تحركت لتقف أمامه، ثم نظرت داخل بؤبؤ عينيه قائلة بشر: "إنت بقى بتاع الأحلام والكوابيس؟ نفى برأسه، في حين كانت عيناه تتطلع بها. يا الله، كانت جميلة، بل بارعة الجمال، بشرة بيضاء فاتحة، عيون رمادية رائعة، وخصلات شعر سوداء تكاد تصل لنهاية خصرها.
أما هي، فحينما رأت تطلعه القريب بها، ارتفع حاجبها الرفيع بأناقة مع ابتسامة ناعمة، ثم كشفت بعدها عن أنيابها. لترفع ساقها ثم تنزلها على قدمه، تدهسها بكعب حذائها الرفيع. ليصرخ هو متأوهاً، في حين تغرز هي قدمها به أكثر وهي تقول: "ما تفوق كده وأنا بكلمك، إنت هتنام؟ اتسعت أعين الجميع، في حين تراجع فارس للخلف بخوف. أما باسل، فقد ازدرد ريقه برعب. "ماتلك الفتاة؟ إنها حقاً مرعبة، أشبه بإحدى مصاصي الدماء."
في حين اتسعت عينيه أكثر وهو يجدها ترفع ركبتها تنوي ضربه بمعدته. هنا تحركت جنا تركض إليها، تقترب منها وهي تهتف برعب: "نهلة! نهلة! اهدى! مش هو ده! مش هو! حولت عيناها جهتها بعدم تصديق، لِتُومئ برأسها بخوف، وهو يقول برعب على ذلك الشاب الذي أصبح يحتاج إلى قدم الآن: "مش هو! والله مش هو! ابعدي عنه، إنتي خرمتيله رجله! تنفست بقوة لتبتعد عنه، في حين صرخ هو بتأوه يمسك نفسه بالكاد عن البكاء. أما هي، فمطت شفتيها ثم ضربته
على صدره قائلة بلا مبالاة: "معلش يا أخينا، جات فيك. ابقى أوعى من وشي المرة الجاية، أو متصاحبش حد عامل مصيبة." اتسعت عينا فارس وهو يميل على أذن باسل قائلاً: "يا أما! ده إيه ده؟ دي بنت دي ولا تكونش كلب صعران؟ قضم باسل شفتيه يمنع نفسه من الضحك، ثم قال: "ربك لما بيريد، بيسلط أبدان على أبدان."
ابتسم فارس ابتسامة عريضة يمنع نفسه من الضحك، في حين كانت هناك عيون أخرى تتابعهم لتبتسم هي الأخرى عليهم، وقد راقتها تلك الابتسامة البريئة والهيئة الرجولية الجذابة الخاصة به ووقاره الهادئ اللعين. أما بالنسبة لنبيل، فحينما سمع كلماتها، صرخ بها بغضب: "غوري يا بت من وشي، واعرفي إنك لولا بنت، والله ما كان فرق معانا إحنا فين، وكنت اديتك قلم عدلتك." اتسعت عيناها بشر لتخرج منها كمما بركانية، وهي تقول بنبرة تنذر بشؤم:
"إنت واثق من الكلام اللي بتقوله ده يا شبح؟ ارتفع جانب شفته العليا ليجيبها بسخرية: "إنتي ليه محسساني إني بتخانق مع بلطجي في حواري بولاق؟ اقتربت منه لتجيبه بشر: "لا، ده إنت هتعرف بتتخانق مع مين." هنا لم يستطع الصمت، ليضرب بعصاه أرضاً صارخاً بغضب: "بس منك ليها! هو إنتوا محدش مالي عينكم ولا إيه؟ رمشت بأهدابها ببراءة، لتلف رأسها قائلة برقة بريئة مزيفة، كبراءة الثعالب الماكرة: "إنت مش سامع بيقولي إيه يا جدي؟
عاد دة بيقول إنه عاوز يضربني بالقلم وإنتوا واقفين! إيه؟ اسكت له؟ اتسع فمه بصدمة من ذلك التحول الغريب عليها. أهي تتحول بالفعل أم ماذا؟ فالآن تحولت مائة وثمانين درجة، ليس فقط بلكنتها التي تحولت من لكنة قاهرية، لا، عذراً، ليست قاهرية، إنما لكنة إحدى خريجات السجون، إلى أخرى صعيدية! لا، بل وإنها رقيقة أيضاً، بها لمحة طفولية متذمرة، لمحة رقيقة غريبة. إيه الفتاة دي؟
في حين اتسعت أعين الجميع من ذلك التغيير العجيب لها. تلك الفتاة ليست سهلة، فهي تستطيع إدارة الجميع حول أصابعها. ما أخرجهم من ذلك التحديق بها هو ذلك الصوت الساخر: "وإنتي ما شاء الله، كنتي رقيقة وناعمة." ثم أكمل بقوة: "أمال فقرة عبده موتة اللي عملتيها دي تبقى إيه؟ إن ما كناش كلنا واقفين ومن غير أي أدب دخلتي في الراجل شمال وكأن مفيش رجالة مالية عينك؟ زمت شفتيها بغيظ، وهو تقول: "باسم! مش وقت الدور."
اتسعت عينيه من وقاحتها الغريبة تلك. تلك الفتاة ليست أخته، بل إنها لا تنتمي لعائلتهم أبداً. فذلك الإجرام الموجود بعينيها لم يره بعيني فتاة قط. أحقا هي أخته؟ ولم يجدوها على باب منزلهم صباحاً؟ ولكن ما يجعله يصدق أنها أخته هو لون عينيها المتقارب مع عينيه بشدة، يجعله لا يحتاج إلى تحليل. ولكنه قال بقوة: "محدش محتاج يلم الدور ويغور من هنا غيرك إنتي." اتسعت عيناها بغضب، لتصرخ به بشر: "الكلام ده ليا أنا؟
اقترب منها بخفة، وهو بالكاد يسيطر على غضبه مما يحدث الآن من إحراج أمام الأغراب. ليمسكها من ذراعها قائلاً بغضب: "هتنجري وتغوري، وما تورنيش وشك لحد ما الناس تمشي، وإلا والله لكون رابطك دلوقتي وراميكِ في الزريبة وسط البهايم اللي إنتي منهم."
تراجعت للخلف بخوف، فأخوها حينما يغضب يصبح آخر شخص يفضل استفزازه، وهي أدرى الناس بذلك. فهو إن نفض عنه عباءة الوقار والاحترام الخاصة بالطبيب ولبس جلبابه الصعيدي، جعلها كجرذ في مصيدة. لذا يجب عليها الآن الخنوع، وألا تلقت أكثر أنواع التعذيب. وبالأخص حينما وجدت عيني جدها تناظرها بغضب أعمى بالكاد يكظمه. لذا أومأت برأسها. ليأتيهم ذلك الصوت الهادئ من الخلف: "سيبها يا باسم، هي ماشية. عيب كده."
لم يتركها أخوها، بل شدد قبضته على ذراعها أكثر، ليزداد نظراته إجراماً. لتبتلع هي ريقها برعب. ليأتيه ذلك الصوت الوقور من الخلف بهدوء، ولكن ظهرت به لمحة خفيفة من الحزم قائلاً: "باسم! نفخ باسم بفمه بضيق، ليتركها على مضض. لتركض هي من وجهه برعب، تختبئ خلف ذلك الدعم الذي وصل الآن. ليربت هو على كفها قائلاً بحنو: "امشي يا نهلة، روحي لأمك ومرات عمك وشوفي هما جهزوا الأكل للناس ولا لأ."
أومأت برأسها برعب، وهي تتابع نظرات الإجرام التي يرمقها بها أخوها، قائلة بخنوع خائف: "حاضر يا عمي." ثم لم تحتاج إلى شيء آخر لتركض من وجههم بسرعة، يتابعها زوج من العيون، أحدهما غاضب بشدة يخرج من عينيه حمماً بركانية، والآخر يتابعها بتسلية. وهو يجد طفلة تلعب ألعاباً صبيانية تشاهدها على التلفاز، لا تليق بها. ولكنك تستطيع أن تقول أنها تقحم نفسها بها لتجعلها كجزء صبياني من شخصيتها العنفوانية.
أفاق على ذلك الصوت الوقور لرجل كهل، أربعيني ربما، قائلاً بهدوء: "حمد الله على سلامتكم، وبعتذر عن المواقف اللي حصلت دي." أومأوا برؤوسهم، ليقول باسل بهدوء: "الله يسلمك يا فندم." ثم أشار ذلك الرجل جهة الشاب الواقف ليقول بهدوء، به لمحة خفيفة من اعتذار: "بنعتذر عن الإزعاج اللي اتسببتلك وسوء الفهم، بس زي ما إنت عارف... لم يدعه نبيل يكمل، لِـيُومئ برأسه قائلاً بعقلانية نادراً ما يتحدث بها: "حصل خير يا فندم." ثم أكمل بمزاح:
"بس أتمنى إني أروح سليم لأمي، وكفاية رجلي." ضغط باسم على شفته السفلى، في حين ظل عبد الحميد يطرق بعصاه أرضاً بغضب، يحاول السيطرة عليه، وقد ترك الأمر لولده. ليكمل الرجل بتهذيب: "لا، متقلقش، إنت في عنينا." ثم نظر جهة جنا قائلاً بهدوء: "جنا، عاوزك." أومأت جنا برأسها قائلة بهدوء: "حاضر يا بابا." شحب وجه باسل بعد تلك الكلمة. يا الله، إيه مصائب ستحدث الآن أكثر؟
في حين تابع الشباب ما يحدث بخوف، وهو يجده يتحدث مع ابنته بهمس، وهي تحاول شرح شيئاً ما بإشارات يديها وانفعالاتها الغاضبة الواضحة والمتوالية على وجهها. ليجدها تنظر جهة باسل مرة واحدة، ليتابع والدها عينيها، ثم أومأ برأسه وهو يربت على كتفها بهدوء. ثم جهر بصوته قائلاً: "باسل بيه، لو سمحت، عاوزك." ابتلع باسل ريقه، في حين نظر الجميع جهة بعضهم بخوف. يبدو أن هذا اليوم لن يمر مرور الكرام. "باسل بيه؟
صوت عزيز أحثه أكثر، ليتحرك جهته وهو يومئ برأسه، في حين نظر هو جهة الشباب قائلاً: "اتفضلوا يا شباب، اتحركوا وخدوا نظرة في المكان." على الرغم من لباقة حديثه، إلا أنه كان به بعض الحزم والشدة، وكأنه يأمرهم بشدة. ليبتعد الشباب ينظرون لبعضهم بخوف، في حين نظرت الفتيات جهة بعضهن البعض، لتتساءل أميرة بخوف: "تفتكري جنا تكون حكتله على الموقف؟ نظرت شيرين جهتها بخوف، وهي تجيبها بهدوء: "بيتهيألي، بس الخوف مش من ده."
تنفست أميرة تجيبها بخوف: "الخوف من رد فعل عمو عزيز مع اللي حصل، وكمان موضوع إنهم هنا بعد الموضوع ده." أومأت شيرين برأسها، وهي تقول: "ربنا يستر." على الجانب الآخر، ظل كلا من نبيل وفارس يتابعون ما يحدث بخوف شديد من ذلك الرجل الوقور الذي لا يعلمون ماذا سيحدث إذا خرج عن هيبته. في حين وقفوا على أهبة الاستعداد لأي أمر طارئ. ليشير نبيل لفارس جهة الفتيات قائلاً: "بقولك إيه؟
ماتروح تسألهم لو عندهم فكرة عن إيه اللي بيحصل، وهو عاوزه في إيه؟ اتسعت عينا فارس ليلف برأسه جهته بضيق قائلاً: "هي ناقصة؟ يقولوا ده بيتحرش بينا ولا بيرسم على واحدة فينا؟ كفاية بلوة واحدة بس، مش ناقصة أكتر من كده." ثم رفع عويناته يفرك مابين عينيه قائلاً بإرهاق: "أنا مش عارف إيه اللي جنني وخلاني أجي معاكم بجد، دي كانت رحلة سودا."
على الجانب الآخر، كانت هناك من تتابع انفعالاتهم خفية، وبالأخص صاحب النظارات الطبية، لتزفر بتعب. أما على الناحية الأخرى، وقف هو ناظراً جهته، يناظره بحدة قائلاً وهو يرفع إصبعه بتحذير: "أظن إني محتاج تفسيرات واضحة وصريحة لكل اللي حصل، واللي بيحصل لحد دلوقتي، وإلا والله ما هتطلع من هنا سليم." ازدرد ريقه برعب، ليومئ برأسه قائلاً بهدوء: "اتفضل اسأل، وأنا هجاوبك بصراحة ومن غير كذب." نظر له عزيز ليقول بقوة:
"عاوز أعرف كل حاجة." أومأ باسل برأسه، ليفرك جبهته وقال بهدوء: "أنا هقول لحضرتك، بس عاوز أقولك إني معنديش أي تفسير منطقي للي بيحصل، أو ليه، أو إزاي. أنا كل اللي أعرفه إني بشوف بنتك في حلمي من غير ما أعرف في الأول اسمها، يومياً بشوفها في أحلامي، أشمعنى هي؟ معرفش، وليه؟
معرفش. أنا ما اهتمتش بالأمر، قولت مجرد أحلام إرهاق، تعب. أهو بالنهاية حلم واحدة بتيجي تحكي لي اللي مضايقها، اللي أوقات أصحى فاكره، وأوقات ناسيه. حكت لي إنها في بيطري، إنها خايفة من الامتحانات، إنها جاي لها عريس. أهي أحلام." ثم صمت، ينظر أرضاً، وبعدها أكمل بهدوء تحت نظراتها المتعجبة:
"رغم إني ما أخفيش عليك سر، إني أنا اتعلقت بيها، بس ما اهتمتش الاهتمام الكامل، لحد ما في يوم اتفاجئ بيها موجودة في قلب مصنعي، في مكاني، مع الفريق اللي جاي، واقفة قدامي بكل هدوء ولا مبالاة. إذا هي حقيقة مش مجرد حلم؟ لا، وفعلاً في بيطري! إيه هو عمل معمول لي منها ولا إيه؟ وليه؟ ف طبيعي كنت هتجن. هي بتلعب بيا مثلاً؟
ف جريت عليها، ف ابتديت أتخرف بالكلام، بس اللي جنني أكتر إنها بتحلف إنها متعرفنيش، ولا عمرها شافتني. وابتدت تزعق. وأنا مع كلامها اتجن أكتر. لما هي متعرفنيش؟ أمّال إزاي أعرف عنها كله ده؟ طب إن كان تخاطر أرواح زي ما حد من أصحابي قال لي، يبقى ليه التخاطر ده مش مشترك؟ ليه هي مش عارفاني؟ بتكدب مثلاً ولا بتلعب بيا؟ وإشمعنى هي؟ ثم صمت لبرهة من الزمن، يزفر أنفاسه بتوتر، بضيق، بغضب، بخجل. ولكنه أكمل أخيراً:
"طبيعي بعد ده كله اتجن، وابتدى أزعق من اللي بيحصل معايا، لحد ما هي مشيت. وأنا قولت خلاص، أهو حلم، وما دام معايا أنا، ف خلاص، مجرد حلم وهيعدي، ومش هين إني تاني مع حد، إذا كان هي ولا غيرها. لأن مش شرط اللي أعرفه أو اللي أتعلق بيه يكون حقيقي، لأنه بالنهاية حلم، وصادف إنه مع واحدة حقيقية، وبس كده، طويت الصفحة دي من حياتي."
كانت هي تتابع ما يحدث بتدقيق، عيناها تتابع اختلاجات وجهه، ولكنه حينما أنهى حديثه، أومأت برأسها لِتُربع يديها، وهي تقول بضيق: "آه، علشان كده جيت ورايا؟ نفى برأسه، وخجله واحمرار وجنتيه يتضاعف من ذلك الموقف المحرج الموضوع به الآن، كطفل صغير يقف معاقب بمحضر أبيه على جرم تعديه على أحد أصدقائه بالمدرسة. ليجيبها بهدوء:
"أبداً والله، ده كله محض صدفة. أنا من الأساس بابا طردني تقريباً من الشغل علشان الموقف اللي حصل. وبعدها طلب مني نبيل أشوف مكان نورد منه، ورفضت، وتقدروا تسألوه. ولما بابا اتصل إني أشوف مكان، وأهو أغير جو وأفضل بعيد عن الشغل فترة وأريح أعصابي بعد الموقف اللي حصل معاكي، واللي في عرف توفيق بيه فضيحة. فلقيت الأفضل إنه مزرعة العربي اللي في المنيا." ثم رفع وجهه لها متسائلاً:
"وأنا إيه عرفني إنك عندك أهل هنا، أو إنك جايه النهارده؟ وأنا معرفش أصلاً إذا كنت عايشة في مصر ولا المنيا؟ زائد إني مش هورط نفسي بصفقة جامدة علشان بس أشوفك. أنا جاي في شغل، والدليل إني مدورتش عليكي. أنا كنت واقف مع دكتور باسم والحاج عبد الحميد لحد ما جه حد وقال فيه مشاكل مع فارس." مطت شفتيها تقول بضيق: "مش ممكن تكونو مظبطينها؟ نفى برأسه وهو يقول بصدق:
"أقسم لك إني معرفش إن فارس جاي معانا غير النهاردة في العربية، اللي هي أصلاً بتاع نبيل، وقال إنه جاي يغير جو، رغم إني متوقع إن بابا طلب منه كده علشان خايف يكون عندي هلاوس أو توتر عصبي، وخايف إني أعمل مصيبة، فجايبه كنترول. لكن والله أنا معرفش عنك أي حاجة، وأول مرة شفتك فيها كان في المصنع." نظرت له تتفرس بملامحه. لا تنكر أن كل ما به ينطق بصدق، ينطق باحترام وخلق ليس له مثيل. كل ما به يوضح أنه شاب عاقل. إذاً، لما؟
لما يفعل هذا؟ أفاقها من أفكارها صوته متسائلاً بتوتر، خجل: "هل عندك أي تفسير للي بيحصل معايا؟ ليه إنتي؟ واشمعنى إنتي؟ هل عندك تفسير ليه بتيجي بأحلامي؟ وأقسم إن أنا مش كداب. هل عندك تفسير علمي أو منطقي للي بيجري معايا ده؟ وليه بقيت أصادفك؟ أنا مش فاهم، واللي بيحصل معايا عصي على الفهم بالنسبة لي، وهيخليني أتجن. فهل عندكم تفسير؟
جملته الأخيرة قالها وهو ينظر داخل عينيهم، بعينيه التي تمتلئ بالأسئلة، التوتر، الخجل، وأيضاً التيه الشديد. ليظل ينظر إليه عزيز يتفحصه بهدوء وروية، يستشف كذبه من صدقه. ليزفر بالنهاية أنفاسه، ثم ربت على كتفه قائلاً بمؤازرة:
"بص يابني، أنا معنديش تفسير للي بيحصل معاك، واشمعنى بنتي. فيه أمور كتير بتحصل في الكون ده بتبقى خارج فهمنا إحنا كبشر. لكن كل اللي أقدر أقولهولك إنه الحلم مش شرط يبقى واقع، حتى وإن صادف فيه حاجات صح، هيفضل في النهاية مجرد رواية أسسها عقلك الباطن. فمتتمشيش وراه، لأنه أوقات بينسج ليك الخيال اللي إنت ممكن تصدقه، وممكن يسحبك فيه لحد ما يدمرك. ومن بينهم الغيبوبة اللي بتحصل لسنين، لأن ناس سلموا لواقع رسمه لهم عقلهم. فإنسى يابني وعدي، وزي ما إنت قولت، مجرد حلم وصادف إنه فيه شئ من الحقيقة."
رفع أنظاره له قائلاً بتيه، كأنه غريق يبحث عن طوق نجاة من وسط تيارات أمواج عاتية قادمة من حياته: "وكل يوم يا عمي نفس الشخص تقريباً، يومياً." نظر له عزيز بشفقة، ليجيبه بهدوء: "يمكن محدش يعرف بكرة مخبي إيه." نظر له ليكمل بقوة وتحذير:
"أنا جنا بنتي، هي بنتي الوحيدة، والدنيا كلها متكفيهاش. ولولا إني لمست فيك الصدق والتعب من اللي بيجري معاك، أقسم لك إني كنت دفنتك مطرحك على اللي حصل منك ووجودك هنا. علشان كده، إنت حظك إني صدقتك. لكن لو حصل موقف مشابه، أقسم لك أنا... قاطعه باسل بهدوء: "حقك، وأي حاجة كنت هتعملها من حقك، دي بنتك الوحيدة." رفع أنظاره لها ليقول برقة: "ودي لو كانت بنتي، كنت هديت المعبد على راس أي حد يقرب منها."
أومأ عزيز برأسه، في حين تطلعت هي له بهدوء. هو غريب عجيب بالفعل. ماذا يريد؟ وعن ماذا يبحث؟ وخلف ماذا يركض؟ لا تستطيع التفسير أبداً ولا الفهم. في حين قاطع تأملها صوته هو، وهو يقول في حين ينظر جهة والدها: "أوعدك إني مش هحاول إني أعترض طريقها أبداً، ولو حتى صدفة. ولو حصل يبقى اعرف إنه كان برة إرادتي. لكن من النهاردة مش هتشوف وشي تاني." ثم ابتسم قائلاً بهدوء:
"وأظن من وسط ملايين البشر، من وسط كل الأماكن، مش هتصادف فيا أنا." أومأ عزيز برأسه، في حين تحرك هو بهدوء جهة أصدقائه، لتتابعه بعينيها إلى أن ابتعد. ثم نظرت لوالدها متسائلة بتعجب: "إنت مصدقه بجد؟ مش معقولة تكون مصدق الهبل ده؟ ابتسم لها ليجيبها بهدوء: "مع إن الكلام غير عقلاني ومفيهوش أي منطق، إلا إن فيه حاجات حوالينا بتبقى خارج حدود المنطق، والواد مبيكدبش بكل ما فيه. وشيبتي مش من فراغ." نظرت له لتتساءل بتعجب: "يعني إيه؟
نظر لها ليجيبها بهدوء: "يعني مؤلف القلوب ربنا." ظلت تنظر له لتتساءل بتعجب: "مش فاهمة." ابتسم بوجهها بهدوء، ثم أجابها ببساطة: "كل حاجة هتبان في وقتها." ثم رفع صوته قائلاً بهدوء: "بعد أن تركها وذهب تجاه ذلك الذي ذهب لأصدقائه." "ناوي على إيه يا باسل بيه؟ نظر له ليجيبه بهدوء: "مروح." نفى برأسه مجيباً بهدوء: "لا، مش لازم النهاردة. الليل هيليل والنهار له عينين. باتوا هنا والصبح امشوا، لأن الطريق طويل." التف له باسل بتعجب،
ثم أجابه بهدوء: "لا، مش هينفع." أومأ عزيز برأسه مجيباً ببساطة: "إنت زي باسم عندنا، مينفعش تسافروا الطريق ده كله بالليل في الصحرا. الطرق مش أمان. باتوا النهاردة وبكرة اطلعوا." نظر هو لأصدقائه، ليميل نبيل عليه قائلاً: "بصراحة، أنا مش قادر أسوق. لو عاوز تروح، سوق إنت أو هو." في حين قال عزيز: "ولا إيه يا حاج؟ أخيراً خرج عبد الحميد عن صمته المطبق قائلاً:
"اللي قولته يا ولدي، مفيش بعده. مينفعش السفر. إحنا مش جللات أصل ولا معندناش مكان. البيت كبير، وهما في عنينا." ابتسم فارس قائلاً: "ده من ذوقك يا حاج." ليبتسم له عبد الحميد. ثم جهر بصوته لتحضير غرف لهم، في حين قال لحفيده: "باسم، يدك معايا يا ولدي، اسندني، علشان فيه حد عاوز تربية. والواضح إني جللت فيها، فتعالى نربيه." طحن باسم أسنانه، وقد فهم أين يرمي جده كلماته، ليومئ برأسه قائلاً بهدوء وهو يتمسك بيد جده يسنده:
"أمرك يا جدي." في حين اتسعت أعين أحدهم، وقد فهم أين يرمي بكلماته، ليغم وجهه بضيق. أما عزيز، فجهر بصوته قائلاً: "جنا، روحي خليهم يحضروا أوضة للضيوف." نظرت له بصدمة لتجيبه برفض: "لكن يابابا." "جنا! كلمته الأخيرة جعلتها تبتلع اعتراضها، لتتحرك جهة المكان الذي يريد. تتبعها شيرين لِتَتَوقف أميرة ترمق أحدهم بعينيها بهدوء وتمعن، ثم ركضت تتبعهم، وقد أضحى الوقت بإن الطرق بدأت تتفرق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!