الفصل 9 | من 26 فصل

رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل التاسع 9 - بقلم مايسة ريان

المشاهدات
19
كلمة
3,935
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

لقد خلقنا الله على الصلاح فذهبنا وبحثنا بأيدينا عن الضلال. غذينا بذرة الشيطان فنبتت وتأصلت جذور الشر داخل نفوسنا وتمددت فروعها العجفاء حتى توارت خلفها زهور الخير. الإنسان منا ليس ملاكًا ولا هو شيطان. لقد فُطر على الخير والتقوى، فُطر على الحب والإنسانية، فُطر على التسامح والمغفرة، فُطر على الإيمان.

خالد ليس شيطانًا، وإنما اتبع خطواته فأصبح له عونًا وكان له سندًا ومرشدًا. سار بإرادته في طريق الضلال وهو يدرك جيدًا أن جنة الشيطان ما هي إلا وهم وخداع، ولكن نفسه مالت لملذات تلك الجنان. شهوة الجنس والمال، صناعة اللذة الحرام أصبحت حرفته التي لا يضاهيه فيها إلا أمثاله من أتباع الشيطان. الآن هو في ستوكهولم يمارس العمل الذي يجيده دونًا عن غيره لصالح منظمات هو نفسه لا يعرف الكثير عن أصحابها.

كان يقف في غرفة الفندق يتابع معاونيه الذين يتراصون أمام شاشات الكمبيوتر والأرقام تجري بلا توقف في صعود. ملايين الدولارات تتسابق أمام صورة كل فتاة، فتياته ليسوا عاديات، إنهن الأجمل في العالم، ومازلن صغيرات وعذراوات، والأهم أنهن راضيات وراغبات بعرضهن للبيع.

ابتسم برضا، فأفضلهن قد احتفظ بها لنفسه. ليست الأجمل فيهن، ولكنها الأطهر والأنقى والأوفى قلبًا. لم يستطع أن يضعها بينهم فلن يقدرها أحد كما يقدرها هو، وقد لا تجذب الملايين من المال كهؤلاء، ولكنها قادرة على جذب القلوب والنبش بداخل الروح. وكان قد تساءل يوم أن وجدها: هل قلبه قابل للجذب من قبل أية امرأة؟

تعجب لخفقاته في تلك اللحظة من شدة شوقه إليها. اشتاق إلى ذلك اللون الوردي الذي يصبغ وجنتيها كلما همس لها بكلمة شوق، وإلى صوتها الذي يخفت ويتلعثم من الخجل والكسوف.

وفي تلك الليلة الأخيرة التي سبقت سفره، أراد أن يودعها بطريقته، لكي يحمل منها ذكرى يتذكرها بها. ولكن براءتها وصدقها أثرا فيه بطريقة لم يتوقعها، ولم يصدق نفسه عندما تراجع وخضع لمشيئتها. إنه أكثر من قادر على إغواء مطلق امرأة مهما كانت قوة مقاومتها، ولكنه يعرف بأنها ستكرهه إن هو أجبرها. –سيدي؟ أخرجه صوت مساعده من أفكاره وتابع وهو يمد له يده بالهاتف: –إنها فريدريكا. تقول أمر هام.

عبس خالد وهو يمد يده ليأخذ الهاتف. إنها تعرف أنه من غير المسموح لها بمخاطرته هنا. العمل سري ولا مجال فيه للأخطاء، فهو يمس سمعة شخصيات مهمة حول العالم وأي خطأ قد تطير فيها رقبته، لذلك رد عليها بغضب. ***

نظرت زينة في مرآة الحمام وهالها ما رأت. كيف كانت تجلس أمامهم وهي بهذا المنظر الشنيع. بشعر أشعث لا شكل له ومتشابك ببعضه، وعيناها كانتا حمراوين ومتورمتان من كثرة البكاء، وقد تلطخت وجنتاها وأنفها وفمها بمزيج من الشحم الأسود وعصير البطيخ الأحمر. أما عن رائحتها فحدث ولا حرج، فقد امتزجت رائحة الشحم من الغطاء البلاستيك الذي كانت تختبئ تحته في اليخت مع رائحة السمك من البطانية التي نامت فوقها في حجرة أدوات الغطس مع العرق ليصنعا مزيجًا مقرفًا ومنفرًا.

تأوهت ببؤس وقالت: –لا عجب أنهم كانوا ينظرون إلي وكأنني كائن غريب. فأنا أبدو كالقطة الجرباء التي خرجت لتوها من إحدى صناديق القمامة. أخذت زينة وقتًا طويلاً في فرك جسدها بالصابون المعطر وغسلت شعرها ثلاث مرات. وعندما خرجت كانت تشعر بأنها إنسانة جديدة، نظيفة ومنتعشة، وأكثر من هذا… إنها في أمان. فراس رجل طيب وعاملها برقة، ورغم فظاظة آدم وقسوته إلا أنه قبل بوجودها على قاربه وتركها تستخدم حجرتها واهتم بها وعالج جرحها.

كان قد جلب حقيبة الإسعافات الأولية وأجلسها على المقعد بغرفته وركع أمامها، وكان فراس واقفًا يشرف عليه ويبتسم لزينة مشجعًا، وآدم يشق سروالها بالمقص ثم وضع المطهر على الجرح وهو يقول: –إنه ليس سيئًا كما يبدو. بعد أن نظفه وضع عليه ضمادة مضادة للماء، ثم تركاها وخرجا. ارتدت زينة

الملابس التي أحضروها لها: سروال أبيض من الكتان وقميص أخضر فاتح قصير الأكمام. كان ضيقًا قليلاً ولكنه مناسب، على عكس البنطال فقد كان طويلاً عليها بعض الشيء، واستنتجت أن صاحبتهم لابد وأن تكون طويلة القامة ونحيفة.

أخذت فرشاة الشعر عن طاولة الزينة ومشطت شعرها ولم يكن معها شيء لتربطه به فتركته منسدلاً. لم تعتد على استخدام أدوات الزينة إلا أثناء العمل، ولذلك لم تستاء كثيرًا لافتقارها لهم، فقد كان لها وجه آسِر وبشرة نضرة ناعمة تشقى الكثيرات من النساء عند مراكز التجميل للحصول على بشرة مثلها. واكتشفت عندما همت بالخروج أنها لا تملك حذاء، فخرجت إلى الممر حافية القدمين.

كانت الحوائط من الخشب اللامع، وعلى طول الممر زينت بلوحات زيتية جميلة لعالم البحار، وقد فُرشت الأرض بسجاد ذي وبر عالٍ غاصت قدميها العاريتين براحة في نعيم نعومتها وتعجبت: كيف يمكن لسجادة أن تشعرك بالسعادة! ابتسمت للمسار الذي اتخذته أفكارها، وقد كانت منذ ساعة واحدة فقط تتأرجح بداخل هوة عميقة تقذف فيها ما بين الخوف والقلق.

عندما وصلت إلى حجرة الجلوس، وقفت عند مدخل الرواق تراقب الجالسين هناك بحذر. لم يشعر أحد منهم بوجودها، فراحت تتأملهم بفضول.

كان يوجد ستة أشخاص، سبق لها أن تعرفت على أربعة منهم. وقف آدم مستندًا على البار وبيده علبة مياه غازية، وكان قد بدل ملابسه ببنطال قصير من الجينز وتي شيرت أسود يعكس مزاجه الحاد. وعلى إحدى الأرائك الجلدية الوثيرة جهة اليمين جلس فراس وبجواره زوجته السمراء الجميلة بعينيها الواسعتين الكحيلتين التي تتميز بهما النساء العربيات، وكانت ذراعه تحيط بخصرها النحيف وهما يتحدثان معًا بهمس، وشعرت زينة في تلك اللحظة بأن وجهها مألوف لها بطريقة ما.

نقلت زينة نظرها جهة اليسار قليلاً، وفوق مقعد فردي جلس حميد باسترخاء يستند برأسه إلى الخلف وعيناه مغلقتان. وعلى ذراع مقعده كانت تجلس فتاة شقراء رائعة الجمال ذات جسد طويل ونحيف وممتلئ في الأماكن الصحيحة، وكانت تداعب شعر رأسه بأناملها وعيناها مركزتان عليه برقة.

وقرب النافذة خلف الجميع، وقفت امرأة في أوائل الثلاثين من عمرها تشبه إلى حد كبير الممثلة المكسيكية سلمى حايك بجسدها المنمق وشعرها الطويل الحالك السواد الذي يكاد أن يغطي ردفيها. وكانت ترتدي ثوبًا قصيرًا برتقالي اللون بحمالات رفيعة يظهر لون بشرتها الزيتونية، وكانت تنفس دخان سيجارتها من النافذة وهي شاردة الذهن ضامة ما بين حاجبيها بعبوس.

فكرت زينة بانبهار: إنها تتواجد في نفس المكان مع ثلاثة نساء فاتنات يتنافسن معًا في الجمال والأناقة والإغراء، وثلاثة رجال وسيمون وأنيقون يستحقونهن عن جدارة. وعندما تقارن نفسها بهن لا تعدو أكثر من فتاة صغيرة لا شكل ولا قيمة لها. أنبتت نفسها بحنق: كيف فكرت أنها لا تحتاج إلى أدوات للتجميل؟

على الأقل لتحديد عينيها التي تشبه عيون الأطفال وزيادة قليلاً من حمرة شفتيها الباهتتين. ولماذا بحق الله لم تبحث عن مجفف للشعر بدلًا من ترك خصلاته مبللة وملتصقة بفروة رأسها كأذناب الفئران. وتمنت كذلك لو كانت تنتعل حذاءً عالي الكعبين لرفع حاشية البنطال الذي كان يغطي أصابع قدميها الصغيرتين.

فتح حميد عينيه الضجرتين ولوى رأسه فوقعت عيناه على زينة، فتغيرت ملامحه على الفور وتدرجت من الدهشة إلى الإعجاب واعتدل في جلسته بحماس، فلفتت حركته انتباه الباقين. واحمر وجه زينة حرجًا من الأفكار الحاقدة التي كانت تملأ رأسها منذ قليل، وكأنهم قادرون على معرفة ما كان يدور في عقلها بمجرد النظر إليها. شملها آدم بنظراته التي ازدادت تجهّمًا لرؤيته مظهرها الجديد. وقف فراس واقترب منها مرحبًا بابتسامة واسعة قائلًا:

–أهلًا زينة. تعالي… أرى أن هناك تغييراً كبيرًا قد حدث. ثم دفعها بلطف إلى وسط الحجرة وراح يعرفها على الجميع، وبدأ بالشقراء: –نيكول، عارضة أزياء لبنانية وهي صديقة حميمة لحميد. لم تفهم ما يعني بصديقة حميمة، وإن كانت قد شبهت الأمر بتلك العلاقات التي يتميز بها الغربيون. صافحتها نيكول بأدب، وكذلك فعل حميد، وقد أبقى يدها في يده أكثر مما يليق. لقد كان أكثر الرجال الثلاثة وسامة وجاذبية، ولكن ما عرفته عنه جعلها تنفر منه.

ثم عرفها فراس على السمراء التي تقف قرب النافذة: الأميرة جليلة، كما دعاها، وقال: –إنها شقيقة حميد الصغرى. وتساءلت زينة بانبهار وهي تحدق بها: هل هي أميرة حقيقية؟ وحميد… هل هو أمير كذلك؟ هزت لها جليلة رأسها بتحية فاترة دون أن تمد يدها لمصافحتها، ودخان السيجارة يخفي تعابير وجهها.

ثم عرفها إلى زوجته كاميليا التي صافحتها بأطراف أصابعها وعيناها تتأملانها بحقد تعرف زينة سببه جيدًا. وعادت زينة تشبه عليها، فقال فراس مبتسمًا وقد لاحظ الحيرة والتفكير على وجهها: –بالتأكيد تعرفينها. إنها كاميليا حمدان، المذيعة. ثم ذكر لها اسم شبكة القنوات العربية الشهيرة التي تعمل بها، فأدركها الفهم وعرفت أين رأيتها من قبل، فابتسمت لها بأدب: –آه، بالطبع أعرفها. أشار حميد أخيرًا إلى آدم وقال ضاحكًا:

–وتعرفين صديقنا آدم. بالطبع هو غني عن التعريف. إنه دائمًا ما يقدم نفسه بطريقة تجعل من يقابله مرة لا ينساه بعدها أبدًا. نظرت زينة إلى آدم ووجدته متجاوبًا مع مزاح صديقه بابتسامة جعلته مختلفًا وأكثر جاذبية. جذب حميد انتباهها بعيدًا عن آدم وأخبرها: –عذرًا، لقد سبقناك وتناولنا الغداء.

ثم أخذها إلى حجرة الطعام. وجدت الطعام مكونًا من سباجتي ولحم مشوي وسلطة، ومن شدة جوعها أجهزت على الأطباق كلها. وبعد أن أنهت طعامها حملت الأطباق إلى المطبخ وغسلتهم. وكان الجميع قد صعدوا إلى سطح القارب وقد وصلت أصواتهم إليها عبارة عن همهمات. وقفت زينة في منتصف المطبخ حائرة ماذا يجب عليها أن تفعل أو أين تذهب، حتى أنها كانت محرجة من أن تصنع لنفسها كوبًا من الشاي أو القهوة.

لقد خف الألم في ساقها بسبب المسكن الذي أعطاه آدم لها، ولكنها تحتاج أيضًا إلى النوم لتستطيع التفكير بصفاء ذهن. لقد تعقدت حياتها بين ليلة وضحاها، فهي لا تصدق أنها تركت بيتها منذ يومين فقط وقد تركت كل ما تملكه من مال وملابس على اليخت الآخر.

ضبطها آدم داخل حيرتها، وكان خارجًا لتوه من الممر المؤدي إلى حجرات النوم، وقد كانت تعتقد أنه على السطح مع أصحابه، ولكنه كان بالتأكيد يتفقد حجرتها بعد أن خرجت منها، فشعرت بالحرج. فقد تذكرت أنها تركت ملابسها المتسخة ذات الرائحة الكريهة في غرفة حمامه، فقالت بصوت مبحوح: –أنا آسفة. لقد تركت ملابسي المتسخة في الحمام. سأخرجها حالًا. وهمت بالتحرك ولكنه أوقفها بإشارة من يده وقال وهو يتقدم منها:

–اتركيها الآن. أريد أن أريك المكان الذي سوف تنامين فيه. تعالي معي.

أشار إليها كي تتبعه، ثم سار وزينة من خلفه. وعندما استدار إلى الممر المؤدي إلى غرفة نومه، اعتراها القلق. هذا الجناح الرئيسي وليس به إلا حجرة نوم واحدة وهي حجرتها، وفكرت بقلق في أنهم هنا ربما يعيشون حياة بوهيمية. حميد معه عشيقته ويخون صديقه مع زوجته، وآدم على علاقة ما بجليلة. وهي لا تفهم الطريقة التي يعيشون بها، وما خبرته ورأيته خلال اليومين الماضيين يجعلها لا تستبعد شيئًا.

ويجب أن يفهم منذ البداية أنها لن تنصاع له أو لغيره وأنها لم تعد تلك الساذجة البلهاء التي يسهل خداعها وتخويفها. توقف آدم قرب باب غرفته واستدار إليها، وكان يهم بالكلام، ولكن تعبير وجهها ألجم لسانه. كانت تنظر إليه بغضب وشفتيها مزمتان وقبضتيها مضمومتان بقوة إلى جانبها. فقال بدهشة: –ماذا بك؟ ردت بحدة وأنفاسها تتسارع: –أنا لن أنام معك في غرفتك. ومن الأفضل لك أن تذهب وتصالح صديقتك. ضاقت عيناه وسألها بحيرة: –عما تتحدثين أنت؟

وكيف… قاطعته بحدة ليفهم أنها ليست سهلة كما يعتقد ويجب أن يفهم كل رجل هذا قبل أن يفكر في استغلالها: –لقد حاولت مصالحتك بالأمس ولكنك رفضت مصالحتها. وإن كنت تعتقد أنني سأكون بديلة عنها فأنت واهم. وإن كانت هي تتحول عند غضبها لفتاة شوارع وهي أميرة، فلك أن تتخيل إلى ماذا أتحول أنا؟ سحبها من ذراعها بقسوة وقال: –كنت تتنصتين علينا؟ ولديك من الوقاحة ما يجعلك تتبجحين بذلك أمامي؟ هزها فارتاع وسألها بحدة: –هل تتحدثين الإسبانية؟

أجابت وقد شعرت بأنها بالغت برد فعلها: –أفهمها قليلاً فقط. وتابعت بسرعة عندما ضاقت عيناه عليها: –ولكنني لم أفهم ما قالته كله. جز على أسنانه وتأملها باحتقار: –لكنك استنتجته. لقد أغضبه أنها كانت شاهدة عليهما واستمعت إلى السباب الذي وجهته له جليلة. سحبها بغلظة من ذراعها بعيدًا عن باب حجرتها وفتح بابًا في نهاية الرواق قرب الزاوية لم تلاحظه زينة من قبل ودفعها إلى الداخل وكأنه يلقي بشيء قذر من يده.

وجدت نفسها داخل غرفة صغيرة جدًا تحتوي على فراش بعرض متر يلتصق بالحائط وخزانة ملابس بباب واحد. وعلى الأرض الخشبية فُرشت سجادة خضراء جميلة، وكان هناك نافذة زجاجية مستطيلة صغيرة ككل شيء في الحجرة وقد علقت عليها ستارة باللون الماهوجني.

عجزت زينة عن النظر إليه من شدة الحرج. لقد أساءت الظن به وتسرعت بافتراض سوء النية، ولابد لها من أن تعتذر. فاستدارت إليه والخجل قد صبغ وجهها بحمرة قانية، وكان هو ينظر إليها بغضب ساخر. وقبل أن تتفوه بكلمة عاجلها بقوله: –كنت أريد أن أعتذر لك عن صغر حجم الغرفة، لكنها الوحيدة الخالية والقارب لا يحتوي إلا على أربعة غرف نوم فقط جميعها مشغولة للأسف.

وأوضح لها أن فراس وزوجته في حجرة، وحميد وصديقته في الثانية، وجليلة في الثالثة، وهي لا تفضل أن يشاركها أحد غرفتها. تمتمت تعتذر بصوت منخفض وهي تشعر بالخجل الشديد من نفسها: –أنا آسفة. والغرفة جميلة جدًا وليس لدي أي اعتراض عليها. جاء رده قاسيًا متعجرفًا وهو يقول: –ليس لديك الحق في الاعتراض على أي شيء. فأنا لم أدعوك في الواقع. وعلى العموم، أنا مقدر للظروف التي ألقت بك فوق رأسي. ولكن يجب أن تفهمي شيئًا مهمًا.

ومال عليها متابعًا بتهديد: –تلك الظروف صنعتها أنت بغبائك وساذجتك. ولن أحمل ضميري شيئًا أنا غير مسؤول عنه، فاخفضى رأسك المتعالي هذا عندما تتحدثين إلي. فهمت؟ سحقها ببضعة كلمات وكانت صادقة لكي تعترف بأنها تسببت بكل هذا لنفسها، فقد أهانته بطريقة خرقاء. وتابع وهو يشملها بنظرة متعالية ساخرة: –ولا تقلقي على نفسك مني. فذوقي من الصعب أن ينحدر لهذا المستوى.

وتركها غارقة في بحر من الذل والمهانة. وراحت تأنب نفسها على تسرعها. فكيف فكرت في أن رجلاً تطارده أميرة كجليلة من عائلة أرستقراطية وتحمل لقبًا ولها جمال كجمالها يمكن أن يفكر في استبدالها بها هي. هي الفتاة الخرقاء اليتيمة التي بلا مال ولا جاه، وهو كما يبدو ثري جدًا يصاحب الأمراء ويمتلك قاربًا يساوي ملايين الدولارات ويمضي إجازته متسكعًا بين الموانئ والمنتجعات.

تنهدت بعمق وضيق. ماذا دهاها وقد أصبحت ناقمة فجأة على حياتها وتتذمر كثيرًا وتقارن نفسها بأناس لا صلة لهم بها وبحياتهم. ثم جلست على حافة الفراش منهكة القوى. لقد اشتاقت إلى والديها، وخاصة والدها لكي تلتمس من قوته وحنانه الأمان والطمأنينة. وتذكرت عندما دعاها مرة بـ "ابنتي الأغلى". ويومها اعترضت نبيلة غاضبة: –وماذا عني؟ ألست غالية عندك؟ رد ضاحكًا:

–طبعًا أنت ابنتي الغالية وأغلى عندي من روحي. لكن زينة ابنتي الأغلى. ستدخلني الجنة وعلى يديها سوف أجاور الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام. يومها كانت في العاشرة من عمرها تصدق حقًا أن لها بيتًا وعائلة. وتساءلت: هل سيظل والدها يعتبرها ابنته الأغلى التي ستمنحه رخصة دخول الجنة ومجاورة حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام؟ أم سيندم على إيوائها في بيته وتربيتها مع ابنته؟

وما الذي سيكون عليه رأيه لو عرف بأنها كذبت عليه حتى وإن كان بنية طيبة. وكيف سيتقبل فكرة أنها أصبحت قاتلة هاربة، والمكان الذي هربت منه لن يشفع لها عنده. فعندما يصل إليه الخبر لن تصل الحقيقة معه، ولن تجرؤ نبيلة على فضح نفسها أمامه وتعترف بأنها قامت بخداعها لتنتقم منها على شيء لا تعلمه. فما الذي فعلته لها وجعلها تلقي بها إلى هذا المصير؟ وكيف خدعت في خالد الذي أحبته وصدقت أنه يحبها ويريدها زوجة له؟

كل هذه أسئلة كانت تدور وتدور بإلحاح في رأسها. فالمستقبل بالنسبة لها لا يبشر بالخير، والطريق إلى السجن هو الطريق الوحيد الذي تراه بوضوح أمامها. تمددت على الفراش وعقلها لا يكف عن التفكير حتى استسلم عقلها أخيرًا للنوم. *** سأل حميد آدم وهو يناوله زجاجة من البيرة، وكان الثلاثة حميد وآدم وفراس يجلسون في كابينة القيادة بدون النساء: –ماذا ستفعل بها؟ كان يقصد زينة. عبس آدم وقال معنفًا: –تقصد ماذا سأفعل بشأنها وليس بها.

رفع حميد عينيه إلى السقف وزفر بضجر وقال: –يا صبر. حسنًا. ماذا ستفعل بشأنها؟ ضحك فراس، وضاقت عينا آدم ولكنه تجاوز عن سخرية حميد وقال: –سوف أتحرى عنها أولًا حتى أتأكد من أن ما أخبرتنا به حقيقي. ثم سنحاول استرجاع أوراقها، ولو عن طريق التفاوض. فمثل هؤلاء الناس أخطر مما نعتقد دائمًا. فهم يديرون تجارة وقد يرون في هروبها خطرًا على وجودهم. قال فراس بحزن: –يا للمسكينة. حظها سيء. قال آدم بقسوة: –إنها ليست مسكينة، بل غبية.

قال حميد وقد لمعت عيناه: –الجميلات دائمًا عرضة للطمع. فلو كانت قبيحة لما… قاطعه آدم محذرًا بحدة، في حين نظر إليه فراس متأففًا: –حميد… لا تفكر بالاقتراب منها واكتفِ بما لديك. لوح حميد بيده وقال يدافع عن نفسه: –وماذا قلت أنا لكل هذا؟ عليه فراس هذه المرة بضيق: –أنت لا تحتاج للقول، يكفي أن نرى تلك النظرة في عينيك لنعرف نواياك. قال حميد بحزن زائف: –أنتما دائمًا تتحاملان علي.

ولكن عيناه كانتا تضحكان بعبث، فأبتسم فراس بتساهل، في حين ازداد تجهم وجه آدم. رفع حميد يديه لأعلى، وكانت إحداهما تحمل زجاجة البيرة: –سأقسم بالله… قاطعه فراس موبخًا: –أتقسم وبيدك المنكر؟ ألا تخجل من نفسك؟ وضعها حميد فوق المنضدة وقال: –أقسم أن لا أقترب منها إلا برغبتها الحرة. صاح به آدم بغضب: –حميد. رد حميد ضاحكًا: –يا أخي أمزح. جديتك هذه تخنق أحيانًا. قال فراس مدافعًا عن حميد كعادته:

–إنه يمزح. ولا تنسَ أن معه صديقته الشقراء الجميلة، فما حاجته إلى فتاة صغيرة كزينة. قال آدم ساخرًا: –فراغة العين. إنه لا يشبع. قال حميد متحديًا بخبث وهو ينظر إلى عيونهما كل واحد على حدة: –وهل تنكران تأثركما مثلي بتلك الصغيرة؟ هل تنكران أن براءتها تلك لم تستفز رجولتكما وحركت نزعة الحماية لديكما؟

ألم ترغبا مثلًا في امتلاك ما سعت باستماتة للحفاظ عليه، وأنه سيكون كجائزة لا تقدر بثمن لرجال لم يحصلوا يومًا إلا على المستهلك والمباح من النساء؟ أحمر وجه فراس وارتبكت نظراته، في حين حدق آدم في الفراغ وقد غامت عيناه. وتجرع حميد ما تبقى من شرابه وتابع قائلًا بواقعية: –أرجو يا آدم أن تجد حلاً سريعًا لمشكلتها قبل أن نصبح نحن الثلاثة مشكلتها الحقيقية.

غير فراس مجرى الحوار وقد وجد أن آدم وحميد في طريقهما للاصطدام لا محالة. فهميد صريح يعبر دائمًا عما في نفسه بلا مواربة، وآدم يتفنن بالقسوة على نفسه وعلى من حوله، ولن يتوقفا حتى يحدث شجار بينهما. –المهم أخبرنا متى ستبدأ باتصالاتك بشأنها؟ –لقد بدأتها بالفعل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...