جحظت عيناها بعد تلك الكلمة الأخيرة التي قالتها، لتظل ترمش بهما تحاول التأكد إن كانت الأخرى تمزح أم لا، ولكن يبدو أنها صادقة. نظرت جهتها لبرهة من الوقت بعدم تصديق، لتتحدث أخيرًا قائلة بتعجب: -أنتي بتتكلمي جد؟ ابتسامة ساخرة هي كل ما أخذته، حتى ظنت للحظة أنها لن تُجيب، ولكنها أخيرًا أجابتها ببرود: -في إيه بالظبط؟ في كون إنه شغال ميكانيكي ولا في الحكاية كلها؟ صمتت لبرهة، لتكمل حديثها ثانية:
-لا مش بهزر، أنا بتكلم جد، رافد الدسوقي شغال ميكانيكي. ناظرتها أميرة بتعجب، لتوضح أخيرًا سبب تعجبها: -مش قصدي، بس أنتي بتتكلمي في كون إنهم أغنيا أوي، فيه حد غني كده ويبقى ميكانيكي؟! ظلت شيرين تطالعها بهدوء، لتجيبها أخيرًا بلامبالاة ظاهرية:
-الحاج محمد كان ميكانيكي وعنده ورشة، ومن بعد رافد ما اشتغل معاه، سبحان الله الموضوع زاد، لأنه شاطر في شغله والورشة كبرت وناسها زادوا، وسبحان الله بقى دلوقتي بيملك أكبر 3 مراكز صيانة سيارات كبيرة وعلى مستوى عالٍ جدًا، وفي أماكن راقية جدًا. -يعني الموضوع عدى مجرد ورشة تصليح عربيات. فركت أميرة عينيها، لا تعلم ماذا تقول أو بماذا تجيب، الموضوع عمومًا حرج وصعب الحديث عنه، ولكنها أخيرًا أجابت بروية قدر الإمكان:
-بصي يا شيرين. وضعت مرفقيها أمامها على الطاولة، ثم أكملت بهدوء: -أنا عارفة إن أي كلام هقوله هتشوفيه دلوقتي مالهوش لازمة، واللي على البر عوام. نظرت لها شيرين تريد توضيحًا لكلماتها تلك، لتكمل أميرة بهدوء: -أنا فاهمة ومقدرة وحاسة كمان باللي أنتِ فيه، أنا كون إني بنت فأنا ما أرضاش إني أتجوز بالطريقة دي أو حد يجبرني على حاجة أنا ما رضاهاش، وخصوصًا إني مش راغبة الإنسان ده.
استطاعت بكلماتها البسيطة استحواذ كامل انتباه الأخرى، لتكمل بهدوء: -اللي أنتِ فيه مش سهل ومقدرش أتكلم عليه، بس برضه فيه أمور تانية غايبة عن بالك. انتبهت شيرين لكلماتها، لتكمل الأخرى بهدوء قدر الإمكان: -أولًا موضوع رافد ده لازم يتوضع له حد، بمعنى إنه مش هينفع تبقي عاملة تغرقي وتتحرقي وهو مش حاسس، وحتى وإن كان لا مبالي، ف لازم يعرف إن النار دي هتحرقكم انتوا الاتنين، ف لازم تتكلمي معاه، تحاولي تفهميه. قاطعتها شيرين بغضب:
-بقولك مبحبوش. أومأت برأسها بتفهم، لتجيبها بهدوء: -عارفة وفاهمة ده كويس، ومش بطلب منك تحبيه لأنه مستحيل، بس برضه ده ميمنعش إنكم لازم تتكلموا، لازم تفهمي إيه اللي في دماغه، بيعمل كده ليه، ولازم يفهم إن الجواز بالإجبار مش هيوصل لحاجة، وف نفس الوقت هو يفهمك ويفهم مشاعرك، النقاش مش هيضر ولا هيُهدّي يا شيرين، بالعكس هيبني وهيُوصلنا لحل وسط لينا كلنا.
رمقتها شيرين بضيق، ولكنها لا تنكر بأن معها كل الحق. الهروب من النقاش ومن المشكلة وإيضاح أفكار ومشاعر الطرفين لن يحل الأمر، بل سيزيده سوءًا، لذا لابد لها من الحديث معه وأن تتغلب على خجلها وخوفها منه، فهو كثيرًا ما سألها ودفعها وأرادها أن تتحدث حتى يصلوا إلى حل ما، وهي من كانت ترفض الأمر. ولكنها على الرغم من ذلك، نظرت جهة صديقتها تتساءل بضيق: -وثانيًا؟
ضغطت أميرة على شفتيها، ها قد جئنا لأصعب نقطة، أكثر مكان يثير غضبها في الحوار كله، ولكنها على الرغم من ذلك، أبعدت حرجها بعيدًا، تكمل بضيق: -باسم. نظرت لها شيرين بغضب، ولكنها على الرغم من ذلك، تجاهلت غضبها لتكمل بهدوء قدر الإمكان: -شيرين، أنا قولتلك متفهمة وضعك ومشاعرك، بس على الرغم من كده، مش صح إنك تفتحي الباب لأي حد يقدر يدخل حياتك، وخصوصًا لو كانت حياتك مشغولة. استطاعت أن تلمح رفضها للحديث، ولكنها
أكملت بهدوء قدر الإمكان: -أنا عارفة إنها مشغولة بالإجبار والإنسان ده مش بتحبيه، بس لا أدبك ولا أخلاقك ولا احترامك ولا تربيتك يا شيرين تسمحلك إنك تغلطي غلطة زي دي وتسيبى باب مشاعرك مفتوح قدام أي حد. ثم مدت يدها تضغط على كفها قائلة بقوة:
-أنتي أعلى من كده يا شيرين، أعلى من كده أوي أوي، أنتي نجمة في السما، مينفعش تنداس تحت الرجلين، مش أي حد يقولك كلمة حلوة تفتحي بابك ليه، بالعكس بابك لازم يفضل مقفول واللي قدامك يتعب عشان يوصلك، بس الأول لازم يكون قلبك وحياتك متاحة لكده، وإلا أنتي هتكوني بتظلميه وبتظلمي نفسك وبتقللي من قيمتك وقيمة تربيتك وأهلك، لازم توضعي حل لمشكلتك الأول وبعدها شوفي غيره. وعلى الرغم من إنه ما أدّاش أي دلالة على إنه هيتجنن عليكي، بس برضه حتى لو مينفعش تفتحي باب قلبك لأي كان. "أنتِ جنة مقفولة ومينفعش يدخلها غير اللي يستحقها عشان يتنعم بجمالها".
كلماتها الهادئة واحترامها استطاعت أن تميل عقلها وتجذب قلبها وتعيدها للصواب، لتجدها تسألها بضيق: -طيب والحل؟ -زي ما قولتلك إنك تواجهيه الأول وتوصلي لحل مع رافد وتفهميه اللي جواكي وتفهميه هو. ظلت شيرين ترمقها بغيظ، لتقول بغضب: -مفيش حل يا أميرة، مفيش حل غير إنه يسيبني في حالي ده، مفيش أي توافق فكري بيني وبينه، بقولك أنا دكتورة بيطرية وهو ميكانيكي، حتى لو كان صاحب مركز صيانة، بس بيفضل ميكانيكي. رمقتها أميرة بهدوء،
لتهز كتفيها قائلة ببساطة: -بس ممكن يكون متفاهم أكتر من أصحاب التعليم العالي. ظلت شيرين تتفرس فيها بغضب، إلى أن بصقت كلماتها أمامها بغضب: -أنتي بتقولي كده لأنك مش في الموضوع، أنتي توافقي تتجوزي ميكانيكي؟ لاتنكر أميرة صدمتها من الأمر، ولكنها على الرغم من ذلك، أجابتها بهدوء: -معرفش.. يمكن....
مقدرش أحدد، يعني أنا حاليًا رافضة، بس ممكن وقتها أوافق، محدش عارف الزمن مخبي إيه، يمكن وقتها ألاقي معاه أمان ما ألاقيهوش مع غيره، يمكن ألاقي حب واحترام وتقدير مش مع غيره. ثم أكملت بهدوء وصراحة: -وخلينا واضحين، مش كل اللي معاه مؤهل عالي بيبقى مثقف، مش ممكن يكون مجرد مؤهل بس، تكلميه تلاقيه تافه، وممكن يكون الإنسان اللي بتتكلمي عنه ده أكتر وعي وإدراك وثقافة واحترام ليا من غيره، ويكون قادر يحتويني أحسن من غيره.
صمتت لبرهة، لتكمل بعدها: -في اختيار الزوج، دوري على اللي تقدري تكلميه بدون ما تخافي، يكون صديقك وواعي لمشاكلك، تقدري تحكي معاه همومك ويسمعك وما يقللش منها ويهونها، ف أنتي لسه قدامك الفرصة لكده، اتكلمي معاه وشوفي.
صمتت شيرين تستوعب كلمات أميرة، التي وللحق يقال، لأول مرة تتحدث بعقلانية، ولكنها على الرغم من ذلك، لاقت تلك العقلانية بها كثيرًا، لتصمت بهدوء تدير الأمر برأسها، وهي تجد بأن معها كل الحق، عليها التحدث وفهم ما يجري حولها، فلربما تصل لحل وسط معه. ***
تحرك من مكانه، عمله بضيق، وفي رأسه تصميم وفكر واحد، فلينهي لعبة الغميضة هذه، والآن وإلا سيظل على نفس المنوال يتساءل أين يكمن الخطأ، فل يتحدث معها أو يجبرها، فليفتح قلبه لها حتى وإن لم ترغب، ويخبرها كم يعشقها وأين يصل به حدود عشقها. أمسك هاتفه يطلب رقمها، وما إن فتحت الهاتف حتى سألها دون مواربة: -شيرين، أنتي فين؟ صمت يستمع لها، ليجيب بهدوء:
-مفيش حاجة، أنا بس كنت عاوز أعرف أنتي فين عشان كنت عاوزك في موضوع مهم وميستناش. استمع لإجابتها، ليومئ برأسه قائلاً بهدوء: -تمام، أنا قريب جدًا منك، ربع ساعة وأكون عندك، استنيني. تحرك من المكان بالفعل ذاهبًا إليها بعد أن قام بتبديل ملابسه والاغتسال في ذلك المكان، ثم ما هي إلا ربع ساعة بالفعل وكان هناك.
تحرك يبحث عنها، ليجدها تقف بصحبة صديقتها في تلك الحديقة، بعد أن قررت أن تتمشى لتحصل على بعض الهواء النقي، لعلها تهدأ وتفكر جيدًا. انتبهت على صوته حينما أتى يهتف باسمها، في حين التفت أميرة تنظر جهة ذلك القادم، والذي لم تتبين ملامحه في المرة السابقة أثناء جلوسه في السيارة. ظلت تدقق النظر به، ما هذا الشاب، فهو... كيف تصفه؟
هو أشبه بمارد عملاق، بل هو مارد عملاق مخيف، فقد كان طويل بل طويل جدًا، صدر عضلي عريض وقوي جدًا، والواضح بأنه من أثر العمل، ملامح حادة بل شديدة الحدة، هيئة فوضوية بعض الشيء، جسد قوي معضل ومخيف، لديه خصلات سوداء فاتحة تميل للبنية، وجه أسمر ذو عظام بارزة من شدة حدتها، وعيون حادة كالصقر، يرتدي قميص أسود يترك ثلاثة أزرار تقريبًا مفتوحة، ليتضح صدره القوي، وبنطال جينز أزرق فاتح ممزق، ليس بالقديم بل إنه حديث الطراز، وخصلاته
لم يهتم بتهذيبها، بل كانت على الرغم من نعومتها إلى حد ما، فهي ليست بالناعمة ولا بالخشنة، ولكنه على الرغم من ذلك، تركها دون تهذيب لتصبح فوضوية بشدة. من يراه للمرة الأولى يرى أنه شخص بوهيمي بربري لا تمت للوقار والاحترام بصلة، بل إنه يشبه إحدى "البلطجية" كما يقال عنهم، محاولًا تلبس زي الاحترام الذي لا يليق به، يبدو كشخص في غير دوره، هو منظره مخيف مهيب يثير الرعشة في الأبدان.
التف ينظر جهتها بتدقيق، لتجد رعشة لا إرادية هزت بدنها، لتعود للخلف. يا الله، عيناه الكهرمانية الثعلبية تلك، حادة بطريقة مخيفة تجعلها ترتعد مكانها، لها كل الحق بالخوف منه، فهو بالفعل تشعر أمامه بأنك كفأر سقطت في مصيدته. أي جسد هذا؟ أي طول هذا الذي يمتلكه؟ ولكنها على الرغم من هذا، لا تستطيع إنكار كونه وسيم، لا تعلم كيف، ولكنه وسيم بطريقة ما، بطريقة صاحب ملامح حادة، ولكنها وسيمة، وسيم بطريقته الخاصة. -جنا ولا أميرة؟
أفاقت على صوته الأجش، المسائل بتعجب، لتقطب جبينها ناحيته، حتى صوته قوي، أي معضلة هذا الرجل؟ ولكنه على الرغم من هذا، فهو يليق به كثيرًا، صوت قوي يليق بملامحه القوية تلك. -مجاوبتنيش؟ كان السؤال منه للمرة الثانية، مترافقًا مع التواء خفيف من شفتيه، بالكاد تستطيع تسميته ابتسامة. رباه، ما هذا الرجل؟
فهو يشبه ثقبًا أسود يسحب الإنسان جهته، ثقب أسود مخيف، ولكنه على الرغم من هذا، لا يحد من جاذبيته بشيء. ولكنها على الرغم من هذا، أجابته بهدوء قدر الإمكان، تحاول السيطرة على نبرة غضبها منه ومن أبيه ومن استغلاله لضعف من حوله للوصول إلى ما يريد: -أميرة. ثم استدركت قائلة: -بس أنت عرفتني منين؟ مظنش إن شيرين حكت لك عني؟ رمق شيرين بجانب عينه بنظرة حادة ضائقة، ولكنه على الرغم من هذا، حاول التمسك باحترامه، مجيبًا
بهدوء قدر الإمكان: -شيرين خطيبتي. مطت شفتيها تجيبه بهدوء مستفز: -مظنش إن دي معلومة جديدة محتاجة توضيح، بس ده مش سؤالي، وإن كان على جملتك، فأنا عارفة إنها خطيبتك، وإلا ما كنتش هسمح لواحد غريب يقف معايا. ضغط على شفته السفلى يمنع نفسه من قول كلمة تضايقها، ولكنه على الرغم من ذلك، أجاب بهدوء: -لا، محكتش عنكم غير إن عندها صاحبتين، واحدة اسمها جنا والتانية أميرة. وإن كان هناك شخص يسمى ملك الاستفزاز، ستكون هي وبجدارة،
حينما أجابته باستفزاز: -توقعت كده برضه، أصل من الواضح إنك مش الشخص المثالي للحديث معاه. تراجع للخلف بصدمة، وكأنها ألقته بحجر، ما هذا الفتاة؟ أي لسان تمتلكه؟ فهو أشبه بالمقص. لينظر لها هاتفًا بغيظ: -جرى إيه يا دكتورة؟ هو أنتي جاية تقولي شكل للبيع؟ إيه مش عاجبك ولا إيه؟ التوى ثغرها بابتسامة ساخرة، في حين كانت كلمات شيرين لا تزال ترن في أذنيها، لتجيبه بغضب ساخر: -ليه يا أسطى؟ فيه حاجة في كلامي جرحتك؟
ارتفع حاجبيه بصدمة، ما هذا العته؟ تلك المعتوهة سليطة اللسان، ماذا تلقي من فمها دون تفكير؟ أهذه هي صديقة شيرين؟ إذا ماذا ستكون الأخرى؟ ولكنه على الرغم من ذلك، أجابها بغضب يكرر كلماتها بضيق: -أسطى؟! ليه شايفاني سواق تاكسي؟ -لا، ميكانيكي، مش الميكانيكي برضه بيقولوا له يا أسطى. ارتفع حاجبيه ذهولًا، لترتفع شفته العليا يجيبها بضيق وتهكم: -ميكانيكي؟! ثم أشار جهة صدره مكملًا بصدمة: أنا ميكانيكي؟
على آخر الزمن يتقالي أسطى وميكانيكي؟ ما لك الصدمة، الحالة به يشعرها وكأنها سبته بالأم ولم تقل الحقيقة، لتجيبه بضيق: -أمال نقول لسيادتك إيه يا دكتور مثلًا؟ مش دي شغلتك؟ ارتفاع حاجبيه الإجراميين إلى فروة رأسه كان خير دليل على وصول صدمته لأعلى درجة، في حين انقلاب وجهه للون الأحمر وإغلاق كفه بشدة حتى كاد يمزقها كان خير دليل على أنه وصل إلى نهاية تحمله، لترتعد فرائصها في تلك اللحظة من الرعب، في حين أجابها بضيق:
-لا، بشمهندس، يتقالي يا بشمهندس. -وعلى كده كل اللي بيشتغل ميكانيكي نقول له يا بشمهندس؟ ولا صاحب مركز الصيانة؟ بهذه المرة كانت هذه الجملة الاعتراضية خارجة من فم شيرين نفسها، وليست ملكة الاستفزاز التي تقبع أمامه، ليلف وجهه جهتها بصدمة متسائلًا بغضب: -نعم!! وأنا مالي ومال صاحب المعرض ولا الميكانيكي؟ أنا ليا دعوة باللي درسته وتبع شغلي، مش بعد ما درست السنين دي كلها يتقالي أسطى! أجابها بغضب أعمى، في حين أجابته هي ساخرة:
-ليه هو أنت معاك دبلوم صنايع قسم ميكانيكا؟ احمر وجهه بغضب، وقد بانت في تلك اللحظة ملامحه الإجرامية، ليصرخ بغضب: -فيه إيه؟ هو أنتي بتقللي مني كده ليه؟ شايفاني عيل صايع قدامك؟ أنا مهندس ميكانيكا محترم، يترفع لي مية قبعة كمان، مش أي حد، أنا كليتي وقسمي الكل بيطلع عينه عشان يدخلهم. اتسعت عيناها بصدمة، لتلف كل منهما وجهها جهة الأخرى بتعجب. هل ما يقوله حقيقي، أم هو بالفعل يحاول الظهور بالمظهر المحترم الوقور؟ لتقول شيرين
بتعثر متسائلة بدون تصديق: -رافد، يعني إيه مهندس ميكانيكا اللي بتقولها دي؟ أنت بتهزر صح؟ ماهو أكيد متقصدش إنك معاك كلية هندسة بتاعتنا اللي إحنا عارفينها. الصدمة المرتسمة على وجهه كانت حقيقية بالفعل، ليلف عينيه جهتها بعدم تصديق، ليتساءل بصدمة بلهاء: -أنتي بتسألي؟!! معقولة أنتي مش عارفة شهادة خطيبك إيه؟!! مش عارفة أبسط الأمور عنه؟!! إذا كان الأساسيات متعرفيهاش، أمال إيه اللي تعرفيه عني في العلاقة دي؟
الواضح إنك متعرفيش عني حاجة أصلًا. صمت، كل ما أخذه هو الصمت، لترتسم ابتسامة ساخرة على وجهه، ليومئ برأسه وهو يجيب ببساطة هازئة: -فهمت، فهمت. ثم لف وجهه جهة أميرة مجيبًا بسخرية وهو يمد يده للسلام، وقد أوصلوه في تلك اللحظة إلى أقصى درجات غضبه وهو يشعر بأن بداخله بركان يغلي: -نبتدي من الأول، صباح الخير يا دكتورة، عاملة إيه؟
اتسعت عيني أميرة بصدمة ورعب، ولكنها على الرغم من ذلك، أمام نظراته المرعبة والمحذرة التي تثير الرجفة والرعب بجسدها، لم تملك سوى أن تمد يدها له بخوف تصافحه، ليقول بابتسامة إجرامية مخيفة: -بشمهندس رافد الدسوقي، مهندس ميكانيكا جامعة عين شمس وخطيب دكتورة شيرين، اتشرفت بمعرفتك يا دكتورة أميرة. ارتعش بدن أميرة قبالته، ولكنها على الرغم من ذلك، أجابته بخوف: -الشرف ليا. ثم تحركت للابتعاد وهي تقول بخوف:
-بيتهيألي إنكم محتاجين تتكلموا مع بعض وتتفاهموا. ثم هرولت بعدها مبتعدة، لتتابعها نظرات شيرين، في حين أنزل رافد عينيه أرضًا ينظر جهة حذائه الرياضي الأسود، الذي يطرق به على الأرض، وكأنه بحركاته الرتيبة تلك يحاول إخراج غضبه به، لتنظر له بـ ارتعاش وخوف، وهي تخشى في تلك اللحظة خروج مارد ذلك العملاق أمامها، فلو حدث، تُقسم بأنه سيحطم هذا المكان على رؤوس الجميع، ولن يستطيع أحد الوقوف بوجهه، وهي أكثر من يعرف هذا،
لتقول بنبرة مرتعشة: -رافد. رفع يده يمنعها من الحديث، ثم رفع وجهه جهتها، لتتراجع للخلف برعب، وهي ترى ظهور العلامات الإجرامية على وجهه في تلك اللحظة، تخبرها وبكل وقاحة بأنها ستكون ضحيته الليلة. نعم، تعلم تلك الملامح وتلك النظرة، والتي تظهر دائمًا قبل الفتك بأحدهم، في حين ناظرها هو بنظراته الحادة، ليقول بصوت لا يقبل الجدال:
-دلوقتي هتتحركي معايا وهتركبي العربية، ولحد ما أروح وأوصلك، مش عاوز أسمع صوتك أو نفسك، لأني فعلًا مش مسيطر على أعصابي، ف بلاش أطلع غضبي عليكي؛ فاهمة؟ قال كلمته الأخيرة بنبرة أكثر حدة، لتومئ برأسها برعب، في حين تحركت أمامه وهو يتبعها بغضب، لتقول بينها وبين نفسها بأنه لم يحن موعد المواجهة بعد، في حين كان يغلي هو بغضب. أي علاقة سوية يظنها ويتمناها؟ كيف وافقت على زواجه إذا؟
الوضع بالتاكيد إجبار، كيف وافقت وهي لا تعلم عنه أبسط الأمور، وهي مؤهله الدراسي وعمله؟ كيف؟ كيف تكون خطيبته وسمحت لصديقتها بالحديث معه هكذا ولم توقفها عند حدها؟
لو كانت تكن له أي مشاعر، أي مشاعر حتى ولو احترام، لكانت أوقفتها عن الحديث، ولكنها لا، بل كانت تشجعها أكثر، هي لا تملك له أي مشاعر ولا حتى احترام أو تقدير. هناك شيء خاطئ، وقد تأكد له هذا. الآن يقسم بأن كانت إحداهن غير تلك الفتاة، لكان حدثه هكذا، لكان الآن مطروحًا بالمشفى، لا يعلم الأطباء أي جزء يداوونه أولًا، ولو كانت فتاة أخرى، لكان لقنها من الحديث ما جعلها تبكي لباقي عمرها ووضعت عينيها بالأرض خجلًا، ولكن لحسن حظها كونها فتاة وهو لا يرفع يده على فتاة أبدًا، ولحسن حظها أنها صديقة شيرين.
ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيه. شيرين، تلك التي لا يعلم ماذا تملك بقلبها وعقلها تجاهه، وسيعرف، يقسم، ولكن ليس الآن، ف الآن لن يتحدث، ف غضبه سيفسد كل شيء، ف ليهدأ أولًا وسيفهم منها كل شيء. *** كان يجلس بمكتبه يراجع بعض أوراق العمل، ليجد الباب يدق، فسمح له بالدخول، ليدخل أحدهم قائلًا بهدوء واحترام: -مستر نبيل، أوراق الموظفين الجدد الخاصين بالمصنع الجديد يا فندم، دول اللي وقع عليهم الاختيار. أومأ برأسه قائلاً بهدوء:
-طيب تمام، سيبهم وأنا هشوفهم.
أومأ برأسه تاركًا الأوراق أمامه على المكتب، في حين ظل ينظر للأوراق لكي ينهي عمله، ثم تمدد بجسده بعد أن أنهه، متراجعًا بظهره للخلف على مقعده، يطقطق عنقه ويأخذ أنفاسه، ثم أمسك بعدها كوب قهوته يرتشفه وهو ينظر جهة الأوراق أمامه الخاص بالأطباء والعاملين بتركيز، ينظر جهة خبراتهم وعملهم، ثم من ينال إعجابه يقوم بالتوقيع عليه، ليتحول لقسم الموارد البشرية، ولكن جحظت عيناه وانتفض واقفًا، حتى أنه أسقط كوب قهوته أرضًا، وهو يجد أسوأ كوابيسه بين يديه، وأمامه تقبع صورتها وأسفلها مكتوب اسمها "جنا عزيز عبد الحميد العربي".
ظل ينظر جهة الاسم بصدمة، وهو يجدها قد تقدمت للعمل بالفعل، لينتبه للأمر، ثم وضع ملفها جانبًا، وقام بالبحث عن ملفين آخرين، ليجد كما توقع ثلاثتهم أمامه: "شيرين صالح" و "أميرة سعد". ليلقي بالثلاثة ملفات أمامه، يناظرهم بغضب وهو يقول بضيق: -الثلاثي المرح، ها؟ مسح وجهه بكفيه بضيق، ثم تحرك في المكتب جيئة وإيابًا بتفكير، ماذا يفعل؟ أيقبلهم أم يرفضهم؟ فهو يعلم أن قبل أحداهن، لن يأتون، ف ثلاثتهم معًا. إذا أيقبل أم يرفض؟
ضغط على شفته السفلى، الأمر يثير غيظه وضيقه، يخشى من حدوث رد فعل غير متوقعة بينهم وبين باسل، وهو من ظن بأنه انتهى من الأمر، ولكن لا، يبدو بأن للأمر بقية. إذا ماذا يفعل؟ أمسك ملفاتهم يدرسها، ليلقيها أرضًا بغيظ، الملفات لا يشوبها شائبة، مؤهلاته وخبراتهم جيدة، إذا ماذا يفعل؟ أيرفضهم من العمل وهم من اقترحوا عليهم ذلك، وبالتأكيد أنهم طمأنوهم بالمقابلة بأنهم قد نالوا العمل؟ أيعترض على سير القدر ويقف بطريقه؟
أم يترك الأمر يسير كما هو، ويترك الأقدار لتتلاقى؟ بدأ يشد خصلاته بضيق، ليتحرك واقفًا ينظر من زجاج نافذة مكتبه بتفكير، ماذا سيفعل إذا؟ وماذا سيقرر؟ ***
كانت تجلس بمنزلها، إلى أن وجدت رنين هاتفها يصدح باتصال، لتفتحه لتجد بأنه تم قبولها بالعمل وستبدأ من الغد، فرحت بشدة وسعادة، لتركض قائلة لأهلها وتفرحهم وسط مباركاتهم وفرحتهم، وفجأة وجدت هاتفها يصدح برنينه مرة أخرى، ركضت تنظر جهته لتجده اتصال من باسم، نظرت جهته بتعجب، وما هي إلا ثوانٍ وفتحته حتى هتفت به قائلة بتعجب: -الو. أجابها باسم بهدوء: -الو يا جنا، عاملة إيه؟ أجابته برقة: -الحمد لله. -عمي عامل إيه ومرات عمي؟
أجابته بهدوء: -الحمد لله. صمت لبرهة من الوقت، لتسأله بتعجب: -باسم؟ همهم بهدوء، لتجيبه بتساؤل: -يعني سكتت كتير؟ عاوز تقول حاجة؟ صمت لبرهة من الوقت، ليقول بعدها بخجل: -جنا، كنت عاوز أطلب منك طلب. -اطلب. كانت إجابتها بسيطة، ولكنها لم تكن مستعدة لإجابته التي صدمتها، وهو يجيبها بنبرة قاطعة: -أنا جاي مصر، وكنت عاوزك تحددي لي معاد أو وقت أعرف أتكلم فيه مع شيرين لوحدنا وبراحتنا. قطبت جبينها بتعجب، لتسألها بتعجب:
-هتكلمها في إيه؟ أجابها بحزم ونبرة قاطعة: -هعترف لها بحبي وبمشاعري.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!