ظلت تتطلع إليها وهي تجلس أمامها بذلك المقهى، ترتشف كوب العصير بيدها، بجسد لا يزال يرتعش، لا تعلم من الغضب أم من الألم والحزن. إلى أن وجدتها تضع الكوب أمامها على الطاولة لتسألها بهدوء: "أحسن؟ أومأت برأسها بإرهاق. كانت لا تزال حتى الآن تحاول السيطرة على غضبها مما سمعته منها، وتريد توضيحًا أكثر، فما سمعته يثير اشمئزازها وقرفها، يجعلها ترغب في التقيؤ بشدة. لا تصدق بأن من تقبع أمامها هي صديقتها.
ولكنها على الرغم من ذلك، حاولت إظهار قدر من الجمود، متسائلة بهدوء: "هديتي شوية؟ أومأت برأسها مرة أخرى بانكسار. لتضيق عينيها متسائلة بقوة، حتى وإن لم ترتفع نبرة صوتها: "ممكن أفهم بقى إيه الكلام اللي قولتي ده؟ لأني فعلاً مش فاهمة حاجة." صمت. كل ما أخذته هو الصمت. لت هتف باسمها بنبرة حادة، ولكنها حافظت على انخفاضها قدر الإمكان: "شيرين." رفعت شيرين أنظارها لها متسائلة بألم وانكسار: "عايزة تعرفي إيه يا أميرة؟
نظرت لها أميرة قائلة بقوة: "عايزة توضيح لكل اللي قولتي ده، لأني فعلاً ما فهمتش حاجة. عايزة أفهم انتي كنتي بتقولي إيه؟ مين رافد ده بالظبط وإزاي مجبورة عليه؟ رفعت أنظار مجروحة لها مجيبة بانكسار: "ما أنا قولتلك." "مفهمتش حاجة، وضحيلي من الأول." أجابتها أميرة بحزم. لتومئ برأسها قائلة بهدوء: "تمام." ثم استدركت مكملة: "بس ليا طلب." ظلت أميرة تنظر لها منتظرة إفضائها بطلبها. لتقول الأخرى: "ممكن الكلام ده يبقى سر بيني وبينك؟
أومأت برأسها بهدوء تنتظر إجابتها. لتجدها تنزل رأسها لأسفل، تنظر ليديها الموضوعة على الطاولة، تتلاعب بهما بتوتر. تركتها تهيئ نفسها بهدوء لما هي مقبلة على قوله، والذي من الواضح أنه يؤلمها وبشدة. ثم بعد فترة، وجدتها تفتح فمها قائلة بتردد: "بصي، زي ما انتي عارفة أنا ماليش أخوات. أو بمعنى أصح، أنا الوحيدة لأهلي. كان ليا أخ 'وليد'، الله يرحمه." أومأت أميرة برأسها.
لتكمل شيرين بتوتر وألم: "أنا وليد أخويا كان معاه كلية آداب فلسفة. حاول يشتغل بيها، بس... ابتسمت ساخرة، مكملة بألم: "بس هتعمل إيه في الزمن؟ وفلوس الشغل بيها هتعمل معاه إيه؟ ولا أي حاجة. لا هتقدر تعيشه ولا هتخليه يكون نفسه ولا أي حاجة." أومأت برأسها بتفهم. لتكمل هي بضيق: "ومع ذلك، ميأسش. حاول بكل قوته إنه يعمل حاجة لنفسه." ثم فتحت يديها تفردهما على الطاولة، تكمل بعجز: "بس ده مش كافي إنه يعمل حاجة. لحد ما تقريباً ياس."
ظلت أميرة تتطلع إليها، ما علاقة هذا الأمر بأمر خطبتها من رافد؟ ولكنها مع ذلك ظلت صامتة. لتجدها تكمل بألم ودموعها تنهمر على وجنتيها بغزارة: "داخ وسط الناس على حد يسلفه، بس محدش رضى أو قدر. مش فارقة. لحد ما فقد الأمل تقريباً." صمتت لبرهة، ترتفع شهقاتها. فها هي وصلت لأصعب جزء بحياتها وسبب ألمها. لتكمل هي بحزن: "لحد ما حد من أصحابه اقترح عليه يكلم الحاج محمد الدسوقي." رفعت أميرة رأسها باستفهام.
لتكمل هي بتوضيح: "محمد الدسوقي، والد رافد الدسوقي." أومأت أميرة برأسها.
لتكمل شيرين: "كلم وليد بابا. فبابا وماما شجعوه، وبالأخص ماما. قالتله يكلم رافد وهو شاب زيه وهيتفهمه، وعمره ما هياخده. وهما الحمد لله ربنا فاتحها عليهم من وسع، والحمد لله المال كتير جداً وربنا يبارك. فـ أكيد رافد ماهيرفضش. والحاج معروف عنه إنه رافد في كفة والدنيا كلها في كفة. فـ إذا رافد قال حاجة أو طلب منه طلب، عمر ما الحاج يكسرها. وخصوصاً إنه كبير المنطقة وبيأهل رافد من بعده لمكانه، ومفيش واحد يقدر يكسرله كلمة، وعمر ما خذل حد أبداً."
قطبت جبينها بتعجب، ترى ما هو عمل محمد الدسوقي هذا ليجعله بهذه المكانة بالحي ويمتلك كل تلك الأموال ليستطيع إقراضها لأحدهم. ولكنها صمتت تنتظر التوضيح من صديقتها ولا تريد مقاطعتها. لتجدها تكمل ببكاء: "وليد وافق، وخصوصاً بعد تشجيع أهلي. وراح كلم رافد." ثم ازدادت وتيرة بكائها
وألمها وهي تكمل بحزن: "وافق وكلم والده، وأدوه الفلوس على ضمان إنه لما يرجع يردهم. ومضوه على وصولات أمانة بكده. وفعلاً قدم وليد على السفر وسافر تبع شركة مقاولات بـ أنه هيشتغل نقاش." حسناً، حتى الآن لا تجد شيئاً غريباً في الأمر. حتى الآن برمته أمر عادي، وإن كان يوضح شيئاً ما، فهو يوضح حسن أخلاق واحترام ذلك الرجل وابنه. لذا ما الغريب؟ ولكنها على الرغم من ذلك، لم ترد مقاطعتها، بل تركتها تخرج ما بقلبها دون ضغط.
لتجدها تقول بعدها وهي تنهار في البكاء أكثر وأكثر، وكأن هنا يكمن موضع الألم: "بس وليد مرجعش يا أميرة. للأسف وليد مرجعش. وليد راح ومات. وقع من فوق السقالة وهو شغال ومات." تخشب جسد أميرة تحت يديها وهي تتفاجأ بكلماتها. إذا هذا هو سبب موت أخيها؟
إذا هذا هو سبب موت أخيها، هذا هو سبب ألمها هي وأهلها. هذا هو سبب حرمانها من سندها ودعمها. هي لا تعلم شيئاً عن الأخ الأكبر، بل هي لا تعلم شيئاً عن الإخوة. هي طالما تمنت أن يكون لها إخوة، ولكن لم يمن الله عليها بهذا. ولكن تستطيع الشعور الآن بألمها من حيث فقدان أحدهم غالي وعزيز على قلبها. لذا ضمتها لصدرها، تربت على جسدها بحنان قائلة برقة: "طيب اهدى، اهدى. هو في مكان أحسن. محدش عارف لو كان عايش كان حصل إيه."
شعرت بأنها ربما لن تحسن في اختيار ألفاظها، لذا صمتت لبرهة من الوقت، فقط تربت على ظهرها بحب، تاركة إياها تخرج ما بقلبها. وما أن هدأت، حتى أبعدتها عنها قائلة برقة وابتسامة عذبة: "أحسن؟ أومأت برأسها لتبتسم قائلة بمرح: "أنا هنا، متقلقيش. مش أنا أختك؟ وإلاخوات فايدتهم إيه غير إنهم يرخمو على بعض." ضحكت بنعومة. لتصمت لبرهة، في حين ظلت أميرة تتطلع إليها تنتظر أن تكمل. لتجدها
تحاول التماسك قائلة بألم: "طبعاً الخبر وصل. ماما وبابا انهاروا، وبالأخص ماما. شالت الهم وحست إنها السبب، خصوصاً إنها هي اللي شجعته على كده وفضلت شايلة ذنبه في رقبتها." أومأت برأسها بتفهم. لتجدها تكمل: "بصراحة الناس صبروا علينا كتير. وجه بعدها الحاج محمد يطالب بفلوسه. بعد ما بابا فاق من موضوع وليد، كان فات شهرين أو تلاتة من موته." ظلت تنظر أميرة جهتها وقالت بتوقع: "وطبعاً باباكي مكنش معاه اللي يسد." أومأت برأسها بخزي،
لتكمل بحزن: "منين؟ وهو مجرد موظف حكومي وعامل غلبان بالعافية بيسد طلباتنا. وحتى دهب ماما باعته لما سافر وليد. محلتناش غير البيت اللي قاعدين فيه. وحتى ده ميكفيش حاجة، لأنه قديم جداً وصغير." "وفـ نفس الوقت، هنسيبه ونروح فين؟ ظلت أميرة تنظر جهتها لتقول بضيق: "الشركة اللي سافر ليها مبعتتش تعويض؟
هزت كتفيها تجيبها بضيق: "كان رد الشركة إنهم ما اتسببوش في ده ولا كان بسببهم. الموضوع إهمال منه. ولما اتكلمنا وقومنا محامي نرفع قضية، مازلنا فيها، بس رأي المحامي إنه هتكون حتى التعويضات ضعيفة." ظلت أميرة تنظر جهة شيرين لتقول بتقرير: "وطبعاً الحاج محمد معندوش استعداد لانتظار حاجة مش عارف أبعادها ولا هيطول حاجة أصلاً ولا لأ." أومأت شيرين برأسها. لتتساءل أميرة بهدوء: "وبعدين؟ هزت شيرين
كتفيها قائلة بهدوء ساخر: "ولا قابلين. الحاج قعد مع بابا، طلب فلوسه. ولما عرف إنه مش هيقدر يدفع، قاله خلاص ناخد شيرين بدل الفلوس." "نعم؟! " هتفت بها أميرة بصدمة. لتكمل شيرين بلا مبالاة ظاهرية: "إيه هو اللي نعم؟
الراجل طلب فلوسه، بابا قال معيش. قاله خلاص اركن الفلوس على جنب، مش عاوزينها خالص واعتبرها مهر شيرين وهاخدها لـ رافد ابني. ولما بابا قال هياخد رأيي، قاله تمام، يا بكرة تكون عندي موافقة شيرين، يا تكون عندي فلوسي. إن محصلش حاجة من الاتنين، الوصولات هتكون في النيابة." ظلت أميرة تنظر جهتها بصدمة. في أي عصر نعيش نحن؟ وأي عالم هؤلاء؟ كيف يرضون بأنفسهم أن يكون زواج فتاة بالإجبار؟
كيف يرضون أن تُجر كالعبيد، حارمين إياها هي ووالدها من أبسط حقوقها، وهي أن تختار شريك حياتها؟ وضعت يدها على رأسها تشد خصلاتها للخلف. لا تستوعب.. حقاً لا تستوعب ما يُقال.
حولت أنظارها جهة شيرين، ترى ماذا تقول لها وكيف تواسيها. نعم، تتحدث ببساطة، بسخرية، ولكنها تستطيع الشعور بطعم العلقم العالق بحلقها. ترى أي شعور بالخزي يتملكها، أي ألم ينخر في قلبها. ترى كيف تنظر إليه وهي تشعر بأنه يجبرها إجباراً على العلاقة بينهم، يجبرها بأن تكون جزء من حياته. حتى وإن أرادت أن تحبه، فلن تستطع بعدما حدث. لتنظر لها قائلة بتعثر: "شيرين." سالت دموع شيرين على وجنتيها لتقول ببكاء: "عرفتي ليه يا أميرة؟
عرفتي ليه مابتكلمش عن علاقتي بيه؟ عرفتي ليه بحاول أبعد عنه؟ عرفتي ليه بحاول أدور على حب؟ أنا محبتهوش. وهو قتل جوايا أي محاولة إني أنا أحبه. وهو بيجبرني على جوازي منه، وهو بيحسسني إني بهيمة صاحبها مقدرش يدفع الفلوس اللي عليه، قاموا أخدوها منه بدالها. اتحرمت من أي مشاعر إنسانية، من أي احترام."
ثم أكملت بانهيار: "كرامتي اتداست تحت الرجلين يا أميرة. رغبتي في الاختيار اغتصبت مني. مشاعري وأحاسيسي زي ما يكون مسكها ودهسها بإيده وهو بيبص في عيني وبيقول ممنوع عليكي الاختيار. تفتكري واحد زي ده، لما أبص له بحس بإيه؟ ثم أكملت بانهيار
وبكاء وهي تشير جهة قلبها: "بحس إن قلبي بيتعصر في صدري يا أميرة. بحس إني بموت. بحس إني مش قادرة آخد نفسي. بحس برغبة في البكاء. مش قادرة إني أكون سوية معاه. مش قادرة أتكلم. مش قادرة أعبر عن مشاعري. وإزاي هعبر عنها وهي اتداست تحت الرجلين؟ كرهت الدنيا وكرهت حياتي وكرهت ضعف أبويا اللي خلاه ياخدني ويبيعني كده. كرهت خزي أمي اللي خلاني موطية راسي وسط الناس. عايزة أهرب من البيت ده. عايزة أهرب من قدري ده."
ثم هزت رأسها تكمل بانهيار: "بس تفتكري ههرب من قدري؟ هيستقبلني إيه في الدنيا؟ تفتكري اللي تهرب من أهلها وخطيبها حتى لو مجبورة عليه، الناس هتشوفها إزاي أو هتعمل فيها إيه؟ إحنا للأسف في المجتمع ده بنتعامل بدرجة تانية يا أميرة. ملناش رأي ولا اختيار. ونهار ما بيبقى لينا، فهو اتسلب مننا قدام اللي أقوى مننا." صمتت تلهث وهي تسحب أنفاسها بقوة. ثم بدأت بالسعال من فرط بكائها وغضبها. لتركض أميرة
تربت على ظهرها قائلة بخوف: "شيرين، اهدى. شيرين لو سمحتي اهدى وخدى نفس." أبعدت شيرين يديها عنها بعنف، وكأنها وجدت أخيراً منفذاً تخرج من داخله أوجاعها وأحزانها له. ثم صرخت أمامه بقهر وألم، في حين غرق وجهها أمامها بالدموع والعرق، مكملة بانهيار: "لأ، واللي يحرق قلبك إنه طالب منك بعد اللي عمله إنك تتعاملي معاه عادي. اللي يحرق قلبك إنه يسألك مالك مش بتتعاملي معايا طبيعي ليه؟
طيب إزاي وأنت دهستني ودهست قلبي ومشاعري وكرامتي تحت رجليك؟ لبستني الخزي وأنا مش قادرة أتكلم عنك أو عني. طيب إزاي وأنا مش شايفة بعلاقتي بيك غير الاشمئزاز؟ إزاي جاي بتطالب إنك تكون صديقي وأنا مش شايفة منك غير الإجبار."
ثم رفعت عينيها لتنصدم أميرة من مرآهم. عيناها كانت مجروحة، لا بل ذبيحة، كشاه مذبوحة تركت أرضاً لتخرج آخر أنفاسها، تتعثر وتحترق بآلمها وأحزانها، ولا من معين. نيران قلبها تحرقها بين لحظة والثانية، ولا يوجد من يطفئها، بل بالعكس تزداد قتامة وتزداد توهج بين لحظة وأخرى. لتصرخ بها بألم، في حين كانت تلهث لتستطيع سحب أنفاسها من فرط انفعالها. لا تعلم أهو ألم أم غضب أم كلاهما؟ ولكنه قادر على قتلها حية بالفعل.
"إنتي مش فاهماني يا أميرة. عارفة لو كان واحد تاني كنت ممكن... ممكن أفكر. لكن إنتي عارفة ده مين؟ ده رافد الدسوقي. ده اللي مفيش واحد في المنطقة كلها يقدر يرفع عينه فيه أو يكلمه، والا هيكون منقول على نقالة لأقرب مستشفى. ده رافد الدسوقي اللي كلمته بتهز بدن أي واحد. ماشي، فارض جسمه على الكل. وأنا... صمتت تستجمع أنفاسها لتكمل ببكاء ونبرة جريحة أصابتها بالفعل بمقتل، نبرة ضعيفة خائفة لم تسمع شيرين تتحدث بها من قبل، وهي تقول
بارتعاش لا تستطيع إخفاءه: "أنا بخاف منه يا أميرة. أنا فعلاً بخاف منه ومش عارفة أعمل إيه. أنا مش مختلفة عن أي حد في المنطقة. أنا بترعش منه ومن منظره البلطجي ده. إزاي هعيش معاه حياة سوية؟ أعيش مع بلطجي مرعب وفوق ده كله واخدني إجبار وتخليص حق." ثم هزت رأسها وهي تحتضن نفسها تحاول إسكات ارتعاش بدنها الذي بدا واضحاً في تلك اللحظة بشدة. "مفيش بينا أي تشابه، لا ثقافي ولا اجتماعي ولا تفكير. ولا حتى احترام. يبقى هنكمل إزاي؟
الصدمة المحتلة وجه أميرة كانت خير دليل على عدم قدرتها على الحديث. نعم، فهي على الرغم من كونها من أسرة فقيرة أيضاً، ولكن لم تمر عليها تلك اللحظات. لم تشعر بهكذا شعور. فهي تتنعم بأحضان والدها ووالدتها، تأخذ كامل اهتمامهم وحبهم. والدها حتى وإن كان يمزح معها، يناكفها أحياناً، ولكن على الرغم من ذلك يحيطها بحب وعناية ورعاية غير محدودة، يشعرها بأنها ملكة متوجة على عرش قلبه وسيلبي لها ما ترضى وترغب حتى وإن طلبت نجمة من السماء.
لذا فما تسمعه من شيرين أمر لا يصدق بالنسبة لها، بل وهو أمر غريب يثير صدمة بالفعل بقلبها. ولكنها على الرغم من ذلك، وجدت لسانها يهتف بصدمة: "وعلى كده رافد الدسوقي ده شغال إيه؟ وكانت إجابة الأخرى صدمة أخرى أخذتها كمن ألقاها بحجر برأسها، وهي تجيبها بابتسامة ساخرة: "ميكانيكي." *********************
تحرك يمسح يديه بتلك المنشفة القطنية الممتلئة بالبنزين، ليستطيع التخلص من الزيت والشحم العالق بيديه بعد أن قام من الانتهاء من تلك السيارة أمامه. في حين يقبع عقله بمكان آخر. أمسك هاتفه يضغط على زرّه لينظر إلى الساعة، ليضيء له مطالعاً وجهها به في خلفيته، لينظر لها يتطلع إليها بحزن، إلى أن انطفئ ضوءه أمامه. في حين كان مازال ينظر جهة الهاتف بشرود.
ظل على ذلك الوضع لبرهة من الوقت، إلى أن ألقى بجسده على المقعد خلفه يتطلع إلى سقف المكان بشرود. يشد خصلاته للخلف بشدة، حتى كاد يقتلعها. داخل عقله تدور دوامات ودوامات، ولا يجد سبيلاً للتخلص منها. فما يقال شيء، وما يقبع أمامه شيء آخر. وكلما ألقى سؤالاً لا يجد له إجابة، كلما سألها مابها تجيبه بلا شيء، في حين يستطيع الرؤية بوضوح بأن هناك ما يضايقها، بأن هناك ما يحرقها، ولكن لا يجد إجابة لسؤاله.
يسألها أن كانت تشعر بالنفور تجاهه، تجيبه بـ لا، ولكن تصرفاتها كلها توحي بنفورها منه. رفضها وجودها بصحبته بأي مكان. رفضها أن يتعرف عليه أصدقاؤها. رفضها بأن يعرف عنها شيئاً. كل شيء. كل ما بها غريب، لا يستطيع فك أحجيته. يريدها أن تتحدث، ولكنها ترفض. تنفي، ولا يجد هو لأسئلته سبيلاً لإجابتها. زفر الهواء من صدره، لعله يخرج ما يحرق. وهو يتساءل: إذاً، لما؟ لما وافقت على الخطبة منه إن كانت لا ترغبه؟
لما وافقت على الارتباط به إذا كانت لا تريده؟ لما تقطع كل وسائل الترابط والتفاهم بينهم؟ إن كانت بالفعل دخلت معه بعلاقة خطبة جادة وستتحول إلى زواج، فلما لا تحاول التعرف عليه وتدعه يتعرف عليها؟
ظل يطرق برأسه للخلف بضيق. رأسه سينفجر من التفكير بالفعل. نعم، يحبها. نعم، يعشقها. نعم، يتمناها ويحلم بها يومياً، ولن ينكر ذلك. عينيه لا ترى سواها منذ أن كانت طفلة بضفائر تلهو أمامه في شوارع حيهم بصحبة أخيها، وهو يحبها منذ كانت ضحكتها الطفولية البريئة ترتفع بالمكان، تلفت انتباه الجميع لترتسم الضحكة لا إرادياً على وجوههم ووجهه، وهو يحبها.
ومنذ أصبحت مراهقة، بدأ جسدها يلتف ليأخذ شكل الإناث، وتحمر خجلاً بمجرد نظرة من أحدهم إليها، وهو يحبها. يعشقها، وهي كانت تركض تحمي منحنياتها الصغيرة التي بدأت بالظهور أمام الجميع بكتبها، رغبة منها بعدم لفت انتباههم لها وإخفائها عن الجميع.
يحبها حينما أصبحت أنثى يافعة، تركض بسعادة في الحي، حينما أتى أخيها يهتف بنجاحها وحصولها على درجات عالية، لتصفق بسعادة وفرحة. يحبها في كل مراحل حياتها وكل سنوات عمرها. عينيه لا ترى غيرها.
تلك الصغيرة الجميلة الشجاعة الممتلئة بالحيوية والمرح والضحك، التي كانت تملأ الحياة بهجة وسعادة، ليركض دائماً من ورشة والده ينظر جهتها حينما يسمع صوتها، يراقبها بحب وحنان، يرتعش قلبه داخل صدره بفرحة وسعادة حينما يسمع صوتها وضحكاتها، ليخفق قلبه داخل صدره مؤازراً لها.
اتسعت ابتسامته وهو يتذكر تلك القصيرة التي كانت ترتفع على أطراف أصابعها وترفع وجهها لأعلى لتستطيع مجابهة طوله، وهي تجادله بضيق وغضب دون أن تخشاه أو تخشى غضبه، ليظل ينظر جهتها بابتسامة، ثم في النهاية يجيبها ساخراً بـ أن تذهب لمنزلها ولا تجادل أحداً، لا تستطيع الرد عليه. ظلت الابتسامة على وجهه تتسع كلما تذكر مواقفهم معاً تحت نظرات والده المبتسمة. إلى أن تذكر حينما أتى والده ذات يوم يخبره بأنه طلب يدها من والدها ووافق.
يتذكر منظره وقتها وهو يتساءل بصدمة: "هل هو صادق؟ هل بالفعل شيرين وافقت عليه؟ تلك القطة الشرسة ستصبح زوجته بالفعل؟ ليؤكد له والده الحديث، وقد كان بالفعل، فأصبحت مخطوبته رسمياً. ولكن...
صمت ينظر أمامه بشرود. هناك شيء غريب. لم تعد شيرين التي أحبها. لم تعد تلك التي كان يركض خلفها ليرى ضحكتها. لم تعد تلك التي ترتسم الضحكة تلقائياً على وجهه بمجرد رؤيتها. لم تعد تلك التي تجابهه الكلام في حين عيناها السوداء الجميلة كانت تلمع بالمرح والشقاوة والمشاكسة. بل أصبحت أخرى. عيناها راكدة، منطفئة، ميتة الروح. عيناها لم يعد يراها تلمع بالمرح، إنما أخرى منكسرة، لا تلمع سوى بالدموع فقط.
ضغط على أسنانه بغضب: "تشعره دائماً بأنها رافضة لتلك العلاقة، ولكن لما وافقت عليها من الأساس؟ يجبرها ويدفعها دفعاً للتعبير، ولكن لا تتحدث. ترى ماذا حدث لها؟ ما الذي يضايقها فعلاً؟ لا يعلم حقاً، لا يعلم. وهي لا تريد الحديث." جحظت عيناه لدرجة أن تحولت لنذير شؤم: "ترى أأجبرها والده على الموافقة؟ ولكن لما وهو لم يطلبها منه أبداً؟ وكيف؟ وإن كان بالفعل حدث، فلما لا تقول شيئاً أمام كل ضغطه عليها؟
سيجن حقاً، سيجن ولا سبيل لإجاباته أبداً، أبداً. صمت ينظر أمامه بشرود. فليجب ذلك السؤال: لما ستوافق عليه؟
هو لا يعيبه شيء، ولكن ليس المثالي بالنسبة لها. فهم لم يكونوا على وفاق في الحديث. لم يكن أحاديثهم أحاديث محبين، بل إنما جدالات فقط تشهد عنها حارتهم الشعبية كلها. حتى وإن كانت جدالات بالنسبة له مجرد استفزاز لها ومرح معها، ولكنه بالنسبة لها قد يكون ثقيل الدم، فهو إن جادَلَهُ أحد آخر غيرها لكان حطم وجهه بالفعل، لكنه فقط يشاكسها. فهل كانت تفهم مشاكسته لها بأنها مشاكسة حبيب لمحبوبته؟
ليرى احمرار وجنتيها الشهيتين، ويسمع صوتها الجميل دون خجل، ويجعلها تتحدث معه فقط؟ أم ماذا؟ وهناك سؤال آخر: ماذا إن كانت مجبرة على الزواج منه، وكان قد أجبرها والده بطريقة ما؟ ماذا سيفعل؟ هل سيتركها أم سيظل متمسكاً بها على الرغم من رفضها له؟ ماذا سيفعل حقاً؟
عند ذلك السؤال وتلك النقطة، صمت عقله يفكر. هل سيتركها بعد أن أصبحت بين يديه، أم سيفعل المستحيل ليجعلها له، لتصبح اسمهما معاً، وتصبح بالفعل شيرين حبيبة رافد، ورافد حبيب شيرين؟ *********************
كانت تخرج من المكان، متطلعة يميناً ويساراً بصحبة والدتها العزيزة، في حين ركض والدها ليحضر السيارة. حينما رأته يخرج من إحدى المطاعم أمامها ذاهباً لإحضار سيارته، أبعدت عينيها بعيداً، تتخفى في والدتها بخجل، لا تريده أن يلمحها بعد ذلك الموقف الأخير المخجل معها. ولكنها صدمت حينما وجدته توقف في منتصف الطريق، ينظر إلى أحد ما، ثم ركض بسرعة رهيبة يعبر الطريق، حتى ظنته غير منتبه له.
ظلت تتابعه بعينيها، لتجده مرة واحدة وقف أمام عجوزة ما ليمسكها من يدها، يسحبها بعيداً بشدة وسرعة على جانب الطريق. انتبهوا للأمر، ولكنها صُدمت كما الجميع حينما وجدت شيئاً ما سقط من فوق سطح المنزل الذي كانت تقف أمامه تلك المرأة. اتسعت عينيها بصدمة كما المرأة تماماً، التي بهت لون وجهها وهي تحول وجهها مابين وجه باسل والمكان الذي كانت تقف به، والذي أصبح يحتل مكانه عرق خشبي كبير ساقط لأسفل، كاد يودي بحياتها. انتبهت المرأة
لصوت باسل الذي هتف برعب: "إنتي كويسة يا أمي؟ رفعت المرأة أنظار مذهولة جهته، وكأنه ألقاها بحجر، لتجد عيناها ترق بحنان بعدها، وهي تربت على يده بابتسامة حنونة مجيبة برقة: "أنا كويسة يا بني، كتر خيرك." ظل يفحصها بعينيه بقلق، ليعود بعينيه موضع ذلك اللوح الخشبي، ينظر جهته بذعر، ليلف عينيه تجاهها متسائلاً بخوف: "متأكدة إنه محصلش حاجة؟ لو حاسة بحاجة، هوديكي المستشفى حالا؟ ظلت تنظر جهته بحنان، لتجيبه بعذوبة وهي تتطلع
بعينيه الخائفة عليها بصدق: "والله أنا كويسة يابني، محصلش حاجة." ظل ينظر لها بصمت، ليجد الجميع مرة واحدة شخص يهبط من المنزل يلهث، قائلاً برعب وهو ينظر جهة تلك السيدة والشاب الواقف جوارها: "إنتي كويسة يا حاجة؟ حصلك حاجة؟ أومأت برأسها قائلة بهدوء مرتعد: "أنا كويسة الحمد لله." ظل الفتى ينظر جهتها بخوف،
ليجيبها برعب: "أنا آسف والله، أنا مقصدتش. أنا مش عارف إتزحلق إزاي. أنا كنت بثبته عشان أدهن الشقة اللي فوق، مش عارف إزاي فك واتزحلق لبرة." نظرت جهته لتجيبه بهدوء: "قدر ولطف يابني، وكتر خيره الشاب ده نجدني." توحشت عيني باسل ليجيب بغضب: "بس لو مكنتش موجود، ياترى إيه كان حصل نتيجة إهمالك؟ كان زمان الست ماتت وإنت شلت ذنبها ودمها كان في رقبتك نتيجة إهمال سيادتك." نظر
له الشاب ليجيبه بخجل واضح: "أنا آسف والله، بس أنا فعلاً مكنتش أقصد. أنا كنت بثبته والموضوع حصل فجأة، مش بإيدي والله. أنا مش مستوعب لحد دلوقتي حصل إزاي، وإزاي اتزحلق لبرة من الشباك على تحت! "أهو حصل يا خويا. تفتكر بقى إحنا ممكن نعمل إيه باعتذارك لو حصلها حاجة؟ قال جملته تزامناً مع اقترابه جهته لتمسكه تلك السيدة، تعيده للخلف، قائلة بحنان: "محصلش حاجة لكل ده يابني، ربك نجدنا." نظر لها ليقول بضيق: "بس يا أمي."
ابتسمت للمرة الثانية، تجيبه بحنان: "صدقني يابني، إنت مش عارف الخير فين. وصدقني لتاني مرة، أنا مش زعلانة، بالعكس أنا راضية أوي. أنا عارفة إن ربنا أراد إن يحصل كله ده عشان بس أشوفك وتنجدني وأسمع منك كلمة أمي دي." نظر جهتها بتعجب وهو لا يفقه شيئاً من كلماتها، لتربت على يده قائلة بحنان: "ربنا يراضيك زي ما راضيتني، ويطبطب على قلبك زي ما طبطبت على قلب أم موجوعة ومحروق قلبها على ابنها."
قطب جبينه بتعجب، يستصعب عليه فهم ما تقوله. في حين التفت هي جهة الشاب الآخر، قائلة بحنان: "روح شوف شغلك يابني، ربنا يستر عليك وعلى اللي زيك." أومأ الشاب قائلاً بخجل: "أنا آسف للمرة التانية يا حاجة." أومأت برأسها. في حين ظل باسل ينظر جهتها بحيرة، ليزفر أنفاسه بضيق قائلاً وهو مازال لم يتخطى غضبه ورعبه مما حدث: "تعدى الشارع؟ ظلت تتطلع إليه بحنان، ثم أومأت برأسها بهدوء. لتجده يجيبها بحنان: "طيب، امسكي فيا."
أمسكت بيده، ليعبر بها الشارع بهدوء حتى وصل إلى سيارته، ليقول بهدوء: "اركبى." نظرت جهته بتعجب، ليجيبها ببساطة: "معلش، ماهو أنا مش هأمن أسيبك. أنا هعمل اللي هيمليه عليا ضميري. اركبي وأنا هوصلك منين ما تحبي." ظلت تنظر جهته بحنان وحزن، لتجده يفتح لها الباب قائلاً بهدوء: "اتفضلي اركبي." أومأت برأسها. ليتحرك هو يلتف حول سيارته، متحركاً بها. كل هذا كان تحت مرأى ومسمع من كلا من جنا ووالدتها. لتنظر
لها وفاء قائلة بتعجب: "مش ده باسل اللي قابلناه في مزرعة جدك؟ أومأت برأسها لتقول بهدوء: "ربنا يحميه يارب ويكتر من أمثاله ويفرحه يارب." أومأت جنا برأسها ولم تتحدث، لتتحرك مع والدتها وعقلها يعيد ما حدث أمامها من موقف رجولي منه مئة مرة، لتعلم أنه شاب لا مثيل له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!