أميرة دي يا فارس؟ صمت فارس يتطلع إليها بنظرات مبهوتة وهو يتساءل داخله نفس السؤال: لم أميرة؟ لم هي من خطرت على باله؟ لم نطق باسمها وارتعد عليها فجأة؟ ولكنه أرجع الأمر إلى أنها الفتاة الوحيدة الخرقاء التي قابلها بحياته، وهي الوحيدة التي تتصرف تلك التصرفات الهوجاء. لينظر إليها بهدوء ثم صعد سيارته، لتصعد بجانبه وهي تنظر جهته بتحقيق. لتجده يشعل السيارة وهو يجيبها بلا مبالاة:
بنت قابلتها لما كنا في الصعيد مع باسل. وهي من هنا من مصر، بس تصرفاتها مجنونة كده، يعني تمشي وهي حاطة الهاند فري في ودانها ومعلية الصوت على الآخر وممكن تعمل حادثة. "واشمعنى هي؟ ليه افتكرت البنت هي؟ " كان السؤال تحقيقًا أكثر منه سؤالًا بريئًا. ليعيد عينيه جهتها بتعجب، ليجد عيناها تحترق من الغيرة. ليبتسم عليها بتعجب: جميلة! هل جميلة تغار؟ منذ متى هذا الأمر؟ ولكن صدقًا الأمر أعجبه بشدة. ولكنه على
الرغم من ذلك أجابها بهدوء: يمكن عشان تصرفاتها زيها، ويمكن لأنها تقريبًا من ضهرها نفسها، تقريبًا يعني لون شعرها وتقريبًا رسمتها، فافتكرتها هي عادي يعني. "بس كده؟ مفيش حاجة تانية؟ التفت ينظر جهتها بصدمة، في حين ارتفع حاجبيه ذهولًا. لتجده انفجر في الضحك مرة واحدة وهو يجيبها بهدوء: بس كده. ثم وجدته يقترب منها بوجهه مرة واحدة متسائلًا بنبرة خبيثة: اديني جاوبت. قولولي بقى انتي عاوزة إيه؟ إيه سبب الأسئلة الكتيرة دي؟
ثم غمزها بعينه بعبث متسائلًا بمكر: ليه سر الاستجواب ده؟ عاوزة توصلي لإيه يا جميلة؟ إيه اللي قالقك؟ احمرت وجنتيها خجلًا، لتقضم شفتها السفلى بخجل. ليتتبع حركتها بعينه، ثم رفع عينيه جهة عينيها بابتسامة خبيثة. لتنتبه لابتسامته الماكرة لتزيحه للخلف قائلة بغضب وخجل: اتأدب واقعد مكانك عدل، سامع! وبطل قلة أدب. ضحك بشدة، ليرفع حاجبيه بذهول وهو يتساءل بمكر: أنا عملت إيه عشان تقولي كده؟
أنا بس بسأل، عاوزة إيه من الأسئلة دي وإيه سببها؟ ظلت تنظر جهته بغضب، لتقول بضيق: طيب اتعدل وانت قاعد وخليك مكانك، عيب وحافظ على مسافة آمنة بينا وخليك محترم، فاهم؟ وخلي بالك إحنا في الشارع. انفجر بالضحك أكثر، لتجده يصف السيارة جانبًا، ليلف جسده ينظر جهتها بحب. ليمسك يدها يضعها بين يديه الكبيرتين، ثم نظر داخل عينيها بعشق قائلًا بصوت عميق: جميلة!
خليكي عارفة إني راجل واحد، لست واحدة، وإنتي الواحد ده. إنتي حب حياتي، طفولتي وشبابي. إنتي اللي اتولدت لقيتني بحبها. إنتي اللي عشقك وحبك هو الهوا اللي بتنفسه. إنتي حياتي وقلبي ودقاته. إنتي كل حاجة بالنسبالي يا جميلة. إنتي الوحيدة اللي عيني لما بتغمض مبشوفش غيرها. إنتي صاحبة السحر اللي قيدني من سنين. أنا مفتون بيكي وبسحرك يا جميلة. مفتون بكل حركة منك. فاهماني؟
ثم وجدته يرفع يدها يلثم ظاهرها، ثم أسدل عينيه ناظرًا بعمق عينيها قائلًا بعشق وهو يرفع يده الحرة يضعها على صدره: إنتي اللي ملكتي قلبي وكياني. إنتي الوحيدة اللي قلبي بيدق عشانها. إنتي الوحيدة بين النساء اللي قلبي بينحني عشق وحب ليها. إنتي حبيبتي الوحيدة يا جميلة. إنتي اللي بسهر ليلي أفكر فيها. إنتي وبس يا جميلة. إنتي وبس. ابتسمت جميلة بحياء وقد احمرت وجنتيها بخجل، في حين كان قلبها يرفرف بعشق. لينظر لها قائلًا
بهدوء وحب: جميلة، أنا يوميًا بقابل ستات بعدد شعر راسي، بس مفيش واحدة فيهم بتحرك شعرة من شعر راسي. مفيش واحدة بتسرق دقة واحدة من دقات قلبي. لكن إنتي كل دقة بتصرخ باسمك. مفيش واحدة في الدنيا ليها السحر الخاص بيكي اللي بيفتني ويجنني. سحر فتاتي الصهباء صاحبة الجوهرتين السوداويتين اللي بتسرق أنفاسي بمجرد ما بشوفها، وبعشق كل حاجة فيها بجنون.
سعادة تملكتها في حين قلبها كان يضرب داخل صدرها بجنون، وهي تشعر بالسعادة من ذلك الحب الذي يكنه لها، والذي لا يعبر عنه بكلماته فقط، إنما بكل نظرة ونفس يخرج منه. ليرد عليه قلبها بدقاته العاشقة وعينيها تضحك في وجهه بحب، بعشق، بوله وهيام. هو عزز بكلماته حبها وسعادتها وأنوثتها. هو الوحيد الذي تبحث عينيها عنه وتضحك عينيها قبل شفتيها بمجرد رؤيته. هو الوحيد المحتل قلبها وكيانها. تثق به، نعم، وأكثر من ثقتها بنفسها. تعرفه حق
المعرفة كمعرفة باطن يدها. ولكنها تغار، ومن حقها، فهو الوحيد الذي لن تشاركه مع أحد، حتى بنظرته. فلينظر لها هي فقط بتلك الابتسامة، بذلك الاهتمام. فارس لها هي فقط، لها من قديم الأزل، منذ وعيت على الدنيا، ولن تقبل بحقيقة أخرى. وليفهم العالم كله هذا الكلام.
لترفع عيناها تجاهه قائلة بحب وسعادة: فارس. همهم فارس بابتسامة عاشقة، لتجيبه بنبرة ناعمة رقيقة عاشقة: أنا بحبك أوي يا فارس. بحبك بجنون. بحبك أكتر من أي حد في الدنيا. بحبك من أول ما وعيت على الدنيا. ابتسم فارس لها بعشق وهو يجيب بثقة: عارف. لتتوحش نظراتها وأشهرت سبابتها قائلة باجرام ونبرة متوحشة مخيفة:
عشان كده خليك عارف إني مش بشاركك مع حد ومش هسمح لحد يقرب منك مين ما كانت تكون. ف علشان كده خلي بالك كويس. لو واحدة بصتلك هقتلها. لكن لو أنت اللي بصيت لها... نظر لها منتظرًا إجابتها، لتكمل بابتسامة متوحشة وهي تمسح على كتفه بذراعها: هفقعلك عينك يا فارس. ووقتها مش هينفعك نضارات. وساعتها هفضل أنا اللي في حياتك وهبقى سندك بجد. وهفضل معاك واسندك منين ما تروح. لأنك حبيبي وقلبي.
اتسعت عينيه يذهولًا، ليتراجع للخلف بصدمة. لتومئ برأسها مع ابتسامة شريرة مؤكدة كلامها، وهي تشهر سبابتها قائلة: ومش بهزر على فكرة. ف خلي بالك، لأني معنديش هزار في المواضيع دي. ماهو يا كده يا هقتلك. أومأ برأسه بخوف وهو يجد نظرة الاجرام تلك محتلة عينيها. وهو أدرى شخص بحقيقتها من كذبها. فهو بالنهاية طبيب نفسي، وهو أدرى بنظرات من أمامه، حقيقة أم كذب. وما أمامه مرعب. ليشعل سيارته قائلًا بهدوء: يلا نروح.
أومأت برأسها لتبعد عينيها تنظر من زجاج السيارة بجوارها بابتسامة. ربما لن تفعل ذلك، ولكنها بالفعل مجنونة بعشقه وحبه. ولا تعلم ماذا ستفعل إن ابتعد عنها. ستموت حتمًا، ستنتهي لا محالة. لذا فهي لا تدري ماذا ستفعل وقتها. ولكن ما تعرفه أن كلا من الحب والحرب لا يخضعان للمنطق، إنما للمشاعر الجياشة. وهي مشاعرها تجاهه بحر جارف لا شاطئ له، وهي قد غرقت به، وستغرقه لا محالة... لا محالة. ***
ركض للخارج بسرعة بعد سماع تلك الكلمات من فم الصبي، في حين كانت هي تتبعه بسرعة حاملة بيدها حقيبة عمله. ليركض داخل إحدى الحظائر، ثم جثى على ركبتيه أمام تلك الفرسة والتف ناظرًا لها، ثم جهر بصوته صارخًا بقوة: شيرين، اديني السماعة بسرعة.
أومأت برأسها لتعطيه إياها، ليضعها بأذنيه، ثم بدأ العمل تحت نظراتها المدققة التي ترصد كل حركة منه. ليبدأ عمله، في حين تركض هي حوله تجلب له بعض الأشياء والأدوات. إلى أن أوقفوا الفرسة وسندوها لتبدأ في الولادة، إلى أن وضعت مهرها. وهبط معه بعض الدم والماء. ليتنفس هو بارتياح، ثم بدأ يتفحص صحتها وصحته. وما إن انتهى حتى تنهد بارتياح وهدوء أخيرًا. ليبتسم لها قائلًا بشكر: شكرًا. ابتسمت في وجهه برقة قائلة بهدوء: العفو، على إيه؟
ده واجبي. وبعدين أنا استفدت، المفروض أنا اللي أشكرك. ضحك ولم يتحدث. لتقول هي بهدوء وهي تنظر في يديها: هروح أغسل إيدي. أومأ برأسه، ولكنها ما إن تحركت وأدارت ظهرها جهته حتى لفت انتباهه أمر ما. ليدقق النظر بظهرها ليجده كما رأى. ليضغط على شفتيه بضيق، ثم سرعان ما هتف بها من الخلف يوقفها: شيرين.
توقفت شيرين تنظر جهته بتعجب من حدة صوته مرة واحدة. لتجده يركض تجاهها وهو يخلع قميصه الأزرق، ليبقى بكنزته القطنية البيضاء بنصف أكمام. ثم أعطاه لها وهو ينظر بعيدًا وهو يقول بقوة: اتفضلي. قطبت حاجبيها بتعجب، وهي تتساءل بجهل: إيه ده؟
تنفس بهدوء، لتجده يفرد أكمام قميصه. لتجده يسحبها تجاهه، ثم مال عليها يلف يديه حول خصرها ويقترب بجسده منها لتصبح بين أحضانه فجأة. في حين كانت أنفاسه قريبة منها تلفح عنقها وأذنها. لتشهق بفزع وخوف، لكنها تفاجأت بشيء يربط حول خصرها. في حين همس صوته الهادئ بأذنها وهو يحيطها تقريبًا بذراعيه:
اهدئي، متخافيش. إنتي طار على بنطلونك البيج من ورا دم. تقريبًا إنتي قعدتي عليه. فالبنطلون من ورا كله دم وواضح. واللّي هيشوفه هيفهم غلط. شهقت بجزع، لترفع أنظارها جهته بخجل. ليبعد هو عينيه بعيدًا عنها بهدوء بعد أن أنهى ما فعله، محافظًا على مسافة آمنة بينهم. ليقول وهو يلف جسده وينظر بعيدًا عنها: من الأفضل تروحي تغيري هدومك. وممكن تاخدي دش علشان الريحة وكده.
أومأت برأسها لتركض بعيدًا بخجل. ولكنها ما إن ابتعدت مسافة حتى لفت وجهها تجاهه تنظر جهته. لتجده على نفس وضعيته، ولكن وكأنه شعر بنظراتها تجاهه. لتجده يلف وجهه تجاهها، وما إن تلاقت أعينهما حتى ابتسم لها ابتسامة حنونة رقيقة. لتحمر وجنتيها خجلًا وتركض بسرعة بخجل من أمامه. في حين كانت ضربات قلبها تقرع داخل صدرها كالطبول. ولكنها ما إن أدارت ظهرها وركضت من أمامه حتى اتسعت ابتسامة هائمة على وجهه، في حين لمعت عيناه كالنجوم. وهو يدرك جيدًا بأن هناك نابضة شاردة دقت في قلبه وحاله لم يبق كما هو. إنما هناك جزء من عقله وقلبه قد سرقته تلك الصغيرة واحتفظت به.
***
بعد أن انتهت من حمامها وبدلت ثيابها، وقفت تنظر لذلك القميص الملقى أمامها على الفراش بشرود. لترتسم ابتسامة ناعمة على شفتيها. لتشرد في ابتسامة هادئة وحنان غريب عليها، وحمية رجولية لم ترها من قبل، وشهامة من رجل غريب أثار عواطف جياشة داخلها. لتقترب من ذلك القميص تنظر له بابتسامة وهي تتذكر عيون خضراء داكنة أقرب للرمادية تنظر جهتها بتيه وشرود وتدقق بتفاصيل وجهها. لترتفع لا إراديًا دقات قلبها داخلها. لا تنكر وسامته الفذة وملامحه الرجولية الوسيمة. لا تنكر عيناه الساحرة التي حينما تتطلع إليها تنسى عالمها وما فيه. فقط تتوه بمشاعر جديدة عليها. ولا تدري كم من الوقت مضى وهي تدقق بها. فقط تريد تحديد لونها جيدًا. وبالكاد تستطيع إبعاد عينيها عنها.
أحاطت جسدها بذراعيها وهي تتذكر احتضانه لها بذراعيه رغبة منه فقط بربط قميصه على خصرها منعا لإحراجها. ليحمر وجهها لا إراديًا. كم مرة سقطت في أحضانه بالمعنى اللفظي والحرفي دون رغبة من كليهما في ذلك الحضن. هذه المرة لا تدري أهي الثالثة أو الرابعة. ولكنها لا تنكر شعور بالأمان والاطمئنان يكتنفها بين ذراعيه وبجواره. لم تشعر من ناحيته بأي خوف أو بأي مشاعر مقلقة. إنما هي تشعر بالأمان والاطمئنان. صوته يهدئها. رِقته وهدوئه يثيران زوبعة مشاعر عنيفة داخل صدرها. ولكن، هل يشعر مثلها بأي شيء تجاهها؟
أم هي مجرد مشاعر من طرف واحد؟ لا تعلم حقًا. ولكنها تشعر بالأمان معه، بالراحة في الحديث معه، بالرغبة في التيه بين عينيه والإبحار بين مشاعره التي تظهر به. ترغب بأن تأكل معه دائمًا وتغرق بين ذراعيه لتستمتع دائمًا بالشعور بالأمان معه. رفعت قميصه جهة أنفها تشمه. تسحب عطره ورائحته داخل صدرها. رائحته تشعرها بالراحة والأمان.
تعلم جيدًا أن تلك المشاعر خطر عليها. تلك المشاعر خاطئة، وبالأخص لها كفتاة. فهي حتى وإن أحبته، فهي لن تستطيع فعل شيء مقابل ذلك الحب. فهي لديها كبرياء، وبالطبع لن تقترب منه أو تحاول لفت انتباهه ناحيتها. فهي بالنهاية فتاة ولا يجوز للفتيات أن ينحنين للحب. فهي يجب عليها فقط أن تخضع لمن يحبها. فهي ليس لديها رفاهية الاختيار. فربما من ستختاره لن يختارها. إذا ماذا ستفعل؟
ولكن ما علينا، للقلب سلطان. فهو لديه سلطانه الخاص به. وهي لا تكذب إن قالت إنها منذ رأته للمرة الأولى وقد شعرت بأن هناك شيء تغير بها. دقة عنيفة اكتنفتها، شيء سُلب منها. ولكنها لا تستطيع فعل شيء. ترقرقت عيناها بالدموع. ماذا يحدث معها؟ وترى هل هو يشعر بها؟ هل يستطيع أن يكون لهما مستقبل معًا؟ أم يجب عليها أن تدفنها داخل صدرها؟
لن تكذب إن قالت إنها أعجبت به بشدة. فهي لم تر تلك الرجولة والقوة والاحترام والشخصية القوية بحياتها. إنما من أمامها. أغمضت عينيها تنهي تلك الأفكار. تنهيها بالفعل. لا تريد أن تتذكر. تريد أن تنسى. تريد أن تعطي نفسها هدنة. فهي قد هربت من بيتهم فقط لترتاح من تلك الأمور. ابتسمت ساخرة، فهي هربت من مشكلة لتقع ببئر عميق. سالت دموعها على وجنتيها. ثم رفعت عينيها جهة السماء قائلة برجاء:
"يا الله أنقذني من ذلك البئر العميق. نجني يا حتفظ عبيدك. ارحمني وانقذني. فليس بين بني البشر معين سواك". داخلها زوابع ولا يعلم عنها أحد. وزادها وجودها هنا رياح عاتية أيضًا. ترغب في الأمان والهدوء. لكن ترى هل سيحدث هذا؟ لا تعلم هذا أبدًا. مسحت الدموع عن وجنتيها لترفع القميص تضعه على يدها لتذهب به إليه. ولكن ما إن فتحت الباب للخروج حتى تفاجئت بكلا من أميرة وجنى أمامها. نظرت لها أميرة متسائلة بتعجب: كنتي فين؟
بندور عليكي من بدري. ابتسمت لها بهدوء قائلة: أنا هنا أهو. كنت باخد دش. نظرت لها جنى بتعجب. بها شيء ما ليست على طبيعتها. ليلفت انتباهها ذلك القميص. تذكر ذلك القميص جيدًا. ذلك القميص يعود لابن عمها. هي رأته يرتديه اليوم. ولكن كيف أتى إلى يدي شيرين؟ ليترجم لسانها على سؤالها قائلة بتعجب وهي تشير جهتهما: مش ده قميص باسم؟ نظرت شيرين للقميص، ثم رفعت عينيها تومئ لها بهدوء. لتقطب جنى حاجبيها بتعجب متسائلة: وبيعمل إيه معاكي؟
سحبت شيرين الهواء داخل صدرها لتسرد لها ما حدث بهدوء. لتومئ جنى برأسها وهي تجيبها بابتسامة مرحة: طيب حظك حلو إن باسم كان موجود، وإلا زمانك كنتي بقيتي فرجة. ابتسمت لها ولم تعلق. في حين اتسعت ابتسامة أميرة وهي تقول مازحة:
أشطا يا معلم. أبو عينين مش عارفين لها لون. مهتم بيكي. مش بعيد قبل ما تخلص الإجازة تكوني مخطوباله. ويلا ضمنتي تحسين النسل. وممكن تجيبي عيون ملونة بدل الأبيض والأسود ده. أصل عيلة جنى دي عليهم ألوان في عينيهم يا خرابى تجنن. احمرت وجنتى شيرين بخجل. في حين داخلها تتساءل: هل من الممكن أن ينظر إليها باسم؟ هل من الممكن أن ينظر إليها شخص بمكانته؟
فهي قد رأت عائلته. وعلى الرغم من كونهم يعيشون بالريف، إلا أن تلك المزرعة والأرض تقدر بمبالغ طائلة. في حين هي من أسرة متوسطة وبملامح عادية. أما هو فوسيم بشدة. ولكنها نهرت نفسها عن التفكير بالأمر. فهي قدرها معروف. حتى وإن لم تحبه أو ترغب به، ولكنه معروف. لذا لا داعي لأن تأمل شيئًا ما. وحتى وإن انتبه لها وأرادها، فهو لن يحارب لأجل قدرها ويحارب لينتزعها منه. لن يصل الأمر للحب. إنما سيكون مجرد إعجاب. لذا عليها طرد تلك الأفكار من رأسها. لذا رفعت عينيها
جهة صديقتها قائلة بجدية: متحلميش وخليكي على أرض الواقع. باسم العربي مش هيبصلنا وإحنا جايين إجازة مش جايين نتجوز. قالت كلمتها بجدية تامة أقرب للحدة. ثم تركتهم وذهبت. لتقطب أميرة حاجبيها متسائلة بتعجب: مالها دي؟ مش بطبيعتها. تقلب كده وإحنا بنهزر. مطت جنى شفتيها قائلة بتعجب: مش عارفة. بس باين مزاجها مش رايق وصوتها مش عاجبني. رفعت عينيها متسائلة بتعجب: تفتكري باسم يكون زعقلها؟ قضمت أميرة شفتيها لتنفي برأسها مجيبة بثقة:
مظنش أبدًا. نعم، لا تظن ذلك. فالأمر واضح للعيان. هذا الشاب معجب بها بشدة. بل إن عينه تبحث عنها. وما تراه منه أن الأمر بدأ يصبح تقرب للهوس. وتظن من خلال حديث صديقتها بأنه يتحين الفرص ليحادثها على انفراد أو يكون بجوارها أطول وقت. لذا لا تظن. والدليل قميصه الذي بيدها. إذا ماذا حدث؟ لا تعرف. أفاقت على صوت جنى المتسائل: أمال تفتكري إيه اللي حصل؟ هزت كتفيها وهي تنظر أمامها بشرود: كله هيبان. ***
تحركت جهته بعد أن بدأت ملابسها. لتناديه برقة قائلة: دكتور باسم. التفت إليها بهدوء ليجيبها بابتسامة: غيرتي. أومأت برأسها بابتسامة مجاملة. ثم مدت ما بيدها قائلة بامتنان: شكرًا. أومأ برأسه ليتناوله من يدها وهو يجيبها بابتسامة: العفو، ده واجبي. وشكرًا ليكي انتي إنك ساعديني. أجابته بابتسامة: العفو، على إيه حضرتك؟ أنا بتعلم منك والمفروض إن أنا اللي مديونالك.
رفع أنظاره ينظر بعمق عينيها. تلك الفتاة توتره بحق. توقعه بسحرها أكثر. لذا ولكي يتخلص من ذلك السحر، زعق بصوته على إحدى الصبيان. وحينما أتى، ناولها القميص قائلًا: وديه المكتب وامشي. وأنا جاي وراك علشان ورانا شغل.
تحرجت من الموقف لتتنحنح مبتعدة تقف مع أصدقائها. ولكن عينيها ظلت تتابعه، تتابع حركته، تتابع تصرفاته. قوته وسيطرته وهيمنته على العاملين. تدقيقه بالصغيرة والكبيرة. عينيه ترصد أي شيء غير طبيعي. يتحرك هنا وهناك كشعلة متقدة. ثم يبدأ بمراجعة حساباته. أعماله. يبدو كطبيب ورجل أعمال. لا يترك شيئًا ويرفض أن يحمل والده أو جده هم العمل. كم يبدو شهم، وسيم، رجولي بشدة. يبدو كأحد أبطال الأساطير الخارجين من إحدى صفحات الروايات. يقف
بشموخ وقوة. هو ذو صدر عضلي قوي وبشرة حنطية أقرب للسمرة الخفيفة. خصلاته السوداء الحالكة التي تهبط على عينيه ليرجعها للخلف. وعينيه تلك التي رغم ألوانها الجميلة وحنانها البالغ حينما ينظر إليها أو إلى أحد من عائلته، تختلف حينما تتقد وتكون حادة حينما يتعامل مع العمال. هو قوي ومسيطر، مهيمن، شهم وحنون ورقيق جدًا. محظوظة من تنال واحد مثله. ولكنها ليست من أولئك المحظوظين.
أما هو فكان يشعر بها وبتحديقها به. وهذا يزيدها سعادة على سعادته. يشعر بأنه يلفت انتباهها على الأقل. إن لم يثر إعجابها. وهذا يعزز ذكوريته وفخره بأنه يؤثر على أنثى وليست أي أنثى. إنما تلك التي يرتج لها قلبه. هو ليس بغبي. هو متأكد من ذلك. متأكد من أنه يلفت انتباهها وإعجابها. وأكبر دليل على هذا هو وقوفها الآن بعيدًا تنظر له بتدقيق. في حين هو يتحدث مع أحد عمال المزرعة يعطيه التعليمات بخصوص مواشي العلف. ماذا يفعل معهم ويتصرف.
قضم شفته السفلى بضيق حينما انتبه إلى أن العامل لف بعينيه بعيدًا ينظر جهة تلك التي تقف بالخلف. ليصرخ به بغضب أعمى: بتبص على فين؟ هو اللي بيكلمك هناك. وأنا معرفش. متركز معايا هنا. تنحنح الرجل ليجيبه بإحراج: معاك يادكتور. مجصدش أبص بعيد. بس عيني سرحت. صرخ به بغضب: لأ. متخليهاش تسرح. بدل ما أقلعها من وشك. إنت تبص هنا قدامك مع اللّي بيكلمك. لو مش ناوي تتسرح من شغلك. ثم أكمل بتحذير وهو يرفع سبابته بوجهه:
تركز في كل كلمة بقولها. لأني لو لاحظت غلط والله لكون مسرحك من هنا. فاهم؟ ثم احتدمت عيناه مكملاً بغضب: وعينك متترفعش عن الأرض في حرماتنا. فاهم ولا لأ. احمر وجه الرجل بإحراج ليردف بكلمات معتذرة. ليجد الآخر يشيح له بيده صارخًا بغضب: امشي من هنا. غور. مش عاوز أشوف وشك.
تحرك الرجل من أمامه مطأطي الرأس. الدكتور باسم على الرغم من معرفته به وكونه دكتور وله مكانته، إلا أنه وعائلته معروفون بشدتهم وتشـددهم جهة العادات وجهة حرمات منزلهم. يرفض أن يتطلع بها أحد. ما زال على نفس المنوال القديم. لا يتمدن كما يقال أبدًا. ما زالت لديه الحمية القديمة المتشددة. وربما مع مكانتهم يخشى بالفعل من قطع رزقه. فهو يعلم بأنه قادر بالفعل على سلب لقمة عيشه حينما يتعلق الأمر بأي فتاة كانت.
وعلى ذكر الفتاة، يذكر بأنه هكذا رجلًا من يومه. يرفض أن يتحرش أحد بأي فتاة مهما كانت. حتى وإن لم تكن تعنيه. إذا تحدث أحد إلى فتاة وقام بمعاكستها أو أزعجها وكان هو حاضرًا أو مارًا، لا يمرر الأمر إلا بعد أن يمرر عليه حياته ويومه. ويقوم بتقويمه وسبه وتوجيهه. ثم إن كان عاملًا عنده، لن يتوارى عن قطع رزقه لأنه لم يكن رجلًا. والكلمة التي دائمًا يقولها: "اللي ما رضاهوش على أختي، ما رضاهوش على أي بنت".
الفتيات ومكانتهن لها مكانة خاصة لديه. وهو لن يتوانى عن مسح الأرض به إذا لاحظ أنه يتطلع بها أو يضايقها. لذا فلينظر أرضًا ويبتعد عن أي فتاة حفاظًا على لقمة عيشه التي يكد لأجلها. وليحفظ عينيه له ولرؤيته فقط. في حين التف هو ينظر جهتها مرة واحدة بغضب. لتتسع عينيها برعب وتلف وجهها بعيدًا. ليخطو هو الأرض جهتها بغضب. ثم وقف أمامها قائلًا بضيق: إيه؟ رمشت بعينيها. ثم سرعان ما احمرت وجنتيها بخجل لتجيبه بهدوء: إيه؟ ينظر
لها بضيق ليجيبها بغضب: إيه اللي موقفك كده؟ استطاعت بسهولة ملاحظة غضبه جهتها. ولكن ما السبب؟ هي لم تفعل شيئًا. ربما هي وقفت تتلصص عليه. تتابعه من بعيد. لا تنكر إعجابها الشديد به وبشخصيته. لا تنكر أنه يشع وسامة ورجولة. وأنه يجذبها تجاهه ببساطة بكل ما به. بتصرفاته التي لا تستطيع تحديدها. أهي راقية أم بربرية؟
هو مزيج بينهما. لتقع هي بالمنتصف بذهول وسطهم. لا تستطيع فهمه أكثر. ولكن على الرغم من إعجابها به، لا يحق له أن يعاملها هكذا. هي ليست أي أحد. وهو ما زال لا يعرفها. فهي شيرين صالح. ليس هناك أحد على وجه الأرض يستطيع التحكم بها أو إغضابها. لذا وجدت نفسها تنظر جهتها. ثم هزت كتفيها تجيبه ببرود بعد أن وضعت يديها بجيب بنطالها من الخلف: مظنش يا دكتور إن أنا ممنوع عليا إني أقف في مكان معين. ولا إيه؟
وإذا كنت بتسألني واقفة ليه، فأنا بتابع الكلام بتاعك. أظن إنه تبع تخصصي وهيفيدني. وإن كنت نسيت، فأنا دكتورة بيطرية برضه زيي زيك. ضغطت على جملتها الأخيرة خاصة لتنبهه إلى شخصيتها وكينونتها. ولكنها تفاجئت بنظرته الحادة تجاهها. وبالأخص جهة يديها. ثم سرعان ما وجدته ينظر يمينًا ويسارًا بغضب. ثم أرجع عينيه جهتها هادرًا بغضب: شيلي إيدي من الزفت اللي حاطاه فيه ده. وانتبهي لحركاتك.
انتفضت من مكانها على صرخته الهادرة، لتتراجع للخلف بصدمة. في حين هدر هو صارخًا بغضب وحرقة: انتبهي لتصرفاتك ولحركاتك طول ما إنتي برة البيت. هي مش غرور وغباء. واعرفي إنتي بتعملي إيه. إيه مش واخدة بالك إنتي حاطة إيدك فين وبتلفتي انتباه اللي حواليكي لأيه. ترقرقت عيناها بالدموع. في حين صرخ هو غير منتبه لألمها:
إنتي متحوطة بالرجالة يا دكتورة. كفاية بنطلونك الجينز وإنك رايحة جاية قدامهم. قوم كمان مش منتبهة لحركاتك. إنتي كل اللي قدامك رجالة أغلبهم مش متعلمين. والمفروض كبنت مؤدبة تنتبهي لحركاتك. وبذات حركة زي دي. تساقطت الدموع على وجنتيها. لينصدم هو. سرعان ما فتح عينيه وفمه ببلاعة. وهو يجد دموعها تزداد هطولًا أكثر. تنحنح ليجلي حنجرته. ثم حاول الاقتراب منها رافعًا يده وهو يقول: شيرين أنا... ولكنه صدم حينما رفعت هي
يدها بالمقابل قائلة بغضب: اياك. تراجع للخلف بصدمة. في حين أكملت هي بألم وبكاء: أنا عارفة أنا بعمل إيه كويس يا دكتور. وأنا بنت مؤدبة ومحترمة كويس أوي. وأنا مش غبية ولا مغرورة يا دكتور. ثم صمتت تؤكد على كلامها مكملة بشهقات: مش غبية يا دكتور. مش غبية.
قضم شفتيه وهو يعي ما قاله الآن. كيف كان قاسي وغبي هكذا. ليقول هكذا كلام دون أن ينتبه إلى حديثه. إن كان هناك غبي حقًا فهو هو. لأنه دائمًا ما يخرج كلماته دون تفكير أو دون انتباه لمشاعر من أمامه. غضبه دائمًا هو ما يتحكم به. ليجد نفسه أخيرًا واقعًا في موقع المدان. السبب غضبه. ليقول بهدوء وأسف: شيرين أنا... رفعت يدها تكمل بهدوء وهي تقاطعه للمرة الثانية:
إنت معاك يا دكتور. أنا غلطانة. ماهو أنا لو بنت محترمة مكنتش طلعت من بيتي. لأنه معروف من خرج من داره انقل مقداره. وأنا خرجت من بيتنا عشان أروح مكان غريب وأتقل على ناس تانية. ف طبيعي يتضايقوا مني. وبعدين أنا اللي سمحت لغريب إنه يتكلم معايا كده. اتسعت عيناه بغضب. هل قالت إنهم تضايقوا من وجودها؟ هل تظن أنهم غاضبون من وجودها بينهم؟ ثم ما هذا؟ غريب؟ أهو غريب؟ ليصرخ بكلماته هذه بغضب:
إنتي فاكرة إن أنا متضايقين من وجودك وإني بزعقلك وبفرض تحكماتي عليكي؟ إنتي فاكرة كده فعلًا؟ رفعت عينيها تنظر جهته بقوة. نظرة مؤكدة لحديثه دون كلام. لينفي برأسه قائلًا بغضب: إنتي مجنونة بجد. لأن كلامك ده مش طبيعي. ثم أكمل بغضب: وإنتي بتقولي إنه إيه غريب بيتحكم فيكي؟ مين ده اللي غريب؟ ثم أشار جهة نفسه صارخًا بغضب: الكلام ده ليا أنا... أنا غريب بقى؟ أنا اللي غريب؟
ربعت يديها تخفي رعشتها. ثم رفعت أنفها بغرور. على الرغم من ترقرق الدموع بعينيها الصلبتين. مجيبة بقوة: أمال إنت إيه؟ تكونش فاكر نفسك جوز خالتك وأنا معرفش؟ تفاجئ بجملتها تلك. ولكن ما فاجأه أكثر هو حينما وجدها تقترب منه بوجهها وتميل بجذعها العلوي عليه بعض الشيء قائلة بقوة: أيوه. إنت غريب وملكش حق عليا. لا إنك تتحمم فيا أو تصرخ في وشي أو ترفع صوتك عليا أو تديني أي أمر.
تراجع للخلف مبعدًا وجهه للخلف بصدمة. ليتفاجئ بها تعود تعود بجذعها مكملة بقوة وجبروت. وإن كان لم يختف الألم أو الدموع من عينيها: بس أنا هريحك من ده كله يا دكتور. المكان اللي تنداس فيه كرامتي، بخطيهوش. علشان كده أنا ماشية. ومش كمان شوية. لأ ده دلوقتي حالا. وارتاح مني ومن تصرفاتي بقى.
ثم دون كلام آخر وجدها تفك يديها لتتحرك للذهاب. وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة وتدق الأرض بقدميها بغضب. ليعلم أن غضبها سيطر عليها أخيرًا. وهي الآن كطفلة صغيرة غاضبة من والدها. وقد أعلنت بغضب خصامها له لأنه لم يأخذها للملاهي. ويا ويل من يقع بين براثن غضبها. ليمسح هو على وجهه بضيق. ثم قال بغضب: وهتحلها إزاي دي يا فالح؟
تحرك بغضب أعمى يلف حول نفسه. ها قد غضبت منه وردته الجميلة وطفلته الصغيرة أصبحت غاضبة. والسبب كل السبب هو وغضبه وغيرته. بسسسسس. ياترى باسم هيعرف يصالح شيرين ولا لأ؟ إيه سر شيرين؟ شيرين هتمشي فعلاً ولا لأ؟ إيه التطور بين فارس وجميلة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!