رفع خالد جسده بصعوبة عن الفراش. صفى ذهنه خلال ثوانٍ فهب واقفاً على قدميه وهو يقول برعب: –زينة. بحث عن هاتفه ووجده في جيب سترته التي كانت ملقاة على المقعد. كانت يده ترتجف وهو يبحث عن الرقم الذي يريد، ولكن كل الأرقام التي أراد الوصول إلى أصحابها لم يجبه منهم أحد. زمجر بغضب والرعب يمسك بتلابيب قلبه. طلب رقماً آخر وكان لأحد الرجال الذين استعان بهم مؤخراً وسأله على الفور: –هل نفذت ما طلبت منك؟ أكد الرجل أسوأ مخاوفه:
–بالطبع سيدي، فعلت. صاح به بعنف: –أين يرسو اليخت الآن؟ –ما زال في ميناء أثينا. لم يضيع خالد الوقت. قطع الاتصال وطلب شركة الطيران ليحجز على أول رحلة إلى أثينا، وإن لم يجد سوف يأخذ طائرة خاصة. هم يريدونه هناك، أخذوها لكي يصلوا إليه. استقل سيارته يسابق الريح وهو يدعو الله أن يصل قبل فوات الأوان. لأول مرة يلجأ إلى الدعاء لله، يتضرع له كي يساعده. انسابت الدموع من عينيه وفاضت على وجهه وهو يتفادى السيارات ويضغط على دواسة
البنزين أكثر وهو يتمتم: –يا رب.. أنا أستحق أي شيء يحدث لي تكفيراً عن ذنوبي الكثيرة، ولكن زينة لا ذنب لها. إنها لم تفعل شيئاً لتستحق شخص مثلي أو ما سوف يحدث لها بسببي. يا رب.. يا رب ساعدني لكي أصل إليها قبل فوات الأوان. *** كانت مستلقية على وجهها ويداها ثابتتان بجوارها. بدأت تشعر بما حولها ولكنها ظلت مغلقة عينيها تحاول أن تستوعب ما يحدث ولتفهم سبب همدان جسدها، كما لو كان قد تم تخديرها.
تأوهت وهي تفتح عينيها وتحاول تحريك رأسها وتدريجياً بدأت تشعر بكامل جسدها. كانت تقريباً ملقاة في منتصف فراش ما وقدميها متدليتان على الأرض. أين هي؟ انقلبت على ظهرها فأغشى نور مصباح الغرفة عينيها. –خالد. ريقها كان جافاً فخرج صوتها متحشجراً. جلست بصعوبة تبتلع ريقها. –كلنا بانتظاره حبيبتي.
أدارت زينة رأسها بحدة إلى مصدر الصوت. كانت فريدريكا تقف في زاوية الحجرة بوجهها الجميل وشعرها الأشقر مشدوداً بشدة برباط خلف رأسها، وكانت ترتدي سروالاً من الجلد الأسود يظهر نحافتها الشديدة. تذكرت كل شيء. كانت مع خالد في غرفة نومهما واقتحم زوج تلك المرأة ومعه رجال آخرون المكان. صعقوا خالد بصاعق كهربائي ومن ثم أخذوها وفعلوا بها المثل. صاحت برعب: –أين أنا؟ ابتسمت لها قائلة: –أنت في نفس المكان الذي سبق وهربت منه من قبل.
أدارت زينة عينيها في المكان بعدم تصديق. اليخت مرة أخرى؟ وليس هذا فقط، إنها نفس الغرفة التي قتلت فيها الرجل الذي حاول الاعتداء عليها. قفزت عن الفراش وأسرعت إلى الباب وهي تردد بعصبية أقرب إلى الهيستيريا: –أنا لن أبقى هنا.. لما يحدث لي كل ذلك يا ربي؟ حاولت فتح الباب ولكنه كان موصداً. وقالت فريدريكا ببرود: –لقد تعلمنا من خطئنا السابق.. وسوف تجدين الحواجز أمامك على طول الطريق. استدارت إليها قائلة بعنف: –ماذا تريدون مني؟
–نحن لا نريد منك أنت شيئاً.. صديقك.. عذراً.. أقصد زوجك هو من نريد. ثم تأملتها بفضول وتابعت: –وكما هو واضح أنت الطعم الذي سيجعله يأتي خاضعاً ورغماً عنه سينفذ ما نريده منه.
راحت فريدريكا تتقدم منها وعيناها تتفحص جسد زينة بطريقة جعلتها ترتعد وتشعر بالحاجة لستر جسدها. حمدت الله أنها ما زالت ترتدي الثوب الأبيض الذي أصر خالد عليها أن ترتديه تعويضاً عن ثوب الزفاف الذي لم يستمتع بخلعه عنها بنفسه كما قال، ولم يكن قد حدث بينهما الكثير عندما اقتحم الرجال عليهم غرفة نومهما. –أتعجب حقاً لمدى تأثيرك عليه.. كيف استطاعت فتاة مثلك إغواء إبليس. مدت يدها إلى شعرها المشعث:
–تبدين عادية جداً.. جسدك صبياني نحيف وهو كان يفضل دائماً الأجساد الممتلئة في المناطق المعينة. ابتسمت بشهوة شيطانية وتابعت: –أنت تناسبيني تمام. اتسعت عينا زينة وجحظتا بشدة وتراجعت إلى الخلف وجسدها يرتعد. –أنت.. أنت لا تقتربي مني. تحول جمال المرأة في عيني زينة إلى وجه شيطاني مثير للرعب والاشمئزاز. ضحكت برقة وعيناها تلمعان بتسلية: –أنت مثل العصفور الصغير.. سأكون سعيدة باللعب معك.. نتسلى حتى ظهور رجلنا الوسيم.
التصق لسان زينة بحلقها وهي لا تصدق ما هي فيه وما تتعرض له من بشاعة ممن كانت تظنهم بشراً. لا يمكن أن يكونوا بشراً ولا حيوانات كذلك. فتح الباب من الخارج واصطدم بالجدار بعنف. وقف خالد بالباب ووجهه يعصف من شدة الغضب ورأى المشهد أمامه وحلله في لحظة. جسد زينة المنكمش والرعب والقرف على وجهها وفريدريكا التي وقفت قريبة منها ونظرة صياد منفّرة على وجهها. فصاح بها بغضب: –أبعدي يديك القذرتين عنها. ضحكت فريدريكا ساخرة:
–لا تكن طماعاً هكذا.. دعنا نتشاركها معاً فهي تبدو شهية جداً. وبقصد استفزازه تقدمت من زينة أكثر ولكنها لم تدرك أنها بذلك كانت تخرج أسوأ ما فيه. أمسك برقبتها وجرها إليه فجحظت عيناها وهي تنظر إلى الباب. فقال بشراسة: –لن ينجدك أحد مني.. فكما كنتم مستعدين لي كنت أنا كذلك مستعداً لكم. ثم أدارها بين ذراعيه وقبل أن تنطق بكلمة كان قد لوى رقبتها. واستمعت زينة إلى صوت كسرها فصرخت برعب.
تركها خالد لتسقط على الأرض جثة هامدة في نفس المكان الذي سقطت فيه جثة الرجل الآخر. نظر خالد إلى زينة المصدومة وقال: –زينة.. لا وقت أمامنا.. سوف ينفجر اليخت في أي لحظة حبيبتي هيا بنا. لاحظت أنه كان يحمل عند دخوله سترة نجاة أسقطها على الأرض. أخذها واقترب من زينة وأمرها بعجل أن ترتديها. قالت وهي ما زالت في حالة ذهول: –أنت قتلتها. –كانت ستقتلنا معاً إن لم أفعل. أنهى قفل السترة وسحبها إلى خارج الغرفة. فسألته:
–من سيفجر اليخت؟ –أنا.. كنت أعلم أنهم عندما يدركون انشقاقي عنهم سوف يسعون للخلاص مني أو إجباري على العودة، فاستبقت الأمر للتخلص منهم ومن شرهم أولاً. حمداً لله أنني وصلت إليك بسرعة. انفجار ضخم وقع في جزء ما من اليخت جعل جسديهما يندفعان ويسقطان على الأرض وتدحرجت زينة بعيداً عن خالد الذي وقف بسرعة وأسرع إليها يحملها على كتفه ويعدو بها إلى سطح اليخت وكانت النيران تنتشر بسرعة به.
صوت انفجار آخر كان أقرب إليهما وشعرت زينة بجسدها يرتفع عن كتف خالد ويطير من فوق حاجز اليخت في الهواء. لقد ألقى بها خالد وآخر شيء رأته وهي تهوي إلى الماء جسد خالد والنيران تبتلعه بداخلها. فتحت فمها لتصرخ باسمه ولكن شيئاً ما طار واصطدم برأسها في نفس الوقت الذي ارتطم فيه جسدها بالماء المالح. *** سألتها خالتها: –لماذا رفضت الزواج منه يا جنة؟ أنت تحبينه فلما رفضتيه بتلك الطريقة القاسية.
كانت قد أخبرت خالتها بما حدث بينها وبين حميد. –هو لا يعرف بحقيقة مشاعري نحوه ولن أجعله يعرف أبداً. هو لم يكن حتى يعرفني قبل أن يراني هنا.. لم ينتبه لي من قبل أبداً.. فكيف يمكن أن أصدق أنه أحبني حقاً. لقد صدته وقلت له لا وذلك هو السبب في طلبه الزواج مني.. لست غبية لأصدق. تنهدت خالتها وقالت: –أعرف ابني وأعرف مساوئه كلها ولكن أؤكد لك أنه هذه المرة صادق.. شيء ما تغير فيه.
–سوف نرى.. الأيام سوف تثبت لنا إن كان قد تغير بالفعل أم لا.. وهل سيعود لفجره وفسوقه أم سيلتزم وينصلح حاله. كانت من داخلها تدعو أن يكون قد تغير فعلاً. أحبته منذ سنين مراهقتها ولكنه كان مغروراً ومعتدّاً بنفسه لكي يلاحظ قريبته الصغيرة غير المهمة. كان يتألم قلبها وهي تتابع أخباره المشينة التي امتلأت بها الصحف وسيرته السيئة لدى الناس.
–مهما كان مدى حبي له.. فأنا لن أربط حياتي بشخص سيجعلني أتجرع على يديه القهر.. لي كرامتي التي سوف أصونها مهما كان رأي قلبي في هذا الأمر. *** سألها والدها بحزن شديد: –هل ما زلت مصرة على الطلاق يا أروى؟ ابتلعت ريقها وهي ترفع رأسها أمام والدها وكانا بحجرتها في بيت ذويها. –بلى.. أنا مصرة على الطلاق. –لقد اعتذر وقال إنه نادم على ما فعله. –فليندم لنفسه فقط.. لم يعد يعنيني في شيء.
جادلها والدها برقة فهو مثل كل الآباء يكره أن يرى خراب بيت ابنته. –فكري في أولادك. قالت: –لن يجوعوا ولن يشردوا.. لطالما كنت أربيهم وحدي وهو بعيد يبحث عن ملذاته.. لن يتغير شيء في حياتهما فوجوده مثل عدمه بالنسبة لنا. هز والدها رأسه قائلاً: –كما تشائين.. لله الأمر من قبل ومن بعد.
انسابت دموع أروى بعد خروج والدها. تبكي حبها.. تبكي كبرياءها.. تبكي سنين عمرها التي ضاعت بين الغش والخداع. ليس سهلاً عليها أن تترك فراس فرغم عنها كانت تحبه وما زالت ولكن إن بقيت معه بعد ما اكتشفته لن تحترم نفسها بعد ذلك أبداً. سوف تضحي بالبقية الباقية من كرامتها التي أهانها بقصد منه. هذا غير الغيرة التي تقتلها كلما فكرت وتخيلت أنه كان ينام في أحضان غيرها من النساء. آه لو يشعر كل الرجال.. كيف يحترق قلب أنثاه وتموت في
الثانية ألف مرة عندما ينتمي وليفها بجسده لغيرها.. لما فعل بها هذا. قد تتحمل المرأة أحياناً غدر الرجل من أجل الحفاظ على أسرتها واستقرار أبنائها ولكنها أبداً لا تغفر ولا تسامح والجرح الذي شق صدرها بسكين غدره يظل مفتوحاً لا تندمل جراحه أبداً.
*** صعد حميد إلى القارب لا يعرف إذا ما كان آدم سوف يتقبل وجوده بعد ما حدث بينهما أم لا. عرف من بيدرو أن آدم ما زال يرسو بالقارب في مونت كارلو وأنه رفض العودة إلى إسبانيا وأصر عليه أن يتركه وحده. وصف بيدرو حاله له بأنه صعب.. حزيناً ومكتئباً ولا يتحدث كثيراً. وقال إن زينة اختفت وأن آدم لم يستطع العثور عليها. أراد حميد أن يكون بجوار صديقه يتحدث معه ويخفف عنه همه ويساعده في العثور عليها.
صعق حميد عند رؤيته لآدم. الرجل القوي المعتد بنفسه المرفوع الهامة دائماً تحول إلى شخص ضعيف النظرات واهن الهمة بوجه شاحب وعينين خاويتين. نظر إليه وابتسم ابتسامة صغيرة ليس لها معنى وقال: –تعال.. لا تبدو بخير أنت أيضاً. سار حميد خلفه إلى الداخل وهو يتمتم: –هذا صحيح. نظر إليه آدم من خلف كتفه وقال: –فراس هنا أيضاً. تسمر حميد في مكانه وشحب وجهه. فتابع آدم: –تركته زوجته وهو في حالة يرثى لها. عبس حميد: –كاميليا؟
جاءه صوت فراس حاداً من الممر المؤدي إلى غرف النوم قائلاً: –بل أروى. ثم ضم شفتيه بقوة ثم تابع وهو يتقدم إليه: –أروى ما كانت لتسمح لك بمجرد النظر إليها. حميد بخفوت وهو مطرق الرأس: –أعرف. قال فراس: –وما كانت لتجعلك ترى خصلة من شعرها. –أنا متأكد من ذلك. –أروى ما كانت لتلوث شرفي مع أي رجل. حَدّق حميد وآدم فيه بصمت وكانا يعرفان أنه يعاني كثيراً خاصة عندما قال بلوعة: –إنها مصرة على الطلاق ولن تعود إلي مرة أخرى أبداً.
اقترب منه حميد بتردد يخشى أن يرفض مواساته له ولكن فراس كان بحاجة إلى من يطيب خاطره وكان حميد الأكثر ليناً من آدم ولا يخجل من إظهار تعاطفه. تعانقا بقوة وقال حميد وبحلقه غصة: –أنا آسف.. سامحني يا فراس.. كنت سيئاً جداً وأظن أنني أدفع الآن ثمن أخطائي. تركهما آدم وحدهما ليتصافيا، فاخبره حميد عن جنة:
–وجدت أخيراً فتاة جيدة جداً بالنسبة لي.. وأظن أنني أحببتها أكثر مما كنت أتوقع.. رفضها لي آلمني بشدة أكثر بكثير مما شعرت به عندما رفضتني زينة.. زينة كانت شيئاً جديداً تعلقت به وتعاملت معها على أنها جائزة يفوز بها الأفضل منا.. لقد غيرت نظرتي للنساء ولكن جنة غيرت نظرتي للحياة كلها. –أنت لا تستحقها.. كما أنا لا أستحق أروى وآدم كان أغبى من فينا. اعتدل حميد وقال: –سوف نساعده لكي يجدها. أغمضت عينا فراس وقال:
–زينة لم تضيع حتى نبحث عنها. سأل بدهشة: –أين هي إذن؟ –تزوجت. –ماذا؟!!! من؟ –تزوجت من خطيبها السابق. صرخ حميد باستنكار: –القواد؟ هز فراس رأسه بأسف: –نعم هو.. ونحن السبب.. وجدها بعد أن تخلينا عنها جميعاً وتركناها.. عاد آدم للبحث عنها وكانت قد اختفت ولما وصل إليها كانت قد تزوجته. شعر حميد بمزيد من الغضب من نفسه وحملها الوزر الأكبر لما حدث لها وقال بكدر: –وآدم.. لوى فراس شفتيه بمرارة:
–كما ترى حاله.. يتألم ويتوجع في صمت.. وينتظر. –ما الذي ينتظره؟ –ينتظر أن تعود إليه. جاء صوت آدم يكمل ما يقوله فراس: –وعدتها أن أظل هنا في انتظارها.. تستحق أن أنتظرها ما تبقى من عمري. وقف حميد واقترب منه ولم يتردد في معانقته كما فعل مع فراس. –لن تنتظر طويلاً للأسف.. فأنت تستحق أن تعاني وأنا لا أنوي أن أخفف عنك. استدار الثلاثة إلى مدخل حجرة الجلوس وصرخوا بصوت واحد وهم في حالة عدم تصديق: –زينة!!!
كانت تقف أعلى الدرج وقد نحفت كثيراً وكان هناك جرح في طريقه للشفاء أعلى جبهتها. وجهها بدا مرهقاً ونظراتها كئيبة وقالت: –هل لديكم عمل لي؟ .. فقد أصبحت وحيدة من جديد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!