الفصل 13 | من 30 فصل

رواية ملكة قلبي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريان بطرس

المشاهدات
19
كلمة
4,970
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

نظروا لبعضهم البعض بعد ذلك العرض من ذلك الرجل الوقور. قال نبيل: "وبعدين يا باسل هنعمل إيه؟ وقف باسل ناظرًا أمامه ثم أجابهم بفتور: "ولا أي حاجة. هنبات ونمشي الصبح. هنعمل إيه يعني؟ حد عنده فكرة تانية؟ مطّ فارس شفتيه ليجيبه بهدوء: "أنا معنديش مانع، بس أهم حاجة مش عاوز مشاكل." أومأ برأسه بهدوء ليتحرك من المكان، حينما هتف نبيل من خلفه بخوف: "رايح فين؟ التفت لينظر له ليجيبه بهدوء: "هتمشي." ثم أشار جهة

أرض زراعية خضراء وهو يقول: "هقعد هناك على الزرع ده وأشوف بالمرة الغروب." أومأ له برأسه ليقول: "بس ماتبعدش." أومأ برأسه في حين تحرك فارس ليتبعه. ليبتسم هو ابتسامة جانبية وقد شعر بملاحقته له، ليقول بهدوء بعد أن جلس على العشب: "كنت حاسس برضه إنها مش رحلة، وبابا باعتك معايا تراقبني لأنه شايف إن تصرفاتي مشكوك فيها." نفس الهواء من أنفه بإرهاق ليقول

بهدوء وهو يجلس بجواره: "مش بالظبط. هو قال لي، بس أنا كنت فعلاً محتاج أغير جو وأبعد عن الزحمة والمدينة، فما صدقت. لكن خليك واثق فيا، إنت مش مجنون، بس اللي بيحصل معاك شيء غريب. يمكن بيمر بين واحد في المليون." ابتسم ساخرًا له ليجيبه وهو يتكئ بظهره على إحدى الشجرات خلفه وينظر للسماء بالأعلى: "وتفتكر إن أنا مبسوط كون إن أنا بيحصل معايا حاجة نادرة؟

تفتكر إنه حاجة مريحة إنك تحاول تتجاهل حاجة بتحصل معاك وتتفاجئ يوم بعد يوم إنها بتزيد وإنها حقيقة؟ وانت بتحاول تتعايش مع الواقع ده وتتجاهله وتعتبر إنه ولا حاجة؟ تفتكر إنه شيء عادي؟ تفتكر إن السيطرة على أعصابك في وجود مهلكها ده أمر طبيعي؟ تفتكر إنك مبتقعدش غصب عنك تفكر: اشمعنى أنا، واشمعنى هي، وليه ده؟ تفكر طيب أقرب وأفهم ولا أبعد وأتجاهل؟ ثم حول أنظاره له قائلًا

بتعب: "وحتى لما تبعد وتتجاهل على أمل إن الموضوع يتدفن وينتهي، ما بينتهيش." أغمض عينيه ليفتحها قائلًا

بتصميم: "أنا مش هكرر اللي حصل تاني يا فارس. اتطمن، أنا مش هتعرض لها حتى لو شفتها قدامي. بل بالعكس، أنا هحاول أبعد وأتجاهل وأعمل نفسي ولا كأن حاجة حصلت. بس اللي هيجنني، كل حاجة حقيقية يا فارس. حقيقية ما فيهاش ذرة شك. أنا خايف فعلًا لأكون مجنون. أنا خايف لأكون مريض. خايف إنه يكون أوهام برسمها من نفسي وأتوه في قلبها يا فارس." صمت لبرهة من الوقت

ليقول بعدها بألم ورعب: "أنا حاسس إني بضيع من نفسي يا فارس. حاسس إني بتوه مني. خايف إن بعد كده أكون برسم أحلام وأطلع في الآخر مريض انفصام أو هلاوس أو أي شيء تاني. أنا مرعوب يا فارس. مرعوب مني. حاسس إني مبقتش عارفني."

ظل فارس صامتًا يستمع إليه بإنصات. كم يؤلمه قلبه على صديق عمره، كم يؤلمه حيرته، كم يؤلمه تيهه. باسل هو أكثر شخص يعرفه لا يحب الأمور العجيبة، لا يحب أن يكون موضع شك أو تركيز من أحدهم، لا يحب أن تكون تصرفاته مشكوك بها. هو أكثر الناس عقلانية واحترامًا وأكثرهم اتزانًا، ولكنه الآن أصبح كمجنون بالنسبة للجميع. ولكنه أصمت أفكاره ونظر له ثم قال بعدها: "انت مش واثق فيا؟

ثق إن أنا بقولك الحقيقة. انت تمام، مفيكش أي حاجة، وإن شاء الله تكون تجربة وهتعدي. محدش عارف الدنيا مخبية إيه، بس أهم حاجة حافظ على هدوئك وكأن مفيش حاجة." أسند رأسه للخلف واغمض عينيه ثم قال بتعب: "القول أسهل من الفعل بكتير. أنا تعبان يا فارس. تعبان أوي ومش عارف أعمل إيه. والله أنا مش هتعرض لها وأنا وعدت بكده. لكن اللي أنا فيه هيخلي دماغي تشت مني." ضحك فارس وهو يقول: "ذنب ناس بتخلصه ناس."

فحّ عينيه له بتعجب ثم تساءل وهو لا يستطيع فك شيفرات حديثه: "تقصد إيه؟ مش فاهم." زرع عينيه داخل عيني الآخر وهو يجيبه بكلمة واحدة: "ليليان." ظل ينظر له لبرهة ليحول عينيه بعيدًا ثم أنزل عينيه ينظر أرضًا يتلاعب بإحدى القشات التي بيده، قائلًا

بهدوء: "مش هكدب عليك وأقولك إني مش ملاحظ. أنا مش غبي وأنت عارف. بس مش هقدر أديها أمل كداب أو أحقق لها حلمها وأعيشها في وهم ومش هتطول منه حاجة وهتفضل تتعذب معايا بالبرود، لأنني بالفعل معنديش حاجة ليها." ثم رفع عينيه له قائلًا

بتصميم ونبرة موحية: "دي ليليان يا فارس. ليليان مش أي حد.. ليليان بالنسبالي زي جميلة بالظبط. مقدرش أفكر فيها بطريقة تانية. حاولت والله حاولت، بس معرفتش ومش قادر أصدمها وأجرحها بكلامي. فبحاول أتجاهل الموضوع، بحاول أفهمها بالذوق إني مش شايفها غير أختي وبس، وسايبها لحد ما تفقد الأمل مني وتنسى من نفسها." فارس ينظر له ليقول بهدوء: "بس ممكن متفقدش."

أومأ برأسه قائلًا: "هتفقده يا فارس. محدش يقدر يعيش في الزاوية طول حياته. ومقدرش أواجهها، مقدرش أحرجها، مقدرش أعريها من مشاعرها بالطريقة القاسية دي وأفهمها بوقاحة إني مبفكرش فيها. أنا كده بدمرها. بدمر ثقتها بنفسها، أنوثتها، غريزتها، قلبها، عشقها، وإيمانها. أنا محطوط في زاوية مش عارف أتصرف فيها، فبحاول أظهر لها اللي حاسه وبس." ظل ينظر

له لبرهة ليقول بعدها بمرح: "بس بذمتك مش بتحس بالغرور لما تلاقيها بتعشقك كده وبتحاول بكل اللي تقدر عليه تبين لك حبها وانت تقيل وراسي كده؟ رفع أنظاره له ليجيبه بما صدمه حقًا: "لا، بحس بالقرف من نفسي." ارتفع رأسه له بصدمة فعلية هذه المرة وهو يتساءل: "إيه؟ أومأ برأسه وهو يقول: "آه. هيبقى إيه إحساسك وانت السبب في وجع حد قريب منك وهو بيحاول يثبت وجوده في قلبك وانت مش عارف تعمله حاجة؟

عامل زي اللي بيغرق بسببك وانت الوحيد اللي في إيدك طوق نجاته، لكن مش عارف تنجده. بس واقف تتفرج على عذابه وهو بيغرق. لا انت قادر تنقذه وتديله اللي عاوزه، ولا انت قادر تواجهه بالحقيقة وإن البحر ده من خياله هو. فـ تفتكر هتحس بإيه وانت عامل نفسك مش شايف ألمه وبتحاول تتعايش معاه؟ الموضوع بيوجعك زيه بالظبط، بل بالعكس أكتر منه."

نظر له فارس بألم. حسنًا، هو يعلم باسل جيدًا، يعلم احترامه، كبرياءه، ونزاهته. يعلم مشاعره الرقيقة الموجودة داخل ذلك الصدر العضلي القوي المتحجر. ربما يراه البعض مازحًا لاهيًا، ولكنه ليس هكذا. إنه مراعٍ لأبعد الحدود، وأكثر ما يثبت ذلك هو حديثه هذا. إنه حقًا رجل ليس له مثيل. وهو أكثر من يوقن أن رجلًا بهكذا مشاعر راقية رقيقة حينما يقع بالحب سيصبح روميو جديدًا، أو مجنونًا آخر، أو كقيس من نوع جديد، قيس عاشق لليلى أخرى.

ولم يستطع أن يخبئ حديثه وتفكيره ليقول: "يابختها ليلى اللي هتقع في حب قيس زي ده. الروايات هتكتب عنهم." ابتسم ساخرًا وهو يقول: "هتكون موجودة ليلى وهيعشقها، بس أما يتخلص من لعنة أحلامه، بدل ما ينام جنبها تلاقيه يخترف باسم واحدة تانية وتقول: بيخونى." لم يستطع سوى أن يضحك بألم على حال صديقه، ليربت على ساقه قائلًا: "هتمر، صدقني هتمر. أزمة وهتعدي، وبكرة تقول: فارس قال." نفخ بفمه بضيق وهو يقول بإرهاق ويأس: "ولا متعديش."

ظل ينظر إليه فارس بألم، ولكن لم يملك رفاهية الحديث أو الكلام، لذا صمت ينظر له بحزن. وقد قرر في تلك اللحظة أنه لن يفعل شيئًا سوى المراقبة، مراقبة تغير الأحداث في تلك الحالة النادرة التي تقع أمامه بفعل إلهي لا يستطيع فعل شيء بها. فقد تقررت وحسم الأمر، لذا لا يجب التدخل حتى لا يفسد شيئًا بها، وليتابع ما يحدث بهدوء. ***

كانت تنظر أرضًا في حين كانوا يطلون عليها، ينظرون جهتها بغضب أعمى. سيقتلها قريبًا، ولهم كل الحق في ذلك، فهي قد أزادت ما فعلته حقًا هذه المرة، ولم تحترم وجودهم أو تحترم الضيوف بمنزلهم. ظنت نفسها من الشجاعة بحيث أن تفعل ما فعلت، ولكنها إن أظهرت شيئًا، فهي أظهرت غباءً ووقاحة وطفولية بلهاء ليس لها مثيل. فهي قد أهانت نفسها وكرامتها قبل أن تهينهم أو تسئ إليهم. أغمضت عينيها وهي تستمع لصوت جدها يهتف بغضب: "إيه اللي عملتيه ده؟

إيه؟ مفيش خشى ولا احترام خالص؟ إيه؟ الدم راح من وشك ومعادش فيه دم أصلًا؟ رايحة تمدي يدك على الراجل في بيتنا وجدامنا ده؟ لولا إنه راجل محترم وابن ناس ولولا وجودنا كان مد يده عليكي ولا حدش كان منعه؟ رفعت نظرها له بخجل لتقول باستعطاف: "يا جدي." ضرب بعصاه أرضًا بغضب وهو يقول: "بلا جدي بلا بتاع." ثم بدأ يوّكزها بعصاه في صدرها مع كل جملة لتتأوه هي بألم وهو يقول: "إيه الخشى والاحترام راح من وشك؟ معادش فيه دم خالص؟

مربيين بلطجي في البيت ودي طريقة تتحدتي بيها مع حد؟ تتلمسيه وتخبطي على صدره وتجولي يا شبح ومعرفش إيه ده؟ إنتي ماشوفتيش تربية؟ ضغطت هي بأسنانها على شفتها السفلى من الألم والخجل. حسنًا، هي أزادت جرعة الوقاحة بالفعل هذه المرة، وانتهى الأمر. والأدهى أنها فعلتها أمام جدها وأخيها. لينتهي بها الأمر هكذا. إن لم يحبسها جدها في مزرعة المواشي، يكون بالفعل رحيمًا بها. فهو أقل شيء.

لفت بجانب عينيها تنظر جهة باسم لتجده ينظر لها بملامح مخيفة وقد اسود وجهه من الغضب الأعمى. أغمضت عيونها برعب. لن يمرر الأمر، لن يمرره مرور الكرام. تعلمه جيدًا غضبه، استحالة السيطرة عليه. ربما صامت الآن فقط لاحترام جده، ولكنها تعلم بأن بداخله مرجل مشتعل أقوى من ذاك الذي يقبع داخل عبد الحميد العربي. فهي كنهلة علوان من وجهة نظره أهانت نفسها وأهانت والدها وعائلتها. والأدهى أنها أهانته هو شخصيًا، أهانت وجوده واحترامه

ورجولته بما فعلته. أصبحت كفتاة من الشارع وليست ابنة لعائلة محترمة. ربما يفكر بأنه لو كان رآهم أحد من الرجال لأصبح اسمهم لفترة طويلة بين القيل والقال، وأن ابنته علوان ذهبت إلى القاهرة لتعود أخرى غير محترمة بالمرة، تتلامس الرجال وتتواقح معهم بالحديث وتفتعل فضائح ليس لها داعي، ومؤكد رآها أحد العمال الذي سيتحدث عنها ويصبح أخوها بلا أدنى كرامة أمامهم.

أفاقت على صوت جدها يقول وهو خارج: "أنا تعبت منك ومن تصرفاتك. أسيبك وأغور بدل ما أنجلط."

اتسعت عيناها برعب وهي تجده قد تركها وحدها مع تلك النار الحارقة. فقد استوحشت عيناه في تلك اللحظة وكشر عن أنيابه مقتربًا منها بغضب. ارتعدت من منظره لتعود للخلف برعب إلى أن اصطدمت بالحائط، لتجده يطالعها وهو يقترب منها بهدوء وكأنه يستمتع بالرعب الواضح على وجهها. وما إن اقترب منها حتى لفت وجهها وحاولت الخروج من الباب لتجده بسرعة يمسكها من يدها يلفها خلف ظهرها قائلًا بنبرة ساخرة لم يستطع إخفاء

غضبه الهادر من خلالها: "على فين يا شابة؟ مش نتحاسب الأول؟ دق قلبها وهدر برعب كعصفور وقع بمصيدة صياد منتظر مصيره المحتوم، لتجيبه برعب وصوت متلعثم: "رايحة لماما إسعاد." ابتسامة... إن كانت بالفعل تسمى ابتسامة، إنما هي كانت التواء غاضب بفمه. رسم ابتسامة سوداء متوعدة على شفتيه وهو يهز رأسه نفيًا. لا تعلم ماذا ينفي بالضبط وهو يجيبها

بهدوء ما قبل العاصفة: "ما كان من الأول كنا زي أي بنت محترمة نقف مع أمها ونحترم رجالتها بدل ما هي عايشة دور البلطجية كده. بس إزاي؟ لازم نعيش دور مختلف." ثم أكمل بهدوء وبساطة وكأنه يفهم ما يدور برأسها جيدًا: "متبقيش نهلة العربي وانت عايشة دور المكسورة. لا، لازم تباني قوية وثابتة ومسيطرة على مجرى الأمور، وفي وجودك محدش يقدر يلمسك أو يلمس اللي ليكي، صح؟ ابتلعت ريقها وقد التمست الأمان بهدوئه وحديثه، لتلف وجهها

تجاهه قائلة بهدوء معتذر: "باسم أنا... وما لم تكن بحسبانه هي تلك الصفعة التي سقطت على وجهها بغضب أعمى، ولم تكن متحضرة لها. لتقف مكانها متخشبة بصدمة متسعة العينين. لم تدري ماذا تفعل، ولكن الألم المصاحب لها جعلها ترفع يدها لا إراديًا تضعها على وجنتها، بينما عيناها المتسعة لم تفارق عينيه بألم. أصفعه حقًا؟ أفعلها أخوها الحبيب سندها وظهرها بهذه الحياة؟ صفعها بكل ذلك الغضب الذي بداخله، وهي من تتلمس به الأمان؟

هي من تركض نحوه يصفعها هكذا بعد أن أعطته الأمان؟ ولفت وجهها تجاهه يخون أمانها بصفعته تلك؟ لم يفعلها من قبل حقًا، لم يفعلها. ربما كان يغضب عليها، يصرخ بها، يؤنبها، ولكن لم يصل لمرحلة أن يتجرأ ويرفع يده عليها أبدًا. هي لم تره هكذا ولم تكن لتراه. فهو أمانها بهذه الحياة، هو ثقتها بالكون كله، هو من كانت تحتمي به حتى من جدها ووالدها. يفعل بها هكذا؟

لم تؤلمها الصفعة على الرغم من شدتها بقدر ما ألمتها أنها منه هو، أخوها الأكبر، محبوبها ومعشوقها ومثلها الأعلى بهذه الحياة، أمانها وثقتها بالجنس الرجال أجمع. خبرتها بالحياة وصديقها الأقرب، على الرغم من مناوشاتهم، ولكن يبقى هو الأهم والأقرب لها أكثر من أي أحد. ولن تكذب إن قالت إنه الأقرب لقلبها أكثر من أبيها، لأنه الأقرب لها في كل وقت وأي وقت. والآن يصفعها؟

لم تؤلمها صفعتها على وجهها بقدر تلك الصفعة التي حلت بقلبها وتركته مفتتًا لأشلاء. أما هو، فوقف للحظة مبهوتًا مما فعله، وكأن شخصًا آخر تلبسه ليفعل هذا. أفعلًا صفع شقيقته الصغرى؟ أصفع مدللته ومدللة العائلة كلها؟ أكسر روح الحياة في عائلته؟

يعلمها جيدًا، يعلم أنها حياة لمن يقترب منها وتكره الذل والهوان والخنوع. يعلم أنها تعشق المرح والحياة والضحك. تمقت العادات التي تحط من الإنسان ومن كرامته لأجل أحاديث الناس. يحفظها جيدًا ويحفظ أباءها، ولكن ما فعلته كان بالنسبة له لا يغتفر. فهي لم تحترم وجوده أو وجود جده، لم تحترم وجود الناس الذين يقفون ليشاهدوا ما يحدث، ليتحرك بعدها الأقاويل عنها، عن أخته التي تجرأت وضربت إحدى الشباب الضيوف بمنزلهم دون أن يفعل لها

شيئًا، وبوجود رجالها. لذا غضب. ربما هو يتحدث القاهرية أحيانًا، ربما هو متعلم ومعه أعلى الجامعات، ولكنه.. ولكنه لم يخلع جلبابه الصعيدي أبدًا، ولم يترك عاداته التي تربى عليها. ستبقى بداخله مهما تمدن، ستبقى أساساته واحدة ومبادئه وما تربى عليه بداخله لن يخرجها محيًا، لأنه يعشقها. هكذا هو رجل شرقي وسيبقى هكذا مهما حدث. لذا عليها أن تعيش حياتها حتى بالتمدن.

نظر لها بألم ولكنه أجلى حنجرته ليكمل بذات الغضب وكأنه لم يفعل شيئًا للتو: "ارتحتي؟ ارتفع وجهها له بصدمة ليومئ برأسه مكملًا: "أه. عرفتي آخر الجبروت بتاعك إيه؟ ارتحتي لما مديتي إيدك عليه؟ اتسعت عيناها أكثر من كلماته الغير مترابطة ليومئ برأسه وهو يقول بقوة: "تفتكري لو كان عمل اللي أنا عملته ده دلوقتي من غضبه كان إيه اللي هيحصل؟ هااه؟

كانت قامت القيامة واتفتح بحر دم. إنتي السبب فيه بجبروتك بوجودنا كلنا. رايحة تتهجمي على راجل لا تعرفيه ولا يعرفك ولا عمرك شفتيه ويطلع في الآخر... ابتسم ساخرًا وهو يكمل: "غلطتي في العنوان. يعني اتهجمتي على واحد طلع ملوش علاقة بالليلة كلها ولا عمرك تعرفيه ولا اتعاملتي معاه ولا تعرفي حاجة عن الموضوع أصلًا. ورايحة تتواقحي وتتخانقي وتمدي إيدك عليه، سواء بالضرب أو بالتريقة بإنك تهزري معاه وتقولي يا شبح ومعرفش إيه؟

تفتكري لو واحد تاني مكانش عنده عقل أو صبر أو ذرة تحكم في أعصابه كان عملك إيه؟ نظرت أرضًا ليكمل هو بغضب مكتوم: "حاجة من الاتنين، يا زاحك وقعك، وساعتها هتقوم خناقة عشان قرب منك. أو يا أما في أسوأ الأمور كان مد إيده عليكي وكانت قامت وقتها مجزرة. والسبب في ده كله مين؟ ثم رفع وجهه لها صارخًا بغضب: "إنتي بكل وقاحتك وجبروتك. تفتكري بقى مين اللي غلطان في الموضوع ده؟ تشوشت الرؤية أمامها لترف بعينيها تسقط تلك الدمعتين، في حين

أكمل هو بلا مبالاة بوجعها: "القلم ده هيفوقك ويعرفك إزاي تتصرفي بعد كده. يعرفك إن لكل فعل رد فعل قدامه وتحسبي فعلك ده الرد قدامه إيه في أسوأ الحالات. يعرفك إن دراعك اللي فرحانة بيه ده هيجيبلك الوجع الأكثر منه وممكن يتكسر لو مديناه على حاجة أقوى منه. يعرفك إنك تستغلي الجزمه اللي في راسك دي وتدوريها عشان تعرفي حدود تعاملك مع الناس." ثم اقترب منها بخفوت مكملًا

بألم: "أنا مش في كل لحظة هكون معاكي أحميكي من تصرفاتك الطايشة دي، ولا كل مرة هتسلم الجرة. فـ لازم تفكري بعقلك شوية، مش كل حاجة تاخديها على صدرك. واحمدي ربنا إن القلم ده جه مني أنا، لأن أنا اديتهولك لأني بحبك وعاوز أفوقك. أفضل ما يجيلك من غريب يهين كرامتك والله أعلم يعمل معاكي إيه."

ثم دون كلمة أخرى تركها وذهب، لتسقط أرضًا تبكي بحرقة، في حين تحرك ليخرج يغلق الباب خلفه، ثم وقف وراءه يستمع لشهقاتها وبكاءها بألم وهو يحني رأسه وقد لمعت عيناه بدموع أبى أن يذرفها.

لم يكن يتمنى أن يفعل هذا، لم يكن يتمنى أن يمد يده عليها يومًا، ولكنها بعنجهيتها وسوء تصرفاتها جعلته يفعل ما فعل، جعلته يؤلمها بالحديث أو باللمس، ولكنه لم يكن يتمنى ذلك حقًا، فـ وجعها هي بالنسبة له يحرقه حيًا. فهي ليست أخته الصغرى فقط، إنما صديقته وأخته ومدللته والمشاكسة التي دائمًا ما يخرج من همومه وإرهاقه بالمشاكسة معها. ولكن كان عليه أن يفعل هذا حتى تفيق. ربما الأمر لا يستدعي هذه المرة، ولكن من يعلم ماذا ستفعل في المرة المقبلة وماذا سيكون رد فعل من أمامها على أفعالها. لذا لابد أن يفيقها أحدهم.

أفاق على تربيت على كتفه وصوت حزين قائلًا: "مكانش المفروض تعمل أكده يا ولدي. الموضوع مكانش يستاهل كل ده." نفى برأسه قائلًا بألم: "غصب عني يا جدي عشانها، مش عشانى. أكده هيكون أفضل، تتعجل وتعرف حدودها." أومأ برأسه وهو يجيبه بألم: "مش بالطريقة دي. كنت لازم الموضوع شوية." لم يرد، ليربت عبد الحميد على كتفه ثم تركه وذهب، وهو يعلم بأن حفيده قد خرج لأول مرة عن هدوئه وما يعانيه جراء فقدان سيطرته على غضبه. ***

كانت تجلس على الفراش واضعة ركبتيها بأحضانها وتنظر أمامها بشرود، تتردد تلك الكلمات بذهنها بنفس نبرة الألم المصاحبة لها من صاحبها. "وتفتكر إن أنا مبسوط كون إن أنا بيحصل معايا حاجة نادرة.. تفتكر إنه حاجة مريحة إنك تحاول تتجاهل حاجة بتحصل معاك وتتفاجئ يوم بعد يوم إنها بتزيد وإنها حقيقة؟ وانت بتحاول تتعايش مع الواقع ده وتتجاهله وتعتبر إنه ولا حاجة؟ تفتكر إنه شيء عادي؟

تفتكر إن السيطرة على أعصابك في وجود مهلكها ده أمر طبيعي؟ تفتكر إنك مبتقعدش غصب عنك تفكر: اشمعنى أنا، واشمعنى هي، وليه ده؟ تفكر طيب أقرب وأفهم ولا أبعد وأتجاهل؟ صوته التائه كالغريق يصرخ بتيه وألم: "أنا حاسس إني بضيع من نفسي يا فارس. حاسس إني بتوه مني. خايف إن بعد كده أكون برسم أحلام وأطلع في الآخر مريض انفصام أو هلاوس أو أي شيء تاني. أنا مرعوب يا فارس. مرعوب مني. حاسس إني مبقتش عارفني."

ما زالت كلماته تتردد صداها بعقلها منذ سمعته بالصدفة وهي تتمشى بالمكان، وقد لاحظت أن الحديث عليها، فـ أرهفت السمع علها تفهم. وللأمانة كانت تريد أن تتأكد أنها مجرد لعبة منه، ولكن ما صدمها هو حديثه. صدمتها نبرة الألم به، وصدمها الوجع الملاحق به. وأكثر

ما صدمها هو صراخه بقهر: "اللي هيجنني، كل حاجة حقيقية يا فارس. حقيقية ما فيهاش ذرة شك. أنا خايف فعلًا لأكون مجنون. أنا خايف لأكون مريض. خايف إنه يكون أوهام برسمها من نفسي وأتوه في قلبها يا فارس."

لم تستطع أن تفهم ما هذا الذي يحدث معه ومعها، ولما هي دونًا عن سائر الفتيات. انتبهت لحديثه المؤكد للكلام الذي قاله لوالدها بأنه لن يقترب منها أبدًا. ولكن أكثر ما لفت انتباهها هو حديثه عن إحدى الفتيات، ليليان، على ما تظن، بأنه غير سعيد بحبها له، بأنه متألم لأنها تحبه وهو لا يستطيع مبادلتها نفس المشاعر، بأنه يشعر بأنه خسيس لأنه يراها تحبه وهو ليس بيده أن يفعل شيئًا. لا بيده رفض حبها حتى لا يجرحها، ولا بيده أن يقترب منها أو يحبها، فـ للقلب سلطان.

رمشت بأهدابها تفكر. ما هذا الذي يحدث؟ دائمًا ما كانت حياتها هادئة. إذا لما الآن تشعر بها تتضخم وترتفع كأمواج البحر؟ تتداخل طرقها معه بطريقة عجيبة عصية على الفهم. ليس له أو لها يد بها. الأول حسبما يقول، تظهر له بأحلامه، وبعدها تراه بمصنعه، والآن بمزرعتها، بعقر دارهم. وكل هذا ليس لها أو له يد به. ما هذا؟ هذا عصي على الفهم وأبعد حتى من الخيال. إذا ماذا يجب عليها أن تفعل؟ ماذا؟

رمشت بأهدابها أكثر تسترجع هيئته الرجولية الجذابة. لن تنكر بأنه له جاذبية فجة. بأن هيئته حقًا رجولية جذابة بالفعل. عيناه السوداء العميقة، كلما تنظر إليها تشعر بأنك تنظر إلى بحر عميق تخفي بداخلها الكثير والكثير من الأسرار والحكايا. خصلات شعره سوداء قصيرة وناعمة، أنف مرتفع بشموخ، ووجه أسمر، سماره خفيف لا يقل من جاذبيته بل بالعكس يزيده جاذبية. يتراجع سماره بابتسامته الواسعة التي تزين محياه أغلب الوقت، مالم تعكر هي صفو اللحظة بوجودها لتنطفئ تلك الابتسامة واللمعة بوجهه، ليتحول لشدوه من جهته وعيون عميقة تتطلع إليها دائمًا بانبهار وانشداه، ثم تتحول لألم وتيه وكأنه يستنجد بها بشدة.

تنفست الهواء من أنفها وقد أقرت بأن ذلك الرجل الجذاب بجنون، ذو الصدر العضلي العريض والجسد الرياضي والطول الفاره، قد أسر تفكيرها بشدة. وقد أدخلها داخل شرنقة التفكير به دون دراية منه ودون تخطيط منها. زفرت الهواء من فمها ثم تنهدت بإرهاق لتجد نفسها تهمس باسمه بشرود: "باسل البحيري."

ابتسمت بهدوء وقد أقرت بأن اسمه يليق به بشدة. ملامحه الرجولية الصارخة تتلائم مع اسمه. عيناه العميقة ونظراته الهادئة تتلائم مع احترامه لمن حوله ولذاته أيضًا، بأنه صاحب أخلاق بالفعل، وذلك الوقار المحيط به ليس مظهرًا إنما هو بالفعل جزء من طبيعته وطريقة تفكيره.

اتسعت ابتسامتها أكثر وهي تنظر بشرود أمامها وقد اعترفت بأن ذلك الرجل الغريب الذي اقتحم أبواب حياتها المغلقة بأكثر الطرق إثارة وجنون وتشويق قد أثار انتباهها بالفعل. ليكون هو أول رجل يلفت انتباه جنا عزيز عبد الحميد العربي، ليأخذ حيزًا من تفكيرها، لتهمس باسمه ثانية وكأنه تستلذ مذاق الاسم: "باسل البحيري."

وقد أقرت بأنها بالفعل تريد اقتحام حياته لتفهم أكثر عن تلك الحالة الغريبة الموجودة أمامه، والذي يعترف أمام أبيها وأمامها بكل ثقة بأنه تعلق بها بشدة، بالرغم من أنه لا يعلم عنها شيئًا. يعترف بجنون واقع بأن فتاة غريبة تزوره بأحلامه وتحكي أسرار حياتها الحقيقية معه، وقد اقتحمت أسوار قلبه، ولكنه ليس متأكدًا بأن تلك الفتاة هي من تقبع أمامه أم أنها أخرى خلقها واقعه. وعلى الرغم من رغبته بمعرفة إذا كانت واقع أم لا، ولكنه لن يجرؤ على الاقتراب، إنما سيبتعد عنها.

لتبتسم عليه أكثر، لتقر هي أيضًا برغبتها باقتحام أسواره لمعرفة ما يخفي أيضًا ذلك الشاب، وهل هي حيلة غريبة للاقتراب أم أنه من الصدق بأن يتحدث بتلك الأمور الغريبة؟ فإن كان ما يوضح حقيقة وأنه بذلك الصدق والهدوء والرقة، فإنها ستكون فازت بالفعل باليانصيب بعشق رجل كهذا.

ضحكت بالفعل على انحراف أفكارها المجنونة، لتضرب هي جانب رأسها بيدها تأمر نفسها بأن تتعقل وألا تنجرف وراء تلك الترهات والجنون، لتجلس مكانها تتصارع في تيارات أفكارها وهي لا تعلم بأنه بالفعل زرع مكانًا له بقلبها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...