استيقظت زينة في اليوم التالي مبكرًا. وعند الظهر، كان قد أصابها الملل، فقررت أن تذهب إلى القارب فقد اشتاقت إليه وسوف تتناول الغداء مع بيدرو. ومن هناك، سوف تتصل بآدم ليعرف بمكانها حتى لا يحدث مثلما حدث بالأمس.
سارت مسافة طويلة حتى وصلت إلى المرفأ، وعبرت الطريق إلى رصيف الميناء. وقفت حائرة تدور بعينيها على طول الرصيف واليخوت العملاقة متراصة في صفوف على حسب أحجامها. وتذكرت أن قاربهم يقف في الصف الخلفي. سوف تراه بسهولة وتستطيع تمييزه، فهو مميز. شقت طريقها إلى عمق المرفأ ولمحت الصواري العالية لمجموعة من القوارب الشراعية. فدارت حول مرسى اليخوت الصغيرة إلى اليسار ورأت القارب واقفًا بين قاربين شراعيين آخرين.
كان بيدرو يقف عند المؤخرة يتحدث إلى أحد أصحاب القارب المجاور لهم. فصرخت زينة باسمه، فاستدار ومال على الحاجز وابتسم لها بترحاب قائلاً: –مرحبا بالأنسة المرفهة نزيلة الفنادق الفخمة. قالت ضاحكة: –مرحبا بالبحار الحقود. –ما الذي جاء بك؟ –ساعدني أولاً على الصعود، ومن ثم أخبرك. نزل بيدرو السلم ومد يده لزينة التي قفزت وتعلقت بيده حتى استقرت قدماها على الدرج. وتبعت بيدرو إلى الأعلى. قال بيدرو بسخرية مازحًا:
–يبدو أن البقاء في غرف الفنادق الفخمة لا يروق للبعض. –هذا لأنني لم أعتد على تلك الرفاهية.. أعتدت على العمل في الفنادق وليس العيش فيها. سألته ومعدتها تقرقر من الجوع، فهي لم تتناول طعام الإفطار: –هل تناولت غداءك؟ قال لها من وراء ظهره: –كنت على وشك تحضيره للجميع. توقفت زينة بغتة وسألته: –ومن الجميع؟ هل يوجد أحد غيرك هنا؟ توقف واستدار إليها: –ألم أقل لك منذ قليل أن غرف الفنادق الفخمة لا يروق للبعض؟
سيد آدم هنا. جاء بالأمس في وقت متأخر، ولحقت به الأميرة جليلة. وأويا إلى الفراش بعد الفجر واستيقظا منذ قليل. شحب وجه زينة وهاجمها شعور مر من الغيرة. من حسن حظها أن بيدرو مشى بعد أن ألقى بقنبلته في وجهها ولم يرى تأثير ذلك على وجهها. أرادت العودة من حيث جاءت، فهي لا تعرف كيف ستواجههما. لقد قال بيدرو أنهما أويا إلى الفراش ولم يقل ذهب كل منهم إلى فراشه منفرداً.
أرتعشت شفتها السفلى وصعدت الدموع إلى عينيها، ولكنها دعت أنفها بقوة وأبتلعت ريقها وصممت أن لا تبكي. لا يجب أن تحبه وهو ليس ملكاً لها لتغار عليه، ولم يعدها بشيء جاد حتى تحاسبه. وقفت في المطبخ تعمل بحماس زائد في تحضير الطعام، وقد طلبت من بيدرو أن يتركها تقوم بالعمل وحدها. خرجت جليلة من جناح غرف النوم تتهادى في ثوب سباحتها وفوقه مئزر خفيف. ووقفت متفاجئة من رؤيتها لزينة، وسرعان ما اشتعل الغضب على وجهها وقالت:
–ما الذي تفعلينه هنا؟ ردت زينة ببرود تداري غيظها وحقدها وهي مستمرة بعملها: –أحضر الطعام. أقتربت منها جليلة بشراسة: –لا تتذاكي علي.. سألتك، ماذا تفعلين في القارب ولست في غرفتك بالفندق؟ ردت بتحدي: –أستطيع أن أكون في أي مكان أريده، لا شأن لك بي. –هل تعتقدين حقاً أنك ذو شأن؟ أنت مجرد دمية سيلهو بها ويتركك عندما يمل منك. كان الغضب قد استبد بها، وهاجمت جليلة قائلة بوقاحة يدفعها إليها حقدها على تلك الأميرة الجميلة:
–لا أعرف ماذا تعنين.. ولكني متأكدة من أنني لست متاحة لتسلية أحد، فأنا لست مثلك. شهقت جليلة بقوة واقتربت من البار ورفعت يدها ترغب في صفع زينة وهي تقول بغضب شديد: –كيف تجرؤين على إهانتي أيتها الخادمة الوقحة.
كانت زينة مستعدة لها، وأرجعت رأسها إلى الخلف، وأمسكت بمعصم جليلة ودفعت يدها بعيداً عنها بقوة جعلتها تترنح إلى الخلف. فوقفت جليلة تنظر إلى زينة وقد جن جنونها، وكانت تهم بمعاودة الهجوم لولا أن ظهر آدم نازلاً من أعلى الدرج ونقل نظراته بينهما بحدة، وكانت كلتاهما تقفان بتحفز غاضب في مواجهة الأخرى. فقال ببطء وقد ضاقت عيناه: –ما الذي يحدث؟ أستدارت إليه جليلة في حين رفضت زينة النظر إليه. قالت جليلة: –لقد أهانتني تلك الخادمة.
ضمت زينة شفتيها بقوة تمنع نفسها من الرد عليها. تقدم آدم إلى الداخل ووقف بينهما وقال بهدوء موجهاً كلامه إلى جليلة: –لنوضح شيئاً أولاً.. زينة ليست خادمة، إنها صديقتي. رفعت زينة وجهها إليه بدهشة، في حين اتسعت عينا جليلة. وهو يتابع موجهاً كلامه هذه المرة إلى زينة: –ماذا حدث؟ قالت بتمرد: –هي من بدأت بإهانتي أولاً، فأجبتها بما تستحقه. صرخت جليلة ثائرة: –أرأيت؟ أرأيت وقاحتها؟ رد آدم ببرود:
–ما فهمته أن كلاكما قامت بإهانة الأخرى.. وهذا عادل. تعاظم غضب جليلة: –هل جننت لتساوي بيني وبين تلك الـ.. قاطعها آدم بحدة: –هذا يكفي.. إذا كنت ترينها أقل منك شأناً، كنت ترفعت عن الوقوف أمامها ومجادلتها، فلا أظن أنها ستسعى إلى الشجار معك دون سبب. شهقت جليلة ساخرة بغضب: –ومن قال أن ليس هناك سبب.. ماذا في رأيك أتى بها إلى هنا إن لم تكن تطاردك؟ وعندما وجدتني معك غضبت وغارت.
احمر وجه زينة بشدة وأطرقت برأسها، لا تريد النظر إليه. وبعد لحظات من الصمت قال بصوت هادئ: –تعالي معي. رفعت زينة رأسها إليه وندمت لأنها فعلت. فقد كان يطلب ذلك من جليلة وليس منها، والتي أصبح وجهها شاحباً ومتألماً وكأنها تعاني من ألم ما. راقبتهما زينة بحزن وهما يصعدان إلى السطح. وآدم يضع ذراعه على كتفها ويضمها إليه برقة. عضت زينة على شفتيها بمرارة. ففي لحظة يعطيها الأمل، وفي الأخرى يأخذه منها ويظهر لها عدم اهتمامه بها.
خرجت من المطبخ وتوجهت إلى أجنحة النوم بخطوات مصممة. شئ واحد تريد التأكد منه أولاً. ذهبت أولاً إلى غرفة جليلة ووجدت الفراش غير مرتب والغطاء يتدلى بالكامل على الأرض. لم تلاحظ إلا الآن أنها كانت تكتم أنفاسها. فاستدارت تاركة الباب مفتوحاً وتوجهت إلى الجناح الذي يضم حجرة نوم آدم. وترددت بقلب خافق ويدها على ماسكة الباب، ثم أدارتها ودفعته.
تقدمت إلى داخل الغرفة ووقفت تنظر إلى الفراش المرتب والذي لم يمس منذ آخر مرة رتبته. فهذه طريقتها هي في طي الغطاء. اشتعلت النيران في رأسها وصدرها وامتلأت عيناها بالدموع. آدم لم ينم في حجرته، وهناك حجرة واحدة فقط قد تم استخدامها ليلة أمس. لم تدري كم من الوقت قد مر عليها وهي في هذا البؤس عاجزة حتى عن الحركة. –هل أنت في انتظاري حبيبتي؟
جاء صوته ساخراً ومرحاً من خلفها. فجزت على أسنانها وحل الغضب محل الحزن والأسى. وراحت تنعته في سرها بكل الألفاظ النابية التي تعرفها. استدارت إليه ورأسها شامخاً: –جئت لترتيب الغرفة. ألتوت شفتيه بتسلية: –ولكنها لا تحتاج إلى ترتيب. قالت بمرارة: –نعم.. إنها لا تحتاج إلى ترتيب لأنك لم تنم فيها ليلة أمس. رفع حاجبيه بدهشة ثم انفجر ضاحكاً بشدة: –أهاه.. أنت تغارين بالفعل كما قالت جليلة.
شعرت بالغيظ من استخفافه بمشاعرها وقالت بحدة ودموع الغضب والقهر تلمع في عينيها: –أنا لا أغار.. وبمناسبة جليلة.. ألا تخشى أن تأتي حبيبتك وترانا معاً فتغضب. راح يقترب منها ببطء وقال: –أنها ليست هنا.. لقد أرسلتها إلى الفندق بصحبة بيدرو. على ما استوعبت ما كان يقول كان قد أصبح يبعد عنها بضعة سنتيمترات فقط وهو يتابع بعبث: –نحن وحدنا الآن.. ما رأيك؟
وكان يمد يده نحوها. وبرد فعل غريزي ضربت يده بقوة وانتفضت مبتعدة عنه. ووصلت بطريقة ما إلى طاولة الزينة وحملت زجاجة عطر بيدها وقالت بشراسة وهي تواجهه: –إن حاولت الاقتراب مني سأضربك بهذه في رأسك. ضحك باستخفاف وهو يعاود التقدم بثقة. فطارت زجاجة العطر من يدها بقوة تجاهه دون سابق إنذار، ولكنه بسرعة مال برأسه بحدة في الوقت المناسب فمرت بجانب رأسه تماماً.
توقف ونظر إليها وقد ضاقت عيناه عليها بحدة وحذر. وكانت قد تناولت زجاجة أخرى أكبر حجماً وقالت بانفعال: –هذه المرة لن أخطئ التصويب إن فكرت في الاقتراب مني. لدهشتها ضحك بمرح وقال: –حسنا.. لن أقترب.. أتركي ما بيدك ولنتحدث. قالت بغضب: –في ماذا تريد أن نتحدث؟ زفر بقوة ورد عليها بجدية:
–أنا لم أنم مع جليلة.. فرغبتي بها ماتت منذ سنوات، وحميد ما كان ليسمح لها بالتواجد هنا إن كان يشك في أن لدي هذه النية. لقد قضيت ليلتي نائماً على الأريكة في كابينة القيادة، وأسألي بيدرو وسوف يؤكد لك كلامي. –ولماذا لم تنم في غرفتك؟ –بصراحة.. منعاً للفتنة كما يقولون، فقد فاجأتني بوجودها ليلة أمس. –ولكن في تلك الليلة عندما توقفنا في باليرمو كنت تغازلها أمام عيني وكان واضحاً أنكما.. قاطعه ضاحكاً:
–هل ستصدقين لو قلت أنني فعلت ذلك فقط لمضايقتك؟ لم أفهم دوافعي، ولكنني وجدت احمرار وجهك مسلياً حينها. هبطت يدها إلى جانبها ببطء وهي تفكر. هل تصدقه أم لا؟ بدا صادقاً وهو كذلك، مغروراً لدرجة لا تجعله يبرر تصرفاته ويكذب كي يرضي أحداً، وخاصة هي بالتأكيد. سألته بهدوء: –ولماذا تركت الفندق وجئت إلى هنا.. ماذا حدث؟ زفر بقوة مرة أخرى وقال بضجر: –الكثير من الشجار والقلق جعل خلقي يضيق، فجأت إلى هنا لتستريح أعصابي. سألته
ساخرة وهي تفكر في جليلة: –وهل ارتاحت أعصابك؟ ضحك مرة أخرى وقد فهم مغزى سؤالها وأنها تقصد سهره مع جليلة الجميلة: –لا لم يحدث، وبالكاد استطعت التخلص منها قرب الفجر. بالكاد استطاعت أن تمنع ابتسامة واسعة من أن ترتسم على شفتيها، ولكنها لم تخفيها بشكل كامل. فمد يده وقال: –تعالي إلى هنا. سألته وقد عادت إلى حذرها: –ماذا تريد؟ –أنا جائع وكنت أظن أنك أنهيت الغداء، ولكني لم أجدك في المطبخ فجأت للبحث عنك.. أرأيت؟
نيتي كانت سليمة جداً. ولكنها لم تتخل عن حذرها إلا عندما فتح الباب ووقف خارجه، ثم تبعته. **** قضيا بقية النهار على متن القارب، وسعدت زينة بالبقاء بصحبة آدم وبيدرو بعد أن انجلى سوء التفاهم الذي حدث بينهما. وفي نهاية اليوم حضر فراس وكانوا جالسين على السطح. وحيا زينة وبيدرو، ثم نظر إلى آدم وقد تجهم وجهه. فشعرت زينة وبيدرو بالتوتر الذي ساد بينهما وقررا التصرف بتهذيب وتركهما بمفردهما ليتصافيا. جلس فراس على المقعد
الذي تركته زينة وقال: –هل سيظل الوضع بيننا هكذا لوقت طويل؟ رد آدم: –أنا لست غاضباً من أحد. –نعم.. أنت لا تغضب من أحد، ولكنك تتصرف طوال الوقت كوصي علينا جميعاً. –أنا لا أقصد أن أتنمر على أي منكم، ولكن تصرفاتكم أحياناً ما تثير حنقي. عقد فراس حاجبيه: –لو بخصوص زينة، فقد أبعدتها عن تفكيري بمجرد أن أدركت أنها أصبحت تخصك. وحميد أنت تعرفه جيداً.. سياخذ وقته وسينسى عندما يجد فتاة أخرى. تململ آدم بضيق وقال بعصبية:
–أكره أن تتحدثا عنها وكأنها غنيمة حرب نتنافس على من يستحقها أكثر من الآخر. ابتسم فراس نصف ابتسامة وقال: –لأول مرة أراك تخشى على مشاعر امرأة بهذا الشكل.. فهل أحببتها؟ رد بضيق: –عن أي حب تتحدث؟ كل ما هنالك أنني أراها في حاجة إلى الرعاية. وعندما لاحظ نظرة فراس الساخرة إليه تابع: –لا أنكر أنها تعجبني لنفس الأسباب التي جعلتك تعجب بها، وكذلك حميد. وإن كنت سأفكر بالارتباط لن أجد من هي جديرة بذلك مثلها، وأيضاً لنفس الأسباب.
وروى له ضاحكاً محاولتها فتح رأسه بزجاجة العطر عندما اعتقدت أنه سيهاجمها. اتسعت ابتسامة فراس وقال بنظرات شاردة: –أروى.. زوجتي في الديار كانت مثلها. عندما خطبتها وجلسنا معاً لأول مرة بمفردنا.. أردت أن أتودد إليها ولم أتوقع ما أقدمت عليه عندما تجرأت وأمسكت بيدها وحاولت تقبيل وجنتها. تعالت ضحكته وتابع:
–رفستني في قصبة ساقي بقوة رهيبة ونعتتني بعديم الشرف. وتركت منزلهم في ذلك اليوم وأنا أعرج متألماً وكرامتي تنزف. وقد شيعتني نظرات أسرتها بفضول وريبة، حتى أنني خشيت أن تخبرهم بما فعلته فأجد أحذيتهم تتطاير على رأسي وأنا خارج. ضحك بشدة وشاركه آدم الضحك حتى دمعت عيناه. وتابع فراس بحنين: –كانت رقيقة كالفراشة، ولكنها كانت تصبح شرسة وتتحول إلى تنين مجنح عندما أتمادى معها. –وهل تغيرت من بعد الزواج؟ هز فراس رأسه واحتارت نظرات
عيناه وقال بعد تفكير: –ربما لم تتغير هي.. أنا من تغيرت.. أو ما أعنيه هو أنني أنجزت مهمة قد كلفت بها وأصبح لي بيت وزوجة تنجب لي الأطفال، وعدت أمارس حياتي كما اعتدت أن أمارسها. ساد الصمت بينهما لبعض الوقت حتى قطعه فراس: –حميد في حالة ضيق.. تعلم أنه لا يصبر على الخصام. ما رأيك لو نقضي الليلة من دون النساء ونستمتع بليلة رجالية خالصة ونتصافى؟
وافقه آدم وقد استحسن الفكرة، فقد اعتاد ثلاثتهم على قضاء تلك الإجازة وحدهم منذ سنوات. ****
عادت زينة بصحبة آدم وفراس إلى الفندق. وعرفت من حديثهم أنهم سيقضون الليلة وحدهم بدون السيدات. وقد قال لها آدم وهو يتركها أمام باب غرفتها أنه لا يحبذ فكرة خروجها وحدها، وأنها تستطيع طلب طعام العشاء في حجرتها أو تناوله في مطعم الفندق لو أرادت، ولكن لا يجب أن تبتعد عن الفندق. لم تجادله لأنها كانت متعبة ولم تنم جيداً ليلة أمس واستيقظت مبكراً.
في التاسعة والنصف كانت قد أنهت عشاءها وصعدت إلى فراشها. وسرعان ما راحت في نوم سريع وخالٍ من الأحلام. **** قال فراس بحماس وهو يسير بين آدم وحميد وهم داخلون إلى أحد البارات الملحقة بالكازينو: –أتعلمان؟ أشعر بالخفة والراحة ونحن بمفردنا هكذا.
ابتسم آدم، فيما ظل حميد متجهماً. وبمجرد أن جلسوا حول البار حتى طلب زجاجة خمر كاملة وصب لنفسه وبدأ يشرب. وقد قرر فراس أن لا ييأس واستمر في الهزر وإطلاق النكات واستدعاء الذكريات التي جمعت بينهم منذ أن كانوا طلاباً بالمدرسة الداخلية ببريطانيا. فقال حميد ساخراً: –آه.. نعم.. كانت أيام رائعة من أفضل أيامك يا آدم.
زجره آدم بطرف عينيه وهو يعيد كأسه على البار ليستمع إليه. وقد استبشر فراس خيراً لأن حميد قد بدأ يستجيب ويشارك بالكلام معهم. –كنت تمارس علينا هوايتك المفضلة.. افعلوا ولا تفعلوا.. تحب السيطرة ولا تسمح لنا أن نرفض لك أمراً أو نخالف تعليماتك. قال فراس بتجهم: –هذا غير صحيح.. آدم كان يساعدنا ولا تنسى أنه أخرجنا من الكثير من المتاعب. استمر حميد على سخريته ومط شفته السفلى وقال:
–أمممم… صحيح.. حميد مراهق متهور ويحتاج لمن يضبط سلوكه، وفراس غلبان وطيب ولا يجب أن يترك ليتصرف وحده أو يتخذ قراراً من دون آدم القوي العاقل.. أليس كذلك؟ نهره فراس: –حميد.. كف عن سخريتك. قال آدم بهدوء وهو يرفع شرابه إلى فمه: –أتركه.. أتركه يخرج ما بداخله. التفت إليه حميد بغضب وقال: –هل كذبت في شيء؟ هل افتريت عليك بالكلام مثلاً؟
حتى وإن كنا في حاجة إليك حينها.. ماذا عن الآن.. لمَ تصر على ممارسة السيطرة والضغط علينا وكأننا مازلنا أطفالاً في حاجة إلى وصاية؟ لماذا ما زلت تحجر على مشاعرنا وتصرفاتنا وكأنك الوحيد الذي يفهم ووجهات نظرك وحدها هي السليمة ولا تحتاج للنقاش. قال آدم ببرود: –ها قد اقتربنا من لب الموضوع.. استمر وهات ما لديك. قال حميد بحنق وهو يضغط على كأسه بشدة: –معك حق.. أنا أقصد زينة.. لماذا لا تجعلها تختار بإرادتها الحرة بيننا.
اشتعل وجه آدم بالغضب وقال وفي نبرته لهجة تحذير: –موضوع زينة انتهى بعد أن أعطتك ردها. –لقد أرهبتها. –لا لم أفعل.
–بلى فعلت.. لقد رفضتني لأسباب أعرفها جيداً، ولكني كنت قادراً على إقناعها عندما تدرك من خلال تصرفاتي أنني تغيرت وأنني جاد في شأنها، ولكنك أسرعت واندسست بيننا مستغلاً خوفها وضعفها ولأنها تراك الأنسب لها.. فأنت من بلادها وتتحدث لهجتها، لهذا شعرت نحوك بالانتماء على عكسي أنا وفراس. ولكنك لا تريدها حقاً.. أنت فقط تفعل ما تحب أن تفعله دائماً.. أن تسيطر ولا تجعل شيئاً يتسرب من بين يديك. تدخل فراس محاولاً تهدئة الأمر:
–هذا يكفي.. زينة وحدها من حقها أن تختار. نظر إليه حميد وعيناه محمومتان: –وأنا معك.. نصارحها بكل شيء حتى يكون اختيارها عادلاً.. فأنا من خاطرت باستخراج أوراق رسمية لها لأنقذها من مطارديها ومن السجن. قال آدم بحدة: –وهي على علم بذلك، ومع ذلك رفضتك. قال حميد بانفعال: –وهل سيظل رفضها قائماً بعد أن تكتشف كذبك؟ ها.. وتعلم أنك كذبت بشأن والدها.. الذي لم يستطع إجراء الجراحة ومات بسبب فجعته على ابنتيه.
ضم آدم شفتيه بشدة وهم بالوقوف، ولكن فراس منعه بالضغط على ذراعه بشدة وقال لحميد: –لقد كان قراراً اتخذناه معاً نحن الثلاثة.. بأن نخفي عنها الأمر حتى تستقر في مكان آمن ونطمئن عليها أولاً. قال حميد بعناد ومكابرة: –لا.. كان قراره وحده ونحن وافقناه كالعادة ومن دون نقاش. عليه فراس بغضب هذه المرة: –لقد أفسدت علينا ليلتنا بنواحك.. كف عن التصرف كطفل أخذت منه لعبته وأهدأ.. العالم مليء بالنساء لم ينتهوا بعد عند زينة وحدها.
أشاح حميد بوجهه بمرارة. فتابع فراس: –وكفى شرباً.. لقد أنهيت الزجاجة كلها وحدك. ثم نظر إلى آدم الذي أصبح وجهه مسوداً من الغضب، ولكنه حتى الآن ظل مسيطراً على أعصابه: –دعونا نذهب من هنا.. ما رأيكم لو ندخل إلى الكازينو لتلعبوا قليلاً. ثم أخرج محفظة نقوده ودفع ثمن الشراب للنادل: –وأنت منافق. قالها حميد باحتقار موجهاً حديثه إلى فراس هذه المرة، ثم أنهى ما في كأسه وتابع: –هو كذاب وأنت منافق. صفق آدم وقال ساخراً:
–لقد جاء دورك يا فراس فاستعد. نظر فراس إلى حميد بسخط وقال: –كفاك هذياناً وهيا بنا. ولكن حميد كان في حالة من الصراحة والوقاحة لا تتكرر في حياته كثيراً، وكان يشعر بأنه في مهمة لمعاقبة أصحابه. فهم دائماً يستخفون به ويرون أنفسهم أفضل منه، فآن الأوان ليواجه كلا منهما بعيوبه. فقال لفراس:
–نعم أنت منافق.. أنت لا تشرب الخمر وتطلق عليه دائماً اسم المنكر، ولكنك تدفع ثمنه.. لا تلعب القمار وتقول عليه ميسر، ولكنك تحفزنا على الذهاب والسهر في الكازينوهات لتراقبنا باستمتاع ونحن نلعب.. أنت لا تزني.. فالزنا حرام، ولكن.. عندما تعجبك امرأة أياً كانت أخلاقها أو علاقاتها، فأنت تتزوجها.. في السر طبعاً.. وبذلك تتحايل على الشرع والدين وعلى الناس لتحصل عليها في فراشك تحت مسمى الزواج.. وزوجتك أم أولادك.. تلك التي في بلدك.. ترتدي النقاب ولا تخرج إلا بمحرم.. ممنوع أن تقود سيارة.. والزوجة الأخرى التي اتخذتها للمتعة ترتدي البيكيني وتركب الطائرات والسيارات واليخوت وتتحرش بالرجال.
وهنا مد آدم يده عبر فراس الذي تجمد فجأة وأمسك ساعد حميد وضغط عليه بقوة وصاح من بين أسنانه بغضب: –والآن اصمت ولا تتفوه بكلمة أخرى. سحب حميد ذراعه بعيداً بعنف وصاح: –تريد حمايته مرة أخرى؟ تخشى على أحاسيسه المرهفة من معرفة الحقيقة ومن أنه مجرد تيس. كان وجه فراس قد استحالت بلون الورقة البيضاء. وتابع حميد مهاجماً آدم: –إن كنت صديقاً حقاً لوعيته وعرفّته بحقيقة من جعل منها زوجة له. ثم وجه حديثه إلى فراس:
–لقد تحرشت بي زوجتك غير المصونة، ولقد رأتنا زينة معاً في أول يوم لها على القارب وأسألها.. وآدم أيضاً رآنا معاً وضربني من أجل ذلك.. هل تذكر ذلك اليوم الذي قالت زينة أنني ضايقتها فضربني آدم من أجلها؟ كانت تلك زوجتك.. تحرشت بي عارضة نفسها علي بوقاحة.. وطوال الوقت كانت تفعل.. حتى مع آدم.. لقد حاولت معه هو أيضاً، ولكنه ليس مثلي بالطبع، فخافت منه ولم تكررها.. أسأله.. إنه أمامك أسأله. استدار فراس إلى آدم وقال بصوت ميت:
–هل ما يقوله صحيح؟ أغلق آدم عيناه بقوة وعض على شفته. فصاح فراس: –صحيح؟ أجفل آدم من صراخه ونظر إليه بحذر. وارتبك المشهد من حولهم. وعرف آدم أن سرعان ما سيأتي أمن الكازينو، فقال بهدوء وهو يحاول الإمساك بذراع فراس: –دعنا نذهب من هنا كما قلت وسنتحدث في الأمر بهدوء. ولكنه فعل كما فعل حميد وسحب ذراعه منه بعنف وقال: –أي أصحاب أنتما.. أي أصحاب؟ أدار نظراته المصدومة فيهما:
–لا أريد أن أعرفكما بعد اليوم.. انتهى كل شيء.. لعنة الله عليكما. وخرج شبه مهرولاً. فدفع آدم حميد حتى أسقطه على البار: –هل أنت سعيد الآن؟ تركه وهو يضحك ليلحق بفراس، ولكنه لم يستطع اللحاق به. ورآه وهو يستقل سيارة أجرة والتي انطلقت به على الفور. أخرج آدم هاتفه واتصل بجليلة وبسرعة شرح لها الأمر باختصار وطلب منها أن تأخذ كاميليا عندها في جناحها حتى يلحق هو بفراس لتهدئته قبل أن يقوم بشيء متهور.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!