الفصل 23 | من 26 فصل

رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم مايسة ريان

المشاهدات
20
كلمة
2,155
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

كانت نائمة كالملاك في ثوبها الأبيض. لقد سقطت نائمة على الأريكة بعد أن أنهكها البكاء حزناً على والدها وما مر بها، وكان هو أكبر همها. حملها إلى غرفته، فأفاقت للحظة فزعة وهو يمددها على الفراش، فهمس لها يطمئنها: –هششش.. لا تخافي.. نامي ولا تقلقي من شيء. أغلقت عيناها من جديد وراحت في ثبات عميق، وجلس بجوارها ينظر إليها. ابتسم يسخر من نفسه. من يصدق أن مثله يجلس هكذا يتحكم في رغبات جسده مراعاة لمشاعر امرأة؟

ولكنها ليست أية امرأة، إنها ملاكه الذي اقتحم عليه جحيمه وجعله يدرك أن لهيب نيرانه كانت تحرق روحه قبل أن تحرق جسده. فعل الشر لديه كان هواية ولم يقف لحظة من قبل كي يفكر، ولكنه أصبح يفكر بعد أن كادت النار التي أشعلها من حوله أن تطال المخلوقة الوحيدة التي أراد أن يهديها الجنة ونعيمها، زائد قلبه. مال عليها وهمس:

–أعدك أنني سوف أتغير.. سوف أكون لك الزوج والحبيب الذي تتمنينه.. لن أكون السبب يوماً في دمعة حزن تغرق بها عيناك.. سأجعل قلبك ينسى ذلك الرجل وأعود أنا لأحتل مكاني فيه. قبلها برقة على جبهتها، ثم تمدد بجوارها حريصاً حتى لا يشعرها بوجوده. ***

أصبحت الساعة السادسة صباحاً وحميد جالساً في حجرة الجلوس عاجزاً عن النوم. بحث عن زجاجة خمر يتجرعها لينسى بها الإذلال الذي لحق به، ولكنه لم يجد. لا تسمح أمه بدخول الخمور إلى البيت وهي فيه، ولذلك جلس يحدق أمامه عابساً ومتألماً. لقد ذهب إلى المشفى بعد أن استمرت الدماء تنزف من شفته، وأدرك أنها كانت محقة ولم تكن تسخر منه عندما أخبرته أن الجرح يحتاج إلى تقطيب. سأله طبيب الطوارئ متعجباً عن سبب الإصابة، فقال كاذباً أنه سقط.

فقال الطبيب: –سقطت على شفتك السفلى فقط. كان كامل وجهه سليماً، فزمجر قائلاً: –وهل هناك ما يمنع؟

ابتسم الطبيب ولم يعلق وهو ينظف الجرح قبل تقطيبه. وهنا لاحظ أن الممرضة كانت تخفي ضحكة بكف يدها. خرج من المشفى واستقل سيارته متوجهاً إلى البيت وشيء واحد، شخص واحد يشغل عقله.. جنة.. تلك القطة المتوحشة التي لا يستطيع أن يجد طريقة لترويضها بها. اعتاد أن تعجب به الفتيات، ولكنه في الآونة الأخيرة لم يعد حظه جيداً معهن. أولاً نيكول التي فجأة قررت أن تتركه، هي ومن ثم زينة، والآن جنة.. فما الذي حدث له؟

مط شفته باستياء، فشد الجرح، تأوه وقال: –يبدو أنني غير قادر على جذب غير النوع السيء من النساء ككاميليا وغيرها. ولكن من هن مثل زينة وجنة ينفرن من أمثاله؟ فهم بحاجة إلى الحب والإخلاص، وهذا ما لا يستطيع تقديمه، أو هذه هي فكرتهم عنه. وقف حميد وأخذ يتمشى جيئة وذهاباً يفكر. هل أنا قادر على الحب والإخلاص لمن أحب؟

سمع صوت حركة بالخارج، فتحرك نحو الباب ليرى من. كانت جنة ترتدي ملابسها للخروج وتجر خلفها حقيبة سفر ضعف وزنها تقريباً. خفق قلبه وقال بحدة: –إلى أين أنت ذاهبة؟ رفعت إليه وجهها مجفلة، ومن ثم شاع الغضب من عينيها: –سأترك لك البيت.. فأنا لن أبقى تحت سقف واحد مع شخص منحرف بلا أخلاق مثلك. عض حميد على شفته السفلى غيظاً، وكان قد نسي الجرح بها، فتغضن وجهه بألم. –أحسن.

قالتها جنة بتشفٍ، فكاد للحظة أن يضحك، ولكنه كان يخشى من إغضابها، وقال برزانة: –هل أستطيع الحديث معك لدقائق من فضلك؟ ثم أشار إلى غرفة الجلوس وانتظر ردها. وبعد لحظات من التردد هزت رأسها إيجاباً وتركت حقيبتها وتقدمت إلى الغرفة عابسة الوجه. ابتسم حميد لرأسها الشامخ وهي تمر به وبادرها قائلاً: –أولاً أريد أن أعتذر عما بدر مني، وكما قلت أنا أستحق ما فعلته بي.

مشيراً إلى شفته، فعقدت حاجبيها بشدة واحمر وجهها وكأنها كانت تتذكر ما حدث بينهما، فتابع بحماس: –كانت ردة فعل غاضبة بعد ما تركتني وحدي في ذلك الطريق. قالت بعنف: –لقد تركتني قبلها في نفس الطريق. –ولكني عدت.. أردت فقط أن أخيفك قليلاً، فأنت تقومين بسبي طوال الوقت من دون سبب وقد مللت من ذلك.. والآن ما رأيك لو نعلن هدنة فيما بيننا.. أريد أن أتعرف عليك جيداً. رفعت حاجبيها بدهشة: –تتعرف علي؟

.. لا تقل أنك تريدنا أن نصبح أصدقاء؟ كانت تسخر منه، ولكنه قال بهدوء متجاهلاً سخريتها: –في الحقيقة أريد أن نصبح أكثر من صديقين. ضاقت عيناها بحدة: –ماذا تعني؟ ابتسم متجاهلاً ألم الجرح: –لا أقصد أي شيء مشين.. في الواقع أظن أنك تعجبينني كثيراً. ووجد نفسه يقول: –هل تقبلين الزواج بي يا جنة؟

لم يكن ينوي أن يعرض عليها الزواج بهذه السرعة، ولكن ما دفعه لذلك إحساس داخلي ولم يندم عليه. ألجمت المفاجأة لسانها للحظة قبل أن تنفجر ضاحكة بشدة، بعدها فجاء دوره ليصدم. مالكت نفسها أخيراً وقالت: –آسفة لأنني ضحكت، فأنت تبدو جاداً وهذا غريب.. ثم تابعت بطريقة أكثر جدية:

–طلبك مرفوض بالتأكيد.. أنا لست غبية لأقترن بشخص مستهتر مثلك.. حميد.. أنت لا حدود لأخطائك وذنوبك.. أنا أعرفها كلها.. أنت غير قادر على الإخلاص بل أنت لا تعرفه.. أنت تخون عشيقاتك وتخون أصدقاءك. شحب وجهه، فتابعت تؤكد ما جاء على باله: –نعم.. قالت جليلة الكثير وما سمعته جعلني أحتقرك أكثر.. لن أعتذر عما قلت وإن صدمك، ولكنها حقيقتك ويجب عليك أن تواجهها.. والآن اسمح لي فقد حجزت لنفسي في أحد الفنادق ل…

كانت متوجهة إلى الباب، فاستوقفها مقاطعاً لها: –لن تذهبي إلى أي مكان. فتحت فمها لتعترض بغضب، فرفع يده وتابع: –أنا من سيرحل.. ابقي حتى ينتهي العرس، فلن أضايقك بوجودي بعد ذلك أبداً. ***

فتحت زينة عينيها بإرهاق وهي تشعر بجفنيها ثقيلين ومتورمين. للحظات لم تستوعب أين هي. الأبواب والستائر السوداء جعلت قلبها ينقبض واصطدم عقلها بواقعها من جديد. أدارت رأسها على الوسادة ببطء ووجدت وجه خالد على بعد إنشات من وجهها. تسارعت أنفاسها قليلاً، ولكنها اطمأنت لأن كلاهما ما زال بكامل ملابسه. حتى هو نام ببذلته ولم يخلع سوى الجاكت ورابطة العنق. كان وجهه الوسيم مسترخياً، وانتبهت أن ذراعه اليمنى ترتاح على خصرها. أرادت أن

تبعدها عنها، ولكنها تذكرت أنه زوجها ويحق له أكثر من ذلك، والليلة بعد أن ينفذ شرطها ستمنحه كل شيء. غامت عيناها حزناً. مات والدها وأمها الآن طريحة الفراش في إحدى المستشفيات، فلم تحتمل صحتها ما حدث. فجأة تجد الأسرة التي رعتها طوال عمرها تتمزق بموت عائلها وضياع مستقبل ابنتها الوحيدة، ومصير الابنة التي تبنتها ورعتها أصبح مجهولاً.

–صباح الخير زوجتي الجميلة. رمشت زينة بعينيها، فهي لم تنتبه له عندما استيقظ. ردت بصوت خافت: –صباح الخير. رفع ذراعه عن خصرها ورفعها إلى وجهها يلمس بأنامله وجنتها الموردة. أحتبست أنفاسها، فابتسم لها وعيناه تلمعان بابتسامة مماثلة: –تبدين كالطفل الصغير عندما تستيقظين. قالت بجد وهي تتأمل ملامحه الوسيمة والتي أصبحت مدمرة عندما ابتسم: –أنت جميل جداً. ضحك برقة وقال مداعباً:

–أعلم.. ولكن ما يحزن في نفسي أنك لا تقولينها بقصد مغازلتي. اكتأبت عيناها وقالت: –ليت الأمور لم تسر بيننا بهذا الشكل وما كنت أنت بهذا السوء.. لكنت سعيدة جداً بوجودي معك.

فكرت.. وآدم.. لما قابلته وأحبته ومن ثم جرحته. نظرة الألم والحزن في عيناه وهي تعلن قرارها له جرح قلبها. عرفت أنه نادم بشدة على تركه لها وحدها في مونت كارلو، ولأنها تعرف شخصيته جيداً كانت ردة فعله متوقعة، كما أن رجوعه إليها كانت متأكدة منه رغم ما كانت تعانيه وقتها. حرك خالد إبهامه على وجنتها الناعمة برقة وقال بصدق: –أنوي أن أجعلك سعيدة. –أريد أن أزور أمي بالمشفى وأطمئنها على مستقبل ابنتها. أقترب منها مقبلاً جبينها:

–حاضر. *** طلبت زينة من خالد أن لا يدخل معها إلى حجرة أمها، فهي لا تعرف كيف ستكون ردة فعلها على رؤيتها له. استقبلتها أمها بالمزيد من البكاء ولم تتركها من بين ذراعيها إلا بصعوبة: –أنت بخير يا زينة.. لم يحدث لك مكروه أليس كذلك؟ –أنا بخير أمي.. لقد وفقني الله ووجدت من ساعدني ووقف معي. هزت أمها رأسها بلهفة: –إنه ذلك الرجل الذي قال أنك تعملين لديه.. لقد بدا شخصاً جيداً. تمتمت: –نعم.. إنه كذلك.

أراحها أن نبيلة سبقت وأخبرتها أن خالد والد طفلها سوف يتزوجها، وأن زينة هي من طلبت منه ذلك، ولم تخبرها أنها تزوجته قبلها. إنها تكره الكذب، ولكن الكذب في تلك الحالة أفضل كثيراً، فأمها لن تستوعب الأمر وسيزيد الأمر من بؤسها. –أنا السبب فيما وصلت إليه نبيلة.. أحببتها ودللتها وكنت أخفي أخطاءها عن أبيها كي أحميها من العقاب.. ليتني لم أفعل، لكنت حافظت على كليهما. ثم جففت دموعها وتابعت بأسف وهي تنظر إلى عيني زينة:

–دائماً كنت أشعر بالذنب لأنني كنت أحبها أكثر منك، وعندما فعلت بك ما فعلته شعرت بالسؤ من نفسي وتمنيت أن.. قاطعتها زينة وهي تحتضن يدها إلى صدرها: –لا تقولي ذلك أرجوك.. إنها ابنتك ولك كل الحق لأن تحبيها أكثر من أي شخص بالعالم، وهذا حقها ولن أسلبها إياه. ولو كنت قد خصصت لي جزء صغير من قلبك فهذا منتهى الكرم منك.. أنا لم أشعر يوماً بالحرمان من الحب والاهتمام بوجودك أنت وأبي. سحبت أمها يدها وقبلتها:

–جزاك الله خيراً على ما قلته وما فعلته لستر عرض أختك ولإراحة والدك في قبره.

سمح الطبيب لأمها بالخروج من المشفى ذلك اليوم، وتم كتب الكتاب بمنزل والديها، وكان صديق والدها المقرب وجارهم ولي أمر نبيلة. كان إشهار زواجها في المنطقة هو الهدف من ذلك حتى إذا ما ظهر حملها يكون الأمر مقبولاً. وحمدت زينة ربها لأن خطبتها لخالد لم تكن معلنة حتى لا يستغرب الجيران من تغير العروس. وأوعز الحضور الحزن على الوجوه والعيون المبللة بالدموع على أنه بسبب حزنهم لعدم وجود والدهم. عندما أخبرت زينة أمها أنها سوف تسافر عائدة إلى عملها لأنها غير قادرة على البقاء، بكت أمها ولكنها

تفهمت دوافعها وقالت: –اتصلي بي باستمرار.. أريد أن أطمئن عليك. ذهبت زينة دون أن تقول وداعاً لنبيلة التي التزمت حجرتها بعد ذهاب المأذون، ووجدت زينة خالد ينتظرها في سيارته أمام باب البيت. ***

وصلا إلى البيت. ضمها خالد بين ذراعيه بشوق وأمطر وجهها بالقبلات وهو يسمعها كلمات العشق التي كان يحبسها بداخله حتى كاد ينفجر بها. جعلها الذعر تتخشب بين ذراعيه وأغلقت عيناها بقوة. حان وقت تنفيذ جانبها من الصفقة. تزوج نبيلة والآن هي له ليفعل بها ما يشاء. –لن أؤذيك حبيبتي.. لن أؤلمك.

تنهدت باستسلام وهو يأخذها معه إلى الفراش. لم تعرف ما حدث، ولكن فجأة فتح باب الغرفة وامتلأت بالرجال. رجال فريدريكا وزوجها خلفهم. صرخت زينة بذعر واختبأت خلف خالد الذي حاول حمايتها بجسده، ولكن بسرعة كان قد تم صعقه. وكان آخر شيء فعله قبل أن يفقد وعيه هو أن نظر إليها بذعر شديد. –أحضروها. رفعت زينة وجهها المذعور تنظر إلى زوج فريدريكا البارد وتقول: –لا.. ابتعد عني.

ثم صرخت بقوة ورجلان يسحبانها من فوق جسد خالد الفاقد الوعي، وبعد لحظة كانت تفقد وعيها مثله بصعقة كهرباء دُسّت بظهرها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...