الفصل 10 | من 26 فصل

رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل العاشر 10 - بقلم مايسة ريان

المشاهدات
19
كلمة
3,921
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

أستيقظت زينة أثناء الليل دون أن تعرف سبب استيقاظها. كانت الغرفة مضاءة بنور القمر، فجعلها هذا قادرة على الإبصار. لمحت على المنضدة الموضوعة بجوار الباب صينية عشاء. لابد وأن أحدهم قد أحضرها وهي نائمة، ولكنها لم تكن جائعة أكثر من حاجتها إلى النوم والراحة، وتفضل العودة إلى النوم. تكورت وحضنت نفسها بذراعيها تلتمس الدفء، فهناك لسعة برد قد تكون هي التي أيقظتها من نومها.

نهضت عن الفراش وتلمست طريقها إلى الخزانة، ووجدت بداخلها غطاءً صوفياً مطوياً. فأخذته وتلحفت به، وبسرعة سرى الدفء في جسدها وغرقت سريعاً في النوم من جديد.

وعندما استيقظت في المرة الثانية، كان نور الصباح موقظها هذه المرة. دفعت عنها الغطاء وطوحت قدميها إلى الأرض، فآلمها الجرح وشد عليها، فوقفت وهي تئن. وجدت علبتي دواء فوق صينية العشاء، فتناولت قرصاً من كل علبة، ثم تركتهما على المائدة الصغيرة وحملت صينية العشاء التي لم تمس، وخرجت إلى المطبخ وتركتها هناك. وبعد أن غسلت وجهها في الحمام الصغير بجوار حجرة الجلوس، صعدت إلى السطح.

كان القارب يشق طريقه في الماء بسرعة. وقفت زينة تمسك بحاجز المركب، رافعة وجهها إلى أشعة الشمس المشرقة لتسمح لها بأن تداعب وجهها بأشعتها الدافئة. وخامرها إحساس جميل بالحرية وأنها تطير مع الهواء، والذي يجعل شعرها يرفرف وراء رأسها.

قررت زينة أن تجعل من نفسها مفيدة، فهي ليست ضيفة هنا على أية حال. فقامت بترتيب المقاعد على السطح، ثم نزلت إلى المطبخ لتنظيفه. بالتأكيد بيدرو هو من يقوم بعملية التنظيف، فهي لا تتخيل السيدات الأنيقات المرفهات، يقمن بأعمال مثل التنظيف والطبخ. وعندما انتهت زينة من ترتيب المطبخ، بدأت بتحضير ما ستحتاج إليه لإعداد الفطور.

كانت قد أخذت دورات تدريبية في العمل بالخدمة في المطاعم، واكتسبت بعض الخبرة من عملها في الفندق، فلم تحتار أثناء تحضير ما ستحتاج إليه لإعداد طعام الإفطار. وهي على معرفة بأنواع وجبات الفطور التي يفضلها الأثرياء وطريقة إعدادها. نزل آدم إلى حجرة الجلوس آتياً من السطح، ودهشت زينة فقد ظنت أنهم جميعاً نيام. وبنظرة سريعة منه في المكان، فهم ما قامت به. وقال بجفاء دون أن يلقي عليها تحية الصباح:

–إذا كنت ستقومين بتحضير طعام الإفطار، فاجعله لأربعة أشخاص فقط. السيدات هنا لا يستيقظن باكراً. هزت رأسها بطاعة. فتابع بلهجة تحذير: –وانتبهي... لا يجب أن تميلي على حاجز المركب بتلك الطريقة التي فعلتها منذ قليل. من حسن حظك أنه يسير بسرعة بطيئة، فلو كان بسرعته الطبيعية لسقطت في البحر وما انتبه إليك أحد.

أنهى جملته ثم تركها وصعد إلى السطح مرة أخرى. لقد رآها في الوقت الذي كانت تظن نفسها وحيدة. كان يجب أن تعرف أن هناك من هو مستيقظ، فالمركب لا يقود نفسه. كانت زينة منهمكة في تحضير الفطور عندما استيقظ حميد وفراس وألقيا عليها تحية الصباح ببشاشة، مما رفع من معنوياتها قليلاً بعد معاملة آدم الجافة لها.

وضعت الأطباق أمامهم على المائدة التي حضرتها على السطح، وكان بيدرو قد انضم إليهم. أثنى فراس وحميد على الطعام كثيراً، في حين اكتفى آدم بهزة رأس لم تفهم منها شيئاً. وشكرها بيدرو وابتسامة سعيدة على وجهه، فقد خففت عنه بعضاً من عبء العمل الذي كان يقوم به. فأبتسمت له: –نحن جميعاً نشرب القهوة ثقيلة ومن دون سكر.

أجفلها صوت آدم الحاد وجعلها تعود إلى المطبخ حانقة. إنه حتى لم يدعوها لمشاركتهم الطعام مثل بيدرو. هل لأنه يراها أقل منه مقاماً؟ صنعت لنفسها شطيرة وكوب شاي قبل أن تحضر القهوة، فلينتظر قليلاً، فهي ليست خادمته. وإن كانت قد تطوعت ذوقياً منها لتحضير الفطور، فليس معناه أن يعاملها كخادمة. ولكنها عادت وفكرت أنها لا تستطيع الاعتراض، فهي هنا متطفلة عليه وعلى أصدقائه، ويجب أن تدفع ثمن إقامتها.

وجدت آلة لصنع القهوة السريعة، وكانت قد وضعت الأكواب في الصينية وبدأت بصب القهوة، عندما فوجئت بحميد يقف أمام البار ويبتسم لها ابتسامة ساحرة. كان من الممكن أن تتأثر بها لولا أنها تعرف حقيقته جيداً. قال: –هل تحتاجين للمساعدة؟ ردت بسرعة كانت فظة: –لا... شكراً لك. رفع حاجبيه بدهشة، وكانت قد انتهت من صب القهوة حين قال بجدية: –أنت لا تحبينني، أليس كذلك؟ أربكت وقالت دون أن تنظر إليه:

–أنا آسفة إن كان قد وصل إليك هذا الانطباع مني... أنا لا أكرهك سيدي. قال بصراحة: –كنت تختبئين في حجرة أدوات الغطس عندما كنت مع كاميليا هناك... لقد رأيتنا وسمعتنا، ولا ألومك إن أخذت هذا الانطباع السيئ عني... ولكنك تظلمينني. دهشت زينة من استخفافه بما فعل بصديقه، فاستفزها لترد عليه: –أظلمك؟ كنت تخون صديقك مع زوجته وتقول إنني أظلمك؟ –ولماذا لا تقولين إنها زوجة خائنة قامت بإغواء صديق زوجها. ردت وهي مصدومة من رده:

–وأنت هنا بريء مغلوب على أمرك، أليس كذلك؟ دهشت عندما ضحك بمرح وقال بابتسامة صبيانية: –لست بريئاً جداً في الواقع... فأنا ضعيف أمام النساء ولست معتاداً على رفض دعوة صريحة من امرأة جميلة. –وماذا عن صديقك؟ أليس له أي اعتبار لديك؟ هز كتفيه باستخفاف وقال: –هو الملام... من يتزوج امرأة مثلها ويعرف عنها ما يعرفه، لماذا يلوم الآخرين إذا ما أخذوا ما يعرض عليهم. ابتئس وجه زينة. فرقت نظرات حميد ومال على البار قائلاً:

–صدمت من كلامي، أليس كذلك؟ أنت صغيرة وبريئة... وآسف لأن أخبرك أن الحياة ليست كما كنت تظنينها... وأعتقد أن تجربتك الأخيرة خير دليل على ذلك. ثم مد يده ولمس يدها بأنامله، فأجفلت وسحبت يدها بسرعة، فاصطدمت بأحد أكواب القهوة، فانسكب بعض من السائل الساخن على أصابعها فصرخت. أسرع حميد إلى جانبها وأمسك بيدها المحترقة وهو يتمتم بعبارات الأسف: –أنا آسف حبيبتي، لم أقصد إفزاعك. جاء صوت آدم بارداً كالثلج من خلفهم:

–ما الذي يحدث هنا؟ أخبره حميد دون أن يستدير إليه: –لقد أحرقته القهوة يدها. دخل آدم إلى المطبخ نافذ الصبر، مزيحاً حميد عن طريقه بفظاظة، وأخذ إناءً عميقاً وملأه بالثلج. كانت حركاته عنيفة وسريعة وجعلت زينة تنكمش وتنسى الألم في أصابعها. كما ابتعد حميد عن طريقه بدوره، فقال له آدم بحدة: –فراس ينتظر القهوة... ألم تقل إنك آتٍ لأخذها؟ تمتم حميد بخفة متجاهلاً فظاظته معه: –نعم فعلت.

ثم صب فنجاناً آخر بدلاً من ذلك الذي سكب، وحمل الصينية وصعد بها إلى السطح، تاركاً زينة تحت رحمة من لا يرحم. وضع آدم الإناء في المجلى وملأه بالماء، ثم سحب يد زينة بقسوة لا داعي لها ووضعها في الماء المثلج. فشهقت من برودتها وصعدت الدموع إلى عينيها، وقالت محتجة بعد لحظات: –هذا يكفي، لقد تجمدت أصابعي. تركها لتجفف أصابعها بمنشفة ورقية ووقف ينظر إليها للحظات، ثم قال:

–أرجو أن تمر الأيام القليلة التي سوف تقضيها معنا من دون مشاكل... وهذه المرة أنا لا أنصحك... بل آمرك بأن تبتعدي عن طريق حميد... فلا تظني أنه رجل يكتفي بالنظرات البريئة... فهو يسعى وراء أي شيء يرتدي تنورة، حتى وإن كانت مكنسة... وأوامري هذه تشمل بيدرو كذلك... فهو شاب وحيد بيننا وصغير وسريع التأثر... فأرجو منك أن تقللي من ابتساماتك التي تقومين بتوزيعها يميناً ويساراً من دون سبب.

أنهى كلامه وانصرف كعادته دون أن ينتظر ردها، وشعرت زينة أنها بدأت تكرهه. تلك الفتاة أثارت غضبه بأكثر من طريقة منذ معرفته بها. وإن صح استنتاجهم وكانت قد أنهت حياتها بأن ألقت بنفسها في البحر، يكون هذا رحمة بها نظير ما كان سيفعله بها عندما يراها. استقبلته فريدريكا بالعناق: –حبيبي، تأخرت. –إنه العمل.

أجابها بكلمة واحدة وهو يحل ذراعيها عن عنقه ويتفادى شفتيها التي كانت تطالب بشفتيه، فهو ليس بمزاج لهذا. تأففت فريدريكا وهي تلحق به إلى داخل الصالون الصغير التابع لليخت: –ماذا فعلتم؟ كان زوج فريدريكا قد لحق بهما ووقف صامتاً بجوار الباب. أجابته: –كل شيء على ما يرام... الوفاة سجلت على أنها حادث...

فقد الرجل توازنه واصطدمت رأسه، وهذا إلى حد ما حقيقة ما حدث. زوجة الرجل بعد حوار صغير بيننا وافقت أن الشكاوى القضائية قد تضر بسمعة عائلتها... وبالطبع اضطررنا أن نودع ضيوفنا مؤقتاً. هز رأسه مستحسناً ثم قال: –والفتاة؟ تقدم زوج فريدريكا إلى الداخل وتناول فردة حذاء عن المنضدة ورفعها أمام وجه خالد: –هذا ما تبقى منها... وجدناه في الماء.

مط خالد شفته بامتعاض. موتها سوف يكون عقبة وسوف يتم تأجيل زواجه من زينة. غلى حقده عليها من جديد أثناء حياتها وبعد موتها. قال زوج فريدريكا بسخريته المقززة للنفس: –ولكن أخبرنا... لم تعتد على إرسال فتيات بريئات إلى هنا ودائماً ما تحتفظ بهن للمزاد... فما الذي تغير هذه المرة. رفع خالد أحد حاجبيه بسخرية: –بريئة؟ من قال ذلك؟ –هي من قالت ذلك. –لا تشك أبداً... مهمتي أن أتأكد من أنهن لم يعدن كذلك.

فتح الباب وخرج وهو يفكر. سوف يقوم بالاتصال بزينة لكي يعرف منها مدى معرفتها بمكان أختها ومن ثم يحاول أن... ظهرت نجلا فجأة أمامه وصاحت في وجهه بانفعال: –أنت لن تتركها تفلت بفعلتها هذه، أليس كذلك؟ سوف تعاقبها لمخالفتها أوامرك. أكمل خالد طريقه مزيحاً إياها من أمامه وهو يقول ساخراً: –أعدك أنه عندما نجد جثتها سوف أمثل بها من أجل خاطرك. –لا... ليست زينة من يستحق التمثيل بجثتها.

توقف خالد بغتة وللحظة أغلق عينيه بقوة وسحب نفساً عميقاً قبل أن يستدير مواجهاً نجلا: –من قلت؟ زينة؟ وما علاقتك أنت بزينة؟ ما دخل زينة بالأمر هنا؟ ترقرق الدموع في عين نجلا فقد تأثرت بالفتاة التي ارتكبت جريمة قتل ومن ثم ألقت بنفسها في البحر لكي تحافظ على شرفها: –لأن زينة من كانت هنا. للحظات شل عقله عن التفكير واشتعلت به النيران، ثم عاد بخطوات سريعة إلى الصالون. تفاجأت فريدريكا بمظهره المتوحش:

–ما اسم الفتاة التي كانت هنا؟ أسرع زوج فريدريكا وتناول جواز سفر كان على المنضدة بجوار فردة الحذاء وناوله له وهو يحدق في وجه خالد بفضول، وكذلك فريدريكا. وقعت عيناه على صورتها وفقد وجهه كل نقطة دم به. رفع خالد وجهه ونظر إلى فريدريكا وقال بهدوء قاتل: –ليست هذه هي الفتاة التي أرسلتها إليك. –الفتاة الأخرى لم يكن من الممكن استخدامها...

أرتنا ما يثبت أنها حامل وقالت إن أختها على استعداد لأن تحل محلها وقد وجدناها مناسبة خاصة وأنها من طرفك كذلك. نزل كفه بصفعة قوية على وجه فريدريكا التي ترنحت إلى الخلف وهي تشعر بالذهول، ولم يتحرك زوجها نحوها بل تراجع إلى الخلف بهدوء ووقف يتابع ما يحدث بنظرات حادة. تحرك تجاهها بوحشية: –لماذا لم تتصلي بي؟ كيف تسمحين لنفسك أن تتصرفي بأمر كهذا دون علمي. –لم يكن الاتصال بك ممكناً وأنت تعرف ذلك.

صفعها مرة أخرى وبقوة أكبر جعلتها تصرخ. توتر زوجها ولكنه ظل في مكانه، وقد استدار إليه خالد وقد خطف الحذاء وضغط عليه بقوة قائلاً: –هل هذا فقط ما وجدتموه؟ هز رأسه إيجاباً، فقال خالد وعيناه مشتعلتان بلون أحمر كالدم: –أجمع لي البحارة... جميع من باليخت بلا استثناء. لن يسلم أبداً بحقيقة موتها إلا إذا رأى جثتها بأم عينيه. وقتها فقط سيحرق الأخضر واليابس ولن يرحم أحد.

كان فراس الأفضل من بين الجميع. طيباً وبشوشاً ومضيفاً كريماً. عرض أن يأخذ زينة في جولة على القارب للتعرف عليه، ولأنه لم يكن ضمن قائمة الممنوع عليها التعامل معهم، قبلت بعرضه. ولكنها لاحظت أنه تجنب أخذها إلى كابينة القيادة حيث المقر الدائم لآدم. وبرر لها ذلك بقوله: –إن آدم لا يحب أن يحوم أحد حوله وهو يعمل. وشرح لها نظرياً كيف يقومون بالإبحار بالمراكب الشراعية الحديثة، وضحك عندما سألته:

–أين الحبال التي تربطون بها الأشرعة؟ صحح لها معلوماتها البدائية قائلاً: –الأشرعة الحديثة مصنوعة من ألياف الكربون حتى تظل مثبتة بالصاري مثل الأجنحة، وهي تكون متصلة بأسلاك ويتم التحكم بها إلكترونياً عن طريق وحدة تحكم مركزية، ويكفي شخص واحد فقط للإبحار بمركب شراعى بهذا الحجم حتى دون الحاجة للتواجد وراء الدفة... سأريك إياها مرة. –في وقت لا يكون فيه السيد آدم هناك. ضحك فراس وقال: –هذا صحيح...

حتى نحن أصدقاؤه أحياناً نجد صعوبة في التعامل معه. سرت زينة بالوقت القليل الذي خصصه لها فراس، فقد تجاهلها الجميع ما عداه. وفي المساء قامت زينة بمساعدة بيدرو في تحضير العشاء، وأبدى الشاب سعادته برفقتها: –أنا سعيد بأنك هربت على مركبنا... فأحياناً كثيرة كنت أشعر بالملل وحدي. سألته زينة وهي تناوله قنينة الزيت التي طلبها: –من أين أنت تحديداً... اسمك إسباني ولكنك تتحدث العربية جيداً.

–أنا نصف مغربي من جهة أمي ونصف إسباني من جهة أبي... والدي كانا يعملان لدى أسرة السيد حميد وهي من الأسر المغربية العريقة ويتنقلون ما بين إسبانيا وموروكو، وهكذا تقابل والدي وتزوجا. ابتسمت زينة وقالت: –وهل هذا القارب ملك للسيد حميد؟ –لا، إنه ملك للسيد آدم... ولكن حميد هو من رشحني للعمل معه بعد أن أنهيت فترة تطوعي بالبحرية الإسبانية وتقاعد القبطان علي الذي كان يعمل هنا قبلي. سيد حميد أراد أن يساعدني فأنا مقبل على الزواج.

–تهانيئي لك. –شكراً... وقد وعدني أن يجد لي عمل دائم عندما تنتهي الرحلة. دهشت زينة من الحب والاحترام الذي ظهر في كل كلمة قالها بيدرو عن حميد، وهذا يخالف وجهة نظره عنها. فهي تراه فاسقاً بلا أخلاق. وكما امتدح حميد، ذم في شقيقته جليلة: –إنها متعجرفة على عكس بقية عائلتها. وأخبرها وقد أخفض صوته وهو يقول: –لقد كانت متزوجة من أمير إسباني...

أعلن إسلامه وتزوجها ضد رغبة عائلتها، فقد كان يكبرها كثيراً في العمر وما سمعته من والدي أنه كان يعاملها بطريقة سيئة جداً وقد مات منذ عامين، فعادت لتقيم مع عائلتها. وهنا عرفت زينة لماذا قدمها لها فراس على أنها أميرة. ودون أن تسأله عن المزيد، تطوع بيدرو في إخبارها عن بقية الموجودين: –الثلاثة أصدقاء دراسة... آدم شخص جيد وهو رب عمل غير متطلب، ولكنه يعاني من مشكلة مع مزاجه أحياناً...

فعندما يغضب يثور كالبركان ويصير مرعباً... لقد تسببت في تعطل محرك القارب في اليونان فكاد أن يقتلع رأسي. اتسعت عينا زينة بخوف. فضحك قائلاً: –لا تخافي... تجنبي فقط إغضابه وستكونين بخير. ثم أخبرها عن فراس: –إنه كريم جداً... طيب ومتواضع إلى أقصى حد على عكس زوجته... أرى أنه يستحق من هي أفضل منها. ابتسمت زينة بحزن. فكاميليا تشبه كثيراً نبيلة ومن على شاكلتها. فسألته: –ونيكول... أنت لم تخبرني شيئاً عنها. قال ماط شفته السفلى:

–أنها ليست سيئة جداً... لطيفة ولكنها تسير خلف السيدتين ولا تتحدث كثيراً... ولا أظن أن السيد حميد سيحتفظ بها معه لمدة طويلة، فهو دائماً ما يغير صديقاته بوقت قصير. قالت بدهشة: –يغيرها؟ ظننته يحبها. ابتسم لها باشفاق: –أنه لا يحب أحداً لمدة طويلة. بالطبع لا يحبها، وإلا ما كان استجاب لإغراء كاميليا. وأرادت أن تسأله عن علاقة آدم بجليلة، ولكنها امتنعت. فتابع بسرور معيداً كلامه الأول: –أنا سعيد حقاً لأنك هربت على متن قاربنا.

ابتسمت له بكآبة وقالت: –أخشى أن أقول لك أنني لن أرافقكم في رحلتكم وأنني سأترككم في المرفأ القادم. رأت خيبة الأمل على وجه الشاب، ولكنها لا تريد أن تعطيه أملاً زائفاً، ولا إعطاء مثله لنفسها. حيث أنها تتوقع أن يطلبوا منها الرحيل عند أول فرصة.

انضمت زينة إليهم أثناء تناول طعام العشاء لهذه الليلة بناءً على دعوة من فراس. وقد أعارتها نيكول بنطال جينز وتي شيرت، وكانت هي من أعارتها الملابس السابقة أيضاً. شكرتها زينة وهي تأخذهم منها، فضحكت لها نيكول وقالت: –إن احتجت لأي شيء اطلبيه ولا تخجلي مني.

أعجبت زينة بنيكول وشعرت بأنها مختلفة عن كاميليا وجليلة، حتى وإن كانت لا ترضى عن طريقة حياتها وطبيعة علاقتها بحميد. أن تنام معه في غرفة واحدة كالأزواج وهم ليسوا كذلك. وكان الأغرب هو تقبل الباقيين لتلك العلاقة على أساس أنها شيء طبيعي. ولكن وبمجموع الأشياء السيئة التي رأتها واكتشفتها في هذا العالم، ما كان يجب أن تصدمها هذه الأمور.

لاحظت أثناء تناولهم للعشاء أن نيكول قليلة الثقة في نفسها، وعندما تشارك برأيها في أمر ما، كانت تنظر بتوتر في وجوه الآخرين لتعرف ردود أفعالهم على ما قالت. فربما تجد نفسها دخيلة على زمرة من مجتمع لا تنتمي إليه حقاً. وفكرت زينة بأسف عليها وهي ترى فيها أختها نبيلة. أنها مجرد شيء للمتعة بمقابل. ولكن مقابل ماذا؟ المال؟ العيش برفاهية لبضعة أيام؟

صعب أن تصدق أنه من أجل الحب. ثم نظرت إلى كاميليا التي أظهرت ببراعة وبما لا يدع مجالاً للشك أن ليس هناك أحد في هذا الكون أهم لديها من زوجها. إنها حقاً ممثلة بارعة. وهنا أيضاً لا يوجد حب. حب مع خيانة لا يجوز. انتقلت عيناها للحظة إلى جليلة. ونظراتها الحادة مسلطة على آدم البارد المتصلب الذي لا يلين. وهذا أيضاً ليس حباً، فلا يوجد رقة في النظرات بل صراع إرادات. ربما يكون الأمر فقط رغبة في الامتلاك.

لم تعد زينة تشعر بالراحة وهي بينهم، وكانت تتمنى لو أنها تناولت طعامها بمفردها أو بصحبة بيدرو. رفعت رأسها مصادفة لتجد أن كل من آدم وحميد وفراس ينظرون باتجاهها، وأدركت أنها قد توقفت عن الأكل وغرقت في أفكارها الكئيبة بطريقة لفتت الأنظار إليها. وقال لها فراس مبتسماً باشفاق: –لماذا لا تأكلين؟ ألم نعدك أننا سنساعدك للعودة إلى بلدك سالمة. ابتسمت له ممتنة وعادت لتهتم بطعامها.

جلس خالد لأكثر من نصف ساعة يحدق في ملابسها الممزقة بين يديه والملطخة بدماءها. لقد أمر جميع العاملين لتفتيش كل ركن في هذا اليخت حتى عثروا على تلك الملابس. كان يمنع بصعوبة دموعه من الانهمار. لقد جاء اليوم الذي تجعله فيه امرأة يبكي من أجلها. كان وهو ينظر إليهم يتخيل ما حدث لها على يد ذلك الرجل. مزق ملابسها واعتدى عليها. اغتصبها والدماء خير دليل على ذلك. سوف لن يرحمهم جميعاً وأولهم نبيلة. سوف يذيقها من العذاب ما يجعلها تتمنى الموت على ذلك. ولكن أولاً يجب أن يجد زينة.

عاد لينظر إلى عبدالله المقيد أمامه على مقعد في غرفة المحركات والكدمات تغطي وجهه والدماء تنزف من أنفه وجانب فمه: –أعرف أنك آخر من ترك اليخت في تلك الليلة... فهل هربتها معك؟ لم يقل عبدالله شيئاً وظل ينظر إليه بتحدي. لقد تحمل الضرب المبرح من رجاله رافضاً أن يعطيهم أي معلومة عنها. لقد قرر أن يحمي تلك الفتاة ولو على حساب حياته: –أنا لا أريد أذيتك لو كنت أنقذتها حقاً... بل سأكافئك ولكن أخبرني إلى أين أخذتها؟

هز رأسه قائلاً: –لن أخبرك... إنها في أمان بعيداً عن أمثالك، فأتركها لحالها. أغلق خالد عينيه وابتلع غصة. إنها بأمان بالفعل بعيدة عن هنا ولكنها ليست بخير. ليس بعد ما حدث لها. –أنت مخطئ... لم أكن السبب في وجودها هنا... زينة تكون خطيبتي وكنا سنتزوج قريباً... وتأكد من أنني سأنتقم لها ممن تسبب في وجودها هنا. –قالت إنك وأختها خدعتماها للمتاجرة بها.

عاد يغلق عينيه بألم. بالطبع هذا ظنها به بعد ما عرفته عنه. بالطبع هي الآن تكرهه بعد أن عرفت حقيقته. عاد ليسأله: –هل هربتها على متن ذلك القارب الشراعي الذي ذهبت لأصلحه؟ صمت عبدالله من جديد ولم يرد، ووقف خالد صارخاً فيه بغضب: –الشيء الوحيد الذي يمنعني عن قتلك لصمتك هذا هو مساعدتك لها في الوقت الذي لم أكن فيه موجوداً لفعل ذلك بنفسي. ثم وقف معتدلاً وتابع: –سأتركك ترحل... من أجلها فقط... وأنا سوف أجدها بطريقتي...

وتأكد من أنه لن يرتاح لي بال حتى أفعل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...