الفصل 17 | من 30 فصل

رواية ملكة قلبي الفصل السابع عشر 17 - بقلم مريان بطرس

المشاهدات
17
كلمة
5,046
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

ظلت ترمش بعينيها بصدمة. عينيها تناظره بذهول غير مصدقة لما يقوله أو يحكيه أبدًا. فتحت فمها عدة مرات ثم أغلقته مرة أخرى، وهي تجد لسانها قد فقد القدرة على التعبير أو الكلام. أخيرًا، استطاعت تجميع شتات نفسها وتجميع جملة مفيدة لتقول: "انت بتتكلم جد يا نبيل ولا بتهزر؟ زفر نبيل الهواء من أنفه ثم تراجع برأسه للخلف مغمض العينين، وكأنه يجمع شتات نفسه من تلك الرحلة العجيبة. أجابها أخيرًا بتعب بعد أن فتح عينيه وهو ينفي برأسه:

"لا مش بهزر، دة اللي حصل فعلاً، طلعت المزرعة لجدها وهي كانت هناك." ابتسم ساخرًا وهو يكمل: "كانت لسه واصلة هي وأصحابها تقضي يومين إجازة في نفس اليوم اللي إحنا رحنا فيه." هزت رأسها تنفي برفض، وهي لا تدري بالفعل ماذا تنفي أو ماذا ترفض فعليًا. أجابت أخيرًا بدون تصديق: "لا ده جنون.. جنون فعلاً، هو فيه إيه ولا إيه اللي بيحصل؟ إيه الجنان ده؟ هز كتفيه بلا مبالاة مفتعلة، وهو بداخله يؤكد ذلك الحديث بالفعل.

هذا جنون، كل ما يحدث معهم جنون. ماذا يحدث؟ أهم سقطوا في لعبة أو فخ؟ أم سقطوا في سحر أسود لا يستطيعون الخروج منه؟ أم ماذا؟ ما حدث مع باسل وما يحدث معه حاليًا لا يصدق، لا يستطيع أحد تصديقه أبدًا، بل هو يفوق الخيال، بل أصعب منه بكثير. ماذا يحدث فعليًا؟ لا يعرف، حقًا لا يعرف. هو يصدقه بالفعل على الرغم من غرابة حديثه وتراهاتها، ولكنه حقًا يصدقه، فعهده بباسل بأنه غير كاذب، بل إنه أبعد ما يكون عن هذا الأمر.

وإن كذب على العالم أجمع لن يكذب عليهم، بل كيف سيكذب؟ تصرفاته، توتره، جنونه، كل شيء وكل أفعاله وردود أفعاله حقيقة. إذا ماذا يحدث وكيف هذا؟ الأمر أبعد ما يكون عن التصديق، ولا يعلم إلى أين يمكن أن يصل معه، ولا يعلم أيضًا لما؟ تنهد يبحر بعينيه بعيدًا، وهو يرى أن تلك العائلة بالفعل بها سحر أسود يسيطر على أفعالهم وأقوالهم. هذا حقًا ما أصبح يصدقه، بمجرد ملاقاتهم تتغير حياتهم وتنقلب رأسًا على عقب.

الأمر لا يتعلق بباسل فقط، إنما يتعلق.. إنما يتعلق به أيضًا. ربما لا يجب عليه الاعتراف، ولكن.. ولكن بالفعل هناك شيء غريب. نعم، هناك شيء غريب. فإن مررنا الأمر الخاص بباسل، إذا ماذا يحدث معه هو؟ لما أصبح يرى نفسه أصبح مختلفًا؟ منذ أن رآها.. نعم، منذ أن وقعت عينيه عليها، منذ أن نظر بعينيها الرمادية القاتلة وهو لا يعلم ماذا حدث له.

دقة عنيفة خرجت منه ليتوتر جسده، ولكن لسانها الحاد هو ما أخرجه من حالته، ولكن.. ولكن لم يخرج منها للابد، إنما سقط في بحر سحرها الأسود كلون خصلاتها. ليجد نفسه يتصرف على غير سجيته، ليجد شعور بأنها ملكه. ملكه هو فقط، لا يحق لأحد مضايقاتها، ولا يحق لأحد أن يرفع عينه بها، فما بالك أن رفع يده عليها. رجع رأسه للخلف يدق بها على الحائط برتابة بعد أن أغمض عينيه.

لم تستطع عيناه أن تذق طعم النوم، أمس يتقلب على جمر ملتهب تتقاذفه أفكاره كالامواج. لما فعل ذلك؟ لما؟ لما دمعة من عينيها الرمادية جعلت جسده كله يرتج ليخرج عن طبعه البارد الثلجي اللامبالي ليفعل ذلك الفعل الأحمق. إن جئنا للحق هو أخوها، يحق أن يفعل ما يشاء، ماله هو؟ والأمر هي مخطئة بحقه، هي مخطئة، ومن داخله يعلم هذا. إذا لما؟ لما كل ذلك الغضب لأجلها؟ لما؟ لما يشعر بأن الآخر تعدى خطوطه الحمراء؟

لما يشعر بأنه دخل لممتلكاته وتعدى عليها؟ لما بداخله إحساس بأن تلك الفتاة تخصه هو وحده؟ لما بداخله إحساس بأن تلك العيون الرمادية الساحرة لا ينبغي لها سوى الضحك فقط لتلمع كلون القمر، ولا يحق لأحد إسقاط دمعة واحدة من عينيها؟ لما يشعر بأنه يريد أن يملك كل ما بها له هو فقط، ضحكاتها، سعادتها، فرحها، ولا يريد رؤية حزنها، وإلا سيحرق الدنيا بمن عليها، فقط لأجل دمعة واحدة بها؟ لما؟ هو لم يرها سوى لمرة واحدة، إذا ماذا حدث؟

أى سحر أسود أسقطته عليه تلك الساحرة الشريرة، ولما لا يستطيع التخلص منه؟ مسح وجهه بكفيه وقد أبحر مع أفكاره بعيدًا، حتى إنه نسي تلك التي تقف أمامه. إلى أن فتحت فمها قائلة بضيق: "وباسل كان رد فعله إيه؟ فتح عينيه لينظر جهتها بغرابة، وكأنه بالفعل نسي أمر وجودها. لينظرها هو للحظة بغرابة. ترى ماذا تشعر وكيف تتألم؟

ليليان، تلك الجميلة الناعمة العاشقة لصديقه بجنون، ولكن حبها لم يجد صدى بقلبه، وهي تعي ذلك جيدًا، ولكنها ما زالت تحاول. على الأقل تعرف أنه لا يوجد أحد بقلبه، إذا فأن لها فرصة لتدخله. ولكن ما يحدث الآن، ترى ماذا تشعر؟ أتتألم؟ أينغرس سكين قاتل بقلبها؟ أم ماذا؟ أم تشعر بأنها تحترق حية؟ وماذا سيكون رد فعلها أن أحب تلك الصغيرة، أو هي أحبته؟ ابتسامة ساخرة ارتسمت على فمه. ثلاثية الحب، ترى ماذا سيحدث لها.

لم يهتم يومًا بتلك الأحاديث أو التراهات، دوماً ما كان باردًا، دوماً كان لا مباليًا، إذا لما أصبح عاطفيًا هذه الفترة؟ حقًا لا يعلم. "نبيل؟ صوتها أخرجه للمرة الثانية من دوامة أفكاره، فقد أصبح هذه الفترة شارد أكثر مما ينبغي. ليدقق النظر بها ثم مط شفته السفلى مجيبًا إياها بجهل: "معرفش." ثم عدل من إجابته حينما وجدها تناظره بتعجب، ليجيب:

"إتصدم أكيد من الصدفة الغريبة دي، وبعدها إتصرف عادي، وبعد عنها، ومازال على رأيه إنه هيبعد عنها." تنهدت براحة. "إنصاف الحقائق لن تؤذي، أصبح هذا هو رأيه الآن، فهي لا يجب عليها التألم، يكفيها ما بها." إذا لن يقول لها بأنه أراد منها العمل لديه، فهو لا يريد إيلامها أكثر. هز ساقه بتوتر إلى أن فتح فاه أخيرًا قائلاً بتوتر: "ليليان." التفت تنظر جهته بتساؤل، ليقول بهدوء:

"أنا عارف إنك بتحبي باسل وبجنون، بس من رأيي حاولي تتخلصي من الحب ده، أو على الأقل تقننيه، إنتي مش ضامنة المستقبل، ومافيش أي رد فعل من باسل تجاه حبك، ف أنا مش عايزك تتعذبي." التفت تنظر جهته بألم، لتلمع الدموع بعينيها، وهي تجيبه ساخرة: "إيه؟ صعبة عليك؟ وانت شفقان عليا؟ ولا هو لاحظ وقال لك خليها تنسى؟ تساقطت دمعتيها لتقول بألم: "ولا يكونش البنت دي خلاص احتلت قلبه؟

تألم من منظرها ومشاعرها، هي لا تستحق ذلك، هي بريئة رقيقة، لا تستحق كل ذلك الألم، ولكن يجب عليها أن تفيق. تلك الفتاة ليست مزحة أو سحابة عابرة. يرى بعيني صديقه حينما يتطلع إليها شيئًا مختلفًا، نظرته تتغير، طوفان من المشاعر على وشك الانفجار. ليليان ليس لديها فرصة، نعم الحق يقال، ليليان ليس لديها فرصة أمامها أبدًا، وهو أدرى.

حتى الدقة العابرة ليست موجودة بقلبه تجاهها، فهو قد جرب الدقة العنيفة التي احتلت تجاه تلك الساحرة الشريرة، ويعرف كيف تكون، وكيف يتحول الإنسان بسببها. دموع ليليان تحزنه، نعم، ولكن دموع الأخرى تخنقه، تحرقه، ولكن مشاعر باسل تجاهها لا تتحرك. ربما يتألم لأجلها، ولكنه لا يحترق لأجلها، لا يسعى إليها، لا يركض خلفها.

إن غضبت أو حزنت لن يقلب الدنيا رأسًا على عقب لأجلها، وهذا ليس باسل، يعلم صديقه جيدًا، إن أحب سيحرق العالم أجمع، فقط لأجل دمعة لمن أحب. هو طوفان من المشاعر، وما يملكه لليليان لن يعادل نقطة في بحر، ليست لديها فرصة، لا الآن ولا مستقبلاً. لذا قال بهدوء: "ليليان من رأيي إنك تبعدي شوية، تتقلي إن جرى وراكي يبقى بيحبك وهيحس بمشاعره تجاهك، لكن إن ما اهتمش يبقى...

صمت يقضم شفته السفلى، لتومئ برأسها مجيبة بألم ودموعها تتساقط على وجنتيها الناعمة برقة، لتكمل هي بهدوء: "يبقى أنا مليش مكان أبدًا، والمفروض أبعد، حقنا لكرامتي صح؟ أبعد عينيه عنها بعيدًا، ليبتلع ريقه، ثم حول عينيه تجاهها قائلاً بألم:

"ليليان المشكلة مش فيها أو في غيرها، ولا فيكي ولا في باسل، المشكلة في قلبنا، قلوبنا هي اللي بتختار، إنتي أجمل بنت في الكون ورقيقة وناعمة، بس إحنا مالناش سيطرة على قلوبنا، ولا اللي بتختاره، وإنتي أدرى واحدة بكده، أحيانًا قلوبنا بتختار أبعد حد عننا، بس إحنا مش عارفين ليه، كل شخص وليه توأم يقدر يتأقلم معاه." ظلت تنظر جهته بتعجب. أهذا هو نبيل حقًا؟

ذلك العقل والرزانة غريبة عليه، لم يكن عاقلاً هكذا من قبل، دائمًا ما كان أبله مشاكس بارد كلوح الثلج، دائمًا ما يرى أي شيء يحدث حوله هو مثير للتسلية ويحب متابعته فقط للتسلية ولتغيير جو. إذا ماذا حدث ليتغير هكذا؟ ماذا حدث في هذين اليومين ليتغير حاله هكذا؟ ولكنها على الرغم من هذا ارتأت أن ما يقوله هو الصواب. لذا أومأت برأسها مجيبة بهدوء:

"معاك حق يا نبيل، أنا لازم أبعد، لازم أحافظ على كرامتي أكتر من كده، مش هنفضل نلعب قط وفار، لازم يتوضع حل للموضوع ده." أومأ برأسه ليتحرك مبتعدًا، في حين هي نظرت أرضًا ثم تساقطت دموعها أكثر. لتضع يدها على قلبها بألم، الأمر مؤلم، مؤلم بشدة، بل إنه يقتل، لا تستطيع احتماله. لذا وضعت يدها على قلبها راكضة تجاه أقرب مرحاض أو ركن لتخرج به ألمها وبكاءها، علها تهدأ وتعود كما كانت ولو قليلاً.

_تحرك وهم خلفه يشرح لهم كل شيء، يشير جهة المواشي والحيوانات ويشرح لهم عمليًا ويريهم. في حين كانوا يتابعون بدقة. كان ينظر لها بجانب عينيه بتدقيق، يحفظ خلجاتها، تصرفاتها، وكل شيء يخرج منها. لا ينكر بأنها أثارت انتباهه وبشدة، ضحكاتها، نعومتها، هدوئها، مرحها الزائد مع صديقاتها. في حين حينما تلف بعينيها تجاهه وتجده يتطلع بها تصمت وتحمر خجلًا لتدير عينيها بعيدًا عنه بإحراج.

ابتسامة شقت وجهه، يستطيع التأكيد، تلك الفتاة تكون له مشاعر أو شيء ما. خجلها الواضح تجاهه، نظرتها له بجانب عينها ومتابعتها له في كل حركة، حتى وإن كان بعيدًا عنها أو حتى يرتشف كوب شاي تتابعه بعينيها وهي تظن بكل سذاجة بأنه لا يراها أو غير منتبه إليها. هي معجبة به، أو على الأقل يلفت انتباهها. ولا ينكر بأن هذا يرضي غروره وذكوريته وبشدة، فهو رجل بالنهاية. انتبه من أفكاره على صوتها قائلة بهدوء بعد أن حللت مرض إحدى البهائم:

"كده دي المفروض تاخد حقنة." أومأ برأسه بهدوء وهو يجيب: "صح، بس المفروض تاخدها فين؟ "في الفخد." ابتسم وهو يومئ برأسه ليعطيها لها قائلاً بتشجيع: "شاطرة يا دكتورة." ابتسمت بخجل لتتحرك إلى الخلف من الجاموسة وتجهز الحقنة. وبينما هي تقترب منها من الخلف وجدت الجاموسة تلف وجهها تنظر له بعيون جاحظة. لتبتلع ريقها بخوف وتلف عينيها تنظر له، ليتساءل بهدوء مع ابتسامة مطمئنة: "إيه؟ فيه إيه؟ اديها الحقنة؟ لتبتلع ريقها برعب.

تلك البهيمة تخيفها، نظراتها غير مريحة، تشعر بأنها ستفعل بها شيئًا ما. لتقول بهدوء خائف: "هو ممكن انت اللي تديهالها؟ قطب جبينه بتعجب، ليرفع كفه يشير جهة البهيمة مجيبًا بهدوء: "وماتديهاش إنتي إيه المشكلة؟ لفت نظرها جهتها ثم له، لتجيبه بخوف: "أصلها بتبصلي." ارتفع حاجبيه بصدمة، في حين انفجر كلا من أميرة وجنى بالضحك. ليبتسم ابتسامة مصدومة وهو يجيبها بتعجب: "وماتبصلك يعني عادي؟ هي بتشوفك هتعملي إيه؟

ظلت تنظر له نظرات خائفة، ليجيبها بصوت مطمئن: "متخافيش، اتكلي على الله وأديها الحقنة يلا." ابتلعت ريقها برعب، ليومئ برأسه بهدوء ليطمئنها. لتومئ برأسها بخوف، ثم بدأت تملأ الحقنة بالمحلول، ثم اقتربت من فخذها بالخلف. وما كادت تضعها بها حتى فوجئت بتلك الجاموسة تقرب رأسها منها وهي تنظر لها ملء عينيها الكبيرة بغضب. لتصرخ هي برعب تختبئ خلفه متمسكة بكتفيه تحت نظراته المصدومة، في حين تصنم الجميع بأماكنهم.

وما زادهم صدمة هي صراخها المرتعد وهي تقفز من خلفه برعب: "بتبرقلي! الحقني يا باسم! دي بتبرقلي والله بتبرقلي! وقربتلي قرونها شكلها عايزة تجيبهم في بطني! دي بتحذرني بعنيها وإن قربت منها هتفرد بطني بقرونها! لف جسده ينظر لها بصدمة، يرمش بعينيه دون أن يجد لسانه القدرة على الحديث. ليجدها تلف وجهها تنظر لتلك البهيمة التي من خلف ظهره، لتجدها تنظر لها، لتصرخ برعب ثم سرعان ما خبأت وجهها بكتفه صارخة بخوف: "الحق!

دي بتبصلي تاني وبتبرقلي! الحق هتموتني! قالتها متزامنة مع الإشارة بيدها جهة تلك البهيمة. ليظل متسمر مكانه، في حين وقفت الفتاتان تنظر لها بصدمة، وفتح الجميع فمه ببلاهة بلا استثناء. أما هو فقد وقف مصدوم من كلماتها، والأكثر أفعالها، فهي ألقت بنفسها في أحضانه فعليًا، تلك الصغيرة في أحضانه بالفعل. تخشب جسده مكانه بعد أن استوعب وضعهم الآن، في حين مرت صاعقة كهربائية بجسده كله.

ليتراجع للخلف بصدمة مبتعدًا عن مرمى رأسها التي ألقتها على صدره. ثم بدأ يلف بعينيه في كل الاتجاهات خشية أن يكون قد رآهم أحد. وقد احمرت وجنتيه بالفعل من الخجل، ثم بدأ يسعل بشدة ويتنحنح مجليًا حنجرته. وبعدها قال بهدوء محرج وهو يبعد عينيه عنها: "مفيش مشكلة، ممكن تجيبيلي الحقنة أنا أديها لها." قالها تزامناً مع مد يده تجاهها، في حين عينيه كانت لا تزال تنظر للبعيد. لتحمر وجنتيها بخجل بعد أن أدركت فعلتها.

لتناولها له بإحراج، ولكن ما إن لمست أصابعها الناعمة كفه الخشن حتى انبعثت كهربائية لذيذة أصابت جسده. ليلِف تلقائيًا وجهه تجاهها بصدمة وهو لا يفهم بالفعل حقيقة شعوره تجاهها وما يحدث. وما أن تلاقت عينيها بعينيه حتى احمرت خجلًا لتركض من المكان مبتعدة تختبئ خلف صديقاتها. ليتنحنح هو بإحراج ليبعد عينيه بعيدًا، ثم تحرك ليحقن تلك البهيمة. ثم قال بإحراج بصوت متلعثم بالكاد يسمع: "أنا رايح المكتب بتاعي، وإنتوا خدوا راحتكم."

ليتحرك من محيط المكان، تاركين الثلاث فتيات معًا. لتلتف الفتاتان معًا ناظرين جهتها بصدمة بحاجبين مرفوعين وفم مفتوح ببلاهة. لترمِش هي بعينيها عدة مرات ببلاهة أكبر في صورة تستحق التقاط فعلاً، وكان ليُسمى وقتها تماثيل الغباء. ثم بعدها لف كلا من جنى وأميرة وجهيهما تجاه بعض، ليعودا بعينيهما تجاه تلك البلهاء الثالثة. ليرتفع الحاجب الأيسر لكل منهما، في حين هبط الأيمن. لتقول جنى بخبث: "بتبصلي."

لتنفِ أميرة برأسها بهدوء، وهي تطقطق بفمها مكملة بهدوء خبيث: "لا ده بتبرقلي." ابتلعت شيرين رمقها بخوف وهي ترى وجههم في تلك اللحظة أشبه بريا وسكينة. لتكمل جنى: "دي بتهددني يا باسم، اتصرف." لتمط أميرة شفتيها للأمام قائلة بنبرة ساخرة: "هتأذيني؟ هتفرد بطني بقرونها؟ الحقني." لتتسع عينى جنى مكملة بصدمة: "قوم الحل إيه؟ اتسعت ابتسامة أميرة الخبيثة مكملة بهدوء ماكر:

"احضن باسم، ماهو السوبر هيرو اللي هينقذني من الجاموسة، ماهو سوبر مان هياخدني ويطير بعيد عن الجاموسة الشريرة." ارتفع حاجبى جنى لتلف وجهها جهة أميرة، لتنفجر كلا منهما بالضحك. لصرخ شيرين بغضب: "بس يا رخمة إنتي وهى! لتنفلت ضحكاتهم أكثر وكأنها تقول اضحكوا أكثر. لتنفخ بفمها وتحمر وجنتيها خجلًا لتزداد ضحكات الفتيات أكثر. لتدب الأرض بقدميها صارخة بضيق: "بس بقى! لتقول أميرة من بين ضحكاته:

"بس إنتي يا مفضوحة معرفتيش تستخبي في حتى أكتر أمان، قوم تستخبي في حضنه، وعلشان إيه؟ الجاموسة بتبصلك؟ مكانش ناقص غير تقوليله شيلني بعيد عنها." ثم ضربت كفًا بكف قائلة من بين ضحكاتها: "ده الواد قطع الصوت والنفس من الإحراج، ده وشه قلب حتة طماطم وخد ديله في سنانه وجرى." احمرت وجنتا شيرين بخجل لتصرخ بهم بضيق: "بس بقى! لتكمل جنى من بين ضحكاتها: "فضحتونا، أقوله إيه دلوقتي؟

الدكتورة البيطرية اللي جايباها تدرب خايفة من بصة الجاموسة؟ إيه كانت هتتحرش بيكي مثلاً؟ نفت أميرة من بين ضحكاتها مكملة بخبث: "لا ده إحنا اللي هنتحرش بالدكتور بتاعها، أصله قمحاوي بعينين ملونة." ثم اقتربت من الأخرى وهي تسعل في حين أدمعت عينيها من فرط ضحكاتها قائلة بجدية مازحة: "إنتي دلوقتي بقى تروحي للدكتور الحزين اللي مش عارف يرفع وشه من الأرض ده تقوليله." ثم أكملت بتمثيل مسرحي: "إنت لازم تصلح غلطتك وتتجوزني! آه!

ماهو مينفعش أحضنك وأسيبك كده، لازم أشوف نتيجة عملتك دي، التار ولا العار! وهوب! اتجوزيه بقى! إيه رأيك؟ وهو مش هيقول حاجة، هو أصلاً بقى شبه حباية الطماطم." سعلت جنى من فرط ضحكاتها لتجد الأخرى تصرخ بهم بضيق: "يعني مش هتسكتوا؟ نفت أميرة برأسها بضحك لتجيبها الأخرى وهي تدب قدميها بالأرض بطفولية: "طيب اديني سيبالكم مخضرة وشوفوا هتتنمروا على مين." ثم تركتهم ذاهبة. لتنظر لها أميرة بخبث، ثم هتفت بمكر وهي تزعق بصوتها: "إيه ده؟

هو مين اللي ساب الجاموسة دي؟ الحقِ يا جنى دي بتبص على شيرين وريحالها." لتتسع عينى شيرين ثم ركضت بسرعة صارخة برعب دون أن تنظر خلفها: "الحقوني! حد يلحقني! هتموتني! هتفرد كرشي! لتنفجر الاثنتان من الضحك في حين خرج باسم من مكتبه ليتفاجأ بتلك المعتوهة التي تركض بخوف، في حين سقطت الفتاتان أرضًا على ركبتيهما من فرط الضحك. لتصرخ أميرة من بين ضحكاتها: "تعالى يا موكوسة مفيش حاجة!

ولكن لا حياة لمن تنادي، فقد ركضت الأخرى صارخة في المحيط، لتزداد ضحكاتهم أكثر. ليحول عينيه ينظر جهة تلك المعتوهة الراكضة، ثم إلى هاتان المجنونتان. لترتسم الابتسامة على وجهه ضاربًا كفًا بكف وهو يقول بدون تصديق: "مجانين والله مجانين." ليعود إلى مكتبه بهدوء، وهو يجد أن حال المكان اختلف، وقد عمت الحياة والبهجة المكان منذ مجيء هؤلاء الفتيات بالفعل، فهن يدبن الروح بالمكان حقًا.

_كانت تجلس معه بالسيارة ليوصلها للمنزل، وهو ينظر لها بين الفينة والأخرى بابتسامة هادئة. لتحمر وجنتيها خجلًا وتصبح تحاكي لو شعرها الأصهب. ليقول أخيرًا بهدوء منعا لإحراجها: "تسمعي موسيقى؟ أومأت برأسها توافق على الفكرة، لتمتد يده جهة المسجل يقوم بتشغيله. لتنساب الأغاني في المكان، وقد كانت أغنية "انت الحظ" لعمرو دياب. ليجدها تبتسم باتساع وقد أعجبتها الأغنية.

لتلف عينيها تنظر جهته بخجل، ليبتسم لها بالمقابل وهو يهز كتفيه بقلة حيلة. لتبتسم له، ثم ارتكنت برأسها على زجاج السيارة تنظر أمامها بهدوء وشرود، وهي تربّع يديها في حين أذنيها معلّقة مع الموسيقى المنسابة. وقد رحلت بعالمها الخاص. ليلِف بوجهه ينظر جهتها بهدوء، ليجدها بذلك المنظر، ولا يعلم لما في تلك اللحظة جاء على باله أحدهم.

مغمض العينين يرقص ببلاهة مع الأغنية وتتحرك بمرح في كل الاتجاهات، وكأنها نسجت عالمًا خاص بها تتراقص فيه مع فارس أحلامها دون قيود. ليجد لسانه في تلك اللحظة يقول بسرعة بدون تفكير: "جميلة!! "هي الأغنية مش عاجباكي؟ أغير المحطة؟ رفعت أنظارها تنظر جهته بتعجب، لتجيبه بهدوء: "لا بالعكس، عجبتني جدًا." رمش بعينيه ينظر لها بتعجب. عيون سوداء هادئة تتطلع له بنعومة ممزوجة بهدوء عاقل ورصين ورقيق.

ولا يعلم لما في تلك اللحظة قاده عقله لعيون أخرى، عيون عسلية تتطلع إليه بمرح ممزوج بشقاوة وانبهار وابتسامة مشاكسة دائمًا تحتل شفتيها. تختلف تمامًا عن تلك الابتسامة الهادئة التي تهديها له جميلة. لا يعلم لما تزوره تلك الفتاة في مخيلته. إن جاء للمقارنة فهم مختلفون، اختلاف السماء عن الأرض، بل لا يوجد وجه مقارنة من الأساس.

جميلة عاقلة هادئة ناعمة وراقية بشدة، جميلة أنثى مكتملة الأركان بكامل رقتها وهدوئها ونعومتها وأناقتها ورزانتها. في حين أن الأخرى أشبه بطفلة أكثر، تتطلع بابتسامة ومرح وسعادة، عينيها ممتلئة بالمرح والشغب، تشع بالحياة بكل خطوة تخطوها، بكل نظرة تنظرها. هي صاخبة بشدة حتى وإن لم تفتح فمها، نظرة عينيها وحدها تكفي. جميلة أشبه بالشاطئ الجميل الناعم، أما أميرة أشبه بالبحر وأمواجه العاتية في كل خطوة تخطوها.

حتى وعلى ذكر الخطوات، سعل يلفت انتباهها قائلاً بهدوء: "جميلة هو انتي لما بتمشي يعني ك بنات رجلك بتتلوى أو بتقعي أو حاجة يعني الكعب مثلاً أو كده؟ قطبت جبينها بتعجب من ذلك السؤال الغريب. من أين أتى هو بذلك الكلام العجيب؟ لتمط شفتيها مجيبة بهدوء: "لا إيه اللي هيوقعني مادام ماشية بالراحة وعلى مهلي ومركزة في طريقي ومشيتي؟ أنا مش طفلة بجرى يعني زى ما تيجي تيجي. أنا أنثى ولازم أمشي بالراحة وبرقي." ابتسم بمرح وهو يتذكرها.

بالطبع طفلة هي بحركاتها، أبعد ما يكون عن الأنوثة. هي طفلة فقط تركض وتمرح تثير الشغب والضحك والبهجة بالمكان فقط، ولكنها ليست كجميلة أنثى مكتملة الأنوثة والرقي والجمال، متزنة العقل. لا يعلم لما تثير فضوله، ولكنه ربما لكونه وحيد أبويه كان يتمنى أخت بالذات وليس أخ. أخت مثلها تثير المرح بالمكان بحنانها بشغبها بمشاكستها وضحكها، طفلة يهتم بها، بجلب لها الحلوى وهو قادم، يداعبها ويشاكسها ك باسم ونهلة.

تشاكسه ويشاغبها، يمرحان يركضان، وتبكي الفتاة أقرب شيء لأحلامه عن أخته التي كان يتمناها. ولكن جميلة هي.. هي محبوبته، لم يحلم بغيرها أو يتصور أخرى. هو كبر وتربى على حبه لها وعشقه لها، لا يعلم كيف أو متى أو أين، ولكنه وجد نفسه يحبها. ربما يحبها حين وُجِد. انتبه على صوتها المتسائل بتعجب: "بس ليه الأسئلة الغريبة دي يا فارس؟ حول فارس عينيه تجاهها بابتسامة، ثم أعاد عينيه للطريق مجيبًا بمرح:

"فيه بنت قابلتها اليومين اللي فاتوا لما روحت مع باسل المزرعة، المشكلة إنها دكتورة بس عاملة زي العيال، كل أما تمشي تقع، متفهميش عندها مشكلة في المشي ولا في رجليها ولا هي بتتصرف بهبل، ف علشان كده بسأل." نظرت له لتضحك بمرح، ثم سرعان ما تساءلت بغيرة غلفتها بالمرح والمزاح: "أيه يا دكتور لفتت انتباهك وعجبتك؟ "إياك لو كانت عجبتك كده، ف أنا هقلعك النضارة خالص وأهليك تنشي تخبط مش شايف حاجة." ارتفع حاجبيه ليتساءل بمكر: "أيه؟

هو الجميل غاير؟ هزت كتفيها بثقة لتجيبه بتأكيد: "حقي، ولا إنت إيه رأيك؟ أنا اللي يرتبط بي ميبصش لغيري، وإلا هخليه ميعرفش يبص تاني. أنا مش قليلة، أنا جميلة الدمنهوري." ارتفع حاجبيه بصدمة. أهذه جميلة حقًا؟ هذا أمر لا يصدق. هو يعرف جميلة منذ سنوات، ولكن لأول مرة يلاحظ ذلك الغرور بها وذلك التملك، ولكنه حقًا يليق بها بشدة. جميلة وهي جميلة وتمتلك كل مواصفات فتاة الأحلام. جميلة هادئة، رزينة، ومن مستوى عائلي ممتاز.

ولكن حقًا ذلك الغرور زادها جاذبية وجمالاً، زادها رقي أكثر. لترتسم ابتسامة ناعمة على شفتيه، في حين أكملت هي بهدوء: "أنا مبحبش حد يشاركني في حبيبي، حتى ولو بالتفكير، أنا القلب اللي أدخله أقفل ورايا ومحدش يدخل تاني، لأنه بيتي وأنا مبشاركش بيتي مع حد، يا فارس أنا يا أكون الملكة الوحيدة يا بلاها البيت ده. أنا العين اللي تبصلي متبصش لغيري ولا بالصدفة حتى، وإلا... ارتفع حاجبيه ليتساءل باستهانة: "وإلا إيه بقى؟

استطاعت لمح السخرية بنبرته، لتكمل بهدوء وهي تقترب بوجهها منه: "وإلا حاجة من الاتنين، يا أقلعه عينه، يا يحتفظ بيهم بس من غير وجودي في حياته." ظل ينظر له بتعجب. لتبادله هي النظرة بقوة. ليبتسم هو بهدوء، ثم أمسك بكفها يطبع قبلة صغيرة على باطنه بنعومة. لتحمر وجنتيها خجلًا، وكادت تسحب كفها، ولكنها تفاجأت به يحتفظ به داخل يده الكبيرة. ثم حول عينيه ما بين الطريق ووجهها، لينظر له قائلًا بنعومة ورقة، بالأخير:

"اطمني يا جميلة، قلبي معرفش الحب غير معاكي، وعيني مبتبصش لغيرك، إني مش خاين وإنتي عارفة، وحبي ليكي ميتحدش، ف مهما إن مر علي بنات فهم يمروا ويعدوا، لكن هو مش بيشوف غيرك ولا بيهتم بغيرك، إنتي وبس." ثم رفع يدها جهة صدره موضع قلبه، وهو يقول بهدوء: "لأن ده مش بيدق غير ليكي، ومعرفش يدق فير معاكي، ف مهما إن مر عليه بنات فهم يمروا ويعدوا، لكن هو مش بيشوف غيرك ولا بيحس بغيرك."

ظلت تنظر له بعينيها السوداء الجميلة، لتقول أخيرًا: "وعد يا فارس، وعد إنك عمرك ما هتخون." ظل ينظر لعينيها الجميلة، ليجيبها بنعومة: "وعد يا عيون فارس، إني عمري ما هخون، لأن الخيانة مش من طبعي أصلاً." ظلت تنظر له إلى أن ارتسمت ابتسامة ناعمة على محياها. لتلقي برأسها على كتفه بهدوء، وهي تتنعم بحبه وحنانه إليها وفقط لها. فهو فارسها الخاص بها، فارس لها هي وفقط وليس لسواها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...