سوداء تتطلع إليها ب انبهار، بعشق. ابتسامة سعيدة مبهورة مرسومة على وجه مشاغب، أسمر. وخصلاته السوداء الناعمة القصيرة يحركها الهواء بعبث. قطبت جبينها، تتطلع إليه بتعجب من قربه العجيب هذا. لتبعد خصلاتها الناعمة عن وجهها وعينيها. ثم رفعت إحدى حاجبيها، ناظرة إليه بضيق من تحديقه الأبله هذا بها. لتقول بضيق وخجل: "إيه؟ اتسعت ابتسامته العابثة. ليرفع حاجبيه بذهول مفتعل وهو يجيب: "إيه؟
نفخت ب أنفها بضيق، لتحمر وجنتيها بخجل أكثر. لترتفع ضحكاته المشاكسة، لتحمر هي خجلاً أكثر. ثم رفعت عينيها العجيبة جهته، تناظره بخضراوتيها الممزوجة بزرقة البحر ببراءة قاتلة. ثم سألته برقة: "ممكن أعرف بتضحك على إيه؟ ابتسم عليها ولم يجب. لتظل تنظر إليه بهدوء ورقة. ثم قالت: "مالك بتدقق فيا كده ليه؟ اتسعت ابتسامته، وإن كان اختفى منها العبث والشقاوة. ليناظرها برقة ممزوجة ب انبهار ونظرة غريبة لم تفهمها، وأيضًا حنان كبير.
ليقول بهدوء: "بتأمل فيكي بشبع عيوني منك. بعمل اللي مقدرش أعمله في الواقع. ببصلك زي ما أحب وأشبع منك بإرادتي زي ما أنا عاوز. ماهو انتي الحلم اللي مرغبتش أحلمه وحلمته. انتي التعب فيه وفي الواقع. وانتي اللي على الرغم من إنه حلم مرغبتش فيه، إلا إني بتمسك بيه." قطبت جبينها وهي تهز رأسها، تستصعب فهم ما يقول. لتنظر له بتعجب متسائلة: "أنا مش فاهمة انت تقصد إيه؟ ابتسم لها بحنان وهو يجيبها برقة: "إيه اللي مش قادرة تفهميه؟
إنك حلم ما اتمنتش إني أحلمه، لكنه ظهر لي فجأة. ولا إن الحلم ده تاعبني ومع ذلك ملقتش الراحة غير فيه، وإني متمسك بيه وما أتمناش إنه ينتهي. بل بالعكس، إني عشقته وعاوز أعيشه في الحقيقة. انتي الحلم والحقيقة في وقت واحد. انتي تعبي ودوايا. انتي راحتي. انتي حبي اللي معرفتش حبيته إمتى أو إزاي."
اتسعت عينيها، في حين تصنم جسدها. تنظر جهته بصدمة ممزوجة بعدم تصديق. ذلك الرجل من أين يأتي بتلك الكلمات التي تشبه أشعارًا كتبت مخصوص إليها؟ من هذا الإنسان؟ كيف؟ كيف ظهر بحياتها هكذا وب أقصى الطرق تعجبًا؟ من أين يأتي بتلك النظرات؟ من أين يأتي بتلك الكلمات؟ من أين؟
في حين ابتسم لها برقة، ليحيط وجهها بكفيها. واقترب أكثر بوجهه، ليتصنم جسدها للحظة. ثم سرعان ما تراجعت للخلف خوفًا من ردة فعل عجيبة منه. ولكن ما جعلها تتصنم أكثر هو ردة فعله حينما اقترب من عنقها، يشتم عبيرها بقوة، يسحبه داخل صدره ك الأكسجين. ثم أصدر تأوهًا عجيبًا مرتاحًا، وكأنه تائه وجد منزله أخيرًا، أو كشخص عطشان وحصل أخيرًا على رشفة ماء هدأت من ظمأه. لذا رفعت أنظارها جهته بصدمة لتقابلها مقلتيه السوداء التي تلتمع بدموع سعيدة.
وهو يقول: "تعبان يا جنا، تعبان. وانتي راحتي. وراحتي مش موجودة غير فيكي. انتي راحتي... انتي اللي حضنك ملجأي. انتي عيونك ملجأي وبيتي اللي داير بدور عليه. انتي ريحتك هي الأكسجين بتاعي. وحضنك اللي بتمنى أترمى فيه هو هدفي وأماني. انتي كل حاجة. انتي قدري اللي اتكتب عليا من يوم ما اتولدت. انتي الدقة اللي قلبي بيدق بيها. انتي اللي قلبي ممكن يقف لو بعدتي عني. انتي الرعشة اللي بتصيب جسمي مجرد ما بسمع صوتك. انتي...
كل حاجة وهتفضلي بالنسبالي كل حاجة. انتي ملاذي اللي كنت داير عمري كله بدور عليه وماصدقت لقيته... انتي... انتي وبس." تصنم جسدها بصدمة وهي تستمع لحديثه الذي مس شغاف قلبها بشدة. حديثه... نظراته... واه من نظراته! نظرات عاشقة ولهانة، نظرات شغوفة تنظر جهتها بشغف، بعشق، بحب. ولكن ليس بها أي نظرات شهوانية أو نظرات تسير قلقها. إنما نظرات عاشقة محبة مبهورة.
ظلت تلهث بصوت عالٍ وهي تتبع نظراته العاشقة لها، تتبع توالي أحاسيسه بها. تنظر جهة عيونه السوداء الرائعة، ترى لمعتها وكأنها تضيء، تلتمع السعادة بها لدرجة شعورها بأنها تضحك. لذا لم تجد بدًا من أن تقول له: "انت طلعت لي منين؟ ابتسم بشقاوة وهو يجيب، محيطًا وجهها مستندًا بجبهته على جبهتها:
"أنا مطلعلكيش، انتي اللي طلعتيلي. وجه دوري أتعبك زي ما تعبتيني. أنا قدرك وانتي قدري. أنا دقة قلبك وانتي دقة قلبي. أنا اللي عايش طول ما انتي عايشة وانتي كذلك. أنا قدرك وانتي قدري." قال كلمته الأخيرة ليختفي من أمام عينيها كبخار يضمحل. ليختفي وكأنه لم يكن له أثر من قبل. ظلت تلتف حول نفسها تبحث عنه، ولكنه كمن لم يكن له وجود من قبل. ظلت تنظر حولها، ولكن ليس له وجود. لتصرخ عليه بخوف: "انت فين؟ .. رحت فين؟ .. إيه اللي حصل؟
صرخت بكلمتها الأخيرة ليأتيها صوته من بعيد: "أنا في قلبك. سكنت قلبك زي ما سكنتي قلبي. أنا بقيت قدرك زي ما انتي بقيتي قدرى." ظلت تلتف حول نفسها بخوف تبحث عن مصدر الصوت، ولكن ليس له وجود. لتهتف به بخوف: "انت فين؟ رحت فين؟ ولكن ليس من مجيب. لتصرخ ب اسمه للمرة الأولى: "باسل! ولكن لا يجيب. لتصرخ عليه بخوف أكبر: "باسل انت رحت فين؟ باسل.. باسل."
صرخت ب اسمه للمرة الأخيرة لتفيق من نومها، جالسة تلهث بخوف. تحول عينيها حولها برعب، لتتفاجأ بأنها داخل غرفتها ببيت جدها. ظلت تلهث بشدة وكأنها كانت بسباق عدو سريع. لتضع يدها على قلبها الذي يقفز داخل صدرها ك أرنب مزعور، وهو تلهث. لتتساءل بتعجب: "ده إيه الحلم الغريب ده؟ ثم تطلعت أمامها بشرود متسائلة بتعجب: "معقول هو ده حالته؟ معقول أكون بقيت زيه وبحلم بيه ولا إيه؟! هزت رأسها بنفي وهي تقول:
"لا يا جنا، ده بس تأثير الأحداث الغريبة اللي بتحصل معاكي وكلامه اللي سمعتيه امبارح، بس مش أكتر."
ثم سحبت شهيقًا طويلًا، كتمته داخل صدرها لبرهة، ثم تبعته ب زفير أطول لتهدأ ضربات قلبها المتسارعة. لتنظر حولها وهي تعلم بأنها حتى لو وضعت رأسها على الوسادة لن تنام أبدًا. لذا وقفت من مكانها وذهبت جهة النافذة، تبعد ستائرها عنها، تتطلع أمامها وهي تجد بأن خيوط الضوء تتداخل مع ظلام الليل لتبعثره وتذهب به أدراجه بعيدًا. لتزم شفتيها بخط مستقيم. ثم سحبت شهيقًا من نسمات الهواء الباردة المحملة بعطر الحقول وخضرتها. لتقرر الهبوط
للأسفل، وقد علمت بأنه لا فائدة من حبسها داخل الغرفة، فالنوم لن يزورها ثانية. فهي بطبيعتها لا تستطيع النوم ثانية إذا أفاقت منه. والآن بعد ذلك الحلم العجيب، فقد ذهب نومها وآثاره أدراجه الرياح. لذا تحركت جهة المرحاض لتجهز نفسها للهبوط للأسفل.
*** ظل ينظر حوله بضيق. إن قال إنه لم يغمض له جفن طوال الليل لن يكون كاذبًا أبدًا. فهذه هي طبيعته. لن ينام أبدًا بفراشه. لذا فليلته الأولى بأي مكان دائمًا ما تذهب سدى. لا يستطيع إغماض جفن بها. لا يأتيه النعاس أبدًا، فقط أرق رهيب إلى أن تشرق الشمس. حول أنظاره بالغرفة الواسعة، ينظر جهة صديقيه اللذين يحتل كل منهما فراشًا ينامان بارتياحية وكأنهما ببيت أبيهما، بتعجب. ليمط شفتيه بتعجب هامسًا بإرهاق:
"معرفش أنا بيجيبوا الراحة دي منين؟ وبيعرفوا إزاي يناموا في مكان غريب وكأنهم في بيت أبوهم." تحرك جهة الشرفة، يفتحها، يتطلع إلى الظلام أمامه، والذي لم تتفتح به أي خيوط ضوء تدل على بداية شروق حتى. ليسمع صوت فارس يقول وهو يتقلب بصوت نائم: "اقفل البلكونة وادخل يا باسل. لسه بدري. حاول تنام. عندنا سفر طويل." لف وجهه ينظر جهته بإرهاق ليجيبه بتعب: "مش جايلى نوم. معرفتش." أجابه الآخر بصوت نائم يجاهد لإخراج كلمات مفهومة:
"غمض عينك بس وانت هتنام."
ابتسم على تلك التي دائمًا ما تقولها له والدته. ولكنه لم يعلق. ليلاحظ القتيل الآخر يتقلب، ليسحب الغطاء عليه أكثر، وكأنه بعالم آخر. ليضحك عليه وعلى نومه الثقيل هذا. ليلف وجهه جهة فارس وهو يفتح فمه ليتحدث، ولكنه تفاجأ بعودته للنوم. ليزم شفتيه بضيق، ليجد بأنه لا مفر من الهبوط للأسفل. ليذهب إلى إحدى الحقول أو أي مكان، ربما يركض أو يفعل رياضة، فلربما يجد شيئًا يسّليه بدلًا من ذلك الملل. ومنه يرى الشروق في تلك الحقول الخضراء. ليتحرك جهة الحقيبة، يسحب من عليها سترة منامته الرياضية، ثم هبط للأسفل.
تحرك جهة الحقول يركض هنا وهناك. ينتظر بزوغ الفجر واشراق الشمس بشوق. فهذا هو منظره المفضل من بين كل المناظر. شروق الشمس وهي تتحدى كل الثوابت، تعلن عن نفسها. تظهر من بين أمواج البحر، أو من حقول خضراء، أو تتحدى علو المنازل لتظهر من بينهم وترتفع لأعلى لتتوسط عنان السماء بكبرياء ليس له مثيل. يعشق قوتها ووجودها والأمل الذي تبعثه بداخله وهي تبعثر ظلمات الليل وكأنه لم يكن له وجود من الأساس. تعلن عن وجود الأمل والكبرياء
والقوة في وجودها. ينتظرها الجميع بشوق. الزروع للحياة، والورود لتتفتح، والبشر لتكمل حياتهم ثانية. هي التي ينتظرها الفقير ليكد على رزقه، وتنتظرها الأم لتتطلع بأعين أطفالها، وينتظرها الصغير ليلهو مع رفاقه، وحتى البهائم لتأكل وترعى. الجميع ينتظر بزوغها بشوق. هذه هي الحياة.
توقف مكانه، يستند على ركبتيه، يلهث بتعب بعد ذلك الركض. ربما لم يكن ليفعل هذا الموقف إذا كان بمكان آخر. ولكن أضواء الليل وانتظار الشروق شجعه. ولكن أكثر ما شجعه كونهم استضافوهم بمنزل لوحده مخصص للضيوف، يقبع أمام منزلهم. لا يدخله أحد حفاظًا لراحتهم وأيضًا خصوصية دارهم. لا يسكن به سوى بعض الحراس الذين يتبادلون للسهر على حراسة المزرعة فقط. حركة غريبة، ولكنها أعجبته بالفعل. لم يتضايق، بل أعجبته حقًا أن يحتفظوا بخصوصية
منزلهم وحرماتها هكذا. توقف ليلف وجهه يتطلع إلى شروق الشمس وقد بدأت خيوطها بالظهور. ليلف وجهه ينظر جهتها بانبهار كطفل صغير لن يكبر أبدًا عن الانبهار بذلك المنظر أبدًا. ليظل ينظر جهتها وهي تبدد ظلام الليل من حوله لتحيله إلى ضوء. ليبتسم. ثم تحرك ليتوسد الحشائش الخضراء خلفه، يفترشها بارهاق، يستنشق هواء الصباح البارد وتلمع الخضرة من حوله بمنظر بديع من أجمل الصور التي صورها الخالق. ليجد لسانه يدندن ببعض الأغاني في اندماج،
وهو ينتظر استيقاظ العمال للعمل وأصدقائه للاستيقاظ للذهاب من ذلك المكان، وإن كان حقًا أحبه وشعر به بالراحة.
*** كانت تتحرك بالمكان إلى أن سحبتها قدمها إلى الحديقة خلف منزلهم. ليلفت انتباهها صوت دندنة خفيفة قادمة من الأمام. لتقطب جبينها وتتحرك جهة مصدر الصوت. لتجد جسدًا يفترش الأرض. لتحرك رأسها جهة اليمين تحاول معرفة كينونته. لتبتسم وقد عرفت من هو. ثم تحركت جهته وهي تقول بابتسامة: "شايفاك قايم بدري. إيه معجبكش المكان؟ ولا تكونش حبيت تنام في الأرض وقضيت ليلتك نايم في الطل؟
انتفض من مكانه فزعًا من المفاجأة ليجلس بسرعة في مكانه ينظر جهة المتحدث. ليزفر براحة بعد أن رآها هي. لينظر جهة ذلك الملاك القادم تجاهه بانبهار. يا الله كم هي جميلة!
ناعمة، هشة، ورقيقة. تستطيع سرقة القلوب بهيئتها الناعمة البسيطة. كانت ترتدي كنزة قطنية بيضاء سادة وترتدي تحتها بنطال من الجينز الأزرق الفاتح وحذاء رياضي أبيض. وقد ربطت خصلاتها للخلف على هيئة ذيل فرس مرفوع. جميلة بشدة لدرجة تسرق الدقات من القلب، تسرق العقل والألباب. لا تستطيع إبعاد عينيك عنها حتى وإن أردت ذلك.
لم ينتبه إلى أنه ارتسمت ابتسامة خفيفة شاردة على شفتيه دون أن يشعر. إلى أن احمرت وجنتيها خجلًا لتبعد عينيه بعيدًا بخجل. ثم قالت بهدوء: "أنا آسفة، مكنش قصدي أخوفك. مكنتش أعرف إنك... قاطعها قائلاً بابتسامة: "لا مفيش مشكلة. أنا اللي آسف إني اتحركت في المكان بحرية زيادة رغم إنه مش بيتي، بس مليت وزهقت فقلت أنزل." نظرت له بجانب عينها تطالعه بخجل ثم قالت برقة: "مجاوبتنيش. إيه نمت هنا ولا حد عملك إزعاج فقمت من النوم؟
ابتسم لها لتجده يفترش الأرض ينام على الحشائش مرة أخرى متوسدًا ذراعيه بارتياح مجيبًا ببساطة: "لا أنا منمتش أصلًا." قطبت جبينها بتساؤل. ليجيب سؤالها ببساطة: "أنا مبنامش لما بغير مكاني. أول ليلة في أي مكان جديد مش بعرف أنام أبدًا. بيعدي الليل كله مبيغمضليش جفن. وبعدين الليل طويل فزهقت وطلعت." ابتسمت عليه برقة ولم تتحدث. لينظر جهتها بجانب عينه ليحول وجهه بعيدًا قائلًا: "وانتي إيه اللي قومك؟
رفعت كتفيها تهزهم بلا اكتراث ظاهريًا، رغم ارتعاشتها الداخلية عندما تذكرت حلمها وما قاله لها بداخله. لتجيبه بهدوء: "قلقت من النوم. وأنا لما بقوم مش بعرف أنام تاني. قولت أنزل أتمشى وأشوف شروق الشمس وأقعد مع نفسي شوية بعيد عن الزحمة." أومأ برأسه لتجده يقف على قدميه ينفض ملابسه قائلًا بهدوء: "تمام. أقوم وأسيبك تتمتعي ببعض الخصوصية."
سحابة من الحزن الخفيف مرت بعيونها، لا تدري سببها. كانت تتمنى أن تتحدث معه فترة أطول. ولكنه تركها. لتنظر جهة ملابسه مشيرة لها بابتسامة: "هدومك مبلولة." نظر لها بلا اكتراث مجيبًا بهدوء: "من الندى. طبيعي تتبل." ابتسامة رقيقة ارتسمت على محياها وهي تجيبه ببساطة: "مش بحب حاجة مبلولة." هز كتفيه مجيبًا ببساطة:
"دي حاجة من الطبيعة. مظنش إنها تأذي. بالعكس دي بتلمس الزرع بتلطف من وجعه. ولو لمسك ندى الليل بتحسي إنه بيمسح على ألمك. ده يختلف عن أي ميه. دي لمسة الطبيعة وحنيتها على بعضها وعلى الإنسان. المفروض نبقى شاكرين ليها مش نتضايق منها." نظرت جهته بصدمة من تفكيره العميق. ما هذا الإنسان؟ هل يملك كل تلك الأفكار العميقة بداخله؟ ما باله عجيب غريب حتى في نظراته، كلماته، عقلانيته. ترى هل هو تأثير الحلم الذي رأته به أم ماذا؟
ترى سيحدث شيء إذا اقتربت منه أكثر أم سيكون خطأ؟ ترى إذا اقتربت منه ستندم أم ماذا؟ لم تستطع التفكير أكثر كونها رأته ذهب وتركها. لتجد لسانها ينطق من نفسه دون دراية منها: "إيه؟ هو أنا بخوف؟ بتجري مني ولا إيه؟ التف ينظر جهتها بتعجب ولكنه أجابها ببساطة وهدوء: "لا مش كده أبدًا. بس مظنش يصح إنهم يصحوا يلاقوني أنا وانتي في ساعة زي دي واقفين في مكان منعزل لوحدنا كده. مش صح ليكي ولا ليا. ولا إيه؟
ثم صمت لبرهة ولكنه أكمل بعدها وهو ينظر بعيدًا: "وأظن إن أنا وعدتك إني مزعجكيش أو أقف في طريقك. وأنا مش من عوايدي إني أخلف وعد قطعته. لذا بعد إذنك." قال جملته الأخيرة ليتركها ويذهب. لتنظر في أثره بحزن. وقد كانت تتمنى أن يبقى لوقت أطول. ولكنه ذهب. في حين تحرك هو بعيون تلمع كالنجوم من الفرحة. فقد تحدث معها أخيرًا بعقلانية. علم شيئًا عنها بالفعل خارج إطار الأحلام. ظهرت له كونها رقيقة وهادئة وناعمة.
توقف تفكيره حينما تناهى إلى أذنه صوت غريب. ليتوقف مكانه يسمع له. ينتبه لمصدر الصوت. ثم لف وجهه تجاهها. لتنظر هي له بتعجب. بينما هو لف وجهه ثانية يتأكد من الصوت. تحركت هي جهته حينما وجدت ردة فعله العجيبة تلك لتقول بهدوء: "فيه إيه؟ رف ب أهدابه لبرهة ليقول بتركيز: "مش عارف. ركزي كده فيه صوت." صمتت تنتبه للصوت ل تجيبه بهدوء: "ده صوت قطة." أومئ برأسه ولكنه أجاب بتركيز: "عارف. بس ركزي في الصوت كده. ده عامل زي ما يكون...
قاطعته بتركيز وقد اتسعت عيناها بصدمة: "بيتوجع زي ما تكون تعبانة وبتستغيث." أومئ برأسه ليتحرك تجاه مصدر الصوت قائلًا: "الصوت جاي من هنا." تحركت خلفه لتنصدم من المنظر وتتسع عيناها وتدمع من الحزن. فقد كانت قطة صغيرة مربوطة بخيط رفيع. وكلما حاولت التحرك إذاها الخيط أكثر، والذي كان مربوطًا بشدة على سيقانها الأربعة. في حين وضع على ظهرها ثقل من حجر. كانت تتعذب بالفعل. منظرها مؤلم بشدة. لتنظر هي لها بألم وحزن صارخة بحزن:
"مين عمل كده؟ نظر للقطة بألم: "معرفش. انتي تفتكري مين؟ دمعت عيناها بألم ووجع لتجيبه بألم: "أظن الأطفال افتكروها لعبة وعملوا فيها كده." التف ينظر لها بصدمة وألم. وقد اتسعت عيناه بشدة ليقول بغضب: "أطفال... إزاي يكونوا أطفال ويعملوا في حيوان كده؟ كانت عملتلهم إيه علشان يعذبوها كده؟ ومافيش حد يقولهم كده غلط إنهم يعذبوا روح بريئة كده؟ مجتش جنبهم. إيه القسوة والسادية دي؟ هي علشان متقدرش تتكلم يعملوا فيها كده؟
إيه اللعب ده اللي بيلعبوا بيه الأطفال بإنهم يفرطوا بأرواح ويعذبوها بالقسوة دي؟ إذا كان لما كانوا أطفال بيعملوا كده، أمال لما يكبروا تتوقعوا منهم إيه؟ هاه؟ إيه الرحمة اتعدمت حتى من قلوب الأطفال؟
تساقطت دموعها لتبكي بألم. في حين تحرك هو ليزيل الثقل عن ظهرها بألم وحزن. ثم بدأ يربت على ظهرها بحزن. ثم بدأ بفك الرباط عن سيقانها بحزن وغضب وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، ولكنه استنتجت أنها تعبر عن غضبه مما يحدث أو ربما يدعو بالرحمة. ولكنها بالنهاية التقطت أذنه: "الرحمة بعبيدك يا رب. ارحمنا حتى وإن لم نرحم. لا تغلق باب رحمتك أمامنا."
ظلت تنظر له بانبهار. ذلك الرجل مميز جدًا. انتبهت إلى أنه أخذ القطة على ذراعه بحزن، يسير بيده على ظهرها بنعومة ورقة. في حين ترتسم على وجهه علامات الألم وهو يهز رأسه بألم وحزن. لتنظر للقطة بحزن لتمد يدها له تقول: "ممكن توريهالي؟ أعطاها لها وهو يقول: "مظنش هتعيش." نظرت له لتربت على ظهرها. ثم تحركت قائلة برقة وحزن ودموعها تسيل بألم ورقة من ذلك المنظر المؤلم الذي وجدتها به: "هشوفها وأعالجها بنفسي."
أومئ برأسه وقد ارتسمت على محياه علامات الغضب والألم والحزن. ليتحرك للذهاب. في حين نظرت بأثره في حزن. وقد علمت أنه بالفعل يملك قلبًا رحيمًا حقًا. وقليلون من يمتلكون هذا القلب ليحزن على حيوان بريء ويغضب لأجله كل هذا الغضب. ***
هبط لأسفل يتجه جهة مكتبه ليجدها تتحرك جهة المكتب. ليقطب جبينه ناظرًا جهتها بتعجب. وبالأخص وهو يجدها تحمل شيئًا ما على يدها. تحرك جهتها ليجدها قطة صغيرة. قطب جبينه وهو يجد تلك الدموع وآثارها تحتل وجنتيها. ركض جهتها برعب قائلًا: "جنا إيه اللي حصل؟ إيه اللي معيطك كده؟ سحبت الهواء داخل صدرها لتقول بألم: "باسم.. مفيش حاجة." ثم رفعت القطة أمامه قائلة ببكاء: "ممكن تساعدني يا باسل؟ دي بتموت."
قطب جبينه بتعجب ليومئ برأسه وهو يفتح مكتبه ليدخلها للداخل. وهو يتساءل بخوف: "أكيد. تعالي بس قوليلي بس إيه اللي حصل ومعيطك كده؟ سحبت شهيقًا لتجيبه بهدوء: "أبدًا." ثم قصت عليه قصة القطة ولكنها حذفت منها لقاءها مع باسل أو أنه وجدها. ليبتسم على رقة ابنة عمه ليقول بهدوء وحنان وهو يعاين القطة: "أنا ليه مستغربتش؟ يمكن عشان خاطر مش جديدة عليا رقتك وحنانك." ثم رفع وجهه قائلًا بقوة:
"قوي قلبك يا جنا. مش معقول كده إنك تعيطي كده على قطة. ياما هتشوفي في الدنيا دي. ممكن بعد كده تقابلي أخ بيقتل أخوه. الدنيا مليانة. لو بكينا على القطة وعلى كل حاجة يبقى كده دموعك عمرها ماهتنشف لأنك ياما هتشوفي." أجابته بحمية وغضب: "إذا كان كده معنديش مشاكل. أبكي. إحنا بشر يا باسم. إزاي تتعدم من قلبنا الرحمة كده؟ وإننا نعذب روح بريئة معملتش حاجة لينا؟ إذا كان كده يبقى إحنا في غابة بقى وانعدم المشاعر الأساسية في قلوبنا."
ثم أكملت ببكاء: "إحنا بشر يا باسم. بشر. واللي بيميز البشر عن الحيوانات الرحمة والحب. وإذا انعدم الاثنين من قلوبنا يبقى إحنا منفارقش عن الحيوانات. هنبقى مش أكتر من حيوانات ناطقة. بالعكس هتبقى الحيوانات أفضل." تحرك ليجلب شاش يربط به ساق تلك القطة وهو يجيبها بهدوء:
"في دي معاكي حق. لأن بالفعل حاليًا الحيوانات بقت أفضل من البشر. لأن الحيوانات مش بتجري وبتقتل إلا عشان تحمي اللي حواليها أو عشان الأكل. يعني بطبيعة الحال إنها تعيش. لكن لقينا من البشر اللي بقى إنه بيقتل أهله. واللي بيقتل مجرد القتل. غير اللي واكل مال اليتيم والأرملة. واللي بيدخل في أعراض." ثم رفع عينيه ليقول:
"إحنا بقينا في أكتر من غابة. هو اللي غابة الحيوانات عارفة مين عدوها اللي هيأذيها ومين لأ. لكن هنا ممكن اللي تأمن له هو اللي يقتلك. عشان كده بقولك وفرى دموعك لأنك ياما هتشوفي." نفت برأسها وهي تجيبه بهدوء:
"لا مش هوفرها. لأن إن أنا بكيت أو عملت ردة فعل كده ده بيطمني. بطمن إن أنا لسه بشر ولسه إنسانة. ومش هندم إني بكيت على حيوان بريء أبدًا أو إني حنيت عليه. بالعكس ده أنا هبقى فخورة إن في قلبي بواقي رحمة. بالعكس المفروض ده يكون رد فعل أي حد."
ابتسم عليها ولم يجب. حسنًا، هو لم يتفاجأ. جنا هكذا رقيقة، طيبة، تمتلك قلبًا صافيًا رحيمًا وطيبًا. قلب من ذهب، في بياض الثلج. لذا لن يغضب، بل إنه يفرح لوجود قلب كهذا. في حين لم ينتبه أحد لذلك الذي سمع كل هذا الحديث وقد كان عائدًا ليجلب سترته. ليبتسم وقد علم أن قلبه حينها دق لتلك الفتاة حتى وإن كان دون إرادته. فهو لم يخطئ أبدًا. انتبه على صوت باسم قائلًا:
"أهي يا ستي. بيتهيألي انتي عارفة إن اللي إحنا عملناه ده محتاج رعاية." أومأت برأسها وهي تبتسم له قائلة: "أنا هعتني بيها. بالعكس أنا هحتفظ بيها." قالت جملتها الأخيرة وهي تبتسم لتلك القطة وتمسح على رأسها. ليبتسم لها وهو يقول بمرح: "أنا بقول مش هتفاجئ من كله ده. لكن ياترى كل حيوان هتلاقيه هتعملي معاه كده؟ يبقى إحنا مش هنلاقي مكان نعيش فيه."
ضحكت عليه وهي تنظر للقطة البيضاء الصغيرة والتي تزينها بعض النقط العسلية وعينيها الخضراء الجميلة. لتجيبه بسعادة: "بس شكلها جميل قوي يا باسل." ليبتسم عليها وهو يجيبها بمزاح: "مبروك عليكي يا ستي. اللي جابلك يخلي لك." ضحكت عليه ولم ترد. لتنظر داخل عينيها وهي تجيبه بهدوء: "بس بجد شكلها حلو وعيونها تحفة." مط شفتيه وهو يجيبها بمزاح: "مين اللي بيقول كده؟ انتي؟
ده انتي عيونك لوحدها مدوخة بلد. ده انتي عنيكي متفرقش كتير عن عيون القطط." ارتفع حاجبيها لتجيبه بمرح: "شوف مين اللي بيتكلم.. يا ده انت عنيك الواحد مش عارف يحدد رصاصي ولا خضرا." رأسه بلا مبالاة وهو يقول: "اهو عينيا دي كانت أكتر حاجة مضايقاني في الجامعة." ضحكت عليه وهي تعلم ذلك جيدًا. في حين أكمل بمرح: "كل أما كنت أتكلم مع بنت ألاقيها تتنحلي وفي الآخر تطلع مركزتش مع الكلام، هي مركزة مع عيوني."
ضحكت عليه ولم تتحدث. أما بالخارج فهناك عيون سوداء أخرجت شرارات غاضبة. في حين قبض على كفه يسيطر على غضبه، وقد شعر بأنه رسم أحلام بالهواء وعليه أن يمحيه. فيبدو أنه هناك واقع مختلف تمامًا عن أحلامه. ***
كانت تسير بالخارج تستنشق الهواء. في حين كان هو يهبط لأسفل يبحث عن صديقه. لينظر جهتها من بعيد ليجدها هناك. ولكن مهلًا، هناك شيء غريب. وضع عويناته على عينيه لينظر لها بصدمة. كانت تضع سمعات الهاتف بأذنها ويبدو أنها تستمع لشيء وتندمج معه بشدة وهي تغمض عيناها.
ارتسم على وجهه ابتسامة واسعة كشفت عن أسنانه اللؤلؤية وهو يراها تحرك ذراعيها وكأنها تعطي إشارات لفرقة. أحيانًا، أحيانًا تتلاعب بحاجبيها، تهز رأسها، أوقات تلتف حول نفسها، أوقات أخرى.
كتم ضحكاته بشدة. تلك الفتاة أعجوبة بالفعل. كل ما بها أعجوبة. كلماتها، حركاتها، ابتسامتها، ردود أفعالها البلهاء. تشبه طفلة تمرح بالحياة بكل الطرق. تجد الضحكة، البسمة طريق لشفتيها دائمًا. ترى الضحك في أصعب الأمور. هي تبدو بأنها تجلب السعادة والبهجة والفرح لأي مكان تذهب إليه. تبدو بأنها شابة بروح طفلة صغيرة مرحة. ضحك عليها ولم يتحدث. ليحول أنظاره بعيدًا. ثم أخرج هاتفه يرن عليه بخوف. "آه." فتح الهاتف ليقول بخوف:
"باسل أنت فين؟ أجابه باسل بهدوء: "متخافش يا فارس. أنا كنت بتمشى في الزرع وجاي أهدى." أومأ فارس ليقول: "طيب يلا طيب." أجابه باسل بهدوء: "جاي."
أغلق فارس الهاتف ليلف وجهه ينظر حوله ليجد تلك المعتوهة تسير وهي مغمضة عيناها. ليتسع عيناه برعب وركض نحوها. أما هي كانت مندمجة مع الأغنية التي تستمع لها وتسير براحة وهدوء. إلى أن اصطدمت قدمها بشيء ما كبير وكادت تسقط على وجهها. لتنأى عنها صرخة قوية تزامنا مع فتح عينيها. لتجد يد قوية امتدت فجأة أمامها تلتف حول معدتها ويد أخرى تمسكها من ذراعها وصوت أجش يهتف بخوف: "حاسبي!
رفعت عينيها العسليتين جهته تناظره بصدمة وبلاهة. سرعان ما وعى لوضعها وما كاد يحدث. لتحمر وجنتيها بشدة من الخجل. لتتنحنح باحراج قائلة بخجل متلعثم وتبرير واهٍ علها تخرج من ذلك المأزق: "شكرًا. تعبتك معايا بس مكانش فيه داعي. هي خبطة في رجلي بس أنا اتخضيت." اتسعت ابتسامته بعد أن زفر براحة ليشير بوجهه جهة شيء بعينيه قائلًا: "بس أنا مكنتش شايف كده. انتي كنتي هتقعي. ولو وقعتي كنتي هتجيني عليه وبالتالي هتتخرشمي."
نظرت جهة ما يشير لتحمر وجنتيها أكثر. حسنًا، هي بالفعل كانت ستسقط. ولكنها كانت ستسقط على حجر مدبب كبير كاد يودي بملامح وجهها أدراج الرياح. لترف ب أهدابها وتزم شفتيها بخجل كطفلة صغيرة بريئة. إلى أن تنازلت مجيبة بصوت بالكاد يسمع: "شكرًا." ظل ينظر لها لبرهة من الوقت لتحمر خجلًا أكثر. ولكنه أخيرًا تنازل قائلًا:
"بصي هو مش قصدي إحراج. بس ياريت نركز مكان ما إحنا ماشيين بعد كده. لأن مش كل مرة هتسلم الجرة. في المرتين لحقناكي بالعافية." احمرت وجنتيها بخجل أكثر ولم تدرِ ماذا تقول. حسنًا، هي مازحة أغلب الوقت. ولكن حينما يأتي دورها بالحديث أو الرد يفقد لسانها كل المفردات والكلام. لذا لم تجد بدًا من أن تركض قائلة: "أنا هروح أشوف شيرين بعد إذنك."
ودون انتظار رد تركته راكضة بسرعة. لينظر في أثرها بابتسامة خفيفة وعيناه لا ترى أمامه سوى طفلة صغيرة مرحة خارجة من إحدى البرامج الكرتونية. لا ينقصها سوى جديلتين صغيرتين وتصبح مكتملة الأركان. انتبه من تفكيره على ذلك الصوت المتثائب القادم من خلفه قائلًا بملل: "شايفكم صحيتو بدري." لف وجهه ليبتسم عليه. فقد انتفخ وجهه من النوم وطول كانت هيئته غير مهندمة بالمرة. ولكن الأمر غير جديد عليه. فهذا هو صديقه اللامبالي.
لذا أجابه بهدوء: "أنا لسه صاحي. مش من بدري. جهز نفسك عشان نمشي." أومأ برأسه مجيبًا بهدوء: "طيب. بس فين باسل؟ مشوفتوش في الأوضة؟ إيه خرج؟ نظر له ليجيبه بهدوء: "باسل منامش. أكيد انت عارف الموضوع ده. بس شكله خرج بدري واتصلت بيه. قال جاي." أومأ برأسه ليقول: "تمام. صحي الدكاترة وخليهم يشوفوا عدتهم وحملوا المواشي اللي اخترناها. وأنا هاجي." ارتفع حاجبيه ليشير ل نفسه قائلًا بصدمة: "الكلام ده ليا أنا؟ وأنا مالي؟
أنا دكتور نفسي. مليش في الليلة دي." أشاح بيده قائلًا بهدوء: "باسل لما ييجي. قوله وهو هيعمل. هو زمانه أصلًا ملام ومستني أي حد ييجي عشان يمشي. لأنه أكيد منامش وعاوز يروح."
هز رأسه إيجابًا. والكل يعلم جيدًا أن تلك الحقيقة. فهم يعلمون مشكلته في النوم. لذا ليقف بانتظاره. في حين تحرك نبيل جهة المنزل. ولكن أثناء تحركه وجدها تقف على الجانب تربع يديها وتستند بكتفها على إحدى الشجرات. وقد بان على وجهها علامات الحزن. تردد في الذهاب لها. ولكنه حسم أمره أخيرًا مقتربًا منها. وما أن وقف بجوارها حتى قال بصوت أجش: "صباح الخير." رفعت عينيها الرمادية تجاهه لتجيبه بهدوء: "صباح النور."
رف ب أهدابه يريد بدء حديث معها ولكنه لا يعلم كيف. إلى أن قال أخيرًا: "توقعت إنك مش هتردي عليا." نظرت له لتجيبه بهدوء: "ليه؟ رفع كتقيه ليجيبها ببساطة: "يعني بعد موقف امبارح حلفت." جسدها تنظر له وهي تجيبه بصوت حزين مجروح، فقد كل ثقته وقوته: "المفروض اللي يزعل ويغضب هو انت. لأن أنا اللي غلطانة وأهنتك بدون سبب وكنت غبية أوي." اتسعت عيناه وهو ينظر جهتها. هل ما يراه صحيح أم هي من صنع خياله؟ ولكنه لم يمهل عقله
التفكير حينما هتف بغضب: "هو مين ضربك؟ تلقائيًا رفعت يدها على وجنتها لتغمض عينيها مجيبة بنبرة جريحة منكسرة: "مفيش حد." صرخ بها وقد استبد به الغضب بشدة لدرجة شعوره بأن بداخله كبركان ثائر لن يستطع أحد إخماده: "أنا مش أعمى. مين ضربك؟ قولي مين اللي اتجرأ وعمل فيكي كده؟ لفت وجهها الجهة الأخرى ونظرت أرضًا وقد اشتملت نظرات عينيها الحزن والألم وهي تجيبه بهدوء عجيب عليه لم يعجبه مطلقًا:
"ماتاخدش في بالك. أنا غلطت وكنت أستحق العقاب ده." اتسعت عيناه بغضب أعمى من ذلك الخنوع الغريب. ما الذي يحدث؟ كيف يفعلون بها هذا؟ كيف يكسرونها ويكسرون روحها ومرحها وقوتها بتلك الطريقة؟ كيف يتملكهم الغضب لتلك الدرجة التي تؤذيها بها؟ ربما هي صفعة ولكن تأثيرها النفسي واضح بالنسبة له وضوح العيان. فقد أصبحت أخرى غير تلك التي قابلها أمس. أخرى هادئة، مكسورة، جريحة. وقد اختفت قوتها ومرحها وشغبها تمامًا. ليصرخ بها بغضب:
"أيًا كان الغلط اللي ارتكبتيه، مفيش حد ليه أي حق إنه يمد إيده عليكِ، أيًا كان. سامعة؟ أيًا كان. وبعدين إيه سبب الموضوع ده؟ رفعت عيناها الرمادية تجاهه. ولكن تلك المرة شعر بخنجر يضرب بصدره. فقد كانت ساكنة، هادئة، ميتة. لا يوجد بها أي لمعة تشبه بركة راكدة. فقط اللمعة الوحيدة بها هي الدموع والحزن. ليغمض عينيه بغضب وهو يجيب بغضب مكبوت: "أنا مش كده. الموضوع اللي حصل... ثم صرخ بها بغضب: "إيه السبب لكل ده؟
الموضوع مايستاهلش. ليه؟ ليه الجبروت ده؟ ليه؟ ثم رفع أنظاره لها بغضب صارخًا: "مين اللي مد إيده عليكي؟ مين؟ حولت أنظارها بعيدًا وهي تتحرك بحزن مجيبة بألم: "ماتاخدش في بالك يا أستاذ. الموضوع ميخصكش. دي أمور عائلية. اللي ليك إنك تعرفه إنه أنا غلطت فيك وأنا... صمتت تنظر جهته بألم ودموع لتكمل بحزن: "أنا آسفة."
تلك الكلمة الأخيرة التي خرجت منها ضربته بمقتل حقًا. ربما تصرفاتها الهوجاء، طفوليتها، كل ذلك لم يضايقه أو يغضبه. ولكن هذا الاستسلام، الخنوع، والحزن والقهر هو ما جرحه. هو ليس هكذا. هو ليس رجلاً يفرح بكسر ضلع أنثى. هو على الرغم من لا مبالاته الواضحة إلا أنه ليس ذلك الشخص الذي يفرح بجرح أحدهم. أضعف منك لا يستطيع رد التصرف. هو لا يحب أن يكون هو السبب بأذية أحدهم. لذا أومئ برأسه وقد أدرك ماهية الشخص الذي رفع يده عليها.
ليجيب بغضب مكتوم: "مش محتاجة تقولي. أنا عرفت هو مين. وليا تصرف معاه ومش هسيبه يعدي باللي عمله كده." حاول التحرك ليجدها تجذبه من يده صارخة بغضب: "بأي صفة هتحاسبه؟ وانت إيه اللي يدخلك في الموضوع ده؟ سبق وقلت دي أمور عائلية ملكش فيها." نفض يدها ليجيب بغضب:
"بصفتي راجل مقبلش إن حد يمد إيده على بنت. مين ما كان يكون. فيه ألف طريقة للتفاهم غير دي. بصفتي أنا السبب في اللي حصل ده. ورغم إني قولت محصلش حاجة، لكن هو اتجرأ ومد إيده عليكِ." تحرك كالمجنون من أمامها لتلحق به تمسكه من ذراعه مرة أخرى هاتفة بغضب ممزوج برجاء: "قلتلك الموضوع ميخصكش. ماتدخلش. من فضلك. متكبرش الموضوع أكتر من كده. متسببليش مشاكل أنا في غنى عنها." نظر جهتها بضيق ليهتف بها بألم وهو يجد ذلك الخنوع العجيب:
"متقلقيش. مش هيصيبك مشاكل. الموضوع دلوقتي بين راجلين." انتبه فارس للصوت العالي ليأتي جهته متسائلًا بتعجب: "فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟ صوتكم عالي كده ليه؟ إلا أنه لم يهتم لإجابته ليتركه ويذهب. لينظر في أثره بتعجب. ليهتف هو من خلفه: "نبيل. انت يابني. نبيل! إلا أنه لم يهتم حتى بالتوقف أو الرد عليه. لتصرخ هي به بخوف: "الحق صاحبك المجنون ده هيتخانق مع أخويا ويعملي مشاكل."
رفع اهدابه ينظر جهتها بصدمة ليركض خلفه. أما هي فوقفت تلطم على وجهها برعب وهي تدعو أن يمر هذا اليوم على خير. ثم همست بخوف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!