انضم إليهم حميد في نابولي وقد استدعاها آدم إلى كابينة القيادة وسلم لها جواز السفر الإسباني وتصريح العمل الصادر من مكتب شركتهم بمدريد. لم تفاجأ عندما رأت صورتها التي تصورتها لاستخراج جواز سفرها المصري موجودة به. أخذتهم منه وهي مطرقة الرأس ودون أن تنبس بكلمة. قال لها آدم: –ليس هناك من داعي لكي يعرف أحد بهذا غيري أنا وأنت وحميد وفراس فقط. هزت رأسها إيجابًا. قالت بصوت مخنوق: –لقد عرفتم بما فعلت أليس كذلك؟
–نعم ومنذ اليوم الأول. –لقد كنت أدافع عن نفسي. –أعرف ونحن لا نلومك على ذلك.. ولكن أطمئني ليس هناك من قضية عليك. رفعت رأسها إليه قائلة بلهفة وقد تهلل وجهها: –حقًا؟ ابتسم لها إحدى ابتساماته النادرة وقال: –حقًا.. ولكن هناك من يبحث عنك منهم.. فالهروب من هؤلاء ليس سهلاً وهم لا يسمحون به حفاظًا على سرية عالمهم القذر. قالت بتعاسة فلم تستمر سعادتها إلا لحظات وقد عاد الخوف إليها: –وهل أسبب لكم المتاعب بوجودي معكم؟
–لا تقلقي من أجلنا نستطيع حماية أنفسنا وحمايتك أيضًا. قالت بامتنان صادق: –أنت طيب جدًا.. جميعكم طيبون معي. مازحها قائلاً: –ألست قاسيًا ومتعجرفًا؟ احمر وجهها حرجًا ولكنها بادلته المزاح بعفوية: –أحيانًا تكون كذلك. وقف عن مقعده وغمز لها مازحًا: –أرجو أن يستقر رأيك.. فأنا لا أحب التخبط في وجهات النظر. دفعها إلى الباب وهو يقول: –هيا اذهبي وجهزي حقائبك.. فأخيرًا ستضعين قدميك على أرض حقيقية. ***
لم يبقوا في نابولي سوى ليلة واحدة استقلوا بعدها الطائرة إلى ميلانو. وكانت أول مرة تستخدم فيها زينة جواز سفرها الإسباني وعبرت به أمام رجال الجمارك والشرطة. كانت في البداية خائفة ومضطربة ليفتضح أمرها ولكن لم يحدث شيء، خاصة وأن حميد كان يرافقها أثناء عبور الجوازات يتحدث إليها بالإسبانية فتجيبه بابتسامة أو بهزة رأس وأحيانًا ببضعة كلمات كان قد علمها طريقة لفظهم.
وعندما أصبحت في الطائرة تنفست الصعداء وبدأ بالها يهدأ ومخاوفها تنزاح. ميلانو.. عاصمة الموضة والأزياء على مستوى العالم وملتقى أشهر مصممي الأزياء ومحبي التسوق. لم تصدق زينة ما رأته في تلك المدينة.. كل هذا الكم من المحال التجارية الفخمة حائط لا نهاية له مليء بالواجهات الزجاجية والعلامات التجارية البراقة والأسعار التي لا تستوعبها.
بداية من الهدايا التذكارية والأزياء بمختلف أنواعها إلى جانب الأحذية الرائعة والحقائب إلى أن تصل إلى الماركات والعلامات العالمية الشهيرة. ولاحظت أن السياح في ميلانو يهتمون بالتسوق أكثر مما يهتمون بالأماكن الأثرية والتاريخية التي تتميز بها هذه المدينة العريقة. وهذا ما اكتشفته وهي بصحبة سيدات المجتمع الراقي حيث كانت تقضي وقتًا مملًا ومتعبًا بصحبتهن.
لم تكن تشاركهم الحديث ولا يأخذون وجودها معهم بعين الاعتبار تسير خلفهم كالخادمة تحمل لهم مشترياتهم وتتحمل عجرفتهم عليها. وقد آلمها هذا الوضع كثيرًا ولكنها كانت مضطرة لتحمله فليس أمامها بديلاً. كان آدم قد طلب منها قائلاً: –سوف ترافقينهم أينما ذهبوا ولا تبتعدي عنهن حتى لا تضيعين. ثم أعطاها أجر أسبوعين من راتبها: –وهذا جزء من راتبك فقد تحبين أن تشتري شيئًا لنفسك.
ولكنها لم تجد الفرصة لصرف يورو واحد فقد كن يقضين ساعات الصبح في مركز التجميل للتدليك والتزيين وزينة تجلس تنتظر بملل. وبعد الظهر يتناولن الغداء وبعدها يذهبن للتسوق وشراء أشياء لا يحتجن إليها وينتهي الأمر بها وهي تحمل أكياس وحقائب لا شأن لها بهم. وفي المساء ينضم إليهن الرجال ويخرجون للعشاء والسهر وهنا ينتهي عملها وتلتزم زينة حجرتها تتناول عشاءها وتنام باكرًا بسبب الإرهاق حتى الصباح.
وكانت تتساءل باستغراب.. ألا يشعران أبدًا بالإرهاق؟ كانت تفضل لو تخرج لمشاهدة معالم المدينة والتعرف على سكانها وثقافتها ولكنها يجب أن تعمل مقابل الأجر الذي يدفع لها فهي ليست في إجازة مثلهم. وفي اليوم قبل الأخير لهم في ميلانو كان كباقي الأيام التي سبقته مزين الشعر في الصباح وجلسات التدليك يليها غداء سريع في الثانية عشر ثم التسكع في المحلات والأسواق.
وعندما عادوا إلى الفندق سبقتهم زينة بالدخول تحمل الأكياس والإرهاق بادٍ على وجهها. ولم ترَ آدم وحميد وهما يخرجان من المصعد ويسيران باتجاهها. وأجفلت عندما استوقفتها يد آدم على ذراعها وسألها بدهشة عابسًا وهو يشير إلى الحقائب التي تحملها بيديها وتحت إبطها: –كل هذه المشتريات لك أنت؟ ردت بصوت مرهق رتيب: –لا ليست لي. ثم أشارت برأسها إلى الخلف حيث الجميلات يتهادين بخيلاء من ورائها: –إنها لهن.
تحول العبوس على وجهه إلى غضب مكبوت وتأوهت زينة.. ماذا فعلت له الآن؟ أخذ منها الحقائب وطلب منها أن تصعد إلى حجرتها. وهز لها حميد رأسه إليها آسفًا.. ولكنها لم تفهم. وفي حجرتها أخذت حمامًا سريعًا وعندما خرجت من الحمام رن جرس الهاتف وجاءها صوت آدم: –انزلي فأنا بانتظارك في البهو. أغلق الهاتف دون أن يسمع ردها.
فوضعت السماعة وسارت إلى خزانة ملابسها التي تحوي القليل جدًا من الملابس وأخذت السروال الجينز الوحيد عن الرف وارتدته مع التي شيرت البولو الخاص بعملها على المركب. نزلت إلى البهو لتجد آدم ينتظرها وحده. لم يكن لديها الفضول لتعرف سبب استدعاءه لها. وعندما وقفت أمامه لم تقل شيئًا بل هو من قال: –هيا بنا. أخذها إلى خارج الفندق لتجد سيارة أجرة في انتظارهما وفتح لها الباب الخلفي. وهنا بدأ القلق يتسرب إلى حواسها وهو يجلس بجوارها.
سألته بتوتر: –إلى أين نحن ذاهبان؟ رمقها بنظرة جانبية سريعة ثم سألها بهدوء: –لماذا لم تخبريني عن تلك الطريقة الفظة التي يعاملونك بها؟ نظرت إليه بدهشة وقالت: –ظننت أن هذا جزء من عملي. تحرك بعصبية بجوارها فأنكمشت تبتعد عندما تحدث بعنف: –عملك يقتصر على القارب فقط.. هنا يوجد المئات من الأشخاص القادرون على خدمتهم. –لكنك طلبت مني أن أبقى بصحبتهم و.. قاطعها بحدة:
–طلبت منك ذلك حتى لا تكوني بمفردك.. لتستمتعي بوقتك لا أن تكوني عبدة لديهن. تمتمت بصوت منخفض: –آسفة لقد فهمتك خطأ.. لو كنت أعرف ذلك لكنت فضلت قضاء الوقت بمفردي. –إلى هذه الدرجة كانت صحبتهم سيئة. هزت رأسها إيجابًا بقوة وأخرجت كل ما كان يعتمل بداخلها وقد انطلق لسانها: –بلى.. لم يتركوا متجرًا في هذه المدينة لم يدخلوه وشراء الكثير والكثير من الملابس والحقائب والأحذية أقسم أنهم لن يجدوا وقتًا لارتدائهم كلهم.
هذا غير الإكسسوارات وأدوات الزينة والهدايا ولا أفهم سبب ذهابهم كل يوم إلى صالون التجميل.. هل تعرف أنت؟ ألتوت شفتاه بابتسامة مرحة جعلتها تبتسم له بدورها. لقد غيرت الابتسامة من ملامح وجهه وجعلته وسيمًا أكثر وارتبكت نظراتها وهي تلتقي بنظراته الجديدة عليها وتذكرت تلك اللحظات في غرفتها عندما ضمها بين ذراعيه بحنان. رمشت بعينيها. –وماذا كنت ستفعلين بوقتك غير زيارة المتاجر؟ أعتدلت بحماس:
–أرى الأحياء القديمة التي فيها الروح الحقيقية لميلانو.. أزور المتاحف والآثار التاريخية. وكان لها ما تمنت. وفي ساعات النهار الأخيرة زارا كل ما استطاعا من أماكن سياحية اشتهرت بها المدينة الإيطالية. الكاتدرائية القوطية ديومو والتي تعتبر من أكبر كاتدرائيات أوروبا وأشهرها. كما أخذها لزيارة مركز التسوق القريب من الكاتدرائية وهو الأقدم في العالم. وعندما قال لها اسمه (جاليري فيتوريو إيمانويل الثاني) انفجرت ضاحكة:
–اسمه طويل جدًا وصعب. ولكنه كان سوقًا رائعًا وأعجبها أكثر من مراكز التسوق الحديثة فعراقته تعطيه هيبة ورونقًا خاصًا. ثم ذهبا إلى قلعة سفورتسى ومتحف الفنون الحديثة ومتحف بريرا. وقد استعان آدم بأحد العاملين بالمتحف ليحدثهم عن اللوحات وقد كان سعيدًا بطلبه ويشعر بالفخر وهو يشرح لهم تاريخ اللوحات المعروضة وأسماء الفنانين وبأي أسلوب رسمت وماذا أراد الفنان أن يظهر من خلال لوحته. وراح آدم يطرح أسئلة تقنية تنم عن ثقافة فنية.
تمنت زينة لو تصبح يومًا مثله ملمة بكل هذه المعرفة. عادا إلى الفندق في الثامنة مساءً ودعاها آدم أن تنضم إليهم في مطعم الفندق لتناول العشاء. ولكنها رفضت بأدب وتحججت بأنها متعبة. ولكن من داخلها كانت تود قبول دعوته ولكنها لن تشعر بالراحة بصحبتهم خاصة مع جليلة ورفيقاتها. *** استيقظت زينة في التاسعة صباحًا وكلها حماس وتشعر بالحرية.
ستكون ساعات الصباح كلها لها لتتجول في الشوارع والأسواق وتشترى بعضًا من التذكارات التي كانت قد أعجبتها بالأمس وهي بصحبة آدم وقد عجزت عن شرائها كي لا يصر على دفع ثمنها. اغتسلت وارتدت الملابس التي كانت ترتديها بالأمس ورفعت شعرها كذيل حصان. ثم وضبت حقيبتها الصغيرة ففي الخامسة من بعد الظهر سيستقلون الطائرة عائدين إلى نابولي. فتحت الباب لتذهب ففوجئت نيكول تقف أمامها. فقالت بدهشة: –صباح الخير. ابتسمت لها نيكول بإشراق:
–صباح الخير.. هل أنت ذاهبة إلى مكان ما؟ قالت زينة بتوجس: –نعم.. كنت سأتجول في المدينة وأشتري بعض الأشياء. أطرقت لوسي رأسها بخجل وقالت: –كنا أشرارًا وعاملناك بطريقة سيئة. رق لها قلب زينة وقد شعرت بصدقها وقالت تخفف عنها: –لا عليك.. أنا لم أشتكِ. –كنا نذهب إلى مراكز التجميل يوميًا ولم نسألك مرة إن كنت تحتاجين إلى تصفيف شعرك وكنا نتسوق بالساعات ولم نبالِ عن حاجتك إلى شراء شيئًا.
كانت نيكول محمرة الوجه تشعر بالذنب وتأنيب الضمير. اندفعت زينة وعانقتها وربتت على ظهرها قائلة بمرح: –ستجعلينني أبكي.. أنا حقًا بخير. ابتسمت لها نيكول شاكرة وقالت: –إذن دعيني أكفر عن ذنبي وآخذك للتسوق بنفسي سيكون اليوم لك وحدك ما رأيك. بهت وجه زينة وهي ترى الحماسة التي تتكلم بها نيكول. لقد ضاعت خطتها في مهب الريح وتأوهت داخليًا.. يومًا آخر في مراكز التجميل والتسوق؟ رأت نيكول ترددها فقالت بسرعة:
–لا تقلقي لن آخذك إلى الأماكن الغالية التي كنا نذهب إليها أعرف محال تبيع بأسعار مخفضة جدًا.. لا تنسي أنني لست ثرية مثلهم وأعرف أماكن بعينها. ظلت زينة مترددة فتابعت نيكول تحمسها: –سنتناول أولًا إفطارًا إيطاليًا حقيقيًا ثم نذهب لتصفيف شعرك فهو بحاجة إلى عناية أنت تهملينه كثيرًا وبعدها تشترين بعض الملابس.. ها ما رأيك؟ فكرت زينة للحظات ووجدت أن لوسي على حق ما المانع لو تهتم بشكلها قليلاً لتصبح أنيقة وجميلة مثلهم.
–موافقة.. هيا بنا. *** تناولت زينة ونيكول إفطارهما في مقهى يضع طاولاته على الرصيف. كان المقهى مزدحمًا بالسياح وبالإيطاليين أيضًا. تناولا فطائر محشوة بالمربى الطازجة. وبعدها توجها إلى صالون تجميل صغير كانت نيكول تعرف صاحبته التي قالت لزينة: –سوف أعطيك خصم خمسين بالمائة إكرامًا لنيكول. وأوضحت لها نيكول قائلة:
–لقد عملت عارضة أزياء لإحدى دور الأزياء الشهيرة هنا في ميلان وعشت في هذه المدينة لمدة عامين ولي بها معارف وأصدقاء كثر. غسلت لها المرأة الإيطالية شعرها وقامت بقص أطرافه التالفة واعتنت ببشرتها. وفي مركز التسوق تركت نيكول المحلات الرئيسية وأخذتها إلى الشوارع الجانبية حيث المحال الصغيرة التي تعرض بضائع بخصم كبير. وكانا في أحد المحال عندما تلقت نيكول اتصالًا هاتفيًا من جليلة.
تجهم وجه نيكول وهي تستمع إليها وابتعدت زينة لتتركها تتحدث على راحتها. انتقت زينة ثوبًا واستدارت لتريه لنيكول ولكنها رأتها تنظر إلى هاتفها المحمول عاقدة الحاجبين. فأعادت زينة تعليق الثوب مكانه وتقدمت منها تسألها: –هل أنت بخير؟ نظرت إليها نيكول وحاولت رسم ابتسامة على شفتيها ولكنها فشلت: –أنا آسفة جدًا يا زينة.. سأضطر أن أتركك وحدك.. كنت قد نسيت أنني وعدت جليلة وكاميليا أن أذهب معهما لشراء بعض الأغراض.
–لا عليك اذهبي أنت.. سأكون بخير. –هل تستطعين العودة وحدك إلى الفندق يجب أن نكون في المطار في الخامسة على الأقل؟ –نعم أستطيع.. لا تقلقي ولن أتأخر في العودة. اعتذرت لها نيكول مرة أخرى قبل أن تتركها وتنصرف مسرعة. وشعرت زينة بالشفقة عليها فهي تخشى أغضاب جليلة وتتصرف على عكس طبيعتها لإرضائها. تجولت زينة بين المحال التجارية الصغيرة حتى عثرت على الثوب الذي يناسبها ويناسب ميزانيتها كما اشترت حذاء وحقيبة صغيرة تليق به.
وتناولت الباستا بالصلصة الحارة على الغداء وتفلتت بالشوارع وشاهدت بعض الآثار الرومانية. وفي ساحة كنيسة سانتا ماريا تعرفت على بعض السائحين منهم زوجين من سويسرا يقضيان شهر عسلهما في إيطاليا. وآخر مكان زارته كان مكتبة أمبروسيانا وهناك تذكرت والدها مختار وشعرت بالذنب. كم جعلها خوفها على نفسها تصبح أنانية. استمرت بحياتها وهي لا تفكر بما يشعر به والديها الآن تجاه اختفائها وأصبح كل همها أن تنسى ما مر بها.
على الأقل يجب أن ترسل لهم رسالة تطمئنهم فيها على حالها إن لم تستطع الاتصال بهم. وقررت أن تفعل ذلك فور عودتها إلى الفندق ستطلب من فراس أن يعيرها هاتفه لترسل منه رسالة إلى والدها. عادت زينة إلى الفندق تحمل حقائب مشترياتها وصعدت إلى غرفتها مباشرة. ولكنها فوجئت بها مفتوحة وعاملات النظافة يقمن بتنظيفها ونظروا إليها باستغراب وهي تدخل إلى الحجرة.
وبعد حوار قصير أسرعت إلى مكتب الاستقبال ووقفت شاحبة الوجه والموظف يؤكد ما قالته عاملة النظافة بالأعلى. لقد تم سداد حساب غرفتها كما بقية غرفهم. لقد رحلوا وتركوه. كانت الساعة الثالثة والنصف وموعد الطائرة في السادسة كما أخبرها آدم بالأمس. هي لم تتأخر. هل كانت خطة للتخلص منها؟ أن تأخذها نيكول إلى التسوق ثم تتركها ليتسنى لهم ترك الفندق وهي غائبة؟ خرجت زينة إلى الشارع والدموع تنساب من عينيها غزيرة.
لقد صرفت كل المال الذي أعطاها إياه آدم ولم يتبقى معها سوى القليل. ودعت أن يكفي ثمناً لسيارة الأجرة إلى المطار. وفي المطار سألت عن مكان وموعد الطائرة الذاهبة إلى نابولي وبحثت بين المسافرين في صالة الانتظار ولكنها لم ترهم بينهم. وراقبت حتى آخر مسافر. انسابت دموعها غزيرة وسارت هائمة على وجهها إلى خارج المطار. عادت إلى الفندق بالحافلة العامة.
كانت تتشبث بأكياس المشتريات في يدها بقوة وراحت تدور حول الفندق تفكر وتحاول أن تطمئن نفسها أنهم ربما يكونون قد نسوها وسيعودون من أجلها في أي وقت. لفتت تحركاتها وحالتها المضطربة التي كانت فيها نظر أحد رجال الشرطة ولمحته يقترب منها فأسرعت الخطى كي تبتعد قبل أن يصل إليها. وأثناء هروبها وجدت نفسها وقد ابتعدت كثيرًا عن الفندق وتاهت في الشوارع المحيطة به.
غربت الشمس وبدأ الليل يفرض وجوده وتلألأت أنوار أعمدة الإنارة والمحلات. وكان قد استبد بها اليأس أخيرًا وهي تعبر الطريق مشوشة الذهن ودون أن تنتبه للسيارات القادمة من الاتجاهين. وأنتفضت بذعر وهي تسمع صوت المكابح وأبواق السيارات العالية وبعض السائقين الذين راحوا يعنفونها على قلة حرصها وهي تعبر الطريق.
دق قلبها بسرعة من الخوف وأصبحت ساقيها هشتين فجلست على سور نافورة مياه تتوسط الميدان الذي لا تعرف اسمه ودموعها تعود لتنساب على وجنتيها. سمعت صوت شخص يصرخ باسمها فرفعت وجهها بلهفة لترى آدم يعبر الطريق الذي عبرته منذ لحظات. وقفت تحدق فيه لا تصدق عينيها. لقد عاد. ركضت تجاهه بلهفة فضم جسدها النحيف المرتعش بين ذراعيه بقوة وقالت باكية وذراعيها تحيطان بخصره ووجهها مدفون في صدره: –لقد تركتني ورحلت. مسح على شعرها
وهو يقول بأنفاس متقطعة: –مستحيل أن أتركك وأرحل.. كان سوء فهم لعين.. أنا آسف. نعم هذا ما كان يخبرها به قلبها فآدم ما كان ليتركها بتلك الطريقة ويرحل وإن أراد تركها لقال ذلك في وجهها ولما لجأ إلى الحيل والغدر. وكذلك حميد الذي خاض مشقة في استخراج أوراق رسمية لها وفراس لن يطاوعه قلبه الطيب لأن يتركها في الشارع وحيدة. –لقد شعرت بالرعب وأنا أراك تعبرين الطريق بتلك الطريقة.. كدت تقتلين نفسك.
ابتعدت عن ذراعيه بخجل ونظرت إليه والابتسامة تنير وجهها. كان قلقًا عليها وظهر ذلك جليًا في شحوب وجهه. وسألها وهو يتفحص وجهها: –هل أنت بخير؟ هزت رأسها إيجابًا. فأخذها وجلسا عند نافورة المياه ونظر إلى حقائب مشترياتها وقال: –ما الذي اشتريته؟ –اشتريت فستان وحقيبة وحذاء. نظرت إليه فأختلج وجهه ورقت نظرات عينيه: –لقد بحثت عنك لساعات.. ما كان لك أن تتركي الفندق على الفور فقد عدت ولم أجدك.
أخبرته أنها ذهبت إلى المطار وبحثت عنهم هناك. قال بتجهم: –لقد قدمنا موعد السفر وحجزنا طائرة خاصة. وأخبرها أنهم أخذوا الحقائب إلى المطار على أساس أن تلحق بهم زينة وبقية النساء إلى هناك ولكنه فوجئ بأنهم جاءوا من دونها. فشرحت له ما حدث مع نيكول فجز على أسنانه بغضب وسألها بتجهم: –هل خفت؟ –نعم. انتفض جسدها لا إراديًا وهي تتذكر ساعات الخوف والقلق التي قضتها قبل ظهوره. قال مبتسمًا:
–سوف أخبرك شيئًا ربما يسعدك ويجعلك تنسين ما مر بك اليوم. اتسعت ابتسامته وهو يراقب تلهفها: –لقد أجرى والدك العملية وهو الآن على ما يرام وقد اطمأن أنك بخير قبل دخوله إلى غرفة العمليات. نظرت إلى وجهه غير مصدقة. كيف يعرف والدها وكيف عرف بأنه أجرى الجراحة وأنه بخير وأكثر ما تريد معرفته كيف وصلت أخبارها إلى والدها ومن الذي قام بذلك؟ رد على كل أسئلتها:
–عندما كنت في القاهرة كلفت المحامي الخاص بي للتواصل مع عائلتك وطمأنهم عليك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!