في اليوم التالي، عاد الآخرون إلى المركب وقرروا البقاء فيه وترك الفندق. لم يعجب هذا التغيير كلا من كاميليا وجليلة. قالت كاميليا متبرمة وهي تشير إلى زينة: –ما ذنبنا نحن في أن تفسد رحلتنا بسببها. تجهم وجه فراس وهو ينظر إلى زوجته بعتب. أحمر وجه زينة حرجاً، وقد ساءها أن يتحدثوا عنها في حضورها وكأنها غير موجودة. فقال آدم بضيق ينهي النقاش: –هذا الأمر لن يطول، فعندما يصل تصريح العمل الخاص بزينة ستنتهي مأساتكما.
لحقت بها نيكول في غرفتها وفاجأتها بإعطائها حقائب مشتريات. اتسعت عينا زينة بفرح ممزوج بالخجل. –هل هذه الأشياء لي أنا؟ ابتسمت لها نيكول وقالت: –بلى.. إنهم لك.. لقد أوصاني آدم بشرائهم.
كانت سعيدة. أصبح لديها ملابس خاصة بها. وكان لدى نيكول حس جيد، ولم تنس أن زينة لا تملك أي شيء، فأحضرت لها أيضاً بيجامتين للنوم وملابس داخلية وحفائين وخف وحذائين من المطاط وحقيبة صغيرة من أدوات التجميل. وكانت زينة شاكرة لها بشدة من أجلهم، وشاكرة لآدم أيضاً برغم استيائها منه.
طال بقاؤهم في باليرمو، العاصمة الصقلية الجميلة، ليومين. وقد حرمت زينة من رؤيتها، ولكنها طالعت كتيباً كان فراس قد أحضره لها، عرفها على أهم معالم المدينة ونبذة عن تاريخها. وقال لها معتذراً برقة: –أعرف أنه ليس كما ترينها على الطبيعة، ولكن لا تقلقي، سوف يحل الأمر قريباً. قالت بأمتنان وصدق: –إنه يكفيني حقاً، وشكراً على اهتمامك بإحضاره لي. اتسعت ابتسامته وهو يتأمل فرحتها بكتيب صغير لا يساوي شيئاً. –أنت قنوعة جداً.
ضحكت وقالت: –لا.. على العكس.. أنت لا تعرف مدى شوقي ونهمي لرؤية تلك الأماكن على الطبيعة.. إنه حلم حياتي. نظر إليها بحنان. –أعدك أن أحاول أن أحقق لك حلمك وأجعلك ترين كل ما تهواه نفسك.
عبست زينة وأغتمت عيناها وشرودت بعيداً، وراحت تتذكر عندما أخبرت خالد أن حلمها أن تطوف العالم، ووعدها بقوة أنه عندما يتزوجا سوف يأخذها برحلة معه حول العالم. ويومها تساءلت إن كان يمزح معها أم كان صادقاً.. وللأسف كان صادقاً.. كان سيجعلها تطوف العالم، ولكن كسلعة تباع لكل رجل يدفع ثمنها.
تأخروا في الرحيل على عكس ما كان مخططاً له. فوجهتهم الأساسية كانت مدينة نابولي، ومنها كانوا سيستقلون الطائرة إلى ميلانو ويبقون هناك أسبوعاً. ولكنهم استمروا في باليرمو لسبب غير معلوم لها. وفوجئت في صباح اليوم الثالث عندما استيقظت على خبر سفر آدم إلى القاهرة في عمل. وبالطبع استاءت جليلة من سفره المفاجئ، وحولت اليومين اللذين غاب فيهما إلى جحيم مستعر طال الجميع بلا استثناء.
وذهلت زينة مما رأته منها، واستغربت من تحولها الرهيب. وكان من الواضح أنها الوحيدة التي فعلت، فالجميع كان يعرف بطبعها الهستيري ويعرفون كيفية التعامل معه وهو بالابتعاد عنها وتجنبها عندما تثور ثائرتها. واستقر في نفس زينة أن آدم هو الوحيد القادر على منعها من إظهار طباعها الشريرة، فهي لم تكن كذلك أثناء وجوده. وهذا ما أكده لها بيدرو.
–سيد آدم هددها مرة عندما فقدت أعصابها على نيكول في بداية الرحلة بأنه لن يسمح لها بإهانة ضيف لديه، وأنه سوف يضعها على أول طائرة متوجهة إلى بلدها إن لم تلتزم حدودها.. ليته لا يغيب طويلاً.
تأسف بيدرو على غيابه، وكذلك فعلت زينة. فقد كان لهما النصيب الأكبر من مزاج جليلة العكر، فسلطت سكاكينها على رقبتيهما. ودفعت زينة خلال يوم واحد إلى البكاء ثلاث مرات. وكانت أذنا بيدرو تحمران بشدة وينكمش جبينه عندما توجه له السباب بألفاظ نابية بلغة وصفها بيدرو كما وصفها آدم من قبله بلغة الأزقة.
وجاءت المواجهة الأصعب في اليوم الثاني بعد العشاء. وزينة في المطبخ تجفف الأطباق، عندما نزلت جليلة من السطح حاملة بيدها كوب قهوتها والشر في نظراتها. فشعرت زينة بالخوف. وقفت المرأة أمامها وبصوت غاضب قالت: –تعرفين أنني أشرب قهوتي بدون سكر.. ولكن هذه القهوة ليست كذلك. قالت زينة بهدوء وأدب قدر ما استطاعت: –آسفة.. قد أكون نسيت.. سأصنع لك غيرها. انتفضت زينة فزعاً عندما صرخت جليلة في وجهها قائلة:
–أنت كاذبة.. أنت لم تنسي.. أنت تعمدت مضايقتي.. فالكل هنا يقوم بتدليلك حتى لم يعد هناك من تحترمين. وبدون توقع ألقت بمحتويات الكوب على وجه زينة، وكان السائل ساخناً ولكنه غير مؤذٍ. صرخت زينة بذهول وغضب من تصرفها الوقح. نزل حميد وفراس مسرعين. –ها قد أتى الفارسان النبيلان لنجدة نعجتهم الصغيرة.. ينقصهم الفارس الثالث.. خسارة أنه ليس هنا. قال فراس بغضب لجليلة: –ماذا فعلت أيتها المجنونة؟
بكت زينة وهي تشعر بالشفقة على حالها. وحاولت تجفيف دموعها ووجهها الملطخ بآثار القهوة. وفي هذه الأثناء تشاجر حميد مع جليلة، وكان غاضباً جداً بدوره كما لم تراه من قبل. وكان لكلماته القاسية تأثيراً قوياً على شقيقته، فقد شحب وجهها بشدة وراحت ترتجف. لم تفهم زينة شيئاً مما كان يقوله، فقد كان يتحدث بالإسبانية. ولكن نظرات جليلة البائسة ووجهها الذي حاكى وجوه الموتى شحوباً جعلها توجه شفقتها نحوه.
دخل فراس بينهما دافعاً حميد في صدره صارخاً فيه بغضب: –كفى.. هل جننت أنت أيضاً.. ما هذا الذي تقوله؟ كانت كاميليا ونيكول قد نزلتا مسرعتين عندما تعالى صوت حميد. وقفت كاميليا مصعوقة ونيكول جاهلة مثلها لما يقال. طلب فراس من كاميليا أن تأخذ جليلة إلى غرفتها وتتأكد من راحتها. لم تعترض جليلة وذهبت صامتة مطرقة الرأس بصحبة كاميليا. استدار فراس إلى حميد وقال بغضب: –لقد تصرفت بحقارة لا لزوم لها.
–ما كان شيء ليوقفها وأنت تعلم ذلك. –ولكن ليس بتلك الطريقة.. اذهب إليها وحاول أن تطيب من خاطرها. تذمر حميد قائلاً بحده: –ليس الآن.. لست في مزاج لذلك. ثم التفت إلى زينة وسار إليها وأمسك بيدها قائلاً برقة: –آسف لما بدر من شقيقتي.. وأؤكد أنها لن تتعرض لك مرة أخرى. اندفع فراس وجذب زينة من ذراعها بعيداً عن حميد وقال متجهماً: –اذهبي إلى غرفتك وارتاحي يا صغيرة.
وكان هذا جل ما تريده بعد تلك المواجهة المؤسفة. وأثناء توجهها إلى غرفتها قابلت كاميليا وقد وقفت في طريقها كي لا تسمح لها بالمرور. فنظرت إليها زينة بتساؤل، ولكنها اكتفت بالنظر إليها نظرة احتقار قبل أن تتجاوزها وتذهب. ***
في صباح اليوم التالي، عاد كل شيء إلى طبيعته تقريباً. كان الهدوء الذي يلي العاصفة. فقد كانت جليلة بعد شجار حميد معها بالأمس قد أصبحت هادئة إلى درجة الانطواء على نفسها ورفضت النزول إلى المدينة. ولأول مرة تراها زينة بدون زينة على وجهها، فبدت أصغر سناً وأكثر ضعفاً. وقد استلقت على سطح المركب ونظارة سوداء فوق عينيها.
كما عاد آدم في منتصف النهار. وفرحت زينة بعودته. وقد ذهب بيدرو إلى المرفأ ليأتي به. ووقفت في استقباله لتحييه مع الجميع. ولكنه لم يلقِ عليها سوى تحية مختصرة، وقد حيا الجميع بتحية أحسن منها، وأشعرها ذلك بالبؤس الشديد.
وفور وصوله، أخذ حميد وكارلوس إلى كابينة القيادة وغابوا بداخلها لأكثر من ساعة. وعندما خرج بعد اجتماعهم، توجه إلى حيث تجلس جليلة وجلس بجانبها وقبل جبينها برقة بالغة، حاضناً يدها بين يديه وراح يتحدث إليها بصوت هامس. رأتهما زينة وأشاحت بوجهها بعيداً عنهما وذهبت إلى حجرتها وغصة كبيرة في حلقها. وقررت قضاء بقية اليوم في غرفتها، وإن استدعاها أحد ستدعي المرض ولن تخرج. ولكن زاد من بؤسها أنه لم يسأل عنها أحد أبداً. وفكرت بائسة:
–من يدري، فقد يكون فراس وحميد أخبروه أنها السبب في الشجار الذي حدث بالأمس، وهو الآن يحملها الذنب في سوء حالة حبيبتها النفسية. وقد يكونون أثناء اجتماعهم قد توصلوا إلى أنها سببت الكثير من المشاكل منذ مجيئها وأربكت برنامج رحلتهم ويفكرون في صرفها من العمل، ولن ألومهم فهم ليسوا مجبرين على حمل مشاكلها فوق أكتافهم. شعرت بثقل المشاعر على قلبها. وبكبرياء خرجت من غرفتها مرفوعة الرأس.
–سوف أطلب من آدم أن يسمح لي بالذهاب قبل أن يطلب هو مني هذا.. سأرحل من هنا وكرامتي محفوظة. بادرها بيدرو قائلاً عندما رآها، وكان وراء البار يحضر المشروبات: –هل أنت بخير يا زينة؟ .. طلب مني سيد آدم أن أتركك ترتاحين وكنت أهم بإعداد العشاء وحدي. لم تفلح زينة في رسم ابتسامة على وجهها وقالت: –آسفة يا بيدرو.. سأذهب للتحدث مع السيد آدم ومن ثم أعود لمساعدتك.
طمأنها بأنه يستطيع أن يتدبر أمره بدونها، ولكن قوله هذا لم يخفف عنها، بل زاد من حزنها، فحتى بيدرو ليس في حاجة إليها. استدارت لتذهب. فاستوقفها بيدرو قائلاً بصوت هامس: –على فكرة.. سيد آدم لم يبارح جانب الأميرة جليلة منذ مجيئه.. يحاول التخفيف عنها.. وقد أصبحت أهدأ حالاً. ولقد سمعته يتشاجر مع السيد حميد لأنه كان السبب في تكديرها.. ليته حقاً لا يذهب ويتركنا مرة أخرى.
صعدت زينة إلى السطح وهي أكثر بؤساً. صمت الجميع لدى ظهورها. وتجهم وجه جليلة بعد أن كانت تبتسم بإشراق منذ لحظات. فقالت موجهة حديثها إلى آدم بصوت مبحوح يخرج بصعوبة من حنجرتها: –هل تسمح لي بدقيقة من وقتك؟ عبس آدم وقال: –ألا يمكن تأجيل ذلك لوقت آخر؟ شعرت بالحنق من البرودة التي يتحدث بها إليها. وأصرت أن تبلغه بقرار رحيلها أمامهم جميعاً لكي يبتلع غطرسته هذه.
–على العموم ما أريد قوله ليس سراً وأستطيع قوله الآن… لقد قررت أن أرفض الوظيفة التي عرضتها علي وأرجو أن تسمح لبيدرو بأن يأخذني للمرفأ غداً صباحاً. تجمدت ملامح آدم ونظر إليه حميد وفراس بحدة منتظرين رده، وكذلك زينة. فقال بعد لحظات من الصمت: –سوف نتناقش بهذا الأمر بعد العشاء.
ثم أشاح بوجهه تجاه جليلة يبتسم لها برقة. وعادت زينة إلى حجرتها قبل أن تبدأ في البكاء والعويل. ولم ترد على بيدرو عندما نادى عليها. وبعد أن أغلقت عليها باب حجرتها، ارتمت على الفراش وانخرطت في موجة أخرى من البكاء الحار. لقد بكت في هذا المكان أكثر مما بكت طوال حياتها. لم تكن أبداً فتاة نكدية تعشق البكاء والنواح بسبب وبدون سبب، ولكن ما جرى لها كان كثيراً.
ومع مرور الوقت بدأت تدرك مدى بؤس حالها والورطة الكبيرة التي وقعت فيها. أفرغت كل طاقتها في البكاء حتى شعرت بالخواء بداخلها وجلست تحدق في الجدار ساهمة. وعندما دق باب حجرتها لم تطاوعها قدماها لتنهض وعجز صوتها عن الخروج لكي تدعو الطارق للدخول. وبعد عدة طرقات أخرى فتح الباب ودخل آدم. وعندما وقعت نظراته على وجهها الشاحب وعيناها الذابلتان من كثرة البكاء، أسرع إليها يمسك بكتفيها ويقول بقلق: –زينة؟
نظرت إليه وهي تشعر بالإعياء الشديد. أرادت أن تتوسل إليه ألا يتركها ترحل، فهي لن تتحمل البقاء في السجن ولا أن تبقى وحيدة في بلد لا تعرفه. لم تعرف أن نظراتها قالت كل ما عجز لسانها عن قوله. فتأوه وضمها بين ذراعيه بحنان. لم تنتفض فزعا ولم تبتعد، وأراحت رأسها بارتياح على صدره متلهفة إلى ذلك الإحساس بالأمان. بعد لحظات أبعدها آدم عنه وتمتم بتوتر وأنما لنفسه: –الأمور هكذا سوف تتعقد أكثر. ثم وقف وخرج من الغرفة وهو يقول:
–دقائق وسأعود. لم تتحرك زينة من مكانها وكأنها في حلم تنتظر بقية أحداثه. عاد آدم بعد دقائق يحمل كوباً من عصير البرتقال وقرصين من دواء. ناولها إياه فابتلعتهم مع العصير دون اعتراض. وبعد أن انتهت أخذ منها الكوب ووضعه على المنضدة. –هيا بدلي ملابسك وحاولي أن تنامي قليلاً.
خرج مرة أخرى وأغلق الباب خلفه. إنها تحتاج حقاً إلى الراحة. ارتدت بجامتها وتكورت على الفراش كطفل صغير وابتسامة على شفتيها. لقد كان قلقاً عليها واحتضنها وعاملها بحنان و.. انقطعت أفكارها عند هذا الحد وسقطت في غيبوبة من النوم العميق.
وعندما عاد آدم بعد ربع ساعة وجدها مستغرقة في النوم وحاجباها معقودان وكانت تضم ركبتيها إلى صدرها. فالتوت شفتاه بتجهم ومال مقبلاً جبينها برقة ثم سحب عليها الغطاء وأطفأ النور قبل أن يخرج ويغلق الباب خلفه بهدوء. ***
وصل خالد أخيراً إلى صقلية في وقت متأخر من الليل. وكان قد استأجر طائرة خاصة عندما لم يجد طيراناً مباشراً إليها كما تأخرت تأشيرة السفر. لم يكن لديه صبر لكل ذلك. وقد جاءته الأخبار بأن القارب الذي هربت زينة على متنه ظهر أخيراً في ميناء باليرمو. ولكن أي من الرجال الذين استأجرهم لم يرها ضمن ركابه. ولكنه رجح بأنها لم تتركه أبداً لأنها لا تملك جواز سفر.
ولكن أكثر ما يخشاه حقاً أن تكون قد تركت القارب في أي ميناء آخر وتكون بذلك قد ضاعت منه، وتكون مطاردته التي استمرت لأيام وإنفاقه للكثير من الوقت والأموال لا معنى له. المال غير مهم، ولكن الوقت هو الأهم، فكلما مر الوقت يعني أن يختفي أثرها عنه وفرصة العثور عليها تصبح أضعف. أخذته سيارة من المطار إلى الميناء مباشرة. وهناك استقبله رئيس فريق البحث عند مدخل الميناء وعاجله بالقول فور نزوله من السيارة:
–للأسف لقد أبحر القارب يا سيد خالد. ثار خالد في وجه الرجل: –ومتى حدث ذلك ولماذا لم تخبرني؟ –أبحر منذ ساعتين وقد حدث ذلك فجأة. زمجر خالد بوحشية وبدا وكأنه راغباً في إفراغ شحنة غضبه في شخص ما. فتراجع الرجل المفتول العضلات خطوتين إلى الوراء قائلاً بهدوء: –لا تقلق يا سيدي، لقد قمنا بزرع عملاء لنا في كل ميناء على طول البحر المتوسط، وبمجرد أن يرسو في أي منها سيأتينا الخبر عنه.
تمالك خالد أعصابه بصعوبة. فكلما ظن أنه أخيراً سوف يقبض عليها تتسرب بعيداً من جديد. –وماذا عن اليخت الذي طلبت استئجاره؟ رد الرجل سريعاً: –جاهز وفي انتظارك ومعد للإبحار في أي وقت.
كان اليخت كما طلبه.. صغير وأنيق.. استأجره من أجل زينة.. ليقضيا فيه شهر عسلهما. لقد قرر عندما يجدها أنه سوف يتزوجها على الفور ويأخذها في رحلة طويلة ليعوضها عما جرى لها في يخت فريدريكا وليُنسيها ما مر بها. وكان ما زال يحدوه الأمل في أنها ما زالت عذراء لم تُمَس. كم يتمنى لو يكون هو الرجل الأول لها. لقد أخذ الكثير من الفتيات، ولكن زينة هي كل ما يريد حقاً. ومهما كان ما حدث لها سوف تظل دائماً الأنقى والأطهر بينهن جميعاً.
*** حاولت زينة فتح عينيها ولكن جفنيها كانا ثقيلين وجسدها هامداً. فركت عينيها وأخيراً فتحتهما بعد جهد ثم تثاءبت بقوة وظلت للحظات لا تستوعب شيئاً وضباب النعاس ما زال يشوش على عقلها. ستارة النافذة كانت مفتوحة وقرص الشمس كان برتقالياً. الشمس كانت تغرب.. تغرب؟!! ولكن كيف؟!! ومتى؟!! عقدت حاجبيها تعصر ذاكرتها. لقد نامت قبل منتصف الليل بساعتين على الأقل والآن الشمس تغرب؟!!!
لقد حدثت فجوة زمنية في عقلها. عبست بشفتيها وعقلها يحاول التركيز. المركب أيضاً كان يسير بسرعة. كانت تستطيع الشعور بذلك وهي ترى السماء تتغير من خلال النافذة. لقد أبحروا.. أبحروا؟!! هبت جالسة وقد اتسعت عيناها من الصدمة وكل الأحداث التي جرت بالأمس راحت تتدفق داخل ذاكرتها. كيف يعقل أن تنام كل هذا الوقت؟!!
خرجت من الفراش بسرعة فشعرت بالدوار وسقطت على الفراش مرة أخرى. كان رأسها ثقيلاً جداً ويؤلمها. بحثت بعينيها عن الدواء المسكن للألام ولكنها لم تجده مكانه. وهنا تذكرت قرصي الدواء اللذين أعطاهما لها آدم بالأمس وبعدها نامت كالميتة ولم تستيقظ سوى الآن بعد حوالي عشرين ساعة. لقد خدرها، أعطاها حبوباً منومة.. لقد خطفها.. إنه يريد خادمة لخدمة أميرته.. عبدة لا تتجرأ على طلب المغادرة وعندما تفعل يقوم بتخديرها ليجبرها على البقاء.
صاحت بحنق: –من يظنون أنفسهم؟ أميرة وثلاثة من الإقطاعيين ومرتزقتين يحسبون أنفسهم ملوكاً يستحقون عبيداً.. حسناً، سوف أسمعهم رأيي في عنجهيتهم الفارغة.. يظنون أنني فتاة ضعيفة ومغلوبة على أمري لأنني بلا أهل وبلا مال. ثم فكرت بآدم بمرارة. لقد راح يظهر لها الرقة بالأمس عندما شعر بتمردها ثم خدعها. وكيف سمحت له بأن يحتضنها؟!!
بدلت ملابسها ودخلت إلى الحمام. وعندما خرجت لم تجد أحداً في حجرة الجلوس أو على سطح المركب الذي كان يسير بأقصى سرعة له وقد فردت الأشرعة جميعها. حسناً، إنه على الأقل لا يسير بمفرده وسوف تجد أحد ما بكابينة القيادة. *** قال فراس بقلق موجهاً حديثه إلى آدم الذي كان يضع بعض العلامات على الخريطة الملاحية: –آدم.. اذهب لتطمئن على زينة، لقد نامت لوقت طويل وأنا أخشى أن يكون لهذا الدواء آثار جانبية لا نعلمها.
–اطمئن.. أمي تأخذ منه منذ سنين وهو آمن تماماً. اندفعت زينة إلى الغرفة وهي تقول بانفعال: –أنت خدرتني.. وخطفتني. أدى الانفعال إلى جعلها تترنح فما زالت تعاني من تأثير المخدر. فأسرع فراس لمساندتها ومساعدتها على الجلوس وهو يقول: –يا للمسكينة. قال آدم بغيظ وهو يناوله زجاجة ماء: –إن هذه المسكينة كانت تمارس هوايتها المفضلة في التنصت علينا. قال فراس معترضاً وهو يفتح زجاجة الماء ويعطيها لزينة: –مهلاً عليها.
تناقلت نظرات زينة بينهما بوجه شاحب ثم انفجرت بالبكاء. تحرك آدم بعصبية وقال: –هذا ما تفلح به فقط.. البكاء. اتهمه فراس قائلاً: –أنت تخيفها. قالت زينة من بين شهقاتها: –أنت.. خطفتني. شخر آدم ساخراً وأنفتاه تنتفخان غيظاً وقال لفراس: –خذ هذه وأخرجها من هنا. شهقت زينة ووقفت بحدة تقول بشجاعة: –إن لي اسماً. صاح آدم بصوت هادر جعلها ترتجف رعباً: –فراس.. خذها من أمامي الآن.
سحبها فراس إلى خارج كابينة القيادة. وقد رحبت زينة بذلك، فالوقوف أمامه كما الوقوف في وجه بركان ثائر كما أخبرها بيدرو من قبل. أخذها فراس إلى المطبخ وأجلسها على مقعد عالٍ أمام البار وناولها محرمة ورقية لتجفف بها دموعها. ثم صنع لها شطيرة مكونة من اللحم والخس وشرائح الطماطم ووضعها في طبق أمامها. فقالت: –شكراً.. لست جائعة. –يجب أن تأكلي، فأنت لم تأكلي شيئاً منذ ظهر الأمس.
انصاعت زينة لإرادته وأكلت. وعندما انتهى من إعداد القهوة لكليهما، كانت قد أجهزت على الشطيرة كلها. فقال ضاحكاً: –ألم تقولي أنك لست جائعة. ابتسمت زينة بخجل وقالت: –لم أكن أعتقد أنني جائعة إلى هذا الحد. وضع كوب القهوة أمامها فقالت: –شكراً. قال فراس: –لا تغضبي من آدم، هو شخص عصبي قليلاً ولكنه طيب القلب. –لماذا أعطاني حبوباً منومة؟ أجابها بهدوء:
–على حسب ما قال لي أنك بدوت في حالة مزرية بالأمس عندما ذهب ليتفقدك وأنك كنت بحاجة للنوم والراحة.. وهو لم يأخذ قرارك بالرحيل عنا على محمل الجد فقد بدوت وكأنك تعانين من ضغط نفسي جعلك تأخذين قراراً لم تحسبي مدى عواقبه، ولقد اتفقت معه في ذلك. فمثلاً إلى أين كنت ستذهبين وليس معك جواز سفر ولا تملكين مالاً ولا عملاً.. هل فهمت؟ هزت رأسها إيجاباً وقالت:
–ولكني سببت لكم الكثير من المشاكل.. خربت برنامج الرحلة وتسببت في شجار بين سيد حميد وشقيقته. ربت فراس على يدها وقال مطمئناً: –أنت لست مسؤولة عن طباع جليلة السيئة وشجارهما شيء عادي يحدث دائماً.. ولا تقلقي من أنك عبء علينا، سينتهي كل هذا قريباً.. لقد سافر حميد إلى إسبانيا ليستخرج لك جواز سفر وأوراقاً تستطيعين بها التنقل معنا دون أي قلق. نظرت إليه بدهشة: –جواز سفر لي أنا من إسبانيا؟ .. وكيف ذلك؟
ارتشف فراس القليل من قهوته ورد بخفة وهو يتجنب النظر إلى عينيها: –قلنا إن كان لك هوية أوروبية فهذا سيكون أسهل ولن يسبب لك المشاكل في المطارات والموانئ، فأنت تعرفين ما يعانيه العرب هذه الأيام من صعوبة الحصول على التأشيرات. سألته وقد تحولت دهشتها إلى ذهول: –تقصد أوراق مزورة؟ لوح فراس بيده: –لا.. أعني أنها لن تكون مزورة كما تعتقدين.. ستكون حقيقية ولكن باسم وجنسية مختلفة. –أنا لا أرى فارقاً. تنهد ثم قال بجدية:
–أفهميني جيداً يا زينة.. عندما سافر آدم إلى القاهرة تحدث مع محاميه عنك، فأخبره بصعوبة استخراج أوراق بديلة لك بسرعة.. فعرض حميد علينا فكرته ووافقنا عليها. فحميد وعائلته لهم نفوذ قوي في إسبانيا ويستطيع الحصول لك على هذه الأوراق بسهولة.. نحن أناس شرفاء ولا نلجأ إلى هذه الحيل في العادة، ولكننا وعدناك أن نحميك ونساعدك.
تجنبه للنظر في عينيها أخبرها أن هناك المزيد مما يرفض الإفصاح عنه، وهي قررت أن لا تسأل.. أو خشيت أن تسأله، فليس هناك إلا سبب واحد يجعلهم يلجأون إلى إخفاء هويتها.. أنهم قد عرفوا بجريمتها ويريدون حمايتها والتستر عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!