أشرقت الشمس متوهجة ذاك الصباح، وتسلل ضوؤها من نافذة حجرة مليكة، التي هبت من فراشها في ارتياع على صوت والدتها وملك وهما يصيحان في لهفة مندفعتان داخل غرفتها في حماس. "مليكة اصحي يا مليكة، أبوكي ظهرت برأته." قفزت مليكة من فوق فراشها وقد تهللت أسايرها، وسألتهم في ارتياب ظنًا منها إنهما تكذبان أو تحيكان أمرًا ما. "أنتوا بتقولوا إيه، بجد بابا ظهرت برأته ولا بتهزروا." ضمتها والدتها إلى صدرها، وأختنق صوتها بغصة بكاء،
وهي تقول: "سراج هو اللي ليه الشكر في كل ده لولاه كان فضل ابوكي هربان، والدك بخير وهيرجع وسطينا بفضله." ترقرق الدموع في عين مليكة وانسابت على وجنتيها بغزارة، وهي تهمهم. "طب طب هو فين دلوقتي؟ انا مش مصدقة." همست بآخر عبارتها وهي تحتوي بين ذراعيها أمها وشقيقتها في حنان، بينما أمها تقول بحروفٍ متلعثمة. "والدك حاليًا بيستجوبوه وأول ما كل حاجة تستقر هيجي على هنا وياخدنا وسراج معاه." ***
الغياب كان ثقيل، واللقاء كان رهيب حافلًا بالمشاعر الجياشة، تكالبت عليه الأفراح من كل جانبٍ وصوب حتى إنها ظللت كامل بيت وقلوب منزل عثمان رغم غيابه في تلك الأثناء لفتراتٍ طويل دون أن يدري أحد عن مكانه شيئًا. أجتمع محمد بعائلته في شقة سراج التابعة لمنزل العائلة، وهو يقص عليهن كل ما مر به منذُ فراقه لهن، وضم ابنتيه لصدره مليًا كأنما يُشبع حنينه إليهن. التفت محمد إلى زوجته، وقال يستعجلها.
"يلا يا أمل جمعوا اللي ليكم ويلا نمشوا كفاية اللي عمله معانا سراج لحد هنا." ثم التفت إلى مليكة، وقال لها في ترقب. "ولكن قبل ما نمشي، في عريس متقدم لكِ يا مليكة لازم أعرف رأيك الأول قبل ما نمشي." أطل التساؤل من أعين مليكة، فأردف محمد يقول. "سراج طلبك مني وقولت له اني هاخد رأيك و…" قاطعته مليكة قائلة بأنفعال. "آه ما خلاص أنت رجعت يا بابا وهو قال إننا هنتخطب كده يعني قدام الناس عشان نبقى في امان."
هز محمد رأسه نفيًا، وغمغم. "لا يا بنتي مش كده فعلًا سراج لو مكنش قدر يخلص على وليد الصاوي كان هيتجوزك شكليًا قدام الناس ولكن خلاص هو مش محتاج يعمل كده لإن فعلًا وليد اتقبض عليه وهيتحاكم، ولكن سراج طالبك للزواج بجد لو هتوافقي خير… وأنا شايف إنه راجل يعتمد عليه وقد كلمته وشهم وجدع، قُلتِ إيه؟ أطرقت مليكة خلجة ولم تنبس، لكنها قالت. "اللي أنت شايفه صح يا بابا."
لكزتها ملك وغمزة لها في مشاكسة فضحكتا الإثنين ضحكة لم تزر قلب أيًا منهما إلا توًا. ***
قرأ سراج الفاتحة في جلسة جمعت بين عائلته وعائلة مليكة دون جده الذي لم يحضر متعللًا بالعمل والإنشغال وإنه سيعوضه فيمَ بعد عن غيابه، وكانت عائلة مليكة على أهبة الاستعداد للرحيل، عندما خرجت ملك إلى خارج البيت وهي تجري اتصالًا هام، غافلة عن عتمان الذي ترجل من سيارته السوداء، ثم ارتفع رنين هاتفه وتوارى عن الأنظار وهو يتحرك بكرسيه جهة إحدى الشجيرات، وكان الليل جاثمًا على المكان إلا من نور النجوم المضيئة في السماء، عندما توقفت ملك عن الاسترسال في الحديث، بل أبعدت الهاتف عن أذنها في صدمة، وقد تسمرت في محلها وهي تسمع عتمان يقول في غضبٍ غير مدرك لعلو صوته على غرة.
"إنت يا بغل مبتفهمش ولا إيه؟ قُلت لك خد له كل الأطفال اللي عندك وسيبه يدبح زي ما هو عايز ويطلع الآثار وتديه اللي اتفقنا عليه ويغور، افهمت يا بغل ولا اعيد تاني تاك القرف محدش عارف يعمل حاجة من غيري." ثم صمت لردحًا من الزمن كمن يستعيد توازنه وتحرك بكرسيه دون ان يلاحظها، وشيعته بنظراتها حتى أختفى داخل البيت، فتمتمت في ذهول. "أنا.. انا لازم اقول لحد على اللي سمعته كله."
سارت ملك تبتغي الدخول، لكن وقبل ان تفعل أو تتحرك خطوة واحدة، وجدت رجلٌ يصد طريقها، يقفُ حائلًا بجسدٍ صلب في وجهها، قائلًا ببسمة شيطانية. "على وين يا قمر أنتِ." همت ملك أن تبتعد وهي تردد. "أنت مين، إوعى من طريقي." لكنه أجابها في بساطة. "أنا قبرك." اتسعت اعين ملك بصدمة، وخفق قلبها بعنف وكادت أن تصرخ وهي تستعد للركض لكن الرجل جذبها من ذراعها وشل حركتها وكمم فمها بقوة، ورفعها عن الأرض وهو يقول.
"محدش بيقدر يهرب من قبره يا قمره." وسار بها مبتعدًا، بينما عتمان يجلس لدى الباب على كرسيه متبسمًا في تشفي وظفر، وتنهد في راحة وهو يقول. "محدش بيقدر يقف قدامي يا بت الناس مين قالك اتصنتي عليَّ، والله خسارة شبابك يضيع." ثم أطلق ضحكة عالية، ودار كرسيه متحركًا للداخل.
غياب ملك بعد ذلك صنع ضجة عالية، بينما لزم عتمان غرفته دون أن يقابل أيًا من عائلة محمد قط، أنتشر الشباب بحثًا عنها، وسقطت قلوب عائلة محمد في القلق الذي بدا كأنه سيصبح مقيم في قلوبهم لفترة لا بأس بها.
أتصالات عدة جاءت لمالك من رقم فرحة لم يعيرها اهتمامًا وهو يبحث برفقة سراج في الأنحاء عن ملك، حتى خطر له هاجس مخيف بأن يكون قد حدث لها شيئًا، فأعاد الاتصال عليها عدت مرات دون مجيب، فترك سراج وحيدًا وأنطلق في طريقه إلى المنزل الذي يتركها فيه، من بعيد ومن زجاج السيارة وقع بصره على دخانٍ أسود قانٍ غيم بسحابة كئيبة فوق قلبه الذي أعلن الحرب بين جوانحه وأخذ يطرق في عنف مع مرأى الحريق الذي أحس به يلتهم روحه.
بل هو كذلك بالفعل، أليس فرحة في الداخل؟ وهي روحه. دوت صرخته مزلزلة وهو يغادر سيارته مندفعًا بين الملأ الذي تجمع حول الحريق، الذي كاد يخترقه هو الآن وهو يصرخ مناديًا باسمها، باسم فرحة التي كانت ملاذه من كل شيء. كانت مأواه الوحيد في الوجود. والجانب اللطيف في حياته. وجثى على ركبتيه منهارًا والحريق يخبو في عينيه محيلًا إلى رماد فسقط في يده، كما سقط قلبه وخفت نبضه كمن فقد نبضة من نبضاته. ***
وجدت ملك نفسها مقيدة الذراعين، ومكبلة القدمين على مقعد وحيد داخل مخزن لا تعلم أين يكون، فحاولت أن تحرر نفسها وهي تزوم في شراسة، حتى فتح الباب ودخل الرجل الذي جاء بها لهذا المكان والذي رأته عدت مرات يقف على باب منزل عتمان الخارجي الضخم، فسكنت حركتها من شدة الخوف، وتوجست خيفة من نفسها، وهي تحدق فيه وهو يقترب، قائلًا بهمسٍ كالفحيح بجوار أذنيها. "عتمان بيه أمرني إني أقتلك." ثم تحسس وجهها، متابعًا.
"ولكني مش هقتلك قبل ما اشبع منك يا قمر." نفضت ملك رأسها في جنون ليبعد أصابعه عن وجهها، ثم بصقت على وجهه في حدة، وقبل أن تصرخ في وجهه، وجدت كفه يهوى على وجهها بلكماتٍ متتالية، وهو يصرخ في جنون. "بتفي في وشي يا حيوانة انا هعرفك إزاي تحترمي اسيادك عاد."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!