قالت زينة بتأثر لعبدالله: –لن أراك ثانية أليس كذلك؟ ابتسم لها بحنان أبوي: –تذكريني بالخير.. وأعتني بنفسك جيدا. أصبحا على بعد أمتار قليلة من القارب الشراعي، وكان هناك رجلاً طويلاً يقف ممسكاً بحاجز المركب الكبير، وكانت الأضواء الصادرة من الكشافات القوية من خلفه تظهره كظل أسود بلا معالم. لمحته زينة للحظة قبل أن يأمرها عبدالله بإخفاء رأسها تحت الغطاء.
توقف الزورق الصغير بجوار المركب الشراعي، وأحست بالزورق يميل بحدّة، وعبدالله يقف ويصيح بالتحية للرجل بلهجته الأردنية وهو يلقي له بالحبل. سمعت زينة الرجل يرد على تحيته بصوت عميق وقوي وباللهجة المصرية التي كان لها وقع الموسيقى على أذنيها، وداعبها الحنين إلى وطنها وبيتها.
اهتز القارب للمرة الأخيرة وعبدالله يتركه، وأبعدت أصواتهم شيئاً فشيئاً وهما يتحدثان عن مشكلة المحرك. خرجت زينة من تحت الغطاء ووقفت تترنح، وقد اجتاحتها موجة ألم رهيبة من جرح ساقها، وقد التصق قماش الأفرول بالجرح ورأت بقعة كبيرة من الدماء على السروال. ولكنها تحاملت على نفسها وتسلقت السلم الذي كان أعلى مما توقعت.
وعندما أصبحت على السطح، وقفت مندهشة تتأمل ما حولها. لم يكن المركب كما توقعته. إنه لا يشبه تلك المراكب الشراعية التي رأتها من قبل، فطوله لا يقل أبداً عن ثلاثين متراً، ولا تقل فخامته عن اليخت الذي كانت فيه.
حاولت أن لا تصدر صوتاً وهي تخطو على السطح الخشبي لكي تبدأ رحلة البحث عن مكان للاختباء. ولكن معدتها كان لها تفكيراً خاصاً بها وأصدرت صوتاً مزعجاً لتذكرها بأنها لم تأكل شيئاً منذ صباح الأمس، وهي أيضاً عطشى وقد يطول اختباءها فيجب أن تحصل على بعض الزاد.
ودون أن تفكر بعواقب ما تفعله، نزلت بضعة درجات إلى قلب المركب. وكانت الأضواء خافتة بالداخل، ولكنها استطاعت أن تميز حجرة جلوس كبيرة تضم عدداً من الأرائك والمقاعد الجلدية الوثيرة، وكان على يمينها مطبخاً مفتوحاً على حجرة الجلوس ببار من الخشب المصقول فوقه رخامة لامعة بلون العسل.
توجهت إلى البراد الكبير ولعابها يسيل. ولم تدرك كم هي جائعة إلا عندما فتحت البراد ووقعت عيناها على كل ما لذ وطاب من لحوم ودجاج وجبن متعدد الأنواع ولحوم باردة ومعلبات لا تعرف على ما تحتوي معظمها. خلعت خوذتها.. وقررت أنها ستأخذ القليل من اللحم البارد وبعض قطع الجبن وفاكهة، لا يجب أن يشعر أحد بأن شيئاً مفقوداً. ولكنها لم تستطع أن تقاوم شريحة بطيخ رأتها قابعة في طبق على أحد الرفوف. سحبتها دون تردد ووضعتها داخل خوذتها.
أغلقت باب البراد ولمحت سلة الخبز فوق إحدى الخزائن. وقبل أن تمد يدها إليها سمعت صوتاً، باباً يفتح ويغلق. اختبأت تحت البار بسرعة ولعنت نفسها على فجعتها. سيكتشفون وجودها حتى قبل أن يعود عبدالله إلى اليخت. سمعت صوت خطوات تقترب من حجرة الجلوس. تبدو أنها لامرأة، فكعب نعليها الرفيعين كانا يدقان على الأرضية الخشبية. “آدم.. آدم.” كانت تنادي على شخص يدعى آدم وتابعت باللغة العربية وباللهجة المغربية: –حبيبي أنت هنا؟
راحت زينة تدعو أن لا تدخل تلك المرأة إلى المطبخ وتعود إلى حجرتها. لما هي مستيقظة الآن؟ وعادت تلعن نفسها على غبائها. لم تذهب المرأة كما تمنت زينة. وبعد لحظات بدأت تشم رائحة دخان سجائر، فكادت أن تبكي. ستشرق الشمس بعد قليل وقد يستيقظ الباقون ويكتشفون وجودها وحينها ستفشل خطة هروبها قبل أن تبدأ. بعد دقائق سمعت صوت زورق عبدالله يبتعد وأحد ما ينزل الدرجات الخشبية إلى غرفة الجلوس، وسمعت صوت رجل يقول بدهشة: –جليلة؟
.. لما أنت مستيقظة؟ صوت الرجل كان هو نفسه الذي استقبل عبدالله على سطح اليخت. تحركت المرأة التي تدعى جليلة وهي تقول بغنج: –لم أستطع النوم بعد شجارنا بالأمس.. ذهبت إلى حجرتك ووجدتها خالية فقلت إنك ربما تكون مثلي قد جفاك النوم. رد آدم ببرود: –هذا غير صحيح.. استيقظت باكراً لأن المهندس الذي طلبته لمساعدتي كنت على موعد معه وقد انصرف منذ لحظات. يبدو أن جليلة قد قررت تجاهل بروده في معاملتها وقالت بدلال:
–آدم حبيبي.. أنت مازلت غاضباً مني؟ –دعك من هذا الصلف يا جليلة فهو لا يليق بك.. اذهبي الآن إلى النوم سنبحر خلال ساعتين وأنا أحتاج للراحة فقد أتعبني تصليح ذلك المحرك. كان يريد التخلص منها وهذا ما وصل إلى إدراك جليلة أخيراً وجعلها تستشيط غضباً وانطلق لسانها بكلمات سريعة لم تفهمها زينة، ولكنها بدت كشتائم من العيار الثقيل. وقالتها باللغة الإسبانية ثم انصرفت بخطوات غاضبة. وزفر المدعو آدم بقوة وقال بحنق شديد:
–النساء حتى وإن كن أميرات عندما لا يحصلن على مبتغاهن تصبح ألسنتهن سليطة كفتيات الشوارع.
ذهب آدم بدوره وساد السكون في المكان. وبعد لحظات خرجت زينة ببطء من تحت البار. وقبل أن تذهب سحبت زجاجة ماء وصعدت إلى السطح. وكان نور الصباح قد بدأ في الظهور وتحولت السماء إلى اللون الوردي الباهت الممزوج باللون الأزرق الفاتح وخيوط الشمس الذهبية بدأت تطل بأشعتها على الماء. مشهد كانت تود لو تقف لتتأمله ولكن للأسف يجب أن تجد مكاناً للاختباء قبل أن يستيقظوا.
سارت وهي تعرج إلى مؤخرة القارب تحتضن خوذتها بين ذراعيها. وبعد البحث الذي كاد أن يصيبها بالإحباط وجدت حجرة بابها على السطح. فتحته بحذر فقد تكون خاصة بالبحارة وقد تجد أحدهم نائماً بالداخل. ولكنها لم تجد أحداً. كانت حجرة صغيرة قد تراصت على جدرانها أدوات الصيد بكافة أحجامها واستخداماتها وأنابيب الأكسجين وخزانة بباب جرار علقت فيها بذلات الغطس.
كانت الخزانة مناسبة للاختباء خاصة وأنهم إذا كانوا سيبحرون فلن يحتاجوا إلى بذلات الغطس في الوقت الراهن. وجدت بطانية صغيرة فرشتها في قاع الخزانة حتى تسهل عليها الجلوس. وكانت رائحتها رائحة السمك ولكن لا خيار لديها. وقبل أن تدخل إلى الخزانة تناولت طعاماً سريعاً من خوذتها وحاولت أن تقتصد على قدر الإمكان. وخبأت الخوذة في إحدى الزوايا خلف معدات الصيد. ثم دخلت إلى الخزانة الضيقة وسحبت الباب لتغلقه.
لم تكن تتوقع أنها ستستطيع النوم في هذه الوضعية الصعبة والقاسية، ولكن النوم غلبها وسقطت صريعة له على الفور من شدة التعب والإرهاق. لم تعرف زينة كم مضى عليها من الوقت وهي نائمة. وعندما حاولت أن تعتدل في جلستها تأوهت من الألم فقد تيبست عظام جسدها وجرح ساقها كان يحرقها ويؤلمها بشدة. لم تسمع أي حركة بالخارج ولكنها كانت أكيدة من أن القارب يتحرك. وتساءلت: كم ابتعدا عن أثينا يا ترى؟
فهي لا تعرف شيئاً عن الإبحار والعقد والمسافات بين الدول. خرجت من الخزانة تتمطع متأوهة. كان يوجد نافذة زجاجية صغيرة تطل على سطح القارب. اقتربت منها ونظرت عبرها إلى الخارج. الشمس كانت تملأ الكون، وكان القارب وكأنه يطير طيراناً فوق سطح الماء.
ثم فجأة ظهر شخصان من مقدمة القارب. كانا رجلاً وامرأة، وكان الرجل يسير ويسحب المرأة خلفه. وقد كانت ترتدي رداء بحر شفاف فوق ثوب سباحتها، والرجل يرتدي سروالاً قصيراً وقميصاً خفيفاً. وكانا يقتربان من الحجرة التي تختبئ فيها. وتساءلت: هل هما آدم وجليلة؟ أسرعت تختبئ داخل الخزانة وسحبت الباب تغلقه تاركة به فتحة صغيرة تحسباً إذا ما دخلا عندها.
دخلا إلى الحجرة بالفعل وأغلقا الباب ورائهما. وقالت المرأة بالعربية وباللهجة الخليجية محتجة بدلال والرجل يعانقها بحماس: –حميد.. كن عاقلاً فقد يرانا أحد. شعرت زينة بالقرف. إن لم يتوقف هذان الشخصان عما يفعلان فسوف تتقيأ. رد المدعو حميد بلهجة تشبه لهجة جليلة المغربية: –لا تقلقي.. آدم مشغول في كابينة القيادة وجليلة ملتصقة به منذ الصباح. –وماذا عن فراس ونيكول؟
–نيكول مازالت نائمة ولن تستيقظ كعادتها إلا بعد الظهر وفراس يتأخر في الاستحمام وتغيير ملابسه. إنه صديقي وأعرف عاداته جيداً. دفعته المرأة عنها بإصرار: –لكن لا.. لا يجب أن نخاطر.. لم يمر على زواجي من فراس إلا أسبوعين فقط ولا أريد أن يتم طلاقي بهذه السرعة. زمجر حميد معترضاً ولكنه أذعن لها في النهاية وخرجا. اتسعت عينا زينة من الصدمة. زوجة تخون زوجها وهي مازالت في شهر العسل؟ ماذا ستفعل إذن بعد مرور الشهر؟
وهذا الصديق الحقير كيف يدعوه بصديقه وهو يغوي زوجته؟ جلست زينة ذاهلة. ما هذا العالم القذر الذي دخلت إليه؟ منذ أيام قليلة لم تكن تعرف بوجوده على الإطلاق. كيف يقبل بعض الناس أن يعيشوا أشبه بالحيوانات تتحكم فيهم غرائزهم وتلغي إحساسهم بالشرف والوفاء حتى لأقرب الناس إليهم.!!!
فتحت باب الخزانة بعنف وخرجت وقد تحول الذهول والاشمئزاز بداخلها إلى غضب. نظرت من النافذة. لقد قال الرجل إن الجميع مشغولون، إذن هي بأمان لبعض الوقت. أخرجت الخوذة من مخبئها وقررت أن تأكل شريحة البطيخ قبل أن تفسد في هذا الجو الخانق. جلست في قاع الخزانة ومدت ساقها المصابة أمامها على الأرض لتريحها. كان طعم البطيخ لذيذاً فراحت تأكل بنهم والعصير يتساقط من شدقيها فلم تهتم فلا أحد هنا ليراها.
كان وجه زينة غارقاً داخل شريحة البطيخ عندما فتح الباب بغتة وسد جسد رجل طويل الباب. تجمدت زينة في مكانها وكذلك فعل الرجل. رفعت وجهها إليه ببطء وقد تبلد إحساسها تماماً وكاد قلبها أن يتجمد ويتوقف عن الخفقان بدوره. وقف الرجل مذهولاً يحدق فيها قائلاً: –ما هذا؟ .. من أنت؟ تحدث إليها بالعامية المصرية فعرفت هويته. إنه المدعو آدم.
امتنعت زينة عن الرد.. ليس لأنها اتفقت مع عبدالله على ذلك ولكن لأن شفتيها كانتا وكأنهما قد التصقتا ببعضهما بالغراء. فأعاد عليها السؤال بحده أكبر وباللغة الإنجليزية فلم ترد. تقدم آدم إلى داخل الغرفة وسحبها من ذراعها يوقفها على قدميها. وكان أطول منها بكثير وهزها وهو يسألها بالإنجليزية: –هل تتحدثين الإنجليزية؟ هزت رأسها إيجاباً. فسألها بغضب: –من أنت.. وكيف صعدت على متن قارب؟
انفجرت زينة بالبكاء ولم ترد. أصبح وجهه شرساً ونافذ الصبر وهو يسحبها من ذراعها بقسوة إلى الخارج وراح يجرها خلفه إلى مقدمة القارب. وقوة الهواء مع السرعة الكبيرة تكاد تدفعها للسقوط لولا أصابع الرجل القوية الملتفة حول ذراعها تدعمها وهي تعرج بألم. مازالت قشرة البطيخ في يدها متشبثة بها وكأنها سلاحاً ما. وراحت تفكر بشكل محموم.. ماذا سيفعل بها؟ هل سيعيدها إلى اليخت أم سيلقي بها في البحر؟
فقد بدا تعبير وجهه إجرامياً في تلك اللحظة ولم تقو على الكلام من شدة الخوف. أخذها إلى مقدمة القارب ونزل بها الدرجات إلى حجرة الجلوس ودفع بها وسط ذهول ثلاثة أزواج من العيون: رجلين وامرأة. دارت عيناها فيهم بتوسل صامت وجسدها ينتفض. سألت المرأة بذهول: –من هذه؟ من أين أتيت بها؟ رد بغضب: –وكيف لي أن أعرف.. أنا من يريد أن يعرف من أتى بها إلى قارب دون علمي؟
قال رجل من الرجلين الآخرين وعرفته زينة.. أن هذا الرجل وهذه المرأة هما من كانا معاً يتعانقان في الحجرة التي كانت تختبئ بها والمدعو حميد. قال حميد: –بالتأكيد ليس أحد منا.. ألم تسألها؟ –لا تريد الإجابة. قالت المرأة: –قد تكون صديقة لبيدرو ولا تنسى أنه من تسبب في عطل المحرك.. وتأخيرنا كان بسببه؟ صعد آدم إلى السطح وصرخ بصوت هادر جعل جسد زينة يرتعد بشكل ظاهر: –بيدرو.. بيدرو.
عاد آدم وبعد قليل ظهر شاب في منتصف العشرينات من عمره قوي البنية ذات عضلات مفتولة ووجه أسمر لطيف رغم ضخامته يرتدي سروالاً رمادياً قصيراً وتي -شيرت أزرق وقبعة خاصة بالبحارة. تقدم الشاب وقد ظهر القلق على وجهه وقال بلهجة مغربية: –نعم سيد آدم. أشار آدم إلى زينة: –هل تعرف من هذه؟ نظر بيدرو إلى زينة بذهول: –لا سيدي.. لا أعرفها.. من هذه؟ صاح آدم:
–كلكم إذن لا تعرفونها.. لم نرسو في الميناء وبقينا في عرض البحر لثلاثة أيام فكيف ظهرت فجأة على القارب دون أن يساعدها أحد من هنا و.. بتر عبارته ونظر إلى زينة وقد ضاقت عيناه وتحدث إليها بالإنجليزية: –آه.. عرفت الآن كيف جاءت إلى هنا. أشار إلى الأفرول الأزرق الذي ترتديه وقال بهدوء يخفي تحته عاصفة من الغضب:
–أنت ترتدين نفس الزي الذي كان يرتديه ذلك المهندس الذي حضر في الصباح لمساعدتي على تصليح المحرك.. كنت مختبأة في الزورق الذي أتى به. انكمشت زينة وامتقع لونها. هذا الرجل لا ينقصه الذكاء أبداً وهذا ما لم تعمل له حساب هي أو عبدالله عندما وضعا خطتهما. أصبح صمتها الآن غير ضروري. فتحت فمها وأغلقته أكثر من مرة دون أن تنطق بكلمة فبدت كسمكة تلتقط أنفاسها خارج الماء وعجز لسانها عن التحرك. فهدر في وجهها دون رحمة:
–تكلمي.. ألا تملكين لساناً؟ ارتعدت من الخوف وانفجرت في البكاء من جديد. تقدم الرجل الثالث والذي كان قد اكتفى في البداية بالمراقبة فقط. ودفع آدم بعيداً عنها قائلاً بلهجة خليجية: –كفى يا رجل وأهدأ.. ألا ترى أن هذه الصغيرة خائفة ومصابة. –أهدأ؟ .. ومن يضمن لي أنها ليست مجرمة هاربة.. أو تكون قد خبأت ممنوعات على القارب لتهريبها. ارتعدت زينة بشدة. ماذا لو اكتشف أنها مجرمة حقاً وأنها قتلت شخصاً؟ قال له الرجل وقد
رجحت زينة أنه المدعو فراس: –اتركها لي وسوف أعرف منها كل شيء. –تفضل.. هذا إن عرفت أن تقنعها بعمل شيء غير البكاء. تقدم منها فراس وطلب منها أن تجلس على أحد المقاعد وجلس هو على آخر مواجهاً لها. وقف آدم خلفه عاقداً ذراعيه على صدره العريض بما يشبه التهديد فتجنبت النظر إليه.
ابتسم لها فراس. كان رجلاً في منتصف الثلاثينات تقريباً له وجه أسمر جذاب وعينان طيبتان رائعتان. وبالتأكيد هو زوج تلك الخائنة التي كانت تجلس بوقاحة بجانبه. سألها بصوت هادئ: –أنت تتحدثين الإنجليزية؟ هزت رأسها إيجاباً. –أنت يونانية؟ هزت رأسها نفياً مما جعل آدم يزمجر بفراغ صبر. فرفعت وجهها إليه خائفة ولكن فراس ربت على يدها مطمئناً وتابع: –ما اسمك؟ همست بصوت خافت مرتعش وباللغة العربية: –اسمي زينة. اتسعت
ابتسامة وسألها بالعربية: –أنت عربية؟ .. من أي بلد عربي؟ خطفت نظرة سريعة إلى آدم الذي مال إلى الأمام ليلتقط كلماتها الهامسة قبل أن ترد: –من مصر. استدار حميد إلى آدم وقال مبتسماً: –إنها من بلادك يا صديقي. عقد آدم حاجبيه بشدة وعاد حميد ينظر إلى زينة ويقول بجدية: –أولاً من أنت؟ ولماذا هربت على متن مركبنا؟ وأكمل آدم كلام صديقه بحدة: –ومن دون كذب.. أريد الحقيقة كلها.
لن ينفعها الكذب في شيء فروت تقريباً لهم قصتها كما فعلت مع عبدالله وانتهت بعملها على اليخت وما تعرضت له فيه وهروبها بمساعدة عبدالله. ولكنها لم تخبرهم أن الرجل الذي هربت منه قد يكون الآن ميتاً.. خوفاً من أن يقوموا بتسليمها إلى الشرطة. استمعوا إليها بصمت تام دون مقاطعة. وبعد أن أنهت قصتها نظرت إلى فراس برجاء.. إنه الشخص الوحيد بعد عبدالله الذي عاملها بلطف وقالت: –أرجوك لا تعيدني إليهم. تراجع فراس في
مقعده وقال وهو عابس الوجه: –من حسن حظك أننا نعرف هذا اليخت ونعرف أصحابه ونعلم جيداً ما يحدث عليه.. مما يجعلنا أقرب لتصديق قصتك.. لذا لا تقلقي لن نعيدك إليهم. ثم نظر إلى آدم وتابع: –أليس كذلك يا صديقي؟ حدق آدم في وجهها وبعد لحظات من الترقب تجمدت خلالها الدماء في عروق زينة رد بصوت صارم كملامح وجهه: –لا لن نعيدك.
شعرت زينة بالراحة تغمرها وأبتسمت وسط دموعها ولم تدرك مدى براءة ابتسامتها ومدى تأثيرها على قلوب الرجال الثلاثة. سألت زوجة فراس بحدة والقلق في عينيها: –وأين كانت مختبئة؟ وعندما أجابها آدم توترت المرأة وتبادلت هي وحميد النظرات القلقة. لم ترغب زينة في النظر إلى أي منهما.. يكفي أنهما عرفا أنها رأت وسمعت كل شيء. قال فراس بعينان ضاحكتان وهو يشير إلى قشرة البطيخ في يدها: –هل أنت في حاجة إلى هذه؟
نظرت زينة إلى قشرة البطيخ وأحمر وجهها حرجا وتلفتت حولها تبحث عن مكان تضعها فيه، فأخذها فراس منها ووضعها في منفضة السجائر على المنضدة. شكرته زينة بخجل وسألها آدم ساخراً: –من أين أتيت بها؟ نظرت إليه وعاد وجهها للأحمرار. وقف فراس وقال ليبعد عنها الحرج: –هذا يكفي.. هذه الصغيرة تحتاج إلى الراحة وإلى حمام ساخن والعناية بجرحها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!