كان العشاء متوترًا تلك الليلة إلى أقصى حد، لدرجة الصمت. حتى زينة وبيدرو تجنبوا الحديث فيما بينهما تماشياً مع الجو السائد. أنهت زينة تجفيف الأطباق، وكانت تمني نفسها أن تلوز بغرفتها بقية الليل ومعها كتاب، تاركة ذلك الجو المشحون لأصحابه. فبعد بضعة ساعات سيكونون في موناكو، ومن هناك سترحل نيكول إلى فرنسا. وساء زينة أن تكون السبب في فراقهما، برغم أن العلاقة التي كانت بينهما لا يجب أن تحزن لانتهاءها.
حميد سينتظر ردها على طلبه، والذي سيكون بالرفض طبعًا. فهي لم تهرب من شيطان لتلقي بنفسها بين يدي شيطان آخر، يأخذ منها غايته ثم يلقي بها ويبحث عن غيرها، أو على أقل تقدير سيخونها. "زينة." كانت في طريقها إلى غرفتها عندما ظهر فراس أمامها وأبتسم لها. فقالت: "نعم سيد فراس." "هل لك أن تصنعي لي كوبًا من القهوة الثقيلة؟ أبتسمت له بأدب، ومن داخلها تشعر بالإحباط. "حاضر." أخبرها: "سأكون بالأعلى."
حضرت زينة القهوة وصعدت إلى السطح، ولكنها لم تجده هناك. فرجحت أن يكون في كابينة القيادة، ولكنها قابلت بيدرو وهو خارجًا منها. وقال لها أنه غير موجود، ونصحها أن تبحث عنه في مؤخرة القارب، فهو عادة ما يحب الجلوس هناك وحده. وجدته زينة جالسًا في المكان الذي أشار إليه بيدرو، وقد وضع مقعدًا آخر بجواره. وعندما شعر بخطوات زينة تقترب منه، استدار إليها مبتسمًا. "لقد وجدتني، هذا جيد، فقد خشيت أن لا تفعلي."
ناولته كوب القهوة، فقال وهو يشير إلى المقعد المجاور له: "أجلسي أرجوك." رفعت حاجبيها بدهشة، وتلفتت حولها، فقد يكون المقعد محجوزًا لزوجته. فقال وكأنه يعلم فيما تفكر: "أنا لا أنتظر أحدًا، لقد جئت به من أجلك." جلست زينة ببطء، وبدأ القلق يعتريها. فهو الوحيد حتى الآن الذي لم يقل لها أشياء تحيرها وتقلقها. فهل حان دوره؟ "هل مازلت مستاءة مما حدث من حميد؟ أجلت حنجرتها وقالت:
"لا أبداً، لقد اعتذر مني وأنا قبلت اعتذاره، لم يقصد حقًا أن... قاطعها بأنفعال غريب: "بل كان يقصد، أنا أعرفه جيدًا." تفاجأت زينة بأنفعاله، ونظرت إليه متسعة العينين، فهذه أول مرة تراه عصبياً هكذا. وتابع بنفس الحدة: "لقد رأيت نظراته التي لم تفارقك طوال الوقت، أنه ينوي شيئًا وأنا لن أسمح له بمضايقتك. أنه يسعى للتخلص من صديقته ويبحث فيك عن بديل لها، وإن كان آدم لم يستطع أن يوقفه عند حده، فأنا من سيفعل."
هبط قلب زينة بين قدميها، وتأوهت من داخلها خائفة مما هو آت. فوجدت نفسها تقول: "لقد طلب مني الزواج." حدق بها فراس بذهول للحظات، وقد احتقن وجهه بشدة، ثم قال بعدم تصديق غاضب: "ماذا فعل؟ زواج؟ هل جن لكي يتلاعب بك بهذا الشكل؟ أنا لن أسمح له بأن يفعل."
ثم وقف على قدميه بحدة، ووقفت زينة وقد أسقط في يدها. أرادت أن تمنعه عن قول ما شعرت بأنه سيقوله، أياً ما كان، فقد كانت لا تستبشر خيرًا، فهو رجل متزوج من امرأتين. ولكن فكرتها قد جاءت بعكس ما تمنت، فقالت بسرعة: "ولكني لن أقبل بالطبع." توقف فراس ونظر إليها متمعنًا، وسألها بشك: "حقًا سترفضين؟ قالت بجد وهي تنظر إلى عينيه مباشرة:
"بالطبع سأرفض، أولاً لأنني لا أحبه، وثانياً لأنني لا أسعى أبداً للارتباط برجل مرتبط بامرأة أخرى." احمر وجه فراس وقال: "ولكنه انفصل عن نيكول." "لا فرق عندي، الرجال المرتبطون أو المتزوجون خط أحمر لا أتخطاه أبدًا." وانتظرت تعليقه كاتمة أنفاسها. فقال بكآبة: "كاميليا لم تشتكي." تنهدت زينة بتعب: "لكل منا شخصيته." رفع رأسه وقال بصراحة: "أنا متزوج من أخرى." "أعلم."
"لا أجعل شيئًا ينقصها أبدًا، كل ما تطلبه مجاب، أي شيء تحتاجه عندها، أنا قادر على إعالة أكثر من زوجة." "أعلم هذا أيضًا، ولكن ليس هذا كل شيء في الزواج." لم تكن تريد الخوض في مثل هذا النقاش، وتمنت لو يظهر أحد ليقاطعهما. ولكنه يقف وينتظر أن تتابع:
"قد يكون لديك المال والصحة التي تجعلك قادرًا على إعالة أكثر من زوجة، ولكن هذا لن يجعلك قادرًا على تطيب جراح قلب امرأة جعلته ينزف ألمًا بسبب غدرك به. ماذا يعني لها المال والمنزل الكبير وحبيبها لا يراها تصلح إلا لكي تكون مشروعًا للاستيلاد وخادمة له وللأولاد، في حين يذهب بعيدًا عنها بجسده ومشاعره ويبحث عن المتعة في أحضان غيرها؟ وماذا يعيب حضنها هي؟ أليست إنسانًا تحتاج للشعور بنفس الإحساس؟
وإن كنت لم تحبها ولا تريدها، فلماذا تزوجتها؟ قال حميد بحنق: "إنها لم تفهمني أبدًا، وأنت صغيرة لكي تستوعبي شيئًا كهذا." ردت بحنق مماثل:
"نعم أنا صغيرة ولم أختبر الحياة مثل غيري، ولكن في النهاية وصلت إلى هنا. ولكني لست وحدي هنا، كاميليا ونيكول وجليلة ونبيلة ونجلاء جميعهم هنا، في نفس المنطقة التي أقف فيها الآن. ولكني أقف وحدي في جانب الأمان وهم غارقون في الأوحال. آسفة لأنني ساويت بين كاميليا وجليلة وبين غيرهم، ولكن كما يقول المثل، كل الطرق تؤدي إلى روما. أياً ما كان الطريق الذي نختاره للوصول إلى هدفنا، فهو يؤدي إلى نفس المكان وينظر إلينا بنفس النظرة العرجاء. جميعنا جسد للمتعة."
قال بلهفة: "لا، أنت مختلفة." "عنهن نعم، وأنا أفخر بذلك. ولكني لا أختلف شيئًا عن زوجتك الأخرى ولا عن شقيقاتك ولا عن والدتك وبنات جيرانك وعائلتك. لو نظرت جيدًا لرأيت الكثيرين مني في كل مكان، ولكنك ترى الأمر من منظور ضيق. البريق هو ما يخطف بصرك، أنا لست حقًا مميزة بين من هن مثلي." قال: "الفتاة التي تقتل لكي تحمي شرفها هي حقًا مميزة." شحب وجه زينة ونظرت إليه:
"أي فتاة شريفة ستفعل كما فعلت، وستقتل إن اضطرت لهذا لكي تدفع عن نفسها الشر." أطرق برأسه بحزن: "أردت أن أكون حاميًا لك." "ما فعلتموه من أجلي يكفي." "هل مازلت تحبينه؟ "من؟ "ذلك الشاب الذي خدعك."
"لا أستطيع الجزم بأنني كرهته، كما أنني عاجزة عن كراهية أختي كذلك. شعرت بالغضب والقهر منهما، هذا هو وصف إحساسي تجاهه حاليًا. ولكن أحيانًا أتمنى لو يكون بريئًا، ربما أنا في حاجة لذلك حتى لا أكره الدنيا والناس، ولكي أشعر بأن ما زال هناك حب حقيقي وليس فقط غش وخداع." هز فراس رأسه متفهمًا وقال: "نعم أفهمك، وأتمنى حقًا أن تجدي من يستحقك ويعوضك." "شكرًا لك." قال محاولاً المزاح:
"سأذهب لأنام، كاميليا كانت تعاني صداعًا نصفيًا، أخذت مسكنًا ونامت مبكرًا. تصبحين على خير، فغدًا لدينا موناكو." أبتسمت له وهي تشعر بالراحة لانتهاء الأمر. "تصبح على خير." ها قد تخلصت من إحدى العقبات، ولم يتبق أمامها إلا حميد، وعندما يطلب سماع ردها. حملت كوب القهوة الذي تركه فراس على الأرض، وعادت إلى داخل القارب، وتركته في المطبخ وذهبت إلى غرفتها مباشرة.
ظنت زينة أنها ستسقط في النوم سريعًا، لأنها قد استيقظت مبكرًا، وما حدث تلك الليلة أنهكها نفسيًا. ولكنها لم تستطع فعل شيء سوى التقلب في الفراش بعدم راحة. وكانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بساعتين على الأقل، عندما سمعت صوت طرقات على باب غرفة آدم. كتمت أنفاسها وأرهفت السمع. توقفت الخبطات للحظات ثم تعالت من جديد. أبتسمت زينة بحقد. إنها جليلة بالتأكيد، ويبدو أن آدم يرفض أن يجعلها تدخل إلى غرفته. وتمتمت زينة بتشفي:
"أحسن، تستحقين ما يحدث لك أيتها الوقحة عديمة الأخلاق."
وقفت عن الفراش وذهبت إلى الباب ووضعت أذنها عليه تستمع بطرب إلى خطوات جليلة وهي تبتعد. لم تجرؤ على الإلحاح عليه خوفًا من أن يسمعها أحد، وخاصة زينة. وعندما اطمأنت إلى رحيلها، فتحت الباب وخرجت راغبة في صنع كوب من اللبن الدافئ قد يساعدها على النوم. مرت من أمام باب غرفة آدم في نفس اللحظة التي فتح فيها بابه ووجدها أمامه. توقفت ونظر هو إليها بدهشة. كان النور خافتًا، فأخفى احمرار وجهها. "زينة؟ أهذا أنت؟ قالت بابتسامة:
"نعم، لم أستطع النوم." أقترب منها في خطوتين: "فكرت بأن الطارق شخص آخر لهذا لم أفتح الباب. لو كنت أعلم أنها أنت... فتحت فمها لتصحح له الخطأ، ولكنه لم يمهلها الوقت لتفعل، فقد سحقها على الجدار قائلاً بشغف: "أنا أيضًا لم أستطع النوم، لقد جفاني منذ اليوم الأول الذي سكنت فيه بجواري. كم تمنيت لو تأتين إلي، لا تعرفين كم تمنيت ذلك."
حاولت زينة دفعه عنها، وقد انعقد لسانها من الصدمة. سمع صوت باب يفتح ويغلق، فسحبها إلى داخل غرفته وأغلق الباب بسرعة. فقالت تحاول الشرح: "لا، ليس أنا من... ولكنه وضع كفه على فمها يمنع صوتها عن الخروج، وقال هامسًا وهو يبعدها عن الباب: "ششش، هناك شخص مستيقظ قد يسمعنا." تيبس جسدها فزعًا، فقد يكون هذا الشخص جليلة، ولو رأتها هنا لحدثت فضيحة هي في غنى عنها الآن، فهي لا تريد المزيد من التعقيدات. وعاد يهمس: "تعالي."
سحبها معه إلى الفراش وهي تقاومه بصمت خشية أن يسمعها أحد إن هي صاحت. حاول تمديدها على الفراش، ولكنها تخشبت في جلستها وانكمش جسدها، وقد بدأ الذعر ينتابها. فقال محاولًا تهدئتها بصوت يختلج بالمشاعر: "أعدك أن لا أؤذيك." وعندما امتدت يده إلى جسدها يتلمسه، شهقت بصوت عال ودفعته عنها بعنف، فتراجع إلى الخلف ونظر إليها مرتبكًا متأملاً الرعب على وجهها، قائلاً: "لا تخافي حبيبتي، أنا لن أؤذيك أو أجبرك على شيء لا تريدينه."
تراجعت عنه وراحت تقف ببطء وحذر، وعيناها مترقبتان لأي حركة قد يقوم بها باتجاهها. كان ينظر إليها بحيرة. وعندما أصبحت بعيدة عنه وقريبة من الباب، وظل هو جالسًا مكانه لم يتحرك، فارقها جزء من خوفها. وقالت وجسدها يرتجف من الخوف والغضب معًا: "لم يكن أنا من طرق بابك، وما كنت لأفعل أبدًا." شحب وجه آدم. فتابعت وشفتها ترتجف والدموع تهدد بالانهيار من عينيها: "كنت أرغب فقط في كوب لبن دافئ يساعدني على النوم، ولم أكن أرغب بشيء آخر."
ظل جالسًا في مكانه، وقد أظلم وجهه بنظرة غضب عنيفة، وقال بعد لحظة صمت من بين أسنان مطبقة: "اذهبي من هنا حالا." فتحت الباب بسرعة وكأنها كانت تنتظر الإذن منه. عادت إلى غرفتها وأغلقت الباب، ومزيدًا من الحرص دفعت بالطاولة الخشبية الصغيرة وراءه، ومن ثم تركت لدموعها العنان. إنها الآن مضطرة للرحيل. صعب أن تظل بينهم بعد كل ما حدث. ثم فكرت: ما زال هناك عرض زواج حميد. ***
مدينة مونت كارلو بإمارة موناكو هي وجهة الأثرياء ومرسى اليخوت الأشهر في العالم. رأت زينة العشرات، بل المئات من اليخوت والقوارب بكل الأشكال والأحجام، والسفن السياحية التي تبدو كمباني عملاقة تطوف فوق سطح الماء. ورغم فخامة المنظر والخلفية الجبلية المهيبة للمدينة الساحلية، إلا أن زينة لم تكن تشعر بالفرح والحماس كما كانت تفعل عند كل مرفأ ومدينة يقفون عندها. وكذلك كان حال الجميع.
لم يكن أحد يتحدث إلى أحد. الكل صامت ومتجهم ولا يطيقون النظر إلى وجوه بعضهم. ستودعهم زينة قريبًا، كما ودعتهم نيكول منذ ساعة قبل أن تترك القارب بصحبة حميد الذي عرض أن يقوم بتوصيلها بنفسه إلى المطار. "زينة." أستدارت مجفلة إلى بيدرو قائلة بحدة لا لزوم لها: "ماذا؟ ماذا تريد مني؟ تراجع الشاب مذهولاً وقال: "أنتِ أيضًا؟ ماذا حدث للجميع؟ لما الكل غاضب هكذا؟ زفرت زينة وقالت بأعتذار: "آسفة يا بيدرو."
كانت آسفة حقًا. فبيدرو على علاقة حب مع فتاة إسبانية ويخططان للزواج. إنها العلاقة الصحية والصحيحة الوحيدة التي قابلتها حتى الآن. فسألته: "ماذا كنت تريد؟ "كنت سأسألك إن كنت أنهيت ترتيب الغرف." "آه نعم، لقد أنهيت تنظيفهم." "هل ستقيمين معهم في الفندق أم ستبقين هنا معي؟ "لا أعرف، لم يقولوا لي شيئًا بعد."
وهبط قلبها بين ضلوعها وهي تفكر إلى أين سوف تذهب عندما تتركهم. فبعد ما حدث من آدم ليلة أمس، لم يعد بقاؤها محمودًا. وكانت ما زالت مترددة بقبول عرض زواج حميد. هز بيدرو كتفيه وعاد إلى كابينة القيادة، وعادت زينة لتتأمل المنظر من حولها وتفكر. ***
تم الحجز لهم في فندق الأرميتاج. حاولت زينة الحديث مع آدم لتخبره بأن لا داعي ليحجز لها غرفة، فهي عازمة على الرحيل. ولكنه لم يعطها الفرصة للكلام معه، فقد كان تقريبًا يتجنبها، وكانت هي أيضًا تجد صعوبة شديدة لمجرد النظر إلى وجهه.
ولم يتوقف الإحراج عند آدم وحده، كان هناك فراس أيضًا. صحيح أنه حافظ على ابتسامته الطيبة وتهذيبه معها، ولكنه في نفس الوقت كان متباعدًا ويتجنب الكلام معها بعفوية كعادته. ولم يتبق سوى حميد. ومن حسن حظها لم يعد إلى القارب بعد أن أخذ نيكول إلى المطار، وما سمعته أنه سيلقاهم بالفندق. كاميليا وجليلة كانت حالتهما متباينة. جليلة كانت هادئة وبدت في حالة تفكير عميق. وكاميليا ما زالت تتحجج بألم رأسها لكي تبرر سبب شحوب وجهها.
تسلم الجميع مفاتيح غرفهم، وسارت زينة إلى المصعد وبيدها حقيبتها الصغيرة، فلم تكن بحاجة لحمال من أجلها. كانت غرفتها تطل على المرفأ، فجلست على حافة الفراش. وعندما طرق باب غرفتها، نهضت لتفتحه. "كيف الحال؟ أحمر وجهها عندما وجدت آدم أمامها وقالت: "الحمد لله." "هل ستسمحين لي بالدخول؟ نظرت إليه بحدة. فقال بتجهم: "ليس في نيتي أي سوء."
تراجعت لتسمح له بالدخول، وتوجه مباشرة إلى الشرفة. ولحقت به زينة، فأشار لها لتجلس، ثم احتل المقعد المواجه لها، وقال دون مقدمات: "ما حدث بالأمس كان سوء فهم في منتهى الغباء مني، ما كان يجب أن أتسرع بالاستنتاج. وأنا أعتذر بشدة عن فرض نفسي عليك بتلك الطريقة." أزداد وجهها احمرارًا وأطرقت برأسها محتارة بماذا يجب أن ترد. فتابع:
"لن أدعي أنني لم أكن في كامل وعيي، ولا أنني لم أكن أقصد كل كلمة قلتها. أنا أردتك حقًا وما زلت أريدك، وسأقبل بجميع مطالبك، وسوف أعطيك كل الوقت الذي تحتاجينه كي تعتادي علي وعلى فكرة أن نكون معًا." رفعت وجهها إليه وحدقت في وجهه بصدمة، وقالت: "ما الذي تطلبه مني بالضبط؟ هل هو عرض زواج؟ لقد بدا وكأنه ليس كذلك. أيريد علاقة بدون زواج؟ سيكون شيئًا غريبًا ليصدر عنه، خاصة وهو يعرف جيدًا طريقة تفكيرها." هزم ما بين
حاجبيه وقال بجدية شديدة: "لا أعرف، دعنا نقول لنبقى معًا كفترة تعارف. فكرة الزواج كنت قد ألغيتها من عقلي منذ زمن، وإعادة التفكير فيها صعب حاليًا، ولكن... ولأكون صريحًا معك، حاجتي إليك قوية وفكرة ابتعادك عني تؤرقني. ربما نزعة الحماية لدي هي التي تدفعني للإحساس هكذا نحوك، ولكن واقعيًا، أجد صعوبة في أن أتركك تبتعدين." أصبحت الآن في حالة ذهول تام وحيرة شديدة، وقالت وهي تهز رأسها وتسأله بإلحاح: "ماذا تريد مني؟
أنا لا أفهم." سحب مقعده إلى الأمام فجأة مقتربًا منها حتى أن ركبتيه لامست ركبتيها، ومد يديه وأمسك بيدها وقال: "فقط أن تكوني معي. لن أطلب منك شيئًا لا تريدينه، كصديقين مثلاً، ما رأيك؟ ردت بحذر: "صديقين؟ "نعم، وبدون علاقة جسدية إن كنت لا ترغبين بذلك. ليس لديك مكان تذهبين إليه ولا أحد تلجئين إليه، فأبقي معي." هل تثق به؟ هل تعطيه وتعطي نفسها فرصة ليتعارفا كما يقول؟
هو لم يعرض عليها الزواج كما فعل حميد، وكما لمح له فراس، وكان صريحًا معها كاشفًا أمامها مشاعره بدون كذب أو تصنع. ولكن حميد قدم لها عرضًا حقيقيًا مباشرًا، وكذلك فراس. فما الذي يجعلها تقبل بعلاقة غير واضحة المعالم وترفض الآخران؟ فما حقيقة ما تشعر به تجاهه؟
كان ما زال يحتفظ بيديها بين يديه ويضغط عليها. فنظرت في عينيه مباشرة لأول مرة منذ الأمس، ورأت الترقب في نظراته. إنه مهتم بردها، ويبدو أن موافقتها تعني له الكثير. فقالت، تدفعها ثقة لا تعرف كنهها: "حسنًا، أقبل." رمش بعينيه وكأنه تفاجأ من ردها، أو كما لو أنه لم يتوقع موافقتها السريعة على طلبه. ومن ثم أبتسم براحة. وكالعادة، كلما أبتسم تتغير ملامح وجهه القاسية وتأخذ شكلاً جذابًا آثر. وقال:
"شكرًا لقبولك بي ولثقتك في، وأعدك بأنك سوف تكونين معي بأمان ولن أجبرك على شيء أبدًا." حاول أن يقربها منه لمعانقتها، ولكنها أرجعت رأسها إلى الخلف ورمقته بنظرة قلقة ومتجهمة. فقال ضاحكًا وهو يتراجع: "حسنًا، لا عناق بدون التزام." صححت له قائلة بعبوس: "بل لا عناق بدون زواج." لم تختف ضحكته كما توقعت، بل اتسعت ولمعت عيناه قائلاً: "لك ما تريدين." ثم غمز لها بعينيه مازحًا، ثم وقف وقال:
"سأتركك ترتاحين وسوف أنتظرك بالأسفل لنتناول الغداء معًا." عبست مترددة. فقال: "يجب أن تعتادي على فكرة أنك جزء من حياتي وليس مجرد موظفة عندي." أبتلعت ريقها بصعوبة وقالت: "وماذا عن الآخرين؟ قال بقسوة: "وماذا عنهم؟ لا أحد منهم وصيًا عليك أو علي." قالت بخفوت: "وجليلة؟ "قريبًا سوف تفهم، إن لم تكن قد فهمت حقًا، أن لا وجود لها في حياتي ومنذ سنوات." ترددت للحظات ثم قالت:
"عندما نقرر الزواج، أو أقصد إذا ما حدث وقررنا ذلك، هل تقوم بخطبتي من أبي؟ وعندما رأته يعبس قالت: "سيفرق هذا معي كثيرًا، ما زلت أشعر بالذنب لأنني أتجاهل العائلة التي تبنتني واحتضنتني." "إنهم يعرفون أنك بخير، ومن مصلحتك عدم التحدث إليهم والتواصل معهم في هذه الفترة، وكما قلت لك، لقد أرسلت من يطمئنهم عنك." ثم زفر بقوة وقال وهو يرى كآبتها: "ولكن أعدك أن ألبي لك طلبك عندما يحدث."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!