نظرت جهتها وفاء لتربت على يدها بحنان ثم تحدثت قائلة بهدوء: "ممكن تهدى يا جنا؟
وارد يكون فعلاً زي ما الدكتور بتاعه حكالك وقالك إنه ممكن يكون حلم بيكي. وارد وبيحصل، نشوف حد في حلم ويصدف يكون موجود في الحقيقة. ممكن بناءً على إنه شفناه بطريقة أو بأخرى، شفناه والموضوع عدى ومخنا مش فاكره، بس الموضوع اتخزن في العقل الباطن. العقل الباطن ده يا جنا عامل زي متاهة محدش يقدر يوصلها، محدش حتى عارف إذا كان بينام ولا لا، بس الأكيد لا، لأنه بينسج أحلام في غياب وعينا وممكن يسحب الإنسان من وعيه ومن دنيته وينسج
له أوهام ويدخله في غيبوبة، لأن الإنسان والعقل بيصدق أوهامه لأنه جزء من جسمنا. ممكن يكون شافك وصورتك اتخزنت فيه، وللمصادفة إنه لما حلم بصورة الشخصية دي كانت عن الموضوع ده من باب الصدفة البحتة. وممكن يكون كان معدي عادي جداً وسمعك تكوني بتكلمي حد من أصحابك أو حاجة وهو مركز، بس عقله خزن. وممكن تخاطر أرواح زي ما الدكتور بتاعه قالك. موضوع العقل الباطن والأمور دي أبعد ما يكون عن قدرة الإنسان على تفسيرها، والطب وعلم النفس
فشلوا في إنهم يقدروا يوصلوا لحل ليه."
كانت تتحدث بعقلانية كدكتورة جامعية في مجال علم النفس، ولكن جنا أجابتها بحزن: "بس مهما كان، اللي عمله معايا مش صح، ده أحرجني يا ماما، أحرجني وقلل مني." هزت وفاء رأسها بالنفي مجيبة بهدوء:
"إذا كان فعلاً زي ما بيقول كده وزي ما فسرنا، فهو ليه حق يتجنن. واحدة ظهرت في حلم يتفاجئ إنها موجودة في الواقع واقفة قدامه، حاجة تجنن صاحبها. زي واحد عايز يلمس شي يتأكد إذا كان حقيقي ولا لأ. هو ده بالظبط اللي عمله. لكن لما يتفاجئ زي ما بيقول إنك مش عارفة عنه حاجة، أكيد هيتجنن ويعمل اللي بيعمله ده، ورد فعله وقتها يبقى طبيعي." نظرت لهم نهلة لتجيب بهدوء وعقلانية:
"بس ممكن يكون بيلعب وبيستعبط، وهو لا تخاطر ولا نيلة، ولا بتظهر في أي أحلام، وهو مراقبها وعارف عنها كل حاجة أو سمعها وهي بتتكلم وحب يكسب نقطة، فعمل اللعبة دي. وارد جداً والموضوع أكتر واقعية. بس برضه مننساش إنه قلل قيمته في مصنعه. وبعدين عايزة أقول حاجة، سواء ده صح أو غلط، انسى اللي حصل يا جنا، هو موقف وعدى. وياما هتعدي عليكي مواقف تستدعي التفكير أكتر من كده فيها وتحزني عليها. أنا شايفة إن ده مش أكتر من موقف مش مستاهل
إنك تزعلي عليه، موقف حصل من واحد غريب في أحد. ننساه ونخليه يمر. المواقف اللي بتوجع اللي تكون من القريب وعملها بقصد، وإنتي لسه مبدئتيش حياتك العملية، يا ما هتقابلي ناس وهتتوجعي من ناس، وياما هتشوفي ناس عايزة تستغلك عشان توصل لحاجة معينة أو يبانوا قدامك طيبين، بس هما مش بيعملوا حاجة غير إنهم عايزين يوقعوكي وهما اللي بيبانوا إنهم أصحابك. انسى يا جنا الموضوع، لأنك يا ما هتشوفي."
تنهدت جنا بتعب لتجيبها بضيق وهي تكز على أسنانها: "والدكتور الخايب ده." ضحكت وفاء وهي تجيبها بمزاح: "أهو ده الهطل كما يجب أن يكون." اتسعت أعين الفتيات لتشاركوها الضحك لتكمل هي بمرح: "نفضيله، اهو كلها كام شهر ويغور من وشك. عدى يا جنا." تساءلت نهلة بنبرة شريرة: "يعني متجبهوش من زمارة رقبته وتفرجي عليه الكلية كلها علشان يحرم يعمل كده تاني ويتدخل في اللي ميخصهوش." اتسعت أعين وفاء لتتحرك إليها تقرصها من أذنها قائلة بحزم:
"والله ما حد عاوز يتجاب من زمارة رقبته غيرك. تقوليش ربينا بلطجي في العيلة. إنتي جاية منين يا بنتي؟ ده إنتي شيبتي الكل، خليتي أبوكي يمشي يكلم نفسه من عمايلك، وأمك كانت كل يوم يوصل صوت صراخها منك للجيران، والدور عليا أنا ولا إيه." تأوهت بألم ثم أجابتها بضيق: "خلاص يا طنط بالراحة، شيلي إيدك ودني اتقطعت. براحتكم. اياكش تبقوا ملطشة." اتسعت عين وفاء وهي تضرب كفاً بأخرى ثم هتفت بضيق:
"ده شكلك هتشيبينا بدري وكل يوم والتاني توصلنا مشاكل منك. أد كده." مطت شفتيها لتجيبها بشر: "والله اللي هيحترمني هحترمه، واللي يبقى مؤدب معايا مغلطش فيه. لكن اللي هيستظرف مش هيطول غير الجزمة على وشه وفي نص الشارع." "عيب! صرخ بها كلتاهما دفعة واحدة لتعود هي للخلف بابتسامة مصدومة مجيبة لهم: "فيه إيه يا جماعة؟ انتوا هتموتوني ولا إيه؟ تراجعت وفاء تمسح وجهها من تلك البلوة التي سقطت فوق رأسها والتي تجعل جميع من بالعائلة
يكاد يجن لتصرخ متضرعة: "الصبر من عندك يارب، الصبر." *** كان يجلس داخل غرفته يتحرك بضيق. إذاً فهي لا تعرفه، لا تعلم من هو. كل تلك الأمور من نسج خياله؟ إذاً لماذا حينما واجهها أصبح كل الأمور حقيقة لا ترقى للشك؟ كل ما يعلمه عنها حقيقة، إذاً لماذا هي لا تعرفه؟ لا تعرف من هو؟
لا يستطيع الكذب، هي لا تعرفه بالفعل ولا تفتعل شيئاً. فهي حينما رأته لم يظهر على وجهها الصدمة، الجهل فقط. الجهل. حينما كانت تحدثه كانت عيناها تتابعه بتيه، سرعان ما تحول لغضب أعمى كان واضحاً بعينيها. عيناها، واه من عينيها!
لم يرى بحياته عينان أجمل منها، بل هي الأجمل والأرق على الإطلاق. عيون غريبة جميلة لا تستطيع الملل من النظر إليهم وتتابع اختلافاتهم وتدرجاتهم مع كل فعل تقوم به. تحتاج إلى ألف قصيدة شعر لتكتب بهم. فقط لو كان بوقت آخر وفرصة أخرى لأخبرها كم هي جميلة بخصلاتها المتماوجة بين البني والأسود بتدرج بديع، عيناها الجميلة التي تختلط بهم الخضار مع الأزرق بجمال لا تستطيع الجزم أي اللونين منهم يجذبك أكثر، حينما تكون هادئة باللون الأخضر، أم حينما تكون غاضبة متوهجة بالأزرق. يالله!
هي غريبة جميلة. ولكن لا يستطيع الكذب، هي تجهله. غضبها كان حقيقة، إحراجها حقيقة، وهي تتلفت إلى الجميع بإحراج بينما تتوهج وجنتيها بالاحمر الوردي وكأنها تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها. عيناها التي كانت تترقرق بها الدموع من الحرج والغضب، كل شيء يوضح بأنها كانت مصدومة مما يحدث. كيف؟ كيف كان غبياً لتلك الدرجة ليتفادى كل تلك العلامات على وجهها ويركز فقط بغضبه؟
لو كان تحدث معها بهدوء فقط، بهدوء لكان الأمر مر مرور الكرام. لو كان تحدث معها من البداية بهدوء وروية، أفهمها ما يحدث وعرف إجابتها، ربما كان انتهى الوضع بطريقة مختلفة الآن، ولكنه أنهاه تماماً بطريقة مثيرة للسخرية. ابتسم بتهكم. وأي سخرية؟ لقد جعل من نفسه أضحوكة بين عماله في حين الجميع كان يناظره بصدمة. ياله من غبي أبله معتوه! حول أنظاره جهة الفراش ثم توقف ينظر جهته بشرود وتفكير. ترى إذا نام الآن هل سيحلم بها مجدداً؟
أم أنها قد غضبت ولن تزوره مجدداً؟ قضم شفته السفلى بتفكير. ياله من مدمن! ضحك بهدوء على تلك الفكرة. نعم، أصبح مدمن رؤيتها والحديث معها، وكأنه ينتظر الجرعة التي سيأخذها منها. قطع سلسلة أفكاره دق على باب الغرفة ليحول أنظاره جهته هاتفا بـ: "ادخل." أطل عليه توفيق هاتفا بهدوء: "ينفع أدخل يا باسل؟ أومأ باسل برأسه مجيبا بهدوء: "أكيد، اتفضل." تقدم توفيق يرمقه بنظراته ثم جلس على ذاك المقعد وتساءل بهدوء:
"عملت إيه في موضوع الشركة دي؟ حط باسل بجسده على الفراش جالساً ثم أجابه بهدوء بعد أن نحى قلقه جانباً: "أبداً، كل رفضت ووصيت المحامي بتاعنا يتابع أمورهم. بحاول أمسك عليهم أي حاجة بحيث يبعدوا عن طريقي، ولو حصل وبعتولي أي تهديد هوديه للنائب العام، وهما أكيد عارفين من طريقة رفضي إني مش سهل." أومأ توفيق برأسه ثم قال بهدوء: "بس لازم تكون عارف إن الموضوع ممكن مـينتهيش بالسهولة دي." أومأ باسل برأسه وهو يجيبه بهدوء:
"عامل حسابي، متقلقش." ليومئ توفيق برأسه ثم أطرق بها أرضاً. ضيق الآخر عينيه: "ها قد جئنا لمربط الفرس." ولم يستمر الصمت طويلاً حينما رفع توفيق عيناه وهو يقول بهدوء: "بقولك إيه يا باسل، خدلك إجازة يومين، روح غير جو واتفسح مع أصحابك وابعد عن جو الشركة والمصنع ده، لأنك تحت ضغط نفسي كبير ومش هينفع كده. وسيبلي أنا موضوع الشركة دي وأنا هحلها." "اشمعنى؟
كانت جملة باسل في ظاهرها متسائلة، ولكنها واضحة بشدة أنها تدل على الاعتراض الشديد. ليجيبه توفيق بهدوء: "إنت مخرجتش من زمان ولا اتفسحت من الشركة للمصنع ودوخة، غير كمان التفتيش اللي جه ده، وموضوع الشركة دي، حاجات كتير عاملالك ضغط نفسي. فالأفضل تاخدلك راحة يومين." نفى باسل برأسه بتعنت وهو يجيبه بعناد: "لأ، أنا مش ماشى من هنا غير لما أحل الموضوع ده. أنا مش صغير عشان أسيب الشغل وأمشى."
نظر له توفيق ليجيبه بصبر بدافع عمره الطويل وشيبته التي طغت على شعيرات رأسه: "أنا هحل الموضوع، متقلقش. الشركة دي أنا اللي عملتها وزي ما حميتها سنين هحميها دلوقتي. الشيبة دي مش من فراغ." ثم أكمل بمرح: "وبعدين نعتبر إن أنا برجع للملعب من جديد، لأنني تعبت من القعدة على دكة الاحتياطي." "في ذلك الوقت صرخ توفيق وقد خرج عن طور هدوئه: "لا! إيه؟ هااه؟ هو إنت كل حاجة عندك عند؟ إيه؟
إنت مش شايف نفسك بقيت شايط أغلب الوقت وبتضغط على أعصابك ومش طايق حد؟ دايماً سرحان وبتفكر. إيه؟ مش واخد بالك باللي بتعمله؟ وأنا أقول سيبه، اهو شاب وقلقان على شغله، هيهدى ويعقل. بس إنت كل ما ده عمال تتنرفز أكتر وتايه أكتر وبتضغط على أعصابك أكتر. وآخرة المتمة ألاقي إيه؟ هااه؟
ألاقي مصيبة حاصلة في مصنع اللحوم وتوصلي من العمال، لما أسأل. فرجت علينا الناس والموظفين والعمال. لا، إنت يا باسل إنت اللي ممنوع من مروّح الشغل لحد ما تهدى، وأعصابك تهدى. موضوع الشركة دي أنا اللي هحلها، ومروّح المصنع أو الشركة مفيش لحد ما تهدى. يا تكلم فارس وتخليه يهديك ويشوفلك حل، يا تسافر وتغير جو. لكن أنا مش هسمحلك تفضل تضغط على أعصابك لحد ما يجرالك حاجة، فاهم؟ برق باسل بنظراته بغضب لينهره توفيق بغضب:
"بصلي كويس واتعدل." نظر باسل أرضاً بضيق ليقول توفيق بصرامة: "ما سمعتش ردك." زم باسل شفتيه بضيق ليجيبه بغضب مكبوت: "ودى فيها رأي؟ أنا مش أخدت الفرمان من حضرتك إني ممنوع أعتبر الشركة أو المصانع؟ هيبقى رأيي إيه في النهاية؟ ده ملكي وأنا ممنوع من دخوله." نظر له توفيق ليجيبه بضيق: "فكر فيها زي ما تفكر."
ثم تركه ورحل من الغرفة بغضب مغلقاً الباب خلفه بقوة اهتزت لها أركان المنزل كافة، في حين تنهد باسل ثم تحرك جهة الخزانة ضارباً بابها بكفه بغضب. ظل يتنفس بغضب أعمى وعيناه تحترق بشرر غاضب إلى أن تحرك يلقي بثقل جسده على الفراش ينظر إلى سقف الغرفة بشرود ولا يعلم متى سحبه سلطان النوم داخل دوامته. "بس بس." التفت لينظر بعينيه يميناً ويساراً يبحث عن الصوت ليجدها تقف بعيداً عنه تشير إليه بابتسامة. تحرك جهتها بغضب ثم صرخ بها:
"إنتي بت، إنتي عايزة إيه مني؟ هزت كتفيها تجيبه بابتسامة: "جيت أشوفك وأطمن عليك." ضرب ساقيه بغضب ليصرخ بها: "هو أنا ناقص جنان؟ عايزة إيه مني؟ هزت كتفيها لتجيبه بهدوء: "ما قولتلك مش عايزة حاجة، عايزة أشوفك." ابتسم بسخرية ليجيبها بضيق: "عايزة تشوفيني ليه إن شاء الله؟ هاه؟ مش كفاية المصيبة اللي عملتيها ولا عايزة تكمليها فوق دماغي وتطّربق على نافوخي؟ عارفة أنا كان منظري إيه قدامك الموظفين النهاردة؟ فُجِئ بإجابته
بمرح ليصرخ بها بغضب أعمى: "إنتي عايزة تجننيني؟ عايزة إيه؟ ثم رفع إصبعه يقول بتحذير: "كلمة واحدة ومش عايز أعيدها، تغوري من وشي ومش عايز أشوف وشك تاني، وإلا." "والا إيه؟ "والا إيه؟ أجابته بابتسامة مازحة: "الشريط سف." قالتها بضحك ثم أكملت نيابة عنه: "إيه؟ والا مش هتنام تاني؟ والا هتموتني في الحقيقة؟ مطت شفتيها لتجيبه بهدوء:
"إنت لسه مفهمتش، حتى لو موتتني مش هختفي. أنا في حلمك من نسج خيالك، وكل ما هتفكر فيا أكتر هظهرلك أكتر." ثم أكملت بابتسامة مازحة: "أما بالنسبة للمصيبة اللي حصلت زي ما بتقول، فـ أنا مليش دعوة، إنت اللي عملتها مش أنا، يبقى تجيب الحق عليا ليه؟ أغمض عينيه يحاول كبت رياح غضبه العاتية ثم فتحها ليجيبها بضيق: "بصي، أنا مبقتش حمل للعب. أنا كفاية عليا اللي بيجرى فيا وكفاية عليا مشاكلي، مش ناقص مشاكل تاني. أنا فيا اللي مكفيني."
ابتسمت لتجيبه بهدوء: "أنا قولتلك مليش دعوة، ومتحسبنيش كجزء من مشاكلك. أنا مش أكتر من حد بيظهر في حلمك، حلم زي أي حلم. إنت بس اللي مكبر الموضوع." ثم أكملت بهدوء: "سواء كان تخاطر أرواح أو نسج حلم من العقل الباطن أو أو، فـ ده بالنهاية حلم. متديلوش أكتر من حقه، فترة راحة للجسم انتهت وبعدها ارجع للواقع بتاعك." ثم تحركت للذهاب ليصرخ بها: "رايحة فين؟ التفت تنظر له هاتفة بابتسامة: "قوم من النوم يا باسل، كفاية نوم لحد كده."
ثم تحركت للذهاب حينما سمع صوت يهتف بضيق: "قوم يا باسل، قوم يا باسل، قوم. كفاية نوم لحد كدة." فتح باسل عينيه ليجد وجه أمه يناظره بهدوء وضيق. أجابها بنبرة ناعسة: "إيه؟ فيه إيه؟ أجابته بضيق: "إيه؟ ساعة على ما تقوم. نبيل بره وعاوز يتكلم معاك." مسح وجهه بكفيه يمحو أثر النعاس ليجيبها بنبرة ثقيلة: "طيب ما يدخل يعني إيه الجديدة؟ هو أول مرة يدخل أو حتى يصحيني؟ إيه الأدب اللي نزل عليه فجأة ده؟ نظرت له بضيق لتجيبه بملل:
"أنه مش لوحده بره." رفع أنظاره له بعيون ثقيلة تحاول نفض أثر النعاس وهو يجيبه بنبرة ثقيلة متسائلة: "ليه؟ مين تاني بره؟ "ليليان بره معاه." زوى مابين حاجبيه متسائلاً بتعجب: "ليليان؟ ليه؟ فيه إيه؟ وإيه اللي جابها؟ ما إحنا كنا مع بعض النهاردة كله، إيه اللي حصل وإيه اللي جد؟ مطت شفتيها مجيبة إياه بجهل: "معرفش. اطلع وشوفهم عايزين إيه." أومأ برأسه ثم أجابها بهدوء: "تمام، هغسل وشي وأفوق كده وأخرج لهم." أومأت برأسها مجيبة
إياه وهي تخرج من الغرفة: "تمام، بس متتأخرش عليهم عشان عيب." "طيب." قالها بهدوء وهو يدخل حمامه. حسناً، هو ليس بجاهل تماماً عن الأسباب، وبالأخص لذاك المتطفل. فهم على الأغلب قد جاءوا إليه ليطمئنوا عليه بعد ذلك العرض المسرحي الذي قدمه اليوم. ابتسم بسخرية على حاله. من كان يظن أنه هو من يحدث معه هذا؟ فهو باسل البحيري بكل مكانته، من ترتعد من اسمه مئات الموظفين والعمال. يحدث معه هذا؟
يا لسخرية القدر. ذهب للمرحاض ليغسل وجهه، لعله ينفض عنه آثار نعاسه الباقية وهندم خصلات شعره، ثم وقف يتطلع إلى وجهه في المرآة وهو يستند على حافة المغسلة. ماذا يحدث معه إذا؟ لطالما كانت حياته هادئة بعيدة عن أية تعقيدات، فقط تتضمن عمله وأصدقائه وعائلته وليس بها شيء عجيب. إذاً ماذا حدث له؟ لماذا أصبحت حياته مختلفة على هذا النحو بين ليلة وضحاها؟
من جهة تلك المنظمة التي تسعى خلفه، ومن جهة أخرى ذلك الحلم وتلك الفتاة، ومن جهة ثالثة والده الذي أفصح إليه صراحة بأنه قد سحب منه صلاحياته في إدارة شركته وأنه لا يريده أن يديرها إلى حين. سحب الهواء داخل صدره لعله يهدئه من أفكاره الضائقة. فقد تحولت حياته الهادئة إلى أخرى مضطربة كأمواج البحر المتلاطمة. سحبه من دوامة أفكاره دق والدته على باب الحمام وهي تهتف به بضيق: "باسل! باسل! إنت نمت جوة ولا إيه؟! "باسل!!
هتف من الداخل وهو يجبر نفسه على الخروج من أفكاره المتلاحقة: "أيوة يا ماما، خارج اهو." ثم فتح باب المرحاض ليخرج حينما كزت على أسنانها هامسة بضيق: "إيه؟ كله ده في الحمام؟ بتعمل إيه ده كله؟ ارتفع حاجبه ليجيبها بنبرة عابثة وابتسامة متلاعبة تتلاعب بشفتيه: "هكون بعمل إيه يعني في الحمام يا ماما؟ بلاقي بنات مثلاً؟ متخافيش مش مخبي جوة بنات، حتى ادخلي شوفي. ومش معايا تليفون عشان أكلم بنت جوة."
احمرت وجنتيها من الخجل لتقترب منه ليتراجع للخلف متظاهراً بالخوف ثم أجابها بتحذير ممازح: "إيه؟ هتقربي تشميني مثلاً؟ لا أكون كنت بشرب سجاير ولا كولة. والله لو رفعتي الشبشب هكون ناطط من البلكونة. أنا نضيف فلة، متخافيش." ارتفع حاجبها لتجيبه باستهجان: "نضيف فلة؟ ليه كنت قميص في الغسيل؟ ثم أكملت مستدركة: "وبعدين تنط فين يا مجنون يا ابن المجنونة؟ ده إنت لو نطيت هلاقي روحك طالعة لفوق، مفيش كلام." أجابها ضاحكاً:
"طيب كويس إنها هتكون طالعة لفوق مش نازلة لتحت، مادام إنتي متأكدة كده مني يبقى أنا مطمئن. أهم حاجة رضاكي يا قمر." رافق جملته الأخيرة قرصها من خدودها لتبعد يديه بضيق ثم تزيحه للخارج صارخة به بضيق: "طيب يالا برة، الناس مستنياك." لف وجهه جهتها وهي تقف خلفه تزيحه من ظهره وهي بالكاد تصل إلى منتصف عنقه ليجيبها بمزاح: "طيب متزوقيش طيب، عرفنا إن البيت بيتك." صرخت به بحزم وهي تزيحه للخارج:
"برة بقولك، يالا اطلع يا قليل الأدب." ثم أردفت بجملتها الشهيرة التي طالما تضحكه: "آه يا آخرة تربيتك يا حنان، طلعتي فنيتي عمرك كله على ربطة فجل." ضحك بشدة لدرجة رجوع رأسه للخلف وهو يسمعها. دائماً ما يتعمد مضايقتها لتخرج عن طور هدوئها وتتحفه بإحدى تلك الجمل التي تضحكه دائماً. أجابها من بين ضحكاتهما: "ما يمشيش معاكي جرجير طيب؟ "أخرس يا قليل الأدب."
أجابته بحسم بينما وجنتيها تحترق من الغيظ ليضحك عليها بشدة إلى أن جلس في الردهة أمام أصدقائه يضحك لدرجة إدمع عينيه. لتنظر جهته ليليان ثم جهة تلك السيدة الوقورة التي تحترق غيظاً لتقول بضيق: "عملتلها إيه يا باسل؟ ضحك باسل أكثر وهو يسترجع الموقف لتتمتم والدته بضيق: "عيل رخيم بصحيح." ثم صرخت به بعلو صوتها: "والله يا باسل لأكون مربياك، وأما أشوف البنات اللي مخبيهم في الحمام دول هينفعوك إزاي." جعد كلاهما حاجبيه
ليهتف نبيل بدون فهم: "بنات إيه دول اللي مخبيهم في الحمام؟ ليضحك هو بصوت مكتوم لتتساءل ليليان بتعجب: "هو الكلام على إيه؟ مش فاهمة." هنا تعالى صوت ضحكاته أكثر لتهتف والدته من الخارج بغيظ: "بس يا قليل الأدب يا بتاع الكولة." نظرت له بابتسامة متعجبة وهي تتساءل: "هو فيه إيه؟ ضحك نبيل وهو يجيب بهدوء: "أكيد ضايقتها كعادتك صح؟ " كان تقريراً أكثر منه سؤالاً، ليتنهد ثم يتوقف عن الضحك ثم قال بهدوء متفادياً
الحديث عن الأمر: "سيبكم. المهم، فيه إيه؟ كان فيه حاجة أو كنتم عايزين حاجة؟ تنحنح نبيل مجلياً حنجرته ثم تساءل بهدوء محرج: "أبداً، كنت جاي أسأل عليك عامل إيه دلوقتي." ارتفع حاجبه ثم أجاب بنبرة ذات مغزى: "أنا كويس، لسه ما اتجننتش الحمد لله. فيه حاجة تانية؟ تنحنح يبعد وجهه بعيداً وقد احمر وجهه حرجا حينما هتفت ليليان فجأة دون مقدمات: "باسل، هو إنت بجد زي ما قولت؟ يعني البنت دي بتظهرلك؟ يعني إنت مؤمن بالكلام ده؟
وبعدين إنت ناوي تعمل إيه؟ أكيد مش هتطاردها صح؟ ارتفع حاجبيه بصدمة ليصرخ بغضب من حديثها الذي بلا طعم له: "أطارد مين وأنيل إيه؟ ليه شايفني مجنون يا ليليان وتافه للدرجة دي ومورييش حاجة أعملها عشان أطارد بنت غريبة؟ هي دي فكرتك عني يا ليليان إني مهووس وأطارد بنات؟ أكيد لا طبعاً." تنحت تبعد وجهها عنه لتتابع بإحراج وقد احمرت وجنتيها حتى أصبحت تشبه حبات الطماطم وقد غرقت في ملابس من خجلها وإحراجها منه وهي تجيب بتوضيح محرج:
"مش قصدي يا باسل، بس إنت اللي يشوفك وإنت بتكلمها وبتتخانق معاها وبتوضح لها الموضوع في غضب، والغريب إنه تم وسط المصنع لازم يستغرب ويسأل عن خطوتك الجاية." ارتفع حاجبيه حتى كاد يصطدما بفروة رأسه ليجيبها بصدمة: "خطوتي الجاية؟ خطوتي الجاية إيه وبتاع إيه؟ إنت ليه محسساني إنك بتتفرجي على مسلسل وبتسألي الحلقة الجاية هيحصل فيها إيه؟ " ثم أكمل وقد احمر وجهه غيظاً: "ليليان، مفيش خطوة تانية أو تالتة، ماشي؟
اللي حصل ده كان رد فعل طبيعي لحالة غريبة أنا عشتها ومالهاش تفسير بالنسبالي، وتوقعت إنها عندها تفسير للي بيحصل، وخصوصاً إني ألاقيها إنسانة حية موجودة قدامي. لكن إني ملاقيش عندها تفسير للي بيحصل ومتعرفنيش وكمان بتزعقلي، لازم يخليني أفقد أعصابي وخصوصاً من الضغط عليها الفترة اللي فاتت." ثم أكمل بغضب: "زائد إنها زعقتلي وعلت صوتها وشبه هزأتني، فكان لازم أغضب وأفقد أعصابي."
ثم نظر أرضاً مستعيداً الموقف ومعه استعاد هدوئه مكملاً بتأنيب: "بس بيتهيألي إن أنا اللي هزأت نفسي، يعني لو كنت طولت بالي واتكلمت كويس كان ممكن موصلش للموقف ده وأقلل قيمتي قدام الكل، بس في النهاية الموقف ككل كان غصب عني لأنه خارج حدود تفكيري واستيعابي." "طيب وهتعمل إيه يعني؟ هتحاول تدور عليها ولا هتفهم الموضوع؟ ويترى هتجيلك تاني ولا إيه؟ ارتفع حاجبيه بتعجب ليجيبها بتعجب ممزوج بالسخرية:
"من إمتى الفضول والتدخل في حياتي ده يا ليليان؟ صمتت ليجيبها ببساطة وإن كان يكتنفها الضيق الشديد من تدخلها السافر ذاك بحياته: "وعشان أريحك وأرضي فضولك اللي هيقتلك وجايلك قاعدالي هنا زي المحقق كرومبو، أنا مش هعمل حاجة ومش هدور على حاجة ولا على أي تفسير. في النهاية، اهو حلم زي أي حلم، ساعتين وبنقضيهم وخلصنا. فـ مخلصتش أنا مشاكل الواقع عشان أشغل بالي باللي بيحصل في الأحلام." تنحت بحرج لتجيبه: "باسل، أنا مش قصدي أنا...
رفع يده في وجهها مجيباً ببساطة: "خلاص يا ليليان، خلصنا خلاص. لو سمحتي." صمتت تعض على شفتها السفلى لينقل نبيل نظراته بينهم ليقول بعد فترة صمت وقد كان يتابع ما يحدث وعلى وجهه ابتسامة متسلية ولكنه وجد أنه لابد له من أن يتدخل الآن وإلا سيفقد الآخر نفسه ويبدأ بغضبه الذي للأسف هو أدرى الناس به، ليقول بحسم: "خلاص، خلصنا. بلا أحلام بلا كوابيس، ممكن نركز في شغلنا بقى." ثم وجه كلامه لـ باسل متسائلاً:
"ناوي هتعمل إيه يا باص في صفقة اللحوم الجديدة؟ نظر له ليجيبه بضيق مكبوت: "مش ناوي على حاجة. توفيق بيه البحيري أصدر فرمان بأني ممنوع إني أخطى المصنع أو الشركة خلاص. يحلها هو." بعثر الآخر غرته وهو يجيبه بتفكير:
"بس مش هينفع يا باسل. الصفقة معاد تسليمها قرب والمخزن اللي في المصنع وفي التلاجات من اللحوم قليل مش هيكفي تسليمها. زائد إن المواشي اللي موجودة في المخزن للدبح مش هتكفي كمان. مطلوب منا نعمل برجر وكفتة وما إلى ذلك لتوزيعها في السوق المصري بعيداً عن التصدير. هتعمل إيه؟ كتفيه ليجيبه بهدوء مفتعل: "معرفش. كلم الباشا وقوله أنا حالياً بعيد عن الملعب." نفخ بفمه بضيق ليصرخ بغضب:
"مش وقت عند يا باسل. سمعة الشركة كلها في خطر واحنا معندناش المون الكافية ولازم نلاقي حل في أقرب وقت، وإلا هنقع. لازم تأمن لينا لحوم في أسرع وقت." صمت باسل يعض على شفته السفلى بتفكير ليهتف هو ضاغطاً على الحديد الساخن:
"أنا هكلم عمي توفيق وأقنعه إنك حتى تستلم مجايب الصفقة دي. واهو إنت في النهاية بعيد عن المصنع والشركة، بس على الأقل تجيب مواشي من أي مزرعة. واهو بالمرة تعتبر إنك بتغير جو وبتخرج بعيد عن ضغط المصنع وبتشوف ناس جديدة." حول أنظاره جهته بتفكير لتهتف ليليان برقة محاولة مساندته: "وأنا هحاول مع عمي وأحاول أقنعه." التفت نبيل ينظر لها بابتسامة متسلية ليجيبها بمزاح: "آه ياريت، مش هنلاقي متطوع أحسن منك للمهمة دي."
نظرت له بغيظ ليقطع كلامهم حديث باسل وهو يقول: "خلاص، شوفوا بابا. ولو وافق معنديش مشاكل. هشوف كام مزرعة كده يقولوا كويسة وأشوف يقدروا يمدونا بقد إيه." تنهد بارتياح. حسناً، إن جئنا للعمل فلن يجد أحسن من باسل في ذلك. ليقف هاتفا بهدوء: "تمام، همشي أنا أروح أظبط الشغل وأشوف عمي أقنعه، وأتفق مع الدكاترة اللي تروح معاك المزرعة." أومأ الآخر برأسه وهو ينظر أرضاً بتفكير، ليلف نظره تجاه الأخرى التي يجدها تحدق بـ باسل بهيام،
ليجيبها بابتسامة متسلية: "مش يلا يا ليليان عشان تقنعي عمك توفيق؟ ولا اتراجعتي وناوية تقومي بالمهمة مع باسل؟ رفع باسل وجهه ينظر جهتهما بتعجب ليتساءل بجهل: "تقنعني بإيه؟ فيه حاجة تانية؟ نفت برأسها وهي تنتفض من مكانها تجيبه بتوتر: "لأ لأ، مفيش حاجة. هو بس بيهزر." نظر لهم بتساؤل متعجب لتهتف بالأخرى: "يلا يا نبيل، يلا." ضحك نبيل وهو يقول بهدوء: "يلا يا أختي، أنا بقول كده برضه." رفع أنظاره جهتهما يشيعهم
بها بذهول متعجب وهو يقول: "طيب ما تقعدوا طيب." انتفضت ليليان تجيبه وهي ترى نظرات الآخر العابثة: "لأ لأ، هنمشي عشان نشوف شغلنا. باي." ارتفع حاجبيه بتعجب وهو ينظر لهم ليتساءل بتعجب: "مالهم دول؟ على الجانب الآخر ضحك الآخر لتهتف به بضيق: "بس بقى، كنت هتفضحنا. الله يخرب بيتك." ارتفعت ضحكاته أكثر وهو يجيبها: "ماهو إنتي كده كده مفضوحة جاهزة. أنا معملتش حاجة." زمت شفتيها بضيق لتهتف بغضب: "أمال أنا مش مفضوحة عنده ليه يعني؟
كله عارف إني بحبه وبموت فيه. أشمعنى هو؟ صمتت لتهتف بضيق: "البعيد جبلة." هنا تعالت ضحكات نبيل أكثر ليسمع صداها القريب والبعيد. يعلم جيداً بأنها تعشق باسل، ويعلم بأن باسل لا يبادلها الشعور، لتحترق هي بنيران الحب التي تتلظى بها بينما يتقلب هو بين ثلوج الجهل، ويتركونهم هم يشاهدونهم بضحك وهم يتنكتون عليهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!