وقفت زينة تقبض بيدها على سور القارب تنظر إلى ميناء باليرمو. انتشرت مراكب الصيد واليخوت حول المرفأ، فبدت لها من بعيد، حيث يرسو مركبهم، كلعب الأطفال. كانوا قد توقفوا خلال الأيام السابقة عند عدة جزر صغيرة حول إيطاليا وجزيرة سردينيا، ولكن دون الاقتراب من الجزر والمدن الكبرى. كانوا يقومون بالغطس والصيد وزيارة الجزر لشراء المؤن وتناول الطعام على السواحل أحياناً.
ويبدو أن هذا النشاط لم يكن من ضمن خططهم، فقد لاحظت تذمر النساء الثلاث وتأففهن من تغيير مسار الرحلة. عبرت جليلة عن رأي الأخريات قائلة وهم يرسون بالقرب من جزيرة ليباري قبالة ساحل صقلية: –بصراحة.. إلى الآن لا أفهم السبب الذي يجعلنا ندور حول أنفسنا بهذا الشكل. –كان من المفترض أن نكون بميلانو منذ يومين على الأقل. قال حميد متأففاً: –ألا تشبعان من التسوق أبداً؟
ما نفعله الآن هو المعنى الحقيقي للإبحار، وليس التنقل بين الفنادق ومتاجر الملابس ومراكز التجميل. كانت زينة راضية ومستمتعة على العكس منهن. وبرغم القلق الذي كان يعتمل في داخلها على مستقبلها، إلا أنها استمتعت بزيارة هذه الجزر والتمتع بالمناظر الجديدة وتأخيرها عن مواجهة مصيرها المجهول. ولكن.. ها هي آخر ساعات لها معهم، ولا تعلم ما ينتظرها بعد ذلك.
لم يعد الأمان أمراً مسلماً به كما في السابق، حيث كانت تستيقظ في فراشها وهي أكيدة من عودتها للنوم فيه ليلاً. إنها الآن لا تعرف ماذا سيفعلون بها. هل سيسلمونها إلى الشرطة ليقوموا بترحيلها؟ وهل ستضعها الشرطة في السجن ليتحروا عنها أولاً، وبذلك سيعرفون بالجريمة التي ارتكبتها؟ وهل سيصدقونها عندما تقسم لهم أنها كانت تدافع عن نفسها؟
سمعت أصواتاً آتية من المياه بالأسفل. مالت زينة على الحاجز ورأت آدم وحميد وفراس وبيدرو يسبحون باتجاه القارب وأقنعة الغطس تتدلى من أعناقهم. صعدوا إلى القارب وهم يضحكون ويتمازحون. رآها حميد أولاً وأبتسم لها بمرح وهو يتجه نحوها بحماس: –زينة.. لماذا لم تنضمي إلينا؟ –أنا لا أعرف الغطس. قال مشجعاً يعرض عليها العرض الذي لا ييأس منه: –سأعلمك.. ستحبينه، إنه متعة حقيقية.. هيا بدلي ملابسك وتعالي لأعطيك أول درس.
لم يتسن لها الرد، فكالعادة جاء صوت آدم حاداً من خلفه: –لقد أخبرتك من قبل أنها لا تجيد السباحة ولا تريد تعلم الغطس، فلماذا تصر عليها؟ غمز لها حميد بعينه وهمس بمرح قبل أن ينصرف: –هذا الرجل يعرفني جيداً.. إنه يحاول حمايتك مني.. وفي الحقيقة لا ألومه. انصرف وهو يصفر بمرح. وأبتسمت زينة رغماً عنها، فحميد رغم عيوبه التي لا ترضى عنها، كان خفيف الظل ومشاغباً ولا يكف عن المزاح طوال الوقت.
وقد حاول سابقاً إقناعها بالنزول إلى البحر، وأضطرت أن تخبره كذباً أنها لا تعرف السباحة وتخشى الماء. وكانت في الحقيقة تخجل من ارتداء ثوب السباحة الذي أعارتها نيكول إياه. التقطت نظراتها نظرات آدم وهي مازالت تبتسم، فأشاح بوجهه عنها بضيق، فتجمدت الابتسامة على شفتيها. إنه يكرهها ولا تروق له، ولقد تأكد لديها هذا الإحساس وأصبح يقيناً الآن.
فطوال الأيام الماضية كان يتجاهلها، وفي نفس الوقت يراقبها كالصقر ويجعلها باستمرار تعرف حجمها الحقيقي، فلا تزيد معاملته لها عن معاملته لبيدرو، وأحياناً تكون أقل من ذلك. ومن ناحيتها، لم تكن تشارك كثيراً في الأحاديث والأنشطة التي يقومون بها، مما جعلها تبقى على مسافة من الجميع، خاصة هو. فحميد يتفنن في إيجاد الفرص للكلام معها في غفلة من آدم ومداعبتها وإطلاق النكات لإضحاكها.
وفراس يحاول باستمرار دمجها بينهم والاهتمام براحتها. أقترب فراس منها وهو يضع منشفة حول كتفيه وسألها مازحاً: –ما هو إحساسك وأنتِ سوف تفارقيننا قريباً؟ أنا عن نفسي حزين وأتمنى لو تظلين معنا لبقية الرحلة. لأول مرة يفاتحها أحد بموضوع الرحيل، والدموع التي كبحتها منذ أيام هددت بالانهيار، فأطرقت برأسها. سألها برقة: –هل اشتقتِ إلى أسرتك؟
سيقوم آدم بالاتصال بصديق مهم له في وزارة الخارجية ليساعدك على السفر دون الحاجة إلى اتباع الإجراءات الروتينية الطويلة التي تتخذ في مثل حالتك. ردت بصوت مبحوح تخالطه العبرات: –أنا لن أعود إلى مصر.. سأبحث لي عن عمل هنا في أوروبا. –ولماذا؟ أنا واثق من أن والديك سيتفهمان موقفك.. أنتِ تقولين إن والدك رجل حكيم وله قلب طيب و..
قاطعته بأسى والألم يطعن قلبها عند ذكره لوالدها الذي لا تعرف كيف هو شعوره الآن من اختفائها، وهي لا تستطيع أن تخبره بالسبب الحقيقي:
–من الصعب أن أعود لأعيش في بيت واحد مع نبيلة بعد ما فعلته بي.. والموت عندي أهون من مواجهة أبي وفضحها أمامه.. يكفي خيبة أمله في قلبه مريض.. ولقد قبلت بالعمل على ذلك اليخت كي أوفر مصاريف عمليته الجراحية، والتي لا أعرف إن كان قد أجراها أم لا.. بالرغم من أنني أتمنى أن لا يكون قد أجراها بذلك المال النجس. انصرفت من أمامه بسرعة بعد أن عجزت عن كبح دموعها.
وكانت تقف في المطبخ تعد أبريقاً من الشاي عندما نزل آدم وراح يتفحص وجهها الباكي عابساً. انكمشت ملتصقة بالخزانة عندما دخل إلى المطبخ وقد مد يده إلى الرف فوق رأسها ليأخذ كوباً فارغاً، فأنسحبت إلى الخلف تفسح له المجال ليصب كأس من العصير لنفسه.
لم يكن يرتدي سوى سروال السباحة القصير، وهو أكثر احتشاماً من الذي كان يرتديه فراس وحميد، ولكن تأثير وجود آدم قربها كان أكثر وطأة على أعصابها من كلاهما، وجعلها تشعر بالحرج وعدم الراحة. –أريد أن أتحدث إليك. انتفضت زينة مجفلة بلا سبب وتراجعت خطوة حادة إلى الوراء، مما دفعه ليقول بغيظ: –لماذا أنا الوحيد الذي يلاقي ردة الفعل هذه منك؟ هل تعتقدين أنني مغتصب أطفال، أم أنني أشبه ذلك الرجل الذي حاول الاعتداء عليك؟
شهقت زينة.. لا يمكن أبداً مقارنة ذلك الرجل المثير للقرف به. وضايقتها أيضاً فكرة أنه يراها طفلة.. هذا إن كان يعتبر سن الخامسة والعشرين سن طفولة. ردت عليه متلعثمة: –أنا آسفة.. لم أقصد… هذا كل ما استطاعت قوله وتوقفت. إنها في الواقع تشعر بالخوف الشديد منه. ربما بسبب فظاظته معها وإحساسها أنه لا يحبها، أو لأنها أصبحت حذرة من كل الرجال ولم تعد تثق في نواياهم.
ولكنها في نفس الوقت لا تشعر بهكذا شعور تجاه حميد أو فراس أو بيدرو. لذلك اضطرت للاعتراف أنه كان محقاً، فهو يشبه شخصاً آخر تكرهه بشدة وتحاول قدر الإمكان عدم التفكير به رغم صعوبة ذلك. إنه يشبه خالد.. ليس في الشكل، وإنما في الطباع. طباعهما تتشابه إلى حد كبير، فكلاهما صارم وسريع الغضب، مسيطر ولا يتقبل الخطأ. كلاهما له وجود طاغٍ ويستطيع أن يكبل روحك بنظرة أو أقل حركة منه. سألها ساخراً: –ما هو هذا الذي لم تقصديه بالضبط؟
توترت أعصابها وهو يطل عليها من أعلى ونظراته الحادة تحاصرها، فلوحت بيدها بعصبية وأندفعت تقول بأول شيء خطر على بالها دون تفكير: –بصراحة أنا لم أعتد على الوقوف والحديث مع رجل عارٍ. تراجع رأسه بحدة وكأنها صفعته: –عارٍ؟ وتمتم بكلمات غير مفهومة وتصاعدت الحرارة إلى رأسها. ها قد أغضبته بحماقتها مرة أخرى. –ابتعدي. سألت ببلاهة: –ماذا؟ قال بحدة: –قلت ابتعدي عن طريقي.
كانت تسد عليه طريق الخروج بجسدها، فأفسحت له الطريق حريصة على أن لا يلمسها أثناء مروره بجوارها. فزادت حركتها من استنزازه، فلعن وضرب الحائط بقبضة يده وهو يخرج. نظرت زينة إلى كأس العصير الذي تركه خلفه وقررت قائلة بإحباط: –سوف آخذه إليه ولكن بعد أن يهدأ.. هذا إن لم يلق بي خارج قاربه أولاً. ******
رصت الحقائب على السطح ليقوم بيدرو بإنزالها إلى الزورق. وظهرت السيدات بأناقتهن التي تخطف الأنظار، يرتدين قبعات واسعة الحواف لتقيهم أشعة الشمس. وكان يملؤهن الحماس والإثارة، فبعد أيام في البحر يتشوقن لقضاء يومين في فندق فخم حيث يجدن الخدمة الجيدة ومراكز التجميل والتسوق. فكرت زينة بحرج أنها ستضطر أن تطلب منهم أن يعيروها بعض المال إلى أن يستقر بها الحال.
نزل فراس وحميد أولاً إلى الزورق ثم ساعدا السيدات بالنزول. وعندما همت زينة باللحاق بهم، أمسكها آدم من ذراعها وسحبها إلى الخلف. فـنظرت إليه متسائلة، ولكنه تجاهلها وهو يحل الحبل ويلقي به إلى حميد. صرخت جليلة بحدة: –آدم.. لماذا لم تنزل؟ رد بهدوء: –سوف ألحق بكم فيما بعد.. لدي عمل ضروري أقوم به. أشارت إلى زينة وقالت وهي تثبت قبعتها على رأسها بيدها الأخرى: –وماذا عن هذه؟
لم يجبها وأشار إلى بيدرو لكي ينطلق. لوح لهم حميد وفراس والزورق يبتعد متجهاً إلى الميناء. وآخر ما طبع في عقل زينة هو وجه جليلة الغاضب. وهاجمتها حفنة جديدة من الأسئلة.. لماذا لم تذهب معهم؟ ولماذا أبقاها آدم معه؟ وماذا يريد منها؟ استدارت إليه، ولكنه كان قد اختفى. ذهبت لتبحث عنه ولم تجده.. لا في حجرة الجلوس ولا في كابينة القيادة أو في أي مكان على السطح.
والمكان الوحيد المتبقي كان غرفة نومه، وهي لن تجرؤ على الذهاب إليه هناك. فجلست على السطح حتى يقرر بنفسه الظهور. مرت ساعتان وزينة جالسة تحت المظلة على السطح. وقد كانت تأمل أن تقيها حرارة الشمس القوية، ولكن الجو كان خانقاً وجعلها تتصبب عرقاً. وتساءلت بحنق.. أين ذهب نسيم البحر المنعش؟ جعلها الضيق من حرارة الشمس تكره آدم أكثر.. وفهمت أنه يعاقبها على طريقة حديثها معه في الصباح.
شخص مثله، مغرور ومتكبر، لن يجعلها تذهب دون عقاب مناسب. جليلة أيضاً تكاد تجن من معاملته الباردة والمتعالية معها. –أنت هنا؟ آسف.. جعلتك تنتظرين طويلاً. ظهر أخيراً وكان قد بدل ملابسه وبدا منتعشاً وشعره مبتلاً. فشعرت بالغيظ. تقدم منها وابتسامة ساخرة على شفتيه. كان يكذب، فهو لا يبدو آسفاً أبداً.. بل سعيداً بمضايقتها. لم ترد واكتفت بالنظر إليه. جلس في المقعد المواجه لها وقال متسلياً وهو يتناول كوب الكولا الخاص بها:
–أين ذهب لسانك؟ ضغطت على شفتيها بقوة خوفاً من أن تقول شيئاً يغضبه منها، فهما الآن وحدهما ولا يوجد من تحتمي به. تراجع إلى الخلف في مقعده براحة أكبر وهو يرتشف المشروب المثلج باستمتاع. قال بهدوء بعد قليل يشرح لها: –أنتِ لا تملكين جواز سفر ولا أية أوراق ثبوتية، لذا لن تستطيعي الحصول على تصريح خروج من الميناء.. سيحاول فراس وحميد الحصول لكِ على تصريح خاص بدعوى فقدانكِ لأوراقك. قالت بحدة:
–ولماذا لم تخبرني بذلك من قبل بدلاً من أن تتركني هكذا حائرة كل ذلك الوقت… توقفت عندما أدركت أنها بدأت تحتد في كلامها. وقال آدم بضيق: –حاولت أن أخبرك هذا في الصباح، ولكنك لم ترغبي في الاستماع إلي. كان هذا عندما قال بأنه يريد التحدث معها. حاولت أن تكون مهذبة وقد تلون وجهها بحمرة الخجل: –آسفة لأنك بقيت من أجلي.. السيدة جليلة كانت غاضبة لعدم ذهابك معهم.. لماذا لم تطلب منها البقاء معنا على الأقل حتى لا.. لا تشعري بالملل.
أبتسم ساخراً، فقد فهم تخوفها من البقاء معه بمفردها وقال: –جليلة كانت غاضبة لأنني لم أذهب معهم صحيح، ولكنها كانت ستغضب أكثر لو جعلتها تبقى فقط من أجلك.. وقد أخبرتك من قبل أن لا خوف عليكِ مني، فأنا أقدر ظروفك وأحاول مساعدتك بقدر استطاعتي. وكنت قد نويت أن أحدث أحد أصدقائي في وزارة الخارجية لتسهيل رجوعك إلى مصر، ولكنني غيرت رأيي… قاطعته بمرارة تقول كمن يشعر بالغدر:
–غيرت رأيك ولم تعد ترغب في مساعدتي لأنني ضايقتك وأغضبتك هذا الصباح، أليس كذلك؟ جز على أسنانه بغيظ: –تجعلينني بسبب غبائك وسرعة استنتاجاتك الفظيعة أرغب بشدة في حملك وإلقائك في البحر والتخلص من سوء ظنك الذي تلاحقيني به على الدوام. قالت بضعف والدموع تلمع في عينيها وقد انهارت في لحظة كل محاولاتها للتظاهر بالشجاعة:
–أنا آسفة.. والله لا أعرف كيف أو بماذا أفكر.. خائفة.. خائفة وأشعر بأنني وحيدة.. لا أعرف بمن أثق بعد أن خدعني أقرب الناس إلي.. أريد العودة إلى بيتي ولا أستطيع.. يقلقني التفكير في حال والدي وكيف تقبلا فكرة اختفائي، أو ربما يكونا قد علما من نبيلة بالمكان الذي ذهبت إليه فخاب أملهما بي. وانخرطت في البكاء بشدة. فوقف آدم عن مقعده وسار إلى حاجز المركب وأعطاها ظهره. وبعد لحظات استدار إليها بوجه هادئ جاد بعد أن شعر بأن عاصفة
بكائها قد انتهت وقال: –غيرت رأيي عندما أخبرني فراس على القرار الذي اتخذتيه بعدم العودة إلى عائلتك وأنك تنوين البقاء والعمل في أوروبا.. وقد رأينا أنك ما زلت صغيرة ولا خبرة لديك في الحياة لتبقي بمفردك، واتفقنا معا أن نساعدك إن بقيت مصرة على رأيك. نظرت إليه بأمل وتابع:
–كل عام كنت أسافر مع حميد وفراس وحدنا وكنا نعتمد على أنفسنا في كل شيء.. لكن هذه السنة الوضع اختلف والحمل أصبح ثقيلاً على بيدرو لأن السيدات معنا لا يرتبن حتى الأسرة التي يـنـمـن فوقها. وقد كنت مفيدة خلال فترة وجودك معنا.. لذلك فكرت أن أعرض عليك عملاً على متن القارب وسيكون مقابل أجر بالطبع، كما سنسعى لاستخراج أوراق رسمية لك حتى إذا ما تعرضنا للتفتيش البحري يكون وضعك معنا قانونياً. وبعد أن تنتهي رحلتنا سنكون قد فكرنا في طريقة تؤمن لك مستقبلك، وإن قررت العودة إلى أهلك سنساعدك في ذلك أيضاً.. القرار سيكون لكِ في أي شيء.
ظلت زينة جالسة في مكانها بعد ذهابه تشعر بالسعادة ولا تصدق حظها. فقد أمنت لبعض الوقت ووجدت عملاً تجيده ومكاناً لن تجد أفضل منه لتعيش فيه. لم ترَ آدم إلا وقت الغداء. وجاء ليطلب منها أن تصنع له بعض الشطائر وأن تجلبهم له في كابينة القيادة. وعندما انتهت من تحضيرهم حملتهم على صينية وأخذتهم إليه.
وكانت المرة الأولى التي تدخل فيها إلى هناك، وكما توقعت، رأت خرائط ملاحية وأجهزة رادار وبضعة شاشات تشير إلى أشياء لا تعرفها وألواح للتحكم وإشارات ولمبات.. تماماً كما كانت ترى في الأفلام. وفي غرفة ملحقة بكابينة القيادة تفصلها عنها نافذة زجاجية بعرض الجدار، رأت آدم جالساً وراء مكتب وحاسوبه المحمول مفتوحاً أمامه. لم ينتبه لدخولها أو أنه تجاهلها، فقد وضعت الصينية على حافة المكتب دون أن يجفل أو يرفع بصره إليها.
فتأملت المكان من حولها بفضول.. بدا كمكتب في شركة مجهز بكل ما قد يحتاج إليه أي رجل أعمال. لفتت نظرها مكتبة صغيرة عند أحد جدران الغرفة رصت بها مجموعة لا بأس بها من الكتب. ودون تردد سارت إليها مبتسمة وهي تدخل إلى العالم الذي تعشقه وتربت على الشغف به.
فلدي والدها مكتبة تحتوي على مجموعة كبيرة ومتنوعة من الكتب.. يستطيع أن يتنقل فيها المرء بين عوالم من العلوم والفنون.. الأدب والرواية والشعر.. التاريخ والسياسة بكل توجهاتها.. لا يمكن أن يشتهي عقلك لشئ من المعرفة ولا تجده في مكتبة والدها مختار. لقد علمها حب القراءة واحترام صفحات الكتاب وعلمها أن تحت كل غلاف تجد عصارة فكر يجب أن يقدر ويحترم حتى وإن اختلفت معه في الرأي.
عرفها أن الكتاب هو صندوق يخفي بين صفحاته خفايا وأسرار جانب من جوانب الحياة ويجعلك ترى الدنيا بوجهات نظر مختلفة وثقافات متعددة. ترددت زينة أن تطلب من آدم أن يعيرها بعض الكتب لمطالعتها وتمنت أن لا يرفض.. تنهدت وارتسم على وجهها نظرة حنين. ثم استدارت إلى آدم ووجدته قد توقف عن العمل وتراجع في مقعده وكان يراقبها بتأمل. لقد أخذت وقتاً في التفرج على مكتبته ونسيت وجوده. فقالت بحرج:
–آسفة إن كنت قد عطلتك عن عملك.. ولكن هل أستطيع أن أستعير كتاباً لأقرأه؟ لوح بيده بلامبالاة وهو يعود إلى عمله: –خذي ما تريدين. انتقت ثلاثة كتب.. روايتين وديوان شعر. أخذتهم وخرجت مسرعة. صنعت لنفسها بعض الشطائر وكانت الشمس قد خف قيظها. فحملت كتبها وصعدت إلى السطح وراحت تقرأ. ومر الوقت سريعاً وكان قد اختفى جزء من قرص الشمس تحت سطح الماء عندما سمعت صوت زورق يقترب من المركب.
وقفت واقتربت من الحاجز وقد رجحت أن يكون القادم بيدرو. ولكنها فوجئت بعودة جليلة برفقته ورأت أن آدم فوجئ مثلها وهو يستقبلها. وكان قد خرج بدوره عند سماعه لصوت الزورق يقترب. وقال ساخراً: –جليلة.. غريبة قد عدت. رمقته المرأة بنظرات قاتلة بعد أن كانت تتجاهله بتكبر من قبل. وقالت رداً على تعليق آدم الساخر: –لم أشأ أن نتركك جميعاً وحدك.. فلا ذنب لك في كل هذا.
ورغم كره المرأة الواضح لها، إلا أن زينة قد شعرت بالراحة لعودتها. ففكرة أن تقضي الليل وحدها مع رجلين غريبين لم ترق لها. ضحك بيدرو بخفوت ومال على أذن زينة قائلاً: –لقد جعلت الساعات الماضية جحيماً على الجميع بسبب عدم ذهاب السيد آدم معهم. ردت بخفوت مماثل: –أعتقد أنهم سعداء الآن بالتخلص منها. ضحك بيدرو بمرح: –بالفعل. ضحكا معاً بمرح حتى جاء صوت آدم حاداً لاذعاً كالكرباج من أعلى عند كابينة القيادة:
–أليس لدى أحدكما عملاً يقوم به؟ تحركا بسرعة مجفلين. بعد العشاء دخلت زينة إلى غرفتها متجهمة وتشعر بالضيق. لقد استفزها سلوك جليلة غير اللائق في تعاملها مع آدم والملابس التي اختارت أن ترتديها في غياب شقيقها. صحيح أنه لا يعلق ولا يعترض على ارتدائها لأثواب السباحة المكشوفة جداً ولا مطاردتها المستمرة لآدم، ولكنها لم ترتدِ ثوباً فاضحاً كهذا أبداً في وجوده.
كما أنها لن تجرؤ على الالتصاق بآدم ومداعبته بتلك الطريقة الوقحة أمامه. جلست زينة غائمة الوجه على طرف الفراش. لقد خاب أملها به.. ظنته أفضل من فيهم.. لديه شرف ويحترم صديقه ويصون عرضه. ولكنه لا يختلف شيئاً عنه.. لقد تجاوب آدم مع جليلة.. لم يصدها ولم يهتم بوجود متفرجين عليهما، فلا يفصل غرفة الجلوس عن المطبخ شيء. وكان يهمس بأشياء في أذن جليلة طوال الوقت تجعل ضحكتها الموسيقية تجلجل في المكان.
وفي مرة قبلته على وجنته قبلة طويلة أحمر لها وجه زينة حرجا وهي تجبر نفسها على عدم النظر تجاههم. وكان قد أمسك بعينيها مرة وهي تنظر إليهما عابسة بغضب، فما كان منه إلا أن ابتسم لها ساخراً. وبعد انتهاء العشاء كان بيدرو قد تركها لتنهي جلي الصحون وحدها. وعندما كادت أن تنتهي فوجئت بآدم يقف خلفها مستنداً بظهره على البار. فسألته بفظاظة لم تقصدها: –نعم؟ رفع حاجبيه بتساؤل ساخر فأجلت صوتها وتابعت بلهجة احترام:
–هل تحتاج إلى شيء سيد آدم؟ تقريباً ضحك وهو يقول: –لا.. اذهبي إلى غرفتك فلا حاجة لنا لكِ هذه الليلة. اتسعت عيناها بشدة وخفق قلبها.. فهمت أنه يريد صرفها ليستفرد بجليلة. **** وقفت نبيلة أمام فراش والدها المريض بجسد متوتر: –ماذا تعنين بأنها لا ترد على الهاتف؟ .. مر خمسة أيام على سفرها ولم تتصل بنا ولا لمرة واحدة وهذا ليس من عادتها.. كانت إذا تأخرت في العمل لسبب ما ولو لدقائق كانت تتصل حتى لا نقلق عليها.
ردت نبيلة بصوت أهٍ وهي تتحاشى النظر إلى عينيه: –قد تكون مناوبتها ليلية. هز رأسه بقوة وقال بقلق: –لا.. لا هذا ليس عذراً.. أنا منذ البداية غير مرتاح لسفرها.. وكنت أشعر بها قلقة وغير سعيدة كذلك. قالت نبيلة بسرعة: –سأحاول الاتصال بإدارة الفندق وأترك لها رسالة لكي تتصل بنا. –نعم افعلي وإلا اضطررت أن أسافر إليها بنفسي. تدخلت أمها قائلة وقد كانت تجلس صامتة على طرف الفراش:
–أرجو أن تهدأ حتى لا تسوء حالتك يا مختار.. إن شاء الله ستتصل بنا وسوف نطمئن عليها. –لا.. قلبي غير مرتاح.. أشعر بأن الفتاة بها خطب ما. في تلك اللحظة رن جرس الباب فانتفض جسد نبيلة دون سبب وسألها أبوها بشك وريبة: –ماذا بك؟ قالت بوجه شاحب: –لا شيء.. أنا بخير. كانت أمها قد وقفت وهي تقول: –سأذهب لأرى من القادم في تلك الساعة من الليل. أمسكت نبيلة بذراعها وقالت بخوف وصوت خافت: –ماما.. لا تفتحي الباب.
سألتها أمها بدهشة وهي تنظر إلى وجهها المذعور بقلق: –لماذا يا ابنتي؟ أصبح جسدها يرتجف بشكل ظاهر وجرس الباب عاد ليرن بإلحاح. تقطعت أنفاسها وهي تقول برجاء أقرب إلى التوسل: –فقط لا تفتحي أرجوك. ثم فكرت بشكل محموم.. كان عليها أن تهرب قبل مجيئه.. لقد اتصل بها كثيراً ولكنها أغلقت هاتفها كي لا تجيبه. وكانت تعلم أنه سيأتي من أجلها.. بالتأكيد اكتشف ما حدث وسيأتي لينتقم منها خاصة وقد جاءتها أخبار بأن زينة قد انتحرت.
صاح والدها بصرامة في أمها التي وقفت حائرة وقلقة وقد جلس مستقيماً بتحفز: –اذهبي وافتحي الباب. استدارت إليه نبيلة واصطدمت بنظرة عنف في عينيه فأخفضت نظراتها.. لن يسامحها والدها أبداً عما فعلته بزينة وبنفسها.. لن تجد بقلبه المريض مثقال ذرة من رأفة بها عندما يعرف بجريمتيها. لذلك احتفظت بالمال لنفسها.. ستهرب بعيداً بالطفل الذي بأحشائها. صاحب رنين الجرس طرقات عنيفة على الباب فأسرعت أمها لتفتح الباب وقالت بتوتر:
–خالد.. كيف حالك يا بني؟ .. حمداً لله على سلامتك. –أين زينة؟ –زينة مسافرة في… –هي لم تعد؟ ألم تتصل بكم؟ –لا.. إنها.. كانت نبيلة قد خرجت خلف أمها ووقفت من بعيد تتنصت عليهما. وعندما سأل عن زينة راودها أمل بأنها لم تمت كما سمعت. ومالت في تلك اللحظة قليلاً لتنظر إليه، ثم شهقت بفزع عند رؤيته.. بدا كأمير للانتقام. عبرت نظراته العنيفة أمها وقد شعر بوجودها وركزها عليها. وببضعة خطوات كان بالداخل.
صرخت نبيلة بذعر وحاولت الهرب عائدة إلى غرفة والدها، ولكن خالد كان قد لحق بها بسهولة وجذبها من شعرها بعنف. صرخت أمها من خلفه: –ماذا تفعل.. اترك ابنتي. ولكنه تجاهلها قائلاً بعنف: –هل ظننتِ أنكِ ستفلتين بعملتك تلك.. هل تعرفين ما الذي فعلته بها؟ تلوت نبيلة بعنف وصرخت به: –فعلت بها ما أردت أنت فعله بي.. أردت أن تتزوج بها هي وأنا تبيعني في سوق النخاسة. جذب رأسها إلى الخلف بعنف: –لأنك رخيصة حقيرة وهذا ما تستحقينه.
دفعته عنها بقوة وسقطت على إثر ذلك على الأرض تزحف بعيداً عنه. وكان والدها قد خرج ووقف بينهما بوجه أزرق من القلق والمرض. وقد وقفت أمها مذهولة عاجزة عن التحرك أو الكلام: –ماذا حدث لابنتي زينة… ماذا فعلتم بها أنتما الاثنان؟ وقف خالد ينظر إلى نبيلة على الأرض يمنع نفسه بصعوبة من خنقها وهي تقول بحقد: –لقد تخلصت منها.. ما كان لها أن تكون في حياتي من الأساس. شهقت أمها بالبكاء: –ماذا فعلتي يا ابنتي؟ .. أين أختك؟
صرخت بها بجنون: –إنها ليست أختي.. ألا تفهمين.. لم تكن أبداً أختاً لي.. ما كان لكم أن تأتوا بها إلى حياتي. عليها والدها بإنهاك شديد: –بل ما كان علينا أن نأتي بك أنت إلى هذه الدنيا.. لكن اللهم لا اعتراض.. اللهم لا اعتراض. ثم استدار عائداً إلى غرفته بخطوات متثاقلة وهو يردد جملته بلا توقف. فأسرعت أمها إليه تحيطه بذراعيها لتسنده.
وجدت نبيلة نفسها وحدها مع خالد، فهبت واقفة بذعر وأسرعت تعدو تجاه غرفتها وتحاول إغلاق بابها بسرعة. ولكنه لحق بها وأمسك برقبتها مستمتعاً برؤية احتقان وجهها وصوت حشرجة حنجرتها وهو يعصرها بأصابعه قائلاً بكراهية شديدة: –لا تخافي.. لن أقتلك الآن.. سأعود إليكِ عندما أجدها ولسوف أقتلك أمام عينيها. قالت بصوت متحشرج: –أنا حامل بابنك. لم يهتز لتصريحها وقال بصوت كالفحيح: –اقتليه.. فأنا سوف أقتلكمــا معاً على أية حال.
ثم دفعها بقوة فسقطت على الأرض بعنف.. جلست على الأرض تلهث وتشهق بالبكاء. وسمعت باب الشقة وهو يغلق خلفه بعنف. بعدها سمعت صوت نحيب أمها يأتي عالياً من غرفة والديها فأنتفض جسدها: –بابا.. لا. ما إن جلس خالد في سيارته حتى أخرج هاتفه المحمول وطلب رقماً. وبعد لحظات قال بالإنجليزية: –ألم يظهر أثر للقارب بعد؟ ثم قال بلهفة بعد أن استمع لمحدثه: –جهز اليخت للإبحار وسوف أكون عندك خلال ساعات.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!