الفصل 19 | من 30 فصل

رواية ملكة قلبي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مريان بطرس

المشاهدات
18
كلمة
5,248
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

وقف ينظر إليها، يتابعها بعينيه. لماذا؟ لماذا تجذب عيناه بتلك الطريقة؟ لماذا جمالها خلاب هكذا بالنسبة له؟ يالله، لقد احترق بالفعل. احترق كل ما بها يحرقه. تثير عيناه للنظر إليها بطريقة عجيبة، عيناه تتابعها أينما ذهبت، إجبارًا وليست بإرادته. قطب جبينه بتعجب. لما؟ لما يحدث هذا معه؟ يشعر بأنه أصبح كالأبله، لا يستطيع السيطرة على أعضائه. ما به هكذا؟

لقد احترق حقًا. لقد أحرقته تلك الفتاة صاحبة العيون السوداء الجميلة. ولكن هذه ليست المرة الأولى التي يرى بها عينان سوداء وخصلات سوداء طويلة كسواد الليل. إذا لما تجذبه تلك العيون بالذات؟ لما يشعر حينما تتكلم إليه بأنه يتوقف الوقت؟ فليقل الحق، هو لم يكن من محبي الخصلات السوداء أو العيون السوداء أبدًا. دائمًا ما يشعر بأن العيون السوداء غامضة، قاتمة، لا توحي بأي بهجة، لا تعطي للحياة أية ألوان البتة. إذا لما؟

لما تلك العيون السوداء بالذات؟ يشعر بأنها تحوي أسرار العالم كله. يشعر بأنها تتقلب وتحوي الكثير من الكلام والقصص والحكايا. لما؟ لما تثيره عيناها بتلك الطريقة؟ حقًا سيجن. سيجن قريبًا بالفعل. تفكيره سيقتله.

منذ تلك اللحظة التي توقف فيها أمامها كالآبلة، يرغب فقط باحتضانها. رغبة قوية اكتنفته في تلك اللحظة بأن يذرعها داخل أحضانه ويحتويها. رغبة رعناء امتلكته بأن يحتويها داخل أضلعه ويضغط عليها داخله وأن يهدأها، صارخًا بقوة بأن لا تخف من شيء أبدًا، فهو ها هنا ولن يستطيع أحد لمسها بوجوده. مسح على وجهه بضيق وعنف، لدرجة شعوره باهتراء جلد وجهه. لما؟ لما لم تذهب تلك الرغبة حتى الآن؟ لما لديه تلك الرغبة حتى الآن بأن يحتضنها؟

لما لم تذهب؟ لما مازالت عيناه تتبعها؟ ما هذه الحالة التي وصل إليها؟ فليجبه أحد رجاءً. ما هذا البئر الذي سقط به؟ ما هذا الوحل الذي غاص به ولم يتوقف حتى الآن؟ بل إنه يزداد في الغوص به كلما رآها. يشعر بنفسه يقف على رمال متحركة تسحبه لأسفل، وهو كلما ازداد في المقاومة يكون سقوطه بها أسهل وأسرع. تلك الحالة التي هو بها مخيفة حقًا، مخيفة.

التفت ينظر جهتها، يتابعها ويتابع ركضها مع صديقتيها وأخته. بابتسامتها المستمتعة، تبدو كطفلة صغيرة تلهو. كطفلة بضفائر تلعب معهم الغميضة، في حين تنطلق ضحكاتها منبعثة بالمكان. كزقزقة العصافير التي تدخل البهجة بالمكان، والتي لا يسعك سوى أن تبتسم عليها. ضحكاتها تدخل البهجة لقلبه، تدغدغ شرايينه وأوردته. عيناها التي تلمع بفرحة وسعادة كطفلة صغيرة تجعل ابتسامته ترتسم لا إراديًا على وجهه. هي أشبه بنجمة لامعة بالفعل، لا يسعك سوى التطلع إليها بانبهار.

أغمض عينيه، ينفخ بفمه بضيق. ماذا فعلت له تلك الفتاة التي حطت فوق رأسه مرة واحدة؟ هي لم تفعل شيئًا حقًا، لم تفعل شيئًا. إذا لما تثير عيناه لمتابعتها هكذا؟ لما تثير مشاعره بتلك الطريقة؟ حقًا لا يعرف، بالفعل لا يعرف. انتبه على صوت أخته تصرخ بلهث: "لا خلاص، تعبت كفاية." ارتفعت ضحكاتها لأعلى كسيمفونية عذبة. ثم قالت بلهث: "تعبتي؟ نظرت لها صاحبة

عيون القمر قائلة بضيق: "متسأليش، تعالي انتي خدي مكاني وانتي تعرفي بتحسي إنك بتلفي حوالين نفسك. تعبت فعلاً." انطلقت ضحكاتها أكثر لتقول جنا بتعب: "أنا فعلاً تعبت وجوعت جدا." أومأت نهلة قائلة: "وأنا كمان هموت من الجوع. يلا نروح ناكل، لأن شوية وهتلاقي باسم بيطلبكم ويقول كفاية لعب." لتومئ جنا برأسها قائلة بهدوء: "معاكي حق." ثم تحركت قائلة بهدوء: "يلا يا بنات علشان ناكل." تحركت الفتيات،

في حين قالت أميرة: "أنا كمان شوية هيغمى عليا من الجوع. تعرفوا إن ما اتعشيتش امبارح كويس؟ أنا يعتبر ما أكلتش." انطلقت ضحكاتها وهي تقول بمرح: "قصدك منسفتيش الأكل، كل اللي أكلتيه ده وما أكلتيش." نظرت لها بطرف عينها قائلة بغطرسة: "لا أقصد ما زودتش في الأكل علشان بالليل والكوابيس. لكن لو كده كنت أكلت بجد."

انطلقت ضحكات الفتيات لترتسم الابتسامة على وجهه. حقًا هؤلاء الفتيات أضفن ألوان الطيف إلى منزلهم. منهم الهادئ، منهم المازح، منهم الناعم، ومنهم المشاكس. ولكن إن كان سيقول الحق، فهم أشبه بجواهر ثمينة حقًا. لا يمتلكهم الكثير، ومن يمتلك إحداهن عليه الحفاظ عليها بشدة. كل واحدة منهم لها لونها وخواصها المختلفة، ولكن يجتمعن بأنهن أحجار كريمة ثمينة لا تقدر بثمن، حتى وإن اختلفت ألوانها وظروف تكوينها وخواصها.

انتبه على صوتها تقول بخجل: "مش هتقولوا للدكتور باسم ييجي يأكل معانا؟ ده شغال من الصبح." هزت نهلة رأسها قائلة بهدوء: "باسم مبيغلبش ومبيستناش. أما بيجوع بيروح ياكل، وممكن تلاقيه متربع وبيأكل مع حد من العمال." تفاجأت بها تلف بوجهها تنظر جهته، ولكن ما إن اصطدمت به ووجدت عيناه تتابعهما حتى احمرت وجنتاها بشدة، لتلف وجهها تجاههم مرة أخرى قائلة بخجل: "بس ميصحش، على الأقل اعزموا عليه."

ضحكوا جميعًا على خجلها الواضح، ليلفوا وجوههم تجاهه ليجدوه يقف يتابعهم واضعًا يديه في جيبي بنطاله الخلفي. لتزداد ضحكاتهم ارتفاعًا، ليرتفع صوت نهلة قائلة بمرح: "واديه سامعك أهو، ولو عاوز ياكل هييجي. إحنا مش مخبيين عليه." ابتسامة مرحة ارتسمت على وجهه، لتهز جنا وجهها بابتسامة ثم تحركت عائدة له لتقول بهدوء: "باسم تيجي تتغدى معانا؟ هز رأسه نافيًا،

هو يقول بهدوء: "لا، أنا عندي شغل محتاج أراجع الملفات بتاع الشغل، وكمان هروح أتابع العلف للحيوانات، وغير ما عاوز أتصل بكام تاجر علشان أحصل باقي فلوسنا." زمت شفتيها بشفقة عليه لتقول بضيق: "كل حاجة هتتعمل، بس كل لقمة الأول." هز رأسه بالنفي، ليربت على كتفها قائلة بمودة: "روحي كلي انتي بالهنا والشفا، وبعد ما تخلصي تعالي." أومأت برأسها، ثم تحركت معهم للذهاب، وهي تقول لهم بحزن: "مش فاضي ياكل." هزت نهلة

برأسها قائلة بلا مبالاة: "شوية وهتلاقي أمي بعتاله أكل، ولا هتلاقيه قعد يتغدى مع الرجالة. متقلقيش، دي عادته."

لم تعرف لما، ولكنها حزنت بالفعل عليه. هو يحمل هم الجميع، يعمل بتلك المزرعة الكبيرة التي تُقدر بالملايين، وحده تاركًا الحمل عليه، رافضًا أن يُتعِب جده أو والده. هو ليس سيئًا بتلك الطريقة أو أنه قاسٍ، هو فقط صعب المراس على ما يبدو. ولكن داخله يبدو حنونًا، وذلك يظهر بتصرفاته الحنونة على من حوله. ابتسامته الحنونة لجده ولجنا، مسئوليته تجاه عمله، طوله باله معهم. ولكن الوحيدة التي يظهر لها أحيانًا طبعه البربري هي أخته الوحيدة نهلة. ولكن حقًا هي تستحق ذلك، فهي فتاة صعبة المراس، عنيدة، لا تأبه لأفعالها أو ردودها. لذا فهي تثير جنونه وخوفه عليها ليس إلا. ولكنه في العموم يبدو شاب جيد، خلوق ومحترم. ولكن ما يعيبه غضبه، وأيضًا أنه يدخن التبغ في بعض الأوقات.

تحركت تتبعهم، ولم تنسَ أن تلقي نظرة أخيرة عليه، لتجد عيناه تتابعهما وهو على نفس وقفته. تورّدت وجنتاها بالخجل، ثم ركضت لتلحق بهم. أما هو، فما إن تأكد من ابتعادهم حتى جهر بصوته قائلًا: "واد يا عارف، هات أرقام التجار نتصل بيهم. عاوزين باقي فلوسنا. إحنا مش مدينهم البهايم سلف ولا هدية." ثم تحرك جهة مكتبه، في حين ركض الفتى خلفه قائلًا بطاعة: "تحت أمرك يا دكتور." ***

ظلت تقدم قدم وتؤخر الأخرى، تشعر بأنها تفتعل فعلة حمقاء. إلى أن توقفت مكانها وهي تشعر بانصهار عظامها داخلها. ما هذا الذي تفعله؟ ما شأنها هي بأمره؟ إذا كانت أخته لم تهتم، فلما تهتم هي؟

لفت ظهرها للذهاب، ولكنها توقفت مكانها وقلبها الحنون يرق عليه مرة أخرى. هو لم يأكل شيئًا منذ الصباح، بالطبع جائع. بل إنه يعمل ويتحرك على قدميه هنا وهنا ولم يرتح أبدًا. إن لم يأكل شيئًا سيسقط من المرض لا محالة، وهو حتى لم يتفرغ أبدًا ليطلب طعامًا لنفسه. ووالدته ليست هنا لتفكر به، بل إنها ذهبت لجدته وأخته.

ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيها. فهو كان الله في عونه منها، فهي منذ تلك الصفعة التي تلقتها وبما أنه لم يعتذر منها، لم تهتم به أبدًا. فليفعل ما يشاء، فهي غاضبة منه وبشدة ولا توجه له الحديث أبدًا. وهو يبدو أن غروره يمنعه من الاعتذار. لا تعلم، غرور أو اعتقاده بأنه على صواب، ولكن الأمر برمته بينهم متوتر. لذا فهي لن تهتم به أو بطعامه. هي قالت لها بانه له أرجل والمنزل ليس بعيد، فليأت ويأكل كما يريد أو ليذهب حيث يريد. لا تهتم.

كم تتعجب لحال غضبهم، فهي لم تكن لتغضب على أخيها قط مهما حدث، بل إنها لم تكن لتنام غاضبة منه. فهي أقوى علاقة على مر التاريخ. ولكن هذان الاثنان لديهما رؤوس الثيران.

نفخت الهواء من فمها لتبعد عنها التوتر. يجب عليها أن تعطيه الطعام. قلبها لا يطاوعها على رؤية قطة جائعة تتحرك بالمكان، فما بالك بإنسان جائع غير متفرغ لنفسه. ضميرها لن يقبل أبدًا، لن يقبل بأن تملأ معدتها من طعامهم في حين صاحب المنزل يتحرك بمعدة تكركر من الجوع. هي لن تتحمل هذا حتمًا. نفست الهواء من فمها، ولكن ما هو العذر الذي سيجعلها بكل وقاحة تأخذ طعامًا من منزلهم لتتحرك به تجاهه دون إذن من أحد؟

حتى ابنة عمه لم تفعلها، أو أخته، وقد فعلتها هي الغريبة. وماذا سيكون تفكيره عنها وهي تجلب له الطعام كزوجة تهتم بصحة زوجها؟ هزت رأسها بالنفي. ليس هكذا أبدًا، وهي لا تفكر به هكذا. ولكن أن ترى أحدهم جائع. صمتت لتضرب بقدمها الأرض، لينتصر كبرياؤها عليها. لتلف ظهرها عائدة للخلف، حينما سمعت صوته يهتف بتعجب: "شيرين!! كنتِ عاوزة حاجة؟ شايفك كنتِ واقفة من شوية وبعدين مشيتي، كنتِ عاوزة حاجة ومكسوفة تقوليها؟

أغمضت عينيها تكاد تعتصرهم. حسنًا، ها قد كُشِفَ أمرها ولا مجال للتراجع الآن. فلتتحدث باحترام للحفاظ على كرامتها. لذا لفت وجهها تجاهه وقد احمرت وجنتاها بالخجل، وهي تتشدق بتعثر خجول بالكاد تستطيع لملمة حروفها لتكوين جملة: "بـ بصراحة كـ كـ كدة يعني ااا أنا كنت جايبالك الغدا." قالت آخر كلمتين بسرعة رهيبة. ليقطب جبينه ليجمع كلماتها. ثم ما إن ازدادت عقدة جبينه أكثر، متسائلًا بنبرة مصدومة متعجبة: "غدا؟

أغمضت عينيها بشدة تكاد تعتصرهم، وهي تلعن داخلها وقلبها الذي سمعت إليه ونفذت أفكارها المجنونة تلك. ليبتسم هو عليها وعلى تصرفاتها الطفولية، ليتساءل ثانية بابتسامة متسلية: "غدا إيه يا شيرين اللي جايباه أنا؟ ما طلبتش أكل. مين اللي باعتاك بيه؟ ازداد غلق عينيها أكثر، في حين انحرقت وجنتاها بالكامل من الخجل. لتزداد ابتسامته استمتاعًا أكثر. هل تظن أنه بتلك الطريقة سيختفي من أمامها أم ماذا؟

حقًا حركاتها الطفولية تلك تمتعه وبشدة. ولكنه مع ذلك أخفى استمتاعه متسائلًا بتعجب: "شيرين مجاوبتنيش." فتحت عينيها تنظر له، لتجد عيناه الضاحكة تنظر جهتها بمكر. لتحمر وجنتاها أكثر، ثم بدون تفكير، سرعان ما رفعت يدها لتحاول المسح على وجهها. ويبدو أنها نسيت ما تحمله من طعام من شدة توترها، لتهتز الصينية بيدها. لتشهق بسرعة، في حين انتبه هو لحركاتها تلك، لتمتد يده بسرعة يسندها معها وهو يهتف بخوف: "حاسبي!

أسرعت لتعيد يدها تسندها معه، في حين نظر جهتها قائلًا بمرح: "شكلك نيتك مش صافية تجاهي، علشان كده عاوزة تأكلي الأرض الأكل بدل مني." لم يكن هناك مكان بوجهها ليقف الدم به بعد. فليرحم خجلها رجاءً ولا يزيد الطين بلة. ولكنه لم يفعل، وهو يقول باستمتاع ماكر: "ها، مجاوبتنيش يا دكتورة على سؤالي؟ مين باع الأكل؟ أنا ما طلبتش." قضمت شفتها السفلى بضيق من ذلك الرجل، لترفع عينيها تجاهه

مجيبة بخجل وحروف متعثرة: "بـ بصراحة أنا لقيتك ما ماكلتش ومش فاضي تاكل، فـ فـ اتكسفت إني الضيفة آكل وصاحب البيت ما يذوقوش. وحسيت إني لو مجبتش أكل ليك مش هيبقى عندي دم وناكرة للنعمة والجَميل."

لمعت عيناه بشدة في تلك اللحظة، كنجوم السماء متلألئة بالفرحة، كطفل صغير حصل أخيرًا على حلوته المفضلة. لم يتذكر يومًا اهتمام أحد به في مسألة الطعام سوى والدته. حتى أنها أحيانًا لا تهتم لأنها ترى أن المنزل ليس بعيد وإذا جاع فليأتي. لذا فإنه كان أحيانًا من شدة جوعه يأكل مع العمال نظرًا لعدم تفرغه، وأحيانًا من حزنه وهو يحول عينيه بينهم وهو يجد نساءهم تجلب لهم الطعام ليأكلوا ويستمتعوا بالطعام المحمل بالحب والحنان. تصرفاته

طفولية، نعم يعلم، ولكنه يريد من هذا حقًا. يريد أن يتذكره أحد. يريد أن أحد يهتم به. أحيانًا لا يأكل ويتعب قصدًا ليتذكره أحد منهم، ولكنه نادرًا ما يحدث ذلك. وإن حدث، فإنه كواجب فقط. لذا دائمًا ما كان يشعر داخله بالحزن. فهو حتى إن ذهب للمنزل لا يجد من ينتظره لتناول الطعام، إنما يجدون قد أكلوا وشبعوا، وإن أحضروه له يأكل فقط وحده، وهو لا يحب ذلك. يريد أن يتذكره أحد،

يريد أن يقول أحدهم: "لم أستطع أن آكل وأنت جائع." يريد أن يشاركونه طعامه وحياته. ولكنه يبدو كفتاة متطلبة أو كطفل بكاء بتلك الطلبات، لذا كان يصمت، كاتمًا رغبته داخله. انتبه على صوتها وهي تمد الصينية، تتشدق بخجل حذر: "أنا آسفة إن كنت اتصرفت بوقاحة إني أتحرك كأنه بيتي، بس دي طبيعتي. معرفش آكل وحد جعان." ارتفع وجهه لها بصدمة، محيبًا باستنكار: "وقاحة؟ أومأت برأسها بخوف، ليسحب منها الصينية مجيبًا

بهدوء: "لا، دي لفتة رقيقة جدًا. أنا متشكر جدًا ليها." ثم رفع وجهه لها متشدقًا بابتسامة سعيدة: "أنا مش عارف أشكرك إزاي. أنا كنت فعلاً جعان جدًا وما افتكرتش ده غير وأنا شايف الأكل." ابتسمت جهته مجيبة بهدوء: "بالهنا والشفا." ثم تحركت للذهاب، حينما سمعته يهتف من خلفها: "شيرين." لفت وجهها تجاهه مجيبة إياه بابتسامة ناعمة: "نعم يا دكتور." قضم شفته السفلى ناظرًا لأسفل جهة تلك الصينية التي يحملها بين يديه. كيف سيطلب منها هذا؟

أو كيف سيقوله ولا يظهر كالطفل الصغير أمامها؟ فيما هي نظرت جهته متسائلة بتعجب: "خير يا دكتور، كنت عاوز حاجة؟ رفع وجهه تجاهها قائلًا بهدوء: "إن ما كنتيش أكلتي، ممكن تأكلي معايا؟ قطبت جبينها بتعجب، ليكمل هو بخجل واضح: "بصراحة كده، أنا مبحبش آكل لوحدي. مش بعرف، فلو ما كنتيش أكلتي ممكن تأكلي معايا، أو حتى تقعدي معايا تكلميني وأنا باكل. تهونّي عليا الوحدة ده، إن ما كنتش هازعجك يعني." ظلت تنظر جهته بتعجب، ليزم شفتيه قائلًا

بضيق: "وإن رفضتي، فممكن تاخدي الأكل وترجعي، وأنا هبقى آكل مع حد من العمال." ظلت تفرك يديها معًا بتوتر ممزوج بالخجل. كيف تقول له بأنها لم تأكل جيدًا، أو بمعنى أدق لم تأكل؟ فهي كان كل تفكيرها في كيف سينظر جهتها بعد حركتها الرعناء تلك، وكانت تفكر أتذهب أم لا. لذا فهي جائعة حقًا. ولكن كيف تأكل معه؟ كيف؟

أما هو، فحينما وجد توترها الواضح وحركات عينيها الهاربة منه في كل مكان سواه، علم أنها لا تريد إحراجه. لذا مد يده لها بالصينية قائلًا بحزن واضح، وقد انقلبت سحنته مائة وثمانين درجة وقد اسود وجهه من الحزن بعد أن كان يلمع من الفرحة، متشدقًا بضيق طفولي: "خلاص، اتفضلي. مش عاوز." ابتسمت جهته بحنان، لتومئ برأسها قائلة بهدوء: "أنا هاكل معاك." رفع عينيه جهتها بفرحة متسائلًا بسعادة طفولية: "بجد؟

أومأت برأسها له، ليشير جهة مكتبه بسعادة، قائلًا بفرحة عارمة: "اتفضلي." تحركت خلفه، يتبعها هو بفرحة كبيرة. لا يعلم أ لأنه سيأكل أخيرًا بعد أن كانت معدته تزقزق من الجوع، أم لأنها ستأكل هي بالاخص معه، أم لأنها تذكرته هو من الأساس. ولكن كل هذا لا يهم، المهم فليتمتع بتلك اللحظة، أن يأكل برفقة تلك الفتاة الحنونة الرقيقة، وليرجئ تحليل مشاعره فيما بعد. ***

كان يجلس بمكتبه، يدق بقلمه على سطحه وهو ينظر جهة الأوراق أمامه بتدقيق. إلى أن اقتحمت عيناه فجأة عيون رمادية تظهر على أوراقه، وابتسامة مشاكسة ترتسم على شفتين شهيتين مكتنزتين تتناسب بالفعل مع تلك الجوهرتين العجيبتين، وصوت مشاكس وناعم في نفس الوقت يخترق مسامعه يعلن عن سيطرة وهيمنة صاحبته. لترتسم الابتسامة لا إراديًا على وجهه وهو يتذكر قوتها وسيطرتها ومشاغبتها. إلى أن اقتحمت عقله لآلئ ثمينة تتساقط من عيون رمادية. صوت

منهزم منكسر يخترق أذنيه أشعره بالألم بداخل صدره. عند تلك اللحظة اكتنف الألم بصدره أكثر، ليضرب بكفه لا إراديًا على سطح مكتبه، مغمضًا عينيه بشدة عله يمحو تلك الخيالات من رأسه. ذلك الصوت، تلك العيون، تلك الابتسامة، تلك الدموع، تلك الشقاوة، وذلك الجبروت، كل شيء. يمحو كل شيء. ولكنه لم يبتعد، أنما سحبه إليه أكثر. ليطيح بالقلم أرضًا، ضاربًا على سطح مكتبه بقوة أكبر.

ثم تشدق بغضب: "اخرجي من دماغي بقى." كان صوته مرتفعًا بشدة، لدرجة أن ذلك الداخل إلى مكتبه قطب جبينه بعد أن فتحه، متسائلًا بتعجب: "مين دي اللي تخرج من دماغك؟ تنفس الهواء داخل صدره عله يهدأ. في حين قطب الآخر جبينه بتعجب، ثم سأله ثانية وهو يحول أنظاره ما بينه وبين هاتفه الموضوع على سطح مكتبه: "نبيل، أنت بتصرخ في مين؟ انتبه إلى نظراته. إذا، فهو يظنه يتحدث بهاتفه. هذا أفضل من شعوره بأنه قد جُن. ولكنه لم يريحه،

بل تشدق بهدوء: "اتفضل يا باسل، كنت عاوز حاجة؟ انتبه باسل إليه وإلى أسلوبه في تغيير مجرى الحديث، ليومئ برأسه وقد احترم رغبته في عدم الإجابة. ليتحرك تجاهه قائلًا بهدوء: "كنت عاوز أسألك، راجعت بنود العقد اللي جاي وإيه رأيك فيه؟ أومأ نبيل برأسه قائلًا بهدوء: "كنت براجعه دلوقتي، بس لسه مخلصتوش. هخلصه وهأقولك، بس الشؤون القانونية قالوا تمام، بس طبعًا لازم أراجعه وأتأكد قبل ما ناخد أي قرار."

أومأ باسل برأسه، ليصمت لبرهة، ناظرًا أرضًا وهو قاطب جبينه، في حين كانت أصابعه تدق على سطح مكتب الآخر بنغمة روتينية. ليقطب نبيل رأسه متسائلًا بتعجب: "فيه إيه تاني؟ أنت عاوز تقول حاجة؟ أومأ باسل برأسه وهو يقول بهدوء: "آه، كنت هقولك تامر اتصل." اعتدل نبيل في جلسته وهو يتساءل بتعجب: "تامر بدر الدين؟ أومأ باسل برأسه وهو ما زال صامت. ليميل نبيل على مكتبه مقتربًا من الآخر أكثر، وهو يتساءل بلهفة

وخوف لم يستطع مداراتهما: "وعاوز إيه؟ رجع باسل خصلات شعره للخلف وهو يقول بهدوء: "عاوز شغل. بيقول إنه محتاج يستورد مننا صفقة لحوم، نظرًا لأن اللحوم المصرية دبحها حلال، فبتبقى مطلوبة للعرب بره مصر جدًا عن اللحوم الأجنبية، وبتخلص بسرعة." بلاهة حلت عليه في تلك اللحظة. مال تامر ومال اللحوم؟ هذا ليس عمله أبدًا ولا مجاله. ليرفع حاجبيه وهو يمط شفته قائلًا

بتعجب: "غريبة. يعني أنا توقعت بيسأل على ليليان، بيتخانق معاك إنك بتوافق إنها تشتغل هنا وتسيب أهلها في لندن. لكن إن يطلب حاجة زي كده، دي غريبة. ده مش مجاله أصلًا. يعني تامر شغال في السياحة، ماله ومال اللحوم والأكل؟ هز باسل كتفيه وهو يمط شفتيه وهو يقول بإرهاق: "ده كان جوابي برده." "هاه؟ وكان إيه رده؟ مسح على وجهه بتعب مجيبًا

إياه بهدوء: "إنه عاوز يتوسع في شغله، وموضوع اللحوم بالذات والأغذية المصرية أو العربية مطلوبة جدًا. وزي ما قولتلك، قال إنها مطلوبة علشان مضمون دبحها حلال ومكسبها مضمون، ومش هيلاقي أحسن وأضمن منا يستورد منه. وهيجرب. الموضوع نجح، هيتوسع فيه. فشل ومعرفش يوزعه، هيوقف فعلشان كده هيبدأ بشحنة صغيرة." ظل نبيل يدق بسبابته على جبهته بتفكير. الأمر.. ماذا يقول؟

الأمر غريب، ليس بالطلب فهو عمل، إنما تامر وباسل. من المعروف أن باسل لا يرتاح لـ تامر البتة. ليس بالعمل، فتامر نظيف بعمله جدًا، لا يفعل به شيئًا مريبًا، ولا يقبل بشيء يورطه أو يضعه بخطر. إنما هو حريص بشدة على اسمه وسمعته ومكانته، ولن يقبل بشيء مهما كان صغيرًا أن يلطخ مكانته. ولكن الأمر يتعلق بالعلاقة الشخصية بينهم. فهم ليسوا على توافق جيد. تامر شخصية حادة، قاسية الطباع، لا يقبل المهادنة أو الحلول الوسطى. لا يقبل أن

يكون طرفًا، بل يريد أن يحصل على كامل الانتباه. أي خطأ صغير معه يجعله يطرد كافة الموظفين المسؤولين ولا يقبل بحل. وهذا ما يمقت به باسل، تلك القسوة التي به وذلك القلب الحجري الذي يمتلكه يجعل باسل يشمئز من العمل معه. في حين أن باسل على النقيض. نعم، يرفض أن يضر اسمه ومكانته بشيء. يرفض أن أحدًا يخطئ معه، ولكنه لا يؤذي أحدًا. يبحث دائمًا عن حل، لا يحب قطع رزق أحدهم. باسل يمتلك قلبًا ماسيًا يختلف تمامًا عن ذلك القلب الفولاذي

الذي يمتلكه الآخر. لذا فالتوافق بينهم معدوم. أضف عليه ضيق وغضب تامر من باسل بسبب مشاعر ليليان تجاهه، والتي لا يمتلك هو لها حلًا. ولكن الآخر يعشق أخته بجنون، وقد وظف نفسه حاميًا لها وملبيًا لكل طلباتها ورغباتها ورافضًا لكل ما يؤلمها. لذا فرفض باسل لحب ليليان، حتى وإن كان بغير إرادته، يشكل حساسية وضيق بينهم. لذا زم شفتيه متسائلًا

بخفوت: "وإنت رأيك إيه؟ ظل صامتًا لبرهة، إلى أن وجده يزفر أنفاسه قائلًا بإرهاق: "مش عارف، لسه بفكر." هز نبيل ساقه بتوتر، إلى أن قال أخيرًا: "انت عارف إن الشغل شغل، وتامر في الشغل مابهزرش ونضيف جدًا في شغله وملوش في العوج." أومأ برأسه، ولكنه أجابه بهدوء: "بس برضه عارف إن تامر مؤذي ولسعته والقبر. وأخاف من أي حركة غدر منه." صمت للحظة،

ولكنه أكمل بهدوء: "مش معنى كده إني مش هعرف أتصاله. بالعكس. بس مش عاوز العلاقة بينا تتوتر أكتر. وكمان ليليان وعمي برهان هتتوتر العلاقة بينه وبين بابا، فمش عاوز أتوضع في الخانة دي." أومأ برأسه، ليرفع هو عيناه تجاهه متسائلًا بإرهاق: "انت رأيك إيه؟ ما هو أنت شريك برده في الليلة دي." هز رأسه متشدقًا

دون اكتراث: "مش عارف. الموضوع جه فجأة ولازم نفكر فيه كويس. يعني من حيث المكسب والخسارة، زي ما قولتلك، هو أه نضيف في شغله، بس مؤذي ولسعته والقبر، والعلاقة بينكم من الأساس متوترة، فـ أي توتر زيادة بينكم هيوتر الوسط كله. فـ مش عارف، لازم نفكر كويس." أومأ برأسه، ليقف متحركًا جهة الخارج، حينما سمع الآخر يهتف باسمه بخجل، ليدير ظهره جهته بتساؤل. ليجده يسأله بتلعثم: "باسل، هو يعني أقصد، محتاجين مواشي تاني من المزرعة؟

نفى برأسه وهو يجيبه بتعجب: "لا مش محتاجين. إحنا لسه جايبين حمولة من أقل من أسبوع تكفي دفعة العقد اللي معانا وزيادة، ولسه مخلصنهاش، وميعاد توفية العقد مجاتش. هنجيب تاني ليه؟ أومأ نبيل برأسه صامتًا. وما إن تحرك باسل حتى وجده يهتف باسمه ثانية. لينفخ بفمه بضيق وهو يدير ظهره تجاهه، ليجده يستدير من حول مكتبه إلى أن وقف أمامه قائلًا

بخجل: "أنا آسف يا صاحبي. مكنش المفروض أقول كلام زي اللي قولته أو أشكك فيك. وأنا عارفك أكتر من أي حد. بس أنا مش عارف كان مالي. كنت غضبان جدًا إني كنت السبب في ضربها، وغضبان أكتر من رد فعلي المبالغ فيه. قوم طلعت كل غضبي عليك." ثم ربت على كتفه قائلًا بخجل: "سامحني. جات فيك أنت. أول وآخر مرة."

ظل باسل ينظر جهته بهدوء. بالفعل، هي أول مرة تحدث بينهم. أن كان أحدًا يجب أن يقال أنه أكثر من ينفلت عقال غضبه بين ثلاثتهم، فهو باسل. أما فارس، بحكم طبيعة عمله، لديه قدرة كبيرة على الثبات الانفعالي. أما نبيل، فدائمًا بارد. في حين أنه هو أكثر من يتقلب كأمواج البحر. مازح أحيانًا، غاضب أحيانًا أخرى، وغضبه يكون ك انفجار البركان. وهم للحق يتحملونه ويهابون غضبه. لذا لا ضير بأن يتحمل غضبهم ليوم. ليومئ برأسه قائلًا: "حصل خير."

"يعني مش زعلان؟ تسائلها بأمل واضح. ليومئ برأسه، ولكنه أجابه بمزاح: "يس، يكون أحسن لو تبعد تفكيرك عن البنزين اللي شوفتها دي، لأنها ه تربيك لو فكرت تحبها. هي حلوة أه، لكن بصراحة مشكلجية وهتخلي شعرك يشيب بدري. لأنها الوحيدة بلا استثناء اللي قدرت تدوب برودك وتخليك عامل زي البركان اللي على وشك الانفجار. فـ بلاش أحسن."

ضحك عليه ولم يجب. في حين داخله يتساءل إن كان بيده القرار، فسيبتعد ويختار أحدًا هادئة، جميلة، رقيقة. ولكن هل لديه تلك الرفاهية؟ فالقلوب خارجة دائمًا عن السيطرة. ليبتسم له باسل. ثم تحرك للخروج. ولكن ما إن خرج حتى تفاجأ. يا ترى باسل اتفاجأ بإيه؟ هيعمل إيه باسل مع تامر؟ وياترى تامر ناوي على إيه؟ نبيل هيعمل إيه؟ باسم وشيرين الدنيا بينهم هتمشي إزاي؟ باسل وجنا هيقدروا يجتمعوا تاني وإزاي؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...