي، البسي طرحتك، زمان مروان وصل...
أومأت برأسها لترفع طرحتها من حول عنقها وتضعها على شعرها، قبل أن تخرج معه ويهبطوا إلى الأسفل يداً بيد.
بالأسفل، فور دخولهم إلى شقة والدي راجح، رأت مروان الراوي جالساً بجانب والدته التي كانت تحتضنه وتتحدث إليه، بينما بجانبه كان هناك فتاة ذات جسد نحيل للغاية ترتدي ملابس أنيقة وشعرها المصبوغ مسترسل على كتفيها بتسريحة أنيقة، ترمق الجميع بنظرات يملؤها الاستعلاء.
فور أن رأى مروان راجح، انتفض واقفاً يتجه نحوه وهو يصرخ باسمه، يحتضنه بقوة، ليحتضنه راجح هو الآخر.
ابتعد عنه وهو يربت على كتفه قائلاً:
= أخيراً، حنيت علينا وسبت إسكندرية وجيت تشوفنا...
ابتسم مروان قائلاً بكذب واضح:
= أعمل إيه، ما إنت عارف الكلية كل يوم، ومبعرفش آخد نفسي... يعني أنا بحب المدينة الجامعية أوي، ما إنت عارف...
ضحك راجح قائلاً وهو يفهم ما يرمي إليه:
= متخافش يا عم، هتترحم من المدينة الجامعية، وخلال أسبوع هتستلم شقة في أحسن مكان في إسكندرية، أنا ظبطت كل حاجة مع أبوك...
هتف مروان بفرح وهو يعاود احتضان راجح مرة أخرى:
= ربنا يخليك يا حبيبي... أنا كنت عارف إن مفيش حد هيقنع أبويا غيرك...
انتبه راجح إلى صدفة الواقفة خلفه تنظر إليهم بتردد، ليسرع بإحاطة خصرها بذراعه جاذباً إياها بجانبه قائلاً لشقيقه:
= صدفة يا مروان...
مد مروان يده إليها قائلاً:
= عارفها طبعاً، مش صدفة اللي كانت بتـ...
قاطعه راجح بحدة تتخللها الصرامة:
= مراتــي...
تنحنح مروان مغمغماً بارتباك، وقد أرعبه الصرامة التي تلتمع بعين شقيقه:
= بس لأ... إحلوّيتي، لولا ماما كانت حكيالي مكنتش هعرفك خـ...
قاطع راجح حديثه بحدة عندما رأى وجه صدفة يحتقن بشدة، قائلاً وهو يوجه حديثه للفتاة التي لا تزال جالسة على الأريكة تراقبهم ببرود:
= إزيك يا مايا، عاملة إيه...
أجابته مايا مغمغمة بهدوء:
= الحمد لله... إزيك إنت يا راجح...
أجابها راجح بهدوء، قبل أن يكمل وهو يلتف إلى صدفة وذراعه تتشدد من حولها يجذبها أكثر نحوه:
= مايا تبقى خطيبة مروان يا صدفة.
نهضت مايا تمد يدها نحو صدفة قائلة ببرود وهي ترمقها من أعلى لأسفل باستعلاء:
= أهلاً يا صدفة...
بادلتها صدفة التحية، قبل أن يجذبها راجح ويجلسوا على الأريكة.
أحاط كتفيها بذراعه، حيث أصبحت تلك الحركة حركته المعتادة دائماً، بينما جلست شوقية بجانبه الآخر.
التف إليها راجح قائلاً باقتضاب وعيناه تدور بالمكان:
= أومال فين ممدوح يا شوقية...
أجابته مبتسمة وهي تشير نحو الشرفة:
= بيتكلم في التليفون، مش مرتحاله، شكله بيحب من ورايا، ابن الجز...
ضحك راجح مغمغماً بمرح:
= له حق يخبي عليكي، ده أمها داعية عليها اللي هتبقى حماته، هتطلقيها من أول أسبوع...
ابتسمت شوقية قائلة وهي تربت على وجه صدفة:
= ونبي لو قمر وبطايه زي صدفة كده ولسانها حلو لأشيلها في عينيّا... بس هو يركز ويجيبلي واحدة شبهها.
زمجر راجح قائلاً بغضب ونفاذ صبر:
= تاني يا شوقية... إنتي إيه مبتتهدبيش.
هتفت شوقية وهي ترفع يديها بالهواء كعلامة للاستسلام:
= خلاص... خلاص، وحد الله وقول لعفاريتك تهدى...
لتكمل ناكزة صدفة في ذراعها:
= مستحملة الواد ده إزاي يا أختي، ده إنتي ليكي الجنة.
ضحكت صدفة بقوة، مما جعل راجح يزجرها بحدة هامساً بغضب بينما يده تضغط على كتفها بقسوة:
= صوت ضحكتك يا أبلة...
همست صدفة قائلة بتذمر وهي تحاول فك يده من فوق كتفها:
= في إيه يا راجح، عملت إيه دلوقتي، بلاش أضحك كمان.
ظل يتطلع إليها عدة لحظات، قبل أن يلتف إلى مروان شقيقه الذي كان يتحدث إليه.
همست شوقية بأذن صدفة وهي تنظر بحدة إلى مايا خطيبة مروان التي كانت تتحدث إلى نعمات:
= البت دي تقيلة على قلبي تقل...
لتكمل وهي تشير إلى طرف أنفها:
= تنكه أوي، وبتتكلم معانا بطرف مناخيرها، تقوليش أبوها وزير، وأبوها أصلاً جزمكي فاتح محل على أول شارعي، جتها نيلة، عيلة تنـ.ـحة.
استمرت شوقية تهمس لها مقلدة حركات مايا، مما جعل صدفة لم تعد تستطيع تمالك نفسها، لتسرع بوضع يدها فوق فمها تكتم ضحكتها، بينما استمرت شوقية التحدث بطريقتها تلك، حتى أمسكت صدفة بيدها هامسة برجاء حقيقي:
= ونبي يا خالتي كفاية، معتش قادرة أمسك نفسي، وصوتي لو طلع راجح هيطيّن عيشتي...
ابتسمت شوقية غامزة لها:
= بيغير عليكي ابن نعمات، مجنون بيكي... وإنتي كمان باين عليكي إنك بتحبيه.
احمر وجه صدفة بالخجل، مما جعل شوقية تربت على كتفها قائلة بحنان:
= ربنا يخليكوا لبعض يا حبيبتي...
ابتسمت لها صدفة، لكن جذب انتباه الجميع صراخ هاجر التي دلفت إلى الغرفة تصرخ باسم مروان، تحتضنه بقوة، ثم اتجهت نحو راجح تحتضنه هو الآخر، فهذه المرة الأولى التي تراه بها بعد إصابته بالكورونا.
سلمت على الجميع، ثم اتجهت نحو صدفة تحتضنها قائلة وهي تتفحص جسدها:
= يالهوي يا صدفة، خسيتي أوي...
ربت راجح على ذراعها قائلاً:
= من التعب، الكورونا بهدلتها...
أومأت هاجر قائلة بتعاطف:
= أيوه باين عليها لسه التعب، بس بجد خسيتي ييجي حاولى 7 كيلو...
قاطعتها شهقة مايا التي غمغمت بصدمة وهي ترمق صدفة بنظرات متفحصة من الأعلى للأسفل:
= ٧ كيلو... إيه ده، أومال شكلك كان عامل إزاي بقى...
لتكمل وهي تهز رأسها:
= لأ، المفروض تخسي بصراحة وتاخدي بالك من نفسك شوية...
اهتز جسد صدف
وهي تلتف تنظر إلى مايا بغضب.
= أصل راجح مبيحبش المعضمين.
زفرت مايا بحدة قبل أن تنتفض واقفة متجهة نحو الباب، مغمغمة بخدة.
= أنا مروحة يا مروان. هتيجي توصلني.
نهض مروان يتبعها، وهو يشير إلى شوقية بإشارات تدل على التذمر والغضب، قبل أن يسرع خلف خطيبته مغادرًا.
***
فور أن دلف راجح إلى الشقة، جذب صدفة إلى حضنه قائلاً بصرامة وهو يخفض رأسه نحوها وعيناه مسلطتان على عينيها المغرورقتين بالدموع.
= قسماً بالله لو عيطتي، لأنزل أفتح دماغ الحيوان اللي تحت هو وخطيبته.
هزت رأسها بينما تحاول التحكم في دموعها حتى لا ينفذ تهديده، وهمست بصوت منخفض وشفتيها ترتجف.
= كله بيتريق عليا.
أحاط وجهها بيديها، مبعداً شعرها المتناثر على عينيها إلى ما وراء أذنيها، قائلاً بحنان.
= مين اتريق عليكي؟ شوقية اللي قرفاني ليل ونهار ونفسها تجوز ممدوح واحدة شبهك. ولا هاجر اللي نفسها تتخن وتبقى زيك.
ليكمل بنبرة حادة يتخللها الغضب والازدراء.
= ولا مايا اللي بتلف على كل الدكاترة عشان تتخن حتى كيلو واحد ومش عارفة. دي عيلة الحقد والغيرة مليين قلبها، ومروان طول عمره معندوش شخصية معاها بيحاول يراضيها بأي حاجة.
صمتت للحظة قبل أن يتابع بنبرة متحشرجة وهو ينظر إلى عينيها، بينما يداه تمر بشغف على جسدها.
= ده إنتي مهلبية، ومجننانى يا هبلة.
أنهى جملته تلك مطبقاً على شفتيها بشفتيه، مستولياً عليها في قبلة حارقة. هزة صدفة رجفة قوية مرت بسائر جسدها عندما شعرت بملمس شفتيه فوق شفتيها التي كانت يلتهمها بنهم وشغف. لكن سرعان ما تبدلت هذه الصدمة إلى مشاعر أخرى تسري بسائر أنحاء جسدها، مما جعلها ترتجف بقوة بين ذراعيه، متناسية حزنها والكلمات الجارحة التي تعرضت لها. عندما زاد ضغط شفتيه فوق شفتيها الناعمة بتمّلك حارق، صدر أنين منخفض منها، مما سمح له أن يتذوق بلهفة شهد شفتيها. كانت تستجيب بشغف لقبلته تلك، وكامل جسدها ينتفض باستجابة قوية، مما جعله يطلق تأوهاً عميقاً، بينما يعمق قبلته أكثر.
ظلوا عدة لحظات على حالتهم تلك، بينما يداه أخذت تجوب بجرأة على جسدها، متلمساً منحنياتها من فوق ملابسها.
ليسارع بحملها بين ذراعيه ويدلف إلى غرفة نومهم حتى يكمل ما بدأه.
***
بعد مرور أسبوع.
بالصباح، انتهت صدفة من ارتداء ملابسها حتى تذهب لدى أم محمد للمبيت لديها حتى تراعها بسبب الحقنة السنوية التي ستأخذها بساقها.
اتجهت إلى الفراش وجلست بجانب راجح الغارق بالنوم، حيث كان نائماً على بطنه، دافناً وجهه بالوسادة.
مررت يدها بحنان فوق ظهره العاري، تفركه بلطف، منحنية عليه، تقبله على مؤخر عنقه وهي تهمس باسمه.
فتح راجح عينيه، يتطلع إليها بتشوش لعدة لحظات قبل أن يعتدل جالساً.
= خلاص هتمشي؟
أومأت رأسها بالإيجاب، قائلة.
= أها، يدوبك. زمان الدكتور جه وأداها الحقنة في رجليها.
زفر بحنق قائلاً بحدة.
= يعني مش لاقيين غير يوم إجازتي. ده ما بصدق يوم نقضيه سوا.
مررت يدها فوق خده بحنان.
= معلش يا حبيبي، هي مالهاش غيري هنا. هبات معاها وبكرة الصبح هرجع. وزي ما اتفقنا، متقلقش، محمد ابنها هيبات عنده صاحبه النهاردة.
لتكمل بمكر يتخلله المرح، بينما يدها تمر باغراء فوق صدره.
= بعدين اعتبرها إجازة ليك،
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل السابع عشر 17 - بقلم هدير نور
وضعت صدفة المفتاح بباب شقتها تفتحه وهي تسمع صوت غريب يأتي من الداخل. ظنت أن راجح يشاهد التلفاز، لكن فور دخولها إلى بهو الشقة تجمدت خطواتها وتيبس جسدها.
رأت امرأتين شبه عاريتين تقفان بمنتصف غرفة الاستقبال. امرأة أخرى ترتدي ملابس فاضحة تظهر أكثر ما تخفي من جسدها ترقصان بحركات خليعة أمام بعضهما البعض على نغمات الموسيقى التي تصدح بأرجاء المكان. وحولهما تنتشر دخان السجائر وزجاجات الخمر.
صرخت صدفة بصوت اهتز له أرجاء المكان وهي تكاد أن تصاب بأزمة قلبية من هول ما تراه.
=راجـــــــــح....
توقفت الفتاتان عن الرقص فور سماعهما صرختها تلك والتفتا ينظران إليها بدهشة يتخللها الصدمة والارتباك.
اندفعت نحوهم صدفة تصرخ بغضب وهي تهجم على إحداهن.
=بتعملوا إيه في بيتي يا أوسـ.ـاخ يا زبـ.ـالة....
لتكمل وهي تجذب شعر الفتاة التي أخذت تصرخ بألم، بينما وقفت صديقتها تنظر إلى ما يحدث بوجه يملؤه الخوف.
=هو فين.... هو فين الواطي اللي فتح البيت كباريه؟ وديني لأقتله وأشرب من دمه....
صرخت الفتاة وهي تدفع يد صدفة بعيدًا عن شعرها متراجعة للخلف.
=عندك في الحمام..... روحي اتصرفي معاه، إحنا مالنا.
وقفت صدفة عدة لحظات تتطلع إليهما بأنفاس محتقنة وجسدها يرتجف. أنفاسها تسارعت واحتدت بشدة، شاعرة كأن ستارًا أسود من الغضب قد أعمى عينيها. التفتت واتجهت نحو الحمام الذي يتواجد به راجح، وهي توعد له بالقتل.
لكنها تجمدت في مكانها عندما رأت راجح يدلف من باب الشقة الذي تركته مفتوحًا على مصراعيه، هاتفا بحدة فور أن رآها.
=سايبة باب الشقة مفتوح عليكي كده ليه....
لم تنتظر صدفة لسماع باقي جملته، حيث كانت قد جُنّت وتشتت أي تعقل بداخلها بسبب خيانته لها. فلم تشعر بنفسها إلا وهي تندفع نحوه، تهجم عليه، تسدد له الضربات في صدره ووجهه بكلٍّ من قدميها ويديها، تضربه بأنحاء جسده وهي تصرخ بكلمات متقطعة من شدة الانفعال والغضب الذي كان يعصف بداخلها كالإعصار الذي يوشك بتدمير كل ما حولها. غضب عاصف لو أطلقت العنان له لأحرقت الأخضر واليابس ولن يترك خلفه سوى الدمار والموت.
=يا واطـ.ـي... يا واطـ.ـي! بقي عمال تقول لي مهلبية وزفت في الراحة والجاية... وأول ما أغيب عنك تلعب بديلك... والمصحف لأقتـ.ـلك يا راجح وأشرب من دمـ.ـك....
حاول راجح الإمساك بها وإحكام السيطرة على جسدها الذي كان ينتفض بقوة وهي تحاول ضربه وإيذاءه، لكنه لم يستطع السيطرة عليها فقد كانت أشبه بالعاصفة التي ستبتلع ما حولها من شدة الغضب.
أخذت تضربه بقدميها ويديها حتى أسنانها قد غرزت في أعلى ذراعه، بينما أظافرها الحادة مزقت جلد ساعده بقسوة.
لكنه نجح أخيرًا بالإمساك بها، حابسًا إياها على صدره، بينما يقيد يديها خلف ظهرها مما جعلها لا تستطيع التحرك.
هتف بها بحده وهو يجز على أسنانه بقسوة وقد بدأ يفقد صبره معها.
=في إيه يا بت.... انتي اتجننتي!
ضربت جبهتها بصدره عدة ضربات في محاولة يائسة منها لإيذائه. وعندما فشلت بسبب تقييده لها، انفجرت باكية وقد سحقها الألم الذي كان يمزق قلبها بسبب خيانته لها. همست بصوت مكتوم القهر ينبثق منه، بينما اليأس والألم يسيطران عليها. فقد كانت ترغب بالموت بهذه اللحظة على أن تتخيله مع امرأة أخرى. همست بكلمات متقطعة من بين شهقات بكائها الممزقة.
=بتخونى... بقي بعد ده كله.. بتخونى..
صاح بغضب جعلت عروق عنقه تنتفض بقوة وهو يكاد يفقد السيطرة على غضبه.
=أخونك إيه انتي هبلة....
أشارت برأسها نحو غرفة الاستقبال حيث تتواجد الفتاتان.
=اومال اللي جوا دول يبقوا إيه....
رفع راجح رأسه عنها لأول مرة منذ أن دخل إلى المنزل، ينظر إلى ما تشير إليه لينتبه إلى فتاتين كانتا ترتديان ملابس عارية أشبه بملابس العاهرات. كانتا تقفان بوجوههما الشاحبة بمدخل غرفة الاستقبال التي كانت يتناثر على أرضيتها زجاجات الخمر ولفائف السجائر.
زمجر بحدة وعقله لا يزال لا يستوعب ما يحدث.
=مين دول.... وبيعملوا إيه في شقتنا....
ليكمل موجهاً حديثه إلى الفتاتين الواقفتين تشاهدان ما يحدث بوجه يرتسم عليه الخوف
دفعت صدفة راجح بعيدًا عنها، محاولةً إبعاده عن أخيه قبل أن يقتله، لكنه دفعها بحدة في ثورة غضبه، مما جعلها تسقط وترتطم بالأرض بقوة. صرخت متألمة، وأفاق راجح من غضبه فور سماعه صرختها.
ترك أخاه وانطلق بلهفة نحو زوجته الملقاه على الأرض. غمغم بقلق وهو يرفعها من ذراعها بلطف:
"حصلك حاجة؟!"
أشارت إلى رأسها هامسة بألم:
"راسي..."
فحص راجح رأسها، لكنه لم يجد به أي إصابة. فركه بلطف محاولاً تخفيف ألمها، ثم رفعها على قدميها مقبلاً بحنان رأسها وهو يلعن شقيقه وغضبه الذي أعماه وجعله يؤذيها. طبع قبلة حنونة على جبينها:
"معلش... مأخدتش بالي... حاسة بأي حاجة بتوجعك؟"
هزت صدفة رأسها نافية.
جلس مروان على الأرض بعينين متسعتين بالدهشة والصدمة وهو يشاهد هذا المشهد. فشقيقه لم يكن عاطفياً بالمرة. فطوال حياته كان ذو شخصية منغلقة، لا يظهر عواطفه أمام أحد، حتى مع والدتهم كان يتقبل حنانها عليه بابتسامة قصيرة، مربتاً على ظهرها بلطف.
لكن ما يراه الآن شيء لم يره من قبل. فرؤيته له وهو يحيط زوجته بذراعيه كما لو كانت أغلى شيء بحياته، محاولاً الاطمئنان عليها، بينما القلق يظهر عليه بوضوح لمجرد أنه أوقعها أرضاً فقط. ليعلم أن شقيقه كان غارقاً بالحب من أعلى رأسه إلى أطراف قدميه، ويظهر حبه هذا أمام الجميع دون تحفظ. غمغم بمكر:
"يا سيدي يا سيدي، يعني عمال تطمن عليها عشان وقعتها بس..."
ليكمل وهو يفرك وجهه من لكمة راجح التي تركت أثراً على فكه:
"طيب مش هاتيجي تطمن على وشي هو كمان اللي ورم من إيدك المرزبة؟"
هتف به راجح وهو يشير له بإصبعه بتحذير:
"أنت اخرس خالص يالا، مسمعش صوتك، بدل ما أقسم بالله أجي أفتحلك نفوخك، وساعتها هتـ"
قاطعه حديثه الهتاف الحاد لعابد، الذي دلف من باب الشقة المفتوح على مصراعيه:
"إيه ده؟ صوت الزعيق ده والرًزَع والخبط ده؟ قلقتوا منامنا..."
ليكمل فور أن رأى الفتاتين اللتان لا تزالان تقفان بباب غرفة الاستقبال تتابعان ما يحدث بقلق:
"هلا هلا... أيوه كده بانت الرؤية..."
التف إلى راجح وهو غافل عن مروان الجالس على الأرض، قائلاً بسخرية:
"إيه مراتك قفشَتك بتلعب بديلك..."
ليكمل وهو يلتف نحو صدفة، قائلاً بسخرية وهو ينظر إليها بعينين تلمعان بالشماتة:
"مش قولتلك إن ديل الكلب عمره ما يتعدل... ده بيجري في دمه... اللي فيه طبع عمره ما هيبطله..."
غمغم بحدة، موجهاً حديثه إلى راجح، يتطلع إليه بعينين تلمعان بالقسوة:
"إيه خلصت من تنجيس الوكالة وقررت تنجس البيت كمان؟"
قاطعه راجح بشراسة، بينما كامل جسده يشتعل بالغضب وقد أصبح على حافة أن يفقد السيطرة على أعصابه، مشيراً إلى مروان الذي لا يزال جالساً على الأرض:
"بقولك إيه.. يا حاج عابد عندك المحروس ابنك، قوله هو المحاضرة بتاعتك دي، وبلاش كلام يحرق الدم..."
انتقلت عينا عابد إلى ما يشير إليه، وهو يغمغم بارتباك:
"ابني... ابني مين..."
ليشحب وجهه فور أن وقعت عيناه على مروان، الذي كان لا يزال جالساً، يخفض وجهه متفادياً النظر إلى والده خوفاً منه.
هز عابد رأسه بقوة، صارخاً بشراسة وهو يلتف إلى راجح وقد احمرت عيناه من شدة الغضب والانفعال:
"لا بقولك إيه... أنت هتلبس الواد بلوتك، أنا ابني ميعملش كده..."
ليكمل بقسوة وهو يشير بعصاه نحو راجح:
"أنت بتعمل الليلة دي وبتلبس مروان الليلة عشان تقنع المحروسة مراتك إنك مالكش دعوة بالليلة، لكن على جثتي... فاهم؟"
قاطعته صدفة بحدة فور أن شعرت بجسد راجح الواقف بجانبها يتصلب بقسوة من شدة الغضب:
"لا بقولك إيه... أنت... أنا جوزي مش محتاج يلبس حد حاجة ولا يقنعني بحاجة..."
لتكمل بصرامة وهي تضع يدها فوق صدر راجح:
"الحمد لله، أنا بثق في جوزي... وعمري ما أشك فيه..."
رفع راجح حاجبيه بدهشة فور سماعه كلماتها تلك، وهو يتذكر هجومها عليه منذ قليل، وضربها ونعته بالخائن. احمر وجهها بسبب نظراته تلك، هزت رأسها له ضاغطة على طرف شفتيها وهي تغمز بعينها له، كما لو تخبره أن يمرر الأمر الآن.
هتف عابد بشراسة وغضب:
"برضه كداب، مروان ابني لا يمكن يعمل كده..."
هتفت صدفة بعصبية وهي تلتف إليه وقد نفذ صبرها وأثار غضبها طريقه في التحدث عن زوجها بتلك الطريقة، كما لو أنه يتعمد التقليل من شأنه. اندفعت نحوه واقفة أمامه مباشرة:
"مروان ابني... مروان ابني، في إيه يا خويا؟ هو مروان ابنك وراجح ابن الجيران؟ ما هو ابنك برضو..."
أمسك راجح بذراعها جاذباً إياها للخلف، مغمغماً بصوت ممزق لأول مرة تسمعه منه:
"تعالي يا صدفة... وسيبه يقول اللي هو عايزه..."
استدارت إليه لتشعر بقبضة حادة تعتصر قلبها فور رؤيتها للألم المرتسم بعينيه، بينما يضغط على فكيه بقوة كما لو كان يحاول كتم غضبه. ونظراته مسلطة على عابد الذي كان يتطلع إليهم هو الآخر بعينين تلمعان بالاستياء والحقد، بينما وجهه أسود من شدة الغضب، ينفث أنفاسه المحتقنة كما لو كان ثوراً هائجاً.
اقتربت صدفة من راجح تحيط ذراعه بيديها، تضغط عليه برفق تدعمه كما لو كانت تخبره أنها بجانبه، وقد ألمها رؤيته بحالته تلك.
بينما نهض مروان مقترباً من والده قائلاً بتردد:
"راجح مالوش دعوة يابا... البنات دي تبعي..."
ليكمل بصوت مرتجف عندما استدار إليه والده يلقيه بنظرات مشتعلة:
"راجح مكنش هنا أصلاً... أنا كنت..."
قاطعه عابد مزمجراً بقسوة وهو يمسك بياقة قميصه، يدفعه نحو باب الشقة:
"مسمعش نفسك... وقدامي على تحت..."
اتجه هو ومروان نحو الباب يدفعه أمامه، لكن أوقفه الصوت الصارم لراجح وهو يشير نحو الفتاتين:
"متنساش تاخد البنات معاك ياحاج عابد..."
ليكمل بسخرية لاذعة وهو ينظر إلى عين عابد بقسوة:
"بس ابقى شوف هتقدر تخرجهم من البيت إزاي من غير ما حد من الجيران يشوفهم ونتفضح... ومتنساش تبقى تعرف دم مين بيجري في عروق مروان وخلّاه يعمل كده..."
زجره عابد بقسوة وغل وهو يدرك أنه يعيد عليه كلماته السابقة. أشار بيده إلى الفتاتين، صارخاً بشراسة:
"قدامي يا بت انتي وهي، قدامي..."
ركضت الفتاتان نحو الباب فور سماعهما أمره هذا، ليتبعهم مروان وعابد، الذي أغلق خلفه باب الشقة بقوة اهتزت لها أرجاء المكان.
فور مغادرتهم، احتضنت صدفة راجح محيطة خصره بذراعيها، تضمه إليه بقوة، تفرك ظهره بيديها بحنان محاولة امتصاص ألمه. رفعت وجهها إليه تنظر إلى عينيها المنكوبة، هامسة بالسؤال الذي كان يشغل عقلها دائماً:
"هو ليه على طول بيتعامل معاك كده؟!"
توتر جسد راجح، بينما شحب وجهه فور سماعه سؤالها هذا. ظلت عيناه مسلطة بعينيها، يشعر بالعجز وهو لا يعلم بما يجيبها. فكيف له أن يخبرها بأنه يتعامل معه بهذا الأسلوب القاسي لأنه ليس ولده، وأن والده الحقيقي ليس إلا مغتصب. قد اغتصب فتاة ضعيفة تعمل لديه، وكان هو نتاج هذا الاغتصاب.
تنحنح، مبعداً إياها عنه، قائلاً بحدة مصطنعة حتى يشتتها عن سؤالها:
"ابعدي عني ومتتكلميش معايا يا صدفة..."
ليكمل وهو يشير نحو ساعده المخدوش بسبب أظافرها:
"ولا فكرك هنسى اللي عملتيه فيا..."
احمر وجهها بشدة، شاعرة بالخجل من هجومها عليه واتهامها إياه بالخيانة. حاولت الإمساك بيده، لكنه تراجع للخلف بعيداً عنها واتجه نحو غرفة النوم، تاركاً إياها واقفة بمفردها تتطلع إلى أثره بسخط وغضب من نفسها.
بعد عدة دقائق.
دَلفت إلى الغـرفـة لتجد راجح مستلقياً على الفراش بعد أن ظل بملابسه يلعب بهاتفه. اتجهت نحو خزانة ملابسها وأخرجت إحدى عباءات النوم ذات التفصيلة المحكمة على جسدها، ثم دلفت إلى الحمام، استحمت وارتدت ملابسها، ثم خرجت تتهادى إلى الخارج، تنظر بعينين تلمعان إلى ذلك الذي لا يزال مستلقياً على الفراش يقلب بهاتفه. همهمت باسمه بدلال ليرفع عينيه إليها، أخذ يمرر نظره على جسدها من الأعلى لأسفل بنظرات باردة، قبل أن يخفض عينه إلى الهاتف مرة أخرى.
شعرت صدفة بالإحباط من ردة فعله تلك. صعدت إلى الفراش تجلس جانبه، مقتربة منه وهي تهمس بدلال:
"رجوحتي..."
لتكمل واضعة يدها فوق صدره تدلكه ببطء، متحسسة جلده العاري، بينما تقرب شفتيها من أذنه هامسة بصوت أجش مغرٍ:
"قلب مهلبيته من جوا..."
تسارعت دقات قلب راجح بجنون فور سماعه كلماتها تلك، بينما اشتعل جسده تأثراً بحركة يدها التي كانت تفرك صدره العاري. لكنه تمالك نفسه وأزاح يدها من فوق صدره، هاتفاً بحدة:
"توكلي على الله وروحي نامي..."
اقتربت منه مرة أخرى، تلصق جسدها بجسده، تحيطه بذراعها، بينما تدفن رأسها بعنقه، تقبله بحنان وهي تهمس له بشغف من بين قبلاتها:
"خلاص بقي يا روحي، مكنتش أقصد... أنا شفت البنات، اتجننت..."
لتكمل وهي مستمرة بتقبيل عنقه:
"بغير عليك... غصب عني..."
جز راجح على أسنانه، مقاوماً بصعوبة رغبته في دفعها على الفراش وامتلاكها. ابتعد عنها وهو يتنفس بقوة كما لو كان يركض بسابق، هاتفاً بها:
"متحاوليش..."
ليكمل بسخرية وهو يمسك بين إصبعيه بصدر عباءتها يلوح به:
"بعدين هو انتي لما تحبي تصالحيني وتضحكي عليا تلبسي الشوال اللي انتي لابسه ده....."
احتقن وجه صدفة بالغضب، هاتفاً بحدة وقد أصبح صوتها غليظاً منفعل، حيث نفذ صبرها معه:
"جرى إيه بقى... عمالة أراضي فيك وأدلع فيك وأنت معندكش دم. ما تتصالح بقى يا عم وخلصني، بعدين مالها العباية؟ مش عاجباك؟ في إيه؟"
تراجع رأس راجح للخلف بصدمة فور سماعه كلماتها تلك. هو لا يصدق التحول الذي حدث لها، فمنذ لحظات كانت أنثى شديدة الدلال. وضع يده على مؤخرة رأسها يدفعها إلى الأمام برفق، قائلاً بسخرية:
"إيه يا عبده موته؟ مالك في إيه؟ في ثانية قلبتي ما كنت حلوة وعمالة تدلعى...."
دفعت صدفة يده بعيداً عن رأسها، تزجره بنظرة مشتعلة. زفرت بحدة وغضب، ثم أخذت تهدئ غضبها، محاولة تذكير نفسها أنها ترغب بأن تجعله يسامحها، وليس اغتصابه مرة أخرى.
عادت إلى حالتها الأولى من الرقة والغنج، اقتربت منه تقبل خده وهي تهمس بصوت رقيق يملؤه الدلال، يخالف تماماً صوتها السابق:
"علشان خاطري بقي.... خلاص..."
لينفجر راجح في الضحك بصوت مرتفع فور أن سمع تحولها هذا. غمغم من بين ضحكاته:
"عليا النعمة انتي بت مخك طاقق...."
ضربته بصدره وهي تهتف بحدة:
"تصدق إنك بارد ومعندكش دم فعلاً، وأنا غلطانة إني بعبرك أصلاً......"
قاطعها راجح بصرامة وهو يزجرها بقسوة:
"بت لمي لسانك... وصوتك ميعلاش..."
هتفت بحدة وهي تشير إلى بداية علاقتهم:
"اهاااا... رجعنا تاني لصوتك... صوتك... اللي كنت ماسكهالي زمان...."
لتكمل هاتفة بصوت مرتفع للغاية وهي تحاول استفزازه أكثر:
"طيب اهو... يا راجح وريني هتعمل إيه...."
قطعت جملتها مطلقة صرخة مرعبة عندما قبض على ذراعها وجذبها نحوه لتسقط فوق صدره، ويصبح وجهه لا يبعد عن وجهها سوى بوصات قليلة. قرب شفتيه من شفتيها مما أشعل الترقب بجسدها الذي اشتاق إليه. لكن توقفت شفتيه التي كانت قريبة من شفتيها إلى حد التلامس.
ولمفاجأتها، رأته يبتسم ابتسامة واسعة وهو يغمغم بنبرة ذات معنى:
= بتعملي كده عشان أعاقبك زي زمان، مش كده؟
التقط شفتها السفلية بين أسنانه، يضغط عليها برفق لعدة لحظات قبل أن يطلق سراحها وهو يكمل:
= لئيمة يا مهلبية.
احمر وجهها بشدة من اكتشافه أمرها، مما جعلها تحاول النهوض من فوقه بسخط، لكنه شدد من ذراعيه حولها رافضًا تركها تذهب:
= عايزاني أسامحك؟
زفرت بحدة قبل أن تهز رأسها بقوة. مرر يده فوق وجهها يبعد شعرها المتناثر عن عينيها وهو يكمل بمكر:
= يبقى تقومى دلوقتي زي الشاطرة تعمليلي حلة محشي وتلبسي قميص نوم حلو.
هتفت بحدة وهي تزجره بعينيها المشتعلة بلهيب الغضب:
= نعم يا خويا، محشي الساعة 3 بليل؟
لتكمل بغضب وهي تدفع بعيدًا ذراعيه التي كانت تحيط خصرها وتنهض من فوقه:
= مش عاملة حاجة، وبراحتك متتصالحش.
ثم استلقت على جانبها من الفراش توليه ظهرها بغضب، بينما ظل هو مستلقيًا مكانه، عينيه مسلطة عليها بخيبة أمل بها. لكن لم تمر لحظات حتى زفرت بحنق واستسلام، مستديرة إليه قائلة بحدة:
= عايز تأكل إيه مع المحشي؟
ضيق راجح عينيه عليها قائلًا بهدوء:
= هتعمليه؟
أومأت قائلة وهي تجلس:
= هعمله طبعًا. مقدرش أسيبك زعلان مني.
أحاط خصرها بذراعه جاذبًا إياها نحوه، يضمها إليه بقوة، دافنًا وجهه بشعرها، مقبلًا رأسها بحنان:
= مش عايز حاجة يا حبيبتي.
رفعت رأسها تنظر إليه مغمغمة بعدم فهم:
= ليه؟ مش أنت جعان؟ والله هعمله على طول. أنت زعلت إني قلت لأ؟ والله ما كنت أقصد أنا...
قاطعها راجح طابعًا قبلة رقيقة على شفتيها:
= مش زعلان. بعدين أنا مش جعان للمحشي، أنا جعان للمهلبية.
ضحكت بصوت مغرٍ رنان جعل قلب راجح يهتز داخل صدره. قبل جانب شفتيها بحنان قبل أن يضم جسدها إلى جسده أكثر، بينما رفعت هي يده وأخذت تقبل الخدوش التي خلفتها أظافرها بوقت غضبها وهي تهمس معتذرة له:
= حقك عليا يا حبيبي.
غمغم راجح بلوم وهو يغرز أصابعه بجانب رأسها، متنعماً بنعومة شعرها بين أصابعه:
= تقومى تهجمي عليا وتعملي اللي عملتيه ده؟
أحاطت خده بيدها تتحسسه برفق وهي تهمس:
= غصب عني. أنت لو مكاني كنت هتعمل إيه؟
أجابها على الفور بنبرة يتخللها القسوة، بينما عينيه تلتمع بشراسة:
= كنت دبحتـ.ـك.
سرت رجفة من الخوف بجسد صدفة فور أن رأت القسوة والشراسة التي تلتمع بعينيه. فقد كانت تعلم أنه شديد الغيرة، لكن ليس إلى هذا الحد. ابتسمت محاولة تمرير الأمر:
= أقوم أعملك المحشي وأغير هدومي وألبس قميص النوم الأحمر.
لانت تعبير وجهه وهو ينحني فوقها قائلاً بصوت أجش والإثارة تلتمع بعينيه:
= قولتلك هاكل مهلبية. بعدين مالوش لازوم القميص، كده كده هتقلعيه.
شهقت صدفة عندما رأت الرغبة التي أظلمت بها عينيه، لكنه كتم شهقتها تلك بشفتيه، حيث ضمها إليه أكثر، بينما يستحوذ بالكامل على شفتيها، مقبلًا إياها بشغف، مما جعل الحرارة تنتشر داخل عروقه سريعًا، قبل أن يغيبا سويًا إلى عالمهم الخاص.
بعد مرور يومين.
كانت هاجر جالسة بغرفتها عندما أخذ هاتفها بالرنين. توترت فور أن رأت اسم توفيق، التي كانت تسجله بإحدى أسماء أصدقائها حتى لا ينكشف أمرها إذا رآه أحد.
نهضت مسرعة لكي تغلق باب غرفتها بالمفتاح قبل أن تذهب إلى أقصى الغرفة وتجيبه حتى لا تسمعها والدتها الجالسة بالخارج.
= الو، أيوه يا حبيبي.
أسرع توفيق بالقول دون مقدمات:
= هاجر، أنا واقع في مصيبة. عليا لواحد ٧ آلاف ولازم أدفعهم بكرة، وإلا هايجيلي الأجنص ويكسرني فوق دماغي.
شهقت هاجر قائلة بهلع:
= يا خبر! طيب وهتعمل إيه؟
أجابها توفيق بمكره المعتاد:
= أنا مليش غيرك. عشان كده جيتلك تشوفيلى أي مبلغ معاكي. أنا معايا ٣ آلاف وناقص ٤ آلاف.
غمغمت هاجر بارتباك:
= بس أنا هجيبلك المبلغ الكبير ده منين يا توفيق؟ أنا معيش غير ٥٠٠ ج باقي مصروف الشهر.
قاطعها توفيق على الفور:
= اتصرفي يا هاجر، شوفي أي طريقة.
صمتت هاجر تفكر بحل لمشكلتها تلك، فوالدتها لم تعد تضع فلوس بصندوق الخازنة، ووالدها لا يمكنها حتى الاقتراب من حافظة أمواله. انخفضت عينيها إلى الخاتم الذي بيدها لتسرع قائلة:
= خلاص هبيع الخاتم بتاعي. هيجيب ممكن ألفين جنيه. كده هيبقي ٢٥٠٠ ج.
قاطعها توفيق بحدة:
= مش كفاية يا هاجر! أنا محتاج ٤ آلاف، ومافيش غيرك قدامي. راجح أخوكي بسبب حوار مراته وهو مبقاش يتكلم معايا زي الأول.
قاطعته هاجر بحدة والغيرة تنهش صدرها:
= موضوع مراته إيه؟ أوعى تكون عاكستها؟
أجابها بارتباك وحدة:
= أعاكس مين؟ انتي عايزة أخوكي يقتلني؟ ده مبيستحملش كلمة عليها.
همهمت هاجر بالموافقة:
= فعلاً، مبيطقش حد يقرب منها أو يتكلم معاها نص كلمة. حتى ماما. ده غير غيرته عليها بيتجنن كده لو في راجل غريب اتكلم معاها.
ثم بدأت تخبره بما فعله مع مدحت ابن خالتها لتنهي كلامها ضاحكة:
= ده أنا ساعات بحس إنه بيغير مننا إحنا شخصيًا عليها.
همهم توفيق بصوت منخفض محدثًا نفسه وعينيه تلتمع بالشهوة فور تخيله لصورة صدفة أمامه:
= حقه. حقه ده معاه بطل أبطال العالم.
هتفت هاجر بحدة:
= بتقول إيه؟
أجابها قائلاً سريعًا بارتباك وتوتر:
= أبداً. ده أنا بفكر هنيل إيه في مصيبتي بتاعت بكرة دي. شكلي هقضي اليومين الجايين في المستشفى من اللي هيحصلي بكرة.
تنهدت هاجر قائلة باستسلام وعجز:
= طيب يا توفيق، هحاول أتصرف.
لتكمل بقلق عندما سمعت صوت جرس الباب بالخارج:
= طيب اقفل دلوقتي عشان بابا شكله جه. هتصرف في الفلوس وهقابلك بكرة بعد درس الكيميا.
ثم أغلقت معه وفتحت الباب وخرجت لاستقبال والدها كعادتها.
دلف راجح إلى المنزل وهو يحمل بين يديه عدة حقائب ليجد صدفة تركض من غرفة النوم إلى البهو لكي تستقبله كعادتها وعلى وجهها ترتسم أجمل ابتسامة قد رآها بحياته. اقتربته منه محاولة احتضانه، لكنه تراجع إلى الخلف بعيدًا قائلاً بصرامة:
= اغسل إيدي وشي وأغير هدومي، بعدين أحضني زي ما انتي عايزة.
زفرت صدفة بحنق، فهذه كانت عادته منذ أن أصابوا بالكورونا، لا يدعها تلمسه إلا بعد أن يغسل يديه ووجهه ويقوم بتبديل ملابسه.
ليكمل وهو يعطيها الحقائب التي بيده ما عدا واحدة صغيرة ظل محتفظ بها:
= أنا جايب لنا أكل. ظبطيلنا الأكل في أوضة الأنتريه عقبال ما أغير هدومي.
أومأت برأسها بينما تأخذ الحقائب إلى المطبخ حتى تفرغ الطعام بالأطباق.
ثم أخذتها إلى غرفة الاستقبال ووضعتها على الطاولة هناك حتى يستطيعوا مشاهدة التلفاز أثناء تناولهم للطعام.
كانت واقفة تقلب بقنوات التلفاز حتى تجد شيئًا يشاهدوه سويًا، عندما شعرت بذراعي راجح تلتف حول خصرها من الخلف، يضمها إليه ليصبح ظهرها ملتصقًا بصدره الصلب العريض. همس بجانب أذنها وهو يقبل عنقها:
= نحضن بقي براحتنا.
استدارت بين ذراعيه تلقي بذراعيها حول خصره تضمه إليها بقوة. ظلوا على وضعهم هذا عدة لحظات قبل أن يتركها ويجذبها معه ليجلسوا على الأرض حتى يتناولوا طعامهم ويتحدثون سويًا عن ما حدث بيومهم. انهى جملته تلك، واضعًا رأسه على صدرها. ثم أحاط خصرها بذراعه ليصبح كالطفل الذي يستلقي بحضن والدته.
ابتسمت صدفة، أحاطت رأسه بيدها، دافنة أصابعها بشعره تدلك رأسه بلطف وحنان، مقبلة أعلى جبينه. بينما تشدد من احتضانها له، شاعرة بأنها تملك الدنيا وما فيها، وقد عوضها الله أخيرًا بهذا الزوج الحنون.
***
في اليوم التالي...
صعدت هاجر إلى شقة راجح فور أن رأت صدفة تغادر المنزل وتذهب للتسوق.
كانت جالسة على الفراش تبحث بالمكان الذي اعتاد راجح أن يضع ماله به. أخذت كل المال وجلست على الفراش تعده، لتجده ألف وخمسمائة جنيه كما تريد تمامًا.
اتصلت بتوفيق على الفور لكي تخبره أن المال معها.
"أيوه يا توفيق.. أيوه يا حبيبي أنا جمعتلك المبلغ. أنا هنزل دلوقتي أعمل نفسي رايحة درس الفيزيا وهقابلك في الشارع اللي ورا السنتر."
لتكمل بحدة عندما أخبرها أنه لا يستطيع ترك الأجنص بمفرده، حيث العامل الذي يعمل لديه لم يأتِ للعمل اليوم.
"يا توفيق اقفل الأجنص ساعة.. وابقى ارجع افتحه تاني. أنا لو مقابلتكش النهاردة مش هعرف أشوفك بكرة، معنديش دروس. تمام... تمام أنا نازلة أهو."
أنهت المكالمة ونهضت مسرعة لكي تذهب، لكن ما أن استدارت تجمدت في مكانها، وقد بردت الدماء بعروقها ما أن رأت تلك الواقفة بمدخل الغرفة تشاهد ما تفعله بأعين متسعة بالصدمة.
فقد نسيت صدفة حافظة أموالها وعادت إلى المنزل مرة أخرى حتى تحضرها، لتتفاجأ بالذي تراه أمامها.
اقتربت منها صدفة هاتفة بصوت يملؤه الغضب:
"بتسرقي فلوس أخوكي وشقاه عشان تديه لتوفيق الكلـ.ـب!"
لتكمل وهي تندفع نحوها وكامل جسدها ينتفض غضبًا:
"بتحبيلي في توفيق وماشية معاه..."
همست هاجر بارتجاف وخوف:
"لا... والله... يا صدفة انتي فاهمة غلط..."
هتفت بها صدفة بقسوة وعينيها تنطلق منها شرارات الغضب:
"فاهِمة غلط إيه، ما سمعت كل حاجة. يخربيتك ده أكبر منك، أقل حاجة بـ ١٨ سنة، ده غير إنه متجوز ومخلف اتنين ومراته حامل في التالت.... بيضحك عليكي وبيستغلك."
هتفت بها هاجر بشراسة وقسوة فور سماعها كلماتها تلك، وقد اختفى خوفها:
"لا هيطلقها... هو قالي إنه بيحبني..."
لتكمل وهي تزجر صدفة بقسوة وحدّة:
"بعدين انتي مالك أصلاً. أحبه محبوش انتي مالك...."
هزت صدفة رأسها قائلة بموافقة:
"صح عندك حق، تحبيه متحبوش ميخصنيش....."
لتكمل بحدة وقسوة وهي تختطف منها المال الذي لا يزال بيدها:
"بس سرقتك لجوزي.. وسرقتك لأمك اللي اتهمتني أكتر من مرة إني سرقت فلوسها... وكنت هلبس برضه الفلوس اللي سرقتيها دلوقتي. ده بقي يخصني... عشان كده هنزل لأمك دلوقتي وهعرفها كل حاجة."
ضحكت هاجر قائلة ببرود وهي تهز كتفيها:
"ماما عمرها ما هتصدقك."
أومأت صدفة برأسها قائلة بهدوء:
"عندك حق برضو في دي، يبقي مش هتتحركي من هنا وهاتصل براجح يجي يعرف انتي كنتي بتعملي إيه هنا واحنا مش موجودين، وجبتي مفتاح شقتنا منين، وكنتي بتعملي إيه بفلوسه اللي في الدرج، ويبقي يعرف هو بطريقته بتسرقيهم وتوديهم لمين...."
شحب وجه هاجر، وقد دب الرعب بأوصالها. تعلم أن شقيقها سيصدق زوجته، وإذا علم بأمر توفيق سيقوم بقتلها.
اندفعت راكضة نحو صدفة تمسك بيدها تتوسل بصوت مختنق:
"لا ونبي يا صدفة.... بلاش راجح."
دفعت صدفة يدها بعيدًا، قائلة بحدة وهي تستدير لكي تأتي بهاتفها الذي كانت تركته على الشاحن بالخارج:
"اوعي. ده أنا شفت الذل بسببك. شككتي جوزي فيا وبقيت أتعامل على إني حرامية، وأمك كل يوم تسمعني كلام زي السم."
أمسكت هاجر ذراعها تجذبها وهي تصرخ:
"بلاش راجح... يا صدفة."
نفضت صدفة يدها بعيدًا، بينما تتجه نحو البهو لكي تأتي بهاتفها.
بينما وقفت هاجر تتطلع حولها بعجز، تحاول إيجاد حل لإيقافها قبل فضحها. فلم تشعر بنفسها إلا وهي تمسك بالمزهرية المصنوعة من الزجاج الثقيل وتضرب بها بقسوة رأس صدفة من الخلف، لتسقط على الفور مغشيًا عليها، والدماء والزجاج منتشر حول رأسها الذي كان ينزف.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل الثامن عشر 18 - بقلم هدير نور
وقفت هاجر تتطلع إلى تلك الملقاة على الأرض غائبة عن الوعي، لكن فُطنت للدماء المتسربة من أسفل رأسها. انفجرت باكية تنتحب بقوة، لاطمة خديها ظناً منها أنها قد قامت بقتلها.
جلست على عقبيها بجانبها تضربها برفق على خدها، هاتفة باسمها بصوت مرتعش من بين شهقات بكائها، محاولة إفاقتها لكن لم تستجب لها، حيث ظلت ساكنة بمكانها. مما جعل انتحاب هاجر يزداد والخوف بداخلها يزداد أكثر وأكثر.
أسرعت بالنهوض بتعثر على قدميها، متجهة نحو طاولة الزينة تختطف من فوقها زجاجة عطر وعادت تنحني فوق صدفة تضع العطر أمام أنفها. ظلت صدفة ساكنة لا تستجيب عدة لحظات قبل أن يرتجف جفنيها باستجابة، مصدرة أنينًا متألمًا من بين شفتيها. وهي تفتح عينيها ببطء، تنهار هاجر جالسة على الأرض، تضع يدها فوق صدرها موضع قلبها، متنفسة براحة وهي لازالت تنتحب بشهقات مختنقة.
جلست صدفة ببطء وهي تنظر إليها بأعين غائمة، بينما لا تزال الرؤية أمامها مشوشة، شاعرة بألم رهيب يضرب خلف رأسها. اندفعت نحوها هاجر ممسكة بيدها هامسة ببكاء:
"والله ما كنت أقصد أضربك... أنا ما حستش بنفسي لما لقيتك هتتصلي براحح..."
ابتلعت باقي جملتها عندما نفضت صدفة يدها بعيدًا برفض واضح، ثم نهضت على قدميها ببطء وهي تضع يدها فوق رأسها التي كانت لا تزال تنزف.
أسرعت هاجر منتفضة واقفة بجانبها تمسك بها عندما بدأت تترنح بمكانها، هامسة برجاء:
"عشان خاطري يا صدفة متقوليش حاجة لراجح هيموتني..."
لتكمل وهي تنحني على يدها تحاول تقبيلها:
"أبوس إيدك طيب اسمعيني الأول قبل ما تقولي له حاجة..."
نزعت صدفة يدها بعيدًا عنها قبل أن تلتف وتتجه بخطوات مترنحة نحو الطاولة التي تضع عليها هاتفها، الذي تناولته بين يديها المرتجفة الممتلئ بالدماء.
لتسرع هاجر باللحاق بها هاتفة بعجز وقد تملك منها الخوف عندما رأتها تضع الهاتف على أذنها:
"توفيق... توفيق ماسك عليا صور وبهددني بيها علشان كده بسرق الفلوس وأديهاله علشان أسكته..."
أخفضت صدفة الهاتف فور سماعها كلماتها تلك، وقد تجمدت الدماء بعروقها من شدة الصدمة. التفت إليها هامسة بصوت يملؤه الرعب والتوجس:
"صور إيه بالظبط اللي ماسكها عليكي؟"
تطلعت إليها هاجر بارتباك وأعين ممتلئة بالخوف فور إدراكها مدى خطورة كذبتها تلك. فهي لا تنكر أن توفيق قد هددها ذات مرة منذ مدة بعيدة بصور كانت قد أرسلتها له بسبب إلحاحه الشديد عليها، وكانت تلك الصور لها بملابس منزلية عارية بعض الشيء. وقتها هددها بها عندما أخبرته أنها ستتركه عندما رفض تطليق زوجته، لكنه بعدها قد أخبرها أنه قد ندم على فعلته تلك وأنه ما فعلها إلا من يأسه عندما ظن أنه سيخسرها، وهي صدقته بالطبع.
خرجت من أفكارها تلك هامسة بصوت مرتبك:
"صور... صور... أأا..."
قبضت صدفة على ذراعها تضغط عليه بقوة رغم شعورها بالإعياء والدوار، مزمجرة بشراسة:
"ما تنطقي صور إيه... عريانة ولا إيه بالظبط؟"
أجابتها هاجر سريعًا بتلعثم وفزع، وقد ازداد شحوب وجهها أكثر وأكثر:
"لأ... لأ... عريانة إيه مش للدرجة دي... دي... دي صور ليا وأنا... وأنا بلبس البيت وبشعري كنت بعتهاله وإحنا بنتكلم..."
دفعتها صدفة بحدة للخلف وهي تهتف بغضب، بينما تسقط جالسة على المقعد بترنح وتعب:
"الله يخربيتك... الله يخربيتك يا شيخة... دي مصيبة أخوكي وأبوكي لو عرفوا هيقتلوكي..."
ربتت هاجر بيدها فوق صدرها باسترجاء وهي تهمس باكية:
"عشان خاطري متعرفيش راجح حاجة..."
زجرتها صدفة بغضب وحدة وهي لا تزال لا تصدق ما فعلته، فكيف لها ترسل صورًا خاصة بها بتلك الجرأة لرجل غريب؟ فإذا علم راجح شيئًا كهذا لن يتردد بقتلها.
شعرت بالدوار يصيبها مما جعلها تجلس على إحدى المقاعد، هامسة بينما تشير نحو الدماء والزجاج المتناثر على الأرض:
"شيلى الإزاز ده وامسحي الدم ده من على الأرض. خليني أكلم راجح ييجي يخدني المستشفى..."
هتفت هاجر بهلع وخوف وقد:
"هتقوليله... وحياة أغلى حاجة عندك يا صدفة بلاش..."
قاطعتها صدفة بحدة وضيق:
"مش هتنيل أقوله حاجة بس اخلصي واعملي اللي بقولك عليه. أنا مبقيتش حاسة براسي... ولو جه وشاف الإزاز والدم ده هتبقى مصيبة فعلاً..."
غمغمت هاجر بشك وهي تتفحص الدماء المنسابة على جانب وجهها:
"طيب هتقوليله اتعورتي إزاي؟"
أجابتها صدفة بضيق وقد بدأ الألم يزداد برأسها أكثر:
"هقوله اتزحلقت في الحمام واتخبطت في البانيو... اخلصي بقى..."
تنهدت هاجر براحة بينما تنهض مسرعة تنفذ ما أمرتها به صدفة. كانت تمسح الأرضية عندما أخذت تستمع باهتمام إلى صدفة التي تتحدث مع راجح بالهاتف وتخبره بأنها قد سقطت بالحمام وضربت رأسها بحوض الاستحمام.
ثم سمعتها تغمغم مسرعة:
"راجح اهدى..."
لتكمل صدفة كاذبة محاولة تهدئته عندما سمعت الهلع بصوته:
"اهدأ يا حبيبي مفيش حاجة لكل ده... هو مجرد خبطة بسيطة بس دايخة شوية..."
لتكمل سريعًا بقلق وخوف عليه وهي تسند على ذراعها رأسها الذي أصبحت تشعر به ثقيل كالحجر الضخم:
"راجح سوق براحة أنا مش بموت يعني دي مجرد خبطة بسيطة... اطمن والله..."
أنهت صدفة المكالمة مع راجح في ذات الوقت الذي انتهت به من تنظيف الأرضية.
نهضت مسرعة نحو باب المنزل راغبة بالمغادرة قبل قدوم راجح، وهي لا تبالي بتلك التي كان يظهر عليها الإعياء بوضوح تدفن وجهها بين ذراعيها التي كانت تضعها فوق الطاولة.
"صدفة أنا هنزل بسرعة قبل ما راجح ييجي... ونبقى نكمل كلامنا بعدين..."
همهمت صدفة بالموافقة بصوت ضعيف وهي ما تزال مغلقة عينيها بتعب.
ولم تمر سوى دقائق قليلة وانفتح باب الشقة ودلف راجح إلى المنزل بوجه شاحب وعينين قلقة. اتجه نحوها وقلبه يعصف بداخله من شدة الخوف فور أن وقعت عينيه عليها جالسة على إحدى المقاعد تدفن وجهها بين ذراعيها. اقترب منها على الفور يهزها برفق وهو يهمس اسمها بلهفة وخوف. لترفع رأسها من بين ذراعيها تنظر إليه بأعين مشوشة، ليصعق فور أن رأى الدماء التي على جانب وجهها. هتف بقسوة وهو يكاد أن يجن:
"هي دي اللي خبطة بسيطة يا صدفة..."
ليكمل وهو ينزع حجابها من حتى يتفحص جرحها الذي وجده ليس كبيرًا كما تخيل، لكن رغم ذلك لم يهدئ قلقه أو خلفه عليها. حيث قام بعقد حجابها مرة أخرى حول رأسها، من ثم ساعدها على النهوض والهبوط إلى الأسفل حتى يذهب بها إلى المشفى. التي ما إن وصلوا إليها قام بفحصها الطبيب وأخبره أنه ليس جرحًا خطيرًا أو عميقًا، وأن سبب هذه الدماء الغزيرة التي كانت تغطي رأسها ووجهها هو أنها تعاني من ما يسمى بسيولة الدم.
لكنها أيضًا بحاجة إلى أن يخيط الجرح باثنين من الغرز الطبية. وفور أن سمعت صدفة بذلك ارتعبت، أمسكت بيد راجح والخوف مرتسم على وجهها بوضوح، بينما كامل جسدها ينتفض بخوف وعينيها ممتلئة بالدموع.
مما جعل راجح يقف بجانبها يمسحها بين يديه يضغط عليها برفق هامسًا بأذنها بصوت منخفض بأنه معها ولا تخف.
ظل ممسكًا بيدها بينما كان الطبيب يقوم بتخيط جرحها، وفور أن انتهى الطبيب أخبره بأنه يمكنه اصطحابها إلى المنزل ويجب عليه أن يراقبها خلال الساعات القادمة، فإذا شعرت بالغثيان أو الإغماء فيجب عليه إحضارها على الفور للمشفى. فرغم أنه تم الاطمئنان من عدم وجود أي ضرر قد تسببت به السقطة لها، وذلك من خلال الأشعة التي تم إجراؤها لها فور وصولهم للمشفي، إلا أن هذا إجراء مهم. ومن الأفضل أن تظل مستيقظة خلال الساعات القادمة حتى يستطيع مراقبتها.
عاد بها راجح إلى المنزل والقلق والخوف عليها يسيطران عليه.
قام بمساعدتها على تبديل ملابسها ثم جعلها تستلقي فوق الفراش. انحنى عليها ممررًا يده بحنان فوق وجهها مبعدًا خصلات شعرها المتناثرة إلى خلف أذنها:
"هروح أعملك حاجة خفيفة تاكليها..."
أومأت برأسها بالموافقة بصمت، بينما تشعر بالتشوش في رؤيتها، فقد كانت عينيها ثقيلة للغاية وترغب بالنوم.
عاد راجح إلى الغرفة بعد عدة دقائق يحمل صحنًا به عدة شطائر وكوب من العصير، لكن تجمدت خطواته وقد دب الرعب أوصاله فور أن رأسها منحني على صدرها وعينيها مغلقة، بينما يحل عليها سكون بث الرعب بداخله.
ركض نحوها على الفور واضعًا الصحن من يده على الطاولة قبل أن يحيطها بذراعيه والفزع يسيطر عليه، ظنًا منه أنها قد أصيبت بالإغماء كما حذره الطبيب. هتف اسمها بصوت يملؤه الخوف والهلع وهو يهزها.
لكن هدأ هلعه هذا فور أن رآها تفتح عينيها هامسة بصوت أجش:
"إيه في إيه يا راجح؟"
أحاط وجهها بيديه مغمغمًا بلهفة بكلمات غير مترابطة، بينما عينيه الممتلئة بالقلق تمر على أنحاء وجهها محاولاً الاطمئنان من أنها بخير.
"انتي كويسة؟ حصلك حاجة؟ اغمي عليكي؟"
أجابته صدفة بارتباك ورموشها ترفرف باضطراب، بينما تحاول أن تستوعب ما يحدث:
"اغمى عليا إيه؟ أنا بس نمت غصب عني وأنا قاعدة..."
لتكمل وهي تعتدل في جلستها، واضعة يديها فوق يديه التي تحيط وجهها محاولة طمأنته:
"اطمن يا حبيبي أنا والله كويسة..."
زفر راجح براحة مقبلًا أعلى رأسها بحنان:
"مينفعش تنامي يا صدفة... انتي سمعتي الدكتور لازم تفضلي صاحية على الأقل لبكرة الصبح علشان لا قدر الله حصل حاجة نلحقك على طول..."
هزت رأسها هامسة بتعب:
"بس أنا مش قادرة يا راجح... عايزة أنام..."
جذبها إلى ذراعيه يحتضنها بقوة، مربتًا على ظهرها بحنان:
"معلش يا مهلبيتي استحملي عشان خاطري... وأنا هفضل سهران معاكي هنقعد نتكلم سوا ونتفرج على التلفزيون وكلها كام ساعة ويعدوا بسرعة..."
أومأت برأسها بالموافقة لتندس أكثر بين ذراعيه تحتضنه بقوة، بينما تغرق وجهها بصدره مستمتعة بدفئه وحنانه الذي يغدقها به دائمًا.
ظل راجح طوال الساعات التالية يتحدث إليها حتى تظل مستيقظة ومنتبهة، ثم شاهدوا التلفاز. وعندما لاحظ أن النعاس أصابها خرج بها إلى الشرفة وجلسوا بها عدة ساعات يتحدثون ويضحكون بصوت منخفض حتى لا يصل صوتهم إلى الجيران النائمين.
في وقت لاحق من ساعات الفجر الباكر، كانت صدفة جالسة بجانب راجح الذي كان يضم جسدها بين ذراعيه بينما يشاهدون التلفاز.
غمغمت بينما تعدل من موضع رأسها الذي كان يستند إلى صدره.
= راجح اقلب القناة المسلسل خلص.
لكن لم يصلها إجابة منه، مما جعلها ترفع وجهها إليه لتجده شبه نائم، حيث كانت عيناه تغلق ببطء بينما رأسه ينحني للأمام. لكنه سرعان ما رفع رأسه وأجبر عينيه على أن تفتح وتظل مستيقظة.
مما جعل شعور بالذنب يجتاحها، فقد كان مستيقظًا لأكثر من 24 ساعة، حيث قد استيقظ بفجر الأمس حتى يذهب للوكالة لاستلام البضاعة، من ثم اضطر أن يظل مستيقظًا معها.
اعتدلت في جلستها مقتربة منه هامسة بحنان إليه وهي تضم رأسه إلى كتفها.
= نام يا حبيبي. و متخفش أنا هفضل صاحية.
تنهد راجح وهو يفرك وجهه بعنقها قبل أن يطبع قبلة حنونة عليه.
= لا أنا صاحي. هانت كلها كام ساعة و أنام. أنا كده كده مش رايح الشغل النهارده.
دفنت أصابعها بشعره تدلك رأسه بحنان بينما تقبل جبينه، وقلبها يرتجف بداخلها من شدة الحب الذي تشعر به نحوه بهذه اللحظة، فقد كان كل شيء بالنسبة إليها.
فلم تكن تتخيل عندما تزوجته أن تصبح حياتها بهذا الشكل الرائع، فراجح رغم عصبيته في بعض الأحيان وغيرته الجنونية عليها، إلا أنها لم تقابل بحياتها رجل في مثل حنانه ولين قلبه عليها.
تنهدت وهي تحيط خصره بذراعها تضمه إليها بينما تتابع معه المسلسل الذي بدأ على شاشة التلفاز.
***
بعد مرور يومين.
طرقت صدفة باب غرفة هاجر قبل أن تدلف إلى الداخل لتجدها جالسة على مكتبها الخاص تدرس، لكن تجهم وجهها فور رؤيتها لها.
= في إيه يا صدفة؟
أجابتها صدفة بهدوء بينما تتقدم لداخل الغرفة.
= قومي يلا البسي وتعالي معايا علشان نشوف حل مع الزفت توفيق ده.
انتفضت هاجر واقفة هاتفة بفزع.
= هنقابله هنعمل إيه؟
لتكمل بفزع وخوف أكبر.
= انتي ناوية على إيه يا صدفة بالظبط؟ أو عي تكوني ناوية تفضحيني.
اقتربت منها صدفة مربتة بلطف على ذراعها مغمغمة بهدوء محاولة تهدئتها.
= متخفيش. احنا هنروحله الأچنص بتاعه وأنا هخليه يمسح صورك كلها. بطريقتي.
قاطعتها هاجر بحدة وارتباك واضحين وهي تشعر بالخوف من ردة فعل توفيق عندما يعلم ما أخبرته لصدفة، فهي حتى الآن لم تخبره بما حدث.
= طيب ما تروحي انتي لوحدك ليه لازم أجي يعني معاكي.
لتكمل بإصرار وهي تهز رأسها بقوة.
= مش هينفع أجي معاكي. روحي لوحدك.
ظلت صدفة تتطلع إليها عدة لحظات بصمت قبل أن تغمغم بتردد.
= بصي أنا هقولك الصراحة. أنا مبعرفش أقرأ ولا أكتب يعني لو اداني تليفونه علشان أمسيح الصور مش هعرف أعمل حاجة علشان كده لازم تبقي معايا.
اتسعت عينا هاجر بصدمة.
= إيه ده بجد انتي مبتعرفيش تقري ولا تكتبي؟
امتقع وجه صدفة من شدة الخجل والحرج وهي تجيبها بارتباك.
= أاا.. أيوه.
لتكمل سريعًا وهي ترفع إصبعها بتحذير بوجهها.
= خدي بالك ده سر محدش يعرفه حتى راجح.
ثم همهمت بعصبية سريعًا محاولة تغيير الموضوع بينما تتجه نحو الباب.
= و يلا يلا انجزي خلينا نروح ونرجع قبل ما راجح يرجع من فرع المنصورة.
أومأت لها هاجر بارتباك بينما تشاهدها وهي تغادر الغرفة، وفور أن أغلقت خلفها الباب، أسرعت وتناولت هاتفها تتصل بتوفيق الذي ما أن أجاب، أخذت تخبره بكل ما حدث.
ارتعدت من الخوف فور أن وصل إليها صوت صراخه الغاضب.
= قولتيليها إيه يا روح أمك.
همست هاجر بارتجاف وخوف.
= طيب كنت أعمل إيه يا توفيق مكنش قدامي حل تاني. هي سمعتني وأنا بكلمك.
قاطعها بوحشية مما جعل يدها التي تحمل الهاتف ترتجف.
= تقومي تلبسيني مصيبة. انتي غبية ولا بهيمة مبتفهميش.
هتفت هاجر بحدة وقد اشتعل الغضب بداخلها فور سماعها كلماته المهينة تلك.
= ده على أساس إن ده محصلش يعني ما انت فعلاً هددتني بالصور اللي معاك قبل كده. ولا نسيت.
ارتبك توفيق فور سماعه كلماتها تلك، غمغم باضطراب فور تذكره لتهديده لها منذ فترة بعيدة بالصور التي أرسلتها له في إحدى الأيام.
فعندما رغبت أن تنهي العلاقة التي بينهم به بسبب رفضه لتطليق زوجته، لم يجد أمامه سوى تلك الصور حتى يهددها بها.
= الكلام ده من فترة بعيدة. بعدين انتي عارفة أنا عملت كده من حبي ليكي مقدرتش أستحمل إنك تسيبيني.
ليكمل زافرًا بحدة وهو يحاول إيجاد حل للمشكلة التي أوقعت به. فصدفة إذا أخبرت راجح، فلن يتردد بقتله ولو لدقيقة واحدة.
= هنعمل إيه دلوقتي؟
أجابته هاجر قائلة بهدوء رغم غضبها منه.
= ولا حاجة هنيجيلك الأچنص وهي هتهددك علشان تمسح الصور اللي معاك في التليفون وناخد التليفون نمسح اللي عليه وخلاص.
هتف بها بقسوة.
= اها يعني انتي بتستغلي الليلة علشان تمسحي الصور مش كده. طيب أنا بقى مبسلمش تليفوني لحد.
قاطعته هاجر بحدة.
= أنا مبستغلش حاجة. بعدين انت مش أكدتلي إنك مسحت الصور دي من زمان.
غمغم توفيق بارتباك.
= هااا.
ليسرع قائلاً بكذب حتى يتدارك هفوته تلك.
= طبعًا حذفتها. ما ده اللي بقول عليه. إزاي هديها تليفوني علشان أمسيح الصور. والصور أصلاً مش عليه.
تنهدت قائلة وهي تفرك جبينها من شدة الألم الذي أصبح يعصف بها.
= متقلقش أنا اللي هاخد التليفون وهمسح اللي عليه. صدفة لا بتعرف تقرا ولا تكتب أصلاً. يعني همسك التليفون ألعب فيه دقيقة ولا حاجة وهقولها حذفتهم.
غمغم توفيق بارتياح.
= اها إذا كان كده ماشي.
ليكمل بهدوء ينافي الغضب المشتعل بداخله.
= اهو نخلص من زنها وبعدها بقى ربنا يبقي يحلها ونتصرف معاها.
همهمت هاجر بالموافقة قبل أن تسرع بالإغلاق معه عندما طرقت صدفة على بابها تستعجلها، لتسرع هاجر بارتداء ملابسها والخروج لمقابلة صدفة بالخارج.
***
في وقت لاحق.
وقف كلا من صدفة وهاجر أمام توفيق داخل مكتبه بمتجر السيارات الخاص به.
= طلع الصور وخلينا نخلص في يومك الأسود ده.
غمغم توفيق ببرود وهو يتراجع في مقعده باسترخاء.
= قولتي لك ممعيش صور. بعدين صور إيه اللي بتتكلمي عليها. أنا مش فاهم.
هتفت به صدفة بقسوة وهي تشير نحو هاجر الواقفة بجانبها بمكتبه الخاص.
= انت هتستعبط صور العيلة اللي ضحكت عليها وفهمتها إنك بتحبها.
لتكمل بازدراء وهي ترمقه من الأعلى للأسفل بنظرات نافرة.
= يا أخي لو محترمتش صاحبك والعشرة اللي بينكوا، طيب احترم الشعر الشايب اللي في راسك ده أنت يا ناقص. لو كنت اتجوزت بدري شوية كنت خلفت قدها.
احتقن وجه توفيق فور سماعه كلماتها تلك هاتفا بشراسة.
= ما تلمي لسانك يا بت انتي. بدل ما أقوم أكسرلك نفوخك.
أسرعت صدفة بنزع نعالها من قدمها وأمسكت به بين يديها ملوحة به بتهديد أمام وجهه الذي كان يرتسم عليه معالم الشر والغضب وهي تهتف بصوت مرتفع.
= قسما بالله يا توفيق يا كخه انت لو الصور بتاعت البت دي ما اتمسحت من تليفونك دلوقتي لهنسل الشبشب ده على جتتك وهصوت وهلم عليك الحي كله. ووقتها بقى راجح هو اللي هيتصرف معاك.
أمسكت هاجر بذراع صدفة تضغط عليها وهي تهمهم بخوف من أن يجذب صوتها انتباه العاملين بالخارج.
= صدفة اهدى مش كده.
نزعت صدفة ذراعها من قبضتها هاتفة بحدة.
= أوعي يا بت انتي ما تتدخليش ومالكيش دعوة.
زجرها توفيق بقسوة وأعين تلتمع بالقسوة والشراسة قبل أن يلقي بهاتفه نحوها قائلا بغضب.
= عندك الزفت اهو. امسحي اللي تمسحيه وغوروا من وشي.
تناولت صدفة الهاتف ووضعته بين يدي هاجر التي أخذته منها وأخذت تعبث به تحت نظرات صدفة التي كانت تتابع باهتمام حركات يدها على الهاتف. لكنها كانت لا تفهم ما تفعله، لكنها حاولت ألا تظهر هذا لتوفيق الذي كان يرمقها بأعين تلتمع بنظرات وقحة فاضحة يتفحص بها جسدها من الأعلى للأسفل ببطء.
وضعت صدفة حذائها فوق المكتب بحدة مصدرة ضجة عالية كتهديد واضح له.
مما جعل توفيق يعتدل في جلسته متنحنحًا بصوت مرتفع وهو يشيح بعينيه بعيدًا عنها وعن نظراتها التي كانت ممتلئة بالاحتقار والغضب.
همهمت باضطراب هاجر التي كانت جاهلة عن حرب النظرات المتبادلة بينهم.
= خلاص مسحتهم.
سألتها صدفة بينما تضغط على مرفقها برفق.
= مسحتي كل حاجة. متأكدة؟
أومأت هاجر رأسها بصمت بينما تتبادل مع توفيق نظرة ذات معنى.
تنهدت صدفة متناولة الهاتف منها وألقته نحو توفيق قائلة بحدة وتهديد صريح.
= لو شوفتك أو لمحتك بتتكلم معاها أو حتى بس بترمى عليها السلام، قسما بالله لهقول لراجح كل حاجة عن وساختك مع أخته وشوف بقي وقتها هيعمل فيك إيه.
شحب وجه توفيق فور سماعه تهديدها هذا وقد دب الرعب بداخله، لكنه رغم هذا لم يظهر لها خوفه هذا. هتف بقسوة بينما ينتفض واقفًا بحدة جعلت مقعده يسقط على الأرض محدثًا ضجة عالية.
= مش اتنيلتي عملتي اللي عايزاه غوري بقى من هنا يلا. وورينا عرض كتافك.
جذبت صدفة هاجر معها متجهة نحو الباب، لكنها توقفت قبل أن تلتفت إليه قائلة بتحذير له وهي ترمقه بنظرات ممتلئة بالنفور.
= افتكر كلامي كويس. علشان وربنا ما هقفل بوقي تاني.
ثم خرجت من مكتبه تجذب هاجر معها، تاركة توفيق يتطلع إلى أثرها بأعين تلتمع بالغل والحقد قبل أن يطيح ما فوق مكتبه وهو يزمجر بشراسة.
***
بوقت لاحق من اليوم.
استسلم توفيق أخيرًا وأجاب على الهاتف الذي ظل يرن لأكثر من ساعة متواصلة مغمغمًا بضيق وحدة.
= خير. عايزة إيه تاني بعد ما لبستني في مصيبة مع مرات أخوكي.
همست هاجر بصوت مختنق.
= عايزك متزعلش مني. والله أنا مكنتش أقصد اللي حصل. هي اللي دخلت عليا وأنا باخد فلوس من درج راجح وسمعتني وأنا بكلمك وأصرت تتصل براجح وتقوله. فضربتها على راسي علشان أمنعها وبعدها اضطريت أعمل اللي عملته. مكنش قدامي حل غيره والا كنا هنروح في داهية.
قاطعه توفيق بقسوة وعصبية مفرطة.
= تقومي تلبسيني في مصيبة معاها. افرضى أخوكي راجح عرف. ده مش بعيد يقتلني.
همست هاجر من بين شهقات بكائها الممزق.
= بس راجح معرفش حاجة والموضوع خلاص عدى.
زمجر بقسوة وشراسة ويده تضغط بقوة على الهاتف حتى كاد أن يحطمه بين قبضته.
= مين قالك إنه خلص. انتي فاكرة إنها هتسكت على اللي حصل ولا المصيبة اللي بغبائك لبستيني فيها. بدل ما تتنيلى تسكتي وتلمي الدور معاها. لا لبستني في مصيبة أكبر معاها ومع راجح اللي مش هيرحمني لو عرف اللي عملته.
يعني ممكن في أي وقت تقوله ونروح في داهية.
= البت دي لازم نخلص منها... قبل ما تقول حاجة لراجح.
= نخلص منها إزاي يعني... مش فاهمة.
= يعني لازم تخرج برا حياة راجح ومش تخرج كده بس، لا دي لازم تخرج بمصيبة كمان.
= بس... بس يا توفيق.
= يا هاجر، انتي عارفة إني بحبك قد إيه... ومش هستحمل إن حاجة تفرقنا عن بعض. أخوكي لو عرف باللي حصل مش بعيد يقتلني.
= بعد الشر عليك يا حبيبي. بس صدفة مش هتقدر تقول لراجح حاجة، هتخاف.
= لا طبعًا، ممكن تقول لراجح على كل حاجة خصوصًا لما أجي أتقدم لك وأطلبك للجواز، تفتكري هتسكت؟
لذا يجب عليها أن تتخلص منها، فلن تسمح لأي شيء يبعدها عن حبيبها.
= عايز تعمل إيه وأنا معاك.
= اسمعي بقى اللي هقوله وركزي فيه كويس.
***
بعد مرور أسبوعين.
كانت صدفة وراجح يجلسون على طاولة الطعام بمنزل والدي راجح مع باقي العائلة، حيث قامت نعمات بدعوتهم مبدية رغبتها بلم شمل أولادها على طاولة واحدة. بالبداية رفض راجح، لكنها أصرت عليه بالحضور وأخبرته أن لم يحضر فسوف تلغي العشاء ولن تقيمه، مما جعله يوافق بالنهاية حتى لا يتسبب بإحزانها.
تسلطت عيناه على تلك التي كانت تجلس بجانبه تتحدث بحماس لأشقيتها هاجر، حيث أصبحوا بالفترة الأخيرة أصدقاء يمضون معظم أوقاتهم سويًا، مما بث بداخله الراحة والفرح.
أخذت عيناه التي كانت تلمع بالشغف تمر عليها متأملاً أدق تفاصيلها، غافلاً عن جميع الجالسين على الطاولة، حيث كان انتباهه مسلط عليها وحدها، فقد أصبح عالمه ينحصر بها هي فقط، هي منبع فرحته الوحيد بهذا العالم. فقبل أن يتزوجها كانت حياته ليس بها أي شيء يثير حماسه أو فرحته، فقد كان يصب كامل اهتمامه على العمل، وعند انتهائه منه يعود للمنزل للنوم، لكن منذ أن دخلت هي حياته غيرت كل شيء، بثّت السعادة بحياته وبقلبه العاشق لها.
كانت صدفة تتحدث إلى هاجر عندما التفتت تلقي نظرة عابرة على راجح الجالس بجانبها، لكنها توقفت تنظر إليه باستفهام عندما رأتـه يتطلع إليها ونظرة غريبة تلمع بعينيه. ابتسمت قائلة وهي تهز رأسها باستفهام:
= في إيه... بتبصلي كده ليه؟
= مش عارف... حاسك احلويتي بزيادة اليومين دول.
= احلويت إزاي؟
= وشك بقى منور أكتر.
= و بقيتي ملبن أكتر.
= أهاااا قصدك إني تخنت يعني... وبقيت فشلة.
= يا هبلة بقولك ملبن... يخربيت دماغك.
= لا أنا فاهمة قصدك كويس... انت عايز توصل لي إنـي تخنت بس بطريقة كويسة.
= عمتاً يا سيدي أنا هعمل رجيم وأخسس نفسي.
= رجيم... إيه يا أم رجيم ده أنا أدبحك فيها يا صدفة.
= شيل إيدك يا راجح، انت بتعمل إيه؟
= عارفة لو جرام واحد منك بس نقص... عليا النعمة يا صدفة ما هرحمك. وال كيلو اللي هتخسيه هخليكي تتخني مكانه 5 كيلو.
= هو بمزاجك... هعمل اللي عايزاه... وزربني هتعمل إيه.
= ما تتعدلي في كلامك... يا بت في إيه مالك.
= اهدى... اعصابك يا باشا.
= بتشتغليني.
= طيب أعمل إيه في حلاوة أهلك اللي هتجنني دي، قوليلى.
كان عابد جالساً، يتابع تهامسهم وضحكهم هذا بعينين تلمعان بالغضب والسخط، فقد كان مشاهدته لسعادتهم الواضحة تزعجه بلا تشعل نيران الغضب بداخله. أشاح عينيه بعيداً عنهم محاولاً التحكم بغضبه ويشغل نفسه بالتحدث إلى نعمات التي كانت تجلس بجانبه محاولاً تجاهلهم.
بينما شعرت مايا الجالسة بجانب خطيبها بالغيرة من تقاربهم هذا، لتبدأ بالتحدث إلى مروان والضحك بصوت مرتفع مبالغ به.
= هي بتعمل كده ليه؟
= سيبك منها. الله يكون في عون مروان والله دي هتطلع عينه.
= زي ما أنا مطلعة عينك كده... يا رجوحتي.
= انتي... لا انتي حاجة تانية يا مهلبية. انتي مفيش زيك، مطلعة عيني أه بس على قلبي زي العسل.
= لا عسل إيه بس... على قلبي زي المهلبية يا مهلبية.
= ما كفاية بقى مسخرة وقلة أدب انت وهي.
= انت تقصد مين؟
= هكون أقصد مين... أقصدك انت يا خويا انت والـ... بتاعتك.
= جرى إيه يا عابد... هو مفيش غير راجح ومراته اللي بيضحكوا؟
= ما مروان ومايا بيضحكوا من ساعتها. لو عايز تتكلم اتكلم على الكل.
= وانت مالك ومال مروان بعدين انتي إيه حكايتك بالظبط؟ من يومك بتيجي على عيالك عشانه، وتبقيه عليهم ماسك علينا ذلة مثلاً. بطبليله ليه.
أغمض راجح عينيه بقوة معتصراً قبضتيه وقد تسارعت أنفاسه واحتدت بشدة وهو يحاول التحكم بغضبه قبل أن ينتفض واقفاً يجذب صدفة معه مغادراً الطاولة.
أمسكت صدفة بيده محاولة تهدئته عندما رأت تحفز عضلات صدره والتي كانت تشير بأنه على حافة غضبه. تشددت يده على يدها بينما يتجه بها إلى الخارج.
لحقت بهم نعمات تقبض على ذراع راجح قائلة بتوسل:
= وحياة أمك عندك ما تزعل. حقك عليا أنا يا ضنايا.
= مش زعلان ياما متخفيش.
= طيب تعالي ارجع كمل أكلك انت ما أكلتش حاجة.
= معلش ياما هطلع أنام علشان عندي شغل بدري، انتي عارفة. وكده أحسن بدل ما نمسك في بعض.
= حقك علي يا نور عيني.
= تصبحي على خير ياما.
= وانت من أهل الخير يا عين وقلب أمك.
= منك لله يا عابد. ربنا يعكنن عليك زي ما عكننت عليه يا بعيد.
فور دخولهم إلى شقتهم الخاصة اتجه راجح مباشرة إلى غرفة النوم، حيث قام بتبديل ملابسه، ثم استلقى على الفراش بوجه متجهم مرتسم عليه الحزن والضيق.
وقفت صدفة تراقبه وهي تشعر بقبضة تعتصر قلبها، لا تستحمل حزنه أو ألمه. اتجهت نحوه جالسة على عقبيها على الأرض بجانب الفراش، مرت يدها بحنان بشعره مقبلة جبينه بحنان. ليفتح عينيه ويلتقي بعينيها، ينظر إليها بحنان محيطاً وجهها بيديه متلمساً خديها برفق. أدارت رأسها وقبلت راحة يده هامسة بصوت مرتجف محاولة مراضته:
= عندي محشي وبط في التلاجة، هقوم أسخنهم علشان تكمل أكلك.
= مش جعان ياحبيبتي.
= كل اللي عايزوا بس أنام في حضنك.
ضمته إليها تحتضنه بقوة، دافنة أصابعها بشعره تدلك رأسه بلطف، هامسة بصوت مختنق:
"مش عايزّاك تزعل... علشان خاطري... أنا خايفة عليك..."
لتكمل كاذبة وهي تحاول أن تخفف من حزنه ومن حدة الموقف عليه:
"انت عارف أبوك دمه حامي، وبيْقعد يزعق على الفاضي والمليان، لكن مش بيبقى قصده حاجة..."
أجابها راجح بصوت منخفض:
"مش زعلان منه..."
ليكمل وهو يرفع رأسه من فوق صدرها ليستلقي على وسادتها، ليصبح وجههما لا يفصل بينهما شيء، أحاط وجهها بيديه:
"مش زعلان منه، ولا يفرق معايا لا هو ولا غيره....."
صمت للحظة قبل أن يتابع بصوت أجش ملئ بالعاطفة، بينما يسند جبينه فوق جبينها، يتشرب أنفاسها الدافئة بشغف وهو يتطلع داخل عينيها:
"انتي الوحيدة اللي تفرق معايا يا صدفة... وانتي الوحيدة اللي تقدري تجرحني وتكسريني.... انتي بقيتي حياتي كلها.... مقدرش أعيش من غيرك."
امتلأت عينيها بالدموع تأثرًا بكلماته تلك، شاعرة بقلبها يخفق في صدرها بجنون، قبلت جبينه بشفتين مرتجفتين قبل أن تعقد ذراعيها حول عنقه ويتشبث جسدها به، بينما تتطلع إلى عينيه الممتلئتين بالتوسل بألا تؤلمه كما فعل الآخرين.
أخذت نفسًا طويلًا مرتجفًا قبل أن تهمس بصوت ممتلئ بالوعد:
"وأنا عمري ما أتسبب في أذيتك، ده انت الروح والقلب يا راجح، العوض اللي ربنا رزقني بيه، ولو طولت أشيلك في عيني هشيلك...."
أخذت ضربات قلبه تزداد بشدة تأثرًا بكلماتها تلك، انحنى نحوها، ممررًا يده برقة فوق وجهها، يرسم ملامحه بأصبعه ببطء، قبل أن يضغط بشفتيه على شفتيها، يقبلها برفق، قبلة حنونة ممتلئة بالعاطفة التي تعصف داخل قلبه، مشددًا من احتضانه إياها بين ذراعيه، قبل أن يعاود بدفن رأسه بصدرها كالطفل الصغير الذي يناشد الحنان والاطمئنان من والدته.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل التاسع عشر 19 - بقلم هدير نور
بعد مرور أسبوع...
كانت صدفة جالسة تشاهد التلفاز عندما سمعت طرقًا على الباب، مما جعلها تنهض وتفتحه بعد أن وضعت طرحة على رأسها. وجدت هاجر هي من بالباب. ابتسمت لها قائلة بمرح بينما تدلف إلى الداخل:
= إيه يا ختي، كل ده علشان تفتحي الباب؟ لازم تلبسي الطرحة يعني...
أجابتها صدفة وهي تغلق باب الشقة خلفها:
= طبعًا لازم ألبس الطرحة، انتِ عايزة أخوكي يقتلني؟
دلفت هاجر إلى غرفة الاستقبال وهي تغمغم:
= في حياتي كلها مشوفتش واحد بيغير على مراته زي راجح...
لتكمل وهي ترتمي جالسة على الأريكة:
= عمري ما كنت أتخيل إن راجح يبقى بالشكل الصعب ده...
جلست صدفة بجانبها قائلة بنبرة حادة يتخللها الحماية:
= صعب ليه يا ختي؟ ماله إن شاء الله؟
ضحكت هاجر قائلة بمرح:
= حيلك، حيلك اهدّي. مش قصدي حاجة وحشة. بعدين يا ختي ده أخويا قبل ما يكون جوزك...
لتكمل وهي تستدير إلى صدفة:
= أقصد إنه طول عمره باله طويل وكان من الصعب حاجة تنرفزه، حتى في خناقته مع بابا كان بيبقى هادي كده وعاقل، لكن من بعد ما اتجوزك حاله اتشقلب. بقي اللي ييجي جنبك ولا يكلمك بس يقلب زي الغول ومبقاش بيسكت لحد.
غمغمت صدفة مبتسمة بهيام:
= بيغير عليا...
هتفت هاجر وهي تغمز بعينها:
= أيوه يا عم...
قاطعتها صدفة وهي تلوح بيدها:
= يا ختي اتنيلي. أنا ساعات بخاف من غيرته دي، خايفة في مرة تقلب بغم. راجح لما بيغير مبيفكرش ولا بيسمع حاجة.
تنهدت هاجر مغمغمة بهيام وهي تتلاعب بخصلات شعرها:
= وإيه يعني؟ طيب يا رب يرزقني بواحد زيه يغير عليا كده.
تابعت وهي تجذب الحقيبة التي قد أتت بها من الخارج:
= صحيح، كنت هنسى...
لتكمل وهي تخرج لفافة صغيرة من الحقيبة وسلمتها لصدفة:
= شوفي جيبتلك إيه.
فتحت صدفة اللفافة لتجد بداخلها فستان رائع باللون الأسود. همست صدفة بارتباك:
= إيه ده يا هاجر؟
أجابتها هاجر وهي ترسم ابتسامة مرتبكة على شفتيها:
= دي يا ستي هدية مني. كنت بشتري شوية حاجات في جهازي فجبتلك ده معايا. ده فستان نار كده الستات بتشتريه وتلبسه لأجوازهم لأنهم طبعًا مش هيعرفوا يخرجوا بيه.
غمغمت صدفة بارتباك وهي تنظر بارتباك إلى الفستان الذي بين يديها:
= بس إيه لازمته؟ تكلفي نفسك.
اقتربت منها هاجر تحيطها بذراعيها قائلة بلطف:
= تكلفة إيه بس؟ مش إحنا بقينا أصحاب وإخوات؟ بعدين يا ستي اعتبريها هدية جوازك، أنا مجبتلكيش حاجة خالص.
ضمتها صدفة مغمغمة بفرح وامتنان:
= تسلميلي يا هاجر. ربنا يعلم إني بعتبرك أختي الصغيرة.
ربتت هاجر على ظهرها وهي تشعر بغصة مما تفعله بها، لكنها لن تستطيع التخلي عن توفيق حتى ولو من أجلها. ابتعدت عن صدفة قائلة بتحذير بينما تشير إلى القميص:
= بس ونبي أوعي تقولي لراجح إني أنا اللي جبتهولك. هتكسف إنه يعرف إني جبتلك حاجة زي دي. قولي إن ماما اللي جابته ليكي، هي كده كده كانت معايا وأنا بشتريه ليكي.
أومأت صدفة برأسها وهي تعيد وضع الفستان في الحقيبة:
= متخفيش مش هقوله.
لتكمل بتجهم وهي تقطب حاجبيها في قلق واضح:
= بس مقولتليش أعمل إيه في حوار حساب الفيس؟ راجح كل شوية يقول لي ابعتيلي طلب صداقة، وأنتي عارفة إني لا ليا في الفيس ولا نيلة ولا فاهمة حاجة أصلًا، وخايفة يعرف ويكتشف موضوع إني مبعرفش لا أقرأ ولا أكتب.
ربتت هاجر على ساقها قائلة بثقة:
= متخفيش، لقيتلك حل. إحنا مش هينفع نعمل أكونت جديد لأن راجح أكيد هيكتشف إنك لسه عاملاه لما تبعتيله add، علشان كده أنا كان عندي أكونت قديم كان أكونت فيك كنت بدخل منه لجروبات بنات كدا كان بينا مشاكل فكنت بدخل أعرف منه بيعملوا إيه. فـ أنا هديهولك، هغير الاسم بس لاسمك. ويبقى كأنه بتاعك ومن زمان.
همست صدفة بارتباك وعقلها لا يستوعب ما تتحدث عنه:
= اعملي اللي شايفاه صح يا هاجر. أنا مش فاهمة حاجة من اللي بتقوليها.
= فين تليفونك يا صدفة؟
غمغمت هاجر بينما تبحث بعينيها فوق الطاولة. نهضت صدفة قائلة وهي تشير إلى غرفة النوم:
= في الدرج جوه. مبطلعوش إلا قدام راجح. بقعد ماسكاه كام دقيقة قدامه وأعمل نفسي بقلب فيه علشان ما يسألنيش مبستعملوش ليه.
أنهت جملتها ثم ذهبت لكي تحضره، بينما أمسكت هاجر هاتفها ترسل رسالة إلى توفيق كاتبة باختصار سريع:
«الخطة ماشية صح يا حبيبي لحد دلوقتي متقلقش»
أرسلت الرسالة وانتظرت رده، لكنها أسرعت بتخبئة هاتفها بجيب بنطالها فور أن رأت صدفة قادمة.
جلست بجانبها مناولة إياها الهاتف قائلة:
= أهو. امسكي.
أخذته منها هاجر وأخذت تعبث به عدة دقائق قبل أن تلتف إلى صدفة قائلة بابتسامة واسعة:
= خلاص. غيرت اسم الأكونت لاسمك. كده بقي عندك أكونت على الفيس وبعت لراجح add كمان.
لتكمل هاتفة بحماس عندما صدر عن الهاتف نغمة قصيرة:
= راجح قبل الـ add كمان.
تلألأت عينين صدفة بالحماس فور سماعها ذلك. أخذت تطلع إلى الهاتف قبل أن تهمس بتردد:
= بقولك إيه يا هاجر؟ مش هو ينفع أبعتله رسالة على البتاع ده؟ طيب ونبي ما تبعتيله رسالة كده أسأليه هيتأخر في الشغل النهاردة.
لتكمل وغمامة من الحزن تنسدل على وجهها:
= أصله مشي النهاردة وهو زعلان مني واتصلت به كذا مرة ومبيردش عليا.
جذب كلامها هذا انتباه هاجر التي غمغمت بفضول:
= زعل منك ليه؟
هزت صدفة كتفيها قائلة بحزن:
= أبدًا. بعد ما فطر ونزل علشان يروح الشغل اكتشفت إنه نسي موبايله ومحفظته على الطاولة. فجريت على البلكونة علشان ألحقه قبل ما يركب العربية ويمشي. ومن لبختي نسيت وطلعت بعباية البيت أم نص كوم وشعري كان باين. ولأجل حظي الأسود ابن جارتنا اللي في البلكونة اللي قدامنا، الواد سامح اللي في تانية ثانوي كان واقف في البلكونة وقتها. راجح شاف المنظر ده الدنيا قامت ومقعدتش. طلع وقعد يزعق ومشي مقموص مني.
تلألأت عينين هاجر بالفرح، فقد كانت هذه فرصتها لتنفيذ الجزء الثاني من الخطة.
= يالهوي يا صدفة ده راجح صعب أوي.
لتكمل بمكر وهي تتحرك مقتربة منها:
= بس إنتي عارفة... إنتي لازم تصالحيه. أنا عندي بقي حتة فكرة تخليه يصالحك على طول.
أمسكت صدفة بيدها تتشبث بها وهي تهتف بلهفة:
= بجد؟ إيه هي؟ ونبي.
أشارت هاجر للفستان الذي بالحقيبة:
= البسي الفستان وأنا هحطلك مكياج حلو كده وهصورك بالموبيل صورة وأبعتهاله. هيتجنن أول ما يشوفها وهتلاقيه جاي جري على البيت.
احتقن وجه صدفة بالخجل فور سماعها كلماتها تلك:
= لا يا ستي متتصوريش أنا بحاجة زي دي. ده عريان أوي.
لتكمل بسخط وهي تتطلع إليها بصدمة:
= بعدين يا بت إنتِ بتعرفي الكلام ده إزاي في سنك الصغير ده؟
أجابتها هاجر مبتسمة وهي تهز كتفيها بفخر:
= أنا أعرف كل حاجة وكل البنات كده. إنتِ بس اللي غلبانة.
لتكمل محاولة إقناعها:
= اعملي بس اللي بقولك عليه. بعدين الصورة هتبقى على موبايلك وهتتبعت لجوزك على موبايله. إيه المشكلة بقى؟ ما كل الستات بتعمل كده عادي.
تابعت بمكر عندما رأت صدفة لا تزال غير موافقة، تضغط على نقطة ضعفها:
= بعدين علشان حتى تحسسيه إنك فاهمة في النت وبتبعتيله صور وحركات. وممكن أخليكي تسجلليله بصوتك كلمتين حلوين. إيه رأيك؟
أخذت تتطلع إليها صدفة عدة لحظات بارتباك وتردد قبل أن تؤمئ برأسها بالموافقة.
قامت هاجر بتصويرها بالفستان الذي ارتدته صدفة بعد أن وضعت لها مكياج أبرز جمالها.
ثم جعلتها تسجل رسالة صوتية تخبره بها ألا يتأخر وأنها بانتظاره. ثم قامت هاجر بإرسال الصورة والرسالة الصوتية لراجح، لكنها أخبرتها أنه يوجد شيء خطأ، فعلى ما يبدو أنه لا يوجد نت حتى ترسل الصورة له. ظلت تحاول عدة مرات إرسالها لكنها فشلت، فأخبرتها أنها لن تستطيع إرسالها وأن عليها أن تنتظره وتستقبله بمظهرها الرائع هذا.
***
بعد مرور عدة ساعات...
كانت صدفة جالسة ببهو الشقة تنتظر قدوم راجح، فقد مرت عدة ساعات على مغادرة هاجر التي قامت بالتقاط العديد من الصور لها بالفستان الذي ارتدته بعد أن وضعت لها مكياج أبرز جمالها.
ثم حاولت إرسال تلك الصور إلى راجح لكنها لم تستطع، حيث أخبرتها أنه يوجد شيء خطأ، فعلى ما يبدو أنه لا يوجد نت حتى ترسل الصورة له.
انتفضت صدفة واقفة تعدل من شعرها والفستان من حول جسدها فور سماعها صوت باب الشقة يُفتح. لتندفع على الفور نحو راجح الذي ما إن دلف إلى الشقة تجمد مكانه فور أن رآها، حيث أخذ ينظر إليها بعينين متسعتين بالصدمة والذهول، حابسًا أنفاسه بقوة عند رؤيته لها بهذا الفستان المحكم حول جسدها الرائع. أخذ يمرر عينيه التي كانت تلتمع بالشغف والإعجاب بفحص دقيق على أنحاء جسدها، حيث كان الفستان يبرز جمال قوامها الخلاب، مظهراً جمال سيقانها الرائعة ولونه الأسود الذي يعاكس لون بشرتها البيضاء الكريمية.
وشعرها الأسود الحريري كان منسدلاً على ظهرها يتلألأ بجمال فوق كتفيها.
تشبع بكل تفصيلة صغيرة بها من شعرها انتهاءً بذلك الفستان، والذي اختطف دقات قلبه. فلأول مرة يراها ترتدي فستان بهذا الشكل المغري.
خرج من ذهوله متنحنحًا بصوت مرتفع محاولاً تمالك نفسه ورسم الجدية على وجهه عندما رآها تتقدم نحوه، لكن تشدد جسده عندما اندفعت نحوه تعقد ذراعيها حول خصره تضم جسدها إلى جسده محتضنة إياه قائلة بدلال أطاح بعقله:
= اتأخرت ليه يا حبيبي؟
لتكمل وهي تبسط يديها فوق صدره العريض تتحسسه بلطف بأطراف أصابعها:
= لسه زعلان مني؟
عقد راجح حاجبيه ضاغطًا على فكه بقوة محاولاً عدم التأثر بلمساتها تلك، لكن انحبست أنفاسه عندما رفعت ذراعيها وعقدتها حول عنقه تتشبث به بينما تقف على أطراف أصابع قدميها حتى تطيل من قامتها القصيرة وتستطيع دفن وجهها بعنقه الذي أخذت تقبله بحنان هامسة بصوت أجش مليء بالعاطفة:
= حقك عليا. والله أنا مقدرش على زعلك.
ابتلع ريقه بصعوبة بينما يقبض على يديه بقوة إلى جانبيه حتى لا يستسلم لرغبته الملحة بلمسها.
تراجع إلى الخلف مغمغمًا بحدة وهو يحاول فك حصار ذراعيها الملتفة حول عنقه.
"اها طبعًا، لسه مضايق وعلى أخرى منك كمان. يعني إيه تخرجي البلكونة بعباية البيت وشعرك؟ والزفت اللي اسمه سامح يشوفك بمنظرك ده."
قاطعته سريعة بينما تقترب منه مرة أخرى، ويداها تتشدد حول عنقه رافضة إطلاقه سراحه.
"لا والله ما شافني، أنت أول ما بصتلي خدت بالي وجريت استخبيت ورا الستارة أول ما هو طلع البلكونة."
لتكمل بدلال وهي تخفض يدها إلى صدره مرة أخرى تعبث بأزرار قميصه عندما رأت وجهه لا يزال متجهمًا بغضب.
"خلاص بقى علشان خاطري، اعتبرها غلطة ومش هتتكرر تاني."
أنهت جملتها متراجعة بعيدًا عنه خطوة للخلف وهي تشير بيديها إلى جسدها.
"طيب مش هتقول رأيك في الفستان؟"
اشتعلت عيناه التي أخذ يمررها فوق جسدها برغبة محرقة قائلاً بصوت أجش.
"جبتي منين الفستان ده؟"
أجابته مبتسمة وهي تلاحظ تأثره الملحوظ بها.
"مامتك اللي جابتهولي."
عقد راجح حاجبيه قائلاً بصدمة فور سماعه ذلك.
"أمي أنا؟ طيب إزاي؟"
أجابته صدفة مبتسمة بينما تهز كتفيها لتخبره بما أخبرتها به هاجر.
"كانت بتشتري حاجات في جهاز هاجر، وجابتلي ده معاها وبعتتهولي مع هاجر."
لتكمل بهمس مثير بينما تضغط جسدها على جسده بلطف.
"برضو مقولتليش، عجبك؟"
زفر راجح بحدة قبل أن يستسلم أخيرًا ويحيطها بذراعيه القوية يضمها إليه دافنًا وجهه في عنقها.
"لأ عجبني، ده مجنني يا مهلبية."
ليكمل وهو يمرر شفتيه برفق فوق عنقها يقبلها بحنان وشغف.
"انتي عارفة إني بسببك النهاردة مسكت في خناق أكتر من عميل، حتى الحاج سيد اللي شغال معايا بقاله 15 سنة مسكت فيه واتخانقت معاه."
عقدت ذراعيها حول خصره تفرك ظهره بحنان من الخلف.
"ليه بس يا حبيبي كل ده؟"
رفع رأسه عن عنقها ينظر إلى عينيها قائلاً بصوت مخيف مظلم.
"مش عارف، بس كل ما كنت أتخيل إن الواد ممكن يكون شافك بمنظرك ده ببقى هتجنن."
ليكمل بعجز حقيقي وهو يحيط وجهها بكفيه.
"حاسس إن غيرتي عليكي دي هتموتني، هتخليني أرتكب جريمة في يوم."
أخذت صدفة نفسًا طويلاً مرتجفًا وقد أقلقها كلماته تلك، لكنها رسمت ابتسامة مرتجفة على شفتيها.
"بعد الشر عليكي يا حبيبي."
لتكمل وهي تمرر يدها بحنان فوق خده تتلمس شعرات ذقنه النامية بأطراف أصابعها بينما عيناها مسلطة بعينيه.
"مفيش راجل في الدنيا دي كلها يملى عيني غيرك، أنت مش بس جوزي، أنت أبويا وأخويا وكل حاجة حلوة اتحرمت منها."
زفر راجح بقوة شاعرًا بقلبه يخفق في صدره بجنون فور سماعه كلماتها تلك، ضغط شفتيه على شفتيها يقبلها قبلة عميقة نهمة يبث بها شغفه وعشقه لها قبل أن ينحني ويحملها بين ذراعيه متجهًا بها نحو غرفتهم.
في ذات الوقت بغرفة هاجر.
تحدثت هاجر بالهاتف بصوت منخفض حتى لا يصل صوتها إلى والديها النائمين بغرفتهم.
"يا توفيق قولتلك 100 مرة والله عملت كل اللي اتفقنا عليه."
لتكمل وهي تتأفف بغضب عندما أمرها بأن تعيد عليه ما فعلته.
"اديتلها الفستان اللي أنت جايبه على إنه هدية مني وقولتلها تقول لراجح إن ماما اللي جابته مش أنا، وعملتلها أكونت الفيس على موبايلها وغيرته لاسما وخليتها تلبس الفستان وصورتها بيه واشتغلتها وفهمتها إني هبعتها لراجح وقمت بعتة الصورة من أكونتها لأكونت الراجل اللي أنت متفق معاه، كأنها هي اللي بعتها."
قاطعها توفيق بحدة.
"اوعي تكوني بعتي الصورة بجد لراجح، تبوظي كل اللي عملناه."
أجابته بهدوء يعاكس السخط الذي بداخلها.
"لأ متخافش، اشتغلتها وفهمتها إن معرفتش أبعتاله لأن مفيش نت."
همهم توفيق باستغراب من جهل صدفة.
"هي ضايعة أوي كده؟"
أجابته هاجر بسخرية لاذعة وهي تضحك.
"اها وحياتك، ده أنا بعت الصورة للراجل من موبايلها قدامها وهي زي الحمارة مفهمتش حتى أنا بعمل إيه."
لتكمل سريعًا فور تذكرها لأمر المعلمة.
"اها صحيح، أنا فهمتها إنها هتروح تاخد دروس عند المدرسة بتاعتي زي ما قولتلي وأنا فعلاً اتفقت مع مدرسة العربي ووافقت تديها."
اتسعت ابتسامة توفيق فور سماعه ذلك قائلاً برضا.
"كده حلو أوي."
صمت قليلاً مفكرًا قبل أن يغمغم قائلاً.
"كده مفضلش غير كام حاجة و نبقى حفرنا قبرها وخلصنا منها نهائيًا."
قاطعته هاجر بحدة.
"نخلص منها وتطلق مراتك وتيجي تتقدملي يا توفيق، أنت فاهم؟"
أجابها توفيق مهمهمًا بالموافقة.
"طبعًا... طبعًا."
ليكمل سريعًا كما لو أنه تذكر شيئًا هامًا.
"هاجر، صحيح ابعتيلي الإيميل بتاع صدفة والباسورد علشان يبقى مفتوح على موبايلي أنا كمان."
غمغمت هاجر بحدة.
"وانت عايز تعمله بيه إيه؟ ما هو مفتوح مفتوح على موبايلي ونقدر نبعت ونعمل كل حاجة براحتنا."
زفر توفيق بحنق مقاطعًا إياها.
"عايزه علشان لو حبيت أضيف حاجة وأراقب اللي بيحصل."
ثم تثاءب بصوت مرتفع قائلاً بنعاس مصطنع.
"يلا يا هاجر روحي نامي أصل خلاص فصلت وعايز أنام، ومتنسيش تبعتي الإيميل والباسورد زي ما قولتلك."
همهمت هاجر موافقة بامتعاض ليسرع بغلق الهاتف معها ويقوم بالاتصال برقم آخر مغمغمًا بفرح.
فور أن أجاب الطرف الآخر.
"أبوه يا حبيبي أنا قولت أطمنك قبل ما أنام إن كل حاجة تمام."
بعد مرور أسبوع.
كانت صدفة تحاول كتابة الحروف الأبجدية التي أعطتها لها المعلمة التي بدأت أن تذهب إليها لكي تعلمها الكتابة والقراءة، فقد ذهبت خمسة أيام بالأسبوع الماضي، ولكي تذهب تلك الحصص دون أن يعلم راجح كانت تكذب عليه وتخبره أنها تخرج مع هاجر لشراء بعض الأشياء أو أنها تجلس معها بغرفتها، وكان يوافق وهو فرح بتقربها هي وشقيقته من بعضهم البعض، برغم أنها تشعر بالضيق من كذبها عليه وفعل شيء من خلف ظهره، إلا أنه ليس أمامها حل آخر فلا يمكنها أن تجعله يعلم بأمر جهلها، فيكفي الفروقات التي بينه وبينها، فلن تستطيع بتزويدها بفرق تعليمي أيضًا، فكما تعلم أن راجح خريج جامعي، فبماذا سيفكر إذا علم بأنه تزوج بأمية جاهلة.
خرجت من شرودها هذا على صوت أنة الألم التي صدرت من هاجر الجالسة بجانبها، استدارت إليها قائلة بقلق عندما رأتها تمسك ببطنها.
"مالك فيه إيه؟"
هزت هاجر رأسها هامسة بينما وجهها يتغضن بألم.
"عندي مغص رهيب."
لتكمل وهي تقف.
"هدخل الحمام."
أومأت لها صدفة بينما تعاود التركيز في الكتاب الذي أمامها.
ذهبت هاجر على طول الرواق متجاهلة حمام الضيوف ودلفت إلى غرفة النوم ودخلت إلى الحمام براجح وصدفة مغلقة بابه بهدوء خلفها، وقفت بمنتصف الحمام تتلفت حولها بحثًا عن السلة الخاصة بالملابس المتسخة والتي وجدتها بالفعل بإحدى أركان الحمام، توجهت إليها تفتحها، أخذت تفتش بها حتى وجدت مرادها، قميص نوم أحمر كان فوق الملابس المتسخة.
قامت بفرده فوق الرخامة الصغيرة التي أسفل المرآة وأخرجت هاتفها مصورة إياه عدة صور قبل أن تقوم بإعادته لسلة الملابس مرة أخرى، ثم خرجت عائدة إلى غرفة الاستقبال بهدوء كما لو كانت لم تفعل شيئًا.
جلست بجانب صدفة التي سألتها باهتمام.
"هااا بقيتي أحسن؟"
أجابتها هاجر مبتسمة وهي تفرك بطنها بيدها.
"اها الحمد لله، معلش يا صدفة استعملت حمامك اللي في أوضة النوم، كنت مستعجلة وهو اللي كان أقربلي."
ربتت صدفة على ذراعها قائلة.
"لأ عادي ولا يهمك."
تنحنحت هاجر قائلة بمكر شيطاني وهي تغمز لها.
"هو انتي كنتي لابسة امبارح قميص نوم أحمر؟"
احمر وجه صدفة بشدة فور سماعها سؤالها هذا، غمغمت بارتباك وهي تستغرب سؤالها هذا.
"بتسألي ليه؟"
أجابتها هاجر كاذبة وهي تضحك بتصنع.
"أبدًا مفيش، أصل لقيته مرمي على الأرض جنب بسكت الهدوم فشلته وحطيته في البسكت، بس عجبني شكله وكنت عايزة أعرف جايباه منين."
أخذت صدفة تتطلع إليها بصمت عدة لحظات وهي تشعر بالدهشة من جرأتها تلك، تنحنحت قبل أن تنطق أخيرًا بهدوء.
"مش فاكرة والله يا هاجر، كنت شارياه من زمان في جهازي."
غمغمت هاجر بأسف كاذب.
"يا خسارة، شكله تحفة كنت عايزة أجيب واحد زيه، يلا مش مشكلة."
لتكمل بهدوء وهي تنهض واقفة.
"ما أقوم أنا أنزل بقى ألبس علشان ألحق أروح درس الفيزيا بتاعي، عايزة حاجة يا صدفة أجبهالك وأنا جاية؟"
هزت صدفة رأسها قائلة بابتسامة بشوشة.
"لأ تسلميلي يا هاجر."
ابتسمت هاجر مشيرة بيدها كعلامة للوداع قبل أن تتجه وتغادر المنزل سريعًا، وفور إغلاقها لباب الشقة أخرجت هاتفها وأرسلت لتوفيق رسالة نصية.
"دخلت الحمام وصورت قميص النوم بتاعها زي ما قولتلي وهبعته دلوقتي للاكونت بتاع الراجل اللي تبعك وهكتب تحت الصورة 'شوف كنت لابسة إيه لجوزي امبارح إيه رأيك ألبسهولك المرة الجاية'. صح كده؟"
ثوان قليلة وجاءتها رسالة منه يجيب عليها بها.
"أيوه بالظبط كده، وأنا هنفذ آخر حاجة اللي هتنهي الليلة كلها."
قرأت هاجر الرسالة ثم هبطت لمنزلها لكي ترتدي ملابسها وتذهب لتنفيذ باقي خطتهم.
بعد مرور ساعة.
كان راجح جالسًا بمكتبه يدرس بعض الأوراق عندما بدأ هاتفه بالرنين.
"الو... راجح الراوي."
أجاب راجح عليه وهو لا يزال منشغلًا بالأوراق التي أمامه.
"أيوه... مين معايا؟"
أجابه صوت الرجل بسخرية.
"معاك يا سيدي تقدر تقول كده... عشيق المدام بتاعتك."
تصلب جسد راجح فور سماعه كلماته تلك، ألقى الأوراق من يده هادرًا بصوت حاد مرتفع.
"بتقول إيه يا روح أمك سمعني كده تاني."
غمغم الرجل بذات السخرية.
"لأ أنت سمعت كويس، وعارف أنا قولت إيه، فمالوش لازمة نعيد ونزيد."
قاطعه راجح بشراسة وكامل جسده ينتفض بالغضب.
"انت بتقول إيه يا ابن الكـ.ـلب انت، انت مجنون يالا ولا بتستعبط، طيب وحياة أمك لهجيبك ولو كنت تحت الأرض وهخليك تتمنى الموت ومتطولوش، انت فكرك هصدق كلامك الوسخ ده يالا."
قاطعه الرجل ببرود.
"اهدأ... اهدأ يا راجح باشا مش كده."
بعدين انا كنت عارف انك مش هتصدقني. تحب أقولك على دليل صغير يأكد لك كلامي؟ كنت بقابلها 4 مرات في الأسبوع في الشقة بتاعتي، وكانت بتفهمك إنها خارجة مع أختك الصغيرة.
شحب وجه راجح فور سماعه ذلك، لكنه هتف بغضب:
= هو ده بقي دليلك يا روح أمك؟ ما أنت ممكن ببساطة تكون كنت بتشوفهم وهما خارجين سوا وعملت الفيلم الوسخ بتاعك ده. انطق يالا أنت مين؟ ومين مسلطك؟
ليكمل بزمجرة شرسة وهو ينتفض واقفًا بغضب:
= انطق أحسن لك، لإن قسما بالله ما هسيبك ولا هرحمك، وكده كده هجيبك زي الكلب تحت رجلي. ووقتها هقطع لحمك لحتت هرميها لكلب السكك اللي شبهك.
غمغم الرجل بهدوء كما لو أنه لم يتأثر بتهديده هذا:
= طيب بلاش الدليل ده مادام مش عاجبك. أنا عندي أكتر من دليل على خيانتها ليك، هبعت لك كل حاجة على الواتس دلوقتي، شوفهم واملأ عينك واتأكد بنفسك.
ليكمل ساخرًا:
= سلااام يا باشا.
ثم أغلق الهاتف بوجهه دون أن ينتظر إجابته. أخفض راجح الهاتف ببطء، وقد ارتسم الغضب فوق ملامح وجهه، فقد كان كالبركان المشتعل. فمن يجرؤ على اتهام زوجته بتلك الاتهامات الحقيرة؟ فهو يثق بها، لا يمكنه تصديق ادعاء ذلك الحقير.
أصدر هاتفه رنينًا قصيرًا دليلًا على وصول الرسائل. أسرع بفتحها وهو بداخله متأكدًا أنه لن يقتنع.
لكن انسحبت الدماء من جسده، شاعرًا بلكمة قوية تصيب صدره فور أن فتح الرسائل التي كانت تحتوي على صورة واضحة لصدفة ترتدي فستانًا أسود قصيرًا يظهر جسدها العاري. وكان مكتوبًا أسفل الصورة:
«ده فستان كنت شاريهولها من أسبوع، وكانت خايفة تدخله البيت لتشك فيها، فقولتلها تقولك إن أمك هي اللي جايبهولها.»
اهتز جسد راجح بعنف كما لو صاعقة قد ضربته، فور تذكره للفستان الذي ترتديه بالصورة، فقد كان ذات الفستان الذي ارتدته منذ ما يقرب من أسبوع، وأخبرته بالفعل بأن والدتها من أعطتها إياه.
تفحصت عينيه المحترقة بالنيران صورة جسدها العاري وهو يحاول إيجاد دليل على أنها صورة زائفة، لكن لا، فقد كانت حقيقية تمامًا.
أرسل له الرجل تسجيلًا صوتيًا مرفقًا برسالة قصيرة:
«وده صوت مراتك علشان تتأكد أكتر، اسمع.»
فتحه راجح بيد مرتجفة، ليهبط قلبه داخل صدره فور أن سمع صوت صدفة تتحدث بدلال:
"أيوه حبيبي، هتيجي امتى؟ متتأخرش عليا، واحشتني أوي."
فقد كان هذا حقًا صوت صدفة، لا يوجد شك بهذا مطلقًا. انهار جالسًا على المقعد الذي كان خلفه، وهو يشعر بضغط شديد يسيطر على قلبه يكاد يسحقه.
فتح الرسالة الأخرى، والتي كانت ليست إلا صورة لقميص نوم باللون الأحمر، يتبعه صورة أخرى لمحادثة بين صدفة وذلك الرجل:
«إيه رأيك في قميص النوم ده؟ لبسته امبارح لجوزي، تحب ألبسهولك بكرة؟»
انسحبت أنفاسه داخل صدره كما لو أن المكان يطبق جدرانه من حوله، فقد كان هذا بالفعل القميص الذي ارتدته له بالأمس.
ضغط على فكيه بقوة عندما رأى الرسالة التي أرسلها ذلك الحقير:
«أعتقد كده اتأكدت. لو مش عايز صور مراتك بقيمص النوم تبقي على كل تليفونات اللي تعرفهم، تبقى تبعتلي 50 ألف جنيه.»
ظل راجح جالسًا بمكانه عدة لحظات بجمود، وهو يتطلع أمامه بأعين مظلمة غائمة. رغم كل تلك الأدلة، إلا أنه لا يستطيع أن يصدق أن صدفة يمكنها فعل ذلك.
تناول هاتفه وقام بالاتصال بوالدته، والتي ما إن أجابت سألها على الفور دون أن يتيح لها فرصة للتحدث:
= أما، أنتِ كنتِ جبتي فستان لصدفة من حوالي أسبوع؟
أجابته والدته بصوت مرتبك، ولا هي تدري عن ماذا يتحدث:
= فستان؟ فستان إيه يا بني؟ أنا مجبتش حاجة.
أغلق راجح عينيه وهو يشعر بسكين حاد ينغرز بقلبه ممزقًا إياه. فقد كذبت عليه.
غصب فمه على التحرك قائلًا بصوت أجش مختنق:
= هاجر عندك؟
غمغمت نعمات على الفور:
= لا، في الدرس.
لتكمل بتوجس والقلق يسيطر عليها:
= ما تفهمني يا بني، في إيه؟
أجابها راجح وهو يكاد لا يستطيع التنفس من شدة الغضب الذي يعصف بداخله:
= مفيش حاجة يااما.
ثم أغلق معها دون أن ينتظر إجابتها، ليتصل على الفور بهاجر، التي أجابته على الفور، حيث كانت تنتظر اتصاله هذا هي وتوفيق، الذي كان يجلس بجانبها بسيارته:
= هاجر، آخر مرة شوفتي فيها صدفة كان امتى؟
أجابته هاجر وهي تنظر إلى توفيق، الذي لوح بيده يحثها على نكر رؤيتها لها:
= صدفة؟ لا، أنا مشوفتهاش بقالي مدة، ممكن من يوم العزومة لما اتخانقت أنت وبابا.
لتكمل قائلة بقلق مصطنع:
= ليه؟ في حاجة؟ ولا إيه؟
لكن لم تنهِ جملتها إلا وأغلق الهاتف معها دون أن يستمع إلى باقي جملتها.
ظل جالسًا بمكانه وجسده ينتفض من شدة الغضب. فتح الرسائل مرة أخرى، يتفحص صورها العارية وصوت قاسٍ يمزقه من الداخل يردد بأنها خائنة، فكل الأدلة ضدها، وكذبها عليه دليل آخر على خيانتها تلك.
انتفض واقفًا، وقد تسارعت أنفاسه واحتدت بشدة، شاعرًا كأن ستارًا أسود من الغضب أغمت عينيه. ألقى الهاتف من يده وهو يطلق صرخة شرسة مدوية، قبل أن يبدأ بتدمير وتكسير كل ما تقع يده عليه، مخرجًا كل غضبه وألمه، وهو يشعر بعالمه بأكمله ينهار من حوله.
وقد بدأ عقله في رسم تخيلات لها مع هذا الرجل بصور كانت تغذيها نار غيرته، كما لو كانت حقيقية أمام عينيه وليس تخيلات. فلم يشعر بنفسه إلا وهو ينتفض واقفًا، وعروق عنقه تتنافر، بينما يزداد وجهه احتقانًا من عنف ووحشية أفكاره في تلك اللحظة.
اتجه نحو الباب، والغضب يسيطر عليه، غضب عاصف لو أطلق له العنان لأحرق الأخضر واليابس، ولا يترك خلفه سوى الدمار والموت.
وصل راجح إلى المنزل ليجده فارغًا، ليزداد غضبه أكثر وأكثر. اتجه مباشرة نحو غرفة النوم بحثًا عن هاتفها الذي كانت تخبئه دائمًا في درجها الخاص طوال فترة تواجده بالمنزل، وعندما كان يسألها لما لا تستعمله تخبره كاذبة بأنها تستعمله، لكنها لا تقوم باستعماله عندما يكون بالمنزل، حيث ترغب بتمضية كامل وقتها معه دون أن يشوش عليهم شيء.
وقد كان يصدقها هو بغبائه، كان يثق بها ويصدقها. أخرج هاتفها الخاص من الدرج، ثم فتحه وبدأ يبحث به، وداخله يوجد أمل بسيط أن تحدث معجزة وتكون بريئة، لكن انهارت آماله تلك عندما وجد الرسائل التي بينها وبين ذلك الشخص بكلام قذر إباحي. ووجد تلك الصور بالفعل قد أرسلتها له، واتفاقها معه على مقابلته بإحدى الشقق في أوقات كثيرة من الأسبوع الماضي.
أخفض الهاتف وكامل جسده متصلبًا، بينما تضيق به الأنفاس كما لو قد مُنع عنه الهواء فجأة، يشعر كأنه وسط جحيم يشعل جسده بنار لا يستطيع تحملها.
غمامة من الغضب العاصف أمام عينيه تعمي عنه الرؤية.
التف بحدة فور أن رأى صوت صدفة يأتي من خلفه، تغمغم بفرح:
= إيه ده؟ راجح أنت جيت بدري.
دلفت صدفة من باب الشقة وابتسامة واسعة مرتسمة على وجهها. فلم يشعر بنفسه إلا وهو يندفع نحوها، تحركه فورة الغضب المشتعل بصدره والسعير الذي يكوي أعماقه. قبض على شعرها بعنف يكاد أن يقتلعها من جذورها، لا يعير لصرختها المندهشة من تصرفه أكثر منها متألمة. يجذبها من شعرها لداخل الشقة، صافعًا إياها بقوة جعلتها تسقط أرضًا، وليصطدم جسدها بالأرض بعنف جعلها تصرخ متألمة وهي تنفجر باكية. لم يتح لها الفرصة حتى تنهض، حيث أخذ ينهال عليها ضربًا وهو ينعتها بأفظع الشتائم، منهالًا عليها بقدمه يضربها ضربات متفرقة بأنحاء جسدها، غير ابهٍ بصراختها المدوية الباكية المتألمة. فقد كان أشبه بالمجنون المغيب الذي يعميه غضبه، بينما روحه تتلوي على جمر الغضب والاحتراق بالغيرة والألم من خيانتها يعصف به، فقد كان كالنصل الحاد الذي يكاد يمزق قلبه.
رواية مقيد بأكاذيبها الفصل العشرون 20 - بقلم هدير نور
اخفض راجح الهاتف وكامل جسده متصلبًا.
تضيق به الأنفاس كما لو قد مُنع عنه الهواء فجأة.
يشعر كأنه وسط جحيم يشعل جسده بنار لا يستطيع تحملها.
غمامة من الغضب العاصف أمام عينيه تعميه عن الرؤية.
التف بحدة فور أن رأى صوت صدفة يأتي من خلفه تغمغم بفرح:
= إيه ده راجح أنت جيت بدري....
دلفت صدفة من باب الشقة وابتسامة واسعة مرسومة على وجهها.
فلم يشعر بنفسه إلا وهو يندفع نحوها، تحركه فورة الغضب المشتعل بصدره والسعير الذي يكوي أعماقه.
قبض على شعرها بعنف يكاد أن يقتلعها من جذورها.
لا يعير لصرختها المندهشة من تصرفه أكثر منها متألمة.
يجذبها من شعرها لداخل الشقة، صافعًا إياها بقوة جعلتها تسقط أرضًا.
ليصطدم جسدها بالأرض بعنف جعلها تصرخ متألمة وهي تنفجر باكية.
لم تتح لها الفرصة حتى تنهض، حيث أخذ ينهال عليها ضربًا وهو ينعتها بأفظع الشتائم.
منهالًا عليها بقدمه يضربها ضربات متفرقة بأنحاء جسدها غير آبهٍ بصراخها المدوّي الباكي المتألم.
فقد كان أشبه بالمجنون المغيب الذي يعميه غضبه، بينما روحه تتلوي على جمر الغضب والاحتراق بالغيرة.
ركض كل من مروان ونعمات يصعدون الدرج إلى شقة راجح بخطوات سريعة متعثرة عند سماعهم صوت صراخ صدفة التي كانت تصرخ متألمة بشكل شبه هستيري، ظنًا منهم أنها قد أصيبت بمكروه ما.
لكن فور دخولهم إلى الشقة التي كان بابها مفتوحًا على مصراعيه، تجمدوا بمكانهم بصدمة عند رؤيتهم لما يفعله راجح بزوجته.
فقد كان ينهال عليها ضربًا، فقد كان خارجًا عن السيطرة تمامًا.
لا يدرك فضاحة ما يفعله، يقوده غضبه الجنوني.
اندفع على الفور مروان نحو شقيقه، يعقد ذراعيه من حوله محاولًا جذبه بعيدًا عنها وهو يصرخ به أن يستعيد وعيه ويتوقف عما يفعله.
بينما حاولت والدته دفعه بعيدًا عنها وهي تصرخ به باكية غير مستوعبة ما يحدث له.
فبحياتها بأكملها لم تره أبدًا في حالته الجنونية تلك.
دفعته بقوة للخلف، لكنه تملص من بين أيديهم معاودًا الهجوم مرة أخرى على صدفة الملقاة على الأرض تنتحب بشهقات ممزقة، بينما تنحني على نفسها تحمي جسدها من ضرباته.
مما جعل والدته تلقي بجسدها فوقها تحميها بجسدها وهي تصرخ به أن يتوقف عن جنونه.
ليتوقف أخيرًا، متجمدًا بمكانه، ينهج بعنف ويتصبب العرق من كامل جسده.
لا يعير لسؤال أمه أو أخيه عما حدث ليفعل هذا بها.
نظراته تنصب فوقها فقط، وقد أجلساتها والدته ببطء وشفقة، تمسح وجهها بيدها محاولة تهدئتها، بينما تضمها إليه.
ليعاوده الجنون مرة أخرى، وقد غلت الدماء بعروقه فور تخيله لها في أوضاع حميمية مع عشيقها بصور جعلت الدماء تفور بعروقه.
دفع مروان بعيدًا، متحررًا منه، وهجم عليها ضاربًا إياها بقسوة وهو يزمجر بشراسة، مسببًا لها الأذى، غير آبهٍ بصراخاتها أو بصراخات والدته الفازعة أو شقيقه الذي أخذ يحاول جذبه بعيدًا عنها.
لينجح بالنهاية بإبعاده عنها، بينما دفعت والدته صدفة الباكية نحو باب الشقة وهي تصرخ ممتلئًا بالفزع:
= اخرجى.... اخرجى دلوقتي و ابعدي عنه....
جن جنون راجح فور رؤيته لها تتجه بخطوات متعثرة نحو الباب.
دفع شقيقه بقوة مما جعله يسقط على الأرض، بينما يلتف ويتناول السكين من فوق صحن الفاكهة وفكرة قتلها تسيطر عليه.
اندفع نحو الباب محاولًا أن يلحق بها، لكن تصدت له والدته التي أسرعت بقفل باب الشقة، مغلقة إياه بالمفتاح، وهي تصرخ في هلع، لاطمة وجهها بيديها عندما رأته يندفع نحو الباب محاولًا فتحه والسكين لا يزال بيده.
= يالهوي...... عليا و علي سنينى....
لتكمل ببكاء وهي تندفع واقفة أمام الباب، دافعة إياه بصدره.
= انت اتجننت عايز تقتل مراتك... ده انت روحك فيها.. إيه حصلك.... إيه حصلك....
زمجر راجح بشراسة وهو يحاول دفعها بعيدًا عن الباب.
= اوعى ياما ابعدي....
ليكمل صارخًا بشراسة عندما أمسك به مروان من الخلف، يعقد ذراعيه من حوله مقيدًا حركته، دافعًا إياه داخل غرفة النوم التي قام بإغلاق بابها سريعًا من الخارج.
ليبدأ راجح بضرب قبضته بالباب وهو يصرخ بشراسة وقد أصابته حالة من الجنون.
= افتح يا مروان الباب.... افتح و إلا قسما بالله هموتك.... افتح.....
ظل يضرب الباب بقوة وعنف، كالمجذوب الذي يحركه الغضب دون تفكير أو حساب.
أعمى لا يرى أمامه سوى ستار خيانتها التي تحجب عنه الرؤية.
حطم قبضتيه فوق الباب، بينما السكين لا تزال بين يده، مما جعلها تنغرز بها وتقطع لحم يده.
لكنه لم يدرك أو حتى يشعر بالألم، فقد كان الألم الذي بقلبه أكبر وأعمق جعله يفقد الشعور بأي شيء آخر.
ظل على حالته تلك حتى خانته قدماه وانهار فجأة راكعًا على الأرض بجسد منهك، واليأس والألم يسيطران عليه.
ولأول مرة بحياته ينفجر باكيًا بكاء مرير اهتز له كامل جسده، هامسًا من بين شهقات بكائه التي كانت تمزق صدره.
= ليه... ليه يا صدفة....
وصل صوت بكائه هذا إلى نعمات التي كانت تقف مستندة إلى الباب من الخارج، تستمع إلى شهقات بكائه وقلبها يتمزق من أجله، شاعرة كما لو كانت روحها تسحق.
لتنفجر باكية هي الأخرى على ألم ولدها، وهي تدرك أن الأمر بينه وبين زوجته أخطر مما كانت تتوقع.
فهي لم تره من قبل يبكي قطًا، حتى عندما كان طفلًا ويعنفه عابد، فقد كان طفلًا هادئًا ذو كبرياء يرفض إظهار آلامه للآخرين.
في ذات الوقت....
كانت صدفة جالسة على إحدى أرصفة الشارع، تضم جسدها المتألم بذراعيها وهي تبكي بمرارة وألم.
فقد كانت في حالة من الصدمة والذهول، لا تصدق أن راجح قد قام بضربها وسبها بتلك الشتائم البشعة.
فماذا فعلت هي حتى تستحق منه ذلك؟
وكيف أمكنه فعل هذا بها؟
أهذا ذات الشخص الذي كان لا يتحمل رؤيتها تعاني أو تتألم حتى إن كان مجرد ألم بسيط؟
فكيف استطاع إيذاءها وتعنيفها بهذا الشكل؟
فقد كان يضربها كما لو كان يكرهها ويحتقرها، كما لو كانت قد فعلت به شيئًا قبيحًا لا يغتفر.
لكن ماذا هي فعلت حتى تستحق ما فعله بها؟
اخفضت رأسها بينما تنتحب على حالتها تلك، شاعرة بألم حاد يعصف بقلبها، يكاد أن يحطم روحها إلى شظايا من شدة الحزن.
ظلت جالسة بمكانها عدة دقائق تحاول تهدئة ارتجاف جسدها قبل أن تنهض بتثاقل، تجر قدميها بصعوبة وهي تنوي الذهاب إلى بيت أم محمد.
لكن تجمدت خطواتها فور تذكرها أن أم محمد ليست بالمنزل، فقد سافرت بالأمس إلى الصعيد لكي تراعي والدة زوجها المريضة.
لتنفجر باكية مرة أخرى فور إدراكها أنه لا يوجد مكان تستطيع الذهاب إليه سوى منزل والدتها حيث تقطن أشجان وولدها أشرف.
أشرف الذي حاول الاعتداء عليها من قبل واغتصابها.
بدأت الأرض تميد تحت قدميها، شاعرة بعالمها بأكمله ينهار من حولها فور تذكرها لتلك الحادثة.
وما حاول فعله بها وشعورها وقتها مما جعل جسدها يرتجف من شدة الخوف.
أخذت تتلفت حولها وهي تضع يدها فوق فمها تكتم شهقات بكائها، بينما تحاول إيجاد مهرب آخر من مأزقها هذا.
لكن لم يوجد أمامها خيار آخر سوى الذهاب إلى منزل أشجان، فلا يوجد لديها مكان تذهب إليه.
وضعت يدها فوق قلبها محاولة تخفيف الألم الحاد الذي يعصف به، وهي تهمس دون وعي من بين شهقات بكائها المريرة بكلمات متقطعة غير مترابطة بصوت مكتوم، باكي القهر ينبثق منه.
= ليه.. يا راجح حرام عليك... ازاي هونت عليك تعمل فيا كده... ليه تخليني ارجع ليهم من تاني....
مسحت وجهها بيد مرتعشة، قبل أن تجبر قدميها على التحرك والتوجه إلى بيت والدتها حيث توجد أشجان.
بعد مرور عدة دقائق...
اتجهت أشجان نحو باب الشقة وهي تتراقص في خطواتها، بينما تدندن بفرح أغنية ما.
لكنها صمتت فاغرة الفم فور أن فتحت الباب ورأت أمامها صدفة بمظهرها المدمر الذي كانت عليه.
مررت عينيها الممتلئة بالصدمة فوق وجه صدفة الباكي والعلامات الحمراء التي تملأ خديها، قبل أن تتسع شفتيها في ابتسامة واسعة، وقد لمعت عينيها بشماتة واضحة وهي تستوعب ما حدث لها.
= إيه ده هو ابن الراوي ضربك و إلا إيه... طيب و نبي تسلم إيده....
دفعتها صدفة في ذراعها مبعدة إياها عن طريقها، بينما تندفع إلى الداخل متجاوزة إياها دون أن تجيبها.
لتلحق بها أشجان هاتفة بصوت يملؤه الفرح:
= عملتي إيه يا منيلة.... خليتيه يورم لك وشك كده.. أكيد نيلتي حاجة ما أنا عارفاكي لسانك طويل... و مفكيش لا عقل ولا تفكير.......
لتكمل بمكر عندما تجاهلتها صدفة ودلفت إلى غرفتها، لتلحق بها.
= و لا يمكن تلاقيه هو اللي زهق منك.... و قال يخلص منك بدري بدري....... ما خلاص خد منك اللي عايزه هيبقى على واحدة زيك ليه لا مال و لا جمال و لا تعليم....
استدارت إليها صدفة صارخة بهستيرية، وقد طفح كيلها من كلماتها السامة تلك التي أشعلت النيران بجرح قلبها.
= اطلعي برا... برا ربنا يخدك...
دفعتها صدفة لخارج غرفتها، مغلقة الباب بوجهها بقوة، مما جعل أشجان تستشيط غضبًا، هاتفة بقسوة وغل.
= بتتشطري عليا أنا... يا أختي روحي اتشطري على اللي مرمطك.. جتك ستين نيلة تاخدك....
انهارت صدفة جالسة على أرضية الغرفة، تدفن وجهها بين ساقيها، ابتلت كانت تضمها إلى صدرها، بينما تحيط أذنيها بيديها رافضة سماع صراخ أشجان بالخارج، حيث كانت مستمرة بإلقاء كلماتها السامة عليها.
خرج نشيج ممزق من بين شفتيها، بينما تنفجر منتحبة على كل ما أصابها وما أصبحت عليه.
بعد مرور يومين...
كانت صدفة جالسة على الأريكة التي تقع بغرفتها، تسند رأسها إلى إطار النافذة التي كانت تنظر إلى خارجها بأعين غائمة.
بينما كان وجهها شاحبًا كشحوب الأموات، لا يزال يرتسم عليه الحزن والألم.
فمنذ أن أتت إلى هنا وهي على حالتها تلك، غارقة في عالم من الحزن والبؤس، لا تستطيع الخروج منه.
فركت بيدها برفق فوق بطنها التي كانت تؤلمها منذ الأمس.
فقد كانت دائمًا مصابة بمرض القولون العصبي، فعند اضطرابها أو حزنها يشتد المرض عليها مثل الآن.
لكنها بالماضي كانت تتناول الدواء المخصص لها وتصبح أفضل على الفور.
لكن الآن هي لا تملك حتى ثمن حبة واحدة من ذلك الدواء الذي قد يخفف من توعكها.
انحدرت الدموع فوق وجنتيها، لكنها قامت بإزالتها سريعًا بيدها المرتجفة، مرفرفة بعينيها بقوة حتى تبعد الدموع المحتقنة بداخلها، عندما رأت باب غرفتها يفتح وتدلف أشجان وهي تتغنج في مشيتها بقميصها المنزلي العاري ووجهها المغطى بالعديد من الألوان الفاقعة.
ألقت بطبق صغير أمام صدفة قائلة وهي تمضغ العلكة التي بفمها:
= امسكي، اطْفَحي... انتي من ساعة ما اتنيلتي جيتي هنا ما أكلتيش حاجة، مقضيها عياط ونواح. بس...
لتكمل وهي تدفع بالطبق نحوها:
= كلي يا أختي، أحسن تموتي ولا يحصلك حاجة، ويحسبوكي عليا بن آدمة ولا حاجة.
اخفضت صدفة عينيها إلى الطبق الذي أتت به، والذي كان به كمية قليلة من الملح ونصف قطعة من الخبز الجاف. اعترضت معدتها رافضة الطعام، لتدير وجهها نحو النافذة دون أن تجيبها. لتهتف أشجان بسخرية لاذعة:
= إيه يا أختي بتبصي للأكل بقرف كده ليه مش عاجبك؟ إيه ابن الراوي أخدك على المحمر والمشمر؟
اقتربت منها ممسكة بذراعها تديرها نحوها، وهي تتابع بغل دافعة الصحن أمام وجهها:
= لأ يا حبيبتي عودي نفسك على الأكل ده، خلاص ابن الراوي رماكي وقريب أوي هيطلقك، وترجعي تاني للقشف والجوع.
نفضت صدفة يدها الممسكة بذراعها بعيدًا، هاتفة بها بشراسة وقد أخرجتها كلماتها القاسية تلك من قوقعة صمتها التي كانت تختبئ بها طوال اليومين المنصرمين:
= مش عايزة حاجة من خلقتك.
لتكمل دافعة إياها بقوة:
= وابعدي عني بقى وارحميني.
تراجعت أشجان بتعثر عدة خطوات للخلف بسبب دفعتها تلك، مما جعلها تهتف بغضب:
= بتزقيني كده ليه يا حالـ.وفة انتي؟ الحق عليا إني بقطع من أُوتي وبديكي تطْفَحي، مش كفاية قاعدة لي زي الحِمى في البيت، لا شغلة ولا مشغلة وجاية لنا ببلاويكِ.
قاطعتها صدفة بصوت مرتجف، بينما تحاول السيطرة على نوبة البكاء المتصاعدة بداخلها، وقد مزقتها كلماتها تلك:
= وأنا ياما صرفت عليكوا من وأنا عيلة، كنت بشتغل وبصرف عليكوا. بعدين أنا مش عايزة منكم حاجة، ارحميني بقى وسيبيني في حالي.
ربتت أشجان على ظهرها بحدة بضربات قاسية متتالية، مغمغمة بتهكم حاد:
= انزلي يا أختي شوفي لكِ شغلانة اشتغليها تصرفي بها على نفسك، ولا حاولي رجعي الفرشة بتاعتك اللي بعتيها لما جيتي تتجوزي الشملول اللي رماكي بعد 5 شهور، رمية الكلاب ولا كأنك تسوى.
قاطعتها صدفة صارخة بهستيرية فور سماعها كلماتها المؤذية تلك التي كانت تضغط على أعصابها وجرح قلبها:
= اطلعِ برا، اطلعِ برا.
وقفت أشجان تتطلع إليها بصمت عدة لحظات، تراقب الألم والعذاب المرتسم على وجهها بعينين تلتمع بالرضا، وابتسامة شامتة ترتسم على شفتيها، قبل أن تلتف وتغادر الغرفة، تاركة صدفة شبه منهارة تبكي بكاءً مريرًا. فقد كان الألم الذي يعصف بداخلها يكاد يمزق قلبها. ازدادت شهقات بكائها، مما جعلها تضع يدها فوق فمها تحاول كتم شهقات بكائها التي أخذت تتعالى بقوة. ظلت منحنية الرأس تنتحب بصوت يقطع أنياط قلب من يسمعه، وهي تردد بداخلها: لما فعل بها راجح هذا؟ لما تخلى عنها وجعل الجميع يشمت ويسخر من آلامها؟ فهي لم يكن لها في هذه الحياة سواه.
حاولت أن توقف بكاءها هذا وأن تهدئ من حالتها تلك، فقد أمضت اليومين الماضيين في البكاء والغرق في شعورها بالشفقة على نفسها. مسحت وجهها بيديها المرتجفتين.
= أماااا أنا جيت.
انتفض جسد صدفة بفزع فور سماعها صوت أشرف يأتي من الردهة بالخارج، مما جعل الدماء تجف بعروقها من شدة الخوف. انتفضت واقفة متجهة نحو باب الغرفة تغلقه على الفور. بحثت عن المفتاح تقوم بغلقه، لكنها لم تجده، مما جعل رعبها يزداد أكثر وأكثر. فقد أمضت اليومين الماضيين مطمئنة بعض الشيء عندما علمت من أشجان بأنه قد سافر لمحافظة أخرى للعمل بها، لكنه الآن قد عاد. فكيف ستمكث معه في منزل واحد بعد أن حاول التعدي عليها؟ انهارت جالسة على الأرض تسند ظهرها إلى باب الغرفة محاولة إحكام غلقه بجسدها.
أحاطت بذراعيها جسدها الذي كان ينتفض بشدة بسبب الرعب الذي يعصف بها. وذكريات تلك الليلة التي حاول الاعتداء عليها بها تعاودها، والخوف والفزع الذي شعرت بهم وقتها يسيطران عليها من جديد. فمنذ تلك الليلة لم تقع عينيها عليه.
رفعت عينيها إلى الأعلى وهي تهمس بعجز وخوف، بينما الدموع تغرق وجهها الشاحب:
= اعمل إيه يا رب... أروح فين؟
أسندت رأسها إلى الباب بتعب، ليصل إليها صوت أشجان وهي ترحب به. فقد كان مسافرًا كما أخبرتها منذ أن فك جبيرة يده، لكنه عاد الآن على حظها العاثر.
ظلت جالسة بمكانها عدة دقائق حتى اطمأنت من أنه قد دخل غرفته، لتسرع ناهضة تبحث في أنحاء الغرفة عن مفتاح الباب. ولحسن حظها وجدته ملقيًا بجانب الفراش الخاص بها.
لتسرع بغلق الباب عليها بالمفتاح من الداخل، لكن رغم ذلك لم يهدئ خوفها، مما جعلها تجذب المنضدة الثقيلة التي بجانب الفراش وتضعها أمام الباب كحاجز.
لترتمي بعدها على الفراش تتنفس الصعداء.
في ذات الوقت...
غمغم أشرف الذي كان مستلقيًا على الأريكة التي بالبهو الشقة، منتفضًا في مكانه فور سماعه صوتًا يأتي من غرفة صدفة:
= إيه ده؟ إيه الصوت ده يا أمي؟ حرامي ولا إيه؟
أجابته أشجان وهي تدفعه في صدره، مجلسته إياه على الأريكة مرة أخرى:
= اقعد يا أخويا، متخفش. حرامي إيه اللي هيجيبه هنا، إيش ياخد الريح من البلاط.
لتكمل وهي تلوي فمها بنفور:
= ده المنيلة صدفة.
انتفض أشرف واقفًا مرة أخرى فور سماعه ذلك، هاتفا وعيناه تلتمع بلهفة:
= إيه... صدفة؟
ليكمل بلهفة واضحة وهو يتجه نحو الغرفة الخاصة بها:
= بجد يا أمي، صدفة هنا؟
أسرعت أشجان واقفة أمامه تسد عليه الطريق قائلة بحدة:
= أها يا روح أمك، هنا.
لتكمل بحدة وهي تدفعه للخلف:
= واتنيل اقعد، رايح فين؟
تنحنح أشرف بحرج قبل أن يعاود الجلوس مرة أخرى على الأريكة، وهو يحاول رسم اللامبالاة على وجهه:
= وهي بتعمل إيه هنا؟
أجابته أشجان قائلة وهي تجلس بجانبه قائلة بشماتة واضحة:
= راجح الراوي، طردها من قلب البيت، وشكله كده خلاص هيطلقها.
لتكمل بغل وهي تهز رأسها باستحسان:
= كنت عارفة إن ده هيحصل من زمان، هياخد منها اللي عايزه ويرميها رمية الكلاب.
صمتت قليلاً قبل أن تتابع بحدة وعيناها تلتمع بالحقد:
= يلا أهي بنت المحظوظة عاشت لها يومين في العز واتدندنت.
لوت فمها قائلة بحسرة وهي تحدث نفسها، بينما تضرب بيدها فوق صدرها:
= مش زي حالاتي، غرقانة طول عمري في الفقر والهم.
قاطعها أشرف وهو يبدأ بتناول الطعام الذي وضعته له بوقت سابق:
= ما خلاص يا أمي بتحسديها على إيه، ما هي أُطلقت ورجعتلك من تاني ومتلقحة جوا أهها.
ضربت بيدها فوق ساقها قائلة بحدة:
= أها يا أخويا رجعتلي من تاني بهمها وقرفها ده، من يومها قافلة على نفسها وشغالة عياط ومش راضية تاكل، لحد ما هتلبسني مصيبة.
تنحنح أشرف قائلاً، بينما يتناول من أمامه الصحن الملئ بالدجاج:
= طيب ما أدخل أنا كده وأحاول أخليها تاكل.
هتفت به أشجان بشراسة:
= اتنيل اقعد مكانك يالا انت.
لتكمل بحدة وعيناها تشتعل بالغضب مشيرة إلى الصحن الذي لا يزال بيده:
= تأكلها إيه يا أخويا فراخ؟ ليه مال أبوها هو؟ آخرها شوية ملح ونص رغيف عيش، ويبقى كتر خيري أوي، أنا هصرف عليها من جيبي. كمان.
جلس أشرف واضعًا الصحن من يده، مغمغمًا بحدة:
= خلاص يا أمي، اقفلي البوتجاز اللي هب من بوقك ده. أنا بس البت صعبت عليا.
قاطعته أشجان بسخرية لاذعة وهي تضرب بيدها فوق صدره بقسوة:
= بقولك إيه يا أمك، شغل الحنية والنحنحة ده مش عليا أنا، فاهمة دماغك كويس.
لتكمل وابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيها:
= وهنولك اللي في بالك، بس اهدي كده ومتبقاش خايب.
هتف أشرف بفرح فور سماعه كلماتها تلك:
= بجد يا أمي؟
ضحكت مغمغمة:
= أها بجد يا أبو ريالة.
لتكمل وهي تلوي شفتيها بعدم رضا:
= أنا عارفة هتموت عليها، على إيه جتك نيلة.
غمغم بينما عيناه تلتمع بشهوة واضحة:
= البت صاروخ أرض جو يا أمي.
أصدرت صوتًا من بين شفتيها ينم عن السخط، قبل أن تدفع بفمه قطعة من لحم الفراخ قائلة بعصبية:
= طيب اطْفَح، ونقطني بسكاتك، وأول ما تطلق هجوزهالك.
ارتسمت ابتسامة واسعة راضية على وجه أشرف، قبل أن يستدير ويبدأ بتناول طعامه، وبداخله يرقص فرحًا لاقترابه من الحصول على مراده.
في منزل الراوي.
دَلفت نعمات إلى شقة راجح التي كان يسودها الظلام الدامس، لتقوم بإشعال ضوء الردهة، قبل أن تتجه إلى غرفة الاستقبال التي يوجد بها راجح. فمنذ ذلك اليوم الذي فقد به السيطرة وقام بضرب زوجته، وهو لم يغادر تلك الغرفة، حتى عمله لم يذهب إليه، رافضًا التحدث إلى أي شخص، حتى هي.
دَلفت إلى الغرفة لينفطر قلبها ألمًا عليه، عندما وجدته نائمًا على الأريكة بوجهه الشاحب وذقنه التي نمت خلال الأيام الماضية.
وقعت عيناها على صينية الطعام التي على الطاولة، والتي كانت كما هي، فيبدو أنه لم يتناول الطعام التي وضعته له، فقد كان يرفض تناول الطعام في كثير من الأحيان. لكنه كان لا يكف عن تناول السجائر والقهوة.
اقتربت منه جالسة بجانبه على الأريكة، مغمغة اسمه برفق، ليستيقظ على الفور وينتفض جالسًا يتطلع إليها بأعين غائمة. مرت يدها فوق رأسه بحنان وهي تتفحص بحسرة وجهه الشاحب الذي أصبح أنحف من قبل:
= لما أنت بتحبها أوي كده، ليه يا ابني تعمل فيها وفي نفسك كده.
لتكمل وهي تربت على كتفه عندما ظل صامتًا:
= فهمني يا ابني إيه حصل، يمكن أقدر أساعدك.
أحنى راجح رأسه رافضًا التحدث، فكيف يستطيع إخبارها بأن زوجته قد قامت بخيانته.
تفحصت نعمات وجهه الحزين، قبل أن تضم رأسه إلى صدرها تحتضنه بحنان، هامسة بصوت باكي:
= اتكلم يا ضنايا، اتكلم وفضفض، أنا أمك، وسرك ووجعك هو وجعي.
دفن راجح وجهه بحضن والدته، يشعر ببعض السلام يستقر بداخله بعد معاناته والألم الذي لم يفارقه طوال الأيام الماضية. همس بصوت مجهد مهتز:
= دبحتيني يا أمي.
ليكمل بصوت مختنق يملؤه الحسرة والألم:
= باين مكتوب عليا أن أفضل موجوع طول عمري.
صمت قليلاً قبل أن يتابع بصوت مرتجف ممزق، بينما غصة من الألم تسد حلقه:
= بعد ما قلت خلاص ربنا عوضني بها، وبقي ليا بيت وواحدة تخاف عليا وتحبني وأحبها، كل ده طلع كدب وأنا في الآخر طلعت أهبل، أهبل مضحوك عليا.
ربتت والدته على رأسه بحنان:
= والله يا ابني دي بت غلبانة، شوف على قد ما كنت مش طايقاها في الأول، لكن بعد ما شفت حبها وخوفها عليك حبيتها.
رفع رأسه من حضن والدته قائلاً بصوت مرهق، وهو يحاول تغيير الحديث يعاكس الألم الذي يمزقه من الداخل:
= معلش يا أمي انزلي وسيبيني، أنا عايز أنام.
علشان هنزل الوكالة بكرة بدري
كانت نعمات تهم بالاعتراض، لكن فور أنها رأته يشيح بوجهه بعيدًا حتى لا ترى عيناه الغارقتين بالدموع، أومأت برأسها.
= حاضر... حاضر يا ضنايا...
نهضت واقفة على قدميها تتطلع إليه بحسرة قبل أن تربت على رأسه بحنان، مجبرة ذاتها على المغادرة وتركه، فقد كانت تعلم أنه لا يرغب برؤيته وهو ينهار.
في اليوم التالي...
في منتصف الليل، استيقظت صدفة على ألم بطنها ورغبتها بدخول الحمام، حيث ظلت طوال اليوم حبيسة غرفتها خوفًا من مقابلة أشرف.
لكنها غادرت غرفتها مرة واحدة عندما سمعته يخبر والدته أنه ذاهب لمقابلة أصدقائه على القهوة، وقتها ذهبت لملء زجاجتها بالماء واستعملت الحمام، ثم عادت إلى غرفتها وأغلقت عليها مرة أخرى.
نهضت من الفراش وارتدت عباءتها السوداء القديمة التي تركتها خلفها عند زواجها، وعقدت طرحة حول رأسها جيدًا قبل أن تتجه نحو الباب وتفتحه قليلًا، تطل برأسها منه للخارج حتى تتأكد أن أشرف ليس موجودًا.
وعندما وجدت المكان خاليًا، خرجت ودلفت إلى الحمام الذي أغلقت خلفها جيدًا.
بعد عدة دقائق، خرجت من الحمام بعد تأكدها من خلو الردهة، لكن ما أن اقتربت من باب غرفتها حتى شعرت بيدين تقبضان على ذراعيها من الخلف، مما جعلها تصرخ فازعة عندما دفعها أشرف، الذي لا تعلم من أين ظهر، نحو الحائط محاصرًا إياها بجسده وهو يسرع بتكميم فمها بيده.
اتسعت عيناها بالذعر بينما كامل جسدها يرتجف من شدة الخوف عندما سمعته يهمس بالقرب من أذنها.
= شوفتي... لفيتي لفتك... ورجعتيلي...
ليكمل وعيناه تلتمعان بالشهوة وهو يمرر يده الجشعة على جانب جسدها.
= واللي مكملش في المخزن هيكمل هنا.... ودلوقتي...
أنهى جملته وهو يحاول دفن وجهه في عنقها وتقبيله، مما جعلها تدفعه في صدره بيديها المرتجفتين، لكنه لم يتزحزح انشًا واحدًا، فقد كان كالصخر، مما جعلها ترجع رأسها للخلف بعيدًا وهي تقاومه بشراسة رغم ضعفها وشعورها بالإعياء.
أخذت تحاول الصراخ وطلب المساعدة، لكن خرجت صرختها تلك كالزمجرة المكتومة بفعل يده التي كانت تغلق فمها بقوة.
أخذت تتملص بهستيرية بين يديه محاولة التحرر من بين قبضته، لكن ما أصابها من ذلك إلا أن ازداد ضغط جسده على جسدها، مما جعلها تنفجر في بكاء هستيري عندما شعرت بشفتيه تقبلان جانب عنقها.
ابتعد عنها قليلًا، يتطلع إلى وجهها المحتقن كالدماء بسبب محاولتها الفاشلة في الصراخ بسبب يده التي كانت تكمم فمها، قبل أن يقرب شفتيه من أذنها ويهمس بصوت أج