الفصل 15 | من 30 فصل

رواية ملكة قلبي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريان بطرس

المشاهدات
19
كلمة
5,501
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

تحرك كالمجنون يركض للأمام بغضب أعمى، حتى أنه لم يلاحظ صديقه القادم نحوه. نظر له الآخر بتعجب ليهتف به من الخلف: "نبيل، فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟ مالك؟ ولكنه كان كمن يخاطب الهواء، فالآخر لم يلتفت إليه حتى، بل استمر بطريقه بذات الغضب الأعمى. نظر بآخرة بتعجب، قاطباً جبينه. ظل ينظر بظهره المبتعد، ثم همس بينه وبين نفسه قائلاً بتعجب: "ماله ده؟ التعجب الممتلئ به وجهه حقيقي، فهذه هي المرة الأولى التي يرى بها صديقه بهذا الغضب.

وما كاد يبتعد عنه حتى سمع صوت فارس يصرخ من خلفه بلهث متسائلاً: "باسل، ماشوفتش نبيل؟ زادت تقطيبة جبهينه أكثر وهو يجد من صباح اليوم ذلك الكر والفر والغضب المندلع بالآفاق. ما بالهم هؤلاء؟ أتركهم نائمين لساعتين ليأتي ويرى تلك الحالة. ولكنه أجابه بحيرة: "آه شوفته وكلمته، بس مش عارف. أول مرة ميردش عليا زي ما يكون مش شايفني وخد في وشه وطار. مش عارف فيه إيه!! نظر له فارس ليهتف بخوف: "انت لسه هتفكر؟

تعالى نلحقه الأول ليعمل مصيبة يخلينا منخرجش من المكان من هنا. وبعدين نتكلم. قولي مشي منين؟ انتفض قلبه داخل ضلوعه فزعاً ليشير جهة ما. سار الآخر، ثم نظر له متسائلاً بخوف: "إيه اللي حصل؟ هيعمل إيه ولا رايح فين؟ أجابه الآخر قائلاً: "مش عارف. كل اللي أعرفه إنه كان واقف مع البنت اللي اتخانقت معاه امبارح، وبعدها لقيته بالحالة اللي انت شفتها دي وهي بتصرخ وراه. وقالتلي: الحقه. وتقريباً هيتخانق مع أخوها."

وقف في محله يقطب جبينه بتعجب. ولكن على الرغم من ذلك، لم يستطع منع السعادة من قلبه لمعرفة أنه غاضب من ذلك الشاب. على الرغم من كرهه ومقته للعنف، إلا أنه لم يستطع سوى أن يفرح بذلك الشاب. فمنذ أن رأى ذلك التقارب والتفاهم العجيب بينه وبين جنا، وتلك الراحة بالحديث، وكأنهم خلقوا لبعضهم، وهو يشعر بأنه بداخله يغلي كبركان ينتظر لحظة انفجاره. ذلك التقارب أزعجه، أغضبه. فبعد أن شعر بأنه اقترب منها خطوة، رأى داخلها الحقيقي وأعجبه.

رأى رقتها، حنانها، مشاعرها، هدوئها العجيب. جاء ذلك الشاب ليبعثر سعادته الوليدة أدراج الرياح. ولكن إن كان عليه فعل شيء، فهو أن يتعقل ويهدئ صديقه، فلربما تحدث هنا مشكلة تجعلهم لا يخرجون أحياء. ولكن يجب عليه تهدئته على الرغم من عدم معرفته سبب ما يحدث.

أفاق على صوت فارس يقول بحسرة: "مش عارف إيه اللي جنني وجابني معاكم ده. كان يوم أسود يوم ما جيت. من ساعة ما رجلي خطت المكان ومش لاقي غير مصايب عمالة ترف على دماغي، ومن أول لحظة."

ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه، ولكنه لم يعلق. حسناً، فإن كان هناك شيء، فهو أن صديقه معه كل الحق. فمنذ أن وطئت أقدامهم ذلك المكان، فكل شيء قد تغير حقاً، وحياتهم أصبحت مثيرة بالفعل، من جدالات وكر وفر وأمور غريبة. ليلتف فارس جهته ليجد تلك الابتسامة مرسومة على شفتيه. ليكز على أسنانه بغيظ، ثم قال بضيق:

"نفسي أعرف بتضحك على إيه. انت ده واحد غيرك المفروض يكون أكتر واحد مرعوب من ناحية شغلك ومن ناحية ليك سوابق عندهم بسبب موضوع البنت دي." ازدادت ابتسامته اتساعاً وهو يجيب ساخراً: "متأخذنيش، بس ده. احنا لو في رواية مغامرات ما يحصلش معانا كده. ده اللي بيحصل معانا ولا في الأحلام." ضحك فارس ولم يجب، فهو حقاً معه كل الحق. فما يحدث أكثر بكثير مما يتخيلون أو يتوقعون فعلاً.

أما على الجانب الآخر، كان يقف يتحدث معها، إلى أن وجد باب مكتبه يفتح بقوة لدرجة أنه ضرب بالحائط. لتقفز هي من مكانها بفزع. ليسحبها هو تلقائياً خلف ظهره بحماية. لتتمسك بقميصه من الخلف من الرعب. فقد كان ذاك الداخل منظره مرعب. عيناه متسعة على آخرها، حمراء من الغضب، وجهه محمر من شدة غضبه، وكأن العفاريت تتراقص أمام وجهه. عروق عنقه نافرة بشدة لدرجة أنك تستطيع ملاحظتها بسهولة. اقترب منه بسرعة كفهد ينقض على فريسته. لتتمسك هي بياقة قميصه من الخلف برعب أكثر. في حين سحبه الآخر من قميصه بشدة تجاهه بغضب أعمى. لتترك هي ملابسه بخوف، تنكمش على نفسها برعب وخوف من منظره المرعب أمامها. وما زاد رعبها أكثر صوته حينما جهر بقوة زلزلت المكان، صارخاً

بابن عمه بغضب: "إيه نوع من الرجال انت، تحت أي مسمى المفروض يحطوك؟ ماهو مستحيل تكون راجل، لأن اسم راجل كتير عليك." اتسعت عيناه بغضب، ليزيحه للخلف بغضب مماثل. وقد بان في تلك اللحظة أن تلك الغرفة ستشهد حرباً قاتلة بينهم. ليصرخ باسم بغضب مماثل، بل ربما أكثر: "انت مجنون ياض؟ هو فيه كده؟ إيه أهلك معلموكش أي احترام إنك تخبط قبل ما تدخل مكان؟ أو معلموكش آداب الكلام؟ إيه؟

حتى إنك فيه لسان تتكلم بيه بدل ما تمد إيدك على حد معملكش حاجة؟ تلك الكلمات زادت غضبه أضعافاً، ليصرخ به بغضب أعلى: "والله قول الكلام ده لنفسك مش ليا. إيه متعلمتش إنك متمدش إيدك على اللي أضعف منك بدل ما تقابل بالرحمة تقابل بالعنف؟ بدل ما تكون أنت السند تكون أنت اللي بتكسرها." ثم اقترب منه يمسكه من ياقة قميصه بغضب أعمى، صارخاً بغلظة: "قولي يا دكتور يا محترم، ده اللي اتعلمته في الجامعة؟

ده اللي كليتك اللي من كليات القمة، اللي علمتهولك؟ هي دي رجولتك؟ وده اللي اتعلمته؟ هي دي النخوة اللي عند الراجل الصعيدي إنه يمد إيده على بنت.. يتفاخر بقوته على اللي أضعف منه؟ هو ده اللي اتعلمته؟ ثم صرخ بصوت أعلى: "هاه؟ رد عليا. هو ده اللي اتعلمته؟ اهتزت حدقتاه بحزن وندم قد بان على ملامحه، ولكن أبى أن يظهر بكلامه. حينما أزاحه عنه للمرة الثانية، مجيباً بضيق: "أنا كنت بعلمها الأدب. هي غلطت ولازم تتعاقب."

أغمض عينيه يتجرع ما بقي من غضبه. ثم بدأ يلتف حول نفسه عله يخمد غضبه بعض الشيء، فذاك الحديث يغيظه بشدة. كيف؟ كيف؟

ليفتح عينيه ولم يجد أمامه سوى زهرية من الخزف على الطاولة خلفه، ليضربها بجانب يده، يطيح بها لتطير ضاربة بالحائط، ثم تسقط أرضاً متحولة إلى فتات، تزامناً مع صرخة تلك المرعوبة في الخلف، والتي كاد يغمى عليها الآن من الخوف، فمنظر ذلك الشاب أصبح خطيراً بدرجة مرعبة. في حين زعق بغضب بصرخة مزقت الأجواء، غير منتبه لدخول صديقيه المكان. وسؤال باسل بخوف وهو يرى تلك الأجواء المشتعلة: "هو فيه إيه؟

لم ينتبه، إنما كان جل اهتمامه بذاك الماثل أمامه. لذا صرخ به بجنون: "بتعلم مين الأدب؟ مش عيب عليك يا دكتور يا محترم تتكلم عن أختك كده؟ وبعدين افرض غلطت، المفروض يكون الحل إيه؟ المفروض الكلام، النصيحة، عقاب واضح. لكن مش إنك تستقوى عليها وتمد إيدك وأنت متأكد إنها مش هتقدر تعمل حاجة؟ تكسرها بدل ما تكون سندها." ثم نظر له من أعلى إلى أسفل، صارخاً باشمئزاز وقرفاً: "أي أخ أنت ده؟

أنت لا ترقى لأي مستوى من الأخوة. بدل ما تكون سند تكون أنت اللي بتضرب. في أي عصر إحنا ده؟ اللي لسه الأخ بيتجبر على أخته وبيمد إيده عليها. بيمثل قوة وسادية مجنونة. أنت خسارة فيك الكلية، التعليم اللي متنفعش معاك بحاجة أبداً. أنت مش أكتر من مظهر فارغ بس." احمرت عينا باسم بغضب، ليرفع إصبعه صارخاً بتحذير: "احترم نفسك، وإلا... قاطعه رافعاً أنفه بكبرياء: "وإلا إيه؟ هتمد إيدك عليا أنا كمان؟ إيه؟ هو ده مستوى الثقافة عندك؟

التفاهم والغضب والعقاب كله عندك بـ إيدك؟ ثم اقترب منه خطوة للأمام، مناظراً إياه بغضب متسائلاً: "أنا بس عاوز أعرف بـ أي حق بتمد إيدك عليها وليه؟ سؤاله هذا أغضبه حقاً. كيف يسأله عن أحقيته؟ كيف يسأله عن صفته؟ أهو معتوه أم ماذا؟ أقد خرج منه عقله ولم يعود؟ هو بـ أي حق يتدخل بـ أمور عائلية لا تخصه ويحاسبه بـ أمر ليس من شأنه البته. ليصرخ بـ تلك الكلمات في مواجهته: "أظن دي أمور عائلية متخصكش. لكن أنت اللي بـ أي حق تدخل بينا؟

وبعدين دي أختي وليا الحق." ولكن قبل أن يكمل كلمته، وجد الذي يقاطعه وهو يضربه على صدره بكفيه بقوة لدرجة تراجع جسده للخلف. وفي حين تقدم هو للأمام ثانية وهو يصرخ به غاضباً: "بس متقولش أختي. ومتلفظش كلمة أخ دي على لسانك ما دام أنت مش قدها، ومادام بتظهر قوتك عليها بدل ما تظهرها عشانها، يبقى مالكش حق تقول أختي." ثم أعاد الكرة، ضارباً على صدره ثانية، صارخاً به: "أما بتكلم بصفتي إيه؟

فـ هو بصفتي راجل.. راجل ما يقبلش إن حد يمد إيده على بنت مهما كان السبب. بتكلم بصفتي كنت الحجة اللي عملتها عشان تمد إيدك على الغلبانة دي. بتكلم بحمية راجل بيدافع عن إنسانة. بتكلم بواحد دمه حر ما يقبلش إنه يشوف حد بيمد إيده على حد أضعف منه، لا حول لها ولا قوة." ثم سحبه من ياقة ملابسه مرة واحدة، ليصرخ به بغضب: "إن كنت هتستقوى، استقوى على اللي زيك. تحب أوريك القلم ده كان عامل إزاي؟ هااه؟

صرخته الأخيرة جلجلت وزلزلت المكان حرفياً. لتتراجع جنا للخلف لدرجة التصاقها بالحائط خلفها. ثم بدأت تحتضن نفسها برعب. منظرها كان رقيق، هش، وناعم لدرجة تسرق القلوب. وفي ذات الوقت مثير للحمية. كانت هشة بالفعل، تحتاج لحماية. لم يستطع أن يبعد عينيه عنها، وبالأخص حينما وجد ارتجافتها الواضحة. ولكن ما زلزل كيانه بالفعل، هي كانت تلك اللآلئ الساقطة من عيونها، تلك الدموع التي جعلت جسده كله يرتجف.

بالكاد ثبت نفسه مكانه حتى لا يركض لاحتضانها وتهدئتها. بالكاد أمسك نفسه عن ضرب هذين الثورين المتناطحين اللذين سببا لها هذا الخوف والرعب. كيف؟ كيف لم يلاحظ وجودها أحد وسط ثورتهم وغضبهم؟ تلك الرقيقة الهشة الخائفة. ولكن على الرغم من ثباته، إلا أن صوته خرج جاهراً بغضب وقوة: "نبيل." توقف نبيل مكانه لحظياً، ولكنه عاود إمساك الآخر، ليحول عينيه بعيداً عنها، ناظراً جهة صديقه، صارخاً بغضب وقوة أكبر: "نبيل، سيبه."

توقف نبيل مكانه يتنفس بقوة، مغمضاً عينيه يتجرع غضبه. ليصرخ الآخر بغضب للمرة الثالثة: "نبيل، قولتلك سيبه.... حالا." فتح نبيل عينيه ليبعد يديه عنه، نافضاً إياه بعيداً. ولكنه لم يتمكن من ضبط أنفاسه العالية من الغضب. في حين نظر له باسم بغضب ليتحرك جهته، ولكن كان قد تحرك باسل ليقف بالمنتصف، حائلاً بينهم. ثم صرخ بقوة عله يجعل ذلك المتجمد مكانه يفيق: "فارس، خد نبيل واطلعوا."

ظل فارس يحول عينيه بينهم ثلاثتهم بصدمة، وبالأخص جهة نبيل. هو حقاً لم يرَ نبيل بـ تلك الحالة من قبل. وكأنه ليس صديقه، وكأنه لا يعرفه. هو واجه معه أشياء كثيرة، هو يعرفه بأنه أبله في بعض الأحيان، غبي أحياناً أخرى، مشاكس، مشاغب، دائم التذمر حينما يقع على عاتقه أمور أكبر من تصوره. ربما وأحياناً يكون كالثور لا يفهم، فقط يتناطح وينفذ ما برأسه. ولكن ذلك الغضب والثورة العارمة التي بالكاد يستطيع أحدهم إيقافها، لم يره عليها من

قبل. تلك الحمية الخاصة به، الغضب الأعمى دون تقدير الموقف أو المكان، لدرجة أن يمد يده على أحدهم، لم تحدث من قبل. طول سنوات عمرهم، لم يره على هذه الحالة من قبل. هو دائماً كان الأكثر بروداً على الإطلاق. أما الآن، فقد شعر لوهلة أنه أمام شخص غريب عنه تماماً، شخص لا يعرفه أبداً.

أما حينما سرح بـ أفكاره، صرخ به باسل للمرة الثانية بصوت قوي: "فارس.. خد نبيل واطلع... يلا."

انتفض فارس من مكانه ليومئ برأسه، ساحباً الآخر خلفه بقوة. وقد شعر بأن تلك المغامرات لن تنتهي إلا بقتلهم هنا. أما بداخل تلك الغرفة، ظل باسل واقفاً، ناظراً جهة تلك التي تقبع بالخلف تبكي بدون صوت. وربما لم يتذكر أحد وجودها في ذلك المكان. لتلمع عيونه بحزن، وهو غير قادر على طمئنتها أبداً. ليغمض عينيه يحاول تجميع أفكاره ويثبت جسده بالكاد مكانه حتى لا يصنع فعل أحمق يندم عليه مستقبلاً. ليفتح عينيه بهدوء ظاهري، ثم وضع يديه بجيبَي بنطاله في حركة تبدو للناظر مهيمنة، لكنها في الحقيقة وضعهم حتى يخفي ارتجافة يديه أمامها حتى لا يقوم بـ احتضانها وتهدئتها. ثم تحرك خطوة للأمام، ناظراً جهة القابع أمامه، قائلاً

بكل وقار: "أنا بعتذر عن اللي عمله صديقي ورد فعله، وبعتذر عن الهمجية اللي اتحرك بيها، بس اللي مش بعتذر عنه هو مضمون الكلام والفكرة." ارتفع رأس باسم مرة واحدة بغضب، ليومئ الآخر بهدوء مكملاً بكل بساطة: "اعتبرها فضفضة من أخوك. أنا آسف إن كنت بتدخل في أمور عائلية، واسف جداً كمان لأننا اقتحمنا حياتكم ببجاحة زي ما بيقولوا، وحاكمناكم على حاجة متخصناش. لكن... قطع كلامه ليصمت لبرهة، ناظراً أرضاً. ثم وجده يرفع

عينيه يكمل بهدوء حزين: "دي أختك مش أي حد. ربما غلطت، بس هي اتصرفت كده وبكل قوة وهيمنة لأنها عارفة إنك موجود وإنها في حمايتك. عارفة إن محدش فينا يقدر يلمسها أو يزعلها. يعني عملت كده وواثقة بوجودك بـ إنك طول ما أنت موجود محدش يقدر يعملها حاجة.. اتصرفت برعونة لأنها عارفة إنك هتغطي عليها. هي عمرها ما كانت هتعمل كده لو أنت مش موجود.. هي غلطت أه، بس ده لأنها واثقة فيك وفـي وجودك. لكن غلطتك أنت أكبر."

ضاق باسم عينيه ليومئ الآخر مكملاً:

"آه هي غلطت، بس لأنها واثقة فيك. لكن غلطتك أنت إنك كسرت ثقتها دي. هي معاك حاسة بالأمان لدرجة إنها حاسة إنها ممكن تعمل أي حاجة ومع أي حد لأنك أنت حمايتها. لكن اللي عملته إنك خدتها على خوانه، كسرت ثقتها فيك، إيمانها بيك. أنت مش واخد بالك، بس الأخ بالنسبة لأخته كل حاجة. هو صديقها، سندها، ثقتها في الحياة، خبرتها بالدنيا، قوتها. الأب خبرة، بس قوة الأخ حاجة تانية. هو فخرها إنها ماشية وسط الناس مع شاب يحميها ويخلي باله منها

وداعمها. قوته عشانها ومحدش يقدر يرفع عينه فيها طول ما هو موجود. الأخ الكبير عند الأخت الحنية ودقة القلب الواثقة من كل حاجة. هو الثبات في الخطوات، وأنت كسرت كله ده. أنت كسرت إيمانها بيك يا دكتور. أنا مبتكلمش عن القلم ده، أنا بتكلم عن كسرتك ليها هي.. احنا قولنا محصلش حاجة وانتهى، وبعدين على رأي نبيل بـ أي حق تضربها."

فتح فاه للحديث، ليرفع باسل يده مقاطعاً مكملاً: "أنا عارف إنك أخوها، بس مش أبوها، مش المسؤول عنها. أنت أخوها، أنتو الاتنين مسؤولين من راجل واحد. وبدل ما تعرفها غلطها كـ دكتور محترم وتتكلم معاها، أنت كسرت العلاقة بينكم. أنت دلوقتي عملت حاجز بينك وبينها صعب تتخطاه." ارتفع وجهه بصدمة، ليومئ برأسه وهو يقول: "من رأيي حاول تصلح غلطك يا دكتور، بدل ما تندم في يوم من الأيام إنك كسرت أقوى علاقة في التاريخ عشان تفاهات."

ثم استدار للخروج، ولكنه أكمل وهو يعطيه ظهره: "فكر في اللي قولته واعتبره نصيحة من أخ. وفي النهاية، احنا آسفين إننا كنا سبب المشكلة، وكمان إننا اتدخلنا فيها."

ثم دون حديث آخر، تحرك للخروج، تاركاً الآخر ينعى تأنيب الضمير. وأخرى سقطت أرضاً براحة بعد ذلك الرعب الذي تعرضت له. ولم ينتبه أحد لتلك التي كانت تقف بالجانب تنظر لحماية لابنة عمه بشدة، وكأنها أهم شيء. وقد رأت في تلك اللحظة بأنه الأمر ليس كما يبدو. فيبدو أنه يكن لها المشاعر، وهي كذلك، حتى وإن رفضوا الاعتراف. لتلمع عيونها بحزن وبكاء. في حين كانت هناك عيون كليلة تتابع ما يحدث بابتسامة وقورة. فذلك الذي يحدث وتلك الشرارات

الكهربائية المنبعثة والتي تلتف بالأجواء لن تخفى عن عينيه. فقد شاب شعره وتحول للأبيض، وقد أصبح له خبرة بكل شيء. فـ إن تحدثنا عن الحب، فهو أكبر العشاق وعاش بعشق محبوبته لن تبتعد عن ثنايا صدره مهما بعدت المسافات. وهؤلاء الشباب كنفحات الورود العطرة يحملون نفحات عشق لقلوب نظيفة، حتى وإن حاولوا إخفاء ذلك قسراً. فقلوب الجميع تدق، وما عليه سوى المراقبة بابتسامة. فـ للعشق دروب كثيرة، ولا يعلم العقل ما تلك الدروب التي سيسلكها

العشق للفوز بمعشوقه. ولكن يكفي أنه قد مس شغاف القلب، وكفى.

على الجانب الآخر، ما إن خرج من الغرفة حتى سحبه من مقدمة ملابسه صارخاً بغضب: "انت اتجننت يالا؟ رايح تتخانق على إيه وليه؟ احنا مالنا؟ نفض يده صارخاً بغضب: "مالنا؟ إننا كنا السبب. مالنا إنه بيضربها بسببى أنا." أغمض عينيه يدعو بالصبر. ثم مسح على وجهه، ثم قال بهدوء ظاهري، يعلمه الآخر جيداً بأنه على حافة الانفجار: "دلوقتي حالا تروح وتجيب الدكاترة وناخدنا حاجتنا ونمشي... دلوقتي فاهم؟

يعلمه جيداً، هو الآن على حافة فقدان سيطرته على نفسه، ولكنه يتمسك بآخر ذرات التحكم. ولكن إن فقدها، فسيندم الجميع. لذا تحرك ينفذ ما أمره به، علهم ينهون هذا اليوم دون مشاكل. في حين تحرك هو خطوتين، ينظر جهة تلك التي تتابع ما يحدث بتعجب، وقد وصلت على الأصوات العالية، ولكنها لم تفهم ما يحدث. ليجلي هو حنجرته، ثم تنحنح قائلاً وهو يشير جهة المكتب، في حين احمرت وجنتاه خجلاً:

"صاحبتك جوه. من الأفضل إنك تدخليها وتطمنيها عليها، لأنها محتاجالك." قطبت جبينها، ثم تسائلت بخوف: "ليه؟ إيه اللي حصل؟ ما إن رآها وقد علم أنها الوحيدة التي تستطيع إخراجها من الرعب الذي رأته، فـ لم يخفَ عليه روحها المرحة، ليجيبها بهدوء: "محصلش حاجة. بس ادخلي اطمني عليها، لأنها خافت من الصوت العالي." أومأت برأسها لتركض للداخل تطمئن عليها. وما إن دخلت حتى تفاجئت بمنظرها المبعثر، لتسحبها داخل أحضانها بخوف، متسائلة برعب:

"جنا، مالك؟ ضمتها الأخرى لصدرها لتبكي برعب وهي تقول: "أميرة، كويس إنك جيتي. أنا كنت مرعوبة." ابتعدت عنها أميرة تنظر بوجهها، ثم قالت بمرح: "يا شيخة، وأنت بتعيطي؟ وأنا أقول تكوني خدتي بوكس ولا حاجة؟ شوهت الملامح الحلوة دي؟ ولا حد دخل صباعه في عينك عايز يفصل اللون الأخضر من الأزرق؟ لكن كل العياط ده وأنت سليمة؟ لا لا، ملكيش حق. المرة الجاية عيطي على حاجة تستاهل." ابتسمت بوجهها، لتكمل الأخرى بمرح:

"بس قوليلي، بالنسبة لصراع الثيران ده كان السبب إيه؟ أوعي تقولي حلموا بيكي." ضحكت عليها، لتجيبه بهدوء: "لا، نهلة." ضحكت الأخرى لتقول: "إيه؟ حلنو بنهلة هي كمان؟ إيه مش عاتقين حد؟ ضحكت تنفي برأسها وهي تجيب بهدوء: "لا، خناقة نهلة امبارح." ضحكت الأخرى مجيبة: "لا، إذا كان نهلة لازم يكون صراع تيران. أهو يتناسب مع المعنى بيه." ضحكت هي ولم تجب، لتسندها لتقف، لتقول بمرح:

"أنا بقول إن طنط وفاء تعملك طبق فول مصري محترم. هتاكليه من هنا وهتكتسبى تناحة في المشاعر والتفكير. اسمعي مني بس، وأنت مش هتخسري. ده الفول بيوضّع." يدها على فمها مجيبة بضحك: "اسكتي، هتفضحينا يا عجلة انتي. اسكتي." ضحكت ولم تعلق، لتسحبها للخارج. في حين كان هناك زوج من العيون يتابعهم. ليقول فارس بابتسامة: "كويس إنك قولتلها. قدرت تهدّيها. البنت دي نكتة أصلاً." أومأ برأسه ليقول بهدوء:

"روحها حلوة، بس ربنا أعلم باللي جوه القلوب. ممكن تكون موجوعة وبتبين الضحك." أومأ فارس ليتطلع إلى ظهرها، وهو لا يعلم لما تلك الفتاة تحديداً لفتت انتباهه بهذا المكان. من بعد جميلة، لم توجد فتاة استطاعت أن تجعله يتابعها سواها. ربما لمرحها وطفوليتها وضحكتها الرائقة البريئة جعلته يتتبعها فقط بحثاً عن ابتسامة صادقة ترتسم على وجهه. فهي تنشر البهجة بكل مكان.

_بعد عدة ساعات، كان يقف على رأس السيارة يشرف على تحميل المواشي، بينما عيناه تتابعها وهي تقف بابتسامة تربت على ظهر تلك القطة بحنان ونعومة. لتنظر أميرة تشير جهة القطة قائلة بتعجب: "يعني هتحتفظي بيها؟ أومأت برأسها لتمط شفتيها، ثم قالت بهدوء: "آه بصراحة شكلها جميل وحلوة، بس غريبة." حولت وجهها جهتها بتعجب: "هو إيه ده اللي غريبة؟ هزت كتفيها تجيبها ببساطة: "يعني هتشيليها من هنا لحد هناك. مش مشوار ده عليكي؟

على أساس إن القطط اتقطعت من مصر؟ ده القطط عندنا على قفا مين يشيل." ابتسمت لها بنعومة لتحتضن القطة مجيبة بهدوء: "بس أنا حبيتها وحسيت بـ مسئولية ناحيتها." التمعت عيناه بالسعادة وهو يجدها تحتضن القطة التي وجدها بذلك الحب والحنان. في حين مرت فكرة خبيثة برأسه، وهو ماذا لو كانت تحتضنه هو؟ كيف سيكون شعورهما في ذلك الوقت؟

تمنى أن يكون هو قطة لينعم بذلك الحضن من ذلك المخلوق الوردي أمامه. وفي تلك اللحظة مرت خاطرة غريبة برأسه، ماذا لو كانت تحتضن هذه القطة وتحتفظ بتلك القطة فقط لأنها منه؟ عند تلك الخاطرة، ارتسمت ابتسامة سعيدة على وجهه. ليجد تلك التي تقف بجوارها تبتسم مجيبة بمرح: "تمام، اللي جابلك يخليلك يا روحي. تتربى في عزك يا رب."

ضحكت هي بشدة، في حين ارتسمت ابتسامة أخرى على وجه فارس، ليزيح نظارته على عينيه أكثر، وهو يجد تلك التي لا يستطيع توقعها تخرج كلماتها المازحة وبصوت مرتفع دون أن تنتبه حتى إن كان أحد يسمعها أو لا. في حين أكملت بـ لا مبالاة كعادتها دون اهتمام لـ علو صوتها: "المهم، ادينا جينا وزرنا. ويبخت من زار وغار. ويومين وهنمشي ومتعلمناش حاجة من الدكتور بتاعكم ده اللي مفضيلناش ساعة واحدة من ساعة ما جينا."

تمتم الجميع ضحكاتهم بالكاد، في حين حول باسم وجهه جهتها بصدمة، لتكمل بضيق: "وأنا هروح أقول للحاج تيتى تيتى. زي ما روحت زي ما جيت." صمتت لبرهة من الوقت، لتكمل بمزاح: "بقولك إيه، بما إني متعلمتش حاجة من المزرعة من هنا، وطبعاً مش هعيش هنا على طول، وفـي مصر لسة مش ضامنة شغل. أنا عندي فكرة مشروع حلوة." استطاعت بحديثها المازح لفت انتباه الجميع، ليرمي الكل آذانهم جهتها. في حين تساءلت تلك التي كانت تقف من البداية قائلة بتعجب:

"مشروع إيه؟ جلست أرضاً مربعة قدميها دون أن تهتم باتساخ ملابسها، وهى تكمل بمرح: "أنا أربيلي شوية بط على شوية فراخ، وأقعد جنب الحاجة أستنى عدلي إن شاء الله. وأهو يمكن المزرعة تكبر ونورد للأجانب والفلوس تجري في إيدينا زي الرز. وعلى الأقل الحاجة متقوليش: كنت ربيت ذكر بط أحسن. لأنها هتربيني أنا والبط مع بعض. ويلا نتعاون. هي معاها الخبرة وأنا معايا التعليم." خرجت زمجرة مكتومة من الجميع نتيجة كتم ضحكاتهم،

لتتساءل شيرين بتعجب: "أنت بتهزري؟ هزت كتفيها تجيبها بمرح: "آه، على قد مخي. بدل ما هو كل شوية تقولي: كنت ربيت ذكر بط أحسن. أهو تاخد ثواب تربيني أنا والبط، وبعدين هو أنا لقيت شغل وقولت لا لا. تعليم نافع ولا شغل لاقية." سعل بعضهم، بينما حول الآخرون وجوههم الجهة الأخرى يتظاهرون بالانشغال بشيء ما، حتى لا يحرجوها. في حين ضحك عبد الحميد قائلاً: "لا، وعلى إيه يا دكتورة؟ الشغل عندنا كتير. اجعدي واشتغلي." ضحكت

تربت على صدرها مجيبة بمرح: "شكر يا حاج، بس ماينفعش. أنا لو قولت للحاج بنتك الوحيدة، أنساها. هتقعد هنا، هتلاقيه من بكرة شاحني مع أكبر جاموسة على أول عريس جاي إن شاء الله. الولا دقدق صبي القهوة وهيقول: السترة ولا العار. ده أحمد ربنا إنه وافق أجي. قوم أقوله: أعالج لك جاموسة. وأكتر من البهايم مفيش." حول عبد الحميد وجهه الجهة الأخرى يكتم ضحكته، لتكمل هي بلا مبالاة:

"ومن الناحية دي، هو عنده حق. ده كل أما أمشي في الشارع ألاقي واحد ينده عليا. اللي يقولي: يا دكتورة، عندي صداع، اكتبيلي مسكن. واللي يقولي: بطني وجعاني. واللي تقولى: عندي دوخة، تكونيش حامل؟ وأغلب أفهم فيهم إنها بـ يكري بتاع بهايم مش نافع." قم تكملت بغيظ وهي تكز على أسنانها: "واللي بيغيظك يا جدع، اللي يقولك: أمال درستي في الكلية إيه؟ آه، كله زي بعضه. الناس عندها فلسفة الدكتور غريبة أوي. المهم يكشف وخلاص. دي وصلت إن

واحدة حامل جايلالي تقولى: يا دكتورة، متعرفيش تعرفيلي نوع الجنين؟ أعرفهولها إزاي؟ ده أووشوش الودع ولا أقرأ الكف؟ أنا مش فاهمة، أنا مال أمي بالكلام ده؟ إلى هنا، ولم يستطع أحد إمساك ضحكاته، لتنفجر ضحكات الجميع بشدة تجلجل في المكان على تلك الكارثة التي سقطت بالمكان، والتي تضرب بالكلمات دون شعور حتى. لتتسع عيناها وتحمر وجنتاها بخجل، وهي تجد بأن الجميع كان يتابع حديثها من البداية. لتخفي وجهها بكفيها، ثم

تلعثمت قائلة بخجل لشيرين: "هو أنا صوتي كان عالي كده؟ أجابتها شيرين من بين ضحكاتها: "يكفي إني أقولك إنه كان واصل للشارع، وأنتِ متوصتيش بالذات في آخر جملتين." لتحمر خجلاً أكثر، وهي تجد بأنها كالعادة أهرجت الكلام دون احتراز. ليرأف الجميع بحالها، في حين تقدم منها باسل بابتسامة واسعة بالكاد يستطيع رسمها ومنع نفسه من العودة للضحك مرة أخرى، قائلاً بصوت أجش من إمساك ضحكاته وعيون تلتمع بالدموع من فرط الضحك:

"حيث كده يا دكتورة، أنا يشرفني إنك تشتغلي عندي في المصنع. مجرد ما تتخرجي وتبقي دكتورة رسمي، عدّي علينا، واحنا محتاجين دكاترة عندنا. فـ تعالي قدمي، وإن شاء الله تتقبلي." اتسعت عيناها بصدمة، لـ تجيبه بدون احتراز: "انت بتهزر صح؟ ولا واخدني نكتة؟ نفى برأسه بذات الابتسامة التي بالكاد يستطيع الحفاظ عليها، ليجيبها بهدوء: "لا، مش بهزر. بتكلم جد." ثم أكمل بمشاكسة، لا يعلم لما، ولكنه شعر بأنه بحاجة لمشاكساتها، وهو يكمل:

"وأهو أحسن من تربية البط جنب الحاجة في البيت."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...