_وأصبح مأواي اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبض مالك في آخر لحظة على يد فرحة قبل أن يصل النصل إلى صدره، وجاهد كي يفلت من بين أصابعها مقبض السكينة وقد أفلح بعد أن كتم تأوه أليم مما ألم به من ألم عندما غرز النصل في ذراعه. ودفعها للخلف برفق وهو يمسك ذراعه في ألم، واتسعت مقلتا فرحة في هلع وهي تنظر إلى الدماء التي انبثقت من ذراعه في ذعر، ثم أخذت تهتف بارتياع: أنا مقصدتش.. أنا مقصدتش.. أنت خلتني أعمل كده.
وسكتت وهي تضع أناملها فوق شفتيها بصدمة من نفسها، فنظر لها مالك وقد نسي ألمه، وقال بلطف: محصلش حاجة، اهدي. وهم أن يدنو منها، وما كاد يفعل حتى تقهقرت هي للخلف، وصرخت بانفعال: خليك بعيد عني. رمقها مالك بقلب يرفرف كالذبيح، ثم تراجع خطوتين وهو يقول: أنا همشي وهبقى أجي أطل عليك. واستدار ميممًا وجهه نحو الباب، وهي تهتف بصوت باك يمزق القلب من وراءه: لا متسبنيش لوحدي هنا. وأخذت تهذي باكية والباب يصفق بقوة. ********
قرع الباب بطرقات متتالية متعجلة تدوي بدوي صاخب، جعل مليكة تهب واقفة وقد فغرت فاها وحدقت شاخصة البصر وهي ترتجف نحو الباب، وتجلى في عينيها الخوف حتى بلغ الذروة، وأسرعت أمها نحو الباب وهي ترمقها في قلق وتوجس، وبدا كأن الخوف قد تسرب إلى قلبها هي الأخرى وهي تفتح الباب في توتر، وما كادت عينيها تقع على الطارق، هتفت في ارتياح مسبلة الأهداب: ياسر، تعال يا ابني اتفضل. غمغم ياسر على عجل: لازم نمشوا حالًا من إهنه.
صبت أمل كامل اهتمامها إليه، وهي تسأل في ذعر: محمد حصل له حاجة؟! هز ياسر رأسه نفيًا عما تقول، وغمغم سريعًا: لا لا عمي محمد زين متقلقيش، ولكن.. هما بيلفوا على الست مليكة دلوك، عشان كده جيت أوديكم مكان تاني. ساد سكون مهيب عندما انبعث صوت قوي صارم يسأل في تجهم من وراءهم: على فين طالعين؟! وهبت رياح الأمان، فأطفأت شموع الخوف، وسحقت أبابيل القلق، ومحقت أحجار الحزن.
لقد كان صوت سراج، انبعث مبددًا كل القلق الذي خيم على القلوب والمنزل كسحابة ممطرة أصابت الجميع، واشرأبت مليكة برأسها من فوق كتف أمها واللهفة تتفعم في حدقتيها، اللاتين ابتسمتا في اطمئنان، وافتر ثغرها ببسمة تلألأت من هوة هواجسها. استدارت الرؤوس إلى سراج الذي أخذ يدنو حتى وقف داخل المنزل، وضيق ياسر عينيه بريبة، وغمغمت أمل: أنت سراج! أومأ سراج برأسه، ورفع عينيه على مليكة، وهو يقول: محدش قال لي رايحين على فين؟!
حدقت به مليكة، وكان لا يزال ناظرًا إليها، ولاح لها على محياه شبح ابتسامة سرعان ما تلاشت، فظنت إنها تتوهم ذلك، وهمست: سراج أنت جاي ليه؟! وأجابها وهو ينظر إلى عينيها: جاي اطمن عليك، وأشوفك زينة ولا لا! قال وهو يطوف ببصره بين أمل وياسر: ودلوك حد يرد على سؤالي. تبسمت مليكة وهي تهمس في اطمئنان بث في قلوب المحيطين بها: سراج شخص قد الثقة يا ماما. نقلت أمل بصرها إلى سراج، ثم تنحت جانبًا وأشارت له بالجلوس وهي تقول بترحاب:
اتفضل يا بني اقعد الأول ونحكيلك كل حاجة بالتفصيل لعل نلاقي عندك حل. بادلها سراج نظرة اطمئنان وهو يجلس، وقد جلس الجميع وقصوا عليه سبب مجيئهم إلى الصعيد، وإن ثمة أصدقاء لزوجها كانوا شركاء معه في العمل قد سرقوا كل أمواله، واتهموه بتهم هو في تمحيص عنها منها تزوير الأموال والاختلاس وجعلوا الشرطة تبحث عنه، وها هم ذا يبحثون عن مليكة لكي يجعلوها تمضي بما تملك من نصيبها في الشركة كتبه والدها باسمها. ثم خيم صمت رهيب، اخترقه
سراج وهو يقول بهدوء مريب: الحل عندي… وبتر عبارته وهو يحول بصره إلى مليكة، وتابع: بإني أتجوز مليكة. هبت أمل واقفة، وهتفت بصدمة: أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟! لكن ياسر تبسم بظفر، وهمس في هدوء بدا بتفكير: اقعدي يا مرت عمي، الأستاذ سراج معاه حق، ليه ما يتجوزش مليكة؟! نما غضب كالبركان فوق ملامح أمل، وصاحت في تعصب: أنت اتجننت يا ياسر أنا مستحيل أجوز بنتي بالطريقة دي. غمغم سراج في هدوء: طب اقعدي وافهميني الأول وبعدين ارفضي.
رفضت أمل الانصياع، لكن سراج هتف مجددًا: قلت اقعدي وافهميني ولو عايزة ترفضي ارفضي. جلست أمل على مضض، بينما قال سراج وهو يتنهد بتفكير: أنا متعودتش أشوف حد مظلوم وأسكت، أو حد مكروب ومفرجش كربه، وأنتم بقيتوا أهلنا ومسؤولين منا بما إنكم جيتم تحتموا فينا، عشان كده هخطب الست مليكة شكليًا وقدام الناس وهتيجوا تقعدوا في بيتي هناك محدش هيقدر يقرب منكم واصل، وأنا بنفسي هحل مشكلة والدك يا مليكة.
قالها ناظرًا إلى مليكة التي بدا عليها التفكير في كلامه، بينما رفضت أمل بإصرار: وأنا مش موافقة. _بس أنا موافقة. قالتها مليكة بثقة، فاشتعل الغضب في عينا أمل، وهمت أن تثور هائجة، لكن سراج قال: وافقي يا مرت عمي أنا سمعت عن سراج بيه كتير وهو هيقدر يساعدنا متقلقيش. ********* ها جاهزين؟! انبعثت العبارة من فم سراج، وهو يسأل مليكة متأهبًا لنقلهم إلى بيته، فتقدمت مليكة نحوه بخطوات متأنية، وبادرته قائلة باهتمام:
أنت هتكسب إيه لما تساعدنا؟! هتساعد ناس غريبة متعرفهاش ليه؟! مرت سحابة صمت فوق ملامح سراج لردح من الزمن، وهو يتطلع إليها متأملًا، ثم هز كتفيه قائلًا في بساطة: ولا أي حاجة. ولاذ بالسكوت لهنيهة، ثم استرسل قائلًا: هساعدكم لإنكم محتاجيني وأنا قادر على المساعدة فـ ليه ما اقدمهاش؟! ازدردت مليكة لعابها، وسألته في توتر: وإنك تتجوزني! رفع سراج حاجبه، وهو يغمغم:
إني اتجوزك فـ ده عشان تقعدوا في بيتي في أمان، ونقدر ننفصل لما أبوك تثبت براءته. انطلق بهم سراج بعد ذلك إلى منزله، وأدخلهم من باب آخر كلاً يراهم عتمان، وهو يقول بصوت خافت: أنتوا هتقعدوا في شقتي الخاصة في البيت، لحد ما أقول لجدي عتمان عنكم وأفهمه كل حاجة، ولكن الزواج الشكلي ده محدش لازم يعرف بيه واصل. *************
أحست ملك بالضجر من الشقة التي بدت لها كأنها سجن غير مسموح لها بالخروج منه، فتسللت بحذر من وراء أمها وأختها، وغادرت الشقة وهبطت الدرج في هدوء، كانت تبتغي الخروج إلى الحدائق والأراضي التي رأتها من نافذة حجرتها، وقد جذبتها، وبرقت عيناها بوميض الفرح وهي ترى الباب مشروعًا على مصرعيه وإن أحدًا لم يلاحظها، لكن وقبل أن تجتاز الباب، شاهدت عتمان على كرسيه المتحرك وهو يتقدم نحو البيت، فتوارت وراء الباب بلهفة، وكتمت أنفاسها في توجس وراقبته وهي تخرج رأسها من وراء الباب وهو يدخل إلى حجرة ما، وحتى تتأكد إنه دخل ركضت جهة حجرته، وراقبته من الباب ولكن..
فجأة! وجدته ينهض من فوق كرسيه المتحرك ويقف على قدميه، فاتسعت عينيها في ذهول وشهقت بصوت عال.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!