لم يكن هناك شك أنه يتحدث بجدية، فيما أومأ هو برأسه، مكملاً بذات الابتسامة، وإن اكتنفتها بعض الرقة، ليكمل بهدوء: "لا مش بهزر، أنا بتكلم جد. أنا محتاج دكاترة في المصنع عندي، فلو كنتي محتاجة شغل تعالي." ثم التف برأسه يناظر ذات العيون القططية، موجهاً كلامه للأولى، مكملاً بمزاح: "وأهو أحسن ما الحاجة تقولك 'ربّي دكر بط' أحسن لك، ولا بدل ما الحاج يزوّجك لـ...
احمرت وجنتيها بخجل شديد، وهي تجد بأنه كان يتابع حديثها من البداية. لتلف عينيها باتجاه الجميع بخوف وتحرز، لتجد الابتسامة التي تعلو محياهم، والتي إن دلت على شيء، فهي تدل على متابعتهم الحديث من أوله. لتهتز حدقتاها بخجل، في حين انحشر الكلام بحلقها كالعادة، لذا لم تجد بداً من أن تقف على قدميها، تركض بتعثر هاربة من الجميع ومن الموقف عامة، وهي تدعو بأن يكون حلماً وستستيقظ منه، بدلاً من ذلك الإحراج الذي تعيش به. في حين ناظرها الجميع من خلفها بابتسامة.
أما هناك عيون تتابعها من خلف نظارات طبية بضيق على ذلك الإحراج الذي تعرضت له، ليلف عينيه تجاه باسل قائلاً بضيق: "مكانش ليه لازمة الإحراج ده يا باسل، كده حرّجت البنت وخليتها مش عارفة ترد." لف باسل عينيه تجاهه بتعجب، ليقول بهدوء: "أنا ما أحرجتش حد، ولا كان في دماغي كده. أنا كنت بهزر، وبعدين أنا كنت بتكلم جد. أنا عندي فرصة عمل للشباب، وإن كانوا فعلاً ناجحين، فهييجوا وهيقدموا الـ C.V بتاعهم وهنشوف يا اتقبلوا أو لأ."
لف وجهه تجاههم يكمل بهدوء: "أنا قولت أقول لأننا طالبين، حابين تتقدموا ماشي، مش حابين تمام. بس هو عموماً التقديم مش معايا ولا التقييم، يعني الموضوع مفيهوش واسطة. أنا قولت أعرض إني عندي شغل، لكن القبول والرفض من عندهم ومن المسؤولين." ظل فارس يناظره بضيق، في حين كانت الفتيات تناظره بتعجب، ولكنه لم يهتم، إنما تحرك بهدوء عندما وجد صوت أحدهم يهتف قائلاً: "خلصنا التحميل يا باسل بيه."
ليلف باسل وجهه تجاههم، ثم مد يده ليصافحهم، وهو يقول بهدوء ورزانة: "نستأذن إحنا يا حاج، واتشرفنا بمعرفتك، وإن شاء الله مش آخر تعامل." ابتسم له ذلك العجوز ليقول بهدوء ووقار: "ده إحنا اللي اتشرفنا بيك يا بيه." ليبتسم له باسل ويتحرك، في حين تحرك نبيل ليصافحه، ثم قال بهدوء: "عرض باسل جاري، إحنا محتاجين دكاترة، فلو حد حب يقدم تمام، إحنا كنا هنعلن في الجرايد علشان المصنع الجديد اللي هنفتحه." أومأ برأسه العجوز وهو يقول:
"دي حاجة هما اللي حُرين فيها يا ولدي." ليومئ نبيل برأسه، ثم مد يده ليصافح باسم بغيظ، وهو يقول من بين أسنانه: "بعتذر يا دكتور إن كنت اتدخلت في أمور عائلية متخصنيش، وإن كنت زودتها حبتين، بس أنا كده طبعي، حامي وخُلقي بيضيق بسرعة من الأمور اللي عندي فيها خطوط حمرا، مبعرفش أتهاون." قضم باسم على شفته السفلى ليجيب بغيظ: "حصل خير." ليسحبه فارس من ملابسه، فعو غير معلوم ردود أفعاله أبداً، وهو يقول بسماحة:
"اتشرفنا بمعرفتكم، وشكراً جداً على حسن الضيافة، وبنعتذر جداً على القلق اللي عملناه من ساعة ما جينا." ليبتسم له عزيز هذه المرة، وهو يجيبه بهدوء: "حصل خير يا ابني، ونورتونا." ابتسم له فارس مرة أخرى بمجاملة، ليتحرك ساحباً صديقه جهة السيارة، في حين وقفت الفتيات تتابع ذهابهم بصدمة، لتقول شيرين بهدوء: "عاوزة الصراحة، اللي حصل معانا ده ولا في الأحلام، يعني أول مرة أشوف حاجة زي كده." ثم لفت وجهها جهة نهلة قائلة بابتسامة:
"وإنتي معندكيش تعليق؟ كزّت نهلة على أسنانها قائلة بغيظ: "أنا مش مضايقني غير السمج اللي عامل زي المصيبة اللي حطت فوق دماغي، مكانتش خناقة بينا علشان يتدخل كده، ده إيه الوقعة السودة دي." ضحكتا كلتاهما، في حين التفتت جنا جهتها مجيبة بابتسامة: "بس متنكريش الولد طلع راجل واتضايق عشانك، يعني معملش حاجة غلط. اتخانقتي معاه وعداها، ولما باسم ضربك اتخانق لك." حولت أنظارها جهتها بغضب، لتبتسم شيرين مكملة بمشاكسة ومكر:
"إلا صحيح، محدش خد باله من تصرفاته؟ يعني عداها وقولنا ماشي، لكن دخلته لأخوكي وخناقته وصوته اللي كان جايب آخر الدنيا ده مش طبيعي. ده لو كان جوزك مكانش اتخانق لك كده."
ضيق كلتاهما حاجبيهما بتساؤل وتعجب، في حين شردت عينا نهلة للبعيد، وهي تتذكر الموقف ككل. نعم، حميته عليها غير طبيعية. جداله لأخيها غريب، بل غريب جداً بالنسبة لأحداهن، لتوه تعرف عليها، إن كان يعتبر تعارف من الأساس. أما غضبه حينما رأى آثار صفعة وجه أخيها على وجهها وعلامات أصابعه وتورم وجهها، لا تستطيع نسيان ملامحه حتى الآن، وتحولها من ذلك الوجه الناعس الهادئ لتلك العيون الغاضبة بشدة. عيون تستطيع ملاحظة غليانها وغضب صاحبها من على بعد، وكأن...
وكأن أحداً قد تعرض لشيء يخصه هو، يمتلكه هو. لم تكن حمية رجل شرقي طبيعية، ولو كانت هكذا، لكان تكلم بهدوء بعقلانية، أو ربما بحدة، ولكن كل ذلك الغضب والجدال ومحاولته رفع يده على أخيها، لولا تدخل صديقيه، لأمر غريب. فهو من فرط غضبه، ربما لم يلحظ ابن عمها، والتي كادت تموت من فرط رعبها. هذا أمر غريب، إذا فكرت به بالعقل، ولكنها صمتت، لتحول عينيها تجاه شيرين، لتجدها تومئ لها برأسها بعد أن لاحظت شرودها،
وهي تجيب تساؤلها الصامت: "هو بالظبط اللي جه في بالك ده. تصرفه غريب، وكأنه... صمتت للحظة، لتلحظ النظرات المحذرة بعينيها، في حين النظرة الشاردة بعيني جنا، وكأنها تتبع خيوط الحديث بهدوء، ولكنها أكملت بهدوء وتعجب حقيقي: "مش عارفة، بس ده اللي حسيته. وكأنه حبيب بيدافع عن حبيبته وواقف قدام أهلها عشانها."
شهقت جنا بنعومة، لتنظر لها بصدمة، في حين اتسعت عيني نهلة ولمعت عينيها الرمادية بغضب، لتتحول للون القمر المضيء، في حين ظهرت شعيرات حمراء في بياض عينيها، لتجيبها بصوت غاضب، ولكنها حافظت بقدر الإمكان على انخفاض نبرتها: "إياكِ، سامعة؟ إياكِ أسمع الكلام ده، لأنه عيب وعيب أوي كمان. ومش عاوزة أسمع تلميح منك أو من غيرك عن الموضوع ده تاني. انتهى. سمعاني؟ انتهى. خلصنا وانسى الموضوع ده، وأوعي تفتحيّه تاني."
ثم رفعت إصبعها محذرة، وهي تقول بغضب: "أوعي، سامعة؟ لأني مش ضامنة رد فعلي، فبلاش تشوفي مني وش مش هيعجبك أبداً. سامعة؟ أبداً." ثم دون حديث آخر، أنهت حديثها بهاتين الجملتين، لتحرك من المكان، تدق الأرض بقدميها، وهي تكاد تحرق كل من عليها من شدة غضبها. لتتابعها عينيها، لتحول جنا عينيها جهتها، وهي تزم شفتيها قائلة بضيق: "عيب أوي اللي قولتي ده يا شيرين. عيب، مكانش المفروض تقولي حاجة زي كده، حتى لو كان هزار."
هزت رأسها بنفي، لتشرد بعينيها للبعيد، وكأنه تسترجع ذلك الموقف الغريب، وهي تجيبها بهدوء: "مش هزار يا جنا، على فكرة. مش هزار أبداً. أنا بتكلم جد. ارجعي فكري كده، رد فعل الشاب ده كان غريب فعلاً. أنا ده التفسير اللي خطر على بالي وفكرت معاكم بصوت عالي، مش أكتر." هزت جنا رأسها، وكأنها تبعد حتى عنها تلك الأفكار التي خطرت ببالها، لتجيبها بهدوء:
"متفكريش، وماتفسريش. حتى هو إدى ردة الفعل، والتفسير قال إنه راجل ميحبش حد يمد إيده على بنت، وخصوصاً إنه بسببه. واتضايق إنه أخوها اللي عمل كده، وخلاص خلصت على كده. يبقى ننهي الموضوع وننساه، فاهماني؟ ننساه." ظلت تنظر شيرين داخل عينيها لبرهة، لتمط الأخرى شفتيها، ثم هزت كتفيها بلا مبالاة، وكأنه الأمر بالفعل لا يعنيها أبداً، لتصمت للحظة، مبعدة عينيها للبعيد، ثم عادت بوجهها جهة صديقتها، وكأنها تذكرت أمراً،
ثم سألتها بهدوء وتذكر: "إلا صحيح، أخبارك إيه مع أستاذ الغبرة ده؟ لاحظت إنه بيتكلم عادي، وكأن مفيش حاجة حصلت بينكم." استصعب عليها فهم أين ترمي حديثها، لتقطب جبينها بتعجب، وهي تسألها بغرابة: "مش فاهمة تقصدي إيه أو مين؟ زمت شفتيها بضيق، لتجيبها بكلمة واحدة: "باسل." "ماله؟ كانت إجابتها متعجبة بالفعل، لتسألها الأخرى بتعجب، وهي ترى كل ذلك الهدوء منها، وكأن شيئاً لم يكن منه: "هو إيه اللي ماله؟
شايفاكي إنك بتتكلمي عنه بهدوء، ولا كأن حصل حاجة. فيه إيه يا جنا؟ إنتي نسيتي اللي عمله والإحراج اللي أحرجهولك، ولا إيه؟ حولت جنا نظراتها إليها بضيق، لتجيبها بهدوء: "لا لسه منستش يا شيرين، بس بحاول أنسى. وبعدين الشاب وضح سبب اللي عمله وخلصنا." قطبت جبينها بتعجب، وهي تتساءل بصدمة: "وإنتي صدقتي الكلام ده؟ أومأت برأسها تجيبها بهدوء: "آه صدقته يا شيرين، صدقته بجد. عارفة ليه؟
لأني سمعته بيتكلم مع صاحبه عن الموضوع ده، وهو حتى مكانش يعرف إني موجودة." ثم اغرورقت عيناها بالدموع، وهي تجيب بحزن على حاله، كلما تذكرت حديثه الذي سمعته صدفة مع صديقه، ونبرة القهر والألم والضيق التي كان يتحدث بها، لتهز رأسها قائلة بألم: "سمعته وشوفت الحزن اللي في عيونه وألمه وخوفه إنه يكون واحد مجنون. سمعته وشوفته وهو حاسس إنه هيتجن وهو بيقول: 'إزاي أنا؟ وليه؟ واشمعنى هي؟ ثم سقطت دمعتيها على وجنتيها، وهي تكمل بألم:
"سمعته وهو بيقول إن كل حاجة تقريباً حقيقية. طيب ليه شوفت دموعه يا شيرين؟ شوفت بكاء وقهر راجل بمكانته وهو بيحصل معاه حاجة غريبة بعيدة عن التفسير. تفتكري لو حد مكانه كان هيعرف يفكر أو يتصرف باتزان في وجودي؟ تفتكري لما يكون بيقول لصاحبه: 'ده كل يوم بشوفها وبلاقيها قدامي مرة واحدة'، ده طبيعي؟ تساقطت الدموع على وجنتيها أكثر، لتكمل بألم: "ده مش طبيعي يا شيرين، ده ابتلاء والله يكون في عونه. يبقى تفتكري المفروض ألومه؟
ارتفع حاجبا الأخرى بشدة وصدمة، حتى كاد أن يضربا فروة رأسها. ما تلك التراهات التي تتحدث بها صديقتها؟ جنا، صديقتها الناعمة الرقيقة الهادئة العاقلة، تصدق تلك التراهات والتخاريف؟ تصدق تلك الكذبة العجيبة، الواضحة وضوح الشمس؟ لا، هذا كثير، بل أكثر من كثير جداً. لتقول بضيق: "أوعى تكوني صدقتيه وصدقتي الهبل ده، اللي ميدخلش في عقل عاقل أبداً."
قالت جملتها تزامناً مع إمساكها من ذراعها ولفها ناحيتها لتواجهها، لتبعد جنا يدها عنها بهدوء، وهي تجيبها بألم ودموعها تسيل على وجنتيها بحزن أكثر: "في بعض الأمور بتكون بعيدة عن العقل والمنطق والتفسير يا شيرين، لأن مش كل حاجة نقدر نحكمها بعقلنا."
اتسعت عينيها أكثر وارتفع حاجبيها أكثر وأكثر. حسناً، لقد أصبحت صديقتها واقعة تحت تأثير ذلك الغريب، وقد استطاع استمالة عطفها ورقتها ناحيته. وهذا أمر طبيعي، فجنا حنونة جداً ورقيقة جداً جداً، كبتلات الأزهار، يخشى الجميع عليها من الخدش أو الكسر. كل ما بها ينطق بالنعومة، هي المعنى الأوضح والأرق للأنوثة شكلاً وقلباً وقالباً. إن قارنوا أنفسهم بجوارها، فهم بالنسبة لها لا يمتلكون أي شيء. بالإضافة إلى أنها تمتلك قلباً رحيماً جداً وحنون جداً جداً، وهو استطاع اللعب على تلك الأوتار، استطاع استقطاب عطفها، حنانها، وشفقتها ناحية أوضاع كاذبة له.
أغمضت عينيها بشدة، لتهز رأسها بنفي واضح، وهي تنفي كل تلك الأمور، لتجيبها بهدوء قاطع: "بس أنا مش مصدقاه، وإن جيت للصدق، مش مصدقة حرف من اللي بيقوله، ومش مصدقة صدفة الكتير دي واللي ورا بعضها وتقلب أوضاعه ده." تنهدت جنا تنهيدة طويلة، لتجيبها بحسم ونبرة ناعمة:
"وأنا مصدقاه يا شيرين، وزي ما قولتلك، مش كل حاجة في الدنيا بتخضع للعقل والمنطق، ومش كل حاجة نقدر نستوعبها بعقلنا. فيه حاجات قلبنا ومشاعرنا هي اللي بتقدر تستوعبها، وفيه أوقات القلب بيبقى أصدق دليل، وأنا صدقته يا شيرين، صدقته، وانتهى الموضوع."
ظلت تنظر إليها لبرهة من الوقت صامتة، ولكن داخلها يتضارب كأمواج البحر. هي لا تصدق ذلك الشاب، لا تصدق أحاديثه الكاذبة، لا تصدق كلماته المتوالية، والآن بعد تلك الصدف، يريد قربها أكثر بالعمل معه. إلى ماذا يسعى يا ترى؟ ماذا يريد منها؟ ما سبب اقترابه بتلك الطريقة الغريبة؟ إن اقترب إليها بطريقة عادية وطبيعية، بدلاً من تلك التصرفات الغريبة التي تثير الشك، ألن يكون أفضل؟
ولكن مطاردته لها وأحاديثه التي بلا طعم ولا تنطلي على طفل بعمر الخامسة، لهي أمر يثير الريبة. ولكن ما يثير تعجبها هو صمت الجميع عن تصرفاته، والدها، جدها، الجميع بلا استثناء. أهم بتلك السذاجة ليقوموا بتصديق أحاديثه الخيالية؟ أم أنهم ينتظرون انتهاء لعبته؟ إن كانت على جنا وتصديقها، فهي رقتها وبراءتها تشفع لها، لكن أكان الجميع بتلك البراءة ليصمتوا عن أحاديثه؟ حتى عن عرضه الأخير ذاك؟ بعد كل ما فعلوه جميعاً.
وعلى ذكر الحديث عن العرض، ناظرتها قائلة بخوف: "وإنتي إيه رأيك في موضوع الشغل ده؟ موافقة عليه؟ هزت كتفيها تجيبها بلا مبالاة: "مش لما تبان النتيجة الأول، أبقى نتكلم." اتسعت عيناها بصدمة، لتمسكها من كتفيها تديرها نحوها بشدة، صارخة بها بضيق: "أفهم من كلامك إنك معندكيش مانع إنك تشتغلي عنده؟ ظلت الأخرى تنظر جهتها بغرابة، لتجيبها بتعجب وهي تهز كتفيها ببساطة: "وفيها إيه يا شيرين؟ فرصة وجات لحد عندنا، إيه المانع؟
هو إحنا لاقيين شغل؟ ولا بعدين إيه المشكلة يعني؟ مش فاهمة. وهو إحنا واثقين إذا كنا هنتقبل ولا لأ؟ اللعنة على ذلك الجنون، على ما تفعله صديقتها، ألا تستطيع فتح عينيها والتفكير جيداً؟ إلى أين ستقودها رقتها وطيبة قلبها؟ إن استمرت على ذلك، ستذهب للجحيم. لتصرخ بها بخوف وهي تهز من كتفيها بغضب: "جنا، فوقي شوية لو سمحتي، مش هينفع كده. راقبي الدنيا حواليكي، أكيد هتتقبلي، بس تفتكري ليه؟ وعاوز منك إيه؟
إنتي بتقعي في مصيدته يا جنا، كل شوية أقوى من الأول. لو سمحتي فكري شوية." ابتعدت جنا عنها بهدوء، لتجيبها ببساطة وعيونها تتطلع بها بحسم: "أنا مش صغيرة يا شيرين، ومش طفلة، فبلاش تحسسيني إني ساذجة. إن كنت هعيش حياتي، ف أنا هعيشها باختياراتي وحدي، وأنا أقدر أدافع عن نفسي وأبعد عن الخطر لو حسيت بيه، فمتقلقيش عليا."
هي تعرف جنا جيداً، وتعرف تلك النبرة حق المعرفة، وبما أنها خرجت منها، فهي لن تتراجع أبداً. لذا صمتت، فعنادها أمام الأخرى لن يفعل شيئاً سوى تعقيد العلاقة بينهم. فهنا ستحاول فرض سيطرتها على حياة صديقتها، وهذا ما لن ترضاه الأخرى أبداً أبداً. لذا، وبكل هدوء، تحركت تاركة جنا مكانها، ربما تعيد حساباتها في الأمر مرة أخرى. ***
صمت تام يلف المكان. الجميع شارد. هناك شحنة توتر وغضب تلف الأجواء من حولهم، وكلا منهم صامت خشية أن يخرج كلمة تجرح الآخر. ولكن أكثر ما يظهر عليه الغضب فهو...
وليس سواه. ربما من يعرفه يظن بأنه هادئ، ولكن اشتداد يده على المقود بشدة، لدرجة ظهور عروقه ونفورها، حتى أن قبضته تكاد تتمزق من غضبه. عينيه المتسعة بغضب وظهور احمرار بحدقة عينيه، وزم شفتيه بخط مستقيم، دليل على أنه غاضب لا محالة. غاضب من الجميع ومن نفسه. وصمته هذا لن يدوم طويلاً، وإن أخرج الكلمات، سيغضب الجميع لا محالة. ظل على هذا الحال لفترة، ولكن ما أخرج غضبه صوت باسل قائلاً بضيق: "كان إيه لازمته العرض اللي عملته ده؟
وأحرجتنا مع الناس. من إمتى وأنت بتدخل في أمور متخصكش؟ توقف بالسيارة مرة واحدة، ليحدث صرير مزعج، في حين ارتدت أجسادهم للأمام. ولكن قبل أن يفتح باسل فمه ليصب جام غضبه عليه، وجد صوت الآخر يهتف به بغضب بنبرة شرخت الأجواء من حدتها وعلوها قائلاً:
"ميخصكش يا باسل، أظن حياتي دي حاجة تخصني، أعمل فيها اللي عاوزه. بيتهيألي أنا عمري ما فرضت رأيي أو نصيحتي عليك في حاجة، ومنهم لما اتخانقت مع جنا في المصنع وقولت كلام مالوش قيمة وميتعقلش، ما اتكلمتش ولا اتدخلت ولا حاسبتك. ليه جاي أنت تحاسبني أنا؟ مش طفل صغير على ما أظن." اتسعت عيني الاثنان بصدمة. ما هذا؟ من متى وهو هكذا؟ فهو كان كمن يجلس على جمر مشتعل، منتظر كلمة لينفجر بالجميع بلا استثناء. ولكن لما؟ لما كل هذا؟
ولكن قبل أن يتحدث أحدهم، صرخ هو بغضب وضيق: "وبعدين لما أنت جاي بتحاسبني، حاسب نفسك الأول. واحدة عامل معاها مشاكل وأحرجتها في المصنع بتاعك بكلام فاضي، وبعدها نتقابل صدفة في مزرعة جدها، وطبعاً مفيش عقل يصدق إنها صدفة، لأن من بين كل مزارع القاهرة ومصر كلها والمحافظات والأقاليم، تبقى الصدفة مزرعة جدها. وفي الوقت اللي هي فيه. وبعدها سبحان الله تعرض عليهم شغل عندك في المصنع. تفتكر ده إيه؟ والناس بتفكر إزاي؟ هاه؟
اتسعت عيني باسل بصدمة ورُبط لسانه بحلقه لفترة، ثم بعدها ضيق عينيه ولف بجسده مواجهاً له، ثم تساءل باستنفار وهو يشير بسبابته جهة صدره قائلاً: "إنت متخيل إن أنا عملت كل ده قصد؟ يعني راقبتها وروحت مزرعة جدها قصد؟ وبعدها عرضت عليها الشغل بالحجة دي بقصد؟ ثم ضيق عينيه متسائلاً بنبرة خطيرة: "رد عليا يا نبيل، إنت ده اللي تقصده ولا أنا غلطان؟ ضغط نبيل على أسنانه بغضب، ليضرب المقود أمامه صارخاً بعنف:
"مالكش دعوة باللي في بالي واللي أقصدُه، لكن لو حطيت نفسك مكان الناس هتفكر إزاي؟ قول لي." ثم صمت لبرهة، ليصرخ بهجوم: "قولي يا عاقل يا راسي، يا اللي بتديني نصايح." ضيق عينيه ليصرخ بعدها بغضب:
"أنا مش هدافع عن نفسي قدام أي حد، ولا حتى أنت. واللي يفكر يفكر. ولكن أظن لو تعرفني ولو للحظة، هتعرف إنه كان صدفة. وأنا أول واحد اتفاجئت. أما الشغل، أنا معرضتوش عليها هي، أنا عرضته على صاحبتها اللي كانت بتندب حظها على شغل، وأظن أنت عارف إن إحنا فعلاً محتاجين ناس تشتغل. يعني ما اتكلمتش معاها ولا ضايقتها في حاجة. وبيتهيألي يا أفندي يا محترم، إنها لو عاوزة تشتغل، ف عندهم مزرعة كبيرة تشتغل فيها، بدل ما تشتغل عند الغريب؟
صح ولا لأ؟ ضغط على شفته السفلى ليقول بهدوء غاضب: "بس أنت كنت تقصدها هي بالكلام يا باسل." نفى باسل برأسه بهدوء غاضب بشدة، ليقول بقوة وحسم ونبرة ساخرة طفيفة: "أبدا... أبدا يا صاحبي يا فاهمني. الكلام جاب بعضه، وكنت بكلم اللي بتضحك بنفس ضحكها، ولكن لا أقصدها ولا مهتم إن جُم أصلاً. أنا قولت من باب المجاملة أو الهزار، واللي ييجي ييجي، واللي ما يجيش براحته. الدنيا مش واقفة على حد." ثم رفع جانب شفته العليا قائلاً
بنبرة تهكمية: "خلصت اتهامات ولا لسه عاوز تطلع فيا غضبك كمان؟ لأني مش هقدر أتحمل أكتر من كده." تحرك فارس الجالس بالخلف في الكلام، فهو إن نفذ صبر باسل، فهو أدرى الناس بغضبه، بجانب ذلك الثور الهائج. فالأخير لا يدخر وسعاً في الضغط على نقطة ضعفه وضيقه، حتى لا يتحدث أحد عن أسباب ما فعله حقيقة. لذا صرخ بهم بضيق غاضب: "بس أنت وهو خلاص، خلصنا والموضوع انتهى. وأدينا مروحين، ممكن تسكتوا بقى؟ كل واحد فيكم." ثم صمت لبرهة،
ليصرخ بغضب: "كل واحد عارف غلطه، ويا ريت يتفاداه. إنتوا مش عيال تعلقوا حبل المشنقة لبعض. وبعدين آه، إنت غلطان يا نبيل، لأنه كان فيه طريقة تفاهم أحسن نتكلم بيها." ثم نظر ل باسل صارخاً بضيق: "وإنت يا باسل اتسرعت في الكلام. ولكن الكلام انتهى والموضوع خلص، فبلاش تتخانقوا علشان تفاهات."
حول باسل وجهه جهة زجاج السيارة، ينظر منها معلناً نهاية الحديث. في حين ظل نبيل ينظر جهته بندم، ليقود سيارته بصمت رهيب، وهو يدري بأنه جرح أعز أصدقائه، جرح عميق وبشدة، ربما لن يندمل بسهولة. *** وقف أمامه صارخاً بغضب أعمى وضيق شديد: "كيف؟ كيف يفعل هذا؟ أفقد عقله أم جن على الأخير؟ كيف يرفع يده على صغيرته؟ من يظن نفسه؟ أ مات والده ليفعل هذا؟ أم أصبح هو عديم القيمة ليفعل هو تربيتها بدلاً عنه؟
أ ظن نفسه أصبح رجل المنزل وأصبح كبيراً ليتخطاه أم ماذا؟ أم ظن بأنه عندما أصبح ذا قامة مرموقة يفعل ما يحلو له؟ كان الغضب يلعب به كنيران مشتعلة، ليضرب بعصاه أرضاً صارخاً بوجه ولده بغضب: "والله عال يا دكتور، بجيت بتتخطاني وبتمد إيدك على اختك، ولا كأن ليك كبير." نظر الآخر أرضاً بخجل وندم. يبدو أن فعلته أكبر مما يظن، فهو بكل غضب ورعونة تصرف، والآن لم يتركه أحد إلا وأن ضاق ذرعاً به وصب عليه جام غضبه. ليجيب والده بخجل:
"العفو يا حاج، هتفضل كبيرنا وكلمتك فوق راسنا." صرخ به علوان بغضب: "مابينش يا دكتور إن ليك كبير. أنت مديت إيدك على أختك ولا هامك حد. إيه أبوك مات؟ انتفض من مكانه بفزع، لينظر لوالده برعب مجيباً بجزع: "بعد الشر عنك يا حاج، ربنا يديك طولة العمر ويجعلك نعمة فوق راسنا." ولكن كلماته لم تهدئ علوان مقدار ذرة، ليصرخ به بضيق: "اديني سبب واحد يخليك تعمل أكده، سبب واحد يشفع لك في اللي أنت عملته." حول أنظاره بعيداً بخجل، ليجيبه
بنبرة هامسة بالكاد يسمعها: "خجلت من تصرفاتها وجرأتها الزيادة يا حاج، وإنها بتتصرف أكده مع راجل غريب، زي ما يكون أخوها. ف اتضايجت، والغضب مسكني، بالذات لما اتخيلت إنها ممكن تعمل أكده مع أي حد غريب، تتخانج معاه حتى ولو إني مش موجود." اتسعت عيناه بغضب، ليضرب عصاه أرضاً مرة ثانية، صارخاً بغضب شديد: "قوم تمد إيدك عليها، ولا كأن ليها أب مسؤول عنيها." اتسعت عيناه بغضب، ليجيب باندفاع غاضب:
"اسمحلي بجى يا حاج، إنت دلعتها زيادة عن اللزوم، ودلعها هو اللي عمل فيها أكده. البت مبجيتش تميز بين الصح والغلط، ومبتتصرفش تصرفات تليق بيها. وإن كنت سيبت الموضوع ليك، كنت آخرك كلمتها بس، ومخدتش تصرفات قاطعة معاها." هز علوان رأسه بيأس، ليجيبه بحزن وألم: "وأنت أخدت تصرفات قاطعة بعملتك دي يا ولدي." صمت لبرهة، ينظر داخل عينيه، ليكمل بحزن: "الظاهر إني إتديتك أكبر من حجمك يا دكتور." انتفض باسم، يحول وجهه جهة والده بصدمة،
ليكمل علوان باشمئزاز: "الكلمة المصلحة، واللي تبين إنك خايف على اللي ليك، أحسن من مليون قلم. إنت بتديهم اهتمام وحنية، وبتكبرهم في عيونك، ف عمرهم ما هيحبوا ينزلوا منها. إنك تعلم أختك الصح، هتحسسها إنك في ضهرها وبتوعيها، مش تضربها وتجل منها." ثم صرخ به بغضب، وهو يرفع عصاه يضربه بها في صدره:
"حسك عينك تمد إيدك على نهلة تاني، وإلا هيكون نفس القلم، إنت وأخده، بس المرادي في وسط العيلة، لأنك ماليكش حجة إنك تمد إيدك عليها. اللي يعمل كده، إني وأمك بس. ولكن إنت أهنه كيف كيفها، محدش أعلى من التاني عندي. إنتوا الاتنين تتربوا على إيدي، ولكن لو اتكررت، إنت اللي أعلم باللي هيحصل."
ثم لم يترك كلمة أخرى، وتركه وذهب، ليضرب الآخر على الطاولة أمامه بغضب، ليتحرك خارجاً جهة الخارج، ليتمشى في الأرض، عله يخرج غضبه بها. وحينما لم يستطع إخماد ثورته، مد يده في جيب بنطاله، ليخرج علبة سجائره، ويخرج منها واحدة، ثم أخرج قداحته يشعلها، وبدأ يسحب منها بقوة ويخرج أنفاسه منها بشدة. ثم وقف يراقب دخانها المتصاعد منها أمامه. "مكنتش أعرف إنك بتدخن، حتى ما توقعتش حاجة زي كده."
انتفض من مكانه على ذلك الصوت الأنثوي الهادئ القادم من خلفه، ليلف وجهه، ينظر جهته برد فعل طبيعي، ليجدها تناظره بخجل وخوف من نظرته الحادة التي رمقها بها، لتجيب بخجل: "أنا آسفة إن كنت خضيتك كده، مقصدتش." وحينما لم تجد منه رد، نظرت أرضاً بخجل، وهي تنقل ثقل أقدامها مابين اليمنى إلى اليسرى، وتنظر جهتهم بعينيها: "أنا آسفة إن كنت اتدخلت في حاجة متخصنيش."
ظل ينظر جهتها بعينيه متفحصاً لبرهة، ويده مازالت رافعة سيجارته لأعلى، وكأنه نسي أمرها، ليجيبها بعدها ببرهة: "حصل خير، أنا اللي كنت مش مركز، ف محسيتش بيكي." ثم دون كلمة أخرى، أعاد سيجارته لفمه، وعاد لينظر للبعيد، في حين ظلت هي واقفة تنظر جهته، ولم يبدو عليها أنها تريد إنهاء الحديث، لتقضم شفتها السفلى، ثم قالت بهدوء: "أنا آسفة إن كنت اتجولت في المكان براحة زيادة عن اللزوم، وسببتلك إزعاج."
قطب جبينه ينظر جهتها بغرابة، ليمط شفته السفلى بتعجب. ما تلك الفتاة؟ وما تلك الحساسية الغريبة التي لها؟ ليجيبها بهدوء: "لا عادي، اتحركي براحتك. إنتي مش جاية هنا تتحبسي. وبعدين إنتي ماسبتيليش أي إزعاج."
تنهدت براحة، لتتحرك جهته، تقف بعيدة عنه بعض الشيء، لتنظر جهته بطرف عينها. لم تنكر أنه وسيم، بل بالفعل شديد الوسامة. عيون مابين الخضراء الداكنة التي تميل للرمادية، لا تستطيع تحديد لونهم بالضبط، ف للوهلة الأولى تظنها رمادية، ولكن حينما تدقق بها، أو تسقط عليها أشعة الشمس، تظهر لونها الأخضر. وجهه قمحى مائل للسمرة الخفيفة، خليط يجعل له جاذبية جيدة. جسده رياضي إلى حدا ما، به عضلات جيدة بالطبع بفعل العمل في المزرعة. طوله جيد. ملامحه هادئة، مريحة، ونظراته هادئة، وتستطيع لمح بعض المرح بها. هو بالفعل منذ الوهلة شاب جذاب جداً للنظر، لا تمل من التحديق به وتتبع حركاته.
ما أوقف تحديقها به هو التفاف وجهه مرة واحدة لينظر جهتها، لتبعد عينيها بعيداً عنه بإحراج، بعد أن أمسكها بالجرم المشهود. أما هو، حينما لاحظ وقوفها بالقرب منه، وإن كانت بعيدة عنه بعض الشيء، التف ينظر جهتها، قاطب جبينه، فهي وقفت ولم تحدث صوتاً. لا يعلم ماذا تريد بالضبط، ليجدها تبعد عينيها عنه بعيداً، ثم بدأت تحرك يدها بالهواء لتبعد رائحة الدخان عنها، فيبدو أنها لا تطيق رائحة التبغ أبداً.
مط شفتيه بتعجب، ف إن كانت لا تستحبه، لما وقفت بالقرب منه؟ ليهز رأسه بيأس. هؤلاء الفتيات سيجعلونه يجن عما قريب. فهو من الصعب عليه فك أحجياتهم، فهم يقولون شيئاً ويقصدون به آخر، ينتظرون منهم شيئاً ولا يستطيعون قوله، ويريدونه أن يفهم ما لم يقولوه، ويغضبون حينما لا يستطيع فهمهم. حتماً سيجن، ويبدو أن تلك الفتاة ليست بعيدة عن الأمر.
"ما توقعتش فعلاً إنك بتدخن، بس اللي مش قادرة أفهمه، اللي بيدخن بيحس بإيه، أو بيستفيد إيه من التدخين غير إنه بيهلك صحته وخلاص." انتبه على صوتها وهي تتحدث معه للمرة الثانية عن نفس الأمر الذي نسيه هو نفسه، ليلف وجهه تجاهها، ليجدها تنظر للبعيد ومازالت تحاول إبعاد الدخان عنها. لينظر لسيجارته التي لم تنته بعد بضيق، ثم ألقاها أرضاً ودهسها بحذائه، في حركة راقية منه أثارت رجفة بقلبها، لينظر إليها متسائلاً: "شيرين صح؟
أومأت برأسها بخجل، لينفخ الهواء من فمه، ثم وضع يديه بجيب بنطاله بضيق، ليجدها تنظر له بطرف عينيها، ثم حولت وجهها بعيداً بخجل، وهي تقول بخجل ممزوج باعتذار وتوضيح: "أنا مش قصدي أتدخل أو أحقق في الموضوع أو أضايقك، بس فعلاً مش قادرة أفهم إجابة سؤالي، ليه الواحد بيدخن؟ إيه شعوره يعني؟ إيه إحساس الراحة اللي بيجيله في وسط الدخان والريحة الوحشة دي اللي بتحسس الواحد إنه بيتخنق؟ ليه بيهلك فلوسه وصحته؟ ليه وعلى إيه؟
ظل ينظر إليها لبرهة من الوقت، ليجيبها بهدوء: "بس أنا مش بدخن." إجابته صدمتها حقاً، لتلف وجهها جهته بصدمة، تزامناً مع رفع حاجبيها بشدة، في حين سقط فكها وارتسمت معالم البلاهة كاملة على وجهها. منظرها هذا جعله يضحك بشدة، فقد كان رد فعلها وملامحها طريفة للغاية حقاً. لو كانت رأت وجهها الآن، لضحكت هي بشدة. في حين شكر الله لوجودها لإخراجه من ضيقه الآن. لينظر لها موضحاً من بين ضحكاتها:
"أنا مش بدخن في العادة، أنا بدخن لما أبقى متضايق أو غضبان، بس حاجة بطلع غضبي فيها وأحرق فيها ضيقي، بدل ما أولع في حد." انصدمت برده بالفعل، لتمط شفتيها بتعجب حقيقي، وهي تتساءل باستغراب: "وياترى بترتاح؟ هز كتفيه وهو يجيبها بهدوء: "إلى حد ما. مننكرش إن للنكوتين تأثيره، غير إنك أما بتشوفي الدخان والنار والحريقة، بتحسي إن النار اللي جواكي والغضب بيطلع وبتحرقيهم." مطت شفتيها للمرة التي لا تعلم عددها اليوم،
لتهز كتفيها تجيبه بهدوء: "أظن إنك لو دورت على حد واتكلمت معاه، هيكون أفضل. لو مارست رياضة طلعت فيها غضبك، جريت أو لعبت ملاكمة أو أو، هيكون أفضل ليك ولصحتك. غير إن الرفيق أو الصديق هيهديك بجد، لكن السيجارة مش هتوقف التفكير والغضب اللي في مخك وعمال تفكر فيهم، ولكن الصديق هيهدّي وهيديك أفكار لمشكلتك." هز كتفيه يجيبها بهدوء:
"وجهات نظر. بس أنا مش هجري أدور على حد في غضبي، ولا هجري زي المجنون. أنا عاوز حل سريع، حاجة تهديني." "مهدئ يعني؟ "حاجة زي كده." ظلت تنظر إليه لبرهة من الوقت، لينظر جهتها، ليجيب ساخراً: "هتقوليلي ده مش حل، وإنت بتدمر أعصابك وصحتك، والكلام ده صح." نفت برأسها، لتجيبه بهدوء:
"إنت مش محتاج نصيحة، ولا عاوز حد يخنقك بكلامه، لأنك بالفعل مخنوق ومش طالب معاك مواعظ وحكم، فمش هاجي أنا وأرخم عليك زيادة. إنت كبير بما يكفي لأنك تبقى عارف عاوز إيه."
ظل ينظر إليها بهدوء، يتطلع بملامحها ويشرد بها. لم ينكر أنها جميلة. ملامحها ناعمة، هادئة، تجذب الناظر إليها. بالإضافة إلى عقلانيتها الجيدة، كانت جذابة شخصية وشكلاً. ذو ملامح ناعمة، بشرة بيضاء ناعمة، يتوسطها جوهرتين سوداويتين محفوظين داخل بركتين من البياض الناصع، وأهداب طويلة لحماية تلك الجوهرتين السوداويتين. أنف دقيق وشفاه مكتنزة، وجسد أنثوي بالفعل. متوسط الطول. ظل ينظر جهتها لبرهة من الوقت. وللمرة الأولى اعترف أن هناك أنثى جذبت انتباهه.
أما هي، حينما لاحظت تدقيقه بها، احمرت وجنتيها بخجل، لتتحرك ذاهبة من المكان بسرعة. ليصرخ من خلفها بهدوء يوقفها بابتسامة ماكرة: "شيرين." توقفت تنظر جهته بتساؤل، ليفتر ثغره عن ابتسامة أكثر مكراً لم تستطع هي ملاحظته بها. "نادى على أصحابك علشان التدريب ابتدى." أومأت برأسها، لتتحرك من أمامه، في حين ظل ينظر من خلفها بتدقيق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!