عندما أصبحت زينة على متن اليخت بدأت تشعر بالخوف. فقد كانت ذاهبة إلى المجهول وستصبح وحدها بين أناس غرباء وسط اللامكان. ولكنها حاولت أن تتشجع من أجل والدها. ولقد أخذت نبيلة المال بالفعل وهي مجبرة على أداء عملها نظير ذلك المبلغ الكبير. لقد وافقت السيدة فريدريكا على استبدال مكانها بأختها عندما ذهبتا لمقابلتها في الفندق الذي تقيم به في الإسكندرية.
تحدثت معها نبيلة أولاً وقد صعدت إليها وحدها وانتظرتها. زينة في بهو الفندق إلى أن اتصلت بها نبيلة على هاتفها الجوال وطلبت منها الصعود وأعطتها رقم الجناح. فوجئت زينة بشكل المرأة وعمرها فقد كانت تتخيلها متوسطة العمر ولكنها وجدتها شابة صغيرة في أواخر العشرينات من عمرها تقريبًا. كما كانت شديدة الجمال، ذلك الجمال الأشقر وكأنها لوحة فنية وليست حقيقية. وفكرت زينة بغيرة بأن خالد يعمل معها وقد ضايقها هذا.
ولكن ما أراحها قليلاً أنها رأت شخصًا معهما قدمته لها على أنه زوجها. لم يكن يقارن بخالد بالطبع فقد كان نحيفًا أمهق بنظرات وجدتها زينة منفرة وخبيثة وهو يتفحصها وكأنها سلعة ما. ووجدت فريدريكا مهتمة برأيه في ما إذا كانت جديرة بأخذ مكان نبيلة في العمل أم لا. وجاءت موافقته بهزة متعجرفة من رأسه. كان يتحدث العربية ولكنها فشلت في تحديد جنسيته. وقد سألها: "هل تحملين جواز سفر؟ "آه نعم."
وأسرعت بارتباك تخرج جواز سفرها من حقيبتها وسلمته إياه. وقعت أيضًا على بعض الأوراق الخاصة بالعمل وعادت إلى القاهرة مع نبيلة التي كان قد غادرها الحماس فجأة بعدما أصبحا خارج جناح الفندق وأصبحت عصبية، خاصة عندما أسرت لها زينة بمشاعرها قائلة: "نبيلة.. أنا خائفة.. لا أعرف ما هو المطلوب مني عمله هناك بالضبط." صاحت بها نبيلة بغضب وكانتا في القطار مما جعل من حولهما ينظران ناحيتهما: "هل أنت طفلة صغيرة؟
أخفضت زينة صوتها وقد أحمر وجهها حرجًا وكذبت قائلة بعد أن وجدت أن اعترافها بخوفها من الذهاب قد أغضب أختها: "آسفة.. ولكن هذه أول مرة سأسافر بمفردي وسوف أكون مع أناس غرباء عني.. ربما ضايقوني مثلاً إذا لم يعجبهم عملي." شحب وجه نبيلة وهي تحدق بعصبية في وجه زينة البريء والتي تابعت: "عملت بعد تخرجي في الاستقبال وخبرتي تكاد تكون معدومة في أمور الخدمة بالمطاعم مثلك." قالت نبيلة بعينين كئيبتين: "سوف تتعلمين." ثم قست
نظراتها من جديد وهي تتابع: "لا مجال للتراجع الآن." تمتمت زينة باستسلام وهي تتراجع في مقعدها: "أعرف.. فأبي بحاجة لذلك المال." وعادت معها نبيلة إلى الإسكندرية بعد يومين وكان والداها قد اقتنعا بحجة غيابها لفترة. وكان والدها أكثر من أبدى قلقه وانزعاجه من هذا التغيير في العمل وراح يوصيها بأن تنتبه لنفسها وتتصل به باستمرار لكي يطمئن عليها.
كانتا صامتتين خلال ساعات السفر. وكان حال نبيلة غريب وشكت زينة في أنها حزينة لفراقها. فأحيانًا كانت تلمحها تراقبها وشيء من الحزن والقلق في عينيها. وعندما كانت تودعها في الميناء قالت لها زينة:
"سوف أتصل لأطمئن على أبي ولا تنسي ما اتفقنا عليه.. عندما يتصل بك خالد اشرحي له الأمر وأجعليه يفهم السبب من وراء قبولي بهذا العمل وأطلبي منه أن لا يغضب مني وأنني سوف أتصل به.. كنت أتمنى لو أخبرته بنفسي ولكن كما قلت أنت ما كان ليقبل أبدًا."
عندما احتضنت زينة أختها مودعة تملصت نبيلة منها سريعًا وكأنها تكره احتضانها لها وبالكاد نظرت إلى وجهها وهي تودعها وقد جرح هذا مشاعرها. وعندما استقلت زينة اليخت المنتظر استدارت لتلوح لها ولكنها وجدتها وقد اختفت عن الرصيف. أبحر اليخت فور صعودها إليه بدقائق مبحرًا من ميناء الإسكندرية متوجهًا إلى ميناء أثينا اليوناني حيث ستكون أولى محطات الرحلة. ومن هناك سيستقبلون مزيدًا من الضيوف كما سبق وأخبرتها مدام فريدريكا.
وفي أحد صالونات اليخت العملاق تجمع طاقم الخدمة وكانوا جميعًا من الفتيات وليس بينهم شاب واحد. والرجال على متن اليخت هم من البحارة والطباخ ومساعدوه وجميعهم أوروبيون. على عكس زميلاتها كانوا خليطًا من جنسيات عربية وآسيوية وأوروبية. أحصتهم زينة وكان عددهم يفوق الخمسة وعشرين. ودهشت عندما وجدت بينهم ست فتيات ممن قابلتهم في حفلة الساحل. وكانت نجلاء صديقة خالد السابقة واحدة منهن. وقد بادلتها النظر بسخرية عندما تصادمت عيونهما. فأحمر وجه زينة وتجنبت النظر إليها.
فيما بعد وهي تقف تنتظر أوامر وتعليمات رئيسها التي كانت تجلس على مقعد وثير واضعة ساقًا فوق الأخرى وترتدي أقصر تنورة رأتها زينة في حياتها. بدأت تشعر بألم لا يطاق في معدتها ورغبة في التقيؤ. وقد أصاب رأسها صداع يكاد يعمي بصرها. ولكنها حاولت أن تتماسك وتتحامل على نفسها حتى لا تظهر بمظهر سيء أمام مرؤستها. قالت فريدريكا بصوتها الأجش وهي تنظر إليهم بتعالٍ: "سوف ينضم الضيوف إلينا في أثينا.. لا أريد أن...
زاد الألم في معدة زينة وتصبب العرق البارد على جبينها فلم تستطع متابعة ما تقوله فريدريكا. وعندما شعرت بأنها على وشك التقيؤ رفعت يدها كتلميذة مدرسة ولكنها لم تنتظر الإذن وأسرعت تعدو مترنحة إلى خارج الصالون. ومن حسن حظها لمحت سلة مهملات بجوار المدخل وأفرغت فيه ما بجوفها بعد أن كادت أن تفعلها على أرضية الممر.
كانت تنتفض ومعدتها تتلوى بألم وهي تفكر في مدى سوء حظها. أن تتعرض للمرض في أول يوم عمل لها. ربتت يد على كتفها وقالت فتاة بالإنجليزية ركيكة: "أنت تعانين من دوار البحر.. كان يجب أن تأخذي دواء له قبل الرحلة." لم تجد زينة شيئًا لتمسح به فمها فظلت دافنة وجهها هناك وقالت بصوت متعب: "لم أعرف أنني يجب علي ذلك." أمسكتها الفتاة من كتفها وقالت: "تعال معي سآخذك إلى غرفتك وأعطيك دواء سيساعد معدتك على الاسترخاء."
وقفت زينة وهي تتمايل واستخدمت طرف بلوزتها مضطرة لمسح فمها. وفي الغرفة الصغيرة التي تضم فراشين تبينت ملامح الفتاة لأول مرة ووجدتها إحدى الآسويات وقد كان لها وجه لطيف جميل وبشرة ناعمة وتمتلك الملامح المعروفة ببني جنسها. قالت: "اسمي تشو ونحن شريكتان في هذه الغرفة وبطبيعة الحال لن نستخدمها إلا لتنظيف أنفسنا فقط."
لم تفهم زينة ماذا عنت بتنظيف أنفسهم ورجحت زينة بأن عامل اللغة وعدم إتقانها لها هو ما جعلها تستخدم كلمات غير مناسبة. فابتسمت لها بوهن وقد عاودها الغثيان مجددًا فأسرعت إلى الحمام وهي تشعر بمعدتها تكاد تتمزق. نامت بعد أن ناولتها تشو الدواء ونصحتها بأن تستريح وأكدت لها أنها ستكون بخير عندما تستيقظ. ولكن…
عندما استيقظت لم تشعر بأي خير. اختفت آلام معدتها وفارقها الدوار ولكن الآلام الأخرى كانت أصعب وأقسى على قلبها وعلى عقلها. دخلت عليها تشو وهي ترتدي بالكاد ما تدعى تنورة وبلوزة بيضاء شفافة وكان صدرها الصغير عارياً وظاهراً من تحتها. فغضت زينة بصرها بسرعة خجلة من التحديق بها. قالت لها تشو بلا مبالاة وهي تشير إلى الخزانة:
"ملابسك بالداخل.. وصلنا أثينا وسرعان ما سينضم الضيوف إلينا وستكون فريدريكا غاضبة إن تأخرت.. ألست أحسن حالاً الآن؟ قالت زينة بارتباك: "بلى.. أنا بخير." خرجت تشو وهي تقول: "إذن لا تتأخري." استحمت زينة أولاً لتزيل عنها آثار العرق. وجدت الكثير من أدوات التجميل فزينت وجهها بلمسات خفيفة حتى تعوض عن الحالة البائسة التي ظهرت بها أمام رئيسها بالأمس.
وقفت بذهول تنظر إلى الملابس التي من المفترض أن ترتديها والمشابهة تمامًا لما كانت ترتديه تشو. وتساءلت بذعر.. هل هذه ملابس العمل؟ لم تجد غيرها في الجزء الخاص بها من الخزانة وكانت مغلفة بكيس بلاستيك. ووجدت طقمًا آخر بنفس المواصفات وأنما بلون مختلف. ثم فتحت الأدراج لتبحث فيها فوجدت ملابس داخلية وقمصان نوم عبارة عن قصاقص من القماش والجلد وأشياء بشرائط متدلية. جلست على الأرض وكانت ما تزال ملتفة بمنشفتاها
الكبيرة وراحت تتمتم: "هذه الأشياء بالتأكيد ليست لي.. قد تكون لتشو أو قد نساها أحد ممن كان يقيم هنا." أغلقت الأدراج وذهبت إلى حقيبتها التي لم تفرغ بعد وأخرجت ملابس لترتديها وبعدها ستذهب للتكلم مع فريدريكا. فور خروج زينة من الباب قابلت نجلاء وكانت مارّة من أمامها وعبست بشدة وهي تراها ترتدي نفس الملابس التي كانت ترتديها تشو والمعلقة مثلها في خزانتها. فأعتراها القلق من أن تصر فريدريكا على أن ترتدي مثلهم.
توقفت نجلاء عند رؤيتها وأقتربت منها زينة بتردد آملة أن تعاونها ولا تأخذها بذنب نبيلة. وان كانت خائفة من أن تكون قد عرفت بخطبتها لخالد. حيّتها قائلة: "مرحباً.. كيف حالك؟ وقفت نجلاء تتأملها بغموض ولم ترد على تحيتها. فقالت زينة بتوتر: "كنت أريد سؤالك عن شيء." "ماذا تريدين؟ أحمر وجه زينة ولكنها قالت وهي تشير إلى ما ترتديه نجلاء: "بخصوص الملابس.. هل يجب علي ارتداء مثل هذا؟ قالت نجلاء بتأفف:
"ليس طوال الوقت.. سيكون مسموحًا لنا ارتداء ما يحلو لنا أو عدم ارتداء أي شيء إذا رغبنا ولكن بعد الإبحار." تراجع رأس زينة إلى الخلف بصدمة. فتابعت نجلاء تقول بفضول: "لم أعتقد أنك هكذا.. عندما قابلتك في المرة الأولى كنت ساذجة.. وأليس من المفترض أن تكون ناني هي التي هنا.. كيف حدث وأن جئت بدلاً منها؟ ردت زينة بتجهم وهي تتمنى لو لم تأتي: "لم تستطع الحصول على إجازة فجأت بدلاً منها." ضاقت عينا نجلاء بحدة وسألتها:
"وهل عرف خالد بهذا التغيير فعلى حسب علمي هو مسافر؟ شحب وجه زينة وقد تذكرت خالد.. نسيته في خضم مرضها ثم صدمتها بملابس العمل وقالت: "لا بالطبع.. هو لا يعرف." اتسعت عينا نجلاء بصدمة: "هل جُنّت تلك اللعينة؟ سألتها زينة بقلق: "ماذا تعنين؟ قالت بحدة: "أنت لم تتعاملي معه في العمل من قبل أليس كذلك؟ .. إنه لا يرحم من يخالف أوامره." ظهر عدم الفهم على وجه زينة وقالت: "لا أفهم.. ما علاقة خالد؟ تابعت نجلاء ووجهها يتألق بتشفٍ
متجاهلة سؤال زينة: "ولكن ربما كان ذلك أفضل.. فهي تستحق ما سيحدث لها." تذكرت زينة تلك اللحظات التي كان يفقد فيها خالد القدرة على التحكم بأعصابه ويغضب فتنقلب ملامحه إلى ملامح تثير فيها الرعب وينقلب إلى شخص آخر مخيف. وسألت: "وما الذي يمكن أن يفعله؟ قالت هازئة: "ستعرفين بنفسك عندما ترينه فهو سرعان ما سينضم إلينا.. فريدريكا لا تستطيع الاستغناء عنه طويلًا." ثم غمزت لها بطريقة وقحة جعلت الدماء تتجمد في
عروق زينة وسألتها بانفعال: "هل سينضم خالد إلى الرحلة؟ وماذا تعنين بأن فريدريكا لا تستطيع الاستغناء عنه؟ .. ما الذي بينهما؟ وأليست هي متزوجة؟ رفعت نجلاء حاجبيها بدهشة وقالت بسخرية ضاحكة: "ما هذا.. هل أحببتِه بدورك.. يا للشيطان اللعين.. لا يكتفي بأن يجعل من الفتاة عشيقته بل يسعى لاقتحام قلبها لتكون سيطرته عليها كاملة فلا يعد أمامها شيء إلا طاعته وتنفيذ كل رغباته بما فيها ما نحن فيه الآن." قالت زينة وصوتها يرتعش:
"أنا لست عشيقته.. أنا خطيبته وسنتزوج قريبًا." نظرت إليها نجلاء بأشفاق ساخر: "مسكينة أنت.. لقد خطب خالد وتزوج من نصف الفتيات على الأقل إن كانت تلك هي الطريقة لجعلهن يستسلمن له.. ورقة زواج عرفي تمزق بعد أن ينال مآربه وكأنها لم تكن." صرخت زينة في وجهها بغضب: "أنت كاذبة." تلفتت نجلاء حولها بقلق ثم دفعت بزينة إلى داخل الغرفة وأغلقت الباب: "اخفضي صوتك بدلاً من أن نتعرض للعقاب."
وقفت زينة في منتصف الغرفة وهي تتأرجح ما بين الغضب والخوف. سألتها نجلاء بقسوة: "بماذا إذن تفسرين سبب وجودك هنا؟ "للعمل." ظهر شيء من الإدراك الصادم على وجه نجلاء وسألتها بشك: "وما نوع هذا العمل في ظنك؟ أجابتها زينة بتحدٍ ولكن جسدها كان يرتعش: "مضيفة." هزت رأسها بذهول: "ألا تعرفين حقًا لماذا أنت هنا؟ ألم تخبرك أختك؟ "أخبرتني بأنني سأعمل مضيفة." قالت نجلاء بقسوة وحدة: "بل ستعملين بالدعارة."
بهت وجه زينة وتجمدت كما لو كانت قد تحولت إلى حجر. ومرت لحظات لم تستطع أن تستوعب معنى تلك الكلمات وراح عقلها المصدوم يحاول ترجمتها عاجزًا وكأنها قد حذفت من قاموسه. وتمتمت تسألها بصوت أجوف: "ماذا تعنين بالدعارة؟ هزت نجلاء رأسها بأشفاق حقيقي وقالت: "كنت أعرف أنها إنسانة حقيرة ولكنني لم أتخيل أن تغدر بأختها كما سبق وأن غدرت بصديقتها.. نعم كنا صديقتين حتى تعرفنا على خالد ورحنا نتصارع عليه وفي النهاية اكتشفت كلانا الخيبة."
تمتمت زينة: "خالد.. هو.." صمتت فأكملت نجلاء بدلاً منها بكلمة واحدة بطيئة اخترقت قلبها كطعنة سكين: "قواد." شهقت كمن يلفظ نفسه الأخير وسقطت على الفراش والدموع تنهمر من عينيها. ونجلاء تتابع: "هو وفريدريكا شريكان يديران شبكة دعارة دولية." بعد صدمتها المدوية لم تعد تسمع أو تحس. تخدرت كل حواسها. وفكرة واحدة تصرخ داخل عقلها.. أختها وخطيبها.. كيف يفعلان بها هذا؟
.. ثم راحت تعيد إلى عقلها كل الشواهد… خطبها خالد ولكنه لم يجعلها تقابل عائلته وكل ما يربطها به كلمات حب قالها. كلمات الحب ونظرات الغزل ما كانت إلا جزء من عملية إغوائها التي اعتاد على القيام بها لتجنيد الفتيات. وهي كانت إحدى هؤلاء الفتيات بالنسبة إليه؟
ثم فكرت بمرارة.. كيف تصورت أن شابًا مثله يقع في حبها بمثل هذه البساطة ويظهر كمسلوب اللب بها. والأكثر هولاً وقد عجزت تمامًا عن تصديقه هو نبيلة.. أختها.. أو من اعتبرتها أختها.. كيف طاوعها قلبها لأن تفعل بها هذا… ماذا فعلت لها لتحقد عليها إلى هذا الحد.. الحد الذي يجعلها تقرر أن تتاجر بجسدها.. تلقي بها في النار وتسير معها طوال الطريق حتى أوصلتها بيدها إلى هنا لتواجه ذلك المصير البشع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!