أخذ آدم دوره مأخذ الجد منذ البداية ومر عليها في غرفتها كي يصطحبها إلى الغداء برفقة الآخرين. كانت قد ارتدت سروالها الجينز الوحيد وعليه القميص الأزرق الشاحب الذي سبق وأن أعارتها نيكول إياه ورفضت فيما بعد استرجاعه وأصرت على زينة أن تحتفظ به. جمعت شعرها ورفعته أعلى رأسها بمشابك الشعر لتعطيه مظهرًا راقيًا تعويضًا عن ملابسها العادية. بمجرد خروجهما من المصعد قبض آدم على كفها بيده وقربها منه.
تلونت وجنتاها بحمرة الخجل وهما يقتربان من الآخرين وهي تكاد تشعر بنظراتهم الحادة وهي مسلطة عليها وعلى يدها القابعة في يد آدم. كان المطعم يطل على جبل مونت كارلو وهو أحدى سلاسل جبال الألب ويقع على حافتها. خصصت لهم مائدة على الشرفة الواسعة وكانت ذات إطلالة مميزة ولكن زينة لم تكن تشعر بالراحة التي تجعلها تستمتع بالمنظر الخلاب أمامها.
فقد حرص آدم على الجلوس في المقعد المجاور لها واضعًا ذراعه معظم الوقت على ظهر مقعدها وكأنه بذلك يعلن للجميع ملكيته لها. وعندما وجدت الشجاعة للنظر إلى الآخرين رأت أولًا الحزن على وجه فراس والسخرية في عيني كاميليا. حميد كان غاضبًا يتململ في جلسته وكأنه على وشك الانفجار في أية لحظة. جليلة كانت غريبة. توقعت زينة أن تراها غاضبة ولكنها على العكس بدت هادئة ومرحة وهذا أقلقها أكثر.
لم يجرؤ أحد على توجيه الكلام المباشر إلى زينة أو ربما يكون الوضع الجديد مربكًا مما جعلهم حائرون في كيفية التصرف معها. "حبيبتي؟ الم يعجبك الطعام؟ كادت زينة أن تشرق وهي تبلع ريقها ونظرت إلى آدم مجفلة ورأته يبتسم لها ببراءة فقالت بتلعثم: "الطعام جيد شكراً." قرص وجنتها بتحبب فأشتعل وجهها وألقت نظرة سريعة حولها ووجدت كل العيون تراقبها. لمعت عينا جليلة بغضب ولكن سرعان ما أخفته ببراعة.
وقد بدا فراس مذهولًا في حين ألقى حميد بشوكته في الطبق ووقف يقول بعصبية: "لقد اكتفيت." ثم وقف وتابع بحنق: "سوف أعود إلى الفندق." وانصرف كطفل صغير غاضب فابتسم آدم ساخرًا وعاد ليتابع تناول طعامه بهدوء وفتح نقاشًا جادًا مع فراس يخص العمل. مما أعطى فرصة لزينة لتفكر في الهدف من وراء ما يفعله آدم. هي ليست غبية لتعتبر تصرفاته معها عفوية. اصطدمت عيناها للحظات بعيني فراس وقرأ كل منهما نفس الحيرة في عيني الآخر. ***
تركها آدم أخيرًا وحدها وسمح لها بالصعود إلى غرفتها لترتاح قبل سهرة المساء والتي قال أنها ستكون مفاجأة لها. أخيرًا سترتدي فستان السهرة الجديد. أخرجته ووضعته على الفراش بحرص شديد ووضعت بجواره حقيبته الصغيرة ثم أخرجت الحذاء الذي كان وجهه عبارة عن شرائط تنتهي برباط فوق الكاحل بقليل. كانت حقًا سعيدة فقد كان آدم مرحًا وكثير المزاح معها وأولاها كل اهتمامه طوال فترة النهار ولم يترك جانبها أبدًا.
تناولوا العشاء في مطعم الكازينو والتي اكتشفت زينة أنه كازينو للقمار وألعاب الورق. فسدت سعادتها على الفور فهي تخيلت أنها سترى عروضًا راقصة وغناء لأشهر المغنين العالميين ولم تفكر أنهم ذاهبون للمقامرة. كما ساءها أن يوضع على مائدتهم شراب النبيذ وقد ظل حميد يتجرع معظمه حتى شكت زينة بأنه أصبح في غير وعيه.
فقد راح يتصرف بوقاحة وينظر إليها نظرات لم ترق لها وخشيت أن يثير غضب آدم ولكنه على العكس كان يبدو في أفضل حالاته المزاجية. رفضت زينة أن تشارك بالمقامرة رغم أن الجميع فعلوا ما عدا هي وفراس. وقد عرض عليها آدم فيشات لترَاهن بها ولكنها رفضت ووقفت بعيدًا عنهم تتساءل إن كانت ستتحمل الوزر معهم أم لا. سوف تتناقش بهذا الأمر مع آدم فيما بعد لتضع حدودًا لما هو مسموح لها بالمشاركة به معهم.
فوجأت زينة بشخص يسحبها من ذراعها ويسير بها بعيدًا عن الآخرين. ولم تستغرب عندما وجدت أنه حميد فقالت بهدوء وهي تسير بجواره بسرعة جعلتها تلهث: "لا يجب أن نبتعد عنهم." قال بغيظ: "هل تخافين من اغضابه.. هل يخيفك أنتِ أيضًا؟ كانا قد وصلا إلى مدخل الكازينو فوقفت بعناد وجذبت ذراعها من يده وقالت: "أنت في غير وعيك." قال بحنق: "أنتِ من دفعتني لذلك." رقت نظراتها وقالت: "أرجوك لا داعي لأن نتتشاجر." رقت نظراته بالمثل وقال:
"لماذا هو وليس أنا؟ لقد قدمت عرضي أولًا." قالت بتوتر: "وما أدراك بذلك؟ صاح بغضب: "اللعنة عليه.. لأنني أطلعته على نواياي تجاهك قبل أن أفاتحك بالأمر.. وأتعلمين ماذا قال؟ بهت وجه زينة وهو يتابع:
"قال أنك لا تستحقين حتى مجرد نظرة من رجل مثلي وطلب مني أن أتركك وشأنك وأبحث عن من تليق بي حقًا.. ولكن انظري ماذا فعل.. التفت من ورائي ليأخذك لنفسه.. حتى فراس لم يصدق ما فعله فقد كانت نيته كما أخبره أن يرسلك إلى أمه لتعملي كمرافقة لها بعد أن تنتهي الرحلة.. لم يحسسنا ولو لمرة أنه يهتم لك ويرى أنك جديرة بأحدنا." أصبحت أطرافها باردة وأنتابها إحساس بالغثيان. هل خدعها ليبعد صديقه عنها؟
ألَا تنتهي سلسلة الخداع التي تعيشها مع كل شخص توليه ثقتها وتفتح له قلبها؟ أما من نهاية لسذاجتها وغبائها؟!!!!!!!!!!!! رأته قادمًا باتجاههما بخطوات سريعة وغاضبة فأبتلعت ريقها وأجلت حنجرتها ورسمت ابتسامة على شفتيها فقال وهو ينقل نظراته بينهما بحدة: "ماذا تفعلان هنا؟ قال حميد بتحدي وهو تقريبًا يترنح: "كان لي طلب عند زينة وأردت معرفة ردها عليه.. هل لديك مانع؟ ضم آدم شفتيه بقوة دليلًا على ضيقه ثم نظر إلى زينة وقال بجفاء:
"وهل أعطيته ردك؟ نظرت إليه بهدوء وقالت: "كنت على وشك فعل ذلك؟ يبدو أن طريقتها لم تعجبه فقد عقد حاجبيه ووقف متوترًا وقال: "حسنًا.. هيا أخبريه بردك." للحظات أرادت أن تسحب البساط من تحت قدميه وتعلمه درسًا يجعله يبتلع غطرسته تلك إلى الأبد وذلك بالموافقة على الزواج من حميد. ولكنها لا تستطيع فعل ذلك. فسوف تكون عاجزة عن الاستمرار في تحديها وأن تصبح مخادعة مثله وتؤذي مشاعر حميد ويكفي ما أحدثته من فوضى في حياتهم.
فنظرت إلى حميد وقالت بحزن: "آسفة حقًا أن أرفض عرضك الذي شرفتني به.. لقد كان الشيء الوحيد الحقيقي والصادق الذي قيل لي منذ زمن.. شكرًا لك." ورغمًا عنها امتلأت عيناها بالدموع. التوى وجه حميد بمرارة ونظر إلى آدم وقال: "أرجو أن تكون سعيدًا الآن." لقد لمحت وجه آدم وهي تعلن رفضها لحميد وكانت الراحة والرضا جليان على وجهه. ولكن نظراته احتَدت وهي تنهي جملتها فهل فهم أنها تعرف بأنه لم يكن صادقًا معها؟ تابع حميد بتعب:
"سوف أذهب لأجرب حظي مع إحدى موائد الروليت ما دام لم يعد لي حظ مع النساء هذه الأيام." ثم تركهما وعاد إلى داخل الكازينو. قال آدم: "هيا بنا نعود إلى الآخرين." قالت زينة وقد شعرت بصدرها يضيق منه ومن المكان: "ألا يمكن أن أعود إلى الفندق فالجو هنا ليس لي ولا يناسبني." عبس بشدة وكأنه ضجر منها فجأة: "حسنًا.. هل تستطيعين العودة بمفردك؟ غامت عيناها بحزن وقالت بسخرية مرة قد لا يكون قد انتبه إليها: "نعم أستطيع.. لا تقلق بشأني."
خرجت من الكازينو ولم تنظر خلفها لترى إن كان يتابعها بنظره أم أنه عاد إلى الداخل راضيًا عن نفسه لأنه تخلص منها أخيرًا. حتى البكاء لم يعد يجدي نفعًا. قلبها كان يتألم وسألت نفسها بمرارة. منذ متى تعلق قلبها بآدم؟ كانت تنظر إليه على أنه مجرد وسيلة للأمان تعلقت بها. وكان الوحيد بين الثلاثة غير مرتبط فلم تشعر بأنها تغدر بامرأة أخرى عندما وافقت أن ترتبط به. يا لغبائها. عن أي ارتباط تتحدث؟
لقد صاغ لها بضعة كلمات تاه عقلها بين حروفهم ولم تخرج في نهاية اتفاقهما بشيء واضح ومفهوم إلا بكلمتين ( نصبح أصدقاء ) لا وعد حقيقي بالزواج ولا تصريح جاد بأن ما يشعر به تجاهها هو حب صادق وحقيقي. قال أنه يريدها ولا يتحمل فراقها وأتضح لها أنه يفعل ذلك ليبعد صديقيه عنها. كانت تستطيع أخذ سيارة أجرة إلى الفندق ولكنها فضلت المشي قليلًا وحدها. يجب أن تعتاد على الوحدة. أن تسير دون قلق من الناس والخوف من الأماكن الغريبة.
وفجأة انفجرت في البكاء من دون سابق إنذار وهي مستمرة بالسير. لا ترى من خلف ضباب الدموع نظرات الناس المستغربة إليها. بدت في عيونهم كطفل تائه من والديه ويثير الشفقة. توقفت بعد فترة عن المشي وعن النحيب وجففت دموعها بطرف حاشية ثوبها ولم تبالي لاتساخه فقد كرهته ولم تعد معجبة به. حتى أن آدم لم يمتدحه ولم يقل لها أنها رائعة فيه كما تمنت أن تسمعه يقول.
نفخت فيه أنفها أيضًا وعندما رفعت رأسها وجدت زوجين عجوزين ينظران إليها باشمئزاز فرفعت رأسها بتكبر ومرت من أمامهما غير مبالية. وجدت نفسها أمام واجهة محل يبيع المثلجات ودون تفكير دفعت الباب ودخلت. وأمام واجهة العرض طلبت من البائع أن يعطيها أكبر قطعة مثلجات لديه. نظر إليها البائع بابتسامة وكان رجلاً أنيقًا متوسط العمر وقال بالفرنسية مازحًا: "الآيس كريم يساعد على حل المشاكل العاطفية." ابتسمت له بوجهها الملطخ بالزينة:
"نعم ربما يفعل." "بأي نكهة تريدينه؟ "من كل شيء ما عدا الليمون.. وأكثر من الشيكولا." خرجت من المحل وأستأنفت السير من جديد وهي تلعق الآيس كريم وكان طعمه لذيذًا وباردًا جدًا وقد هدأ من بؤسها قليلًا. وصلت إلى إحدى الساحات وكان يتجمع فيها مجموعات من الشباب والسياح يمرحون ويتمازحون فجلست بجوار مجموعة منهم يغنون يصاحبهم شخص يعزف على الجيتار وقررت أن تتفاعل معهم وتمرح مثلهم وتترك الكآبة والغم لما بعد.
ناولتها فتاة كانت تجلس بجوارها منديلًا ورقيًا وأشارت إلى وجهها بإشارة ذات مغزى. ابتسمت لها زينة وراحت تنظف وجهها وراقبتها الفتاة وما أن انتهت حتى رفعت لها إبهامها علامة إعجاب وعادت الفتاة لتلحق باللحن مع أصدقائها وزينة تصفق بمرح وتضحك دون سبب. مر الوقت على زينة وهي لا تراقبه وبدأت الأعداد تتضاءل من حولها فشعرت أنها تأخرت وقد حان موعد عودتها إلى الفندق. وما أن وقفت وبدأت في توديع رفقائها حتى سمعت صوتًا
يصيح وهو يتجه نحوها: "زينة." رفعت وجهها بدهشة لتجد فراس يسرع الخطى نحوها ووجهه شاحب من القلق فقالت: "ماذا؟ قال معاتبًا: "كنا نبحث عنك منذ ساعات وكنا نظن أن مكروهًا ما قد حدث لك.. وآدم يكاد يجن من شدة القلق." عند ذكره لآدم قست نظراتها وسألته بعدم اهتمام: "وهل عدتم مبكرًا من الكازينو؟
"لا.. اتصل آدم بغرفتك في الفندق ليطمئن إلى أنك وصلت بأمان وعندما لم تجيبي لعدة مرات عاد إلى الفندق وحده ولم يجدك هناك.. اتصل بي وخرجت للبحث عنك معه وتركت كاميليا وجليلة بصحبة حميد الذي كان تقريبًا فاقدًا للوعي من كثرة الشرب." "لا داعي لقلقكم.. لم أجد في نفسي رغبة للعودة إلى الفندق مبكرًا فتمشيت قليلًا وجلست هنا مع الشباب." "حسنًا.. دعنا أولًا نطمئن الجميع إلى أنك بخير."
وخلال ذلك كان قد أخرج هاتفه المحمول وتحدث إلى آدم وزينة تفكر ساخرة. لا يمكن أن يكون قلقًا عليها حقًا وإنما يقوم بالتمثيل لإقناع أصدقائه باهتمامه بها. وهنا تذكرت ذلك اليوم في ميلانو والذي غادروا فيه الفندق وتركوه خلفهم وكيف تخلف آدم عن الرحلة وعاد ليبحث عنها. وقتها شعرت بأنه يهتم بها حقًا ويخاف عليها وأثبت لها ذلك ببحثه عن والدها وطمأنته عليها وشعرت تجاهه حينها بعاطفة قوية.
لم تحللها ولكنها أعطتها شعورًا بالأمان وبأن هناك من تستطيع الاتكال عليه وأنها ليست وحيدة. فما الذي حدث؟ قال فراس قاطعًا عليها أفكارها: "هيا بنا." سارت بجوار فراس وأمام الرصيف كانت سيارة أودي بيضاء تقف ونزل منها آدم ورأت وجهه عاصفًا من الغضب فأنكمش جسدها رغما عنها من الخوف وتعلقت بذراع فراس بشدة. ربت فراس على يدها الممسكة بذراعه يطمئنها. وجاء صوت آدم هادرًا: "أين كنت؟ ولماذا لم تعودي إلى الفندق كما قلت؟
أصبحت بين ذراعي فراس دون أن تدري كيف وهو يضمها إليه ويصيح في وجه آدم: "توقف عن إرهابها.. كانت تقضي وقتًا ممتعًا وهذا من حقها وإن كنت تهتم لأعطيتها هاتفًا حتى تستطيع الاتصال بها." تحول غضب آدم إلى فراس وهو ينظر إلى ذراعيه التي تحاوطها وتضمها إليه: "لا تتدخل أنت." ثم جذب زينة من بين ذراعيه بقوة مما جعلها تصطدم بصدره بعنف وظنت للحظات أن فراس سيجذبها منه بدوره ولكنه بدل من ذلك ضم قبضتيه بشدة وقال بحدة:
"للمرة الألف أقولها لك.. يومًا ما سيجعلك غضبك هذا تخسر الكثير." لم يقل آدم شيئًا واستدار فراس وانصرف غاضبًا وبدلا من أن يستقل سيارة الأودي التي جاء بها آدم رأيته يشير إلى سيارة أجرة ويستقلها ويذهب. "لقد كاد أن يقع في حبك." نظرت زينة إلى آدم بحدة ووجدته ينظر إليها بحنق وتابع:
"كما هو حميد عبدًا لشهواته فإن فراس عبدًا لقلبه.. كلاهما لا يعملان عقليهما ويتركان المشاعر تقودهما. لا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي وقع فيها فراس في الحب لدرجة دفعته مرة للأقدام على الانتحار عندما كان مراهقًا. وحميد يدخل في علاقة وأكثر مع أكثر من امرأة ويتخيل أنه سيخسر الكون إن لم يحصل عليها." سألته بصوت مرتجف بائس: "وأنت؟ أمال رأسه إلى جانب واحد ونظر إليها بغموض: "أنا؟
أنا لا أعتبر أن لي قلبًا غير ذاك الذي يضخ دمي في شراييني.. قد
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!