ظلت تتأمل تمثال الملاك الصغير حتى عادت لعملها الذي أهملته مرة أخرى. طوال اليوم الزبائن يخرجون ويخلون للمتجر وهي بنشاطها المعتاد تبيع البضائع. حتى حل منتصف الليل وهي من آن لآخر تنظر للباب على أمل أن يكون أحد الزائرين زائرها المفضل ذو الرائحة العذبة جبريل، لكن خابت آمالها عندما انتهى موعد عملها الرسمي ولم يأتي. أغلقت أبواب المتجر خلفها وهي تفرك يديها من برودة الجو، بعدها أوقفت سيارة أجرة لتُقلها إلى المنزل. ***
في منزل جولييت كانت شقيقتها الصغرى ليلى تقف في المطبخ تحاول إعداد وجبة طعام سريعة لها ولشقيقتها. رن جرس الباب فقالت ليلى بصوت مرتفع من المطبخ: طلعي مفتاحك يا كسولة وادخلي. كانت تقصد شقيقتها جولييت، لكن يبدو أن الطارق تجاهل صوتها المرتفع تمامًا وعاد مرة أخرى لرن الجرس. وضعت ليلى السكين بغضب وهي تتجه نحو باب الشقة وتقول بغضب: إيه الاستفزاز بتاعك ده!
فتحت الباب وهي تنوي أن تصب المتبقي من غضبها في وجه شقيقتها، لكن سرعان ما هدأت عندما رأت حقيبة طعام ورقية مغلفة تقبع أمام الباب. نظرت لها ليلى بصدمة ثم أخرجت رأسها وهي تتفقد المكان يمينًا ويسارًا فلم تجد أحد. ببرود انحنت والتقطت حقيبة الطعام ثم أغلقت الباب بقدمها وهي تضع الحقيبة أمامها وتتفحص الموجود بداخلها. *** مرت خمس دقائق قبل أن تفتح جولييت باب المنزل بمفتاحها وتغلقه خلفها.
رفعت رأسها فوجدت شقيقتها الصغرى ليلى تجلس على الطاولة وأمامها دجاج تأكله بنهم واستمتاع. جولييت وهي تعقد حاجبيها: مساء الخير. ليلى وفمها ممتلئ بالطعام: غيري هدومك يلا عشان ناكل. وقفت جولييت أمام الطاولة وهي تتفحص الطعام بعينيها ثم قالت باستغراب: ده مين اللي جاب الأكل ده؟ ليلى باستمتاع: مش عارفة بس هو أكيد واحد ابن حلال. وضعت جولييت حقيبتها على الطاولة وهي تقول: لا مش فاهمة معلش فهميني. ليلى وهي تبتلع الطعام
حتى تستطيع أن تتحدث: أنا هفهمك، كنت بطبخ في المطبخ لقيت جرس الباب بيرن، فتحت لقيت كيس الأكل ده فخدته وبس! جولييت وهي تحاول معرفة ما إذا كان جبريل هو من أحضر الطعام قالت بتساؤل: وماكنش في أي حد قدام الباب؟ ليلى بنفي: لا خالص بصيت يمين وشمال ماكنش في حد. قالت جولييت بعتاب غاضب: وإزاي تاخدي الكيس وتفتحيه وتاكلي منه وإحنا مش جايبينه؟
افرضي جاي لحد ووصلنا بالغلط، افرضي مسموم ولا متنيل بستين نيلة.. ده انتي صعبة ومعندكيش عقل تفكري! ظل الطعام في فم ليلى والعظام بيدها وهي تنظر له بخوف وتقول بصوت خافت: تفتكري مسموم! جولييت بضيق: اطلعي من دماغي يا ليلى، افرضي الأكل مش بتاعنا بجد! ليلى بدأ الغضب يتسلل لحديثها فقالت: هتحاسبي عليه عادي! كنت جعانة ومش قادرة أطبخ إيه المشكلة؟ جولييت
بغضب وهي تخلع حذاءها: مش قادرة تطبخي ولا قادرة تنزلي وكله فوق دماغي، خشي نامي أفضل. دخلت جولييت غرفتها وصفعت الباب بغضب. ليلى بذهول: مالها دي! أول مرة تتعصب عليا. *** على التل المرتفع داخل الجزيرة جلس جبريل كعادته حزينًا وشاردًا. باغتته صديقته بالجلوس بجواره وهي تقول: هون عليك يا صديقي. جبريل وهو يمسك بيده حجرة صغيرة يلقيها بعيدًا: تفتكري إني ندل؟ قالها بنبرة توضح معاناته مع تأنيب ضميره وذاته،
فقالت صديقته بلطف: إنت مش ندل يا جبريل، إنت ملاك.. بتخاف على غيرك ومش حابب حد يتأذي بسببك، بس أنا بلوم عليك في نقطة معينة.. مكانش لازم تقربلها يا جبريل وكان لازم تتحكم في غرايزك الرجولية أكتر من كده. تنهد جبريل بضيق وهو يقول: اللي تحكم فيا الليلة دي مكانش غرايزي وبس، أنا في مشاعر جوايا لجولييت.. مشاعر اتخلقت جوايا غصب عني. نظرت له صديقته بهدوء ثم قالت: كنت حاسة إنك حبيتها. تطايرت خصلات
شعر جبريل حول وجهه ليقول: إشمعنا. تنهدت صديقته فأجابته وقالت: لإن سارة مكانش جواك الحزن ده لما قررت تبعد عنها، اهتمامك بجولييت وإقامتك علاقة جسدية معاها أثبت ده. *** مر اليوم الثاني، ثم الآخر.. حتى وصل اليوم الخامس، وجبريل لم يظهر مرة أخرى أمام جولييت. كانت كل يوم تنظر لباب المتجر بحزن وهي تنتظره.. حتى يأست وقررت أن لا تنتظر بعد. استيقظت جولييت بجسد منهك ووجه يرثى له من التعب.
قامت من فراشها وهي تستند على الحائط بيدها، طوال الليل ظلت تتقلب في فراشها من ألم ظهرها، لا تعلم ما بها ولكن يبدو أن برد شديد احتل عظامها. فتحت باب غرفتها ثم دخلت إلى دورة المياه لتغسل وجهها. ما إن انتهت حتى وجدت شقيقتها ليلى تقف أمامها وهي تقول: إنتي كويسة يا جولييت؟ جففت جولييت وجهها وهي تقول بتعب: أيوة بخير، ليه؟ حركت ليلى كتفيها باستغراب لتقول: شكلك مجهد جداً، بلاش تروحي الشغل إنهاردة لو كدا. رفعت جولييت رأسها
ونظرت لشقيقتها وهي تقول: ومين هيصرف على البيت؟ ويدفع المياه والكهربا والإيجار! ده صاحب المتجر أول ما غبت راح يدور على واحدة غيري تشتغل مكاني، الراحة والرفاهية متخلقتوش ليا يا ليلى. شعرت ليلى بتأنيب ضمير تجاه شقيقتها فقالت جولييت بتعب: وسعي بقى خليني أغير هدومي. ليلى بحزن: طب أعملك فطار؟ جولييت وهي تربت على جسد شقيقتها: ماليش نفس، متقلقيش عليا هاكل أي حاجة في المحل.
ذهبت جولييت لتبدل ملابسها، ما إن انتهت حتى خرجت من المنزل وهي تجوب الشوارع بحثًا عن سيارة أجرة لتُقلها لعملها. وبينما هي تسير صادفها متجر لبيع المخبوزات الطازجة، ورائحة المخبوزات منتشرة بين المارة. شعرت جولييت بالجوع فتوقفت أمام الفاترينا تنظر بشهية للمخبوزات ثم قالت: عاوزة واحدة بالشوكولاتة وواحدة بالجبنة والزعتر. أحضر لها البائع طلبها ووضعه لها في حقيبة ورقية. التقطت منه الحقيبة ثم ذهبت لعملها.
واجهت جولييت صعوبة في فتح باب المتجر حتى أنها ما إن استطاعت فتحه أستندت على الحائط وهي تلتقط أنفاسها وتضع يدها أسفل ظهرها بألم. دخلت إلى المتجر ورتبت كل شيء ثم جلست خلف مكتبها المستدير الخشبي وهي تخرج محتويات حقيبة الطعام. بدأت في الأكل بنهم وشهية وسقط الفتات على ملابسها بفوضوية. اهتز الجرس الصغير المعلق على الباب لتدخل إحدى الزبائن وهي ترى جولييت تأكل فقالت: مشغولة أجلك وقت تاني؟ جولييت وهي تمسح فمها وتُنظف ملابسها
من الفتات المعلق بها: لا يا فندم اتفضلي، بتدوري على شيء معين ولا حابة تاخدي فكرة؟ السيدة: كان في تمثال لقناع حزين ك.. قاطع حديث السيدة أن جولييت انحنت على سلة القمامة واستفرغت بإرهاق. السيدة بقرف: أووووه، إنتي بخير؟ سقطت جولييت بجانب سلة القمامة بتعب وهي تلتقط أنفاسها وتقول: تقريباً المخبوزات سيئة. وبدون سابق إنذار ظهر جبريل فجأة من اللاشيء في منتصف المتجر. اتسعت عينا جولييت وشعرت بأن لسانها شُل من الصدمة.
بينما السيدة خرجت تصرخ من المتجر وتدعي وجود شبح. تجاهلها جبريل ليجلس على ركبتيه أمام جولييت المتعبة المذهولة ليقول بنبرة حنونة وهو يمسك وجهها بين يديه: إنتي بخير؟ مالك!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!