وقعت زينة من نبيلة أن تتأنق لتظهر أكثر جمالًا منها، ولكن بينما كانت ترتدي ملابس كلاسيكية مسائية أنيقة، كانت نبيلة ترتدي ملابس كاجوال عبارة عن جينز عادي وقميص فضفاض وحذاء رياضي قديم، فظهر التناقض جليًا بينهما.
عندما جاء خالد في الثامنة لأصطحابهما، صعد ليسلم على والديها قبل انصرافهم، ووقف متجمدًا عند الباب عندما وقعت نظراته على زينة، فاحمر وجهها خجلًا. بالتأكيد مظهرها الجديد قد فاجأه، لأول مرة تكون أنيقة وراقية هكذا. كانت سعيدة وفخورة بنفسها، وقد ساعدتها نبيلة على التزين، وشكرتها على صنيعها عندما عرضت عليها أيضًا أن تصفف لها شعرها. كان خالد متعجلًا على الذهاب ورفض بأدب دعوة أمها لشرب شيء ما قبل ذهابهم.
وفي السيارة، أحست زينة بأن هناك شيئًا ما يزعجه، فقد كان متجهمًا ولم يتحدث إليها، وكانت نبيلة صامتة كذلك، وجلست بوداعة في المقعد الخلفي ورأسها محني لأسفل. شعرت زينة بعجز غريب يمنعها عن قطع الصمت الموتر للأعصاب بين الثلاثة، وكانت تتساءل عن سبب هذا. بعدما خرجوا من منطقتهم وأصبحوا في الطريق العام، قال خالد ببرود وعيناه مسلطتان على وجه نبيلة في المرآة الأمامية: –أين؟
تفاجأت زينة من السؤال الذي لا معنى له بالنسبة لها على الأقل، ولكنه لم يكن كذلك بالنسبة لأختها التي قالت: –في أي مكان هنا. أوقف خالد السيارة على جانب الطريق وترجلت نبيلة من السيارة. فاستدارت زينة إليها بحدة وقالت: –إلى أين أنت ذاهبة؟ نظرت نبيلة إلى خالد نظرة سريعة ثم قالت: –لدي موعد مع صديقة لي. قالت زينة عابسة: –ولكن أبي يعتقد… قاطعتها نبيلة بملل: –يعتقد أبي أنني معك، وهذا يكفي. ثم ابتعدت وهي تشير لهما بيدها. استأنف
خالد السير فسألته زينة: –كنت تعرف أنها لن تذهب معنا. قال بهدوء: –أخبرتني بذلك عندما تركتنا وذهبت لجلب حقيبتك. قالت بخفوت: –إذن أعدني إلى البيت، سيغضب أبي إن ذهبت وحدي معك. قال خالد بصبر وهو مستمر في طريقه: –لا داعي لأن يعرف. استدارت إليه بحدة، فابتسم لها ليخفف من حدة الموقف وقال: –أعلم أنك لا تحبين الكذب عليه، ولكن إن أعدتك الآن، ماذا ستخبرينه عن المكان الذي ذهبت إليه أختك؟ هه؟ ستكون المشكلة أكبر حينها، أليس كذلك؟
ثم لا خوف عليك معي. ومع ذلك، ظلت قلقة، فلو اكتشف والدها أنها ذهبت من دون نبيلة، سيغضب منهما. سألها خالد بهدوء بعد وقت، وقد تخللت نبرة صوته بعض الضيق استطاعت أن تتلمسه: –لماذا ترتدين هذه البلوزة؟ تفاجأت زينة من السؤال واحمر وجهها وقالت: –ألا تعجبك؟ رد بضيق: –بلى، لا تعجبني. الآن أصبحت على وشك البكاء، فابتلعت ريقها وقالت بصوت يختنق: –كنت أظن أنها… قاطعها بتوتر وعصبية: –وشعرك، لا أحبه بتلك الطريقة.
رفعت يدها بعفوية إلى شعرها، وأحتاجت إلى قوة إرادة كبرى لتمنع دموعها عن الانهمار. يبدو أن خالد قد شعر بأنه ضايقها وجعلها تعيسة، فقد أوقف السيارة على جانب الطريق مرة أخرى واستدار إليها قائلًا بندم: –أنا آسف، لم أقصد أن أحزنك، انظري إلي. كانت مطرقة الرأس لتخفي الدموع التي بللت رموشها. أمسك ذقنها ليرفع وجهها إليه وقال برقة:
–أنا حقًا آسف، أحيانًا أصبح في مزاج سيء عندما لا تسير الأمور كما أريدها، كما أنني أحب أن أراك على طبيعتك، لا تتلوني وتتشبهي بأحد آخر، فأنت جميلة دون الحاجة إلى كل ذلك. ابتلعت ريقها وهزت رأسها وحاولت أن تبتسم، فابتسم لها مشجعًا: –أنت جميلة في كل الأحوال. شعرت بالراحة قليلًا وقالت بخفوت: –إنها في الحقيقة ليست لي. قال بجفاء وقد تصلبت ملامحه: –أعلم أنها ليست لك، فقد رأيت أختك ترتديها من قبل. احمر وجهها أكثر وقالت:
–لقد استعرتها منها، أردت أن أكون مميزة الليلة من أجلك. سمعته يأخذ نفسًا عميقًا وقد اشتدت أصابعه على ذقنها وقال: –أنت مميزة في كل الأحوال مهما كان ما ترتديه، وقد أخبرتك بهذا من قبل. وعندما استأنف القيادة، كانت زينة غير قادرة على كبت ابتسامة السعادة التي ارتسمت على وجهها. *** توقف خالد بالسيارة أمام بناية شاهقة تطل على النيل، فسألته زينة: –لماذا توقفنا هنا؟ مرت لحظات ظنت أنه لن يجيبها، ولكنه قال أخيرًا:
–هنا تسكن أمي وزوجها. عادت زينة تتأمل البناية بنظرة جديدة وتسأله بحذر: –ولماذا نحن هنا؟ ابتسم شارداً: –فكرت أنك ربما تريدين رؤية بيتنا، أنت لم تسأليني أبدًا عنها، أين توجد أو كيف تبدو؟ جف حلقها ومرت رعشة برد في أوصالها وشعرت به فجأة غريبًا عنها، وخطرًا أيضًا. –لا، هذا لا يصح. أدار وجهه إليها ببطء ولم تنبئ ملامحه عن شيء، وللحظات مرت كان يتفرس في وجهها بشدة: –هل أنت خائفة مني؟ أنكرت بسرعة: –لا، ولكن… قاطعها بهدوء:
–ولكنك شاحبة، أنت خائفة. قالت بصدق هذه المرة: –مرتبكة وقلقة ربما، لا أعرف، أنت تريدني أن أصعد معك إلى شقتك وهذا أمر غير لائق، فماذا تتوقع أن تكون ردة فعلي. أدار وجهه ونظر أمامه وقد عاد إلى صمته وبدا وكأنه يفكر، وانتظرت بقلق. عاد لينظر إليها برقة وقال: –ألا تثقين بي؟ أصبحت في حيرة من أمرها، وقد وجهت لنفسها نفس السؤال، هل تثق به لدرجة أن تأتمنه على نفسها وتتوقع منه أن يحترمها ويصون شرفها؟
هل تعرفه بما يكفي لكي تمنحه مثل هذه الثقة اللامحدودة؟ –زينة؟ ابتلعت ريقها بصعوبة وحدقت في وجهه، ولمحت نظرة اشفاق تمر عبر نظراته قبل أن يتابع بحزم: –أنتظر ردك. لا تعرف ما دفعها لهذا، ولكنها وجدت نفسها تقول وعيناها القلقتان أسيرتان لعينيه: –بلى، أثق بك. اتسعت ابتسامته وتألقت عيناه بفرح، وعاد في تلك اللحظة الشاب الذي أسر قلبها: –إذن هيا بنا.
شعرت فجأة بأنها أسيرة، فقد قبضت أصابعه على أصابعها بقوة كما لو كان يمنعها من الفرار. أغلق باب المصعد ببطء في وجهها، فتوقف قلبها عن الخفقان لحظة بدء صعوده. وأمسك بها الهلع، ولكنها حاولت مداراة مشاعرها. أرادت أن تخفي ما يعتمل في نفسها من قلق، ولكن هذا لم يستمر طويلًا، فقد انطلق صوتها حادًا: –حتى وإن رفضت، هذا لا يعني أنني لا أثق بك.
ترك يدها وابتعد عنها حتى يستطيع رؤية وجهها والتفرس به، فقالت بلا حول ولا قوة محاولة إقناعه بوجهة نظرها دون أن تجرحه: –ماذا سيعتقد الناس عندما نصبح وحدنا بالداخل؟ هذا أمر يجب أن تأخذه في عين الاعتبار، إنها سمعتي. هذا أولًا، وثانيًا، ثالثًا والأهم، أبي سيغضب منا وستتغير نظرته إليك وربما يرفض ارتباطنا. –ومن سيخبره؟ رفعت حاجبيها بدهشة وقالت بصدق:
–أنا بالطبع، هل تخيلت أنني سأخفي عنه هو وأمي أمرًا كهذا، أنني ذهبت معك لرؤية الشقة التي سوف نتزوج بها؟ حدق في وجهها للحظة، فتح باب المصعد خلالها، ولم تتوقع زينة ردة فعله فقد انفجر ضاحكًا وبشدة. حدقت فيه بدهشة لا تفهم سبب ضحكه، ولكنها شعرت بالراحة، فهو لم يغضب منها على الأقل. وكانا في السيارة منطلقين في طريقهما من جديد: –أنت لست غاضبًا حقًا؟ –لا، لست غاضبًا. ثم نظر إليها مبتسمًا:
–اقتنعت بوجهة نظرك، فأنت مقنعة جدًا في الواقع. ابتسمت زينة بفرح فقد رضخ لمشيئتها ولم يصر عليها لترى الشقة، وضغط على زر الهبوط، ومن وقتها وهي تكاد تطير من الفرح والراحة معًا: –آه، شكرًا لك. ضحك مرة أخرى وقال: –تشكرينني؟ –نعم، فرأيك بي يسعدني. *** أوقف خالد السيارة في موقف سيارات تابع لملهى ليلي أنيق يقع في شارع هادئ، فسألته: –لماذا توقفنا هنا؟ –اتفقت مع نبيلة أن تنتظرنا هنا، فلا يجوز أن تعود كل منكما بمفردها.
كانا قد تناولا العشاء في مطعم الفندق الذي تعمل به، وكانت مفاجأة لها أن يأخذها إلى هناك. سألته زينة بحدة: –نبيلة هنا؟ –هنا تعرفت على أختك. قالت بغم: –هنا؟ قاطعها اقتراب رجلين في بزات رسمية بعضلات مفتولة يبدوان كحراس شخصيين، بادلهما خالد بالقول: –لن أنزل، الآنسة ناني بالداخل، أخبراها أننا هنا. وبإشارة متعجرفة من يده كما لو كان يملك سلطة عليهما، عادا إلى الملهى طائعين.
لم تجرؤ زينة على كسر الصمت، تخشى أن تسأل وتخشى أكثر من إجابته. –أنا مضطر للسفر من جديد، وعندما أعود، سوف نرتب للزفاف، وسيكون كل شيء جاهزًا حينها. –ولكني أريد أولًا أن… قاطعه بحزم: –الشيء الوحيد الذي يجب أن تعرفيه هو أنني أنوي أن أبدأ حياة جديدة معك، جديدة بكل شيء، سأتخلى عن الكثير من أجلك، ماضي لا أستطيع تغييره، ولكن مستقبلنا سيكون شيئًا آخر.
الوعد في كلامه والصدق في عينيه جعلها تؤنب نفسها على قلة ثقتها به وبحبهما، ولكنها معذورة، فعلاقتهما حديثة جدًا وهي ما تزال لا تعرفه، ولكن ما يشفع له أنه لم يكذب عليها ولم يدعي الصلاح أبدًا. *** لم يكن الوقت متأخرًا كثيرًا عندما أعادهما خالد إلى البيت، وهناك ترجلت نبيلة من السيارة وصعدت إلى البيت، تاركة زينة وحدها مع خالد في السيارة.
–كما اتفقنا، عندما أعود من السفر، سأجد حلًا مع والدك، وربما أستطيع إقناع أمي بالمجيء لزيارتكم. قالت: –تعلم أنني لا أهتم بعائلتك، أنت فقط من يهمني، ولكن أبي يهتم لكي يطمئن علي، فأنا أمانة عنده كما يقول. –وستكونين أكثر أمانًا معي. –كم ستغيب في سفرتك هذه؟ –حوالي الشهر أو أكثر قليلًا. شهقت، لقد ظنت أنه سيسافر لبضعة أيام، أسبوع على أقصى تقدير كما حدث من قبل، ولكن شهر وما زالا في بداية علاقتهما! كان ذلك كثيرًا.
كسى الحزن وجهها، فقال: –أعلم، أنا أيضًا يصعب علي فراقك، خاصة الآن، ولكن هذا العمل كنت قد اتفقت عليه قبل لقائي بك، وأعدك أنها ستكون المرة الأخيرة، عندما أعود سنتزوج على الفور، لن أنتظر، سيكون منزلنا قد تم تجهيزه من كل شيء، وسوف أحضر لك ثوب الزفاف معي من أوروبا، انتظري وثقي بي، أرجوك، لا أريد غير ثقتك. هزت رأسها إيجابًا، فتبدد القلق من على وجهه، وابتسم لها ابتسامته المدمرة التي تخطف الأنفاس، وتابع:
–تستطيعين تقديم استقالتك من عملك منذ الآن، فأنت لن تكوني بحاجة إلى العمل بعد الزواج. كل هذا كان كثيرًا على عقلها لتستوعبه، فراحت تهز رأسها موافقة على كل شيء يقوله، وعندما همت بمغادرة السيارة، استوقفها: –زينة، قد لا أستطيع الاتصال بك باستمرار، ولكن كلما سنحت لي الفرصة، سأفعل. –مع السلامة. ودعته والدموع تكاد تخنقها، فقال برقة: –لا تبكي. –آسفة، ولكني سأشتاق إليك، لا تتأخر. ابتسم لها بحنان: –سأعود بأسرع ما يمكنني.
ثم خرجت من السيارة وأشارت له بيدها مودعة. *** –لم أتوقع أن يأخذك خالد إلى هناك. –وأنا أيضًا، لقد عاملنا الزملاء في المطعم هناك بطريقة رائعة، وخاصة مستر عماد. لقد ظهرت الدهشة على نبيلة عندما عرفت بأنهما تناولا العشاء في الفندق، وظلت شاردة طوال الطريق إلى البيت ولم تعلق على الأمر. –لا أقصد الفندق، أقصد الملهى. نظرت زينة إلى نبيلة بوجوم، وكانتا قد بدلتا ملابسهما استعدادًا للنوم: –آه، ذلك المكان؟ قالت نبيلة بجمود:
–اعتدنا أن نلتقي فيه مع الأصدقاء، أقصد أنا وخالد. ثم أشاحت بوجهها وتابعت: –عذرًا، فأنا لم أتخيلك ترتبطين بشاب عابث مثله. ردت زينة بتثاقل: –وعدني بأن يتغير. رمقتها بطرف عينيها بنظرة ساخرة وسألتها باشفاق ساخر: –وصدقته؟ –نعم، فأنا أثق به. هزت نبيلة كتفيها ثم اندست بفراشها ولم تقل شيئًا.
استلقت زينة على فراشها بدورها وعقلها مشوش، استدعت وجه خالد في رأسها، نظرات عينيه الحانية والصدق الذي شعرت به في صوته وهو يعدها بأنه سيتغير من أجلها. تمتمت لنفسها بصوت منخفض: –نعم، أنا أصدقه. ***
خبت فرحة زينة بحبها الوليد عندما تعرض والدها لوعكة صحية ولازم الفراش، وقال الطبيب بعد اطلاعه على التحاليل والأشعة أنه يحتاج إلى عملية بالقلب لوضع دعامات للشرايين، وأصر الطبيب عليهم أن يعجلوا بإجرائها، وإلا سيظل يتعرض لهذه النوبات التي ستكون نهايتها سيئة. وكانت العملية تكلف مبلغًا كبيرًا من المال وهم لا يملكون من هذا المال إلا أقل القليل.
فور انصراف الطبيب، اختفت نبيلة في حجرتها، وقد وجدتها زينة تبكي بحرقة فوق فراشها، فأسرعت إليها تحيطها بذراعيها: –ماذا بك يا حبيبتي؟ حاولت نبيلة دفعها عنها ثم عادت واستسلمت للنحيب مرة أخرى بين ذراعيها، فقالت زينة بحزن: –أنت حزينة من أجل أبي؟ إن شاء الله سوف تجرى له العملية ويكون بخير، لا تبكي، أنت تحبينه بشدة، أعرف، كلنا كذلك يا حبيبتي. وانسابت دموعها بدورها. قالت نبيلة بمرارة وهي تحاول الابتعاد عن ذراعيها مرة أخرى:
–نعم أحبه، لكنه يفضلك علي. قالت زينة بقلب مثقل: –أنت مخطئة، إنه يحبك وأكثر مما يحبني. نظرت إليها نبيلة مجفلة شاحبة الوجه، فتابعت زينة: –إن كان يحتد عليك أحيانًا، فهذا من شدة خوفه عليك، كل أب يفعل مثله. وقفت نبيلة وراحت تجفف دموعها وهي تقول بصوت مرتجف: –معك حق، مرضه أثر في بشدة وجعلني أشعر كم كنت أنانية وكم أتعبته معي وهو مريض. نظرت إليها زينة مشفقة على حالها:
–لا يجب أن تفكري بتلك الطريقة حبيبتي، المهم الآن أن نفكر كيف ندبر له مصاريف العملية. قالت نبيلة بعد لحظات وقد لمعت عيناها: –أنا لدي حل. سألتها زينة بلهفة: –حقًا؟ وما هو؟ –أحد معارفي وجد لي عملًا على يخت سياحي لمدة أسبوعين، كمضيفة براتب خمسة آلاف دولار، ولكن وكما تعلمين، فقد استنفدت كل إجازاتي ولن يسمح لي بأخذ إجازة لمدة شهر كامل. ذهلت زينة من قيمة المبلغ وقالت: –حقًا؟ كل هذا المال من أجل أسبوعين فقط؟
ثم سألتها وقد تذكرت المكالمة الهاتفية التي تلقاها خالد وهم عائدون من الساحل الشمالي، وكان من سيدة تدعى فريدريكا تمتلك يختًا تقوم بعمل رحلات سياحية على متنه: –من وجد لك هذا العمل؟ خالد؟ نظرت إليها نبيلة بتوتر: –وما علاقة خالد بالأمر؟ أخبرتها زينة عن تلك المكالمة التي استمعت إليها، فابتلعت نبيلة ريقها وقد ازداد توترها وقالت:
–نعم، خالد من عرض علي هذا العمل، ولكن كان ذلك قبل خطبتكما، وكنت قد رفضته لأن أبي كان سيرفض، ولكن بعد ما حدث، فكرت أن أقبل. ثم نظرت إلى زينة وقالت بتصميم: –لكن أنت من يجب أن تذهب بدلًا مني. قالت زينة بذعر تقريبًا: –أنا؟ –لا أحد غيرك، هذا المبلغ سيساعد في عملية أبي، وأنت تستطيعين بسهولة الحصول على إجازة أو تقديم استقالتك، ففي كل الأحوال سوف تتركين العمل قريبًا. ترددت زينة للحظات ثم قالت بتردد:
–ولكن، هل سيوافق خالد أو أبي على ذلك العمل، وخاصة وأن به سفر؟ أمسكت نبيلة بيديها بقوة بإصرار وهي تضغط على أسنانها: –لا يجب أن تقولي لهما الحقيقة، ستقولين لأبي أنك ستسافرين إلى فرع الفندق في العين السخنة لسد عجز الموظفين هناك أو لمزيد من التدريب، وخالد مسافر لمدة شهر ويمكن لأكثر من ذلك، فقد تعودين قبل عودته.
–أستطيع إخباره بالحقيقة، سيكون هذا أفضل من الكذب عليه، وهو بالتأكيد لن يعترض خاصة عندما يعرف عن حالة أبي، وسوف يكون مطمئنًا علي لأن أصحاب العمل أصدقاء له. صاحت نبيلة في وجهها بغضب أجفلها: –غبية! لو قلت له سيعتقد أننا ندفعه ليتكفل هو بعملية أبي، وكما تعرفين، أبي عزيز النفس وسينظر إلى الأمر على أنه إهانة له وسيرفض بالتأكيد.
أطرقت زينة تفكر، نبيلة معها حق، سيرفض والدها نقود خالد، لقد غضب بما فيه الكفاية عندما أخبرته أن خالد يرغب في التكفل بكل مصاريف الزواج وجهازها أيضًا، وقال لها: –هل تريدين أن أظهر بمظهر العاجز أمام نسيبي وأنني غير قادر على تجهيز بناتي؟ امتقع وجهها حينها وحاولت الدفاع عن نفسها قائلة: –لا يمكن أن أقصد شيئًا كهذا. قال بوجه متجهم: –كانت أمكما تقوم بتجهيزكما منذ أن كنتما طفلتين. اعترضت زينة: –ولكنه جهاز نبيلة.
–إنه لمن تتزوج فيكم أولًا، ولأن نبيلة الأكبر كنا نعتقد أنها من ستتزوج أولًا، لهذا فهو لك. ***** عندما أصبحت زينة على متن اليخت، شعرت بالخوف، فقد كانت ذاهبة إلى المجهول وستصبح وحدها بين أناس غرباء وسط اللامكان، ولكنها حاولت أن تتشجع من أجل والدها، لقد أخذت نبيلة المال بالفعل وهي مجبرة على أداء عملها نظير ذلك المبلغ الكبير.
لقد وافقت السيدة فريدريكا على استبدالها بأختها عندما ذهبتا لمقابلتها في الفندق بالإسكندرية، أولًا تحدثت معها نبيلة وقد صعدت إليها في غرفتها من دون زينة التي انتظرتها في البهو، ومن ثم اتصلت بها فصعدت إليهم. فوجئت زينة من شكل المرأة وعمرها، فقد كانت تتخيلها متوسطة العمر، ولكنها وجدتها صغيرة في أواخر العشرينات من عمرها تقريبًا وشديدة الجمال، ذلك الجمال الأشقر وكأنها لوحة فنية وليست حقيقية، وفكرت بغيرة أن خالد يعمل معها
وقد ضايقها هذا، ولكن ما أراحها قليلًا أنها رأت شخصًا قدمته لها على أنه زوجها، لم يكن يقارن بخالد بالطبع، فقد كان نحيفًا أمهق بنظرات وجدتها زينة منفّرة وخبيثة وهو يتفحصها وكأنها سلعة ما، ووجدت فريدريكا مهتمة برأيه في أن تأخذ مكان نبيلة في العمل، وجاءت موافقته بهزة متعجرفة من رأسه. كان يتحدث العربية، ولكنها فشلت في تحديد جنسيته.
وبعد أن تمت الموافقة، سلمت لهما زينة جواز سفرها ووقعت على بعض الأوراق الخاصة بالعمل، وعادت إلى القاهرة مع نبيلة التي غادرها الحماس فجأة وأصبحت عصبية، خاصة عندما أسرت لها زينة قائلة: –نبيلة، أنا خائفة، لا أعرف ما هو المطلوب مني عمله هناك بالضبط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!